الأسباب والمسببات.. وما كان للفلسفة الحديثة أن تقرر غير هذا، بعد هذا التقدم العلمىّ، الذي أحرزه الإنسان فى كل مجال.. وليست القوانين التي استخدمها العلم فى كشف أسرار الطبيعة إلّا من نسيج الأسباب وتفاعلها.. فهذا الاطراد فى ظواهر الطبيعة، هو الذي أتاح للعلماء وضع قوانين ثابتة لطبائع الأشياء ولما تحدثه الأسباب من احتكاك بها.. وبهذا أمكن تسخير قوى الأشياء بمقتضى هذه القوانين، كما أمكن التنبؤ بما سيحدث قبل حدوثه، اعتمادا على معرفتنا السابقة بخواصّ الأشياء، وبالآثار التي تحدث عند تحريك أسبابها المودعة فيها.
وقد رأى الأشاعرة- وهم الذين يمثلون الرأى السّنيّ- أن لا تلازم بين الأسباب والمسببات، ورفضوا أن يسلّموا بوجود أي قانون للطبيعة، واستبعدوا البديهة القائلة: بأن الأسباب المتماثلة تولد نتائج متماثلة..
وقد بنوا رأيهم هذا، على أساس أن التلازم بين الأسباب والمسبباب، فيه تحديد لقدرة الله على كل شىء، إذ أن هذا التلازم يحدّ من قدرة الله، ويجعل للأسباب قوة ملزمة لله..
وهذا رأى لا نسلّم به، ولا نرتضييه رأيا يراه المسلم حيث لا نرى فى التلازم بين الأسباب والمسببات ما يراه الأشاعرة، من أن فى ذلك تحديدا لقدرة الله..
فالله ، قد أقام الوجود على نظام، وأجراه على سنن أودعها فيه.. كما يقول سبحانه: «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» (٤٠: يس) .. فإذا كان من نظام الكون الذي أوجده الخالق جل وعلا، أن الشمس تطلع من الشرق، وأن الأرض تدور
стр. 3117
حولها.. فهل فى هذا تحديد لقدرة الله؟ وهل فى خضوع هذه الأكوان لهذا النظام المودع فيها إلا استجابة لقدرة الله، وخضوع لمشيئته؟
وللفيلسوف المسلم «محمد إقبال» رأى يجرى مع رأى الأشاعرة، فى نتائجه ولكنه يختلف معهم فى مقدماته.
فإقبال يرى أسبابا قائمة فى الأشياء.. ولكنه يرى- مع هذا- أن الأسباب تعمل فى ظل قدرة، حكيمة، عليمة.. ومن ثمّ فإن الحوادث التي تنتجها الأسباب ليست مواليد آلية، جاءت متكررة، وإنما كل حادثة لها ذاتية مستقلة.. إنها خلق جديد، تقوم القدرة الإلهية على إبداعه وتكوينه..
«الأشاعرة» لا يعترفون بوجود أسباب مطلقا.. وإنما يقولون بالخلق المتجدد من غير أسباب! و «إقبال» يقول بالأسباب، ولكنها- فى رأيه- أسباب يقظى واعية، تتخلق منها الحوادث، تخلقا يحفظ لكل حادثة ذاتيتها المستقلة..
فلا تنتظم فى ركب حوادث صماء متتابعة، متماثلة.. لا نهاية لها..!
يقول «إقبال» :
«فتقدير شىء ما، ليس قضاء غاشما يؤثّر فى الأشياء من خارج..
ولكنه القوة الكامنة، التي تحقق وجود الشيء وممكناته التي تقبل التحقّق، والتي تكمن فى أعماق طبيعته، وتحقق بالتالى وجودها فى الخارج، دون إحساس بإكراه من وسيط خارجى..
«ومن ثمّ فإن تكامل وحدة الديمومة، لا تعنى أن هناك حوادث تامة التكوين، أشبه بأن تكون فى أحشاء الحقيقة، لتسقط منها واحدة واحدة، كما تسقط حبات الرمل فى الساعة الرملية!!
стр. 3118
«والواقع أن كل نشاط خالق، هو نشاط حرّ.. فالخلق يضاد التكرار، الذي هو من خصائص الفعل الآلى..» «١»
والذي نود أن نقرره، هو أن فى كل شىء أسبابا مودعة فيه، وأن الأسباب تنتج مسبباتها، عند تحريكها بأسباب أخرى مناسبة لها..
أما التلازم بين الأسباب والمسببات، فليس يعنينا أن يكون هذا التلازم محكما مصمتا لا يتخلف، أم أن تكون فيه خلخلة تسمح بتخلف المسببات عن الأسباب، ما دمنا نؤمن بأن الله ، هو خالق الأسباب، وهو خالق المسببات! والتلازم أو غير التلازم هو مما قضت به حكمته، وشاءته مشيئته وعلمه..
ولكن الذي يجب أن نعرفه، وأن نقيم وجودنا عليه، هو أن ملاك أمرنا فى هذه الحياة قائم على أن نحرك الأسباب المودعة فى الأشياء، على الوجه الذي اهتدت إليه عقولنا، وأن ننتظر النتائج المقدرة لهذه الأسباب، على حسب ما نتوقعه ونرجوه منها.
فنحن نبنى حياتنا على المستقبل أكثر من الحاضر الذي نعيش فيه.. وهذا المستقبل إنما نبنيه على أسباب نحركها ونرقب ثمرتها.. إننا نزرع وننتظر الحصاد، وهيهات أن يزرع زارع ولا يجنى ثمرة ما زرع، وهيهات أن نجنى ثمرا دون أن نزرع ما يعطى هذا الثمر!! يقول الفيلسوف «إقبال» :
«فالنفس وهى مطالبة بالعيش فى بيئة مركبة.. لا تستطيع أن تحتفظ
стр. 3119
بوجودها فى تلك البيئة دون أن تردها إلى نظام يعطيها- أي النفس- نوعا من الضمان فيما يتعلق بسلوك الأشياء الموجودة حولها..
«وعلى هذا، فإن نظر النفس إلى بيئتها باعتبارها نظاما (مكونا) من علة ومعلول، هو وسيلة لا يمكن الاستغناء عنها..
«والواقع أن النفس- بتأويلها للطبيعة على هذا النحو- تفهم بيئتها، وتسيطر عليها، فتحصل بهذا على حريتها، وتزيدها قوة ونماء» «١» .
() ونود هنا أن بعد هذه المقدمة، أن ندير النظر إلى قصة موسى والعبد الصالح..
ففى هذه القصة درس عملىّ ينكشف منه وجه القضاء والقدر، ومدى ما يمكن أن تطوله يد الإنسان، وتبلغه قدرته، تحت سلطان القضاء والقدر، وما يعمل فيه الإنسان من أسباب، وما يقع له من مسببات..
لقد كان موسى فى هذه القصة، ممثلا للإنسانية فى حدودها التي أقامها الله عليها، وفى تصرفاتها مع الأشياء على مقتضى ما تعلم منها بإمكانياتها المحدودة، على حين كان العبد الصالح، ممثلا للعالم العلوي، عالما ما وراء المحسوس، يستملى معارفه من عالم النور.. فيرى بعين الغيب، عواقب الأمور، ويصل إلى نتائجها الحاسمة، قبل أن تتحرك الأسباب، وتتولد المسببات!.
موسى يمثّل الإنسان، من حيث هو كائن محدود القدرة، لا يرى من الأشياء إلا ما على السطح، أو ما وراء السطح بقليل.. أما أعماق الأشياء
стр. 3120
وأما صميمها، فليس له إليها سبيل مهما يبلغ علمه، ومهما تكن معارفه.. إن له حدودا لا يتجاوزها، وله مجالات لا يخرج عليها، وهو فى هذه الحدود يعمل، وفى هذه المجالات يتحرك- حسب تفكيره وتقديره..
ثم مع هذا، فإن الأشياء تتحرك حركتها المقدورة لها.. وهى حركات قد تتفق مع حركات الإنسان، وقد لا تتفق..
والشيء الذي ينبغى أن نؤكده، هو أن العلم والمعرفة، يكشفان للإنسان من حقائق الأشياء، بقدر ما يحصّل الإنسان منهما.. فكلما ازداد علما ومعرفة اتسعت أمامه الآفاق التي ينظر فيها إلى هذا الوجود، وتكشف له حقائق كثيرة كانت محجوبة عنه وراء هذه الآفاق التي أخفاها عنه الجهل، وضآلة المعرفة..
والذي نودّ أن نؤكده أيضا، هو انه مهما بلغ الإنسان من العلم والمعرفة فلن يبلغ من العلم بحقائق هذا الوجود، إلا قدرا ضئيلا، لا يعدل حبّة رمل من هذا الكون العظيم.. والله يقول. «وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» (٨٥: الإسراء) .
وهنا نستطيع أن نحدد مكان الإنسان من القدر، ونتعرف إلى المجال الذي يعمل فيه كل منهما: الإنسان والقدر..
