← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وفى الآية الكريمة صورة كاشفة لهذا الإنسان الذي مكّن الله له من القوى الجسدية والعقلية، فاتخذ منها أسلحة يحارب بها الله، ويتسلّط بها على خلق الله، فلو أنه عقل ونظر إلى نفسه فى مرآة الزمن، حين يمتد به العمر، لرأى كيف يكون حاله من الضعف والوهن.. وإذن لأقام حسابه مع هذه القوة التي بين يديه على العدل والإحسان، ولأبقى لنفسه رصيدا من الخير والمعروف.. يحتفظ به فى يد الحياة، لتقدّمه له فى تلك المرحلة الحرجة فى حياته.. قوله تعالى: «وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ.. فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» ..؟ هذا التفاوت بين الناس، فيما فضّل الله به بعضهم على بعض، فى الرزق، يشير إشارة صريحة إلى أنه ينبغى أن يكون هناك تفاوت بين الخالق والمخلوق.. ذلك أنه إذا كان الناس وهم من صنعة الخالق، لم يطبعهم الله على صورة واحدة، ولم يقمهم فى الحياة على درجة واحدة، بل خالف بينهم فى الصورة، واللون، ففيهم الوسيم والدميم، والطويل والقصير، والأبيض والأسود- كذلك قسم الله معيشتهم فى الدنيا، فجعل فيهم الغنىّ والفقير، والمالك والمملوك- فكيف يسوغ بعد هذا أن يسوّى بين الخالق وما خلق؟ فهؤلاء الذين وسع الله لهم فى الرزق، وملأ أيديهم من الجاه والمال والسلطان- أيكون منهم من يردّ ما بين يديه من مال ومتاع على من تحت يده من عبيد وإماء، حتى يسوّى بينه وبينهم فى المأكل والمشرب، والملبس، وفى كل مظاهر الحياة؟ ذلك ما لا يكون، وإن كان شىء منه، فهو واقع- فى صورة لا تزيل الفارق بينه وبين من تحت يده، وإن ارتفع بهم شيئا قليلا!

стр. 2767

فكيف يسوغ هذا الضلال لعقل هؤلاء الذين يجعلون لله أندادا يسوّونهم به، وهم صنعة يده، وغذىّ نعمته؟ - وفى قوله تعالى: «أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» إنكار لموقف هؤلاء المشركين، من نعم الله، التي أفاضها عليهم.. وتذكير لهؤلاء السادة من المشركين بما وسّع لهم من رزق، ولو شاء لجعلهم فى المكان الذي فيه عبيدهم ومواليهم.. فإنهم بهذا الرزق الذي رزقهم الله إياه كانوا سادة فى الناس، وكانت لهم الكلمة المسموعة فيهم.. ثم هم- مع ذلك- أئمة يدعون الناس إلى غير طريق الله، ويدفعون بهم إلى مهاوى الهلاك.. وكان الأولى بهم أن يقيموا وجوههم إلى الله، وأن يقدموا له ولاءهم وحمدهم، فإذا لم يكن شىء من هذا، فلا أقلّ من أن يدعوا عباد الله يعبدون الله، لا أن يضلّوهم ويصدّوهم عن سبيله! قوله تعالى: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ.. أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ» . هذا رزق من رزق الله، الذي جعله حظّا مشاعا فى عباده جميعا، وهو أنه سبحانه، جعل بين الذكر والأنثى فى عالم الإنسان- كما هو فى عالم الحيوان- إلفا ومودة، بما بينهما من مشاكلة وتوافق فى الطباع، الأمر الذي به يتم اجتماعهما، وتآلفهما، ثم ما يكون من هذا الاجتماع والتآلف من ثمرات طيبة، يقتسمان متعتهما منها، هى البنون والحفدة، وهم أبناء الأبناء، أو هم الكبار من الأبناء، الذين يكونون عضدا لآبائهم، يسعون معهم، ويحملون عبء الحياة عنهم.. فالحفد: السعى فى سرعة، ومنه ما ورد فى القنوت: «وإليك نسعى ونحفد» .. ثم إلى هذا الذي رزقه الله ، الناس من بنين وحفدة،

стр. 2768

ما رزقهم به من طيبات فى هذه الحياة، مما يتقلبون فيه من فضل الله ونعمته.. وهذا كلّه من عطاء الله، وهو جدير بأن يحمد ويشكر.. ولكن كثيرا من النّاس يكفرون بالله، ويجحدون فضله ويجعلون ولاءهم لغيره، مما هو باطل وضلال.. «أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ» ؟ .. إن ذلك وضع مقلوب للأمور.. حيث يكون الباطل متعلّق الإنسان وموطن رجائه، بدلا من الحق الذي ينبغى أن يكون متعلّقه ومناط ولائه ورجائه.. وحيث يستقبل النعمة بالكفران والجحود، بدلا من أن تستقبل بالحمد والشكران.. وفى العدول من الخطاب إلى الغيبة فى قوله تعالى: «أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ» .. إبعاد لهؤلاء المنحرفين عن طريق الحق، من أن ينالوا شرف الخطاب من رب العالمين، وأن يأخذوا مكانهم بين من هم أهل لهذا الشرف العظيم.. وقوله تعالى: «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ» .. هو تسفيه لهؤلاء المنحرفين الضالين، ووعيد لهم، إذ تعلقوا بهذه الأوهام، وخدعوا أنفسهم بهذا السراب، فعبدوا من دون الله، ما لا يملك شيئا من هذا الرزق الذي ينزل عليهم من السماء، ويخرج لهم من الأرض، ولا يستطيع- هذا المعبود- إن هو حاول- أن ينال شيئا، وهو كله فى ملك الله، وفى سلطان الله.. الآيات: (٧٤- ٧٧) [سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٤ الى ٧٧] فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)

стр. 2769

التفسير: قوله تعالى: «فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» الأمثال: جمع مثل، وهو شبيه الشيء ونظيره.. وضرب المثل: مقابلته بمثله، حين يجمع بين النظير ونظيره، أو الشيء وضده، كما يقول سبحانه: «كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ» والأمر هنا موجه إلى المشركين، الذين يضربون أمثالا، يقيمون منها حججا لضلالهم، وهى أمثال باطلة فاسدة، تولدت من عقول مريضة، وقلوب سقيمة.. كما يحكى القرآن بعض أمثالهم فى قوله تعالى: «وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» .. (٧٨: يس) أما الأمثال التي يضربها الله، فهى التي تكشف الطريق إلى الحق والخير، لأنها أمثال مستندة إلى علم الله المحيط بكل شىء.. «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» . وقوله تعالى: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ

стр. 2770

مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ.. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» . هذا مثل من الأمثال التي يضربها الله.. وفيه الحجة البالغة، والبيان المبين، لما بين الحق والباطل، من بعد بعيد! فهذا عبد مملوك.. هو فى يد مالكه، لا يملك من أمر نفسه شيئا.. وهذا إنسان رزقه الله رزقا حسنا، ليس لأحد عليه سلطان، فهو ينفق من هذا الرزق الحسن كيف يشاء، سرا وجهرا.. يعطى من يشاء مما فى يده، ويحرم من يشاء! فهل يستوى هذا، وذاك؟ هل يستوى العبد والسيد؟ هل يستوى المملوك والمالك؟ ثم هل يستوى المخلوق والخالق؟ هل يستوى من لا يملك ومن يملك؟ هل يستوى من لا يرزق ومن يرزق؟ العقلاء يحكمون بداهة أن لا مساواة بين هذين النقيضين.. ثم يخرجون من هذا إلى الاتجاه إلى الله بالحمد على أن كشف لهم الطريق إليه، وعرّفهم به.. أما أهل الزيغ والضلال، فإنهم لا يجدون فى هذا المثل شعاعة من أضوائه، بل يظلون على ما هم عليه من عمى وضلال.. - وفى قوله تعالى: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» إشارة إلى أن هذا هو منطق الذين يستمعون إلى هذا المثل ويعقلون، فيؤمنون بالله ويحمدونه.. قوله تعالى: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ، أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .. وهذا مثل آخر، لما بين الحق والباطل من تفاوت كبير، وبعد بعيد.. هذان رجلان: أما أحدهما فأبكم، مغلق الحواس، والمشاعر، والمدارك. لا يفهم شيئا، ولا يحسن شيئا.. إنه حيوان، يمسك به من مقوده إلى حيث

