Полный текст (6 903 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
الآيات: (٨٥- ٩٩) [سورة الحجر (١٥) : الآيات ٨٥ الى ٩٩]
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)
كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)
التفسير:
قوله تعالى: «وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ» مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن ما أخذ الله به أهل الضلال والعناد، ممن كفروا بالله، وآذوا رسله- هو من سنن الله فى خلقه، فإنه سبحانه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق، ولم يخلقهما عبثا أو لهو، كما يقول سبحانه:
«وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ» (١٦. الأنبياء) . والإنسان
стр. 2697
مما خلق الله، ولم يخلق الإنسان عبثا كما يقول سبحانه: «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ» (١١٥: المؤمنون) . لقد خلق الإنسان ليعبد الله، ويسجد لربوبيته، كما يقول جل شأنه: «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (٥٦: الذاريات) .. وقد خصّ الجن والإنس بالذكر، لأنهما هما الكائنان اللذان فيهما إرادة قادرة على أن تنزع بهما إلى الانحراف عن عبادة الله، وعن الخروج عن طريقه المستقيم.. أو تستقيم على هدى الله.
- وفى قوله تعالى: «وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ» إشارة إلى حتمية الحساب والجزاء لهذين الكائنين- الجن والإنس- من بين المخلوقات جميعا..
إذ أنهما- كما قلنا- هما الكائنان اللذان يقع منهما الانحراف، ويكثر فيهما المنحرفون عن طريق الحق، الذي أقام لله الخلق عليه.
ففى هذا الجزاء الذي يلقاه المنحرفون تقويم لهم، وإصلاح لشأنهم..
- وفى قوله سبحانه: «فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ» عزاء للنبى، ومواساة له، وربط على قلبه، لما يلقى من عناد المعاندين، وسفاهة السفهاء من قومه..
فالساعة آتية، وفيها يسوّى حساب هؤلاء الضالين، فليلق النبىّ سفاهاتهم وحمقاتهم بالصفح الجميل، وليدعهم ليوم الفصل: «يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ» (١٣- ١٤: الطور) .
وقوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ» هو تعقيب على ما تضمنته الآية السابقة، من أن الله سبحانه خلق السموات والأرض بالحق، وأن الساعة آتية لتجزى كل نفس بما كسبت.. وفى وصف الحق جل وعلا بأنه «الخلاق» إشارة إلى أنه يبدع فيما خلق، يخلق.. السماء والأرض.. والنهار والليل، والملك والشيطان، والإنسان الذي يعلو فيكون مع الملائكة، ويسفّ فيكون مع الشياطين.. وفى وصفه سبحانه بأنه «العليم» إشارة أخرى إلى أن هذا
стр. 2698
التنويع فى الخلق، إنما هو عن تقدير وعلم وحكمة..
وفى إضافة النبي الكريم إلى ربه «ربك» ، إيناس للنبى، وتكريم له، حيث تحفّه ألطاف ربه، الذي يدنيه إليه، ويضيفه إلى رحاب ذاته العليّة.
قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» .
اختلف فى السبع المثاني.. ما هى؟ فقيل إنها السبع الطوال من سور القرآن الكريم: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، (والأنفال، والتوبة. باعتبارهما سورة واحدة) وقيل إنها الحواميم السبعة، وهى غافر (المؤمن) والسجدة (فصلت) والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف.. وقيل إنها الفاتحة.. (أم الكتاب) .
والرأى الذي نطمئن إليه، أن السبع المثاني، هى الآيات السبع التي احتوتها أم الكتاب..
وسميت مثانى لأنها ثناء خالص على الله.. ليس فيها قصص، أو أحكام، أو غير هذا مما تضمنه القرآن الكريم.. فهذه السبع المثاني هى:
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ..» «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ..» «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ..» «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ..» «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ..»
فهذا ثناء خالص على الله سبحانه. وتسبيح بحمده، وولاء بالعبادة له وحده، واستمداد للعون منه وحده، والبراءة من كل ما سواه.
стр. 2699
«اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» «صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ..»
وهذا دعاء خالص لله سبحانه، والدعاء تسبيح وعبادة، بل هو- كما قيل- مخّ العبادة..
فهذه الآيات السبع هى ثناء على الله.. سواء ما كان منها تسبيحا صريحا، أو تسبيحا فى صورة دعاء..
والمثاني، جمع مثناة، وهى مفعلة من الثناء، اسم مرّة، أو مصدر ميمى..
- قوله تعالى: «وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» عطف على «سبعا» . من عطف الكل على الجزء، إلفاتا إلى الجزء، واحتفاء به.. كما تقول أكلت العنب والفاكهة..
واختصاص الفاتحة بالذكر، مع أنها من القرآن الكريم، للتنويه بها، لأنها أم الكتاب، وهى التي اختصت من بين آيات القرآن الكريم بأن تكون الذكر الذي يذكر به الله فى الصلاة.. فمن صلى بغيرها كانت صلاته ناقصة، كما فى الأثر: «من صلّى بغير أم الكتاب فصلاته خداج» أي ناقصة، كما يولد المولود لغير تمام، فيقال: ولد خداجا..
وفى وصف القرآن الكريم بقوله تعالى: «وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» إشعار بأن تقديم أم الكتاب عليه، وإن كان فيه تنويه بها، ورفع لقدرها، فإنه لا ينقص من عظمة القرآن، ولا ينزل من منزلته العالية التي لا تنال..
فهو القرآن العظيم.
قوله تعالى: «لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ» .
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآية السابقة كانت تمهيدا لهذه
стр. 2700
التوجيهات التي تلقاها النبي الكريم من الله ..
فقد ذكّر النبي- صلوات الله وسلامه عليه- فى الآية السابقة بما بين يديه من نعمة عظيمة، وفضل كبير من ربه.. فلقد آتاه الله السبع المثاني والقرآن العظيم.. وهذا عطاء لا توزن الدنيا كلها وأهلها، بكلمة من كلماته..
- وفى قوله تعالى: «لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ» - استصغار لهذا الزخرف من الحياة الدنيا الذي جعله الله متاعا لهؤلاء المشركين الضالين، وإنه لا ينبغى للنبى الكريم أن يلتفت إلى شىء من هذا المتاع، راضيا بهذا الفضل العظيم الذي بين يديه من كلمات ربه، واصطفائه لتلقيها وحيا من السماء، مستغنيا عن كل ما فى هذه الدنيا من مال ومتاع.
- وفى قوله تعالى: «أَزْواجاً مِنْهُمْ» إشارة إلى كثرة من أنعم الله عليهم، وابتلاهم بهذه النعم من المشركين.. فالأزواج كثرة، والأفراد قلة ثم إن التزاوج فى ذاته نعمة من نعم الله، كما يقول سبحانه مذكّرا بهذه النعمة: «وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً» (٨: النبأ) .
وفى قوله تعالى «مِنْهُمْ» تهوين لشأنهم، وإضراب عن ذكرهم، بالحديث عنهم بضمير الغائب، فهم غائبون وإن كانوا حاضرين..
- وفى قوله تعالى: «وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ» استخفاف بهم أيضا، وأنهم لا يستحقون أن يحزن النبي، أو يجد فى نفسه شيئا من هذا الضلال الذي هم فيه، ولهذا المصير المشئوم الذي ينتظرهم.. فهم أهل لهذا الضلال، وهذا المصير الذي هم صائرون إليه وإن كانوا أهله، وقرابته.
- وقوله تعالى: «وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ» احتفاء بشأن للمؤمنين، ورفع لمنزلتهم، وأن على النبي أن يلقاهم حفيّا بهم، مكرما لهم، متجاوزا عن هناتهم.
стр. 2701
قوله تعالى: «وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ» - هو إعلام للنبى بالأذان الذي يؤذّن به فى الناس جميعا، وهو أنه النذير المبين، الذي يكشف لهم معالم الطريق إلى الهدى، ويريهم مغبة التنكّب عن هذا الطريق، وركوب طرق الكفر والشرك.. وقد قالها النبىّ الكريم صريحة لهم كما جاء فى قوله ﷺ : «أنا النذير العريان» أي الفزع، كالنذير الذي جاء ينذر قومه بالهلاك المقبل عليهم، فأعجله ذلك عن أن يلبس ملابسه، فجاءهم عريانا.
قوله تعالى: «كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ» .
