← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

التفسير: قوله تعالى: َلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» . الخطاب هنا لهؤلاء المشركين من أهل مكة، الذين قالوا فيما أنزل الله: هذا «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» .. فكفروا بالله، وكذبوا رسوله.. والاستفهام إنكارى، ينكر الله عليهم هذا الموقف المنادي الضّال، الذي يقفونه من الرسول الكريم، ومن آيات الله التي بين يديه.. فماذا ينتظرون بعد هذا البيان المبين، وتلك الحجة الدامغة! َلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ» أي هل ينظرون فى هذا الموقف الضالّ إلّا أن تأتيهم الملائكة، تشهد لهم أن محمدا رسول الله، وأن الكتاب الذي بين يديه هو كلمات الله؟ لقد طلبوا ذلك فعلا فيما حكاه القرآن عنهم فى قوله تعالى: «وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» (٦- ٧: الحجر) .. أم هل ينظرون أن يأتى أمر الله، وهو العذاب الذي أخذ به الظالمين قبلهم، فيهلكهم بعذاب من عنده كما

стр. 2732

أهلك الأولين؟ وقد طلبوا هذا فعلا، فقالوا ما حكاه القرآن عنهم فى قوله تعالى: «وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (٣٢: الأنفال) - وفى قوله تعالى: َ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» إشارة إلى أن هؤلاء الذين أهلكهم الله من القرون السابقة، إنما أخذهم الله بذنوبهم، وما ظلمهم الله بهذا العذاب، بل هم أوجبوه على أنفسهم، بكفرهم وضلالهم.. فكانوا بذلك ظالمين لأنفسهم، إذ عدلوا بها عن طريق الأمن والسلامة، ومالوا بها إلى طرق البلاء والهلاك.. قوله تعالى: «فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» .. هو بيان كاشف لما حلّ بهؤلاء الظالمين من بلاء، وأن هذا الذي نزل بهم هو من آثار ما عملوا من سوء، ومن معقبات مكرهم بآيات الله، واستهزائهم برسله.. وفى هذا تهديد للمشركين الذين يحادّون رسول الله، ويهزءون بآيات الله.. قوله تعالى: «وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.. فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» هو عرض فاضح، لمقولة من تلك المقولات الآثمة، التي يرمى بها المشركون بين يدى شركهم، ليتخذوا منها حجة يحاجّون بها رسول الله، ويلزمونه التسليم بها، إذ يجيئون إليه بهذا المكر السيّء، حين يقولون: «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ!» وتلك كلمة حق أريد بها باطل.. فلو أنهم آمنوا بمشيئة الله، واعترفوا بسلطانه المطلق، القائم على كل شىء، لآمنوا بالله، ولعبدوه، واتبعوا رسوله، الذي

стр. 2733

يكشف لهم الطريق إلى الله.. ولكنهم لا يؤمنون بالله.. فكيف يؤمنون بأن له- سبحانه- مشيئة غالبة، وسلطانا قاهرا؟ وهل يتفق هذا القول الذي يقولونه مع اتخاذهم الأصنام آلهة يعبدونها من دون الله؟ إن ذلك مما لا يستقيم مع منطق القول الذي يقولونه.. ولكن هكذا يفعل الضلال بأهله.. «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» (٤١: المائدة) - وقوله تعالى: َذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» هو وصل لهؤلاء المشركين بمن سبقهم من أهل الضلال، من القرون الغابرة.. إنهم ليسوا وحدهم هم الذين قالوا هذا القول.. فهم حلقة فى تلك السلسلة الآثمة، التي تنتظم الظالمين، وتجمعهم فى قرن واحد! - وفى قوله تعالى: «فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» - هو قطع لتلك الحجة الكاذبة التي يحتجّ بها المشركون من كلّ أمة، ومن كل جيل.. وأنهم إذ تنكبوا الطريق المستقيم، وركبوا طرق الضلال، وجعلوا القول بمشيئة الله دليلهم على هذه الطرق- فليتركوا وما هم عليه من شرك، وما هم فيه من ضلال، حتى يلقوا ما يلقى المشركون الضالون من عذاب الله.. فلقد أعذر الله إليهم، وقطع حجتهم، بما أرسل إليهم من رسل.. «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» .. وليس على الرسل إلا البلاغ المبين.. وقد أدّى رسل الله رسالة الله، وبلغوها إلى أقوامهم بلاغا مبينا واضحا.. «فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها» .. قوله تعالى: «وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» - هو بيان لهذا البلاغ المبين الذي بلّغه رسل الله إلى أقوامهم.. ففى كل أمة بعث الله رسولا يدعوهم

стр. 2734

إلى عبادة الله، وإلى اجتناب الطاغوت، وترك ما هم فيه من ضلال.. «فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ» .. أي فمن هؤلاء الأقوام الذين جاءهم رسل الله، من هداه الله وشرح صدره للإيمان، فاهتدى إلى الحق، وآمن بالله، ومنهم من حقت عليه الضلالة، أي وجب أن يكون من الضالين، إذ لم يرد الله أن يهديه، وأن يشرح صدره للإيمان.. وتلك هى مشيئة الله فى خلقه، مشيئة غالبة قاهرة.. ولكن لا حجّة لأحد على الله فيها.. وعلى الإنسان أن يسعى إلى الخير جهده، وأن يقيم وجهه على هدى الله.. فإن اهتدى، حمد الله وشكر له، وإن ضلّ وغوى، فليبك نفسه، ويؤثّم موقفه، ويسأل الله العافية من هذا البلاء الذي هو فيه..! - وفى قوله تعالى: «فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» - دعوة إلى إيقاظ تلك العقول النائمة، لتنظر عبر القرون الماضية، ولترى ما فى مصارع المكذبين برسل الله، من عبر وعظات.. قوله تعالى: «إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ» .. هو عزاء للنبى الكريم، ومواساة له فى مصابه فى الضّالين المقيمين على ضلالهم من قومه.. ذلك أنه مهما حرص النبي على هداية هؤلاء الشاردين، فلن يبلغ به حرصه شيئا، فيما يريد لهم من هدى وإيمان.. إذ حقت عليهم الضلالة، وغلبت عليهم شقوتهم.. «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً.. أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ» .. «وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ» ينصرونهم من دون الله، الذي ابتلاهم بما هم فيه.. قوله تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ.. بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» هكذا يلجّ أهل الضلال فى ضلالهم، فيحلفون جهد أيمانهم، أي أقصى

стр. 2735

ما عندهم من أيمان قاطعة مؤكدة، على أن الله لا يبعث من يموت.. وذلك فى مواجهة ما جاءهم الرسول به من ربه، عن الإيمان بالله، وباليوم الآخر، فعجبوا أشدّ العجب، أن يبعث الموتى من قبورهم، بعد أن تحتويهم القبور، ويشتمل عليهم التراب، ويصبحوا عظاما نخرة.. وفى هذا يقول الله تعالى عنهم: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ.؟ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ» (٧- ٨: سبأ) وفى قوله تعالى: «بَلى» تكذيب لهم.. أي أن الله يبعث الموتى.. كما يقول سبحانه: «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ.. وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» (٧: التغابن) - وقوله تعالى: «وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا» هو توكيد لهذا التكذيب لحلفهم.. وأن هذا البعث واقع لا شك فيه، وقد جعله الله وعدا. أوجبه على نفسه، ولن يخلف الله وعده.. «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» حكمة الله فى هذا البعث، ولا ما لله من قدرة لا يعجزها شىء.. قوله تعالى: «لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ» - هو كشف عن بعض الحكمة فى البعث، الذي جعله الله وعدا عليه حقا.. ففى هذا البعث تتبين للناس مواقفهم من الحق، ويمتاز الخبيث من الطيب.. وهناك يستيقن الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فيما يدّعون لأنفسهم ولآلهتهم من مدّعيات باطلة، وفيما يقولون عن البعث وإنكاره.. وفى هذا تهديد للكافرين، ووعيد لهم بما يلقون فى هذا اليوم من فضيحة، وخزى، وهوان.. قوله تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» هو توكيد للبعث، الذي جعله الله وعدا عليه حقا.. وأن أمر البعث هيّن أمام

стр. 2736

قدرة الله ، تلك القدرة التي يستجيب لسلطانها كل شىء.. فما هو إلا أن يصدر الأمر الإلهى لأى شىء حتى يصدع هذا الشيء بما يؤمر به.. «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» . الآيات (٤١- ٥٠) [سورة النحل (١٦) : الآيات ٤١ الى ٥٠] وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠) التفسير: قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» .