стр. 2771

يقاد.. وأما الآخر فعاقل رشيد، حكيم، يرتاد مواقع الخير، ويلقى بشباكه فيها، فتجيئه ملأى بكل طيب كريم. إنه على طريق مستقيم، لا تزلّ قدمه، ولا تتعثر خطاه، ولا يظل به الطريق! فهل يستوى الرجلان! وهل هما فى ميزان الحياة، وفى تقدير العقلاء، على سواء؟ ذلك ما لا يقول به عاقل، ولا ينزل على حكمه إلا أحمق سفيه! قوله تعالى: «وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . ذلك هو ما يؤدّى إليه النظر فى هذين المثلين.. وهو أن الله هو المتفرد وحده بجلاله، وقيّومته على هذا الوجود.. لا يماثله شىء من خلقه، ولا يوازن به كائن من مخلوقاته.. فله- سبحانه- غيب السموات والأرض.. يعلم ما تكسب كل نفس، وسيوفّى كل إنسان جزاء ما عمل.. وذلك فى يوم الحساب والجزاء، يوم يقوم الناس لرب العالمين.. وهذا اليوم، ليس ببعيد.. لا يحتاج مع قدرة الله إلى معاناة وجهد.. فما هو إلا أن يأذن الله به، فإذا هو واقع فى لمحة كلمحة البصر، أو أقرب.. «إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . الآيات: (٧٨- ٨٣) [سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٨ الى ٨٣] وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)

стр. 2772

التفسير: قوله تعالى: «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» .. هو إلفات إلى قدرة الله، وإلى ما لهده القدرة من سلطان حكيم، وتصريف محكم.. ففى خلق الإنسان، وفى أطواره التي مرّ بها، ما يفتح للعقل كتابا مبينا، يرى فى صحفه من مظاهر قدرة الله، وعلمه، وحكمته، ما يأخذ بالألباب، ويأسر المشاعر.. من أبن جاء الإنسان؟ وكيف كان هذا الكائن السميع، البصير، العاقل، العالم؟ ألم يكن نطفة، ثم كان علقة، ثم كان مضغة، ثم جنينا.. ثم طفلا؟ ثم كيف بهذا الطفل، الذي استقبلته الحياة أشبه بقطعة من اللحم المتحرك، ثم هو يصبح هذا الإنسان الذي يقود سفينة الكوكب الأرضى، ويقوم عليها خليفة لله فيها؟ - وفى قوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» توجيه للقوى العاقلة المدركة فى الإنسان أن تؤدى وظيفتها فيه، وأن يفتح الإنسان منها طاقة على هذا

стр. 2773

الوجود، فيرى ما لبسه من نعم الله عليه، وإحسانه إليه، فيحمده، ويشكر له.. قوله تعالى: «أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ.. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .. هو إشارة إلى آية من آيات الله، خارج كيان الإنسان، وعالمه الداخلى.. فإذا لم يكن فى الإنسان نظر يرى به ما بداخل كيانه، كما يقول الله تعالى: «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ» (٢١: الذاريات) - فليقم نظره على هذا العالم الخارجي.. وليوجه مدار نظره على هذا الطير السابح فى السماء، الصّافّ بأجنحته على هذا العالم الأثيرى، وليسأل نفسه: من يمسك هذا الطير أن يقع على الأرض؟ ومن أعطاه تلك القدرة التي يقهر بها جاذبية الأرض، ويخرج بها عن سلطان هذه الجاذبية، فلا يسقط كما يسقط لإنسان القوى العاقل إذا هوى من فوق شجرة، أو دابة مثلا؟ إن القدرة القادرة- قدرة الحكيم العليم- هى التي تمسك بهذا الطير السابح، أو الصاف على موج الأثير.. فى جو السماء! «ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ» . أليس فى هذا آية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد؟ بلى إنها لآية لقوم لا يمكرون بآيات الله، ولا يخونون أنفسهم بما تحدثهم به من الحق، فينكرونه فى عناد ومكابرة. قوله تعالى: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ» .. وإذا قصرت بعض الأنظار أن ترى ما فى جوّ السّماء من طيور سابحة، أو زاغت عن أن ترى وجودها الإنسانى، وما بداخلها من آيات الله فيها، فهذه آيات مبثوثة على الأرض.. لا تحتاج إلى نظر، وإنما هى مما يمسك باليد..

стр. 2774

فهذه البيوت التي جعلها الله سكنا للإنسان، يأوى إليها، ويجد فيها أنس النفس وروح الروح، بما يجتمع إليه فيها من زوج وولد.. أليس هذا من نعم الخالق ومن سابغات أفضاله؟ ثم هذه البيوت الخفيفة الحمل التي يتخذها الإنسان من جلود الأنعام، أو مما على جلودها من أصواف وأوبار وأشعار- أليست مما يسّر الله للإنسان، ومكن له منها؟ أفبعد هذا يجد العاقل متجها إلى غير الله، يلوذ به، ويعطى ولاءه له؟ قوله تعالى: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ» .. أي ومن فضل الله على عباده أن جعل لهم- من غير صنعة منهم- ظلالا يستظلون بها من وقدة الشمس، حيث يجدون هذه الظلال الفسيحة فيما أنبت الله من شجر، كما جعل لهم- من غير عمل ولا جهد- أكنانا من الجبال، يأوون إليها من البرد.. وذلك رحمة من رحمة الله بكثير من الناس الذين لا يتسع حولهم أو حيلتهم، لبناء البيوت، وصنعة المساكن.. كذلك من فضله سبحانه على عباده، أن هيأ لهم أسباب العلم والمعرفة فنسجوا من الحرير، والصوف، والشعر، والوبر.. وغيرها «سرابيل» أي ملابس يتسربلون بها، ويغطون أجسادهم، يتقون بها لفح الهجير، ولذعة السموم.. ثم مكن لهم سبحانه، من أن يتخذوا من الحديد سرابيل، أي دروعا يتقون بها عدوان بعضهم على بعض بالحراب والسيوف.. وفى قصر منفعة السرابيل، التي تتخذ لوقاية الجسم من عادية الحرّ، على هذه المنفعة وحدها، دون ما يتخذ من الملابس لانقاء البرد، أو التجملّ والتزين- فى هذا إشارة إلى تلك المنفعة الخفية التي ربّما غفل عنها كثير من الناس، حيث يحسبون أن اتقاء البرد، هو الدافع الأول للإنسان على اتخاذ الملابس والأغطية

стр. 2775

وقاية له.. وهذا وإن كان صحيحا إلا أن اتقاء لفح الحرّ بالملابس لا تقلّ دواعيه عنها فى حال البرد. فإن لفح الهواجر، ولذعة السّموم، تحرق الأجسام، وتشوى الوجوه، إن لم يتوقّها الإنسان بما يتسربل به.. - وفى قوله تعالى: «كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ» الإشارة هنا، إلى تلك النعم السابغة الشاملة، التي تلقى الإنسان حيث كان، وتستقبله أنّى دعت حاجته إليها، وذلك ما لا يخلى إنسانا من واجب الشكر لله ذى الطول والإنعام.. قوله تعالى: «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ» .. مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنها تعقب على تلك النعم التي أفاضها الله على عباده، ولم يحرم أحدا حظه منها.. وفى هذه النعم تتجلّى قدرة الله، وحكمته- فكان لقاء النبىّ قومه بعد هذا العرض العظيم لآيات الله، وتذكيرهم بالله سبحانه، أنسب الدواعي التي تدعو الإنسان إلى لله، وإلى الإيمان به.. فإن تولّى بعد هذا، فليس على الرسول إلا البلاغ المبين، وقد بلّغ الرسول أبين بلاغ وأوضحه.. قوله تعالى: «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ» هو كشف عن هؤلاء المشركين، وما انطوت عليه نفوسهم من ضلال وظلام.. «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ» ويشهدون آثارها فيهم وفيمن حولهم «ثم ينكرونها» ظلما وبغيا.. ومن نعم الله التي أنعم عليهم بها، هذا القرآن الكريم، الذي يعرفونه ويعرفون ما فى آياته من حق وصدق.. ولكنهم يكابرون ويعاندون، فينكرونه، ويصمّون آذانهم عنه، ويغلقون قلوبهم دونه. - وفى قوله تعالى: «وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ» إشارة إلى ما استولى على قلوب الكثرة فيهم، من كفر صريح غليظ، كما يدل على ذلك تعريف الخبر

стр. 2776

المحدّث عنهم بالكفر.. بقوله تعالى: «وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ» .. أي الكافرون كفرا بالغا الغاية التي ليس وراءها شىء منه.. الآيات: (٨٤- ٨٩) [سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٤ الى ٨٩] وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) التفسير: قوله تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ» .. هو وعيد للكافرين، وما يلقون يوم القيامة من ذلّة وهوان، وما ينزل بهم من بلاء وعذاب.. ففى هذا اليوم تجىء كل أمة، ومعها رسولها الذي بعث فيها، ليؤدّى فيهم الشهادة بين يدى الله، كما يقول سبحانه: «فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ» (٦: الأعراف) وكما يقول تعالى: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ» (٧١: الإسراء) .