المقتسمين: الذين اقتسموا كلام الله، فأخذوا بعضه، وأعرضوا عن بعض..
وهؤلاء هم أهل الكتاب من اليهود الذين قال الله فيهم:
«أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» (٨٥: البقرة) .. والعضين: جمع عضو، وأصله عضوين.
والتشبيه فى قوله تعالى: «كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ» يشير إلى المشبه، وهو قوله تعالى «وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ» أي قل هذا القول لقومك، كما قاله الرسل السابقون إلى أقوامهم، فيما أنزلنا على هؤلاء المقتسمين من أهل الكتاب على يدرسلهم.. إذ كل رسول كان لسانه إلى قومه هو قوله:
«إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ» .
- وقوله تعالى: «الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ» هو صفة للمقتسمين، وكشف عن معنى ما اقتسموه، وهو القرآن الكريم الذي قبلوا بعضه، وردّوا بعضه، فجعلوه أبعاضا، وهذا- فوق أنه كفر- هو سفه، ومكر بآيات الله.. فإن الحقّ كيان واحد، فإما أن يقبل كله، أو يرد كلّه..
والقرآن الكريم إما أن يكون كلام الله، فيقبل، أولا يكون من كلام الله،
стр. 2702
فيردّ.. أما أن يقبل بعضه ويردّ بعضه، فذلك هو النفاق العقلىّ، الذي يخون به المرء نفسه، ويخادع منطقه.
قوله تعالى: «فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ» تهديد لهؤلاء المشركين المعاندين من قريش، وهؤلاء المكذبين المنافقين من أهل الكتاب، ولهذا جاء قوله تعالى «أجمعين» جامعا لهم جميعا فى موقف المساءلة، والجزاء..
قوله تعالى. «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» .
الصدع: أصله الشقّ فى المواد الجامدة.. ومنه قوله تعالى: «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» (٢١: الحشر) .
والمراد بالصدع الذي أمر به النبي هنا، هو أن يكشف عما أوحى إليه من ربّه، وأن يظهره للناس، ويبلغه إياهم.. والتعبير عن هذا بالصدع، يشير إلى أمرين:
فأولا: أن هذه المهمة التي يقوم بها النبي مهمة شاقة عسيرة، من شأنها أن يتصدع لها كيان الإنسان، كما تتصدع الأرض حين تنشق عن النيات المخبوء فى صدرها.. كما يقول جل شأنه: «وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ، وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ» (١١- ١٢: الطارق) ، وإلى ثقل هذه المهمّة يشير قوله تعالى:
«إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا» (٥: المزمل) وثانيا: أن هذا الذي يصدع به النبىّ ويخرجه من صدره، هو مما تتزوّد به النفوس، وتحيا عليه القلوب، كما تتزود الأجساد بما تخرج الأرض من حب وثمر، يمسك وجودها، ويحفظ حياتها..
قوله تعالى: «إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» هو تطمين للنبىّ، وتثبيت له على طريق دعوته، وعون من الله له، على أداء مهمته الثقيلة. وأن الله هو الذي سيتولى حساب
стр. 2703
هؤلاء الذين يقفون فى طريقه، يهزءون به، ويسخرون منه، وليس هذا منهم وحسب، بل إنهم ليجعلون مع الله إلها آخر.. فجريمتهم جريمتان.. استهزاء بالنبيّ، وكفر بالله، وواحدة منهما مهلكة لمقترفها، فكيف بمن اقترف الجريمتين معا؟.
- وفى قوله تعالى: «فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» تهديد ووعيد لهؤلاء المستهزئين بالرسول، الكافرين بالله..
قوله تعالى: «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» .
التعبير بفعل المستقبل «نعلم» مع أن علم الله حاضر- إشارة إلى أن ما كان من المشركين من استهزاء بالنبي، وما يكون منهم، فإن الله يعلمه علما قديما قبل أن يكون، وعلما مقارنا للفعل بعد أن يقع.
وما يقوله المشركون مما يضيق به صدر النبي، هو ما يرمونه به من قولهم:
شاعر مجنون، وقولهم: هو كاذب، وقولهم: هو ساحر.. مما حكاه القرآن من مقولاتهم الحمقاء فى النبىّ الكريم..
- وقوله تعالى: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ» هو إلفات للنبى ألّا يعطى أذنه لهذا اللغو الذي يلغو به هؤلاء المشركون، وأن يدع أمرهم إلى الله، فهو الذي يعلم ما يأتون من منكرات فى جانب النبىّ، والله سبحانه هو الذي يتولّى حسابهم، ويكفيه استهزاءهم.. ومن ثمّ وجب على النبىّ أن يتجه بكيانه كله إلى حمد ربّه، والسجود له، حمدا وشكرا، على ما أولاه من نعمه، وأفضاله..
- وقوله تعالى: «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» معطوف على ما قبله وهو
стр. 2704
قوله تعالى: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ» .. أي اجعل هذا التسبيح، وذلك السجود، عبادتك لله، حتى آخر نفس من أنفاسك فى هذه الحياة، حيث يأتيك اليقين، وهو وعد الله الذي يشهد عنده الإنسان مشاهد الحق، وعندها يستيقن ما كان يؤمن به، أو ينكره، أو يشك فيه، من لقاء ربّه، ومن الحساب والجزاء.. فللإنسان عند لقاء الموت صحوة يطّلع منها على ماوراء هذه الدنيا، فإذا مات، رأى عالم الحقّ عيانا.. وفى هذا يقول النبىّ الكريم: «الناس نيام.. فإذا ماتوا انتبهوا»
стр. 2705
١٦- سورة النحل
نزولها: مكية.. إلا آيات منها فمدنية عدد آياتها: مائة وثمان وعشرون آية عدد كلماتها: ألفان وثمانمائة وأربعون كلمة عدد حروفها: سبعة آلاف، وسبعمائة، حرف، وسبعة أحرف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٩) [سورة النحل (١٦) : الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)
стр. 2706
التفسير:
بهذا البدء: «أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ» تبدأ هذه السورة، فيلتقى بدؤها مع ختام السورة التي قبلها، وكأنه جواب على سؤال تلوّح به الآية التي كانت ختاما للسورة السابقة..
ففى ختام سورة الحجر، كان قوله تعالى: «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» - كان هذا مثيرا لبعض الأسئلة: ما هو اليقين؟ ومتى هو؟ وهل يطول انتظاره؟
وقد جاء قوله تعالى: «أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ» مجيبا على هذه الأسئلة.
فاليقين: هو أمر الله، وهو يوم القيامة.. وقد كان المشركون يسألون.. منكرين هذا اليوم، ومستعجلين وقوعه إن كان له وجود، وفى هذا يقول الله تعالى:
«فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً» (٥١: الإسراء) .. ويقول سبحانه: «اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها» (١٧- ١٨: الشورى) .
أما موعد هذا اليوم، فعلمه عند الله.. ولكنه قريب.. وهل بعيد هو ذلك اليوم الذي ينتهى فيه عمر الإنسان، ويفارق هذه الدنيا؟ إن الموت قريب من كلّ إنسان، فقد ينتزع روحه وهو قائم، أو قاعد، أو سائر. فليس للموت نذر يقدمها بين يديه لمن انتهى أجله.. وإذن فالموت مصاحب لكل إنسان، دان منه، ممكّن من انتزاع روحه فى أي لحظة من لحظات حياته..
وإذا مات الإنسان، فقد قامت قيامته، بمعنى أنه رحل من الدنيا، دار الفناء، إلى الآخرة، دار البقاء..
стр. 2707
- وفى قوله تعالى: «أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ» تقرير لحقيقة واقعة، وهى أن أمر الله، وهو انتقال الناس من دار الفناء إلى دار البقاء- قد أتى فعلا منذ كان للناس حياة على هذه الأرض.. فلم يستعجلون أمر الله فيهم، وهو موجود بينهم، عامل فيهم؟ إن الموت يأتى كل يوم على أعداد كثيرة من الناس، فمن لم يمت اليوم، فهو سيموت غدا أو بعد غد فلم يستعجل الناس أمرا يطلبهم؟
وفى قوله تعالى: «سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» تنزيه لله عن هذا الشرك الذي هم فيه، وعن هؤلاء الشركاء الذين يعبدونهم من دونه.. ثم هو إلفات لهم إلى أن يخرجوا من هذا المنكر الذي هم فيه، وقد أظلّهم يوم القيامة، ونزل بهم أمر الله.. فإنهم إن لم يسرعوا للفرار مما يعبدون من دون الله، أدركهم الموت، ووقعوا فى شباكه ولم يكن لهم ثمّة سبيل إلى النجاة..