стр. 2737

مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآيات التي سبقتها ذكرت البعث وإمكانيته، وكشفت عن بعض الحكمة من وقوعه فى قوله تعالى: «لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ..» وإذ كان هذا وجها من وجوه الموقف يوم القيامة، ناسب أن يذكر الوجه الآخر، وهو وجه الذين آمنوا بالله، وصدّقوا بآياته.. وأكرم ما فى هذا الوجه الكريم هم الذين هاجروا فى الله من بعد ما مسّهم الضر، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وذلك بما ساق إليهم المشركون من ألوان العسف والبلاء.. فهؤلاء سيوفيهم الله سبحانه أجرهم مرتين.. فى الدنيا.. وفى الآخرة.. فهم فى الدنيا سينصرون على عدوّهم، وسوف تمتلئ أيديهم بالخير، بما يمكّن الله لهم فى الأرض.. أما فى الآخرة، فلهم جنات النعيم، ورضوان من الله أكبر.. وذلك هو الفوز العظيم.. وفى قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ» إشارة إلى أن الهجرة جهاد فى سبيل الله، ولهذا ضمّن الفعل «هاجر» معنى الفعل «جاهد» ، فعدّى بحرف الجر «فى» .. ويجوز أن يكون حرف الجر «فى» بمعنى الباء، التي تفيد السببية.. ويكون المعنى: والذين هاجروا بسبب الله، أي بسبب الإيمان بالله.. وفى الحديث: «عذبت امرأة فى هرة» أي بسبب هرة.. وقوله تعالى: «لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً» أي لننزلنهم منزلة حسنة فى الدنيا.. يقال: باء يبوء: أي رجع.. وسمّى المنزل مباءة، لأنه المرجع الذي يأوى إليه الإنسان بعد طوافه وسعيه فى الحياة.. ولقد صدق الله وعده، فأيد المؤمنين بنصره، ومكّن لهم فى الأرض، وأذلّ الكافرين والمشركين.. والمنافقين، وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس فى دين الله أفواجا..

стр. 2738

وهذا الوعد الذي وعده الله المؤمنين، وأنجزه لهم لم يكن لأشخاصهم فردا فردا، وإنما هو لهم كجسد واحد، ومجتمع واحد.. هكذا المؤمنون، فيما أصابهم، من بلاء، أو عافية، فهم جميعا فيه شركاء، شأن الجسد حين تنزل به علة، أو تلبسه عافية..! قوله تعالى: «الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» هو عطف بيان على قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ» .. فهؤلاء هم الذين صبروا على أذى المشركين، واحتملوا فى سبيل الله ما احتملوا من مفارقة الأهل والوطن.. مخلفين كل شىء وراءهم، فما كان لهم فى هجرتهم من مال ومتاع.. بل هاجروا متوكلين على الله، معتصمين به، مستغنين بما عنده. قوله تعالى: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» - هو ردّ مفحم للمشركين الذين أبوا أن يستجيبوا للرسول، لأنه بشر مثلهم، وقالوا: «أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ» (٢٤: القمر) .. وقالوا ما حكاه القرآن عنهم: «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا؟» (٢١: الفرقان) . - فجاء قوله تعالى: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ» : ليرى المشركين أمرا واقعا، لا سبيل إلى إنكاره، أو الجدل فيه، وهو أن كلّ رسل الله الذين بعثوا فى الأمم التي سبقتهم كانوا «رجالا» أوحى الله إليهم بما شاء أن يوحيه إليهم من آياته وكلماته.. فإذا لم يكن عند هؤلاء المشركين علم بهذا، «فليسألوا أهل الذكر، أي أصحاب العلم، وهم أهل الكتاب، من اليهود والنصارى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» .. فإن من واجب من لا يعلم أمرا أن يسأل عنه أهل العلم، قبل أن يتعامل به، ويجادل فيه. - وفى قوله تعالى: «إِلَّا رِجالًا» إشارة إلى أن رسل الله جميعا كانوا من

стр. 2739

الرجال، ولم يكن أحد منهم من النساء، وأنهم أوحى إليهم وهم رجال، قد بلغوا الرشد، وجاوزوا مرحلة الصبا والشباب، وأنه لم يكن أحد من رسل الله من عالم غير عالم البشر. قوله تعالى: «بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» هو متعلق بقوله تعالى: «نُوحِي إِلَيْهِمْ» .. أي نوحى إلى هؤلاء الرجال الذين اخترناهم لرسالتنا «بالبينات» أي بالآيات البينات، وهى المعجزات المادية المحسوسة، كناقة صالح، وعصا موسى، ومعجزات عيسى. «والزبر» أي الكتب، والصحف.. كصحف إبراهيم، وصحف موسى، وكالتوراة والإنجيل.. - وفى قوله تعالى: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» التفات إلى النبي الكريم، بهذا الخطاب الكريم من رب العالمين.. وأن الله قد نزّل إليه الذّكر أي القرآن الكريم، وسمّى ذكرا، لأن فيه من آيات الله ما يذكر الناس بالله ، ويلفت قلوبهم وعقولهم إليه.. كما أن فيه ذكرا باقيا للنبىّ الكريم وقومه، كما يقول سبحانه: «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ» .. فهذا الحديث الطيب المتصل مع الزمن، المردّد على أفواه الأمم، من سيرة النبي الكريم، وسيرة أصحابه الكرام، والهداة المصلحين من أئمة المسلمين وعلمائهم- هذا الحديث، هو أثر من آثار هذا الكتاب الكريم، الذي أنزل على النبي الكريم.. وفى تعدية الفعل «أنزلنا» بحرف الجر «إلى» بدل الحرف المطلوب له وهو «على» إشارة أن إنزال الكتاب لم يكن محمولا إلى النبي حملا، جملة واحدة، وإنما أوحى إليه وحيا، آية آية، أو آيات آيات.. وقد جاء قوله تعالى: «طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» كما جاء

стр. 2740

الفعل فى آيات أخرى، متعديا بإلى وبعلى، وذلك ليجمع بين نزول القرآن مفرقا، وبين الجهة العالية التي نزل منها. - وفى قوله تعالى: «لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» إشارة إلى أن هذا الكتاب الذي أنزل إلى النبىّ، هو كذلك نزّل إلى الناس.. فهم شركاء للنبىّ فى هذا الكتاب، ومطلوب من كل إنسان أن يحسب أن هذا الكتاب هو كتابه المنزل عليه.. يفقهه، ويعمل به، ويدعو الناس إلى العمل به، مقتفيا فى هذا أثر النبىّ، مشاركا فى حمل الرسالة معه، فى حال حياته، أو من بعد وفاته..! وفى مخاطبة النبىّ بقوله تعالى: «أَنْزَلْنا إِلَيْكَ» ومخاطبة الناس بقوله سبحانه: «نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» تفرقة من وجهين: الأول: أن النبىّ الكريم خوطب خطابا مباشرا من الحقّ : «أَنْزَلْنا إِلَيْكَ» على حين أن الناس خوطبوا بفعل لم يذكر فاعله هكذا «نزّل إليهم» ، لأن التنزيل لم يكن مباشرا لهم، بل كان بوساطة النبىّ، الذي تلقّاه بدوره عن طريق الملك. الثاني: أن الفعل «أنزل» يفيد الجمع، على حين أن الفعل نزّل، يفيد «التفرّق» ، وهذا هو ما يشير إليه الحال من أمر القرآن بين النبىّ والذين تلقوه منه.. فالنبى بالنسبة لهم هو المصدر الأول الذي تجيئهم منه آيات الله وكلماته.. وهم يتلقونها منه آية آية، أو آيات آيات، فناسب أن يخاطب النبي فى مواجهتهم بقوله تعالى: «أَنْزَلْنا إِلَيْكَ» .. وأن يخاطبوا هم بقوله تعالى: «نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» . قوله تعالى: «أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ» .. هو تهديد لهؤلاء الذين يكذّبون رسول الله من المشركين، ويمكرون السيئات، أي يدبّرون الأعمال السيئة، ويرسمون خططها.. فالمكر هو إعمال الرأى والحيلة فى الأمور.. ومنه ما هو

