← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

- وقوله تعالى: «الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً» هو وصف كاشف لهؤلاء الكافرين، الذين عرضت عليهم جهنم عرضا تنخلع منه قلوبهم فزعا، وتمتلىء به نفوسهم رعبا.. فهؤلاء الكافرون كانوا فى غفلة عن الله، وعن دعوة الحق التي كان يحملها إليهم رسل الله.. إذ كانت أعينهم فى غطاء عن ذكر الله، فلم ينظروا فيما خلق الله فى السموات والأرض.. ثم إنهم إذ عموا عن آيات الله، ولم تتجه إليها عقولهم، ولم تتفتح لها قلوبهم- أصمّوا آذانهم عن آيات الله التي يحدثهم بها رسل الله.. - وفى قوله تعالى: «وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً» إشارة إلى ما ختم الله به على سمعهم.. فهم- والحال كذلك- مصابون بهذا الصمم عن كل ما هو حق وعدل، وخير.. أما ما كان من واردات السوء، والشرّ، فهم أسمع الناس له، وأكثرهم استجابة لندائه.. قوله تعالى: «أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ.. إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا» . المراد بالذين كفروا هنا، هم اليهود والنصارى، ومن كان على شاكلتهم، ممن ألّهوا غير الله، من عباده، كما قالت اليهود عزير ابن الله، وكما قالت النصارى، المسيح ابن الله.. فهؤلاء، وإن كانوا أهل كتاب، قد خرجوا على تعاليم كتبهم، وأفسدوا المعتقد الصحيح، الذي جاءهم به رسل الله، فاتخذوا من عباد الله آلهة، وجعلوا ولاءهم لهم، من دون الله.. وفى النظم القرآنى حذف دلّ عليه السّياق، وتقديره: أحسب الذين

стр. 3152

كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى أولياء، ثم لا يلقون جزاء هذا العمل الفاسد الأثيم؟ كلا.. «إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا» وإذ كانوا يعملهم هذا قد دخلوا مداخل الكفر، وأصبحوا فى زمرة الكافرين، فإن جزاءهم هو جزاء الكافرين، ولا جزاء للكافرين إلّا جهنم التي جعلها الله المنزل الذي ينزلونه يوم الدّين.. قوله تعالى: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً» . الاستفهام هنا خبرى، يراد به الكشف عن المجرمين، وعن الطريق الذي ركبوه، حتى وصلوا إلى هذا الذي هم فيه من كفر وضلال. وفى سوق الخبر فى مساق الاستفهام، إثارة الانتباه إلى ما وراء هذا الاستفهام من جواب عليه.. ولو جاء الخبر مباشرا لما كان له هذا الوقع على النفس، حين تتلقاه بعد هذا الاستفهام المثير لحبّ الاستطلاع! والآيتان تقرران حكما هو: أن أخسر الناس أعمالا، وأبخسهم حظا بما عملوا، هم هؤلاء الذين يركبون الطريق المعوج، طريق الضلال، وهى فى حسابهم وتقديرهم أنها طريق خير وفلاح.. فمثل هؤلاء لا يرجى لفسادهم صلاح أبدا، إذ لا تكون منهم لفتة إلى أنفسهم، ولا نظر إلى ما هم فيه من سوء، حيث يرون أنهم على أحسن حال وأقوم سبيل! إن الذي يركب الشرّ، وهو عالم أنه على طريق الشر، لا يعيش مع نفسه

стр. 3153

فى حال من السّلم والرضا، بل يظل هكذا قلقا، مضطربا، من تلك الحال التي هو عليها.. وقد يبلغ به الأمر إلى حد يستطيع معه أن يكسر القيد الذي قيّده به ضعفه، فى مواجهة شهوات نفسه الأمارة بالسوء، وعندها يجد أنّه قادر على التحرك فى الاتجاه الصحيح الذي كان يهمّ به، ولا يستطيعه.. فما أكثر ما يعرف الناس أنهم على غير طريق الهدى، وأن ما هم فيه من ضلال، هو من واردات الضعف المستولى عليهم، وأنهم- والحال كذلك- يودّون لو كانت بهم قوة تمكن لهم من تخطى هذه الحدود التي أقامهم فيها ضعف العزيمة، وغلبة الهوى.. كما يقول الشاعر: أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان أما من يركب الضلال، ويأتى المنكر، وهو على هذا الفهم السقيم، الذي يزين له الباطل، ويبيح له المنكر- فإنه لن ينتهى أبدا عن غيه، ولن يفيق أبدا من سكرة ضلاله.. وفى هذا يقول الحق ﵎: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» (٨: فاطر) ويقول سبحانه: «كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (١٢: يونس) . فهؤلاء الذين زين لهم سوء عملهم، فلم يروا ما هم فيه من كفر وضلال، فمضوا فى كفرهم وضلالهم، ولم يستمعوا لنصح ناصح، ولم يستجيبوا لدعوة داع يدعوهم إلى الهدى، وينذرهم بلقاء يومهم هذا- هؤلاء الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه، لن يقام لأعمالهم وزن يوم القيامة: «إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (١٣٩: الأعراف) . وفى الآيتين إشارة إلى هذا المعتقد الفاسد الذي يعتقده المعتقدون بألوهية عزير، والمسيح.. فهم- مع هذا المعتقد- على يقين بأنهم على الحق، وأنهم

стр. 3154

إنما يرجعون فى معتقدهم هذا إلى نصوص من كتبهم المقدسة، التي أوّلوها هذا التأويل الفاسد، الذي أقام لهم من عباد الله آلهة يعبدونها من دون الله. - وفى قوله تعالى: «ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ» الإشارة إلى الجزاء الذي يجازى به هؤلاء الكافرون.. فاسم الإشارة مبتدأ، وجزاؤهم خبر، وجهنّم بيان لهذا الجزاء، وكأنه جواب عن سؤال هو: ما جزاؤهم هذا؟ فكان الجواب: جهنم.. وهذا الجزاء سببه كفرهم بالله، واتخاذهم آياته ورسله هزوا.. فقد استهزءوا بآيات الله التي بين أيديهم، فحرفوا وبدلوا فيها، وتأوّلوا ما أبقوا عليه منها تأويلا فاسدا.. وكما استهزءوا بآيات الله بهذا المسخ الذي غيّروا به وجوهها، استهزءوا برسل الله، إذ غيّروا وجوههم، وألبسوها أقنعة تثير الضحك والسخرية، حيث يبدو الإنسان مسخا هزيلا، وشبحا باهتا، ودخانا متصاعدا يمثل إنسانا قدماه على الأرض، ورأسه فى السماء! قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا» . فى هاتين الآيتين، عرض للصورة الكريمة، التي يكون عليها المؤمنون يوم القيامة، وللجزاء الكريم الذي يلقونه يوم الجزاء.. فعلى حين يصلى الكافرون العذاب الأليم، ينعم المؤمنون بنعيم الجنّة ورضوان الله، وفى هذا ما يزيد من حسرة الكافرين، ويضاعف من عذابهم، بالقدر الذي يزيد من نعيم المؤمنين، ويضاعف من سرورهم ورضوانهم. قوله تعالى:

стр. 3155

«قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» .. هو بيان لقدرة الله، ونفوذ سلطانه، وتفرده بالألوهية.. وأن كلماته، وهى التي تنفذ بها مشيئته فى خلقه، لا تنفد أبدا، يقول الحق جلّ وعلا للأمر «كُنْ فَيَكُونُ» .. وهذا يعنى دوام الأمر والخلق أبدا.. كما يقول سبحانه: «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.. تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» (٥٤: الأعراف) . - وقوله تعالى: «لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي» هو مثل قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ» (٢٧: لقمان) وهذا كله تصوير لقدرة الله، وبسطة سلطانه، وقيوميته على كل شىء. قوله تعالى: «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً» . بهذه الآية تختم سورة الكهف، بتقرير بشريّة الرسول، وأنه وجميع رسل الله، ليسوا إلا خلقا من خلق الله، وعبيدا من عبيده، اختصهم الله برحمته، واصطفاهم لرسالته.. وكما تقرر الآية بشريّة الرسول، تقرّر الطريق السّوىّ الذي ينبغى أن يستقيم عليه الإنسان كى يكون فى عباده الله الصالحين المؤمنين.. وهذا الطريق إنما يقوم على الإيمان بالله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح، الذي لا يجد الإنسان غيره فى هذا اليوم، مركبا يدفع به إلى شاطىء الأمن والسلام، ويفتح له أبواب الجنة والرضوان..

стр. 3156

ويلتقى ختام السورة مع بدئها.. فى تقرير وحدانية الله، وتنزيهه عن الشريك والولد.. فقد جاء بدؤها: «لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً» وهكذا يجىء ختامها: «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً» . فإذا ادعى المدّعون من أهل الكتاب، أو غيرهم، أن لله ولدا، من هؤلاء الذين اصطفاهم الله لرسالته، وآتاهم من فضله، ما زاغت به عيون الضالين، حتى حسبوا أن هذا الاصطفاء وهذا الفضل، هو لقرابة أو نسب لله- إذا ادعى المدّعون الضالون نسبة أحد إلى الله، فإن محمدا براء من هذا، وبرىء ممن يضعه بهذا الموضع.. فما هو إلّا بشر من البشر، وإنسان من الناس، وعبد من عباد الله، وأنه إذا كان يدعو الناس إلى الله بكلمات الله التي معه، فذلك من فضل الله عليه، وهذه الكلمات التي يدعو بها إنما هى وحي أوحاه الله إليه، لهداية الناس، وخيرهم وسلامتهم.

стр. 3157

١٩- سورة مريم نزولها: مكية.. وقيل إلا بعض الآيات منها فمدنية عدد آياتها: ثمان وتسعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الآيات: (١- ٦) [سورة مريم (١٩) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) التفسير: مناسبة هذه السورة لسورة الكهف قبلها، أنها اشتملت على آيات وخوارق، على نحو ما اشتملت عليه سورة الكهف، التي ضمّت على هذه الآيات العجيبة.. فى أصحاب الكهف، وفى صاحب الجنّتين، وفى موسى، والعبد الصالح.. ثم فى ذى القرنين، وما جرى على يديه!. وفى سورة مريم هذه، تعرض السورة آيات من قدرة الله، نجدها فى استجابته سبحانه لدعوة عبد من عباده هو زكريّا ﵇، إذ رزقه الولد على الكبر، وعلى ما كان من امرأته من عقم.. كما نجد تلك الآية العجيبة فى ميلاد المسيح- ﵇ من غير أب!

стр. 3158

كما نجد المناسبة أيضا: بين قوله تعالى: فى آخر سورة الكهف: «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» وبين قوله تعالى فى مطلع سورة مريم: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ ... » إلى قوله تعالى: «ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ» .. فعيسى ﵇، ليس إلا كلمة من كلمات الله التي لا تنفد.. كما يقول سبحانه: «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ» (١٧١: النساء) . قوله تعالى: «كهيعص» ... بهذه الأحرف الخمسة تبدأ السورة، وهى تكاد تكون فريدة فى هذا البدء، بذلك العدد الكثير من الحروف، لا يشاركها فى هذا إلا سورة الشورى، فقد بدأت مثلها بخمسة أحرف مرتبة على هذا النحو: «حم عسق» .. وقد انفردت كل منهما بأربعة أحرف، واشتركتا معا فى حرف واحد هو العين. ولا نستطيع أن نعل لهذه الكثرة من الحروف، فذلك وجه من وجوه إعجاز القرآن الذي لا يزال سرا محجبا لم ينكشف لنا. وإن يكن قد انكشف للراسخين فى العلم، فجعلوه سرا، لم يؤذن لهم البوح به! قوله تعالى: «ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا» . - «ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ» «ذكر» خبر لمبتدأ محذوف تقديره، هذا، و «عبده» مفعول به للمصدر «ذكر» و «زكريا» بدل من «عبده» . - ومعنى «ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ» أي: هذا خبر رحمة ربك، وألطافه بعبده زكريا..

стр. 3159

- وقوله تعالى: «إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا» بيان للظرف الذي كانت فيه مهابّ أنسام هذه الرحمة ... وإذ كانت رحمة الله لا تنقطع عن عباده المؤمنين وخاصة من اصطفاهم لرسالته، فإن ذكر الرحمة، والحديث عنها فى هذا الظرف، هو لبيان مزيد هذه الرحمة ومجيئها فى صورة، تكاد- لما حملت من ألطاف- تكون رحمة خاصة تستحق الذكر والتنويه. والنداء هنا معناه: الدعاء، كما ذكر ذلك فى قوله تعالى: «هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ» (٣٨: آل عمران) . والنداء الخفي: هو الدعاء فى سرّ، دون جهر ومعالنة.. إذ كان ذلك فيما بينه وبين ربه.. بعيدا عن أعين الناس، وأسماع الناس. وقد يكون هذا الدعاء من خواطر النفس، وأمانىّ الفؤاد. ومع ذلك فإن الله ، قد سمعه، وعلمه، وجعله قولا مصوّرا فى كلمات، منطوقا باللسان.. وهذا هو ما يشير إليه قوله تعالى: «قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» . هذا هو الدعاء الذي دعا به زكريا ربه.. وقد بدأه أولا بهذا التذلل والتشكّى إلى الله.. وفى هذا الموقف، يقف العبد من ربه الموقف الذي ينبغى أن يكونه.. فهو عبد ضعيف، فقير، ذليل، بين يدى السيد القوى العزيز.. من بيده ملكوت السموات والأرض. وهكذا ينبغى أن يكون الأدب من العبد بين يدى ربه.. وبهذا يكون فى معرض من أن يؤذن له بالقرب من ربه، وأن يلقى الرضا والقبول.