فالقدر هو «دولاب» ينتظم الوجود كله، وتتحرك كل أجزائه، حسب القوى التي أودعها الخالق جل وعلا فى كل موجود.. وكل موجود يتحرك حركته فى الاتجاه، وفى المدى المقدور له.. وأقرب شبه لهذا ما نرى فى «دولاب» بخارى أو كهربىّ، يدور يجميع أجهزته وأجزائه، ثم إن جميع هذه الأجهزة، وتلك الأجزاء، مع اختلاف حركاتها تحقق آخر الأمر غاية واحدة،
стр. 3121
وتعمل جميعها لهدف واحد.. فلا يرى الرائي منها إلا حركة واحدة، وإلا اتجاها واحدا.. هكذا يرى المهندس الميكانيكى أو الكهربى حركات الجهاز، الذي يقوم عليه، ويديره.. إنه يعرف وضع كل قطعة منه، كما يعرف وظيفتها ودورها الذي تؤديه..
أما من ينظر إلى هذا الجهاز نظرا سطحيا بغير علم، فإنه لا يرى فيه إلا أشياء صاخبة مضطربة، يضرب بعضها وجه بعض! كذلك هذا الوجود الذي نحن فيه، وهذا العالم الذي تقلّنا أرضه، وتظلنا سماؤه- حيث ننظر، فلا نرى- لعلمنا القاصر.. إلّا فوضى، وإلا اضطرابا، وإلا تخالفا وعنادا بين كل موجود وموجود، الأمر الذي يوقع بين الموجودات هذا الصراع الحادّ المتصل.. سواء فى ذلك عالم الجماد، وعالم الأحياء.. فالبحر تهيجه العواصف وتثيره الرياح، وهو بالتالى يصخب ويموج، ويضرب بأمواجه العاتية فى أصول الجبال، فتتصدع وتنهار.. والجبال بدورها، تتصدى للرياح العاتية فتلطم وجهها، وللسحب السائرة، فتمزّق أوصالها، وتلقى بها تحت أقدامها.. وكذلك الشأن فى عالم النبات والحيوان، والإنسان.. هى فى صراع دائم، فيما بينها وبين الموجودات القريبة أو البعيدة منها.. والإنسان بخاصة يواجه الموجودات كلها، ويدخل معها جميعها فى صراع، لا يلقى معها سلاحه إلا إذا استسلمت له، وأعطته ولاءها..
هكذا يبدو الوجود غارقا فى الفوضى، لمن ينظر إليه نظرا شاردا، لا يستصحب معه فيه عقله، ولا يفتح له قلبه..
أما حقيقة هذا الوجود، فهو نظام محكم دقيق، وتناغم منسجم رائع، وتجاوب بين كل ذرة من ذراته، وكل موجود من موجوداته.. «ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ، فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ
стр. 3122
كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ»
(٣- ٤: الملك) ..
أرأيت إلى جماعة كبيرة من العازفين على مجموعات متعددة من آلات الموسيقى، يقومون على أداء لحن رائع منسجم متناغم؟
إن الذي لا يحسن لغة الموسيقى، ولا يعطى أذنه وقلبه لهذا اللحن الذي يجتمع من هذه الأنغام التي ترسلها أيدى العازفين، وأفواههم وأرجلهم، من تلك الآلات التي يقومون بالأداء عليها- لا يرى إلّا فوضى مجنونة متخبطة، ولا يسمع إلا ضجيجا وصخبا وتلاطما.. أما حقيقة الأمر، فهو- عند الموسيقى- على خلاف ذلك تماما.. إنه يرى تآلفا وتلاقيا، ويسمع تجاوبا وتناغما، فيجد لذلك روح روحه ونشوة فؤاده، ويقظة وجدانه..
ذلك أشبه شىء بالوجود فى نظر من يعلم ومن لا يعلم! وننظر مرة أخرى إلى ما كان بين موسى والعبد الصالح..
لقد كان موسى يسير فى اتجاهه الإنسانى.. ويأخذ طريقه على قدر ما ينكشف له من عوالم الوجود..
على حين كان العبد الصالح يسير فى اتجاه الدولاب القدرىّ.. ويأخذ الأمور على الوجه الذي تستقيم فيه مع حركة هذا الدولاب القدرىّ.. وقد وقع الصّدام، بل والصراع بين الاتجاهين..
والواقع أنه لم يكن ثمة خلاف بين هذين الاتجاهين.. إذ كل منهما منته إلى نهاية واحدة، يلتقيان عندها..
وكل ما فى الأمر، أن الحركة القدرية فى هذه المرحلة القصيرة التي صحب فيها موسى صاحبه، قد وجدت فى العبد الصالح مفسّرا لها، وكاشفا عن وجهها، ولولا هذا لظلّت فى عينى موسى وفى تفكيره قدرا لا يدرى له مفهوما، ولا يعرف
стр. 3123
له متأوّلا.. تماما كما يقع لعينى الإنسان منا كلّ يوم من مئات الأحداث، فى نفسه، وفى غيره، دون أن يعرف وجه الحكمة فيها.. ولو أننا وجدنا مثل العبد الصالح من يكشف لنا عما وراء هذه الأحداث، لما أصابنا همّ، ولما بتنا على قلق، لما وقع أو يتوقع من سوء، وما نزل أو ينزل من مكاره، ولظهرت لنا هذه الأحداث آخذة أتمّ وضع وأصلحه لنا، ولنظام الوجود العام كله.. وهذا ما تشير إليه المأثورة الإسلامية: «لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع» ! وإذن.. فالماديون الذين ينكرون القدر، هم محقّون ومبطلون فى آن..
هم محقون، لأن كل ما ينسب إلى القدر، ويضاف إليه، ليس شيئا خارجا على سنن الكون، ولا مطلقا من العلل والأسباب التي تحكم الوجود وتمسك بكل موجود.. وغاية ما فى الأمر، أن هذه العلل، وتلك الأسباب مطوية عنّا، بعيدة عن واقع علمنا، وأنها لو انكشفت لنا لما كان فيها إلا ما نراه فى كل أمر نعلم حقيقته، ونعلم العلل والأسباب المتحكّمة فيه..
وهم مبطلون.. لأن العلم الذي فى أيديهم، والذي يستطيعون به النظر فى الوجود- هو علم قاصر محدود، لا يحمل من الطاقات الضوئية، إلا شعاعات باهتة متكسّرة، لا تنفذ إلى أعماق الوجود، ولا تكشف إلا بعض ما يظهر على حافانه وحواشيه.. وعلى هذا، فإنه ستظل موجودات الوجود كلها- فيما عدا هذه القشور منها- بعيدة عن متناول العلم، مجهولة الأسباب والعلل.. وهى التي تطلع علينا حين تطلع، قدرا مقدورا.. لا نعرف لها تأويلا، ولا ندرى لها تفسيرا! والعبرة الماثلة لنا من قصة موسى والعبد الصالح، هى أن نلزم أنفسنا الأخذ بالأسباب الظاهرة لنا، وأن نصرّف أمورنا بمقتضى هذه الأسباب التي تقع فى
стр. 3124
تفكيرنا وتقديرنا، وألا نتطلّع إلى ما وراء ذلك.. ففى هذا- وفى هذا وحده- ضمان لاستقامة تصرفاتنا، مع ما يصلح عليه أمرنا، وأمر المجتمع الإنسانى الذي نعيش فيه..
إن القوى المحدودة التي أودعها الله فينا، هى التي تتفق اتفاقا تامّا مع الوجود الذي أقامنا الله عليه، ومع الموجودات التي أوجدنا الله معها..
فجوارحنا، ومدركاتنا، مضبوطة على أعدل وضع يمكن أن يعطينا من الحياة أكبر قدر يمكن أن نأخذه منها، وأن ننتفع به على الوجه الملائم لنا..
ولو خرجت مدركاتنا وحواسنا عن هذا المعدّل- بالزيادة أو النقص- لاضطرب وجودنا، وفسد نظام حياتنا..
فالماء الذي نشربه، والذي نراه نظيفا، سائغا- إذا نظرنا إليه بما وراء أبصارنا- كالمجهر مثلا- رأيناه مسبحا لجيوش كثيرة من الحيوانات.. وهو بهذه النظرة يتحول- فى تصورنا- من طيّب سائغ، إلى ماء تعافه النفس، وتقزّز منه، وتموت عطشا دون أن تقدم على شربة منه..
وكذلك قل فى كل ما نأكل وما نشرب. إننا لا نرى فى مأكولنا ومشروبنا ما نكره، ولكنا إذا نظرنا إليه بعيون مجهريّة، تبين لنا أن هناك عوالم سابحة فيه، من غرائب المخلوقات، تأخذ طريقها إلى جوفنا، دون أن نراها، فلا يهنئونا مع ذلك طعام، ولا يسوغ لنا شراب! وقل مثل هذا فى المسموعات، والمشمومات والمذوقات، إذا نحن جئناها بحواس أقوى أو أضعف من حواسّنا.. إنّها تقع منا موقعا بغيضا كريها..