стр. 2741

حسن، ومنه ما هو سيّىء.. وهؤلاء إنّما مكرهم من النوع السيّء الذي يبعدهم عن الخير، ويعرضهم للهلاك، والبوار. «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» فهل أمن هؤلاء الذين يدبّرون السوء، ويبيتون الشرّ والعدوان أن يخسف الله بهم الأرض، كما خسفها بالظالمين من قبلهم، أو يأتيهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون، كما أنى أمما وأقواما، مكروا بآيات الله وكذبوا رسله؟: «فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» (٩٩: الأعراف) . وقوله تعالى: «أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ.. فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» هو بيان لبعض الأحوال التي يقع فيها عذاب الله بأهل السوء والشقاق.. فهم إمّا أن يؤخذوا على حين غفلة.. وإما أن يلقاهم العذاب وهم فى يقظة، حيث يتقلبون فى وجوه الأرض.. أو يحلّ بهم البلاء وهم «على تخوف» أي على توقع للبلاء، بين يدى إرهاصات، تهدّد به وتنذر بوقوعه.. إن عذاب الله يقع حيث يشاء الله، ومتى يشاء.. وما هو من الظالمين ببعيد.. وفى قوله تعالى: «فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» إشارة إلى الله من فضل على هذه الأمة، إذ عافاها مما ابتلى به الأمم السابقة، حين عجّل لها العذاب.. أما هذه الأمة، فقد أفسح لله للفجّار من أهلها فى الأجل، حتى تكون لهم إلى الله رجعة، حين يطول وقوفهم مع رسوله الكريم، وبين يدى ما معه من كلمات ربّه.. وفى هذا مزيد فصل من الله سبحانه على نبيّه، إذ لم يفجعه فى قومه، ولم يهلكهم بسبب خلافهم عليه، ومكرهم السيّء به.. «فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» .. فهل يلقى هؤلاء المشركون المعاندون رأفة ربّهم بهم ورحمته لهم، بالإقبال عليه، ومصافاة رسوله وموادّته؟ ذلك ما كان يجب أن يكون!

стр. 2742

قوله تعالى: «أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ» . تفيأ الظلّ: تنقل من جهة إلى أخرى.. والداخر: الصاغر، المستكين.. وفى الآية الكريمة وعيد للمشركين، واتهام لعقولهم الضالّة المظلمة، التي أخرجتهم عن نظام الموجود كلّه، فكانوا نغما نشازا، لا يتناغم مع لحن الموجودات، المسبّحة بحمد الله ربّ العالمين.. وقد أراهم الله سبحانه فى هذه الآية الكريمة صورة محسوسة لهذا الوجود وقد سجد فيه كل موجود، ولاء الله، وخشوعا لجلاله وعظمته.. فما خلق الله من شىء يرونه، فى عالم الجماد، أو النبات، أو الحيوان، إلّا كان له ظل، يتبعه، ساجدا على الأرض، سجود العابدين الخاشعين.. فى ذلة وانكسار لله الواحد القهار.. - وفى قوله تعالى: «ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ» إشارة إلى تلك الأشياء المحسوسة، التي يحدّث جسمها عنها، وينبىء عن وجودها، فهى ليست من عالم المعقولات، ولهذا كان لها ظلّ، لما فيها من كثافة.. - وفى قوله تعالى: «يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ» خروج على مألوف النظم، وهو إما أن يجىء هكذا: «يتفيّأ ظلّه» أو هكذا: «تتفيأ ظلاله» بمعنى أنه إذا أفرد الفاعل جاء الفعل مذكرا، وإذا جمع الفاعل، جاء الفعل مؤنثا.. ولكنه فى النظم القرآنى، جمع بين الأمرين.. فجاء بالفعل مذكرا وبالفاعل جمعا.. وهذا إعجاز من إعجاز القرآن الكريم، إذ دلّ بهذا على أن الفاعل، وهو «الظل» هو مفرد فى أصله.. هو شىء واحد، ولكنه فى أفعاله، وحركاته، بين القبض والبسط، والتحرك من يمين إلى شمال، يكون ظلالا، لا ظلا واحدا.. فهو جمع فى واحد، وواحد فى جمع!! وهذا بيان لا يكون إلا فى كلمات الله، وفى كتابه المبين..

стр. 2743

وقوله تعالى: «وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ» - هو استكمال لما قررته الآية السابقة من سجود ظلال الأشياء لله، وأنها ليست وحدها هى التي تسجد لله سبحانه، بل كل ما فى السموات وما فى الأرض.. من كل دابة تدبّ على الأرض.. ومن الملائكة فى السموات يسجدون لله، وهم لا يستكبرون.. يقول الله ﵎ فى آية أخرى: «وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ» (١٥: الرعد) . وخصّت الدوابّ بالذّكر، لأنّها من مخلوقات الأرض، ذات الحسّ والحركة، وهى دون الإنسان منزلة.. وخصّت الملائكة بالذكر كذلك، لأنها من عالم السموات، وهى أشرف مخلوقاتها.. وفى هذا قطع لكل حجة للإنسان ألا يكون فى الساجدين لله.. فإذا عدّ نفسه من عالم الأرض، فهذه دوابّ الله كلّها تسجد لله.. فليسجد معها.. وإذا كان يرى أنّه فوق هذه الدواب، فهذه مخلوقات السماء، وهذه الملائكة أشرف مخلوقاتها وأكرمها عند الله، قد سجدت لله فى ولاء وخشوع.. فليسجد لله كما سجدت الملائكة، أو كما سجدت الدوابّ! وقوله تعالى: «يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» - هو وصف للملائكة الذين دأبهم العبادة، وشأنهم السجود لله.. فهم- مع منزلتهم عند الله- يخافون ربّهم الذي علا بسلطانه على كل سلطان «وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» به، من الله، فى غير تردد أو تكرّه.. إذ هم أعرف بما لله فى خلقه، وما على الخلق من واجب الطاعة والولاء للخالق..

стр. 2744

الآيات: (١٦- ٦٠) [سورة النحل (١٦) : الآيات ٥١ الى ٦٠] وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) التفسير: قوله تعالى: «وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ» .. القول من الله ، هو أمر.. بمعنى أمر الله.. وهو هنا أمر باجتناب منكر.. فالأمر واقع على نهى.. وهو قوله تعالى: «لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ» .. فهو توكيد للنهى.. بترك المنهي عنه، والإتيان بما يقابله وهو المأمور به..

стр. 2745

ويكون المعنى: لا تتخذوا إلهين اثنين، واعبدوا إلها واحدا.. وفى وصف الإلهين بأنهما اثنان، تجسيد لتلك الصورة التي تجمع بين إلهين، وتقابل بينهما مقابلة الشيء للشىء.. وهذه صورة لا تتحقق أبدا، إذ ليس لله نظير يناظره، أو شبيه يقابله.. إذ هكذا يكون الإله الذي يعبد.. إلها متفردا بالكمال والجلال.. لا يشاركه أحد فى كماله وجلاله، وإلا كان ناقصا، لا يستحق أن يأخذ مكان التفرد، وعلى العقل أن يبحث عن الإله الذي لا مثيل له، ولا نظير، وإن البحث سينتهى به إلى الله الواحد الأحد.. الفرد الصمد.. «إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ» . - وفى قوله تعالى: «فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ» هو دعوة إلى الله الواحد الأحد، الذي يستحق العبودية، وهو الذي يخافه الملائكة، وهم أقرب الخلق إليه، فكيف لا يخاف ولا يرهب من هم دون الملائكة من خلقه؟ قوله تعالى: «وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ» ؟ الواصب: الخالص، المصفّى من كل شائبة.. ومنه قوله تعالى: «وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ» (٩: الصافات) أي خالص، لا يختلط به شىء غريب عنه، يخفف من آثاره وأفعاله فى أهله، الواقع بهم. فلله ملك السموات والأرض، لا شريك له، وله سبحانه الدّين الخالص، غير المشوب بشرك أو إلحاد، فهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيّبا.. كما يقول جل شأنه: «وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» . (٢٩: الأعراف) ويقول سبحانه: «أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ» (٣: الزمر) .

стр. 2746

ومن كان هذا ملكه وسلطانه، وذلك دينه الذي يعبد عليه من خلقه.. فإن عبادة غيره كفر، وعبادته على غير دينه الذي ارتضاه وأمر به، ضلال. قوله تعالى: «وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ» .. الجأر، والجؤار: رفع الصوت عاليا.. والآية الكريمة، تحدّث عما لله فى عباده من فضل وإحسان.. فكل ما هم فيه من نعم، هو من عند الله.. حياتهم التي يحيونها.. وحواسّهم، وجوارحهم، ونومهم ويقظتهم، وطعامهم وشرابهم، وما بين أيديهم من مال وبنين.. كل هذا، وأضعاف هذا مما يتقلبون فيه، ويقيمون وجودهم عليه، هو من عطاء الله، ومن فضل الله، ومن رحمة الله.. كذلك ما يبتلى به الإنسان من ضرّ هو من عند الله، وهو سبحانه الذي يدعى لكشف الضر، ويرجى لدفع الشدّة، كما يقول سبحانه: «قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ» (٤٠- ٤١: الأنعام) . وقوله تعالى: «ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ.. فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» . - هو بيان لجحود الإنسان وكفرانه بفضل الله عليه، ومكره بنعمه.. فهو إذا أصابته نعمة، بطر، وكفر، وأعرض عن الله، وإذا مسّه ضرّ جأر إلى الله، ورفع صوته شاكيا متوجعا، وعاهد الله لئن كشف الضّرّ عنه، ليؤمننّ بالله، وليستقيمن على صراطه المستقيم، فإذا كشف الله الضرّ عنه، نسى ما كان يدعو إليه من قبل، ولم يزده هذا الإحسان إلا ضلالا وكفرانا.. وقليل هم أولئك الذين يذكرون فى هذا الموقف ربّهم، ويشكرون له ما آتاهم من فضله..