стр. 3160

- «إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً» . ووهن العظم، ضعفه ودقته.. وإذا ضعف عظم الإنسان ووهى، أو شك أن ينهار بنيانه، وأن تنقض أركانه.. فهيكل الإنسان هو هذا العظم، الذي يقوم به شكله، وتتحدد به هيئته.. وقوله: «وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي» أبلغ فى الإبانة عن الضعف، وذهاب القوة، من قوله: «وهن عظمى» .. إذ أن القول الأول يشير إلى أنه لا عظم معه، بل لقد ذهب هذا العظم، وما بقي منه فإنه لا غناء فيه.. أما القول الآخر فإنه يحدّث عن أن معه عظما، وأنه لا زال يملكه ويحرص عليه.. - وقوله: «وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً» أبلغ كذلك فى الإبانة عن استيلاء الشيب على الرأس كلّه، من قوله: «واشتعل رأسى شيبا» .. فإن فى النظم الذي جاء عليه القرآن دلالة على أن هذا الرأس كائن غريب يكاد ينكره صاحبه، لأنه أصبح بهذا الشيب على صورة غير تلك الصورة التي عهده صاحبه عليه منذ عرف أن له رأسا.. فهذا الرأس كان أسود الشعر، أو أصفره.. ثم ها هو ذا يراه وقد استحال إلى بياض معتم، كرماد تخلّف من النّار! - وقوله: «وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا» استحضار لما لله من سوابق الإحسان، وسوابغ الفضل على هذا العبد.. فما خذله ربّه أبدا، فى أي موقف لجأ إليه فيه، وما ردّ ربه يده فارغة فى أىّ حال مدّ إليه يده فيها.. وهو فى هذه المرّة على رجاء من أن يستجاب له فى يومه، كما استجيب له فى أمسه! - وقوله: «وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» . هنا- وبعد أن أدّى زكريّا ما يجب من الولاء لربّه، واللّجأ إلى فضله وإحسانه،

стр. 3161

وهو ما ينبغى أن يؤديه العبد لسيده ومالك أمره- هنا يبدأ زكريا يعرض حاجته، ويكشف عن الحال الداعية إلى هذا الطلب، الذي مدّ به يده إلى ربّه.. إنّه لا ولد له، والولد رغيبة تهفو إليها نفوس الآباء والأمهات، لا فرق فى هذا بين إنسان وإنسان، حيث يجد المرء فى الولد امتدادا لحياته، وروحا لروحه، وأنسا لقلبه..! وقد كان زكريا- شأنه شأن كل رجل- يرجو أن يكون له ولد من صلبه، يتلقّى عنه رسالته فى الحياة من بعده، وهاهوذا قد بلغ من الكبر عتيّا، ولم يرزق الولد، وهو يرى من أهله وقرابته، من ينتظر موته ليرث مخلّفاته، وكانوا شرار بنى إسرائيل.. فحزن لهذا، واشتدت رغبته فى الولد، ليقطع به على هؤلاء الطامعين فيه، والمتعجلين موته- آمالهم.. ولكن أنّي يكون له ولد، وقد بلغ من الكبر ما بلغ، إلى ما عليه امرأته من عقم؟ ولم يكن بين يدى زكريا إلّا هذه الخواطر، يردّدها فى صدره، ويتعزّى بها بينه وبين نفسه، ويدعو ربّه أن يجعل من هذه الخواطر، واقعا فى يده. - وفى قوله: «يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» .. ما يسأل عنه.. وهو: كيف يطلب أن يكون له ولد يرثه، والأنبياء لا تورث.. كما فى الحديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث.. ما تركناه صدقة» ؟ والجواب على هذا، هو أن الميراث، هنا ليس ميراث مال، ولا متاع، وإنما هو ميراث خلافة، يقوم فيها الخلف مقام السّلف.. حيث يكون الولد وارثا لاسم أبيه، وأصلا سلسلة النسب الممتدة من الأجداد، إلى الآباء، إلى الأبناء..

стр. 3162

الآيات: (٧- ١٥) [سورة مريم (١٩) : الآيات ٧ الى ١٥] يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) التفسير: فى هذه الآيات نجد ما يأتى: أولا: قد استجاب الله لزكريا ما طلب، وهو فى مقام الدعاء لم يبرحه بعد.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى آية أخرى: «فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى» (٣٩: آل عمران) كما يشير إلى هذا أيضا، ما جاء عليه النظم القرآنى فى هذه الآية، حيث لم تصدّر بقول، بل جاءت بمقول القول هكذا: «يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى» .. وهذا يعنى أن زكريّا كان فى مقام التخاطب مع الله .. فهو يدعو، والله يسمع ويجيب. وثانيا: أن الله ، هو الذي اختار للولد اسمه، فسمّاه «يحيى» .. وهو اسم لم يسمّ به أحد قبله.. وفى تسميته بيحيى، إشارة إلى أنه سيبقى له ذكر مخلّد فى هذه الحياة، وأن

стр. 3163

حياته ستمتدّ بعد موته، بما يجرى على ألسنة الناس من ذكره، فى مقام الحمد والثناء..! وثالثا: أن عجب زكريّا ودهشه من أن يولد له ولد، وهو يعلم أن الله سبحانه لا يعجزه شىء، وأنه إذ يعلم هذا فقد طلب الولد، وهو فى حال لا يولد منه ومن امرأته العقيم ولد- نقول: إن عجبه ودهشه لم يكن متوجها إلى الله سبحانه وإلى قدرته، وإنّما كان عجبا ودهشا من نفسه ومن زوجه أن يكون لهما ولد، وأن يراهما الناس وقد ولد لهما بعد هذا الزمن الطويل الذي عاشاه بغير ولد.. وقد جاء قوله تعالى: «قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً» - جاء هذا القول من الله تعالى، ليسكن به قلب زكريّا الذي طارت به الفرحة، واستبدّت به المفاجأة بهذا الأمر العجيب! ورابعا: استعجل «زكريا» الإمساك بهذا الولد الذي كان حلم حياته، فأراد ألّا يخرج من هذا المقام الذي هو فيه، دون أن يكون بين يديه أثر من هذا الولد، يمسك به، ويتعلل بالحياة معه، حتى يحين مولده، ولهذا قال: «رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً» ! فهو يريد الآية التي يرى من خلالها وجه هذا الغلام، الذي طال انتظاره له.. فجاء قوله تعالى: «آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا» .. فكانت آيته أن يحبس الله لسانه عن الكلام لغير علة ثلاثة أيام، وثلاث ليال كاملة، لا يتعامل مع الناس فيها إلا بالرمز والإشارة.. وقد جعل بعض المفسّرين هذه الآية ضربا من الأدب، أو نوعا من العقوبة لزكريا، على اعتبار أن طلب الآية إنما هو لطلب اليقين من قدرة الله! وهذا فهم لا يستقيم، مع تلك النعم، وهذه الألطاف التي يفيضها الله على عبده زكريا..