وقوله تعالى: «يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ» .
هو نذير بين يدى أمر الله الواقع، ينذر هؤلاء المشركين، أن يتخلصوا من شركهم، وأن يخلصوا عبادتهم لله وحده، وأن يتقوه، ويحذروا عقابه..
فهو سبحانه- رحمة بعباده- قد بعث فيهم رسله، وأمرهم أن ينذروا الناس بما أوحى إليهم من أمره، الذي هو دعوة إلى الإيمان به، والولاء له، والبراءة من كل شريك..
والرّوح، هو أمر الله الذي تحمله الملائكة إلى رسل الله، وهو كلماته المنزلة على الرسل، وسميت روحا لأن فيها الحياة للناس، فمن لم يأخذ حظّه منها، فهو ميت، وإن كان فى عالم الأحياء.. وفى هذا يقول الحق جلّ وعلا:
«أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها» (١٢٢: الأنعام) .
стр. 2708
قوله تعالى: «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ» .
هو استعراض لقدرة الإله الواحد، الذي يدعو رسل الله إلى عبادته وحده.. فهو سبحانه الذي خلق السموات والأرض بالحقّ.. فحقّ على هذه المخلوقات جميعها أن تعبده، وأن توجه وجوهها إليه..
- وفى قوله تعالى: «خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ» - إشارة إلى أن الإنسان، وهو مما خلق لله، قد خرج عن الولاء لله، وكفر به، ووقف خصما لله، ويحاربه.. وهو- أي الإنسان- مخلوق ضعيف خلق من ماء مهين، وجاء من نطفة أمشاج، ولكنّ قدرة الله، قد صورت من هذا الماء المهين، ومن تلك النطفة القذرة كائنا، له عقل، وله إرادة، وقد كان جديرا به أن يرتفع بعقله وإرادته عن عالم الطين، وأن يسمو إلى مشارف العالم العلوي، إلا أنه قد استبد به الغرور، واستولى عليه الهوى، فكان أن كفر بخالقه، وجحد الرّبّ لذى أنشأه وربّاه «إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» (٣٤: إبراهيم) وقوله تعالى: «وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» ..
هذا عرض لبعض مظاهر قدرة الله، وفضله على عباده، الذين كفروا بنعمته، وضلوا عن سبيله. فهو- سبحانه- الذي خلق الأنعام كلها، ينتفع الإنسان منها فى وجوه كثيرة.. فمنها كساؤه وغطاؤه، الذي يدفع عنه عادية البرد والحر، ومنها طعامه الذي يغتدى به، فيأكل من لحمها، ولبنها.. ومنها يجد الرّوح لنفسه، والبهجة لعينيه، إذ يراها، غادية رائحة بين يديه، وعليها
стр. 2709
يحمل أثقاله، وبمتطيها ركوبة له إلى أماكن بعيدة، لم يكن يبلغها سعيا على قدميه إلا بشق الأنفس.. وذلك من رحمة الله به، وشفقته عليه.. «إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ..»
وقوله تعالى: «وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» .
هو تفصيل لهذا الإجمال الذي جاء فى قوله تعالى: «وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ» . فمن هذه الأنعام: الخيل والبغال، والحمير.. وهى دواب الركوب والحمل، ومراكب البهجة والمتعة، حيث يستوى الإنسان على ظهرها، فيجد لذلك ما ببهجة، ويشرح صدره، ويعلى فى الناس منزلته وقدره.
- وفى قوله تعالى: «وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ» إشارة إلى ما خلق الله من مخلوقات لا يعلمها إلا هو، ولا يملك تسخيرها إلا هو، إذ لا تخضع لسلطان الإنسان، ولا تستجيب لعلمه.
- وفى قوله تعالى: «وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ» إشارة إلى أن من هذه الحيوانات ما هو مستجيب لحاجة الإنسان، قد يسر الله طبيعته حتى توافق طبيعة الإنسان وتألفه، ومنها ما هو جائر، أي منحرف عن وجهة الإنسان، غير متلاق معه، أو آلف له.
- وفى قوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» دفع لهذا الاعتراض الذي يندفع فى بعض الصدور، حين يرى أصحابها هذه المخلوقات الكثيرة التي لا تفيد الإنسان. بل ربما كانت أعداء تتربص الشر به، وتتحين الفرصة للقضاء عليه، فينكر خلق مثل هذه الحيوانات، ولا يعترف لها بحق الوجود على الأرض، إذ لا حكمة من خلقها، ولا فائدة من وجودها، فى تقدير الإنسان وحسابه.
стр. 2710
وهذا خطأ من وجوه.
فأولا- ليس الإنسان وحده هو المالك لهذه الأرض، المستقل بها..
بل إنه كائن من كائناتها، ومخلوق من مخلوقات الله فيها. وكونه خليفة الله على الأرض ليس بالذي يمنع من أن يكون معه غيره.. بل أن خلافته لا تتم إلا إذا كانت له رعايا يسوسها، ويقوم على تدبيرها. وأنه كلما تعددت هذه الرعايا، واختلفت صورها وأشكالها، كان ضبط الإنسان لها، وسيادته عليها، دليلا على أهليته لهذه الخلافة، واستحقاقه لها.. والله يقول: «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» (٣٨: الأنعام) وثانيا- ليس ما لا ينتفع به الإنسان دليلا على أنه غير ذى نفع له، فقد يكون فيه نفع كثير للإنسان ذاته، وإن خفى ذلك عنه.. وأنه إذا لم يكن فى مقدور الإنسان الآن أن يسخر كثيرا من المخلوقات، وينتفع بها، فقد يستطيع يوما أن يجد الوسيلة التي تمكّن له من الانتفاع بها فى وجوه كثيرة.. فقد كان الإنسان الأول يخاف جميع هذه الحيوانات التي استأنسها اليوم وسخرها، بل إنه كان ليعبد بعضها اتقاء لشرّه، فأصبح الآن يتخذها مركبا له!! وثالثا: أن هذه الحيوانات، هى من قوى الطبيعة، التي استطاع الإنسان بذكائه، أن يدلل كثيرا من تلك القوى التي كانت فى وقت ما قوى مخيفة، تهدّد أمن الإنسان وسلامته، فما زال بها حتى انقادت له، وأصبحت قوة مسخرة بين يديه، سواء أكانت تلك القوى من عالم الحيوان أو عالم الجماد..
ومطلوب من الإنسان أن يوجّه مدركاته كلها، إلى كل حرون شارد من هذه القوى، ويتعرف إلى مواطن الخير فيها.. وبهذا تظل مدركات الإنسان معاملة غير معطلة، تزداد مع الأيام قوة وتمكينا..
стр. 2711
رابعا: لماذا يرى الإنسان هذه الانحرافات فى عالم الحيوان- وهى انحرافات من وجهة نظره هو- ثم لا يرى ما يموج فى مجتمعه الإنسانى من منحرفين وضالين؟ أليس هذا من ذاك سواء بسواء؟ فكما فى الناس مصلحون ومفسدون، ومهتدون وضالون، كذلك فى عالم الحيوان، المسالم والشرس، والأليف والمتوحش.. هكذا أنتم أيها الناس، وهكذا عالم الحيوان..
«وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ»
الآيات: (١٠- ١٩) [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠ الى ١٩]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩)
стр. 2712
التفسير:
ومن عالم الحيوان، وما فيه من نافع وضار، ومسالم ومشاكس، إلى النبات الذي يتغذى من ضرع السماء، فتتزين الأرض بأشجاره وأزهاره، ويطعم الإنسان من حبّه وفاكهته.. ومن عالم الأرض وما فيها من حيوان ونبات، إلى عالم السماء، وما فيها من شمس وأقمار ونجوم- ففى كل عالم، وعلى كل موقع منه، نظر لناظر، وعبرة لمعتبر.
وفى قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ» - مظهر من مظاهر قدرة الله.. فهو سبحانه الذي أنزل من السماء ماء، فيه حياة كل حىّ، فيه حياة الإنسان، وحياة الحيوان، طعاما وشرابا.