стр. 2747

وفى هذا يقول الله تعالى: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» .. - وفى قوله تعالى: «لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ» تهديد ووعيد، لهؤلاء الذين يمكرون بنعم الله، وينكثون عهدهم مع الله.. فليكفروا بما آتاهم الله من فضله، وليتمتعوا بما هم فيه من نعمة، فإن الله- سبحانه- لن يعجّل لهم العقاب، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمّى، وسوف يعلمون عاقبة ما هم فيه من كفر وضلال.. وفى الانتقال من الغيبة إلى الخطاب فى قوله تعالى: «لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» مواجهة لهؤلاء الكافرين الضالين، بالبلاء الذي ينتظرهم، وبالعذاب المعدّ لهم.. وفى تلك المواجهة التي يجدون فيها ريح العذاب- ما يدعوهم إلى النظر إلى أنفسهم، ومراجعة موقفهم الذي يشرف بهم على شفير جهنم.. وقوله تعالى: «وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ» .. - هو كشف عن وجه من وجوه الضلال، التي يعيش فيها المشركون بالله، وهو أنهم لا يقفون بكفرهم بنعم الله عند حدّ جحدها، وجحد المنعم بها، بل يتجاوزون ذلك إلى أن يضيفوا هذه النعم إلى غير الله، وأن يقدّموها قربانا إلى ما يعبدون من دون الله، من أصنام! وهذا فوق أنه كفر بالله، هو عدوان على الله، وحرب له.. - وفى قوله تعالى: «لِما لا يَعْلَمُونَ» حذف المفعول به، لإطلاق نفى العلم من هؤلاء المعبودين.. وأنهم لا يعلمون شيئا.. وفى هذا تشنيع على المشركين، وتسفيه لأحلامهم.. إذ عدلوا عن التعامل مع ربّ العالمين، الذي يعلم كل شىء، إلى التعامل مع ما لا يعلم شيئا..

стр. 2748

- وفى قوله: «نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ» إشارة إلى أن ما بأيدى هؤلاء المشركين من نعم الله، قد ضيعوا حق الله فيها، مما كان ينبغى أن يقدموه منها صدقة وزكاة، ابتغاء وجه الله، وجعلوه قربانا يتقربون به إلى هذه الأحجار المنصوبة، ويرجون الجزاء منها على ما قدموه. - وفى قوله تعالى: «تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ» وعيد لهؤلاء المشركين، وأنهم مسئولون عن هذا الضلال، وذلك الافتراء، ومحاسبون على هذا المنكر حسابا عسيرا، يلقون جزاءه عذابا أليما فى نار جهنم.. وقوله تعالى: «وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ.. وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ» .. هو بيان لوجه آخر من وجوه الضلال، التي يلبسها المشركون حالا بعد حال.. فمن ضلالاتهم أنهم يجعلون الملائكة بنات لله.. فلم يكتفوا بأن جعلوا لله- سبحانه- ولدا، بل جعلوه لا يلد إلا البنات، تلك المواليد التي لفظها مجتمعهم وزهد فيها، واستقبلها فى تكرّه وضيق.. وفى هذا ما يكشف عن مدى جهلهم بما لله من كمال، وما ينبغى أن يكون له من توقير.. فلقد أساءوا القسمة مع الله، حين سوّوه بهم- ضلالا وسفها- فجعلوا له البنات، وجعلوا لأنفسهم «ما يشتهون» من الذكور.. وقد سفّه الله أحلامهم، وكشف عوار منطقهم بقوله تعالى «أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ.» (١٩- ٢٣: النجم) .. وذلك حين أطلقوا على تلك الأصنام هذه الأسماء المؤنثة، وادعوا أنها بنات الله.. وقوله تعالى: «وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ

стр. 2749

أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ» - هو بيان لتلك الحال من الانزعاج، والكرب، والبلاء، التي تستولى على هؤلاء المشركين من العرب، حين يبشر أحدهم بأنه قد ولدت له أنثى.. هنالك ينزل عليه هذا الخبر نزول الصاعقة، فيضطرب كيانه، وتغلى دماء الكمد فى عروقه، ويضيق صدره، حتى لتختنق أنفاسه ويسودّ وجهه.. فإذا ظهر فى الناس جعل يتوارى منهم، ذلّة وانكسارا، حتى لكأنه لبس عارا، أو جنى جناية..! وهذا جهل فاضح، وضلال غليظ.. ولو كان معه شىء من النظر والتعقل، لعرف أن هذا الأمر ليس له، وأن ليس لأحد أن يخلق ذكرا أو أنثى، وإنما ذلك إلى الله وحده.. فلم يخجل من أن تولد له أنثى؟ ولم يمشى فى الناس مطأطىء الرأس، ذليل النفس؟ أيستطيع عاقل أن يتهمه بأنه جنى هذه الجناية المنكرة عندهم، وأنه ولد بنتا ولم يلد ولدا؟ ذلك قول لا يقال إلا فى مجتمع السفهاء والحمقى! - وفى قوله تعالى: «وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى» - إشارة إلى أن الولد نعمة من النعم التي يبشر بها، سواء أكان ذكرا أم أنثى، وأن من شأن هذه البشرى أن تملأ قلب الوالد بالفرحة والبشر.. تلك طبيعة الكائن الحىّ، حين يولد له مولود.. يهشّ له ويسعد به، بمجرد أن يرى وجهه، من قبل أن يتعرف عليه، ويعلم أذكر هو أم أنثى! .. فما يتوقف الحيوان عن فرحته حين يستقبل ولده، حتى يتبين الذكر من الأنثى.. بل إن مواليده كلّها سواء عنده.. هى قطعة منه، وثمرة شجرة الحياة المغروسة فى كيانه، والإنسان الذي يفرّق بين مواليده، هو خارج على الفطرة، منحرف عن سنة الحياة فى الأحياء.. - وقوله تعالى: «كَظِيمٌ» أي مكظوم، ممتلىء غيظا، وألما. ومنه الكظّة: وهى الامتلاء من الطعام.. - وقوله تعالى: «أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ» - هو تعقيب على هذا الموقف

стр. 2750

المنحرف الضال، الذي يقفه المشركون من مواليدهم، من التفرقة فى الحكم بين الذكور والإناث.. وقوله تعالى: «لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .. المثل الذي ضربه الله لموقف المشركين من إضافتهم الإناث إلى الله، وإضافة الذكور إليهم، هو هذا الموقف الذي يقفونه هم أنفسهم مع ما يولد لهم من ذكور وإناث، وأنهم حين يبشر أحدهم بالأنثى ينزل به ما ينزل من حسرة، وحزن وبلاء.. فكيف ينسبون لله تعالى، ما لا يرضون نسبته إليهم؟ ذلك ما يعطيه المثل المضروب.. وتعالى الله عن أن يسوّى بينه وبينهم، فلله سبحانه المثل الأعلى، الذي لا يقابل بمثل.. أما المشركون فلهم كل خبيث، وكل خسيس، يضرب مثلا لهم، تصوّر به أحوالهم، ويكشف به ضلالهم.. - وفى قوله تعالى: «وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» إشارة إلى أنه هو «العزيز» الذي يعلو بعزته فوق كل مثل.. «الحكيم» الذي يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجّهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما.. حسب ما تقضى حكمته.. الآيات: (٦١- ٦٧) [سورة النحل (١٦) : الآيات ٦١ الى ٦٧] وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)

стр. 2751

التفسير: قوله تعالى: «وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ.» مناسبة هذه الآيات لما قبلها، هى أن الآيات السابقة كشفت عن وجوه كثيرة، من وجوه الضلال، التي يعيش فيها المشركون حين كفروا بالله، ومكروا بآياته، وجحدوا أفضاله وأنعامه، فناسب ذلك أن يذكّرهم- سبحانه- بمزيد من فضله عليهم، وهو أن هذه المنكرات التي اقترفوها جديرة بأن تسوق إليهم المهلكات، وأن ينزل بهم ما نزل بالظالمين قبلهم من نقم الله، بل ويشمل البلاء كل ما بين أيديهم من أنعام سخرها الله لهم.. وفى التعميم الذي شمل الناس جميعا، وما على الأرض من دابّة، إشارة إلى أن رحمة الله لم تتخلّ عن الناس، حتى فى مواقع البلاء، والهلاك.. فلم يهلك الله الناس جميعا بسبب ما يقع منهم من ظلم، وشرك، وكفر، ولو أخذهم بظلمهم لما أبقى منهم باقية، ولأخذ غير الظالمين بالظالمين، بل ولما أقام حياة على هذه