стр. 3164

والفهم الذي نستربح له هنا، هو أن هذا الصوم عن الكلام إنما كان عبادة يتقرب بها زكريّا إلى الله، إزاء تلك النعمة التي أنعم الله بها عليه.. ثم هو إشارة إلى الناس الذين سيطلع عليهم زكريا بأن حدثا عجيبا سيحدث، وأنهم فى وجه معجزة، وشيكة الوقوع.. وهذا ما كان من موقف مريم حين ولدت عيسى، فقد أمرها الله ، أن تلقى قومها صائمة عن الكلام يوما.. كما سيأتى فى هذه السورة وقد عرضنا لهذا الأمر فى سورة آل عمران.. وخامسا: فى قوله تعالى: «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» نداء من الله ليحيى الذي سيولد.. فهو مخاطب من الحق ، وهو فى عالم الغيب، كما يخاطب أبوه زكريّا، وهو فى عالم الشهادة.. إن هذا الغائب الذي لم يوجد بعد، هو وهذا الحاضر الموجود، على سواء عند الله، ومع قدرة الله، وفى علم الله.. وكما يعقل الكائن الحىّ الرشيد العاقل، ما يخاطبه الله به، كذلك تعقل النطفة، أو ما ستتخلق منه النطفة..!! وهكذا سيكون «يحيى» على هذه الصفة التي وصفه الحق بها، وندبه إليها، وهو أن يأخذ الكتاب- أي التوراة بقوة أي بجدّ، واجتهاد فى تحرّى أحكامها، والاستقامة على تلك الأحكام.. وأنه سيبلغ مبلغ الرشد والكمال، وهو فى سن الصبا.. «يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» .. والحكم هنا، هو الحكمة التي يحكم بها فى الأمور التي تعرض له..

стр. 3165

الآيات: (١٦- ٣٦) [سورة مريم (١٩) : الآيات ١٦ الى ٣٦] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)

стр. 3166

التفسير: هذه الآيات تحدث عن قصة مريم، وعن ميلاد المسيح عيسى ابن مريم، على تلك الصورة العجيبة، التي جاءت على غير مألوف المواليد من الأحياء فى عالم البشر خاصة. وقد ذكرت هذه القصة فى سورة آل عمران، تالية لقصة ميلاد يحيى، كما جاءت على هذا الترتيب هنا.. غير أننا إذ نكتفى بما قلنا فى تفسير الآيات الواردة عن هذه القصة فى آل عمران.. نودّ أن نفسر هنا بعض المفردات، ثم نشير إلى ما لا بد من الإشارة إليه من مضامين القصة الواردة هنا.. انتبذت: انتحت ناحية، وأخذت مكانا خاصا.. وفى التعبير عن هذا بالانتباذ، ما يشير إلى أنها كانت فى حال خاصة، تتكرّه فيها أن تختلط بالناس.. والرّوح: الملك، ويغلب أن يكون وصفا خاصا بجبريل ﵇.. والبغيّ: الفاجرة الزانية.. وهو من البغي والعدوان.. أجاءها المخاض: ألجأها واضطرها.. والمخاض ما يعترى المرأة وقت الولادة. والنّسى المنسيّ: الشيء التافه الذي لا يحرص أصحابه على الإمساك به، ولا يذكرونه إذا ضاع منهم..

стр. 3167

والسّرىّ: النهر الصغير، الذي يسرى فى رقة وسكون.. والسّرىّ: العظيم من الناس، المحمود فيهم.. والشيء الفرىّ: هو الغريب العجيب، الذي يجىء على غير مألوف الناس، فيفرى: أي يخرق عاداتهم.. والذي نريد أن نشير إليه من هذه القصة: أولا: قوله تعالى: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ» هو تنويه بشأنها، وذلك بإفساح مكان لها فى القرآن الكريم، تذكر فيه، مع من يذكر من عباد الله المخلصين.. وثانيا: فى سورة آل عمران، جاء قوله تعالى: «إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ» (٤٥: آل عمران) .. فالخطاب موجه إلى مريم من جماعة من الملائكة.. وهنا فى سورة مريم يكون الخطاب بينها وبين ملك واحد: «فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا» . «قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا» .. فما وجه هذا الخلاف فى الموضعين، والقصة واحدة؟. ونقول: إن المراد بالملائكة هناك هو عالم الملائكة، الممثل فى واحد أو أكثر كما فى قوله تعالى: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» (١٧٣: آل عمران) حيث يصح أن يكون القائل واحدا من الناس لا جماعة منهم.. والذي يشهد لهذا أنه حين استمعت مريم إلى ما حدثها به عالم الملائكة وأظهرت عجبا واعتراضا على ما حدّثت به- كان الذي تولى دفع هذا العجب

стр. 3168

وردّ هذا الاعتراض، ملك واحد.. كما جاء فى قوله تعالى: «قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ» (٤٧: آل عمران) .. وثالثا: لم تشر الآيات فى آل عمران إلى أن أحدا من الملائكة قد تمثل لها فى صورة بشر، وهنا قد أشارت الآيات إلى أن «الروح» قد تمثل لها بشرا سويا.. فما جاء هنا مكمل للصورة التي جاءت هناك، شارح لها، على حين يمكن أن تستقل كل صورة بالكشف عن الحدث، دون أن يختلف وجه الحقيقة بينهما.. ورابعا: فى قوله تعالى: «فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ» إشارة إلى أن عيسى ﵇ قد ولد ميلادا طبيعيا من رحم أمه، كما يولد غيره من الناس، وكما تلد الأمهات أبناءهن.. وأن مريم قد حملت به حملا طبيعيا، حتى إذا استوفت مدة حمله، وأحست بالمخاض لجأت إلى جذع نخلة، واستندت إليها، حتى تجد القوة على دفع الحمل من رحمها.. وخامسا: قوله تعالى: «فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا» .. اختلف فى المنادى لها: أهو ملك؟ أم وليدها الذي بدأ يتحرك إلى العالم الخارجي؟ .. والذي نأخذ به، هو أن المنادى لها، لا يكون ملكا، إذ لو كان ملكا لناداها من علوّ، وهو الجهة المتنزل منها.. وأنه إذا كان المنادى ملكا فلم يجىء إليها من تحت لا من فوق؟ وإذن فالمنادى لها هو من كان تحتها بالفعل، وهو وليدها! .. وفى حديث وليدها إليها فى هذا الوقت، ما يكشف لها عن التجربة التي

стр. 3169

ستواجه بها قومها منه، حين تدعوه إلى الكلام، فيتكلم.. ولو أن عيسى لم يكن قد تكلم إليها، وأسمعها صوته من قبل، لما وجدت الجرأة على أن تلقى قومها بالطفل، ثم تلقاهم بهذا التحدّى، وهو أن تدعوهم إلى الاستماع إليه! ومما يؤيد هذا الرأى قراءة من قرأ: «فَناداها مِنْ تَحْتِها» باعتبار «من اسم موصول» يقع فاعلا، للفعل، «نادى» .. وسادسا: فى قوله تعالى: «يا أُخْتَ هارُونَ» .. اختلف فى هرون هذا.. من يكون؟ أهو هرون النبىّ أخو موسى؟ أم هو أخ لها من أبيها؟ أم هو رجل صالح معروف بين قومها بالتقوى؟ أم هو رجل فاجر يضرب به المثل عندهم لكل من يأتى منكرا؟ والذي نأخذ به أن «هرون» هذا هو هرون النبىّ، وقد أضيفت إليه، ولم تضف إلى موسى، لأنها كانت من نسل هرون، ولأن موسى لم يعقب نسلا.. وأضيفت إليه إضافة أخوة، لا إضافة بنوّة، لأن أبناء هرون، وذريته المتعاقبة منهم لم يكونوا على حال واحدة من الاستقامة والتقوى، ففيهم الصالح، وفيهم الفاسد،.. فهى وإن كانت بنت هرون نسبا، هى أخته وصنوه استقامة وصلاحا! .. وسادسعا: قوله تعالى: «ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ما كانَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» .. هو تعقيب على القصة، وعلى ميلاد هذا المولود على تلك الصورة التي أوقعت كثيرا من الناس فى الضلال، فاتخذوا منه إلها، وجعلوه وجها من