- وقوله تعالى: «فِيهِ تُسِيمُونَ» أي فيه ترعون أنعامكم.. وسمّيت الأنعام سائمة، لأنها تسم الأرض بأرجلها، أي تترك فيها أثرا، أو تسم المراعى بما تأكل منها، فتترك آثارها عليها..
وفى قوله تعالى: «يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ» .. بيان لما تخرجه الأرض من نبات يطعم منه الإنسان، بعد أن أشارت الآية السابقة إلى ما تخرج الأرض من نبات ترعاه الأنعام..
قوله تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ.. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» - إشارة إلى مظهر من مظاهر القدرة الإلهية، وما تفيض على الناس من نعم. فبقدرته- سبحانه- سخّر لنا الليل والنهار، وجعلهما يتعاقبان، على هذا النظام، الذي قاما عليه، وانتظم وجودنا به..
- وفى قوله تعالى: «وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ» .. يمكن أن تكون
стр. 2713
الواو للحال، والجملة بعدها حالا، من فاعل الفعل «سخّر» وهو الله .. والتقدير: وسخّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر، فى حال أن النجوم مسخرات بأمره.. وبهذا يرتبط النظام الكونى للكواكب والنجوم بعضه ببعض، وتنتظمه حال واحدة، وهى التسخير لقدرة الله..
ويمكن أن تكون الواو للاستئناف، لا للعطف، على اعتبار أن للنجوم- فى ظاهر الأمر- وضعا غير وضع الليل والنهار والشمس والقمر.. إذ أن حركة الليل والنهار، والشمس والقمر، حركة تظهر آثارها، وتنطبع صورتها على الوجود الأرضى، بحيث يتأثر بها كل كائن. فى هذا الوجود، وينظم وجوده عليها.. وليس كذلك شأن النجوم.. إذ يمكن أن يهمل الإنسان شأن النجوم، فلا يلتفت إليها، ولا يقيم وزنا لوجودها، دون أن تتأثر حياته كثيرا بذلك، أو يشعر بأن شيئا ذا بال قد افتقده.. ومع هذا، فإن للنجوم شأنا كشأن الشمس والقمر، وأنها مسخرة بيد القدرة، كالشمس والقمر، وإن كان الإنسان فى غفلة عنها، ولهذا جاءت فاصلة الآية: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» لتلفت العقل إلى هذه الظاهرة، ظاهرة النجوم وحركاتها فى السماء، وتسخيرها فى مداراتها، وأن أصحاب العقول وحدهم هم الذين يرون هذه الظاهرة، ويتعرفون إلى آثار رحمة الله وقدرته.. وأنه إذا التفت العقل إلى هذه النجوم التفاتا جادّا متفحّصا، وجد عالما رحيبا لا حدود له، وأكوانا عجيبة تذهل لجلالها العقول، وتخشع لروعتها القلوب.. إذ ليست هذه النجوم التي تبدو وكأنها حبّات من اللؤلؤ المنثور فى السماء، إلا أجراما أكبر من الشمس، وأن أصغر نجم فيها يعدل جرم الشمس آلاف المرات، وأن صغر حجمها، وقلة ضوئها بالنسبة للشمس إنما مرجعهما إلى بعدها البعيد عنّا، حتى ليبلغ مدى هذا البعد مئات الألوف، وألوف الألوف من السنين الضوئية، كما كشف عن ذلك علم الفلك..؟
стр. 2714
ولعلك- بعد هذا- تدرك السرّ فى اختلاف فاصلة هذه الآية، عن الآية التي قبلها، والآية التي بعدها، حيث جاءت ثلاثتها هكذا:
«إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ..»
«إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ..»
«إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ..»
(فاختصّت آية الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، بأصحاب العقول، كما اختصت بأن فيها «آيات» لقوم يعقلون، لا آية واحدة! .. ففى كل نجم آيات وآيات) (على حين اختصت آية الماء والزروع، بمن يتفكرون، فيرون فيما وراء هذا الظاهر الذي يجابه حواسّهم، دلائل تدل على قدرة الله وعلمه وحكمته) .. (ثم كان الإلفات إلى عالم النبات، وإلى اختلاف ألوانه وطعومه آية بعد آية لقوم يذّكرون، فيربطون بين هذه الوجوه المختلفة للنبات، ويصلون بعضها ببعض) ..
قوله تعالى: «وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ.. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ» ..
ذرأ: خلق، وأوجد.. والذرء: إظهار الشيء..
والآية معطوفة على الآية التي قبلها، والتقدير، وسخر لكم الشمس والقمر، وسخر لكم ما ذرأ.. و «مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ» حال..
والمعنى، أن الله سبحانه قد سخّر لكم ما أنبت فى الأرض من نبات، مختلف الألوان، فجعله مستجيبا لكم، جاريا على ما ألفتموه منه، تغرسون الحب، فينمو، ويزهو، ويثمر.. هكذا على نظام لا يتخلّف أبدا.. إنه آلة مسخرة، لا يملك من أمره شيئا.. إذ ليس له إرادة يمكن أن تخرج به عن السّنن المعهود له، والنظام الذي أقامه الله عليه.
стр. 2715
قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» .
تتحدث الآية هنا عن مقطع من العالم الأرضى، وهو مقطع البحار، وما سخّر الله فيها من منافع للناس.. حيث يؤكل منها السمك، ويستخرج منها اللؤلؤ والمرجان للزينة، وتجرى فيها السفن، تحمل الناس والمتاع من بلد إلى بلد..
وفى هذه الآية أمور..
فأولا: إفراد كلمة «البحر» .. وهذا يشير إلى أن عالم الماء كائن واحد، وأن أجزاءه الداخلة فى اليابسة متصلة به، بحيث ينبض كله بحياة واحدة، ويأخذ جميعه مستوى واحدا..
وثانيا: لم تذكر الأنهار، مع أنها مصدر الماء العذب الذي يحيا عليه الإنسان والحيوان والنبات، كما أنها كالبحر.. يؤكل منها السمك الذي يعيش فيها، وتجرى عليها السفن- وذلك لأن الأنهار وليدة البحار، فهى فرع من أصل، وذكر الأصل يغنى عن ذكر الفرع.. إنه أي البحر عالم وحده، وسيجيئ للأنهار ذكر فى مكانها، حين يجىء ذكر الأرض..
وثالثا: وصف لحم السمك بأنه لحم طرىّ، إشارة إلى أنه يختلف عن لحم الحيوان، من ضأن، وبقر، وجمل، وغيرها.. لأن لحم السمك هشّ، طرى، غير متماسك تماسك لحم هذه الحيوانات.. وهو لهذا هيّن المضغ، سهل الهضم..
ورابعا: فى قوله تعالى: «وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ» - عدول عن خطاب الجمع إلى المفرد، وفى هذا مزيد عناية إلى هذه الظاهرة، وتوجيه نظر
стр. 2716
الإنسان إليها بذاته، دون أن يكون نظره من وراء نظر الآخرين، أو معهم، وذلك ليشهد بنفسه بعض مظاهر قدرة الله وحكمته، فى هذه الفلك التي تمخر عباب الماء، محمولة على ظهره بأثقالها، وما عليها من إنسان، ومتاع.. على حين أنك لو ألقيت فى هذا الماء حصاة لهوت إلى القاع! فكيف بهذا الماء، يحمل هذه السفن التي كالجبال على ظهره، دون أن تهوى إلى قاعه؟
قوله تعالى: «وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلاماتٍ، وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» ..
وفى مقابل هذا البحر، وما فيه من نعم، هذه الأرض اليابسة وما فيها لله من آيات، وما تحدّث به تلك الآيات من قدرة الله، وحكمته..
- وفى قوله تعالى: «وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ» وفى التعبير عن إرساء الجبال على الأرض بقوله تعالى: «أَلْقى فِي الْأَرْضِ» إشارة إلى أنها جاءت من عل، وذلك لعلوّها وإشرافها على الأرض. وفى تعدية الفعل «ألقى» بحرف الجر «فى» بدلا من «على» إشارة أخرى إلى أن هذه الجبال لم تطرح على الأرض طرحا، بل غرست فيها غرسا، كما تغرس الأوتاد فى الأرض.. كما يقول جل شأنه: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً» ؟
(٦- ٧: النبأ) .