стр. 2752

الأرض، من حيواناتها ودوابها.. إذ كانوا جميعا كيانا واحدا، مطالبا بأن يقيم خلافة الله فى الأرض، على صراط مستقيم.. قوله تعالى: «وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ» - أي ولكن شاءت رحمة الله بالناس ألا يعجّل لهم العقاب، وأن يقيمهم فى الحياة إلى أجل مسمّى، حتى تتاح لهم الفرصة لإصلاح ما أفسدوا، والرجوع إلى ربّهم.. إذ لا شك أن فى امتداد العمر للظالم رحمة به، حتى يراجع نفسه، ويرجع إلى ربّه.. فإن لم يرجع إلى الله، ويؤمن به فإن مطاولة الزمن له لم تضرّه، فقد كان بكفره غير متقبل لجديد من الضرر.. إذ ليس بعد الكفر ذنب. وإلى هذا المعنى يشير الإمام على كرم الله وجهه بقوله: «موت الإنسان بعد أن كبر وعرف ربّه، خير من موته طفلا، ولو دخل الجنة بغير حساب» ! قوله تعالى: «وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى» - هو تنديد بالمشركين، واستنكار لأفعالهم وأقوالهم جميعا، فهم يجعلون لله ما يكرهون، أي ينسبون إليه الإناث، فيجعلون الملائكة بناته، ويسمّون آلهتهم بأسماء مؤنثة، ويقولون عنها إنها بنات الله! وفى هذا يقول الله تعالى فيهم: «إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» (٢٧- ٢٨: النجم) .. هذا، على حين يجعلون لأنفسهم الذكور، ثم لا يقف بهم الضلال عند هذا، بل يمنّون أنفسهم الأمانى المسعدة، ويقولون إن لهم العاقبة الحسنى عند الله.. كما يقول الله ﵎ فاضحا هذه الأمانى الخادعة: «أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ»

стр. 2753

«عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً؟ كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً» (٧٧- ٨٠: مريم) . - وفى قوله تعالى: «وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى» - إشارة إلى أنهم يصفون الكذب بغير صفته، فهو قبيح، خبيث، لا يثمر إلا القبيح الخبيث، ولكنهم يعطونه صفة الشيء الحسن، ويرجون من ورائه ما يرجو المحسنون من إحسانهم.. ولهذا ضمّن الفعل تصف معنى القول: أي يقولون الكذب الذي يقولونه وهو قولهم «أن لهم الحسنى» .. فهو بدل من الكذب. قوله تعالى: «لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ» . أي لا شك أن لهم النّار، وليست لهم الحسنى كما يزعمون.. وأنهم مفرطون.. أي سابقون إلى النّار.. فهذا هو المجال الذي يسبقون فيه، ويأخذون المكان الأول منه.. أما فى مقام الخير والإحسان فهم فى أنزل منزلة. وقوله تعالى: «تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» . فى القسم من الله باسمه الكريم تشريف للنبىّ، ومداناة له، وتلطف من الحقّ جل وعلا معه.. أي وحقّ ربّك، لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا مبشرين ومنذرين، فوسوس لهم الشيطان، وزين لهم ما هم فيه من عمى وضلال، فلم يستجيبوا، لدعوة الحق، ولم يردّوا على رسل الله إليهم ردّا جميلا، بل أعنتوهم، ومدّوا إليهم ألسنتهم وأيديهم بالسوء والأذى.. فلا تأس على ما يصيبك من قومك، وما ترى من عنادهم، وتأبّيهم على الحق الذي تدعوهم إليه، فالشيطان يتولاهم اليوم، ويقودهم كما تولّى الظالمين قبلهم، وقادهم إلى موارد الوبال والهلاك.. «وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» أي لأولياء الشيطان جميعا عذاب أليم فى الآخرة.

стр. 2754

وقوله تعالى: «وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .. هو بيان لمحامل الرسالة التي أرسل بها النبىّ الكريم، فالكتاب الذي أنزل إليه، ليس فيه ما يدخل منه الضيم على أحد ممن يستجيب له.. إنه لا ينزع من أحد سلطانا، ولا يعتدى على حرمة من حرماته، بل إن كل ما يحمله هو الخير، والرحمة، والأمن، والسلام.. فهو نور يكشف معالم الطريق إلى الحق والخير، ويقيم لمن يهتدى به فهما صحيحا للعقيدة التي يعتقدها.. فالقرآن الكريم ميزان عدل وحق، وفيصل ما بين الحق والباطل وحكم ما بين الخير والشر.. فما استقام على ميزانه، فهو الحق والخير، وما انحرف عنه، فهو الباطل والضلال.. فعلى هديه يجتمع أهل الكتاب على كلمة سواء منه، فيما اختلفوا فيه، وإليه يحتكم أهل الهدى، فيقضى بينهم بما يرفع الخصام والشقاق فيما كان سببا فى خصامهم وشقاقهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا» (٥٩: النساء) .. وقوله سبحانه: «وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ» (١٠: الشورى) .. وفى هذا يقول الرسول الكريم فى صفة القرآن الكريم: «القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته» ففى مأدبة الله هذه الشفاء والرحمة، والهدى والمعرفة.. إنه مأدبة علم وحكمة، وخلق، وليس مأدبة معدة، ولا طعام بطون.. - وقوله تعالى: «وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .. هو بيان لما فى القرآن الكريم من معطيات الخير التي لا تنفد.. فهو إذا كان ميزان الحق والعدل الذي تردّ إليه الأمور، وتنزل على حكمه الأحكام، فإنه كذلك هدى ورحمة، لمن آمن به واهتدى بهديه، واستظل بظلّه.. فهو الشفاء من كل داء،

стр. 2755

والعافية من كل سقام، والاستقامة من كل ضلال.. كما يقول الحق جلّ وعلا: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ» (٨٢: الإسراء) وكما يقول سبحانه: «وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ «آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى» (٤٤: فصلت) . وقوله تعالى: «وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ» . مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أنه لمّا ذكر فى الآية السابقة، أن القرآن الذي نزل على النبىّ، هو شفاء لما فى الصدور وروح للأرواح، وحياة للنفوس، فناسب أن يذكر ما ينزّل من السماء من ماء هو روح الحياة، وحياة الأحياء.. وبهذا تتم نعمة الله، حيث ينزل على عباده من رحمته، ما تحيا به حياتهم، المادية والروحية، جميعا.. وفى قوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ» إشارة إلى أن الآية المبصرة هى التي يتلقّاها الناس من كلمات الله، حين تتلى عليهم، لا من تلك الآيات الكونية التي يرونها بأبصارهم.. فهذه الآيات الكونية وإن كانت موطنا للعبرة، ومرادا للتبصرة، إلا أن كلمات الله التي تعيها آذان واعية، وتتلقاها قلوب متفتحة- هذه الكلمات هى أوضح بيانا، وأفصح لسانا، وأفعل أثرا، إذ هى النور الذي تنكشف على أضوائه الآيات الكونية المبثوثة فى الأرض والسماء.. وهذا هو السر فى أن جاءت فاصلة الآية الكريمة: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ» ولم تجىء هكذا: «لقوم يبصرون» حيث كان ذلك هو التعقيب المناسب للآية التي تحدّث عن الماء الذي ينزل من السماء، وأثره فى إحياء الأرض.. وكل هذه صور ترى ولا تسمع» .