стр. 3170

وجوه ثلاثة جعلوها لله، هى الأب، والابن، وروح القدس.. وهذا التعقيب، قد يكون على لسان عيسى ﵇.. كاشفا به عن حقيقته، وأنه إن يكن قد ولد لغير أب، أو تكلّم يوم مولده، فإن ذلك لم يكن ليخرجه عن حدود البشرية، ولم يكن ليجعل له إلى الألوهية سبيلا من أي وجه، وعلى أية صفة.. وقد يكون ذلك قولا ينبغى أن يقوله كل من يستمع إلى آيات الله التي تحدّث بها القرآن، عن مولد عيسى، فيصدّق بها، وينظر من خلالها إلى جلال الله وعظمته، وتفرّده بالخلق والأمر.. فالذين يمترون فى عيسى، ويجادلون فى أمره، بين من يرميه بأنه ابن سفاح، وبين من يقول إنه إله أو ابن إله- هؤلاء الذين يمترون فيه، قد كشف لهم عيسى عن وجهه، وتحدث إليهم بلسانه.. إنه عيسى بن مريم، وذلك هو القول الحق الذي ينبغى أن يقال فيه.. فهو ابن امرأة، لم تجىء به من رجل، وإنما من نفخة تلقتها من روح الله.. وانتماؤه أولا وأخيرا إلى أمّه، التي حملت به، ووضعته وأرضعته.. أما القول بأنه ابن الله، فهو قول آثم، سفيه «ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ.. سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» ولو شاء- سبحانه- أن يخرج عيسى إلى هذه الدنيا من غير أب أو أم لما كان ذلك بالمعجز لقدرة الله.. «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (٥٩: آل عمران) . ويكفى أن يكون آخر ما نطق به عيسى أن قال: «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ» ويكفى أن يكون آخر ما نطق به فى مهده: «وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» - يكفى هذا ليكون شهادة تبطل كل قول يقال فيه، غير الذي نطق هو به.

стр. 3171

الآيات: (٣٧- ٤٠) [سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٧ الى ٤٠] فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠) التفسير: قوله تعالى: «فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ» . الأحزاب، هم الطوائف والجماعات، التي اختلفت فى شأن المسيح، وهم اليهود والنصارى، على مختلف مذاهبهم فيه.. فاليهود، يقولون عنه إنه ابن زنى، أو إنه ابن رجل كان يخدم مع أمّه فى الهيكل، اسمه يوسف النجار.. والنصارى، يقولون: إنه ابن الله، أو إنه هو الله ذاته، يمثّل أحد أوجه الثالوث المقدس لله- كما يزعمون- وهو وجه الابن.. والفاء فى قوله تعالى: «فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ» هى فاء التفريع، التي تفيد العليّة والسببيّة، حتى لكأن دعوتهم إلى عبادة الله، واعتبار المسيح عبدا من عباده الله- لكأن هذا كان داعيا لهم، إلى أخذ هذه السبل الضالة المنحرفة..

стр. 3172

وهكذا الطباع غير السليمة، تتلقى النّصح بقلوب مريضة، تتأبّى عليه، وتأبى إلا أن تأخذ بالوجه المخالف له.. - وقوله تعالى: «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ» هو وعيد، وتهديد لهؤلاء المختلفين فى شأن المسيح، وفى النظر إليه على مستوى دون، أو فوق مستوى رسول من رسل الله.. فكل من قال فيه قولا يخرج به- صعودا، أو نزولا- عن هذا المستوي، فهو كافر، له الويل والهوان من عذاب يوم القيامة. قوله تعالى: «أَسْمِعْ بِهِمْ، وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» . - «أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا» ، هو تعجب من رفاهة سمعهم، وحدّة بصرهم، يوم القيامة. والمراد بهؤلاء المتعجّب من سمعهم وبصرهم، هم أولئك الكافرون، الذين اختلفوا فى أمر المسيح هذا الخلاف الأثيم الضالّ، فلم يسمعوا ما قيل لهم على لسان المسيح، ولم يعقلوه، ولم يكن لهم من أبصارهم وبصائرهم ما يعدل بهم عن طريق الضلال التي ركبوها، فمضوا على هذا الضلال، ودخلوا به مداخل الكفر، حتى ماتوا على ما هم عليه.. من ضلال وكفر. فهؤلاء الذين أصمّوا آذانهم، وأغمضوا أعينهم فى الدنيا، سيكونون يوم القيامة على حال من قوة السمع، وحدّة البصر، بحيث لا تفوتهم همسة، ولا تغيب عن أعينهم كبيرة أو صغيرة.. هنالك تتردد فى آذانهم أصداء ما سمعوا من آيات الله، وينكشف لأعينهم ما عموا عنه فى دنياهم من أمارات الهدى..

стр. 3173

فلا يملكون إلا الحسرة تقطّع أكبادهم، وإلا الألم ينهش صدورهم لما فاتهم من أمور كانت ترد على سمعهم، وتحتشد أمام أنظارهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» (٢٢: ق) . - وقوله تعالى: «لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .. لكن هنا للاستدراك والتعقيب على هذا الوصف الذي يكون عليه هؤلاء الظالمون يوم القيامة.. إنهم يوم القيامة سامعون مبصرون.. لكنهم اليوم، أي اليوم الذي هم فيه فى الدنيا، فى ضلال مبين، لا يسمعون ولا يبصرون. قوله تعالى: «وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» . هو خطاب للنبى ﷺ ، وهو أمر له صلوات الله وسلامه عليه بأن ينذر المشركين، وأن يحذّرهم من يوم الحسرة، وهو يوم القيامة، حيث تشتد فيه حسرة الذين غفلوا عن هذا اليوم، ولم يعملوا له، كما يقول : «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ» (٢٧: الفرقان) . وقوله سبحانه: َوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً» (٤٠: النبأ) . وفى توجيه الأمر بالإنذار إلى المشركين، بذكر ضميرهم، العائد على غير مذكور.. هكذا: «وَأَنْذِرْهُمْ» فى هذا إشارة إلى أنهم بعض هؤلاء الضالين الكافرين الذين ذكروا قبلهم فى قوله تعالى: «أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا» .. فأهل الضلال- أيّا كانوا- هم كيان واحد، لا خلاف بين من تقدّم منهم، أو تأخر، ولا فرق بين من يكون من هؤلاء القوم، أو أولئك..!