من الخير إذن، ومن الرحمة بنا أن نعيش فيما خلقنا الله بما خلقنا به، وألّا نذهب إلى أبعد مما قدّر لنا.. بل نجعل الأسباب المعروفة لنا، هى الأساس الذي نتصرف بمقتضاه، فى تعاملنا مع الحياة، وملابستنا للموجودات.. ثم ليكن
стр. 3125
قبل هذا كلّه، إيماننا بقدرة الخالق، وبتقديره لكل شىء، وأننا إنما نعمل لنحقق إرادته مما أودع فى الكائنات من أسباب، وبما جعل لها من مسببات..
فهذا الإيمان هو الذي يسند الإنسان فى صراعه مع الحياة، وهو الذي يشدّ عزمه، ويدفع به إلى غايات لا يتطلع إليها أولئك الذين فقدوا هذا الإيمان..
وشتّان بين من يعمل، وهو على يقين بأنه فى رعاية ربّ الأرباب، وأقوى الأقوياء، وبين إنسان يعمل معزولا عن الشعور بهذا الإيمان.. يعمل فى حدود جهده البشرى المحدود، دون سند أو ظهير! إن النعمة فى كل صورة يتلقاها المرء عليها، لا يدخل منها على قلب المؤمن بالقدر، زهو ولا خيلاء.. لأنها من عند الله! وإن البلاء، والشدّة، والضرّ.. لا يقع منها على قلب المؤمن بالقدر، يأس ولا قنوط من روح الله.. «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ» .. الكافرون بالله، وبما قدّر الله! والقدر بهذا المفهوم لا يخلى الإنسان من مسئولياته، إزاء الحياة، وإزاء التكاليف المنوطة به فيها.. فهو مطالب بأن يجهد جهده، ويبلى بلاءه فى كل أمر يعرض له، وأن يلقاه بكل حوله وحيلته، وأن يجىء إليه بعلله وأسبابه، التي يراها ويقدّرها.. فإن هو فرّط أو قصّر، كان ملوما، وكان أهلا للجزاء الذي يناسب تفريطه، وتقصيره.
فليس إيمان المؤمن بالقدر، وبأنه صائر آخر الأمر إلى المصير المقدور له- ليس هذا الإيمان بالذي يخلى المؤمن من المسئوليات المنوطة به.. فهو مطالب بأن يقدّر ويفكر، ويدبّر، ويعمل بالقدر الذي يسعفه به تفكيره، ويحتمله جهده..
стр. 3126
وهذا- على الأقل- هو الذي يعفيه من المسئولية أمام عقله وضميره! وفى نظرة الإسلام إلى القدر، تلك النظرة التي يبدو منها القدر غائبا كحاضر- فى هذه النظرة يقوم القدر على الناس، سلطانا رحيما، يفيئون إلى ظلّه الظليل، إذا هم أضناهم السير ولفحهم الهجير وأقعدهم الإعياء! فالقدر فى التفكير الإسلامى، لا يلتقى به المسلم إلا عند آخر المطاف من سعيه الذي سعى، وعمله الذي عمل، لا أن يقدّمه بين يدى كل عمل، فإن هذا من شأنه أن يقعد بالإنسان عن أن يعمل أو أن يسعى، تاركا زمامه للقدر، يتصرّف كيف يشاء..
وفى هذا اللقاء الذي يلتقى فيه الإنسان مع القدر- بعد كل عمل لا قبله- فى هذا اللقاء يلقى الإنسان بوجوده كلّه، وبما أصاب، أو أصيب به- يلقى بهذا كله فى ساحة القدر! فإن يكن قد أصاب خيرا لم يقل قولة قارون من قبل: «إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي» (٧٨: القصص) بل يقول قولة المؤمنين الشاكرين: «هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ» (٤٠: النمل) .
وإن أصابته مصيبة، أو مسه ضر، لم يقل: «أَنَّى هذا؟» (١٦٥: آل عمران) .
بل يقول: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» (١٥٦: البقرة) أو يقول:
«فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» (١٨: يوسف) .
أما غير المؤمن، فإنه لا يلتقى بهذا الوجه الكريم فى السراء أبدا، ولا يتلقّى هذا العزاء الجميل فى الضراء أبدا..
стр. 3127
إنه إن أصاب خيرا، أشر وبطر، وطغى وبغى، وإن أصابته مصيبة احترق بنارها، كمدا وحسرة، دون أن يجد لمصيبته عزاء من إيمان، أو مواساة من قدر! وانظر إلى هذا العزاء الجميل الذي عزّى الله به النبىّ والمؤمنين فيمن أصيبوا فيهم من الشهداء فى غزوة أحد: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (١٥٦: آل عمران) .
و «لو» هذه، هى التي تدمى قلوب الذين لا يؤمنون بالله، ولا يستسلمون لقدر الله، فى أعقاب الشدائد والملمات، وهى التي تنكأ جراحهم كلما عملت يد الزمن على التئامها! وفى الحديث الشريف كما رواه مسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شىء فلا تقل: لو أنى فعلت كان كذا وكذا؟! ولكن قل: قدّر الله، وما شاء الله فعل.. فإن لو تفتح عمل الشيطان» .
وهنا أمر نحب أن نقف عنده، وهو أن الرضا، الذي يستقبل به المؤمن ما يقع من مقدرات القدر- ليس هذا الرضا عن قهر وإلزام، وإنما هو عن إرادة واعية مدبّرة مقدّرة.. ذلك أنه ليس من الدين، ولا فى الدين- أعنى الإسلام- ما يحول بين الإنسان وبين حقه الطبيعي، فى معالجة الواقع، وفى محاولة تغييره يكل ما يملك من وسائل كريمة سليمة، ناظرا إلى الله، طامعا فى رحمته، مستمدا العون والتوفيق من لدن رب رحيم كريم..
стр. 3128
إن الرضا بالواقع الكريه البغيض، ليس فى الإسلام، ولا من الإسلام..
لأن ذلك معناه إهدار لعقل الإنسان أن يفكر، وتعطيل لإرادته أن تعمل ووقوف بالحياة أن تتحرك، بل وتمكين للشر أن يستشرى، واعتراف للباطل أن يقيم حيث شاء.. آمنا مطمئنا، لا يلقاه أحد بإنكار، ولا يزعجه منكر بسوء! ..
وكلّا.. فإن هذا غير سبيل الأحياء فى الحياة، كما هو غير سبيل الدّين والمتدينين..
وتاريخ الإسلام، يحكى فصولا طويلة، مثّل فيها هذا الدور الغبىّ الدخيل على الإسلام، فقتل فى الناس الهمم الصادقة، وأطفأ من صدورهم وقدة العزمات المتوثبة لملاقاة البغي وردع الباغين.. وذلك حين قام فى الناس من يدعونهم إلى الاستسلام للقدر، والرضا بالمقدور.. وتلك كلمة حق أريد بها باطل..
إذ كانت أشبه بمخدّر ثقيل، أمات فى الناس مشاعر الإحساس بكل ظلم، فاستساغوا طعمه، واستناموا فى ظلّه، يجترّون كل ما يلقى إليهم من عسف، وما يساق إليهم من بلاء.. وإنه لولا هذا ما استطال حكم أمراء السوء، ولا امتدّ سلطان الملوك والسلاطين الباغين المفسدين، دون أن يلقاهم أحد بنكير، أو يؤاخذهم مؤاخذ بما اقترفوا من مظالم، وما ارتكبوا من آثام..
إن مهمّة الرسل، والمصلحين فى الناس، إنما هى فى صميمها ثورة على أوضاع قائمة جائرة، وحرب على مظالم صارخة، هى فى نظر الحق والعدل منكرات يجب أن تزول، وهى عند البغاة والمتسلطين حق مشروع، ثم هى عند أدعياء الإيمان قدر مقدور! ولا نريد أن ندع هذا البحث فى «القضاء والقدر» قبل أن نذكر رأيا
стр. 3129
«لابن القيّم» فى هذه القضية، يعتبر- فى رأينا- مقطع الفصل فيها، عند المؤمنين بالله، وبما لله من أحكام فى عباده..
يقول ابن القيّم فى كتابه: «روضة المحبين» :
«فأحكام العالم العلوىّ والسّفلىّ وما فيهما، موافقة للأمر..
إما الأمر الدينىّ، الذي يحبّه الله ويرضاه، وإما الأمر الكونىّ الذي قدّره وقضاه..
«وهو سبحانه لم يقدّره- أي الأمر الكونىّ- سدى، ولا قضاء عبثا، بل لما فيه من الحكمة والغايات الحميدة، وما يترتب عليه من أمور، يحبّ غاياتها وإن كره أسبابها ومبادئها..