стр. 2777

- وقوله تعالى: «ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ» .. أي لا يؤذن لهم بالكلام، إذلالا لهم، وكتبا.. كما يقول سبحانه: «هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ» أي ليقيم المذنب لنفسه عذرا عما فعل من قبيح.. والمراد بعدم الإذن لهم بالكلام هو فى تلك الحال التي يواجهون فيها رسلهم.. الذين يتكلمون.. أمامهم فيسمعون شهادة رسلهم فيهم دون أن ينطقوا بكلمة، إذ ليس لهم كلمة يقولونها هنا، بين يدى هذا الحق الذي تخرس معه الألسنة. قوله تعالى: «وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ» .. أي حين يشهد الظالمون، العذاب، ويستيقنون أنهم صائرون إليه، يفزعون منه، ويشتد بهم البلاء، ويحيط بهم الكرب.. ولكن لا مفزع لهم.. فذلك هو العذاب لذى أعدّ لهم، ولن ينظروا ويمهلوا، بل يلقى بهم فيه قبل أن يردّوا أبصارهم عنه. قوله تعالى: «وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ» . هذا مشهد من مشاهد القيامة. وفيه، يرى المشركون وقد دارت أعينهم تبحث عن طريق للنجاة، من هذا البلاء المحيط بهم، حتى إذا رأوا شركاءهم الذين عبدوهم من دون الله تعلقوا بهم قائلين: «رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ» .. إنهم هم الذين أضلونا، ووقفوا فى طريقنا إليك.. «فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ» أي رموهم بهذه الكلمات القاتلة التي قطعت هذا الحبل الذي تعلقوا به، وظنوا أنهم ناجون.. «إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ» أي إننا لم ندعكم إلى عبادتنا، بل عقولكم الفاسدة، هى التي أضلتكم، وأرتكم منّا ما رأيتم، حتى جعلتمونا آلهة تعبد من دون الله.. قوله تعالى: «وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ..»

стр. 2778

أي حين أفلت من المشركين هذا المتعلق الكاذب الذي تعلقوا به، وملأ اليأس قلوبهم، أسلموا أمرهم لله، وقد تخلّى عنهم ما كانوا يفترون على الله من أباطيل.. قوله تعالى: «الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ» - وأولئك هم الذين كفروا بالله ثم لم يقفوا عند هذا الجرم الغليظ، بل حالوا بين الناس وبين الهدى والإيمان، فقعدوا لهم بكل سبيل، وتسلطوا عليهم بكل سلطان ليردّوهم عن مورد الحق.. فهؤلاء لهم عذاب فوق العذاب الذي استحقوه بكفرهم.. وفى هذا يقول الله تعالى. «وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ» (١٣: العنكبوت) . - وفى قوله تعالى: «بِما كانُوا يُفْسِدُونَ» بيان للسبب الذي من أجله ضوعف لهم العذاب، وهو أنهم مع كفرهم بالله، كانوا يفسدون فى الأرض، ويفتنون الناس فى دينهم. قوله تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ» .. هو خطاب للنبىّ الكريم، وبيان لموقفه من قومه يوم القيامة، فهو الشهيد عليهم، كما أن كل نبى سيكون شهيدا على قومه.. - وفى قوله تعالى: «وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ» الإشارة هنا بهؤلاء، تتجه أولا إلى أولئك المشركين، الذين يتولّون كبر الوقوف فى وجه الدعوة الإسلامية، ويحادّون الله ورسوله.. ثم إلى من بلغته الدعوة. - وقوله تعالى: «وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ» ..

стр. 2779

هو بيان كاشف لاستحقاق النبىّ أن يقوم شاهدا على قومه، وذلك لأنه قد جاءهم بالكتاب الذي تلقاه من ربّه ليبيّن لهم ما اختلفوا فيه، وليكون حكما يحتكمون إليه، ومنار هدى يهتدون به إلى الحق والخير، ومورد رحمة يستظلون به، ويجدون الشفاء فى آياته وكلماته، وبشير خير بما أعدّ الله المسلمين من حياة طيبة فى الدنيا، وجنات لهم فيها نعيم مقيم فى الآخرة.. وخصّ المسلمون بالذكر، لأنهم هم أهل هذا الكتاب، وهم المسمّون بالمسلمين، كما يقول الله تعالى: «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ» (٧٨: الحج) فهم مؤمنون ومسلمون.. أما غيرهم من أتباع الرسل فهم مؤمنون أصلا، مسلمون تبعا. [القرآن الكريم.. والحقائق الكونية] هذا، وقد أخذ بعض المفسرين من قوله تعالى: «وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ» أن القرآن الكريم يحوى فى آياته وكلماته علوم الأولين والآخرين،، وأنه خزانة المعارف كلها، ما عرفت الإنسانية منها وما لم تعرف، وجاءوا على هذا بشاهد آخر من القرآن الكريم وهو قوله تعالى: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» (٣٨: الأنعام) .. وهذا ماحدا بكثير من علماء المسلمين إلى أن ينظروا فى كتاب الله على أنه كتاب علمىّ، يقرر حقائق علمية، تكشف عن أسرار هذا الوجود، وتحدّث عن القوانين المتحكمة فيه، وخرّجوا على هذا كثيرا من الآيات الكريمة، يقابلون بينها وبين ما كشف عنه العلم من أسرار الكون، وقوانينه. إن داء التحكك بالقرآن الكريم، ومحاولة استخلاص علوم كونية، وأسرار دفينة- داء قديم، أصيب به كثير من الناس، فانحرفت نظرتهم إلى كتاب الله

стр. 2780

ونظروا إليه بعيون حولاء، تذهب بآياته وكلماته مذاهب مختلطة إلى مقررات العلوم والفنون، فتخرّجها عليها وتلوى زمامها نحوها.. وقد انفتح هذا الباب على مصراعيه، فدخل منه كثير من أهل الأهواء والبدع، يتأولون كلمات الله وآياته تأويلات فاسدة يدّعونها على القرآن، ويقولون إنها من علوم الباطن التي احتواها كتاب الله واشتمل عليها، والتي لا يعلم علمها إلا الراسخون فى العلم! فكان ذلك مدّعى يدعيه كلّ ذى هوى يريد أن يدعم مذهبا فاسدا، أو ينتصر لفرقة مارقة.. وكان من ذلك ما رأيناه فى تلك الفرق المنحرفة من فرق الشيعة والخوارج وإخوان الصفاء، وغيرهم ممن تأولوا كلمات الله، وصرفوا منطوق ألفاظها على غير ما وضعت له فى اللسان العربي، الذي جاء عليه القرآن الكريم.. يقول الإمام الشاطبي: «إن كثيرا من الناس، تجاوزوا فى الدعوى على القرآن الحدّ، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين والمتأخرين.. من علوم الطبيعيات، والتعاليم- أي العلوم الرياضية- والمنطق، وعلم الحروف- اليازرجة- وجميع ما نظر فيه الناظرون، من هذه الفنون وأشباهها.. ثم يقول: «وربما استدلّوا على دعواهم بقوله تعالى: «وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ» .. وقوله: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» .. ونحو ذلك.. وبفواتح السور- وهى ما لم يعهد عند العرب- وبما نقل عن الناس فيها، وربّما حكى ذلك عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، وغيره- أشياء..! «فأما الآيات.. فالمراد بها عند المفسّرين، ما يتعلق بحال التكاليف والتعبّد، أو المراد بالكتاب فى قوله تعالى: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» : اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها- أي التفاسير- ما يقتضى تضمنه- أي القرآن- لجميع العلوم النقلية والعقلية.

стр. 2781

«وأما فواتح السور، فقد تكلم الناس فيها بما يقتضى أن للعرب بها عهدا، كعدد الجمّل الذي تعرفوه من أهل الكتاب، حسب ما ذكره أصحاب السير، أو هى المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى، وغير ذلك، وأما تفسيرها بما لا عهد به، فلا يكون» «١» . هذا ما يقرره الإمام الشاطبي فى جلاء لا يحتاج إلى تعقيب! والذي يمكن أن نقوله، هو أن القرآن الكريم هو مادة العلم، ومائدة العلماء، وأنه مادة لا تنفد أبدا بالأخذ منها، بل تزداد على الأخذ وتعظم، وأنه مائدة تسع الناس جميعا، وتعذّى عقولهم، ومشاعرهم، غداء طيّبا مشبعا، على اختلاف مداركهم، وتباين مشاعرهم.. وإن العلم هو الذي يجعل لنا نظرا كاشفا لبعض ما فى آيات القرآن الكريم من روائع وعجائب، وإن العلم هو الذي يعين على فهم المستور من أسرار الكتاب الكريم، وما أودع فيه من علم وحكمة.. إن العلم ليلتقى مع القرآن الكريم لقاء الماء يدفع به السيل فى صدر المحيط، فيذوب فيه، ويصبح بعض مائه، إذ ليس العلم كله- ما عرف الناس منه وما سيعرفون- إلا قطرة أو قطرات من محيط هذا البحر الزخار.. «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» (١٠٩: الكهف) . فإذا انكشف للناس فى الحياة ضوءة من أضواء العلم، فهى بعض ما فى القرآن الكريم من علم، إذ كان مجتمع آيات الله ومكنون علمه. هذا، ومع قولنا بأن القرآن الكريم، قد حملت آياته المطهرة، أسرارا