- وقوله تعالى: «أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ» علة كاشفة عن بعض الحكمة فى غرس هذه الجبال فى الأرض، وذلك لأن وجودها على الأرض يعطى الأرض تماسكا وصلابة، فلا تضطرب أو تهتزّ أو تذوب فى مياه البحار، كما يذوب الملح فى الماء.
- وقوله تعالى: «وَأَنْهاراً وَسُبُلًا» معطوف على قوله تعالى: «وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ» أي وشق فيها أنهارا وسبلا أي طرقا.. وهذه الأنهار
стр. 2717
والطرق، هى التي تيّسر للإنسان الانتقال من مكان إلى آخر، فتصل الناس، بعضهم ببعض، حيث يتبادلون المنافع بينهم..
- وفى قوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» إشارة إلى ما لهذه الأنهار، والسبل من آثار فى هداية الناس، واتخاذها معالم يتعرفون بها وجوه الأرض ومكانهم منها، ومتّجههم فيها، ولولا ذلك لكانت الأرض أشبه بصفحة بيضاء، ليس فيها شىء يقرأ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَعَلاماتٍ» أي أن هذه الأنهار والسبل كما أنها طرق للسالكين يهتدون بها إلى وجهاتهم التي يقصدونها، هى كذلك معالم، وسمات لبقاع الأرض المختلفة، تميز بعضها من بعض.
ويجوز أن تكون «علامات» معطوفة على «أنهارا وسبلا» أي وجعلنا فى الأرض أنهارا وسبلا تهتدون بها، وجعلنا فيها كذلك «علامات» تميز بعض الجهات عن بعض، فبعض الأرض صحارى، وبعضها غابات، وبعضها أحراش، وبعضها سهل، وبعضها وعر.. وهكذا..
- وقوله تعالى: «وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» هو معطوف على قوله تعالى:
«لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» بهذه الأنهار والسبل، وتهتدون كذلك بالنجوم..
وفى العدول عن الخطاب إلى الغيبة حيث جاء النظم القرآنى «وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» بضمير الغائب، على حين أن سياق النظم يقتضى أن يجىء بضمير المخاطب هكذا: - وبالنجم أنتم تهتدون- فى هذا العدول إشارة إلى أمور.. منها:
أولا: أن النجوم فى السماء مشرفة على الناس جميعا، بحيث لا يراها أحد دون أحد، على خلاف الأنهار والسبل، فإنها تختلف فى مكان عنها فى مكان آخر.. وتوجد فى أمكنة ولا توجد فى أخرى.. ومن هنا كان الخطاب
стр. 2718
فى حال الأنهار والسبل، ليكون ذلك فى مواجهة من عندهم الأنهار والسبل..
وكانت الغيبة فى حال النجم، ليكون ذلك حديثا عاما للناس جميعا غائبهم وحاضرهم.. ذلك أنه إذا كان الغائبون يهتدون بها، فأولى أن يهتدى بها المخاطبون.. ومن ثمّ فلا داعى لذكرهم، إذ هم مذكورون من باب أولى..
وثانيا: الأنهار والسبل، لا يهتدى بها إلا كلّ من أعمل عقله، وأجهد تفكيره، وأحسن التدبير، وإلا ضلّ الطريق.. فركوب الأنهار، والطرق يحتاج إلى فطنة وذكاء، وإلى جمع خاطر، وحضور فكر.. ومن هنا كان مقتضى الحال أن ينبه إلى ذلك بهذا الخطاب.. أما النجم فهو علامة ظاهرة ثابتة، لا تتبدّل ولا تتحول.. وما هى إلا نظرة يلقيها الناظر إليه، حتى يكون على علم بوجهته التي يريد أخذها.. ومن ثمّ لم يكن ما يدعو إلى استحضار من يهتدون به..
هذا وقد أفرد «النجم» هنا، لأن النجم الذي يهتدى به فى التعرف إلى الجهات هو نجم واحد، وهو النجم القطبي.. وهذا لا يمنع من أن يكون هناك نجوم أخرى يهتدى بها السائرون فى الليل، ولكنها ليست نجوما ثوابت، كالنجم القطبي.. فبعض النجوم تظهر صيفا، وبعضها شتاء.
أما النجم القطبي فهو ظاهر أبدا، وفى مكان ثابت دائما.. ومن أجل هذا اختص «النجم» بالذكر هنا، حيث كان فى سياق تعداد نعم الله، فيما هيأ سبحانه للناس من معالم للتعرف بها على مسالك الجهات والبلاد.. ولم يكن للنجم هذا الاختصاص، حين كانت الإشارة إلى هذه النعمة إشارة عامة فى سياق نعم أخرى، فذكر مع غيره من النجوم فى قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» (٩٧: الأنعام) .
стр. 2719
قوله تعالى: «أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ» هو تعقيب على هذه النعم التي بثّها الله فى الأرض، وفى السماء، وفى البحار، وفى اليابسة.. وفى هذا استحضار لعظمة الله وقدرته، فى مواجهة هؤلاء المعبودين الذين يعبدهم المشركون، ويسوّون بينهم وبين الخلاق العظيم.. وفى تلك المواجهة يظهر قدر هذه المعبودات، وتنكشف ضآلة شأنها عند من ينظر إليها، وينتفع بما يجىء به إليه نظره منها، إذا هو وازن ذلك بما يأتيه به النظر فى آيات الله ومبدعاته فى هذا الوجود..
قوله تعالى: «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» هو خطاب لأولئك الذين نظروا فى آيات الله، وفى النعم التي أفاضها عليهم، وجعلوا يقرءون فى صحف الوجود هذه الآيات وتلك النعم، وإنهم لن ينتهوا أبدا من القراءة، ولن يطووا هذه الصحف، إذ كلما نظروا إلى آيات الله، جاءهم منها جديد، لا يحصيه عدّ، ولا يحصره عدد..
- وفى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» إشارة إلى أن هذه النعم التي أفاضها الله على عباده، والتي لا تحصى عددا، لا يقوم بشكرها الشاكرون، ولو أفنوا أعمارهم يسبحون بحمد الله ويشكرون له، ومع هذا فإن الله يقبل منهم القليل من الشكر، ويتجاوز لهم عن كثير.. «إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
قوله تعالى: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ» .. أي أن شكر الشاكرين وحمدهم، سواء أكان سرّا أو جهرا، هو معلوم لله، وأنه مقبول عنده السرّ والجهر، كما يقول سبحانه. «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» (٢٧١: البقرة)
стр. 2720
الآيات: (٢٠- ٢٩) [سورة النحل (١٦) : الآيات ٢٠ الى ٢٩]
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)
التفسير:
قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ» - هو جواب لمن أعماه الضلال، فلم يجد الجواب لقوله تعالى: «أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ»
стр. 2721
لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ» .. فهؤلاء الذين جعلهم المشركون آلهة يعبدونهم من دون الله، لا يخلقون شيئا، بل هم مما خلق الله، سواء أكانوا أحجارا أو أناسا أو ملائكة.. فكل ما فى هذا الوجود مخلوق لله. وهو وحده سبحانه المتفرد بالخلق.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.. أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ.. أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (٤: الأحقاف) .
قوله تعالى: «أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» هو حكم على هؤلاء المشركين الذين امتهنوا عقولهم هذا الامتهان الذليل، فعبدوا هذه المخلوقات، ولم يفرقوا بينها وبين خالقها- فهؤلاء الضالون هم أموات غير أحياء، إذ لا حساب لهم فى عالم البشر، وإنهم لا يشعرون- أىّ شعور- أن لهم حياة أخرى بعد هذه الحياة، وأن لهم يوما يبعثون فيه.. «وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» أي متى يبعثون.. والمؤمن وإن كان لا يعلم متى يبعث، فهو على يقين بأنه سيبعث بعد الموت، ويعود إلى الحياة مرة أخرى..
- وفى قوله تعالى: «غَيْرُ أَحْياءٍ» توكيد لموت هؤلاء المشركين، موتا أدبيّا، انسلخوا به عن عالم الإنسانية.. وهذا هو السرّ فى الإشارة إليهم بضمير الغائب فى قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» .. ولم تجىء الإشارة إليهم بضمير المخاطب «تدعون» .. وذلك لأنهم ليسوا أهلا لأن يخاطبوا..