стр. 2756

قوله تعالى: «وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ» .. اختلف المفسرون، وتعددت آراؤهم فى تأويل الضمير فى قوله تعالى: «مِمَّا فِي بُطُونِهِ» فهذا الضمير مفرد مذكر، يعود إلى «الأنعام» والأنعام جمع، فكان مقتضى هذا أن يعود الضمير إلى الأنعام مؤنثا هكذا: «بطونها» .. إذ أن كل جمع غير عاقل، يعود عليه الضمير مفردا مؤنثا.. وقد جاء على تلك الصفة فى قوله تعالى فى سورة «المؤمنون» : «وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ» (الآيتان: ٢١- ٢٢) فما تأويل هذا؟ ولم اختلف النظم فى الآيتين، فجاء فى آية النحل هكذا: «مِمَّا فِي بُطُونِهِ» على حين جاء فى آية «المؤمنون» : «مِمَّا فِي بُطُونِها» . يقول المفسرون: إن الأنعام، تجىء فى اللغة بمعنى المفرد، كما تستعمل جمعا.. وقد استعملت فى آية النحل بمعنى المفرد، واستعملت فى آية «المؤمنون» الاستعمال الآخر الذي لها، وهو الجمع!! ويأتون لهذا بكثير من الشواهد اللغوية للاستعمالين.. والقول بأن «الأنعام» لفظ مفرد، مثل ثوب «أخلاق» ونطفة (أمشاج) قول متهافت لا يراد منه إلا الخروج من هذا الموقف بين يدى الآية الكريمة، وتسوية نظمها على أية صورة!! فالقرآن الكريم لم يستعمل لفظ «الأنعام» مرة واحدة بمعنى المفرد، على كثرة ما ورد فيه من ذكر هذا اللفظ فى مواضع شتى.. فمن ذلك: «وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ» .. (٣٠: الحج)

стр. 2757

«وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ» .. (١٢: محمد) «فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ» .. (١١٨: النساء) «وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ» (٥: النحل) «كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ» .. (٥٤: طه) «مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ» .. (٣٣: النازعات) هذا هو بعض ما ورد فى القرآن الكريم من ذكر الأنعام.. وقد استعملت استعمال الجمع غير العاقل، فعاد إليها الضمير مفردا مؤنثا.. كما أضيفت إليها «الآذان» جمعا.. وكما أضيفت هى إلى الناس هكذا «أنعامكم» وليس بمعقول أن يرعى الناس جميعا بهيمة واحدة!! والذي نراه فى مجىء الضمير فى آية النحل مفردا مذكرا، على غير ما يقتضيه الاستعمال اللغوي، هو أن الحيوان الذي يشرب لبنه، ويؤكل لحمه، هو الحيوان المجترّ، بخلاف الحيوان الذي له لبن، ولكن لا يحل شرب لبنه، ولا أكل لحمه، وهو غير مجترّ، كالكلب، والخنزير. والحيوان المجترّ، له خاصية فى جهازه الهضمى.. فله معدة، وله معى، وله كرش، يختزن فيه الطعام، وبعيد مضغة مجترا.. بخلاف الحيوان غير المجتر فإنه ليس له هذا «الكرش» الذي يختزن فيه الطعام.. ومن هنا يبدو الحيوان المجتر وكأنه لا يحمل بطنا واحدا كسائر الحيوانات، بل يحمل بطونا.. المعدة، والمعى، والكرش، الذي هو أشبه بمجموعة من البطون.. ومن هنا أيضا جاء النظم القرآنى: «نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ» مشيرا إلى

стр. 2758

بطون هذا الحيوان المجتر الذي أحلّ شرب لبنه، وأكل لحمه، وأن الحيوان الذي ليس له هذه البطون لا يؤكل لحمه، ولا يشرب لبنه..! ومن هنا- مرة ثالثة- كان على الإنسان أن ينظر فى الحيوان الذي يشرب من لبنه ويأكل من لحمه، فإذا كان على تلك الصفة أكل من لحمه وشرب من لبنه، وإلا أمسك عنه.. فالآية الكريمة إذ تنبه الإنسان إلى ما فى بطون الأنعام من عبرة فى خروج اللبن من بين الفرث والدم تنبّهه كذلك إلى ما أحلّ له من الحيوان ذى اللبن، ولهذا جاء وصف اللبن بهذين الوصفين: «لَبَناً خالِصاً.. سائِغاً لِلشَّارِبِينَ» . وعلى هذا يكون الضمير فى «بطونه» عائدا إلى الحيوان المجترّ ذى البطون، وذى اللبن الخالص، السائغ للشاربين.. هذا الحيوان المنتقى من بين مجموعة الأنعام كلها، فهو حيوانها الذي ينبغى أن يتجه النظر إليه فى هذا المقام! مقام أخذ اللبن الخالص السائغ منه. أما آية «المؤمنون» فلم يكن المراد منها التنبيه إلى هذه الخاصية من الحيوان، ذى اللبن الخالص السائغ، حيث جاءت الآية هكذا: «وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ» .. فهى تحدّث عن الأنعام فى جملتها، وعما يجنيه الناس منها من ثمرات، ليس اللبن إلا بعضا منها، وليس فى الآية ما فى آية النحل من إلفات خاص إلى اللبن الصافي السائغ، الذي يخرج بقدرة القدير، وتدبير الحكيم العليم.. من بين الفرث والدم.. فآية النحل تلفت الأبصار والبصائر فى قوة، إلى هذه الظاهرة العجيبة، التي تحدّث عن قدرة الله، وإلى ما تملك القدرة من قوى التصريف والإبداع..

стр. 2759

فمن بين الفرث، وهو «الروث» ، وبين الدم- يجرى اللبن الخالص، السائغ، دون أن تعلق به شائبة، أو يمسّه سوء، يغيّر لونه أو طعمه، أو ريحه.. ومن تلك الأخلاط التي تجمع من الأطعمة التي يتناولها الحيوان، وتتجمع فى كرشه ومعدته- من تلك الأخلاط يخرج الفرث، واللبن، والدّم.. فيأخذ الفرث سبيله إلى العمى، ثم إلى خارج الجسد، ويأخذ اللبن مجراه إلى الضرع، ويأخذ الدم مساره فى العروق! دون أن يبغى بعضها على بعض، أو يختلط بعضها ببعض، حتى لكان كلّا منها وارد من عالم لا يتصل بالعالمين الآخرين، بأية صلة.. فتبارك الله رب العالمين..!! وفى تقديم قوله تعالى: «مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ» على قوله سبحانه «لَبَناً» الذي هو مطلوب للفعل «نسقيكم» - فى هذا إلفات إلى الفرث والدم وما يخرج من بينهما، وهو اللبن الخالص السائغ للشاربين.. فإنه قبل أن يقع لنظر الناظر هذا اللبن، يلتقى نظره أولا بالفرث والدم، الذي لا يتصور أن يخرج منهما إلا ما يشاكلهما.. فإذا رأى بعد هذا أن ذلك اللبن الخالص السائغ يخرج من بين هذين الشيئين: الفرث والدم، عجب لذلك كلّ العجب، وحمله ذلك على أن يقف عند هذه الظاهرة وقوفا طويلا، يشهد فيها لمحات من قدرة الله، وعلمه، وحكمته. قوله تعالى: «وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» .. «ومن» من هنا للتبعيض.. أي ومن بعض ثمرات النخيل والأعناب تتخذون سكرا ورزقا حسنا.. وهو ما يؤخذ من التمر.. من خلّ، وما يتخذ من العنب.. من زبيب مثلا.. فليس كل ثمرات النخيل والأعناب، يتخذ، أي يصنع منها السكر، وغير السكر، وإنما يؤكل أكثره من غير صنعة، وقليله هو الذي يصنع من السّكر وغيره.. ولهذا عاد

стр. 2760

الضمير فى «منه» على هذا البعض، أو هذا القليل.. أي وبعض ثمرات النخيل والأعناب تتخذونه سكرا ورزقا حسنا ... والسّكر: ما يسكر، وهو الخمر.. والرزق الحسن ما يصنع من التمر والعنب فى أغراض أخرى غير السّكر.. وفى هذا إشارة إلى أن السكر- وهو الخمر- رزق غير حسن.. وإن سمّى رزقا، لأن كثيرا من الناس يصنعه، ويبيعه، ويعيش من العمل فيه.. وهذه أول آية تنزل فى الخمر، وتومئ إليه هذه الإماءة التي تحقره، وتسمه بتلك السمة التي تعزله عن الحسن من الرزق. الآيات: (٦٨- ٧٣) [سورة النحل (١٦) : الآيات ٦٨ الى ٧٣] وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)

стр. 2761

التفسير: قوله تعالى: «وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ» . الوحى هنا: الإلهام، المركوز فى الفطرة التي فطر الله النحل عليها.. فهكذا خلق الله النحل، تتخذ لها بيوتا فى الجبال، وفى جذوع الأشجار، وفى سقوف المنازل والحيطان، ونحو هذا.. وسميت أعشاش النحل بيوتا، لأنها قائمة على نظام دقيق بديع، تحكمه هندسة دقيقة بارعة، يحار فيها عقل الإنسان. وقوله تعالى: «ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» . هو معطوف على ما قبله.. أي مما ألهمه الله النحل وجعله طبيعة قائمة فيها، أن يكون طعامها من زهر الزروع وثمارها.. والتقدير: وأوحى ربك إلى جماعة النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا.. ثم كلى من كل الثمرات.. - وفى توجيه الأمر إلى النحل فى قوله تعالى: «أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً» .. وقوله سبحانه: «ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ» ثم قوله تعالى: «فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا» - فى هذا الأمر إشارة إلى أن الوحى الصادر إلى النحل ليس أمرا تكليفيا، وإنما هو أمر تقديرى، ليس للنحل معه تفكير