стр. 3174

وفى قوله تعالى: «إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» تخويف لهؤلاء المشركين. وإلفات لهم من أن تفوتهم الفرصة، ويفلت منهم العمر، قبل أن ينزعوا لباس الكفر والضلال، ويلبسوا لباس الهدى والإيمان.. قوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ» .. هو تذكير لهؤلاء المشركين، بأن ما هم فيه من شغل بمال وبنين، ومن انصراف عن الآخرة، والعمل لها- إن هذا لن يكون لهم منه شىء، إذا هم فارقوا هذه الدنيا، وأنه إذا ورثهم أبناء، وورث الأبناء أبناء.. إلى ما شاء الله، فذلك كله إلى نهاية ينتهى عندها، حيث لا وارث إلا الله سبحانه.. وحيث يحشر الناس إليه مجرّدين من كل ما كان لهم فى الدنيا من مال، وولد، وأهل، وصديق، وجاه وسلطان! الآيات: (٤١- ٥٠) [سورة مريم (١٩) : الآيات ٤١ الى ٥٠] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)

стр. 3175

التفسير: مناسبة قصة إبراهيم مع أبيه هنا، هى أنها تمثل للنبى ﷺ صورة من الصراع الحادّ بين الإيمان والكفر، والمؤمنين والكافرين، وأن هذا الصراع قد يبلغ الحدّ الذي يفرق بين الابن وأبيه.. وإذن، فإنه ليس للنبىّ أن يأسى كثيرا على ما وقع أو سيقع بينه وبين أهله وقومه، من فرقة واختلاف، وقد جاءهم لينذرهم يوم الحسرة، ويلفتهم إلى تلك الفرصة السانحة لهم للخلاص مما هم فيه من ضلال، وإلا فالويل لهم من يوم عظيم! ومن قصة إبراهيم مع أبيه تنكشف أمور.. منها: أولا: هذا الأدب فى الخطاب، من الابن إلى أبيه.. حيث تصدّر كل دعوة من إبراهيم إلى أبيه بقوله: «يا أَبَتِ» .. وقد تكرر هذا النداء الرقيق الحبيب، أربع مرات.. وهذا، فوق أنه أدب يوجبه حقّ الأبوّة، هو أدب تقتضيه النبوة، ويقضى به الأسلوب الذي تقوم عليه دعوتها فى الناس كما يقول لنبيه الكريم: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..»

стр. 3176

وانظر فى قوله: «يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا» .. كيف يدعوه باسم «الرَّحْمنِ» ويحذره مما هو فيه من منكر غليظ، لا تناله فيه رحمة الرحمن، تلك الرحمة التي وسعت كل شىء..! فإذا كان «الرحمن» لا يرحمه فى تلك الحال التي هو فيها، فكيف بالله، المنتقم، الجبار؟؟ إنه مدعوّ الآن إلى الرحمن من رب رحيم، فإذا لم ينته عن غيّه وضلاله، فإن مع هذه اليد الرحيمة، يد النقمة والبلاء حيث يصبح وإذا هو من أولياء الشيطان وأتباعه.. وليس للشيطان وأولياء الشيطان إلا الخزي والبلاء العظيم.. وثانيا: وكما هو الشأن دائما فى أهل الضلال، وأصحاب الشناعات.. إنه لا يجىء منهم إلا ما هو منكر وشنيع، من قول أو فعل.. وهذا داء مستحكم فيهم، لا يجدى معه لين، ولا تخفف من حدته عاطفة رحم وقرابة..! فها هو ذا الأب الضال العنيد، يلجّ فى ضلاله، ويستبد به كفره، فلا تندّ منه قطرة من عاطفة نحو ابنه، ولا يلقى هذا النداء الذي ينادى به بأحب اسم يسمعه الآباء من أبنائهم: «يا أَبَتِ» - لا يلقى هذا النداء عنده أذنا تصغى إليه، ولا قلبا ينفتح له.. وإذا هذا الأب الضال العنيد يرجم ابنه البار الرحيم، بهذا القول المنكر الغليظ: «يا إِبْراهِيمُ.. لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ.. وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا» ! هكذا يقولها «يا إِبْراهِيمُ» .. ولم يقل يا بنى، أو يا ولدي.. ثم يتبع ذلك بهذا التهديد: «لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ..» !! أهكذا تبلغ غلظة القلب، وعمى البصيرة، حتى تنزع من صاحبها كل عاطفة، وحتى يجد الأب اليد التي تطاوعه

стр. 3177

على رجم ابنه؟ أإلى هذا الحد ينحدر الإنسان إلى مالا يرضى به الحيوان لنفسه مع أولاده؟ ولقد أفاق الرجل من سكرة جهله، وضلاله، حين نطق بهذه الكلمة «لَأَرْجُمَنَّكَ» ورأى أن ابنه قتيل بيده، وأنه دمه يسيل فيغطى الأرض من حوله.. ومع هذا فلم تكن هذه الصحوة لتعيد إلى الرجل ما عزب من عقله، أو لتصحح ما انحرف من عاطفته، بل إن كلّ ما كان لهذه الصحوة، هى أن جعلته يذكر أنه أب قد كانت بينه وبين هذا الإنسان الذي يهمّ برجمه، شئون وشئون.. وهذا ما جعله يمسك يديه عن هذا الفعل الآثم، فيصرخ فى إبراهيم: أن أغرب عن وجهى، قبل أن يعود إلىّ جنونى، وأفتك بك!! وهذا هو سرّ العطف بين قوله تعالى: «لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ» وقوله تعالى: «وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا» الأمر الذي يشير إلى أن هنا كلاما محذوفا بين المتعاطفين، تقديره: فانج بنفسك «وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا» أي اهجرني زمنا طويلا، وليكن إلى الأبد! وانظر كيف استقبل إبراهيم هذه الثورة العاصفة المجنونة، وكيف ردّ هذا الحمق الجهول، بتلك القولة الكريمة الحانية: «سَلامٌ عَلَيْكَ.. سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي.. إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا» !! أي إن ربّى كان مكرما لى إكراما عظيما.. وكما أكرمنى ربّى، سأكرمك بالاستغفار لك وطلب المغفرة من ربّى! إنها الكلمة الجديرة بأن تكون من خليل الرحمن، الذي وصفه بقوله. «إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ» (٧٥: هود) . فما يكون هذا الحلم، ولا تلك الوداعة، ولا ذلك الرفق، إلا من مثل هذا النبىّ الكريم، الذي أدّبه ربّه أدبا رفعه به إلى مقام الخليل! ويأخذ إبراهيم طريقه إلى ربّه، ويدع أباه وقومه، وما هم فيه من عمى

стр. 3178

وضلال، بعد أن دعاهم إلى الهدى فأبوا، ومدّ يده إليهم بالخير فردّوه، وتوعدوه، «وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا» .. ولن يشقى من يتجه إلى ربّه، ويبسط إليه يده، سائلا متضرعا.. وفى قوله تعالى: «فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا» . فى هذا ما يسأل عنه.. وهو: لماذا اختصّ إسحق ويعقوب بالذكر هنا، ولم يذكر إسماعيل، مع أنه الابن الأول لإبراهيم، ومع أن يعقوب ليس ابن إبراهيم، وإنما هو ابن ابنه إسحق؟ والجواب على هذا- والله أعلم- أن إسماعيل كان قد ولد لإبراهيم، وأن إبراهيم كان على يأس من الولد من امرأته «سارة» أمّ إسحق إذ كانت عقيما. فذكر إسحق، هنا، هو تذكير بتلك النعمة التي جاءت على غير انتظار، بل جاءت على يأس من أن تقع.. وهى- فى صورتها تلك- أشبه بالجزاء المعجّل على هذا البلاء العظيم، الذي كان من إبراهيم فى موقفه من أبيه ومن قومه، وهذا ما يشير إليه تقييد هذه الهبة بهذا الظرف، الذي اعتزل فيه إبراهيم قومه، وما يدعون من دون الله. كما يقول : «فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ» . ومن جهة أخرى، فإن ميلاد إسماعيل من أمّه هاجر، كان ميلادا من امرأة لم تحكم عليها ظواهر الأمور بالعقم.. فهو- والأمر كذلك- ميلاد طبيعىّ، يجرى على المألوف من حياة النّاس. أما ذكر يعقوب، وهو ابن الابن، وليس ابنا مباشرا، فهو إلفات إلى زيادة المنّة، ومضاعفة الإحسان، حيث يرى إبراهيم أن ولده إسحق لا يبتلى