«فإنه.. يحبّ المغفرة، وإن كره معاصى عباده، ويحبّ الستر، وإن كره ما يستر عبده عليه، ويحبّ العتق وإن كره السبب الذي يعتق عليه من النار.. ويحب العفو، وإن كره ما يعفو عنه من الأوزار.. ويحبّ التوّابين وتوبتهم، وإن كره معاصيهم التي يتوبون إليه منها.. ويحب الجهاد وأهله، بل هم أحبّ خلقه إليه، وإن كره أفعال من يجاهدونهم..
ثم يقول:
«وهذا باب واسع، قد فتح لك، فادخل منه، يطلعك على رياض من المعرفة مونقة، مات من فاتته بحسرتها، وبالله التوفيق.
ثم يقول:
«وسرّ هذا العباب، أنه- سبحانه- كامل فى أسمائه وصفاته، فله الكمال المطلق، من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه ما..
стр. 3130
وهو- سبحانه- يحبّ أسماءه وصفاته، ويحبّ ظهور آثارها فى خلقه، فإن ذلك من لوازم كماله..
فإنه- سبحانه- وتر يحبّ الوتر.. جميل، يحبّ الجمال.. عليم، يحبّ العلماء.. جواد، يحبّ الأجواد.. قوىّ، والمؤمن القوىّ أحبّ إليه من المؤمن الضعيف.. حيىّ، يحبّ أهل الحياء.. وفىّ، يحبّ أهل الوفاء.. شكور، يحبّ الشاكرين.. صادق، يحبّ الصادقين.. محسن، يحبّ المحسنين..
«فإذا كان- سبحانه- يحبّ العفو، والمغفرة، والحلم، والصفح، والستر- لم يكن بدّ من تقدير الأسباب التي تظهر آثار هذه الصفات فيها، ويستدلّ بها عباده على كمال أسمائه وصفاته، ويكون ذلك أدعى إلى محبته، وحمده، وتمجيده، والثناء عليه بما هو أهله.. فتحصل الغاية التي خلق لها الخلق.. وإن فاتت من بعضهم، فذلك الفوت سبب لكمالها وظهورها..
«فتضمّن ذلك الفوت المكروه له- سبحانه- أمرا هو أحبّ إليه من عدمه! «فتأمّل، هذا الموضع حق التأمل..
«وهذا ينكشف يوم القيامة للخليقة بأجمعهم، حين يجمعهم فى صعيد واحد، ويوصّل لكل نفس ما ينبغى إيصاله إليها من الخير والشرّ، واللذة والألم، حتى مثقال الذّرة، ويوصّل كلّ نفس إلى غاياتها التي تشهد هى أنّها أولى بها..
«فحينئذ ينطق الكون بأجمعه، بحمده، ﵎، قالا (أي قولا) وحالا، كما قال : «وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» فحذف
стр. 3131
فاعل القول، لأنه غير معيّن، بل كل أحد يحمده على ذلك الحكم الذي حكم فيه.. فيحمده أهل السموات، وأهل الأرض، والأبرار والفجّار، والجنّ والإنس.. حتى أهل النار! قال (الحسن البصري) وغيره: «لقد دخلوا النار وإن حمده لفى قلوبهم» ..
«وهذا- والله أعلم- هو السر، الذي حذف لأجله الفاعل، فى قوله:
«قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها» وقوله: «وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ» كأنّ الخلق كله، نطق بذلك وقاله لهم.. والله تعالى أعلم بالصواب» ا. هـ
الآيات: (٨٣- ٩٨) [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٣ الى ٩٨]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧)
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢)
حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧)
قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)
стр. 3132
التفسير:
الذّكر: الخبر، والحديث عن الأمر بما يذكّر به.
مكنّا له فى الأرض: جعلنا له مكانا ذا سلطان فيها..
السبب: ما يتوصل به إلى أمر من الأمور.. وهو فى الأصل: الحبل الذي يصل شيئا بشىء.. ويقال للباب الذي يدخل منه إلى المكان: سبب..
عين حمئة: الحمأة: الطين الأسود، والعين الحمئة: التي اسودّ ما فيها من طين.. وقرىء: «عين حامية» أي شديدة الحرارة.. كما فى قوله تعالى:
«وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ» .
(٨- ١١: القارعة) السّدّان: مثنىّ سدّ، والسدّ: الحاجز بين الشيئين، ويسمى الجبل سدّا، لأنه يحجز بين ما بين يديه وما خلفه.
زبر الحديد: القطع العظيمة منه.. واحدتها زبرة: كغرفة.
الصّدفان: مثنىّ صدف، والصّدف جانب الجبل، ولا يقال له صدف حتى يكون فى مقابله صدف آخر.. فكأن أحدهما صادف الآخر، وقابله.
стр. 3133
القطر: النحاس المذاب، لأنه يقطر كما يقطر الماء.
أن يظهروه: أي أن يتسلقوه، ويركبوا ظهره، لملامسته وارتفاعه..
النقب: الثقب والخرق فى الجدار، ينفذ من جانبه إلى الجانب الآخر..
[ذو القرنين.. من هو؟ وما شأنه ؟]
فى الخمس عشرة آية السابقة قصّة رجل ذى شأن عجيب، بين يديه قوّى، ومعه سلطان، قلّ أن يقع مثلهما ليد إنسان.. وسمى ذا القرنين لبلوغه المشرق والمغرب، فكأنه حاز قربى الدنيا.
ومن أجل هذا كانت المناسبة قوية بين قصة هذا الرجل، وبين قصة العبد الصالح.. صاحب موسى، فجاءت هذه القصة وراء قصّة العبد الصالح، تالية لها.
ثم إنه- مع هذا- يوجد بين القصّتين، أكثر من وجه من وجوه الشبه..
فأولا: العبد الصالح، وذو القرنين، كلاهما ممن اختصه الله بشىء من فضله ورحمته..
فالله يقول عن العبد الصالح: «عَبْداً مِنْ عِبادِنا.. آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً» .
ويقول جل شأنه فى ذى القرنين: «إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً» .
والفرق بين الرجلين فيما اختصهما الله تعالى به، أن ما أصاب العبد الصالح من فضل الله، كان علما لدنّيّا، ارتقى به فوق مستوى العلم البشرى، على حين أن ما أصاب ذا القرنين كان تمكينا فى الأرض، وهداية إلى الأسباب التي تدعم هذا التمكين، وتحرسه من الآفات التي تجعل من تلك القوة الممكنة،
стр. 3134
أن تكون أداة بغى وعدوان.. فكان بهذا على مستوى من الحكمة والتدبير وحسن السياسة للملك، بما يكاد يتفرد به بين أصحاب الملك والسلطان..
وعلى هذا يمكن أن يقال: إن العبد الصالح نسيج وحده فى العلم الذي معه، وإن ذا القرنين، نسيج وحده كذلك فى دنيا الملوك والسلاطين، أصحاب الجاه والسلطان..
وثانيا: الأحداث التي اشتملت عليها كلتا القصتين..
ففى كل منهما ثلاثة أحداث، هى التي كشف عنها القرآن من أمر صاحبى القصة..
فخرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار.. هى الأحداث الثلاثة التي جرت على يد العبد الصالح..
وبلوغ مغرب الشمس، وبلوغ مشرقها، وإقامة السدّ.. هى أحداث ثلاثة، من أحداث ذى القرنين..
ثالثا: تحركات الرجلين..
كانت لكل منهما ثلاثة منطلقات.. كل منطلق إلى غاية من الغايات الثلاث، التي تولد من كل غاية منها حدث..
فالعبد الصالح، ينطلق فى كل مرّة، ومعه صاحبه موسى.. وكأن موسى هو السبب الذي كان عنه منطلقه إلى كل غاية من غاياته الثلاث: «فانطلقا» ..
«فانطلقا» .. «فانطلقا» .
وذو القرنين، ينطلق فى كل مرة، ومعه سبب، يتبعه سبب، حتى يبلغ غايته.. «فَأَتْبَعَ سَبَباً» .. «ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً» .. «ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً» !
стр. 3135
ورابعا: أسباب العبد الصالح، تجرى على مستوى قدرى، فوق مستوى البشر..
أما أسباب ذى القرنين فتجرى على مستوى العقل البشرى، حيث يأخذ الأمور بأسبابها الظاهرة التي تبدو لعين العاقل، البصير، العالم..
ومع هذا، فإن أسباب كلّ منهما تلتقى عند نهايتها بما هو مطلوب ومحمود..
وهذا يعنى أن مستوى البشرية، يستطيع أن يرتفع بما يكتسب من العلم والمعرفة إلى حيث يجرى فى طريق مستقيم، تتكشف فيه لبصيرته مواقع الحق والخير، فلا يخطىء الغاية، ولا يضل السبيل..