стр. 2762

أو تدبير، بل هو أشبه بجهاز عامل فى كيان النحل، أو قل هو الجهاز العامل فى كيانه.. - وفى قوله تعالى: «فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا» المراد بالسبل هنا ما فى كيان النحل من غرائز فطرية، هى التي تحكم حياته، وتضبط سلوكه. والأمر الموجه إلى النحل بأن يسلك سبل ربه ذللا، هو إذن من الخالق جلّ وعلا، للنحل أن ينطلق على طبيعته، وأن يسير على ما توجهه إليه غريزته، حيث لا تتصادم هذه الغريزة، بشىء غريب يدخل عليها من إرادة أو تفكير.. فالسبل التي تسلكها النحل فى بناء بيوتها، وفى تناول طعامها، وفى الشراب الذي تخرجه من بطونها.. كل ذلك يجرى على سنن مستقيم لا ينحرف أبدا، ويسير فى طريق مذلل معبّد.. هو طريق الله، وهو فطرة الله. وقد عاد الضمير على النحل بلفظ المفرد المؤنث: «اتَّخِذِي.. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ.. فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ.. يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ» مع أن «النحل» اسم جمع مذكر، وذلك أن المراد بالنحل هو «جماعة النحل» أو النحل فى جماعته، من حيث كان النحل من الكائنات الحية التي لا تعيش إلا فى نظام جماعى، تتألف منه وحدة منتظمة، أشبه بالوحدات الإنسانية، فى أرقى المجتمعات، حيث تتوزع أعمال الجماعة على أفرادها، وحيث يؤدى كل فرد ما هو مطلوب منه فى غير فتور أو تمرد.. ومن حصيلة العمل الذي تعمله هذه الجماعة، ويشارك فيه ذكورها وإناثها، وجنودها وعمالها، والملكة ورعيتها- من هذه الحصيلة يتكون الشراب المختلف الألوان، الذي فيه شفاء للناس. - وقوله تعالى: «يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ» -

стр. 2763

هو جواب عن سؤال يقع فى الخاطر، حين يستمع المرء إلى كلمات الله عن النحل، وعن وحيه إليه، وأمره له، فيلفته ذلك كله إلى النحل، وإلى أن يسأل نفسه، ما شأن هذا النحل؟ وما الرسالة التي يؤديها هذا المخلوق الضئيل الذي يتلقى من ربه وحيا كما يتلقى الأنبياء؟ فيكون الجواب: «يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ» - تلك هى رسالة النحل، يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه، يتلوّن بلون الغذاء الذي يتناوله.. أما ثمرة هذه الرسالة.. وأثرها فى الحياة، فذلك ما كشف عنه قوله تعالى: «فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ» ففى هذا الشراب الذي يخرج من بطون النحل شفاء للناس.. أي إن فى تناول الناس له شفاء لكثير من أمراضهم وعللهم، وليس لكل الأمراض والعلل.. ولهذا جاء التعبير القرآنى «فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ» بالتنكير، ولم يجىء: «فيه الشفاء للناس» ، الذي يدل بتعريفه على العموم والشمول، وهذا من حكمة الحكيم العليم.. فلو كان شراب النحل شفاء من كل داء لأدخل الخلل على نظام الحياة الإنسانية، التي لا تستقيم إلا مع الصحة والمرض معا. روى أن رسول الله ﷺ جاءه من يشكو إليه مرض أخيه، بداء فى بطنه، فقال ﷺ : «اسقه عسلا.. فسقاه فلم يشف ما به، فجاء إلى النبي- صلوات الله وسلامه عليه- شاكيا، فقال: اسقه عسلا.. فسقاه.. فلم يذهب بدائه.. فجاء إلى النبي ﷺ شاكيا، فقال: «صدق الله وكذب بطن أخيك» اسقه عسلا.. فسقاه، فشفى! هذا ويجوز أن يكون الضمير فى قوله تعالى: «مِنْ بُطُونِها» عائدا إلى السبل، أي يخرج من بطون هذه السبل شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس.. وهذا يعنى أن رسالة النحل فى هذه الحياة، هى أن تسعى هذا السعى فى الحياة،

стр. 2764

وأن تسلك السبل التي يسّرها الله لها، وأقام طبيعتها عليها، بحيث لا حياة لها فى غير هذه السبل، وأنه إذ تسلك النحل هذه السبل- ولا بد لها أن تسلكها- يخرج من بطون تلك السبل شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس.. وهذا يعنى مرة أخرى أن النحل ليس إلا أداة من الأدوات العاملة فى هذا الجهاز العظيم الذي يخرج من بطونه هذا الشراب.. وهذا يعنى مرة ثالثة ألا يقف نظر الإنسان عند النحل وما يخرج منه من شراب عجيب، بل يجب أن يمتد النظر إلى آفاق فسيحة وراء أفق النحل.. فهناك الأزهار المختلفة التي يتغذى عليها النحل ويمتص رحيقها، وهى ألوان وطعوم.. كل لون منها، وكل طعم، فيه نظر لناظر، وعبرة لمعتبر.. فليس هذا الشراب المختلف الألوان الذي يخرج من بطون النحل- بأعجب من هذا الزهر المختلف الأصباغ الذي يخرج من بطون الأرض.. ثم هناك أيضا هذا التجاذب، والتوافق بين الزهر والنحل، فإنه لولا هذا التوافق والتجاذب لما جاء هذا الشراب، على صورته تلك.. فلو أنه كان من طبيعة النحل أن يتغذى بالحبّ، أو اللحم، أو ما شابه ذلك لما كان هذا الشراب.. فبطون النحل التي أخرجت الشراب، وبطون الأرض التي أخرجت الزهر، هى جميعا جهاز واحد فى صنعة هذا الشراب المختلف الألوان، الذي فيه شفاء للناس. وقوله تعالى: «وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ» .. هو آية من آيات الله فى خلقه.. وهى الحياة والموت.. فقد قضت حكمة الله أن يقرن الموت بالحياة، وأن يصله بها، ويسلطه عليها، مع اختلاف مدة الحياة التي يحياها الكائن الحىّ.. ففى الناس مثلا من يموت جنينا، ومنهم من يموت شابّا، ومنهم من يموت شيخا، ومنهم من يمتدّ به الأجل حتى يبلغ من العمر أرذله..! على أن النهاية هى الموت..!

стр. 2765

وفى وقوف القرآن الكريم عند تلك الحالة التي يصل فيها الإنسان إلى أرذل العمر- إشارة إلى ما يلبس الإنسان فى تلك الحالة من صور فى الحياة، أشبه بما كان عليه فى أول مراحل العمر.. فيضمر جسده، وتضعف قواه، وتتحول مشاعره، ومدركاته، إلى مشاعر الطفولة ومدركتها، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ» (٦٨: يس) . - وفى قوله تعالى: «يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ» إشارة إلى أن امتداد العمر بالإنسان، ينتهى به عند نقطة معينة يبدأ بعدها الرجوع إلى الوراء، من حيث بدأ رحلة الحياة، وهو رجوع على وضع مقلوب، منتكس، يجرى على عكس الاتجاه الذي كان يأخذه فى أول حياته، التي كان طريقه فيها يمشى به صعدا، على حين أنه فى رحلة العودة إلى الوراء يهبط منحدرا، حتى ليكاد يقع على مستوى نقطة البدء التي بدأ منها.. وهذا ما يكشف عنه قوله تعالى «أَرْذَلِ الْعُمُرِ..» فالرذل هو الخسيس من كل شىء.. وتلك المرحلة المتقدمة من العمر هى أسوأ مراحل العمر وأرذله.. وقد أحسن المعرى فى قوله: وكالنّار الحياة فمن رماد ... أواخرها، وأولها دخان فأول العمر دخان، ثم يتكشف هذا الدخان عن نار، هى شباب الحياة، وجذوته، ثم تخمد هذه الجذوة، وينطفىء هذا الشباب، فإذا هو رماد.. تسرى فيه بعض حرارة النار، ثم يبرد شيئا فشيئا حتى يكون ترابا.. وذلك هو آخر مطاف الإنسان فى هذه الحياة..! - وفى قوله تعالى: «لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً» إشارة إلى أن هذا الإنسان الذي امتدّ به الأجل إلى هذا المدى، قد عاد من رحلته الطويلة فى الحياة، إلى النقطة التي بدأ منها.. فمن ولد لا يعلم شيئا، انتهى إلى حيث لا يعلم شيئا، كما يقول الله تعالى: «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً» ..