стр. 2782

عجبا، تتكشف حالا بعد حال، كلما جاء إليها الناس بمزيد من العلم والمعرفة- فإننا لا نعرض القرآن الكريم على المخترعات العلمية، ولا الآيات الكونية، التي تنكشف للناس زمنا بعد زمن.. إذ ليس القرآن الكريم كتاب علم يشرح للناس قضايا العلوم.. من طب، وهندسة، وفلك، ورياضة وغيرها.. وإنما هو كتاب عقيدة وشريعة، يتجه أول ما يتجه إلى ضمير الإنسان، ليصحح صلته بخالقه، ثم يقيم لهذه الصلة من التشريع، ما يمسك بها سليمة قوية فى كيانه.. فإذا تمّ ذلك، صحح صلة الإنسان بالإنسانية، ووضع لذلك من التشريعات ما يقيم هذه الصلة بين الناس.. على أساس من الحق والعدل والإحسان.. تلك هى المهمة الأولى للقرآن الكريم، وقد انكشفت هذه الغاية من القرآن الكريم للمسلمين، فى الصدر الأول للإسلام، انكشافا تامّا، فأحذوا حظهم كاملا منها، على نحو لم يكن للخلف من بعدهم أن يبلغوا منه بعض ما بلغوا، على وجه لم تشهد الحياة مثيلا له فى سموّ الإنسان وعظمته، واستعلائه على كل ضعف بشرى.. مهمة القرآن الكريم الأولى إذن، هى أن يصنع هذا الإنسان المتكامل السوىّ فى مداركه، وعواطفه، ومشاعره.. أو بمعنى آخر هى أن يحفظ على الإنسان فطرته السليمة، وأن يغذيها بهذا الغذاء السماوىّ، الذي يقيمها على طريق الحق، والعدل، والإحسان. ثم يدع لهذا الإنسان وجوده هذا، يتعامل به مع الوجود كله، فينظر فيه بعينه، ويفكر فيه بعقله، ويقطف من ثماره ما تطول يده، ويبلغ عزمه، وصبره، وجهده.. هذا هو الإنسان الذي يتربّى فى حجر القرآن، ويغتذى من أنواره.. هو الإنسان الذي يتقدم ركب الإنسانية فى عصره الذي يعيش فيه.. فإذا تخلف عن مكان القيادة والصدارة، لم يكن هو الابن الذي ينتسب إلى القرآن، ويحسب على الإسلام.

стр. 2783

إن القرآن الكريم، لم يكن كتابا قد جاء بمقررات علمية، تشرح حقائق العلوم، وتكشف أسرار الوجود، وتضع فى أيدى الناس مفاتح هذه الأسرار. ولو كان هذا من تدبير القرآن، ومن غاياته، لما جاء على هذا الأسلوب ذى الرنين النفاذ والإشعاع اللماح من النظم، بل لجرى على ذلك الأسلوب العلمىّ، الذي تبرز فيه الحقائق العلمية مضغوطة فى قوالب من اللفظ، أشبه بالأرقام الحسابية، التي لا يختلف عليها أحد، ولا تكتم عن أحد شيئا وراءها.. ولو كان ذلك من شأن القرآن، لما كان معجزة الدهر الخالدة، ولأخذ الناس منه كل ما فيه، لأول عهدهم به، ثم لم يطلعوا إلى جديد غيره، شأن الكتب العلمية، التي تعيش فى الناس زمنا، ثم لا يكادون يلتفتون إليها بعد هذا. ولو كان ذلك من شأن القرآن أيضا لكان ذلك داعية من دواعى التخدير العقلي للإنسان، والتحريض له على الاستنامة فى ظل هذا الغذاء الممدود له على مائدة مهيأة، لم يعمل لها، ولم يسع إليها.. الأمر الذي يقطع الصلة التي أراد القرآن أن يقيمها بين أتباعه وبين هذا الوجود أبد الدهر، ينظرون فيه نظرا مجددا، ويطالعون فى صحفه آيات الله وكلماته التي لا تنفد أبدا.. إنه ليس هذا من شأن القرآن أبدا، ولا من تدبيره بحال.. فإن دعوة القرآن، هى إيقاظ مشاعر الإنسان، وتنبيه ملكاته، وتوجيه نوازعه وسلوكه إلى العمل فى طريق مستنير، واضح، مستقيم.. ومن هنا كانت آيات القرآن الكريم متجهة إلى القلب أولا.. إلى المشاعر، والوجدانات، والأحاسيس المائجة فيه، المتقلبة بين صفو وكدر، وبين نور وظلام، فإذا أصابها قبس من نور الحق الذي نزل به القرآن، سكن مائجها، وصفا

стр. 2784

كدرها، وانجلى ظلامها، وأصبح الإنسان وقد اطمأن قلبه، وعمرت بالحق جوانبه، وخلت من وساوس الضلال نوازعه.. إن القرآن الكريم، هو شريعة ووازع معا، هو قانون، وهو فى الوقت نفسه السلطان الذي يقيم أحكام هذا القانون.. أو هو بلغة العصر هو سلطات: تشريعية، وقضائية، وتنفيذية.. جميعا.. وبالكلمة، وبالكلمة وحدها، جاء القرآن، ليقيم فى كيان المسلم قانونا يدركه بعقله، ويحتكم إليه بقلبه، ويمضيه بوجدانه، وينفّذه بجوارحه.. ولن يكون ذلك للكلمة إلا إذا كانت كلمة الله، كلمة القرآن، التي تملك بسلطانها الإنسان كله: عقله، وقلبه، وضميره..! وينتهى من هذا إلى القول بأن القرآن الكريم، هو تبيان لكلّ شىء، كما وصفه ﵎، وأنه كما يقول الحق جلّ وعلا فيه: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» .. ولكن لا بما تحمل آياته وكلماته من حقائق علمية، يجدها الناظرون فى منطوق تلك الآيات وهذه الكلمات، أو فى مفهومها- وإنما بما تنير هذه الآيات وتلك الكلمات من بصائر، وبما تكشف من عمى، وبما تمكّن للإنسان من قوى روحية وعقلية يستطيع بها أن يثبّت قدمه على طريق الحقّ، ويتهدّى بها إلى مواقع الخير.. فالإنسان الذي يعرف ربّه مهتديا بهدى القرآن، مستضيئا بنوره، هو إنسان قد عرف كلّ شىء يستطيع أن يبلغه العقل الإنسانى فى أعلى مستوياته، وأرفع منازله.. فإذا بلغ الإنسان هذه المنزلة، وارتفع إلى هذا المستوي كانت آيات الله وكلماته فى كتابه الكريم، هى الوجود كله، وكان الوجود بين يديه صفحات يقرأ فيها ما يفتح الله له من أبواب العلم والمعرفة..! فهذا القصور العلمي الذي نحن فيه، وهذا التخلف الاجتماعى الذي يضع

стр. 2785

المجتمع الإسلامى فى مؤخرة العالم الإنسانىّ- هو نتيجة لازمة لانفصالنا عن هذا الدستور السماوي، الذي أمرنا الله باتباعه، ووعدنا الحياة الطيبة الكريمة فى ظله.. ففى كتاب الله مفاتح العلم كلّها، بما يفتح من بصائر، وما يشرح من صدور، وما يعمر من قلوب، وما يشيع فى النفوس من سلام، ورضى وطمأنينة، وبهذا يقف الإنسان من هذا الكون وقفة خبير بصير، وينظر إليه نظرة متوسّم دارس، يربط المسببات بالأسباب، ويصل المعلولات بالعلل، فإذا هذا الوجود وحدة متماسكة متناعمة، يجتمع قريبها إلى بعيدها، ويلتقى علوها مع سفلها، بيد القدرة القدرة، وتدبير الحكمة العالية.. «تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ» ! والنظر الذي يدعو إليه القرآن الكريم، ويوجهه إلى هذا الوجود، ليس نظرا حالما مستسلما لتلك المشاعر الغافية، التي تهدهدها نغمات الجمال والانسجام التي تنجلى فى صفحة الكون، فذلك نظر سلبى لا يغنى من الحقّ شيئا.. إنه أشبه بأحلام اليقظة، وخيالات الشعراء.. وإنما الذي يدعو إليه القرآن الكريم، هو النظر اليقظ الجادّ، الباحث عن الحقيقة، فى أعماق الأشياء، وإن صحبه فى ذلك ما يصحبه من مشاعر الجمال والجلال، فذلك هو الذي يشوقه إلى الحقيقة، ويغريه بالبحث عنها والتعامل معها، فيكون له من تلك المشاعر قوىّ تعينه على البحث والدرس، وتخفف عنه معاناة التأمل والتخيل.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ

стр. 2786

وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ» .. فمن ثمرة هذا النظر الذي ينظر به أولوا الألباب فى خلق السموات والأرض، هى تلك الحقيقة التي إليها يؤدى هذا النظر، وهو التعرف على الله ، والاستدلال على وحدانيته، وقدرته، وعلمه، وحكمته، وأن هذا الوجود ما خلق إلا بالحق، وما قام إلا على سنن وقوانين تمسك به، وتحفظ عليه وجوده ونظامه.. الآيات: (٩٠- ٩٧) [سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٠ الى ٩٧] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)

стр. 2787

التفسير: قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» .. مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أنه وقد ذكر الله فى الآية السابقة: «وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ» ناسب أن يجىء بعدها بيان لما فى القرآن الكريم من تبيان لكل شىء، وهدى، ورحمة، وبشرى للمسلمين.. وهذا ما ضمت عليه هذه الآية: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ..» فما فى القرآن الكريم كله، هو دعوة إلى العدل والإحسان وإيتاء ذى القربى، ونهى عن الفحشاء، والمنكر والبغي.. فالعدل هو القيام على طريق الحق فى كل أمر.. فمن أقام وجوده على العدل استقام على طريق مستقيم، فلم ينحرف عنه أبدا، ولم تتفرق به السبل إلى غايات الخير.. ومن أتبع العدل بالإحسان، انما الخير فى يده، وطابت مغارسه التي يغرسها فى منابت العدل.. وقد جاء الأمر بالعدل والإحسان مطلقا، ليحتوى العدل كله، ويشمل الإحسان جميعه.. فهو عدل عام شامل.. حيث يعدل الإنسان مع نفسه، فلا يجوز عليها بإلقائها فى التهلكة، وسوقها فى مواقع الإثم والضلال.. ويعدل

стр. 2788

مع الناس فلا يعتدى على حقوقهم، ولا يمدّ يده إلى ما ليس له. ويعدل مع خالقه، فلا يجحد فضله، ولا يكفر بنعمه، ولا ينكر وجوده وقيّومته عليه، وعلى كل موجود.. كذلك الإحسان، هو إحسان مطلق، يتناول كل قول يقوله الإنسان، وكل عمل يعمله.. وإحسان القول أن يقوم على سنن العدل، والحق والخير.. وإحسان العمل ينضبط على موازين الكمال والإتقان.. كما بقول سبحانه: «وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (١٩٥: البقرة) . بل إن الإحسان، هو الإيمان بالله على أتم صورة وأكملها، بحيث لا يبلغ درجة الإحسان، إلا من عبد الله على هذا الوجه الذي بينه الرسول الكريم، فى قوله حين سأله جبريل، وقد جاء على صورة أعرابى، فقال: «ما الإحسان؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك..» - وقوله تعالى: «وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى» هو عدل وإحسان معا.. والإيتاء هو الإعطاء، وفعله آتى، بمعنى أعطى.. ولا يستعمل الإيتاء إلا فى مقام البرّ والإحسان.. والبر بذي القربى هو عدل، لأنه وفاء لحق القرابة، وهو إحسان إذا قدمته النفس فى سماحة ورضى. - وقوله تعالى: «وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ» هو نهى عن محظورات، فى مقابل ما أمر الله به من عدل وإحسان، وبرّ بالأقارب.. وفى توارد الأمر والنهى على أمر من الأمور، توكيد للإتيان بالمأمور به.. فالفحشاء، ما قبح من الأمور، وعلى رأسها «الزنا» .. وإتيان الفاحشة ظلم للنفس، وعدوان على حرمات الناس.. وفى هذا مجافاة للعدل.. والمنكر، كل ما تنكره العقول السليمة على من يفعله.. سواء أكان

стр. 2789

قولا أو فعلا.. ولا يكون هذا إلا بالتخلي عن الإحسان فى القول أو العمل.. والبغي: الجور، والظلم، وهضم الحقوق. وهو مجف للعدل والإحسان معا.. - وقوله تعالى: «يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» هو تنبيه لما تحمل آيات الله للناس من آداب. وأحكام، تدعو إلى الحق، والخير، وتذكّر بهما، وتفتح للعقول الراشدة والقلوب السليمة طريقا إليهما.. وهذه الآية الكريمة، تجمع أصول الشريعة الإسلامية كلها.. فهى أقرب شىء إلى أن تكون عنوانا للرسالة لإسلامية، ولكتابها الكريم، إذ لا تخرج أحكام الشريعة وآدابها عن هذا المحتوى الذي ضمت عليه تلك الآية: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ» . وما فى كتاب لله كله هو شرح لما أمر الله سبحانه به من العدل والإحسان، وإيتاء ذى القربى، وما نهى عنه من الفحشاء والمنكر والبغي. قوله تعالى: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ» . العهد: الميثاق، يكون بين الناس والناس، أو بين الناس ورب الناس.. وعهد الله.. هو العهد الذي يوثق باسمه، ويقام تحت ظل سلطانه.. ونقص العهد: نكثه، وعدم الوفاء به.. والكفيل: هو الضامن لما كفل من عهد. ومعنى الآية الكريمة، هو أمر ملزم للمؤمنين بالله بالوفاء بعهد الله، الذي وثقوه باسمه، وجعلوه كفيلا وضامنا لما عاهدوا عليه.. إذ كان باسمه تعالى

стр. 2790

أمضى المتعاهدان ما تعاهدا عليه.. فأعطى أحدهما ما تعهّد به وعدا، وأقام اسم الله تعالى كفيلا على هذا الوعد، وقبل الآخر ما أعطى الأول، مطمئنا إلى كفالة الله، وإلى أن صاحبه لن يخون عهد الله! وإنه لجرم عظيم أن يعطى الإنسان عهدا باسم الله، ويتخذ من هذا الاسم الكريم مدخلا إلى ثقة الناس به، واطمئنانهم إليه، ثم يكون منه غدر وخيانة! إنه عدوان على الله، ومخادعة باسمه، وسرقة تحت ستار من جلال الله وخشيته..! وتلك جرأة على الله، واستخفاف بقدره، وليس لمن يتعرض لهذا، إلا أن ينتظر ما يحلّ به من غضب الله ونقمته. - وفى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ» تحذير من نكث العهد، ومن التلاعب باسم الحق جل وعلا.. فهو- سبحانه- يعلم من بفي بعهده، ويعرف لاسمه الكريم جلاله، ومن لا يوقّر الله، ولا يحفل بالعهد الذي قطعه، وأشهد الله عليه.. والله- سبحانه- غيور على حماء أن يستباح.. فمن استباحه، فقد أورد نفسه موارد الهالكين.. قوله تعالى: «وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» . الغزل: ما يغزل من صوف، وغيره.. ونقض الغزل: حلّه بعد فتله وغزله، فيتقطع، ويتفتت، ولا يعود إلى مثل حالته الأولى لو أعيد غزله، كشأن من بينى ثم يهدم ما بنى.. فلو أراد أن يبنى بما هدم، لا يستقيم له بناء.. والأنكاث: جمع نكث، وهو ما يكون من خيوط النسيج بعد نقضها، لإعادة غزلها ونسجها، بعد أن تصبح قطعا مهلهلة. الدّخل: الفساد. والأمة: الجماعة. وأربى: أكبر قوة، وأكثر عددا.

стр. 2791

وهذا مثل ضربه الله لمن يعطون العهد باسمه تعالى، ثم ينقضون ما عاهدوا عليه.. فهؤلاء هم أشبه بامرأة خرقاء، تغزل غزلا محكما، ثم تعود بعد هذا فتنقض ما غزلته، وأجهدت نفسها فيه.. وهذا لا يكون من عاقل، يحترم عقله، ويعرف لآدميته قدرها.. وهؤلاء الذين أعطوا العهد باسم الله ثم نقضوه، كانوا قد أحكموا أمرهم، ووثقوه ثم أفسدوه، وأحلّوا أنفسهم من هذا الميثاق الذي واثقوا الله عليه.. - وقوله تعالى: «تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ» جملة حالية.. فهم إذ يتخذون أيمانهم التي يوثّقون بها العهود بينهم. ثم ينقضونها- هم أشبه بتلك المرأة التي تغزل غزلا، ثم تعود فتنقضه، قبل أن تنسجه، وينتفع به! وقوله تعالى: «أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ» هو تعليل لنقص العهد، واتخاذ الأيمان ذريعة للإفساد، وتلبيس الأمور على الناس، وذلك أن هذا النكث بالعهد كان ممالأة لجماعة قوية على حساب جماعة ضعيفة. أي أنكم تتخذون أيمانكم التي لا تبرّون بها، للإفساد لا للإصلاح، حين تميلون عن الحق، وتنحازون إلى جانب الأقوياء، فتنقضون العهد الذي كان بينكم وبين الجانب الضعيف، لتتحولوا بذلك إلى الجانب القوىّ. وهذه الآية خاصة بحال من أحوال نقض العهد، وهى تلك الحال التي يكون الداعي فيها إلى نقض العهد هو الميل إلى جانب الأقوياء، والتخلّي عن جانب الضعفاء، وذلك بأن يكون الناقض للعهد، بينه وبين جماعة عهد موثق، فإذا رأى جماعة أخرى ذات شوكة وقوة انضمّ إليها، ونقض عهده الذي كان بينه وبين الجماعة الضعيفة، غير ملتفت إلى هذا العهد الذي بينه وبينها. أما ما يتصل بنقض العهود عامة، فقد جاء فى قوله تعالى بعد هذه الآية: «وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ... الآية» .