وهذا يعنى من جهة أخرى أن العلم المكتسب: إذا صادف قلبا سليما، وعقلا حكيما، ونفسا مطمئنة، كان أشبه بما يفاض على الإنسان فيضا، مما يفتح الله للناس من رحمته، فضلا، وكرما، من غير كسب! ذلك أن فى الإنسان- كل إنسان- قبسة من العالم العلوىّ إذا أمدّها الإنسان بالسعي والجدّ فى تحصيل المعرفة، ونفخ فيها من روحه وعزمه، ظلت مضيئة مشرقة، ثم ازدادت مع السعى والجدّ ضياء وإشراقا..
أما إذا أهمل الإنسان هذه القبسة العلوية التي فى كيانه، ولم يمدّها من ذات نفسه بالوقود المناسب لها، خبت، ثم انطفأت وخمدت! «تساؤلات.. وتصورات» وفى أحداث القصة أمور لفتت إليها الأنظار، وأثارت كثيرا من التساؤلات، التي أدت بدورها إلى كثير من المقولات المتضاربة، الناجمة فى
стр. 3136
أكثرها عن تصورات وأوهام: دون أن يكون لها مستند من واقع، ولا قبول من عقل، ولا إجازة من منطق..
ومن هذه التساؤلات، والمقولات، ما دار حول ذى القرنين والأسباب التي معه، ومغرب الشمس ومطلعها، ويأجوج ومأجوج، والسدّ الذي أقيم دونهم..
فكل أمر من هذه الأمور أصبح قضية، كثر المتخاصمون فيها، وكثرت مدّعيات كل طرف من أطراف الخصومة عليها، بحيث كان على من يريد النظر فى أية قضية منها، أو أن يتعرف على وجه الرأى فيها- أن يستمع إلى عشرات الأقوال المتناقضة، التي يدعمها أصحابها بأحاديث تروى عن رسول الله ﷺ ، وبآراء تستند إلى الأجلاء الأعلام من صحابة رسول الله رضوان الله عليهم، كعلىّ بن أبى طالب، وعمر بن الخطاب، وابن عباس..
وغيرهم..
ولا نريد أن نشغل أنفسنا بهذه المقولات، ما صح منها وما لم يصح..
وذلك لأمرين:
أولهما: أن أية مقولة تقال فى هذه الأمور، لا تزيد من قيمتها، ولا تنقص من قدرها فى ميزان العبرة والعظة الماثلة منها.. إذ لا تعدو هذه المقولات التي قيلت أو تقال فى هذه المسميات أن تكون ذيولا وإضافات، لا تغير شيئا من ذات المسمّى.. تماما كالاسم الذي يطلق على المسمى.. إنه ليس أكثر من إشارة يشار بها إليه، أو رمز يستدل به عليه!! أما ذاته وحقيقته، فلا يؤثر فيها الاسم الذي يطلق عليها، ولا يغير من صفتها شيئا..
وثانيهما: أن هذه المقولات مبثوثة فى كتب التفاسير، والحديث، والقصص.. بحيث لا يحتاج الأمر فى الوقوف عليها عند من يهمّه أمرها، إلى
стр. 3137
كبير مشقة.. فما هى إلا أن يمد يده إلى أي كتاب منها حتى يقع على ما يريد وأكثر مما يريد! وعلى هذا، فإننا سنقتصر على إشارة دالة على كل مشخص من هذه المشخصات، حسب مفهومنا له..
فأولا:
(ذو القرنين)
هو الإسكندر الأكبر، ملك مقدونيا، من بارد اليونان.. والذي استطاع أن يضم بلاد اليونان كلها إلى ملكه الذي ورثه عن أبيه، ثم استطاع كذلك أن يوسع دائرة مملكته شرقا وغربا، حتى ضمّ إليه بفتوحاته معظم العالم المعمور الذي كان معروفا فى وقته.. فبلغ الصين والهند شرقا، ودارت فى فلك دولته قرطاجنة، ومصر، والشام، والعراق، وإيران، وأفغانستان، والهند، وأطراف الصين..
أما سبب امتداد ملكه جهة الشرق لا الغرب، فلأن الشرق فى ذلك الحين، كان هو مركز النشاط الإنسانى، ومطلع العلوم والفنون، والآداب، وكان هو الذي يناظر بلاد اليونان التي كانت الشعلة المضيئة فى الظلام المنعقد على أوربا فى ذلك الحين.. ولهذا كان الاحتكاك دائما فى هذه العصور الغابرة، واقعا بين بلاد اليونان، وفارس، وما بينهما..
وقد تتلمذ الإسكندر على الفيلسوف اليوناني العظيم، أو المعلم الأول «أرسطو» .. وساعده نبوغه العبقري على أن يهضم فلسفة «أرسطو» فى فترة قصيرة، وأن يتمثلها تمثيلا صحيحا، وأن يصفّيها من كلّ شائبة.. فكانت تلك الفلسفة غذاء صالحا لهذا العقل السليم المتفتح لاستقبال كل ما يمدّه
стр. 3138
بطاقات من النور، تزداد بها بصيرته نفوذا إلى أعماق الأشياء، والوصول إلى لبابها..
فالإسكندر، بذكائه وعبقريته، وباستعداده الموروث للملك والسلطان- استطاع أن يحوّل فلسفة «أرسطو» إلى واقع عملىّ، وإلى قوة منطلقة معه لتحقيق آماله الكبيرة، وبناء هذه الدولة العظيمة التي تحركت لها همته، على أساس وطيد، من العدل والإحسان..
وذو القرنين- كما يذكره القرآن- رجل مؤمن بالله، التقى فيه هذا الإيمان بطبيعة قوية، تنفى الخبث، وتعاف المنكر من الأمور، وتأبى أن تنزل إلى ما يمسّ المروءة، ويجور على الشرف والكرامة..
فكانت خطواته كلّها قائمة على طريق الحق، والعدل، والخير..
والإسكندر، أشبه الناس بذي القرنين هذا فقد كان مؤمنا بالله، وقد فتح له الطريق إلى هذا الإيمان أستاذه «أرسطو» ، الذي كان موحّدا، يقول بالصانع الأول، وبالعقل الأول، وبالمحرّك الأول، وبالسبب الأول.. إلى غير ذلك من المقولات، التي تجعل على الوجود قوة عاقلة، يدور فى فلكها كل موجود! وإذا كانت تصورات «أرسطو» لله يحفّها الغموض، فإنها تصورات فى صميمها، تبلغ بمن يأخذ طريقه معها على هدى وبصيرة- إلى التصوّر الصحيح لله ..
وليس بالبعيد أن يكون «الإسكندر» قد اهتدى فى طريقه إلى الله بما لم يهتد إليه أستاذه، فآمن بإله متفرد بكل كمال، منزّه عن كل نقص.. لا يشاركه أحد فى ملكه، مما كان يقول به أستاذه، وتقول به الفلسفة اليونانية، من العقول السبعة، النابعة من العقل الأول، والعاملة معه..!
стр. 3139
وعلى أىّ، فإن ذا القرنين، سواءا كان هو الإسكندر الأكبر، أو غيره من عباد الله، فإنه على صفتين:
أولهما: أنه ذو سلطان متمكن، وأنه- بما آتاه الله من عقل وحكمة، ومن ملك وسلطان- قد اجتمع له من الأسباب ما يمكّن له من الحصول على مسببات لم تجتمع ليد أحد غيره، وفى هذا يقول الله تعالى: «إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً» وليس المراد بقوله تعالى: «مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» العموم والشمول، لجميع الأشياء.. وإنما المراد به كل شىء يصلح به أمره، ويقوم عليه سلطانه.. ومثل هذا قوله تعالى على لسان الهدهد عن ملكة سبأ: «وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ» (٢٣: النمل) ومثله قوله تعالى على لسان سليمان: «يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (١٦: النمل) .. فالمراد بكل شىء فى الموضعين: ما يصلح عليه الأمر، ويتم به نظام الحياة فى المستوي الطيب الكريم..
وثانية الصفتين اللتين يتصف بهما ذو القرنين: أنه مؤمن بالله وأنه أقام هذا الملك الواسع العريض على الحق، والعدل والإحسان، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً»
فهو فى هذه الآيات يخاطب من الله وحيا أو إلهاما، كما أنه فى هذه الآية أيضا يقوم داعية لله يدعو إلى الإيمان بالله.. ثم هو مؤمن بالآخرة وبالجزاء الأخروي، يأخذ الكافرين بالله بالبأساء والضراء فى الدنيا، ثم يدعهم ليلقوا فى الآخرة العذاب الشديد النّكر الذي لا تعرفه الحياة، ولا يذوق مثله الأحياء فى الدنيا..
ومما يدل على إيمانه بالله، ما تكرر على لسانه من إضافته إلى ربّه..
стр. 3140
فيقول: «ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ» .. ويقول: «هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي» ..
ويقول: «فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا» .