стр. 2766

وفى الآية الكريمة صورة كاشفة لهذا الإنسان الذي مكّن الله له من القوى الجسدية والعقلية، فاتخذ منها أسلحة يحارب بها الله، ويتسلّط بها على خلق الله، فلو أنه عقل ونظر إلى نفسه فى مرآة الزمن، حين يمتد به العمر، لرأى كيف يكون حاله من الضعف والوهن.. وإذن لأقام حسابه مع هذه القوة التي بين يديه على العدل والإحسان، ولأبقى لنفسه رصيدا من الخير والمعروف.. يحتفظ به فى يد الحياة، لتقدّمه له فى تلك المرحلة الحرجة فى حياته.. قوله تعالى: «وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ.. فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» ..؟ هذا التفاوت بين الناس، فيما فضّل الله به بعضهم على بعض، فى الرزق، يشير إشارة صريحة إلى أنه ينبغى أن يكون هناك تفاوت بين الخالق والمخلوق.. ذلك أنه إذا كان الناس وهم من صنعة الخالق، لم يطبعهم الله على صورة واحدة، ولم يقمهم فى الحياة على درجة واحدة، بل خالف بينهم فى الصورة، واللون، ففيهم الوسيم والدميم، والطويل والقصير، والأبيض والأسود- كذلك قسم الله معيشتهم فى الدنيا، فجعل فيهم الغنىّ والفقير، والمالك والمملوك- فكيف يسوغ بعد هذا أن يسوّى بين الخالق وما خلق؟ فهؤلاء الذين وسع الله لهم فى الرزق، وملأ أيديهم من الجاه والمال والسلطان- أيكون منهم من يردّ ما بين يديه من مال ومتاع على من تحت يده من عبيد وإماء، حتى يسوّى بينه وبينهم فى المأكل والمشرب، والملبس، وفى كل مظاهر الحياة؟ ذلك ما لا يكون، وإن كان شىء منه، فهو واقع- فى صورة لا تزيل الفارق بينه وبين من تحت يده، وإن ارتفع بهم شيئا قليلا!

стр. 2767

فكيف يسوغ هذا الضلال لعقل هؤلاء الذين يجعلون لله أندادا يسوّونهم به، وهم صنعة يده، وغذىّ نعمته؟ - وفى قوله تعالى: «أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» إنكار لموقف هؤلاء المشركين، من نعم الله، التي أفاضها عليهم.. وتذكير لهؤلاء السادة من المشركين بما وسّع لهم من رزق، ولو شاء لجعلهم فى المكان الذي فيه عبيدهم ومواليهم.. فإنهم بهذا الرزق الذي رزقهم الله إياه كانوا سادة فى الناس، وكانت لهم الكلمة المسموعة فيهم.. ثم هم- مع ذلك- أئمة يدعون الناس إلى غير طريق الله، ويدفعون بهم إلى مهاوى الهلاك.. وكان الأولى بهم أن يقيموا وجوههم إلى الله، وأن يقدموا له ولاءهم وحمدهم، فإذا لم يكن شىء من هذا، فلا أقلّ من أن يدعوا عباد الله يعبدون الله، لا أن يضلّوهم ويصدّوهم عن سبيله! قوله تعالى: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ.. أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ» . هذا رزق من رزق الله، الذي جعله حظّا مشاعا فى عباده جميعا، وهو أنه سبحانه، جعل بين الذكر والأنثى فى عالم الإنسان- كما هو فى عالم الحيوان- إلفا ومودة، بما بينهما من مشاكلة وتوافق فى الطباع، الأمر الذي به يتم اجتماعهما، وتآلفهما، ثم ما يكون من هذا الاجتماع والتآلف من ثمرات طيبة، يقتسمان متعتهما منها، هى البنون والحفدة، وهم أبناء الأبناء، أو هم الكبار من الأبناء، الذين يكونون عضدا لآبائهم، يسعون معهم، ويحملون عبء الحياة عنهم.. فالحفد: السعى فى سرعة، ومنه ما ورد فى القنوت: «وإليك نسعى ونحفد» .. ثم إلى هذا الذي رزقه الله ، الناس من بنين وحفدة،

стр. 2768

ما رزقهم به من طيبات فى هذه الحياة، مما يتقلبون فيه من فضل الله ونعمته.. وهذا كلّه من عطاء الله، وهو جدير بأن يحمد ويشكر.. ولكن كثيرا من النّاس يكفرون بالله، ويجحدون فضله ويجعلون ولاءهم لغيره، مما هو باطل وضلال.. «أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ» ؟ .. إن ذلك وضع مقلوب للأمور.. حيث يكون الباطل متعلّق الإنسان وموطن رجائه، بدلا من الحق الذي ينبغى أن يكون متعلّقه ومناط ولائه ورجائه.. وحيث يستقبل النعمة بالكفران والجحود، بدلا من أن تستقبل بالحمد والشكران.. وفى العدول من الخطاب إلى الغيبة فى قوله تعالى: «أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ» .. إبعاد لهؤلاء المنحرفين عن طريق الحق، من أن ينالوا شرف الخطاب من رب العالمين، وأن يأخذوا مكانهم بين من هم أهل لهذا الشرف العظيم.. وقوله تعالى: «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ» .. هو تسفيه لهؤلاء المنحرفين الضالين، ووعيد لهم، إذ تعلقوا بهذه الأوهام، وخدعوا أنفسهم بهذا السراب، فعبدوا من دون الله، ما لا يملك شيئا من هذا الرزق الذي ينزل عليهم من السماء، ويخرج لهم من الأرض، ولا يستطيع- هذا المعبود- إن هو حاول- أن ينال شيئا، وهو كله فى ملك الله، وفى سلطان الله.. الآيات: (٧٤- ٧٧) [سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٤ الى ٧٧] فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)

стр. 2769

التفسير: قوله تعالى: «فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» الأمثال: جمع مثل، وهو شبيه الشيء ونظيره.. وضرب المثل: مقابلته بمثله، حين يجمع بين النظير ونظيره، أو الشيء وضده، كما يقول سبحانه: «كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ» والأمر هنا موجه إلى المشركين، الذين يضربون أمثالا، يقيمون منها حججا لضلالهم، وهى أمثال باطلة فاسدة، تولدت من عقول مريضة، وقلوب سقيمة.. كما يحكى القرآن بعض أمثالهم فى قوله تعالى: «وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» .. (٧٨: يس) أما الأمثال التي يضربها الله، فهى التي تكشف الطريق إلى الحق والخير، لأنها أمثال مستندة إلى علم الله المحيط بكل شىء.. «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» . وقوله تعالى: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ

стр. 2770

مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ.. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» . هذا مثل من الأمثال التي يضربها الله.. وفيه الحجة البالغة، والبيان المبين، لما بين الحق والباطل، من بعد بعيد! فهذا عبد مملوك.. هو فى يد مالكه، لا يملك من أمر نفسه شيئا.. وهذا إنسان رزقه الله رزقا حسنا، ليس لأحد عليه سلطان، فهو ينفق من هذا الرزق الحسن كيف يشاء، سرا وجهرا.. يعطى من يشاء مما فى يده، ويحرم من يشاء! فهل يستوى هذا، وذاك؟ هل يستوى العبد والسيد؟ هل يستوى المملوك والمالك؟ ثم هل يستوى المخلوق والخالق؟ هل يستوى من لا يملك ومن يملك؟ هل يستوى من لا يرزق ومن يرزق؟ العقلاء يحكمون بداهة أن لا مساواة بين هذين النقيضين.. ثم يخرجون من هذا إلى الاتجاه إلى الله بالحمد على أن كشف لهم الطريق إليه، وعرّفهم به.. أما أهل الزيغ والضلال، فإنهم لا يجدون فى هذا المثل شعاعة من أضوائه، بل يظلون على ما هم عليه من عمى وضلال.. - وفى قوله تعالى: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» إشارة إلى أن هذا هو منطق الذين يستمعون إلى هذا المثل ويعقلون، فيؤمنون بالله ويحمدونه.. قوله تعالى: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ، أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .. وهذا مثل آخر، لما بين الحق والباطل من تفاوت كبير، وبعد بعيد.. هذان رجلان: أما أحدهما فأبكم، مغلق الحواس، والمشاعر، والمدارك. لا يفهم شيئا، ولا يحسن شيئا.. إنه حيوان، يمسك به من مقوده إلى حيث
следующие страницы →