стр. 2792

- قوله تعالى: «إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ» .. الضمير فى به، يعود إلى «عهد الله» الذي جاء ذكره فى قوله تعالى: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ» .. أي أن هذا العهد يقطعه المرء على نفسه، ويجعل الله كفيلا عليه فيه- هذا العهد، هو ابتلاء من الله، وأمانة من الأمانات التي يطالب الإنسان بصيانتها والوفاء بها.. فمن وفّى بالعهد فقد أبرأ ذمته، واستحق الجزاء الحسن من ربه، ومن نكث، فهو غريم لله ، وسيقتصّ الله منه. قوله تعالى: «وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» .. هو معطوف على محذوف تقديره: «ليعلم» . ومعنى الآية مرتبط بالآية قبلها، والمعنى: أن الله ، إنما ابتلاكم بهذا التكليف، وهو الوفاء بالعهود، ليعلم المفسد من المصلح، والناكث للعهد والموفى به، وليبين لكم يوم القيامة هذا الذي أنتم مختلفون فيه، بين مفسد ومصلح، وعاص ومطيع، وناقص للعهد، وموف به. قوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» . هو تعقيب على قوله تعالى: «وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» - أي هذا الخلاف الواقع بين الناس، هو مما قضت به حكمه لله فيهم.. فلو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، تجرى أمورهم جميعا فيها على نمط واحد، كما هو شأن الأمم الأخرى من عالم الحيوان، لا اختلاف بين أفراد الأمة الواحدة منها، فى سلوكها، وفى منازع حياتها، وأسلوب معيشتها، حيث تسير جميعا فى طريق واحد، وعلى اتجاه واحد، لا يشذّ عنه فرد من أفرادها.. وليس كذلك شأن الناس، فكل فرد، هو أمة فى ذاته. له مدركاته، ومشاعره، وأنماط سلوكه.. بحيث لا يكاد يتشابه إنسان بإنسان، أو يلتقى

стр. 2793

إنسان مع إنسان، لقاء مطلقا! وفى هذا يقول الله تعالى: «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ.. وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ» (١١٨: ١١٩ هود) . على أن اختلاف الناس هذا الاختلاف الذي لا يتشابه فيه إنسان مع إنسان، ليس بالذي يفرّق بينهم، أو يقطع علائق الإنسانية التي تشدّ بعضهم إلى بعض، وتجمع بعضهم إلى بعض، فهم وإن تفرقوا مدركات، وطبائع، ومنازع، واختلفوا مشارب ومسالك وسبلا- هم مجتمعون على مورد الإنسانية، حيث يجتمعون شعوبا، وقبائل، وأمما.. ثم تضيق شقّة الخلاف بينهم شيئا فشيئا، حتى تكون خطا واحدا يفصل بين المجتمع الإنسانىّ كله، ويجعله فريقين: مؤمنين وكافرين.. مهتدين وضالين. حتى لكأن ذلك فى أصل خلقتهم، كما يقول الله تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ.. فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» (٢: التغابن) . - وقوله تعالى: «وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ» .. هو بيان لمشيئة الله الشاملة، التي إليها إضلال الضالين، وهداية المهتدين.. - وفى قوله تعالى: «وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» تحريك لمشيئة الإنسان وإرادته، مع إرادة الله سبحانه ومشيئته.. وذلك حتى لا يعطل الإنسان وجوده كإنسان له إرادة، وله مشيئة. فمطلوب من الإنسان أن يعمل إرادته ومشيئته، وأن يحركهما فى الاتجاه الصحيح الذي يقضى به العقل، وتدعو إليه الشرائع السماوية، وتحدده القوانين الوضعية.. وكما لا يعفى الإنسان نفسه من التحلل من القوانين الوضعية، بل يعمل على حراسة نفسه من الخروج عليها، ويحذر الوقوع تحت طائلة العقاب المرصود له

стр. 2794

إن هو خرج عليها- كذلك ينبغى ألا يعفى نفسه من التحلل من القوانين السماوية، بل يجب أن يعمل على حراسة نفسه من الخروج عليها، ويحذر الوقوع تحت طائلة العقاب المرصود له إن هو خرج عليها.. فهذا من ذاك.. سواء بسواء.. إن الإنسان مسئول عن تصرفاته كإنسان رشيد، وليس من شأنه أن يسأل الله عن مشيئته فيه، وما يريده به.. فذلك إلى الله وحده.. يقضى فيه بما يشاء ويريد.! قوله تعالى: «وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» .. هو توكيد للوفاء بالعهود والمواثيق التي أعطيت باسم الله، وتحذير من الاستخفاف بجلال الله الذي أشهد على هذه العهود والمواثيق.. فإنّه لا يجرؤ على النكث بعهد الله إلا من استخفّ بالله، واتخذ من اسمه الكريم وسيلة يتوسّل بها إلى الغدر بالناس، وأكل أموالهم بالباطل.. وذلك إن لم يكن كفرا صريحا، فإنه مدخل واسع إلى الكفر! - وفى قوله تعالى: «فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها» إشارة إلى أن الاستخفاف باسم الله، ونقض العهد الموثّق باسمه، هو مزلق إلى الكفر، حيث ينزلق الإنسان شيئا فشيئا إليه، فتزل قدمه عن طريق الحق، فإذا لم ينتزع نفسه، مما وقع فيه، مضى به الطريق إلى حيث يضع قدميه جميعا على طريق الضلال.. ثم يمضى فيه إلى غايته.. وهذا ما يشير إليه الحديث الشريف: «وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار.. وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» .. - وقوله تعالى: «وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» هو بيان للنهاية التي تنتهى إليها حال من يستخفّ باسم الله، حتى

стр. 2795

لا يبالى بما يعطى أو يأخذ به.. كاذبا، حانثا.. فمثل هذا الإنسان لا بد أن يرد يوما موارد الكفر، ويتحول من الإيمان بالله، إلى الكفر به، إذ صدّ عن سبيل الله الذي كان قائما عليه، وولى وجهه نحو الضلال، وثبت أقدامه عليه.. وليس لمثل هذا الإنسان إلّا أن يذوق السوء والهوان فى الدنيا، والعذاب العظيم فى الآخرة.. قوله تعالى: «وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» . هو تحذير، بعد تحذير، بعد تحذير، من الاستخفاف بعهد الله، وبالأيمان التي يحلف بها الحالفون باسمه.. إذ أن ما يبتغيه الناكثون لعهد الله، والحانثون بيمينه، هو التوسل إلى الحصول على متاع من متاع هذه الحياة الدنيا بغير حق.. وهذا المتاع وإن كثر، هو إلى زوال، وهو قليل إلى ما يعقب من خسران وحسرة وندامة فى الدنيا والآخرة.. فلو أن الإنسان الذي أعطى عهدا باسم الله، حفظ هذا العهد، ووقّر الله فلم يحنث بيمينه، ووطن نفسه على الصبر إزاء هذا المتاع الزائل الذي يلوح له من وراء الحنث بيمينه- لو أنه فعل هذا لوجد عاقبة ذلك خيرا كثيرا، وجزاءا حسنا جزيلا عند الله، ولتقبّل الله تعالى منه هذا العمل الطيب، وجعله له عدّة فى الدنيا، وزادا كريما طيبا فى الآخرة، لا يخالطه خبث مما عمل من سيئات، كما يقول الحق جلّ وعلا: «أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ» (١٦ الأحقاف) . قوله تعالى: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» .