[الأسباب التي بين يدى ذى القرنين]
والأسباب هى الوسائل التي يتوسل بها إلى نتائج ومسببات.. وقد تكون هذه النتائج، وتلك المسببات أسبابا إلى نتائج ومسببات.. وهكذا..
أسباب يتوسل بها إلى مسببات، ثم مسبّبات تكون وسائل يتوسل بها إلى مسببات.. ثم تكون هذه المسببات، وسائل إلى مسببات.. فى سلسلة تتصل حلقاتها، ويتكون من كل حلقة منها سلسلة من الأسباب والمسببات..
بحيث ترتبط أحداث الحياة كلها بهذه السلاسل، وتلك الحلقات، كما ترتبط بالشجرة أغصانها، وفروعها، وأوراقها.
وما آتاه الله ذا القرنين من أسباب لكل شىء..
هى تلك الوسائل السليمة الصحيحة، المؤدّية إلى مسبّبات طيبة كريمة، قائمة على الخير والإحسان..
وقد يكون للشىء أكثر من سبب، وأكثر من وسيلة يتوسل بها إليه..
وبعض هذه الأسباب سليم كريم، وبعضها ملتو خبيث..
فالحصول على المال مثلا، يمكن أن يتوسل إليه بالعمل الجادّ، وبالكسب الحلال، كما يمكن أن يتوسّل إليه بأسباب كثيرة فاسدة، كالسّرقة، والغصب، والاحتيال، والنصب، والغشّ، والرّبا.. ونحو هذا..
وفى قوله تعالى: «وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً» إشارة إلى أن الأسباب التي وضعها الله فى يد ذى القرنين، وأقام نظره وقوله عليها، هى الأسباب السليمة الصحيحة المعزولة عن الأسباب الفاسدة الظالمة.. وهذا
стр. 3141
هو السرّ فى النظم الذي جاء عليه النظم القرآنى، من إفراد كلمة «سبب» ، ليكون ذلك إشارة دالة على أنه سبب واحد، متخيّر من بين كل الأسباب، وأنه السبب الصالح السليم فيها، أو هو أصلح وأسلم الأسباب.. ويكون معنى النظم: «وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً» .. أي آتيناه سببا من كل شىء يعالجه، ويعمل فيه، وهو السبب الموصّل إليه على أكمل صورة وأعدلها.. وفى تنكير السبب، ما يغنى عن وصفه، إذ أن هذا التنكير يحمل فى كيانه- مع هذا الأسلوب الذي عليه النظم القرآنى- تنويها به، ورفعا لقدره، واستعلاء بمكانته بين الأسباب المتداخلة معه فى الوصول إلى الغاية المتّجه إليها..
(مغرب الشمس.. ومطلعها)
تحدثت الآيات عن بلوغ ذى القرنين مغرب الشمس، ومطلع الشمس..
وأنه تحرك غربا حتى بلغ مغرب الشمس، وتحرّك شرقا حتى بلغ مطلعها..
وقد حمل ذلك كثيرا من المفسّرين على الخوض فى تحديد المكان الذي تغرب فيه الشمس، والمكان الذي تطلع منه.. وكثير من الخائضين فى هذا الأمر كانوا على علم من هذا الذي نعلمه نحن اليوم من أمر الفلك، وأن الشمس لا تغرب أبدا.. وأنها إذا غربت من أفق من آفاق الأرض كانت فى شروق على أفق آخر من آفاقها..!
وإذا كان القرآن الكريم قد تحدث عن غروب الشمس وشروقها، فهو حديث منظور فيه إلى الواقع المشاهد من حياتنا، فى تعاملنا مع الشمس.. فنحن نراها تغرب وتشرق كل يوم، على الأفق الذي نعيش فيه من الأرض..
فذو القرنين، يرى- كما نرى- الشمس تغرب وتشرق كلّ يوم.. وقد ذكر القرآن الكريم وصفا للمكان الذي بلغه ذو القرنين غربا، والذي كانت
стр. 3142
تغرب فيه الشمس، على مستوى نظره: «وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ» أي أنها كانت فى نظره تسقط وتختفى عند عين حمئة: أي عين ماء فيها طين قد اسودّ كثيرا، وكأنه الحمم.. أو هى «عين حامية» كما قرىء بها.. أي شديدة الحرارة.. وكما وصف القرآن الكريم هنا طبيعة الأرض التي تغرب فيها الشمس، وصف المجتمع البشرى الذي كان يعيش هناك، فقال تعالى: «وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً» ..
فهم قوم غير مؤمنين بالله..
أما مطلع الشمس، فلم يصف القرآن طبيعة الأرض التي تطلع منها، وإنما وصف طبيعة الجماعة الإنسانية كانت التي تقيم هناك.. فقال تعالى: «وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً..» أي أنهم على حال من البدائية، بحيث لا يرتفعون كثيرا عن مستوى الحيوان. فهم عراة أو شبه عراة.. لا تكنّهم بيوت مصنوعة، ولا تسترهم ثياب منسوجة.. يأوون إلى الكهوف والمغارات.
ولهذا اختلف موقف ذى القرنين من الجماعة البشرية، هنا وهناك.. فالجماعة التي وجدها عند مغرب الشمس، كانت على مستوى من الفهم والإدراك، ولديها ما يؤهلها لأن تتحمل التكاليف، وتدعى إلى الإيمان بالله..
ولهذا، وقف عندها ذو القرنين، وامتثل ما أمره الله فيها بقوله سبحانه:
«يا ذَا الْقَرْنَيْنِ: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً» فكان موقف ذى القرنين هنا جامعا الأمرين معا.. «أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً» ..
أما الجماعة التي وجدها عند مطلع الشمس، وهى الجماعة التي كانت فى مرحلة الطفولة الإنسانية، فقد تجاوزها، ولم يقف طويلا عندها، ولم يعرض عليها
стр. 3143
الإيمان بالله، إذ كانت بحيث لا تعقل تلك الدعوة، ولا تجد لها مفهوما، فهى- والحال كذلك- لم تبلغ مبلغ التكليف بعد، وقد تركها تعالج أمورها على ما يقع فى تصورها الطفولىّ، حتى ينضجها الزمن، ويبلغ بها مبلغ الرجال! ولا نقع فيما وقع فيه الذين سبقونا من المفسّرين من الرجم بالغيب حول تحديد المكان الذي غربت عنده، أو طلعت منه، شمس ذى القرنين.. ويكفى أن نشير إلى أنّهما لم يكونا أقصى الأرض غربا، أو أقصاها شرقا.. فقد صرّح القرآن الكريم، بأن ذا القرنين، بعد أن بلغ مطلع الشمس، جاوز هذا المكان، حتى بلغ بين السّدّين.. أي الجبلين، أو الحاجزين، إذ كان كل منهما يحجز ما وراءه عما هو أمامه.. وفى هذا يقول الله تعالى: «ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا» .. وقرىء «يَفْقَهُونَ» بضمّ الياء، وكلا القراءتين على معنى سواء، فى أن القوم ما زالوا فى درجة متأخرة من الإنسانية، وأنهم وإن ارتفعوا قليلا عن هؤلاء القوم الذين صادفهم عند مطلع الشمس إلا أنهم ما زالوا فى مرحلة الصّبا، لا يحتملون تبعات التكاليف، ولهذا كان موقفه منهم موقفا وسطا، فلم يدعهم إلى الإيمان بالله، لأنهم دون مستوى هذه الدعوة، ولم يتركهم وشأنهم، بل أخذهم بشىء من الوقاية والرعاية، حتى يرشدوا ويبلغوا مبلغ الرجال، وهم على وشك أن يبلغوه فأقام لهم هذا السدّ الذي يحميهم من عواصف الشر التي تهبّ عليهم من جيرانهم: «يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» .
(يأجوج.. ومأجوج)
لم يشر القرآن إلى يأجوج ومأجوج بأكثر من هذا الوصف الذي يصفهم به جيرانهم، وأنهم مفسدون فى الأرض، وهم لهذا يطلبون من ذى القرنين أن
стр. 3144
يجعل بينهم وبين هؤلاء المفسدين سدّا، يدفع عنهم عدوانهم..
«قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا» .
- «إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ» .. هذا هو كل ما كشف عنه القرآن من «يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» .
ولكن يظهر أن غرابة الاسم «يأجوج» ومزاوجته مع «مأجوج» الذي يشبهه فى غرابته، قد أغرى المفسّرين، وغيرهم من أصحاب السّير بأن يخلعوا على المسمّى من الصفات الغريبة، والأوصاف العجيبة، مالا يكاد يقع لخيال الذين ألفوا ليالى «ألف ليلة وليلة» : فهم- أي يأجوج ومأجوج- بين طويل يبلغ طوله عشرات الأمتار، أو قصير لا يجاوز ذراعا! وقل مثل هذا فى أفواههم، وأسنانهم، ورءوسهم، وشعورهم، مما لا يكاد يكون إلا فى عالم الشياطين والمردة، فى تصورات الذين يتحدثون عنهما..