стр. 3179

مما ابتلى به هو من تأخير الولد عنه إلى سنّ الشيخوخة، وإلى حمل نفسه على مرارة اليأس من الولد..! هذا، وسيأتى لإسماعيل ذكر خاص، فى الآيات التالية، كما سنرى.. الآيات: (٥١- ٥٨) [سورة مريم (١٩) : الآيات ٥١ الى ٥٨] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨) التفسير: فى هذه الآيات، ذكر لبعض من أنبياء الله ورسله.. هم موسى، وإسماعيل، وإدريس.. ثم هارون باعتباره نبيّا، غير رسول.. وقد وصف الله موسى بأنه كان مخلصا.. أي أخلصه الله له، واختصه بكلامه.. ثم وصفه سبحانه بأنه كان نبيا، أي يجمع بين الرسالة والنبوّة، ثم وصفه سبحانه وصفا ثالثا، بأنه نودى من الحق

стр. 3180

جلّ وعلا فقال تعالى: «وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا» أي قرب من حضرة الحق جلّ وعلا إلى حيث ناجاه، كما يناجى الخليل خليله.. كما يقول سبحانه فى آية أخرى: «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً» (١٦٤: النساء) . وبهذه الأوصاف استحق موسى أن يقدّم على رسل وأنبياء، كانوا أسبق منه زمانا، كإسماعيل، وإدريس.. وهذا التقديم- وإن رفع من قدر موسى- لا ينقص من قدر هذين النبيين الكريمين، «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ.. مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ» (٢٥٣: البقرة) . وفى قوله تعالى عن موسى: «وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا» تكريم، فوق تكريم لموسى، وأنه إذ لم يوهب له الولد، فقد وهب له نبىّ يعمل إلى جانبه، فى الرسالة التي ندب لها.. وفى قوله تعالى عن موسى أيضا: «وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا» .. تحديد للمكان الذي نودى منه موسى، وهو أنه كان بالجانب الأيمن من الطور، حين تلقى نداء الحقّ جلّ وعلا.. والجانب الأيمن من الطور، هو الجانب الغربىّ منه.. وهذا التحديد الجغرافى لمكان النداء، يشير إلى أن موسى كان قادما من مدين فى طريقه إلى مصر، وأنه فى متوجّهه هذا كان يخترق أرض الطور، التي يشرف عليها الجبل المسمى بهذا الاسم فى صحراء سيناء على ساحل البحر الأحمر.. فكان الجانب الغربي من الطور على يمين موسى، والجانب الشرقي على يساره.. وحين ناداه ربه، سمع النداء من جانبه الأيمن، وهو الجانب الغربىّ من الطور، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ» (٤٤: القصص) .

стр. 3181

قوله تعالى: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا، نَبِيًّا» .. الصفة البارزة الموصوف بها إسماعيل فى ديوان الأنبياء والمرسلين، هى، أنه «كانَ صادِقَ الْوَعْدِ» .. والوعد، هو قوله لأبيه: «يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ» وذلك حين قال له أبوه: «يا بُنَيَّ.. إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى؟» (١٠٢: الصافات) .. وصدق الوعد فى أنه كان قولا صدقه العمل، فلم يكن قوله لأبيه: «يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ» مجرد قول يقال، ولكنه كان مصحوبا بنية صادقة على إمضاء هذا القول إلى غايته.. وقد تبين هذا حين جاءت ساعة التنفيذ.. فاستسلم إسماعيل لأمر ربه، وأعطى رقبته للسكين.. كما يقول : «فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» (١٠٣- ١٠٥: الصافات) : قوله تعالى: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا» .. إدريس ﵇، هو من ذرية آدم الأولين، وهو جدّ أعلى لنوح ولهذا اختصّ بالذكر لأنه ليس من الأنبياء الذين جاءوا من ذرية إبراهيم.. والذين لم يذكروا هنا كعيسى، ومحمد، عليهما الصلاة والسلام، ففى ذكر إبراهيم ذكر لهما، لأنهما من ذريته.. كإسحاق، ويعقوب، ويوسف..

стр. 3182

أما ذكر إسماعيل- وهو ابن إبراهيم- فهو تنويه خاص به، إذ كان من ذريته خاتم النبيين محمد، صلوات الله وسلامه عليه.. هذا، ولم يلحق بإدريس وصف الرسول، إلى جانب الوصف بالنبوة.. فهو- بهذا- نبى، وليس برسول.. قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا» .. الإشارة هنا «أولئك» مشار بها إلى المذكورين فى الآيات السابقة، من النبيين.. وهم موسى، وإسماعيل، وإدريس.. وهؤلاء الأنبياء الثلاثة، يمثلون الصور كلها التي جاء عليها أنبياء الله ورسله.. فموسى يمثل الأنبياء المرسلين، أصحاب الكتب السماوية، والرسالات، الخارجة عن نطاق الأهل والأسرة، إلى القوم، والأمة.. وإسماعيل.. يمثل الأنبياء المرسلين، الذين لم تكن لهم شريعة خاصة، ولم يكن بين أيديهم كتاب سماوى منزل عليهم، وكانت دعوتهم إلى الله مقصورة على آل بيتهم.. وإدريس.. يمثل الأنبياء غير المرسلين.. وهذا يكشف عن بعض السر فى أن ذكرهم فى هذه الآيات لم يجىء على حسب ترتيبهم الزمنى، بل جاء على حسب درجاتهم فى مقام النبوة..

стр. 3183

فهؤلاء الأنبياء الثلاثة، موسى، وإسماعيل، وإدريس، يمثلون وجوه النبوة، فى درجاتها الثلاث: والإشارة إليهم بأولئك، هى إشارة إلى جميع الأنبياء والمرسلين، الذين أنعم الله عليهم من النبيين! وحرف الجر «من» فى قوله تعالى: «مِنَ النَّبِيِّينَ» هو للبيان، وليس للتبعيض.. إذ أن كل النبيين، هم من الذين أنعم الله عليهم، بهذه النعمة الجليلة، التي لا تعدلها نعمة فيما أنعم الله به على عباده من نعم! وهم جميعا ممن هداهم الله، واجتباهم.. هداهم إلى الحق، والإيمان، واختصهم بنعمة النبوة والرسالة، أو النبوة وحدها. وأما حرف الجر «من» فى قوله تعالى: «من» ذرية آدم و «ممن» حملنا مع نوح.. و «من» ذرية إبراهيم وإسرائيل» - هذا الحرف فى مواضعه الثلاثة للتبعيض.. أي إن هؤلاء النبيين الذين أنعم الله عليهم هم من بعض ذرية آدم، وهم بعض من آمن مع نوح وحمل معه فى السفينة، وهم بعض ذرية إبراهيم وإسرائيل، وهو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم.. إذ ليس كل أبناء هؤلاء وذرياتهم من النبيين، ولا ممن هداهم الله واجتباهم، بل منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى فى الآية التالية لهذه الآيات وهى قوله تعالى: «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا» .. الآيات: (٥٩- ٦٣) [سورة مريم (١٩) : الآيات ٥٩ الى ٦٣] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)