стр. 2796

هو حكم عام بالجزاء الحسن على العمل الصالح مطلقا، بعد الحكم الخاص بالجزاء الحسن على الوفاء بالعهد، والصبر على احتمال تبعات الوفاء به.. فالأعمال الحسنة جميعها مقبولة عند الله، سواء ما كان منها من قول أو عمل، وسواء أكانت صادرة من ذكر أو أنثى من عباد الله.. فالناس جميعا على اختلاف أجناسهم، وتباين صورهم وأشكالهم، سواء عند الله، يخضعون لقانون سماوى عام، لا محاباة فيه، ولا تفرقة بين إنسان وإنسان.. إلا بالعمل.. وقد خصّ الذكر والأنثى بالذّكر هنا، لأنهما يمثلان جانبى الإنسانية كلها، إذ كانا مصدر المجتمعات الإنسانية كلها.. كما يقول الله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى» (١٣: الحجرات) .. ومن جهة أخرى، فإنه إذا كان الاختلاف النوعىّ بين الذكر والأنثى أمام القانون السّماوى على منزلة سواء- كانت التسوية بين الناس جميعا أمام هذا القانون أحق وأولى.. وقوله تعالى: «وَهُوَ مُؤْمِنٌ» جملة حالية، وهذه الحالة قيد واقع على الشرط الذي لا يتحقق جوابه إلا وهو مقترن بهذا القيد.. فالإيمان شرط لازم لقبول العمل الطيب، والجزاء عليه.. وكل عمل لا يسبقه إيمان بالله، هو عمل ضالّ، مردود على صاحبه.. لأنه قدّمه غير ناظر إلى الله ، ولا محتسب له أجرا عنده، إذ كان غير معترف بوجوده.. فالعمل الصالح الذي لا يزكيه الإيمان بالله، أشبه بالميتة التي لم تدركها زكاة بالذبح، ويذكر اسم الله عليها.. وقوله تعالى: «فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً» .. المراد بالحياة، هى الحياة الدّنيا، وطيب هذه الحياة يجىء من نفحات الإيمان بالله، تلك النفحات التي تثلج الصدر بالطمأنينة، والرضا، وتدفىء النفس بالرجاء والأمل، بتلك القوة التي لا حدود لها، والتي منها مصادر الأمور، وإليها مصائرها.. وذلك كلّه من

стр. 2797

عاجل الثواب الجزيل الذي أعدّه الله لعباده المؤمنين، كما يقول ﵎: «مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ..» (١٣٤: النساء) - فى قوله تعالى: «وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» اختلف النظم هنا بعودة الضمير جمعا على أداة الشرط «من» بعد عودته عليها مفردا فى قوله تعالى: «فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً» ، وذلك ليتحقق أولا لكل من جنسى الذكر والأنثى هذا الحكم، فإذا تقرر ذلك، وعرف كل منهما أنه مجزىّ عن عمله، بلا تفرقة من حيث النوع- عاد الضمير إلى من يشملهم الجنسين ممن يعملون الأعمال الصالحة.. من الناس جميعا. الآيات: (٩٨- ١٠٢) [سورة النحل (١٦) : الآيات ٩٨ الى ١٠٢] فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) التفسير: قوله تعالى: «فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» . مناسبة هذه الآية لما قبلها، أن الآية السابقة جاءت بوعد كريم من رب كريم، لعباده الذين يؤمنون بالله ويعملون الصالحات، بأن لهم حياة طيبة فى الدنيا، وأجرا عظيما فى الآخرة- فناسب ذلك أن يقدّم للمؤمنين دستور

стр. 2798

إيمانهم، وكتاب شريعتهم، وهو القرآن الكريم، وأن يدعوا إلى تلاوته، ومدارسته، وتلقّى أصول الإيمان، وشريعة العمل.. من آياته وكلماته.. ومن آداب تلاوة القرآن، أن يستفتح التالي تلاوته بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.. وذلك أن قارئ القرآن إنما يلتقى بالله عن طريق كلمات الله التي يتلوها.. وإذ كان هذا شأنه، فقد كان من المناسب فى هذا اللقاء الكريم أن يخلى نفسه من وساوس الشيطان، ومن كل داعية إليه، وأن يرجم الشيطان بمشاعر الإيمان التي يستحضرها وهو يتهيأ للقاء الله مع كلمات الله.. ثم يستعين على ذلك بالله، فيدعوه متعوّذا به من هذا الشيطان الرجيم، الذي ﵀ سبحانه بلعنته، وطرده من مواقع رحمته.. فالدعوة إلى الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، فى هذا الموقف الذي يقف فيه الإنسان بين يدى كلمات الله، هى فى الواقع دعوة إلى إعلان الحرب من داخل الإنسان على هذا الشيطان، الذي يتربص بالإنسان، ويقعد له بكل سبيل.. وبهذا يقبل قارئ القرآن على آيات الله بقلب قد أخلاه لها من كل وسواس.. وبهذا أيضا تؤثّر كلمات الله أثرها الطيب فيه، فينال ما شاء الله أن ينال من ثمرها المبارك. قوله تعالى: «إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» - هو تعليل لتلك الدعوة إلى الاستعاذة من الشيطان الرجيم عند الاستفتاح بتلاوة القرآن الكريم.. وذلك أن الإنسان إذا ذكر الله، واستشعر جلاله وعظمته، ولجأ إليه، مستعيذا به من وساوس الشيطان، وكيده، ومكره- إنه إذا فعل الإنسان ذلك فرّ الشيطان من بين يديه، ونكص على عقبيه مستخزيا ذليلا، ولم يكن له ثمّة سلطان عليه حينئذ، لأنه أصبح بذلك من عباد الله الذين يقول الله فيهم: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ

стр. 2799

سُلْطانٌ» (٦٥: الإسراء) .. وعباد الله، هم الذين يتعاملون مع الله، ويعادون عدوّ الله. قوله تعالى: «إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ» .. الذين يتولون الشيطان هم الذين يوالونه، ويسلمون إليه زمام أمرهم، فلا ينظرون إليه نظر العدوّ المتربص بهم، ولا يلقون كيده، ومكره بأى شعور محاذر منه.. فهؤلاء هم أولياء الشيطان.. وهؤلاء هم الذين أصبحوا رعيّة للشيطان، يتسلط عليهم كيف يشاء، ويسوقهم إلى المرعى الذي يريد.. وهو مرعى وبيل.. لا ينبت فى أرضه إلا الخطايا والآثام.. - وفى قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ» - الباء فى «به» للسببية، والضمير يعود إلى الشيطان.. والمعنى أن الشيطان إنما يتسلط بسلطانه على من يستسلمون له، ويتخذون وليّا من دون الله، ويصبحون بسبب هذا الولاء له، من المشركين بالله. لأنهم عبدوا الشيطان من دون الله. قوله تعالى: «وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ.. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» . [مع النسخ.. مرة أخرى] أكثر المفسرين على أن الآية الكريمة نصّ فى تقرير النسخ فى القرآن، وتبديل آية بآية.. ولهم على ذلك كلمة «بدّلنا» التي تدل على التبديل، وإحلال آية مكان آية.. ثم قوله «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ» فيه قرينة دالة على أن التبديل واقع فى المنزّل من عند الله، وهو القرآن.. ثم ما يظاهر هذا من قوله تعالى: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها» .. فهذه

стр. 2800

الآية جاءت صريحة بلفظ النسخ، على حين جاءت الآية السابقة بلازم النسخ، وهو تبديل آية بآية..! ثم إنهم- بعد هذا، أو قبل هذا- يأتون شاهدا على ذلك بأكثر من رواية تحدّث عن سبب نزول هذه الآية.. وأنها كانت ردّا على المشركين، الذين كانوا كلما ورد نسخ لحكم من الأحكام التي كانت شريعة للمسلمين زمنا- قالوا: إن محمدا يقول ما يشاء، حسبما يرى.. ولو أن هذا القرآن كان من عند الله، لما وقع فيه هذا التناقض فى الأحكام، ولجاء الحكم قولا واحدا، لا نقض له، ولا تبديل فيه!! هذه بعض مقولات القائلين بالنسخ، وتلك بعض حججهم عليه.. ونحن على رأينا الذي اطمأن إليه قلبنا، من أنه لا نسخ فى القرآن.. وأن هذه الآية الكريمة- مع شىء من النظر والتأمل، ومع إخلاء النفس من ذلك الشعور المتسلط على جمهور المسلمين من أن النسخ فى القرآن حقيقة مقررة، تكاد تكون شريعة يدين بها المسلم، ومعتقدا يعتقده- نقول إن هذه الآية الكريمة لا تفيد بمنطوقها أو مفهومها دلالة على النسخ.. وذلك: أولا: منطوق الآية هو: «وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ» .. فلو كان معنى التبديل المحو والإزالة، لما جاء النظم القرآنى على تلك الصورة، ولكان منطق بلاغته أن يجىء النظم هكذا: «وإذا بدّلنا آية بآية» .. ولما كان لكلمة «مكان» موضع هنا.. فما هو السر فى اختيار القرآن الكريم لكلمة «مكان» بدلا من حرف الجر وهو الباء؟ نرجئ الجواب على هذا الآن، إلى أن نفرغ من عرض القضية. وثانيا: مفهوم كلمة «التبديل» بأنه محو وإزالة، أو تعطيل ونقض- يتعارض مع ما تنزهت عنه كلمات الله، من أي عارض يعرض لها، فيغيّر وجهها،