إن «يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» هذين الاسمين فى غرابتهما، وازدواجهما كانا مادة خصبة لتوليد الصور الغريبة، وتأليف الروايات المختلفة، حتى يستقيم المسمّى على دلالة الاسم، وحتى لقد سمح الخيال بأن يقال: إن هذين الاسمين عربيان، وإن يأجوج، مشتق من أجيج النار، وهو هذا الصوت الرهيب الذي تشهق به النار حين يتأجج وقودها ويندلع لهيبها.. كما أن مأجوج، مشتق من الموج والاضطراب.. يقال ماج البحر: أي اضطرب وهاج..!
ولعلّ أغرب ما قيل فى هذا المقام من مقولات، أن آدم كان قد احتلم، فوقعت نطفته على الأرض، وكان أن تخلّق من هذه النطفة كائن هو الأب الأكبر لهؤلاء القوم!!
стр. 3145
وهذا وكثير كثير غيره مما قيل فى يأجوج ومأجوج، هو- كما قلنا- بعيد غاية البعد عن منطوق القرآن، كما أنه بعيد غاية البعد عن الحقيقة الممكن تصورها.. فما عرف فى التاريخ البعيد، أو القريب، جماعة بشرية لها شىء من هذه الأوصاف.. وما عرف فى أبناء آدم هذا التفاوت البعيد فى الصفات الجسدية، وإن وجد بينهم تغاير فى الألوان، وفى الأخلاق والعادات، وتفاوت فى العقول والملكات.. ولكن مع هذا التغاير وذلك التفاوت- لا يبدو منهم جميعا ما يقطع نسب بعضهم عن بعض، ولا يدفع نسبة بعضهم إلى بعض..
وعلى هذا، فإنا نقول بأن «يأجوج ومأجوج» هما جماعة أو جماعات من تلك القبائل المتخلفة، التي تسكن الآجام والغابات، وتأوى إلى الكهوف والمغارات، والتي لم تبعد كثيرا عن حياة الحيوانات المتوحشة المفترسة، وتسبب كثيرا من القلق والإزعاج للجماعات القريبة منها والتي أخذت حظا من المدنية والعمران..
وحسبنا أن نذكر هنا المغول وما أحدثوا من إفساد للحضارة الإسلامية، مما لم تحدثه أعظم الزلازل، وأعتى الأوبئة وأشدها هولا وفتكا..!
(السد، وما أقيم منه)
كان السدّ الذي أقامه ذو القرنين، استجابة للقوم الذين لقاهم بين السدين- كان أقل أحداث هذه القصة إثارة للبحث، وتوليدا للصور والخيالات..
وذلك أن القرآن الكريم قد تحدث عن هذا السدّ بشىء من التفصيل، لم يدع لأصحاب الخيال أن ينطلقوا بخيالاتهم فيه إلى مدى بعيد..
وفى هذا يقول الله تعالى:
«قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ.. فَهَلْ
стр. 3146
نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا؟» .
«قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً» .
«آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ.. حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا.. حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً» ..
هذه هى قصة إقامة «الردم» كما سماه ذو القرنين، أو «السد» كما طلبه القوم..
إن مادته من قطع الحديد، التي جمعها القوم من كل مكان. وجعلوا منها جسرا كبيرا يسدّ الفراغ الذي كان بين الجبلين، والذي كان ينفذ منه يأجوج ومأجوج إلى القوم..
وقد أمر ذو القرنين القوم أن يوقدوا على هذا الحديد، النار، وأن يستعملوا المنافيخ كى يشتدّ اشتعال النار. وينصهر الحديد..
فلما تم له ذلك، دعا القوم إلى أن يأتوا (بالقطر) وهو النحاس المذاب، فيفرغوه فوق هذا الحديد المنصهر، فيمسك بعضه ببعض، كما يفعل الملاط بأحجار البناء..
ولا شك أن الحديد لم يكن هو كل مادة البناء التي بنى بها «الردم» ..
وإنما كان هو العنصر القوى فيها، بل هو كذلك العنصر الغريب غير المألوف فى البناء..
ولهذا اختص بالذكر.. وهناك الأحجار، والرمال، وغيرها مما اتخذ فى مادة البناء مع الحديد، والتي بها أمكن تسوية السدّ، وإلا لو كان السدّ حديدا حالصا لا حتاج إلى مالا تحتمله الطاقة البشرية، وخاصة فى هذا الزمن البعيد، مع تلك الوسائل البدائية المحدودة للحصول عليه..
стр. 3147
ومن تمام هذا التدبير الحكيم فى إقامة «الردم» أن يختبر، وأن يرى منه القوم ثمرة هذا الجهد العظيم الشاق الذي بذلوه فيه..
وقد رأى القوم رأى العين الأثر العظيم الذي كان لهذا «الردم» .. فقد مضت الأيام، والشهور، دون أن يطرقهم طارق من هذا الشرّ الذي كان يبغتهم مصبحين وممسين، وكذلك رغم المحاولات التي بذلها يأجوج ومأجوج، لتسلقه، أو إحداث نقب أو ثقب فيه، ينفذون منه، كما يقول تعالى:
«فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً» هذا هو الذي نطق به لسان الحال، وتحدث به القوم..
وحين رأى ذو القرنين هذا قال:
«هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا» .
أي أن هذا الرّدم، هو رحمة من رحمة الله ساقها الله ، إلى هؤلاء القوم على يديه..
ووعد الله هنا، قد يكون مرادا به يوم القيامة، وقد يكون مرادا به الأجل المقدور فى علم الله لبقاء هذا الرّدم.. والرأى الأول هو الأولى، إذ كانت الآية التالية لهذه تومىء إليه، وهو قوله تعالى: «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً» ..
وهذا يعنى أن هذا الرّدم قد صار أشبه بجبل من تلك الجبال المتصلة به من طرفيه، وأنه باق ما بقيت فإذا جاءت أشراط الساعة، دك هذا الردم ودكت الجبال كلها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى سورة أخرى:
«وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً» (١٤: الحاقة) .
стр. 3148
وهكذا تنتهى مسيرة ذى القرنين، يصحبه فيها عقل حكيم، وقلب سليم، متخذا إلى غاياته الأسباب المستقيمة مع العدل والإحسان..
إنه يضع فى مسيرته تلك آثار أقدام الإنسان الرشيد، المهتدى بعقله، الموقظ لضميره.. فكاد الإنسان بتحريك ملكاته، وإطلاق قوى الخير فيه- كاد- يتعادل ميزانه مع ميزان الإنسان الذي يتلقى فيوض العلم العلوي ويقيم خطواته على هديها..
وهكذا يستطيع الإنسان أن يثبت أنه كائن له إلى العالم العلوي سبيل، وأن بينه وبين الملأ الأعلى طريقا يصل ما بين الأرض والسماء..!!
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى ما بين قصة ذى القرنين، وقصة العبد الصالح من تلاق وتوافق فى أكثر من وجه.. كما أشرنا إلى ذلك من قبل..
والذي نود أن نشير إليه هنا من وجوه هذا التلاقي والتوافق، هو ما جاء فى قصة العبد الصالح من قوله لموسى، حين أراد فراقه: «سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» فلما نبأه بتأويل هذا قال له: «ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» ..
وهنا فى قصة ذى القرنين يجىء قوله تعالى: «فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً» .
فيجىء فعل الاستطاعة فى القصتين، بتاء المطاوعة مرة، ويجىء بغير التاء مرة أخرى..
وقد قلنا إن هذه التاء تدل على زيادة فى الشدة والقسوة، حيث يفترق بها فعل عن فعل..
التفسير:
قوله تعالى: «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً» .
هو معطوف على قوله تعالى: «فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا» .. أي أنه إذا جاء الأجل الموقوت عند الله لقيام- هذا السدّ وبقائه- دكّ هذا الرّدم الذي أقامه ذو القرنين، وانطلقت جماعات يأجوج ومأجوج إلى ما كانت تنطلق إليه من قبل، ونفذت إلى هؤلاء القوم الذين احتموا من عدوانهم بهذا الردم.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ..» (٩٦- ٩٧: الأنبياء) .
- فقوله تعالى: «وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ» يبيّن ما سيقع فى هذا اليوم، أي اليوم الذي يأذن فيه الله بزوال هذا السدّ من مكانه، ونهاية دوره.. ففى هذا اليوم- وهو أيام وأعوام- تتبدل معالم الأرض، وينهال هذا الردم، ويفتح السدّ فيما بين يأجوج ومأجوج، وبين الجماعات المتحضرة التي كانت فى حماية بهذا السدّ من فسادها.. وعندئذ يختلط بعضهم ببعض، ويموج بعضهم فى بعض، وتعصف بهم عواصف الشرّ والفساد حتى يفنى بعضهم بعضا. ثم بعد قليل أو كثير من الزمن، ينفخ فى الصور، فيبعث الموتى من قبورهم، ويساقون إلى المحشر، وعندئذ يرى الكافرون جهنم بارزة، يتلظى لهيبها.. كما يقول سبحانه: «وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً» (٥٣: الكهف) .