وقوله تعالى: «إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ» .. هو خطاب للمؤمنين، وإلفات لهم إلى إلههم الذي يعبدونه، وأنه إله واحد، لا شريك له.. أما المشركون، الذين لا يشعرون-
стр. 2722
مجرد شعور بالحياة الآخرة- فإن قلوبهم منكرة لهذا القول الحقّ، وهم مستكبرون، فلا يلتفتون إلى داعى الحقّ الذي يدعو إلى الله..
قوله تعالى: «لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ» أي لا شك أن الله يعلم من هؤلاء المشركين ما تنطوى عليه قلوبهم المنكرة، وما يظهر على ألسنتهم وأيديهم من أفعال السوء، ومنكر القول، وأنهم سيلقون جزاء هذا المنكر الذي هم فيه.. «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ» فلا ينزلهم الله سبحانه منازل رضوانه، بل يلقى بهم فى عذاب السعير..
وقوله تعالى: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ، قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» هو عرض لبعض ما يعلمه الله من أمر هؤلاء المشركين، وأنهم إذا تليت عليهم آيات الله أعرضوا عنها، وقالوا، «إن هى إلا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» والأساطير: جمع أسطورة، وهى ما كتب، وسطّر.. و «الأولين» الماضيين.. و «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» أخبارهم التي يتناقلها الناس عنهم، فيكثر فيها- بحكم التداول- التحريف، والتبديل، ويدخل عليها من الغرائب ما يجعلها من قبيل الخرافات! وهنا سؤال: كيف يقال لهم: «ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ» وهم ينكرون هذا، ولا يعترفون بأن الله أنزل شيئا؟
والجواب: هو أن هذا تقرير للواقع، وإلزام لهم به، رضوا أو لم يرضوا..
إنه الحقّ.. فليقولوا فيه ما شاءوا..
ويجوز أن يكون الخطاب للمؤمنين، وفى هذا التفات إليهم، واحتفاء بهم، بإضافتهم إلى ربّهم، على حين يحرم المشركون من هذا الالتفات الكريم، من ربّ العالمين.. والمعنى: إذا قيل لهؤلاء المشركين ماذا أنزل ربكم أيها المؤمنون
стр. 2723
قالوا أي المشركون: «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» أي هذا الذي تقولون إنه منزل من عند الله، يقول عنه المشركون، هو من أساطير الأولين، وفى خطاب المؤمنين تكريم لهم، ومحاكمة للمشركين، وإشهاد لهم عليهم، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» (١٤٣: البقرة) «لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ.. أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ» .
يجمع المفسرون على أن اللّام فى قوله تعالى «لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ» هى لام التعليل.. وعلى هذا يكون الفعل بعدها مسبّبا عن قول المشركين الذي قالوه فيما أنزل الله إنه «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» .. ويكون المعنى أنهم إنما يحملون أوزارهم، أي آثامهم وذنوبهم بسبب هذا القول المنكر، الذي قالوه فيما أنزل الله، فكان ذلك سببا فى كفرهم الذي أثمر هذا الثمر الخبيث، الذي يحملونه على ظهورهم، ليحاسبوا عليه يوم القيامة..
هذا، وإنى أستريح إلى مفهوم آخر، لهذه الآية، وهى أن اللام هنا للأمر، وأن هذا الأمر موجّه إلى هؤلاء المشركين، وفيه استدعاء لهم أن يحملوا هذه الأوزار وتلك الآثام التي جرّهم عليها هذا الموقف اللئيم الذي وقفوه من كتاب الله.. وأنّهم وإن كانوا سيحملونها يوم القيامة، فإنها محمولة عليهم منذ الآن.. وفى هذا ما يلفتهم إلى ما فوق ظهورهم من أحمال ثقال، تدفع بهم إلى النار.. فإن كان فيهم بقية من عقل ونظر، راجعوا أنفسهم، وتخففوا من هذه الأوزار، ورجعوا إلى ربّهم..
- وفى قوله تعالى: «وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ» .. «من» هنا للتبعيض، أي أن هؤلاء السّادة والرؤساء من المشركين يحملون ذنوبهم كاملة، مضافا إليها بعض الذنوب التي تضاف إليهم من ذنوب أولئك الأتباع الذين
стр. 2724
أضلّوهم.. لأن هذا الضلال الذي غرسوه فى قلوب أتباعهم، هو ثمرة مشتركة بينهم وبين هؤلاء الأتباع.. وكل واحد منهم سيحمل نصيبه من هذا الثمر الخبيث..
- وفى قوله تعالى: «بِغَيْرِ عِلْمٍ» إشارة إلى هؤلاء الأتباع، وأنهم إنما باعوا عقولهم لرؤسائهم، وأعطوهم مقاودهم من غير تفكير، أو مراجعة..
وفى هذا توبيخ لهؤلاء الأتباع، ووصم لهم بالغفلة والسّفه، كما أنه تهديد لهؤلاء السادة والرؤساء، إذ غرّروا بأتباعهم وزينوا لهم الضلال.
- وقوله تعالى: «أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ» تقبيح لهذه الأحمال التي يحملها أولئك الضّالون، وتأثيم لحامليها، وأنهم يحملون ما يسوؤهم، ويجلب البلاء عليهم ... والعاقل إنما يحمل ما يحمل، ابتغاء ما يؤمّل فيه من خير، وما يرجو من نفع.. أما أن يحمل ما يؤذيه ويرديه، فذلك هو السّفه، الذي ينزل بالإنسان إلى أخسّ مراتب الحيوان! قوله تعالى: «قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ» - هو إلفات لهؤلاء المشركين إلى عبر وعظات، يرونها ماثلة بين أيديهم، إن عميت أبصارهم عن أخذ العبرة من أنفسهم.. ففى الأمم الغابرة، كعاد وثمود، التي لا تزال آثار العذاب الذي أخذها الله به- باقية، يمر عليها هؤلاء المشركون، وهم عنها غافلون- فى هذه الأمم مثلات وعبر، إذ كان فيهم ما فى هؤلاء المشركين من مكر بآيات، وكفر بها، وتكذيب برسل الله، وإعنات لهم، فأخذهم الله من حيث لم يحتسبوا، ودمدم عليهم بذنوبهم، فأصبحوا كهشيم تذروه الرياح.. فهل يعجز الله أن يأخذ هؤلاء المشركين كما أخذ أسلافهم؟ أم أنّهم
стр. 2725
أخذوا على الله عهدا ألا تجرى عليهم سنّة الله فى الذين خلوا من قبل؟ «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ! (٦٤: النمل) - وفى قوله تعالى: «فَأَتَى اللَّهُ. بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ» - إشارة إلى أن البلاء الذي نزل بهم كان بلاء ماحقا، أتى على حياتهم كلّها من أساسها، واجتثّها من أصولها.. فلم يبق من آثارهم دار ولا ديّار..
- وفى قوله تعالى: «فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ» تأكيد لهذا البلاء الشامل الذي أخذهم الله به، من الأرض والسماء، وأن السماء- وقد كانت سقفا محفوظا فوقهم- قد أطبقت عليهم، ترميهم بحجارة من سجّيل، وأن الأرض، وقد كانت بساطا ممدودا تحتهم، قد فغرت فاها لهم، وألقت بهم فى بطنها..
فالمراد بالسقف هنا، السماء.. كما يقول سبحانه: «وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً» وفى قوله تعالى: «مِنْ فَوْقِهِمْ» مع أن السقف لا يكون إلا من فوق توكيد لهذه الفوقية، وإلفات إليها، وإلى ما ينزل منها من بلاء، وقد كانت تنزل بالرحمة والغيث المدرار.
قوله تعالى: «ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ» .
الضمير فى «يخزيهم» بعود إلى المذكورين فى قوله تعالى: «قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ، مِنْ قَبْلِهِمْ» فهؤلاء الذين أخذهم الله بالبلاء فى الدنيا من الذين كذبوا الرسل- لم يوفّوا حسابهم بعد، وأنهم إذا كانوا قد رموا بهذا العذاب فى الدنيا فإن لهم فى الآخرة عذابا أنكى وأشدّ.. وإن من صور هذا العذاب الذي ينتظرهم يوم القيامة، هو هذا الخزي الذي يلبسهم، حين يعرضون هذا العرض الفاضح على الملأ، ويسألون هذا السؤال الذي يكشف لهم جريمتهم، حين يسألهم الحق
стр. 2726
جلّ وعلا: «أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ؟» ثم يلتفتون فلا يجدون لهؤلاء الشركاء أثرا، فيركبهم الكرب، ويعروهم الهمّ والخزي!.