стр. 2801

أو ينقض حكمها، والله يقول مخاطبا نبيه الكريم: «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا.. لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (١١٥: الأنعام) فكيف تبدّل كلمات الله، وينسخ بعضها بعضا، وينقض بعضها ما قضى به بعضها؟ والله يقول فى وصف كتابه: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً.. قَيِّماً» (١- ٢: الكهف) ويقول فيه سبحانه: «قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» (٢٨: الزمر) ويقول فيه : «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (٨٢: النساء) . وإذن فما تأويل هذه الآية؟ وما المراد بالتبديل لآية مكان آية؟ الجواب- والله أعلم- أن المراد بتبديل آية مكان آية هنا، هو ما كان يحدث فى ترتيب الآيات، فى السور، ووضع الآية بمكانها من السورة، كما أمر الله .. وذلك أن آيات كثيرة كانت مما نزل بالمدينة، قد وضعت فى سور مكية، كما أن آيات مما كان قد نزل بمكة، ألحقت بالقرآن المدنىّ.. وهذا الذي حدث بين القرآن المكي والمدنىّ من تبادل الأمكنة للآيات بينهما، قد حدث فى القرآن المكىّ، والمدني- كلّ على حدة- فكانت السورة المكية مثلا تنزل على فترات متباعدة، فتنزل فاتحتها، ثم تنزل بعد ذلك آيات آيات، حتى يتم بناؤها.. وعلى هذا، فإن تبديل آية مكان آية، هو وضع آية نزلت حديثا بمكانها الذي يأمر الله أن توضع فيه بين آيات سبقتها بزمن.. قد يكون عدة سنين..! فقد اتفق علماء القرآن على أن آيات نزلت بمكة، ثم حين نزل من القرآن

стр. 2802

فى المدينة ما يناسبها، أخذت مكانها فيه.. وهذا يعنى أنها نقلت من مكانها فى السورة المكية، إلى مكانها الذي كانت تنتظره أو كان ينتظرها.. فى السورة المدنية..! ومن أمثلة هذا، قوله تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» .. فهذه الآية مكية باتفاق، وقد وضعت فى سورة الأنفال، وهى مدنية باتفاق أيضا.. وهذا يعنى أن الآية من هذه الآيات كانت تأخذ مكانها مؤقتا فى السورة المكية، حتى إذا نزلت سورتها المدنية أخذت مكانها الذي لها فى تلك السورة.. ومن هذا أيضا قوله تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ..» إلى آخر سورة التوبة.. وهاتان الآيتان مكيتان، وقد وضعتا بمكانهما من آخر التوبة، وهى مدنية.. وهكذا كان الشأن فى السّور المكية، فإنها كانت تستقبل جديدا من الآيات المدنية، تأخذ مكانها المناسب لها بين آيات السورة، حيث يأمر الله.. وذلك كثير فى القرآن الكريم، وقلّ أن تخلو سورة مكية من دخول آية أو آيات مدنية على بنائها.. فهذا التدبير السماوي لبناء القرآن الكريم، وترتيب الآيات فى السور- اقتضى أن تأخذ بعض الآيات أمكنة ثابتة دائمة، بدلا من أمكنتها الموقوتة التي كانت تأخذها بين آيات أخرى غير تلك الآيات التي استقرت آخر الأمر معها.. ولا شك أن كثيرا من المشركين والمنافقين، ومرضى القلوب، كانوا ينظرون إلى هذا التبديل والتغيير، الذي كان يؤذن النبي أصحابه وكتاب الوحى

стр. 2803

به- كانوا ينظرون إليه نظر اتهام للنبىّ بأنه إنّما يعيد بناء قرآنه، ويغيّر ويبدل فيه، ويصلح من أمره ما يراه غير مستقيم عنده، شأنه فى هذا شأن الشاعر، ينشىء القصيدة، ثم يجرى عليها من التعديل والتبديل ما يبدو له: حتى تستقيم لنظره، وتقع موقع الرضا من نفسه.. هكذا فكروا وقدّروا! وإذن.. فما محمد والقرآن الذي معه، والذي يجرى عليه هذه التسوية، بالتبديل والتغيير فى بنائه- إلّا واحدا من هؤلاء الشعراء، الذين يجوّدون شعرهم، ويسوّون وجوهه، فيكون لهم من ذلك تلك القصائد المعروفة بالحوليّات التي يعيش الشاعر معها حولا كاملا، يعالج ما فيها من عوج، حتى تستقيم له! وإذن، فما دعوى محمد بأن هذا القرآن من عند الله، إلا محض كذب وافتراء! هكذا كان يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض، فى النبىّ الكريم، حين كانوا يرونه يصنع هذا الصنيع فى ترتيب الآيات القرآنية فى سورها، حسب الوحى السماوي الذي يتلقاه من ربّه.. وقد ردّ الله على هؤلاء السفهاء بقوله: «قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ» . وروح القدس، هو جبريل، ﵇، وهو السفير بين الله ، وبين النبىّ الكريم، بهذا القرآن الكريم.. - وقوله تعالى: «لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا» أي ليربط على قلوبهم، ويقوّى عزائمهم، ويثبت أقدامهم على طريق الإيمان، بما ينزل عليهم من آيات تؤنس وحشتهم، وتكشف لهم عن العاقبة المسعدة التي ينتهى إليها صراعهم، مع قوى البغي والعدوان..

стр. 2804

فالثابت من تاريخ القرآن- كما قلنا- أن آيات كثيرة نزلت، ثم لم تأخذ مكانها فى السور التي هى منها، إلا بعد زمن امتدّ بضع سنين..! فهذه الآيات التي سبقت سورها، إنما كانت للتعجيل ببشريات للنبىّ وللمؤمنين.. معه.. فسورة الأنفال مثلا، وهى مدنيّة باتفاق.. قد ضمّ إليها سبع آيات كانت قد نزلت بمكة.. وهى قوله تعالى: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ» [٣٠- ٣٦: الأنفال] .. ففى ظلّ هذه الآيات استروح النبىّ والمؤمنون- وهم فى مكة- أرواح الأمل والرجاء، ومن تلقاه هذه الآيات استقبل النبىّ والمؤمنون بشائر النّصر لهذا الدّين، الذي تلقّى على يد المشركين ألوانا من الكيد والمكر، وضروبا من السفاهة والجهل.. لقد كانت تلك الآيات، وكثير عيرها، هى الزاد الذي يتزود به النبي والمؤمنون، أثناء تلك الرحلة القاسية التي قطعها النبي والمؤمنون معه فى شعاب

стр. 2805

مكة ودروبها، من أول البعثة إلى أن أذن الله له بالهجرة.. وبهذا الزّاد تقوّى النبي والمؤمنون معه على حمل هذا العبء الثقيل خلال تلك الرحلة المضنية القاسية.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا» . وقد اختصّ الذين آمنوا بالذّكر هنا، لأنهم كانوا فى حاجة ماسّة إلى هذا الزّاد، ليثبتوا فى مواقفهم، وليصبروا على هذا البلاء الذي كانوا فيه، انتظارا لهذا الوعد الكريم الذي وعدهم الله به، فيما سيأخذ به المشركين من خزى وخذلان، كما يقول سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَيُنْفِقُونَها.. ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً.. ثُمَّ يُغْلَبُونَ.. وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ» .. ولم يذكر النبىّ الكريم هنا لأنه- صلوات الله وسلامه عليه- محفوف دائما بألطاف ربّه، وعلى يقين راسخ من نصر الله.. فهو- صلوات الله وسلامه عليه، - يحمل فى كيانه من قوى الحقّ والإيمان ما لا تنال منه الدنيا كلها لو اجتمع أهلها على حربه والكيد له. وفى هذا يقول صلوات الله وسلامه عليه لعمه أبى طالب: «والله يا عمّ لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر أو أهلك دونه.. ما تركته» ! وهذه الظاهرة فى القرآن الكريم، من تبادل الآيات أماكنها خلال الفترة التي نزل فيها، تقابلها ظاهرة أخرى، وهى نزول القرآن منجّما، خلال ثلاث وعشرين سنة، حيث لم ينزل جملة واحدة، وإنما نزل آية آية، وآيات آيات، حتى كمل، وتمّ بناؤه على الصّورة التي أراده عليها كما تلقاه النبي الكريم من جبريل، فى العرضة الأخيرة التي كانت بينهما، بعد أن تم نزول القرآن، قبيل وفاة النبي بزمن قليل.. فهناك إذن عمليتان، قام عليهما بناء القرآن الكريم، وهما:
следующие страницы →