стр. 3151
- وقوله تعالى: «الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً» هو وصف كاشف لهؤلاء الكافرين، الذين عرضت عليهم جهنم عرضا تنخلع منه قلوبهم فزعا، وتمتلىء به نفوسهم رعبا.. فهؤلاء الكافرون كانوا فى غفلة عن الله، وعن دعوة الحق التي كان يحملها إليهم رسل الله.. إذ كانت أعينهم فى غطاء عن ذكر الله، فلم ينظروا فيما خلق الله فى السموات والأرض.. ثم إنهم إذ عموا عن آيات الله، ولم تتجه إليها عقولهم، ولم تتفتح لها قلوبهم- أصمّوا آذانهم عن آيات الله التي يحدثهم بها رسل الله..
- وفى قوله تعالى: «وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً» إشارة إلى ما ختم الله به على سمعهم.. فهم- والحال كذلك- مصابون بهذا الصمم عن كل ما هو حق وعدل، وخير.. أما ما كان من واردات السوء، والشرّ، فهم أسمع الناس له، وأكثرهم استجابة لندائه..
قوله تعالى: «أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ.. إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا» .
المراد بالذين كفروا هنا، هم اليهود والنصارى، ومن كان على شاكلتهم، ممن ألّهوا غير الله، من عباده، كما قالت اليهود عزير ابن الله، وكما قالت النصارى، المسيح ابن الله..
فهؤلاء، وإن كانوا أهل كتاب، قد خرجوا على تعاليم كتبهم، وأفسدوا المعتقد الصحيح، الذي جاءهم به رسل الله، فاتخذوا من عباد الله آلهة، وجعلوا ولاءهم لهم، من دون الله..
وفى النظم القرآنى حذف دلّ عليه السّياق، وتقديره: أحسب الذين
стр. 3152
كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى أولياء، ثم لا يلقون جزاء هذا العمل الفاسد الأثيم؟ كلا.. «إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا» وإذ كانوا يعملهم هذا قد دخلوا مداخل الكفر، وأصبحوا فى زمرة الكافرين، فإن جزاءهم هو جزاء الكافرين، ولا جزاء للكافرين إلّا جهنم التي جعلها الله المنزل الذي ينزلونه يوم الدّين..
قوله تعالى:
«قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً» .
الاستفهام هنا خبرى، يراد به الكشف عن المجرمين، وعن الطريق الذي ركبوه، حتى وصلوا إلى هذا الذي هم فيه من كفر وضلال.
وفى سوق الخبر فى مساق الاستفهام، إثارة الانتباه إلى ما وراء هذا الاستفهام من جواب عليه.. ولو جاء الخبر مباشرا لما كان له هذا الوقع على النفس، حين تتلقاه بعد هذا الاستفهام المثير لحبّ الاستطلاع! والآيتان تقرران حكما هو: أن أخسر الناس أعمالا، وأبخسهم حظا بما عملوا، هم هؤلاء الذين يركبون الطريق المعوج، طريق الضلال، وهى فى حسابهم وتقديرهم أنها طريق خير وفلاح.. فمثل هؤلاء لا يرجى لفسادهم صلاح أبدا، إذ لا تكون منهم لفتة إلى أنفسهم، ولا نظر إلى ما هم فيه من سوء، حيث يرون أنهم على أحسن حال وأقوم سبيل! إن الذي يركب الشرّ، وهو عالم أنه على طريق الشر، لا يعيش مع نفسه
стр. 3153
فى حال من السّلم والرضا، بل يظل هكذا قلقا، مضطربا، من تلك الحال التي هو عليها.. وقد يبلغ به الأمر إلى حد يستطيع معه أن يكسر القيد الذي قيّده به ضعفه، فى مواجهة شهوات نفسه الأمارة بالسوء، وعندها يجد أنّه قادر على التحرك فى الاتجاه الصحيح الذي كان يهمّ به، ولا يستطيعه.. فما أكثر ما يعرف الناس أنهم على غير طريق الهدى، وأن ما هم فيه من ضلال، هو من واردات الضعف المستولى عليهم، وأنهم- والحال كذلك- يودّون لو كانت بهم قوة تمكن لهم من تخطى هذه الحدود التي أقامهم فيها ضعف العزيمة، وغلبة الهوى.. كما يقول الشاعر:
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
أما من يركب الضلال، ويأتى المنكر، وهو على هذا الفهم السقيم، الذي يزين له الباطل، ويبيح له المنكر- فإنه لن ينتهى أبدا عن غيه، ولن يفيق أبدا من سكرة ضلاله.. وفى هذا يقول الحق ﵎:
«أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» (٨: فاطر) ويقول سبحانه: «كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (١٢: يونس) .
فهؤلاء الذين زين لهم سوء عملهم، فلم يروا ما هم فيه من كفر وضلال، فمضوا فى كفرهم وضلالهم، ولم يستمعوا لنصح ناصح، ولم يستجيبوا لدعوة داع يدعوهم إلى الهدى، وينذرهم بلقاء يومهم هذا- هؤلاء الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه، لن يقام لأعمالهم وزن يوم القيامة: «إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (١٣٩: الأعراف) .
وفى الآيتين إشارة إلى هذا المعتقد الفاسد الذي يعتقده المعتقدون بألوهية عزير، والمسيح.. فهم- مع هذا المعتقد- على يقين بأنهم على الحق، وأنهم
стр. 3154
إنما يرجعون فى معتقدهم هذا إلى نصوص من كتبهم المقدسة، التي أوّلوها هذا التأويل الفاسد، الذي أقام لهم من عباد الله آلهة يعبدونها من دون الله.
- وفى قوله تعالى: «ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ» الإشارة إلى الجزاء الذي يجازى به هؤلاء الكافرون.. فاسم الإشارة مبتدأ، وجزاؤهم خبر، وجهنّم بيان لهذا الجزاء، وكأنه جواب عن سؤال هو: ما جزاؤهم هذا؟ فكان الجواب:
جهنم..
وهذا الجزاء سببه كفرهم بالله، واتخاذهم آياته ورسله هزوا.. فقد استهزءوا بآيات الله التي بين أيديهم، فحرفوا وبدلوا فيها، وتأوّلوا ما أبقوا عليه منها تأويلا فاسدا.. وكما استهزءوا بآيات الله بهذا المسخ الذي غيّروا به وجوهها، استهزءوا برسل الله، إذ غيّروا وجوههم، وألبسوها أقنعة تثير الضحك والسخرية، حيث يبدو الإنسان مسخا هزيلا، وشبحا باهتا، ودخانا متصاعدا يمثل إنسانا قدماه على الأرض، ورأسه فى السماء! قوله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا» .
فى هاتين الآيتين، عرض للصورة الكريمة، التي يكون عليها المؤمنون يوم القيامة، وللجزاء الكريم الذي يلقونه يوم الجزاء.. فعلى حين يصلى الكافرون العذاب الأليم، ينعم المؤمنون بنعيم الجنّة ورضوان الله، وفى هذا ما يزيد من حسرة الكافرين، ويضاعف من عذابهم، بالقدر الذي يزيد من نعيم المؤمنين، ويضاعف من سرورهم ورضوانهم.
قوله تعالى:
стр. 3155
«قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» ..
هو بيان لقدرة الله، ونفوذ سلطانه، وتفرده بالألوهية.. وأن كلماته، وهى التي تنفذ بها مشيئته فى خلقه، لا تنفد أبدا، يقول الحق جلّ وعلا للأمر «كُنْ فَيَكُونُ» .. وهذا يعنى دوام الأمر والخلق أبدا.. كما يقول سبحانه:
«أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.. تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» (٥٤: الأعراف) .
- وقوله تعالى: «لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي» هو مثل قوله تعالى:
«وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ» (٢٧: لقمان) وهذا كله تصوير لقدرة الله، وبسطة سلطانه، وقيوميته على كل شىء.
قوله تعالى:
«قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً» .
بهذه الآية تختم سورة الكهف، بتقرير بشريّة الرسول، وأنه وجميع رسل الله، ليسوا إلا خلقا من خلق الله، وعبيدا من عبيده، اختصهم الله برحمته، واصطفاهم لرسالته..
وكما تقرر الآية بشريّة الرسول، تقرّر الطريق السّوىّ الذي ينبغى أن يستقيم عليه الإنسان كى يكون فى عباده الله الصالحين المؤمنين.. وهذا الطريق إنما يقوم على الإيمان بالله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح، الذي لا يجد الإنسان غيره فى هذا اليوم، مركبا يدفع به إلى شاطىء الأمن والسلام، ويفتح له أبواب الجنة والرضوان..