والمشاقّة: الشقاق والخلاف.. وفى تعدية الفعل «تشاقّون» بحرف الجر «فى» الذي يفيد الظرفية، إشارة إلى أن خلافهم وشقاقهم كان منحصرا فى هؤلاء الشركاء. فلم تتسع مداركهم للبحث عن شىء وراء هذا، بل جمدوا عليه، ولصقوا به كما يلصق المرض الخبيث بأهله.
- وقوله تعالى: «قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ» .. هذا القول من شهود المحشر يوم القيامة، من الملائكة، والرسل، وأتباع الرسل، حيث وجم المجرمون فلم ينطقوا.
قوله تعالى: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..
هو صفة لأولئك الذين قال فيهم أهل العلم: «إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ» .. فهؤلاء الكافرون، تتوفاهم الملائكة وقد ظلموا أنفسهم بإغراقها فى الضلال، والتنكّب بها عن طريق الحق.. فإذا سيقوا إلى موقف الحساب فى ذلّة وصعار «ألقوا السّلم» - أي أعطوا أيديهم مستسلمين لمن يقودهم إلى هذا المصير المشئوم، الذي هم صائرون إليه، وعلى ألسنتهم- التي مرنت على الكذب ولافتراء- هذا القول الكاذب، يرددونه فى غير وعى: «ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ» ! هكذا المجرم يردّد كلمات البراءة من ذنبه، ويداه ملطّختان بدم قتيله- إنها كلمات عزاء ومواساة، يتعلّق بها المجرمون، كما يتعلّق الغريق بمتلاطم الأمواج!.
- وقوله تعالى: «بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .. هو تكذيب لهم، وقطع لهذا الأمل الكاذب الذي تعلقوا به- بلى- لقد
стр. 2727
عملتم السوء كلّه، إذ كفرتم بالله.. وإن الله عليم بما كنتم تعملون.. «وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ» (٢٢- ٢٣: فصلت) .
قوله تعالى: «فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ» هذا هو جزاؤهم، وذلك هو مصير المتكبرين..
- وفى قوله تعالى: «فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ» - إشارة إلى تعجيل عقابهم، وأنهم لا ينظرون، فما هو إلا سؤال.. يكون جوابه إلقاؤهم فى جهنم..
وأبواب جهنّم، هى منازلها التي ينزلون فيها، فلكل طائفة من الضالين باب يلجون منه، إلى مثواهم من النار.. والمثوى: المنزل..
الآيات: (٣٠- ٣٢) [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٠ الى ٣٢]
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)
التفسير:
والصورة التي تقابل الكافرين فى موقف الجزاء يوم القيامة، هى صورة المؤمنين المتقين.. هكذا يواجه بعضهم بعضا، فيكون فى هذا إيلام فوق إيلام للكافرين، ونعيم فوق نعيم للمؤمنين، إذ يتضاعف عندهم فضل الله عليهم،
стр. 2728
ورحمته بهم، لأنهم نجوا من هذا البلاء.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فيما يتحدث به أهل الجنة: «وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ» (٢٥- ٢٧: الطور) وقوله تعالى: «وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا، ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً» .. هو فى مقابل قوله تعالى فى مساءلة الكافرين: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» ..
فالذين اتقوا ربّهم، عرفوا طريقهم إلى الله، واهتدوا إلى مواقع الهدى مما أنزل الله على رسوله، فحين سئلوا ماذا أنزل ربكم قالوا: «خيرا» أي أنزل ربنا خيرا كثيرا، نتزود منه زادا طيبا لدنيانا وآخرتنا: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ» .. فما يتزوده المؤمن من الإيمان والتقوى، كلّه طيب، والجزاء عليه حسن فى الدنيا، ولكن ما يجده المؤمن فى الآخرة من ثواب الله، ونعيمه، هو الذي يعتدّ به، إذ كان خالدا باقيا، لا يقاس بالقليل منه، ما فى الدنيا كلّها من متاع وقوله تعالى: «جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ.. كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ» .. هو عطف بيان على قوله تعالى:
«وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ» .. فدار المتقين هذه، هى تلك الجنات، التي تجرى من تحتها الأنهار، لهم فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين.. خالدين فيها.
- وفى قوله تعالى: «كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ» تنويه بهذا الجزاء العظيم، الذي لقيه المتقون، من ربّهم، وهو جزاء لا ينال إلّا من الله الكريم الوهاب، لأن ما فى أيدى الناس جميعا، وما فى هذه الدنيا كلّها، يحفّ ميزانه، مع أدنى جزاء جوزى به من نالهم الله برحمته، وأنزلهم منازل رضوانه..
قوله تعالى: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
стр. 2729
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»
.. هو عطف بيان على قوله تعالى: «كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ» .. فالمتقون، هم الذين تتوفاهم الملائكة «طيبين» .. قد طابت نفوسهم، وزكت أرواحهم، بما مسّها من تقوى، وما عبق عليها من إيمان.. فإذا جاء الملائكة لقبض أرواحهم، أقبلوا عليهم فى بشر، يحملون إليهم بشريات مسعدة، حيث يلقونهم بالسّلام، الذي لا خوف معه..
«يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ..» ثم لا تكاد أرواحهم تفارق أبدانهم حتى يروا منازلهم فى الجنة، وبين أيديهم مناد يناديهم: «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..
فتلك هى الجنة التي وعد المتقون.. لهم فيها دار الخلد، جزاء بما كانوا يعملون..
والسؤال هنا: كيف يقال لهم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون.. والمعروف أن دخول الجنة، إنما هو فضل من فضل الله على عباده، وليس ذلك من كسب العبد، ولا بسبب ما قدم من صالح الأعمال، إذ أن الجنّة لا يستطيع أحد أن يقدّم الثمن الذي تنال به، مهما بلغ من إيمان وتقوى. وقد قال النبي- صلوات الله وسلامه عليه- «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله» قالوا: «ولا أنت يا رسول الله؟» قال: «ولا أنا إلّا أن يتغمّدنى الله برحمته» .. فما تأويل هذا؟
الجواب- والله أعلم- أن الإيمان والعمل الصالح، هما المطلوبان من الإنسان، ليحتفظ بإنسانيته على الصحة والسلامة من الرجس والدنس.. وإذ كان الناس فريقين: مؤمنا وكافرا، وشفيّا وسعيدا، وأصحاب الجنة وأصحاب النار.. هكذا أرادهم الله، ولهذا خلقهم- إذ كان الناس على هذا، فإن المؤمنين الذين عملوا الصالحات هم أهل الجنّة، والذين كفروا وضلّوا هم أهل النّار.. وفى إضافة المؤمنين إلى الجنة، وإنزالهم منازل الرضوان فيها، وحسبان ذلك بسبب إيمانهم وتقواهم- فى هذا تكريم من الله لهم، وفضل من فضله
стр. 2730
عليهم.. حتى إنه- ليريهم من هذا أنهم أحسنوا، وهذا جزاء إحسانهم، وأنهم غرسوا فى مغارس الخير، وهذا ثمر ما غرسوا، وفى هذا ما يضاعف نعيمهم، حين يلتقون بيومهم الذي كانوا يوعدون، فيقطفون ثمرا غرسته أيديهم، وينزلون منازل هيأتها لهم أعمالهم.! وليس كذلك من يجنى من غرس لم يغرسه، وينزل منزلا هو ضيف فيه! .. وذلك مزيد من ألطاف الله، وإسباغ من نعمائه على عباده وأهل ودّه، كما يقول سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا» .. وإلّا.. فالمؤمنون، وأعمالهم.. ملك لله، إذ ليس للعبد شىء.. فهو وما ملكت يداه لسيده! أما الكافرون والضّالون والخاطئون.. فإنّهم قد تحوّلوا بإنسانيتهم عن طبيعتها، التي تألف الجنة وتسكن إليها، واصطبغوا بالصبغة التي تطلبها جهنّم، وتدعوها إليها، فكانوا لها حطبا.. والله يقول: «هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» (٦٣- ٦٤: يس) .
الآيات: (٣٣- ٤٠) [سورة النحل (١٦) : الآيات ٣٣ الى ٤٠]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤) وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧)
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)
стр. 2731
التفسير:
قوله تعالى: َلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» .
الخطاب هنا لهؤلاء المشركين من أهل مكة، الذين قالوا فيما أنزل الله:
هذا «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» .. فكفروا بالله، وكذبوا رسوله..
والاستفهام إنكارى، ينكر الله عليهم هذا الموقف المنادي الضّال، الذي يقفونه من الرسول الكريم، ومن آيات الله التي بين يديه.. فماذا ينتظرون بعد هذا البيان المبين، وتلك الحجة الدامغة! َلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ»
أي هل ينظرون فى هذا الموقف الضالّ إلّا أن تأتيهم الملائكة، تشهد لهم أن محمدا رسول الله، وأن الكتاب الذي بين يديه هو كلمات الله؟ لقد طلبوا ذلك فعلا فيما حكاه القرآن عنهم فى قوله تعالى:
«وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» (٦- ٧: الحجر) .. أم هل ينظرون أن يأتى أمر الله، وهو العذاب الذي أخذ به الظالمين قبلهم، فيهلكهم بعذاب من عنده كما
стр. 2732
أهلك الأولين؟ وقد طلبوا هذا فعلا، فقالوا ما حكاه القرآن عنهم فى قوله تعالى:
«وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (٣٢: الأنفال) - وفى قوله تعالى: َ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»
إشارة إلى أن هؤلاء الذين أهلكهم الله من القرون السابقة، إنما أخذهم الله بذنوبهم، وما ظلمهم الله بهذا العذاب، بل هم أوجبوه على أنفسهم، بكفرهم وضلالهم..
فكانوا بذلك ظالمين لأنفسهم، إذ عدلوا بها عن طريق الأمن والسلامة، ومالوا بها إلى طرق البلاء والهلاك..
قوله تعالى: «فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» .. هو بيان كاشف لما حلّ بهؤلاء الظالمين من بلاء، وأن هذا الذي نزل بهم هو من آثار ما عملوا من سوء، ومن معقبات مكرهم بآيات الله، واستهزائهم برسله.. وفى هذا تهديد للمشركين الذين يحادّون رسول الله، ويهزءون بآيات الله..
قوله تعالى: «وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.. فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» هو عرض فاضح، لمقولة من تلك المقولات الآثمة، التي يرمى بها المشركون بين يدى شركهم، ليتخذوا منها حجة يحاجّون بها رسول الله، ويلزمونه التسليم بها، إذ يجيئون إليه بهذا المكر السيّء، حين يقولون: «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ!» وتلك كلمة حق أريد بها باطل.. فلو أنهم آمنوا بمشيئة الله، واعترفوا بسلطانه المطلق، القائم على كل شىء، لآمنوا بالله، ولعبدوه، واتبعوا رسوله، الذي
стр. 2733
يكشف لهم الطريق إلى الله.. ولكنهم لا يؤمنون بالله.. فكيف يؤمنون بأن له- سبحانه- مشيئة غالبة، وسلطانا قاهرا؟ وهل يتفق هذا القول الذي يقولونه مع اتخاذهم الأصنام آلهة يعبدونها من دون الله؟ إن ذلك مما لا يستقيم مع منطق القول الذي يقولونه.. ولكن هكذا يفعل الضلال بأهله.. «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» (٤١: المائدة) - وقوله تعالى: َذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ»
هو وصل لهؤلاء المشركين بمن سبقهم من أهل الضلال، من القرون الغابرة.. إنهم ليسوا وحدهم هم الذين قالوا هذا القول.. فهم حلقة فى تلك السلسلة الآثمة، التي تنتظم الظالمين، وتجمعهم فى قرن واحد! - وفى قوله تعالى: «فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» - هو قطع لتلك الحجة الكاذبة التي يحتجّ بها المشركون من كلّ أمة، ومن كل جيل..
وأنهم إذ تنكبوا الطريق المستقيم، وركبوا طرق الضلال، وجعلوا القول بمشيئة الله دليلهم على هذه الطرق- فليتركوا وما هم عليه من شرك، وما هم فيه من ضلال، حتى يلقوا ما يلقى المشركون الضالون من عذاب الله.. فلقد أعذر الله إليهم، وقطع حجتهم، بما أرسل إليهم من رسل.. «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» .. وليس على الرسل إلا البلاغ المبين.. وقد أدّى رسل الله رسالة الله، وبلغوها إلى أقوامهم بلاغا مبينا واضحا.. «فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها» ..
قوله تعالى: «وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» - هو بيان لهذا البلاغ المبين الذي بلّغه رسل الله إلى أقوامهم.. ففى كل أمة بعث الله رسولا يدعوهم
стр. 2734
إلى عبادة الله، وإلى اجتناب الطاغوت، وترك ما هم فيه من ضلال.. «فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ» .. أي فمن هؤلاء الأقوام الذين جاءهم رسل الله، من هداه الله وشرح صدره للإيمان، فاهتدى إلى الحق، وآمن بالله، ومنهم من حقت عليه الضلالة، أي وجب أن يكون من الضالين، إذ لم يرد الله أن يهديه، وأن يشرح صدره للإيمان.. وتلك هى مشيئة الله فى خلقه، مشيئة غالبة قاهرة.. ولكن لا حجّة لأحد على الله فيها..
وعلى الإنسان أن يسعى إلى الخير جهده، وأن يقيم وجهه على هدى الله..
فإن اهتدى، حمد الله وشكر له، وإن ضلّ وغوى، فليبك نفسه، ويؤثّم موقفه، ويسأل الله العافية من هذا البلاء الذي هو فيه..!
- وفى قوله تعالى: «فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» - دعوة إلى إيقاظ تلك العقول النائمة، لتنظر عبر القرون الماضية، ولترى ما فى مصارع المكذبين برسل الله، من عبر وعظات..
قوله تعالى: «إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ» .. هو عزاء للنبى الكريم، ومواساة له فى مصابه فى الضّالين المقيمين على ضلالهم من قومه.. ذلك أنه مهما حرص النبي على هداية هؤلاء الشاردين، فلن يبلغ به حرصه شيئا، فيما يريد لهم من هدى وإيمان.. إذ حقت عليهم الضلالة، وغلبت عليهم شقوتهم.. «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً.. أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ» .. «وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ» ينصرونهم من دون الله، الذي ابتلاهم بما هم فيه..
قوله تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ.. بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» هكذا يلجّ أهل الضلال فى ضلالهم، فيحلفون جهد أيمانهم، أي أقصى
стр. 2735
ما عندهم من أيمان قاطعة مؤكدة، على أن الله لا يبعث من يموت.. وذلك فى مواجهة ما جاءهم الرسول به من ربه، عن الإيمان بالله، وباليوم الآخر، فعجبوا أشدّ العجب، أن يبعث الموتى من قبورهم، بعد أن تحتويهم القبور، ويشتمل عليهم التراب، ويصبحوا عظاما نخرة.. وفى هذا يقول الله تعالى عنهم: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ.؟ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ» (٧- ٨: سبأ) وفى قوله تعالى: «بَلى» تكذيب لهم.. أي أن الله يبعث الموتى.. كما يقول سبحانه: «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ.. وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» (٧: التغابن) - وقوله تعالى: «وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا» هو توكيد لهذا التكذيب لحلفهم..
وأن هذا البعث واقع لا شك فيه، وقد جعله الله وعدا. أوجبه على نفسه، ولن يخلف الله وعده.. «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» حكمة الله فى هذا البعث، ولا ما لله من قدرة لا يعجزها شىء..
قوله تعالى: «لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ» - هو كشف عن بعض الحكمة فى البعث، الذي جعله الله وعدا عليه حقا.. ففى هذا البعث تتبين للناس مواقفهم من الحق، ويمتاز الخبيث من الطيب.. وهناك يستيقن الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فيما يدّعون لأنفسهم ولآلهتهم من مدّعيات باطلة، وفيما يقولون عن البعث وإنكاره.. وفى هذا تهديد للكافرين، ووعيد لهم بما يلقون فى هذا اليوم من فضيحة، وخزى، وهوان..
قوله تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» هو توكيد للبعث، الذي جعله الله وعدا عليه حقا.. وأن أمر البعث هيّن أمام
следующие страницы →