стр. 3184

التفسير: الخلف بسكون اللام، الفاسد، الضالّ من الذرية، على خلاف الخلف، بفتح اللام.. فكأن الخلف خلف يجمع بين الخلف والخلف.. وهذا من الصيغ القرآنية العجيبة، التي تزداد بها اللغة ثراء، وتزدان حسنا.. وقوله تعالى: «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا» .. هو تهديد لهؤلاء الضالين، الذين خرجوا على سنن الفطرة السليمة، كما خرجوا على واجب الولاء والطاعة لآبائهم المكرمين من عباد الله، واتبعوا الغاوين والمفسدين من الآباء.. - وفى قوله تعالى: «أَضاعُوا الصَّلاةَ» تنويه بشأن الصلاة، ورفع لقدرها إذ كانت الصلاة عماد الدين، فى كل شريعة، وكل ملة.. وقد نوه الله بإسماعيل ﵇، فجعل دعوته بالصلاة فى أهله، رسالة رسول.. «وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ» ..

стр. 3185

وقوله تعالى: «فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا» وعيد بالعاقبة السيئة التي سيؤول إليها أمر هؤلاء الضالين، الذين أضاعوا الصّلاة واتبعوا الشهوات.. والغىّ: هو الضلال.. وقد جعل فى مقام الهلاك والعذاب فى جهنم، لأن القوم كانوا غواة، وأنهم سيلقون هذا الغىّ، وسيجدونه حاضرا يوم القيامة، وبه سيردون مورد الهلاك، وبه يصلون العذاب! قوله تعالى: «إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً» .. هو استثناء منقطع، و «إلّا» بمعنى «لكن» .. وبهذا الاستثناء يفتح باب النجاة من هذا المهوى الذي هوى فيه الضالون إلى جهنم.. فمن دخل هذا الباب، وتاب عما هو فيه من منكرات وضلالات، وصحّح إيمانه بالله، فهو من عباد الله، الذين سيلقاهم فى الآخرة برضوانه، وبجنات لهم فيها نعيم مقيم.. «فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً..» وقوله تعالى: «جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا» . هو بيان للجنّة، التي ذكرها الله فى قوله: «فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» فهى فى سعتها جنات، وإن كانت جنّة واحدة.. وهى جنات عدن، أي خلود وإقامة، لا يتحول عنها أهلها أبدا، وهى التي كانت وعدا تلقّاه المؤمنون بالله من ربّهم فى الدنيا، فآمنوا بهذا الوعد على الغيب، دون أن يروه، وقبل أن يتحققوا منه عيانا.. إنه إيمان بالله، وبكل كلمات الله.. فهو إن يكن وعدا، فإنه حاضر فى يقين المؤمنين، وهم بهذا الوعد أوثق مما فى

стр. 3186

أيديهم.. «إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا» أي آتيا، أو يؤتى إليه الموعودون به.. لا يتخلّف أبدا.. إن لم يجئهم جاءوا هم إليه. وقوله تعالى: «لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا» . هو وصف لهذه الجنة، أو تلك الجنات، وأن أهلها فى أمن وسلام، لا يسمعون فيها كلمة لاغية عابثة، فإن اللغو والعبث هو شغل الفارغين التافهين أما أصحاب الجنة فهم كما وصفهم : «فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ» (٥٥: يس) وشغلهم هو هذا النعيم الذي يملأ كل لحظة من لحظات وجودهم.. و «إلا» فى قوله تعالى: «إِلَّا سَلاماً» بمعنى لكن، أي لا يسمعون لغوا، ولكن يسمعون سلاما.. - وفى قوله تعالى: «وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا» إشارة إلى أن أهل الجنّة قد تركوا وما هم فيه من نعيم الجنّة، يطعمون منه، وإنما هم مع هذا محفوفون برعاية الله، آخذون من عطائه، الذي يلقاهم به بكرة وعشيّا.. فكل ما يناله أهل الجنة من صنوف النعيم، هو رزق من رزق الله، المجدّد عليهم، حالا بعد حال.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً» (٢٥: البقرة) .. قوله تعالى: «تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا» . الإشارة هنا تنويه بالجنة، التي ذكرت بأوصافها، وأوصاف أهلها فى الآية السابقة.. فهذه الجنّة المشار إليها هنا، هى الجنة السابقة، والتقدير تلك هى الجنّة

стр. 3187

التي جعلها الله ميراثا لمن كان تقيّا من عباده، أي مؤمنا به، مستقيما على أوامر شريعته ونواهيها. فيأتى ما أمر الله به، ويجتنب ما نهى الله عنه.. وفى التعبير عن دخول الجنة بالميراث، إشارة إلى أن أهلها ممكّنون من كل نعيم فيها، يتصرفون فيه كيف يشاءون، كتصرف الوارث فيما ورث.. لا يبخل على نفسه بشىء منه، إذ كان ذلك الميراث من غير كسبه، بل جاءه صفوا عفوا.. والجنة، هى ميراث للمتقين، لم يكن نزولهم منازلها إلا برضوان الله، ورحمته.. وإلا فإن ما عملوه فى دنياهم من طاعات وما قدموه من صالح الأعمال، لا يؤهّلهم لدخولها.. كما يشير إلى ذلك الحديث الشريف: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قيل ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلّا أن يتغمّدنى الله برحمته» .. الآيات: (٦٤- ٧٠) [سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٤ الى ٧٠] وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠)

стр. 3188

التفسير: قوله تعالى: «وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» .. ضمير المتكلم فى قوله تعالى: «وَما نَتَنَزَّلُ» يعود إلى الملائكة، المأمورين من قبل الحقّ بما يتكلفون به من تصاريف فى العالم الأرضى.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» (٤: القدر) . والمتحدث عن الملائكة هنا هو جبريل ﵇، إذ كان هو الملك الموكّل بالاتّصال بين الله وبين رسله الكرام، والمأذون له بالحديث إليهم. أما غيره من الملائكة فلهم شئون أخرى.. وقيل فى سبب نزول هذه الآية، أن الوحى قد احتبس عن النبىّ ﷺ مدة، حتى وجد الوحشة فى نفسه، وحتى لقد قالت قريش إن ربّ محمد ودّعه وقلاه.. وإلى هذا يشير قوله تعالى: «وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» . ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أن الآيات السابقة ذكرت الأنبياء والرسل، وهم الذين أنعم الله عليهم من عباده بالرسالة، واختصهم بالنبوّة.. وإذ كان الملائكة هم السفراء بين الله وبين رسله، فإنه فى هذا المقام قد

стр. 3189

يقع فى تصوّر بعض المشركين أن يتنزّل عليهم الوحى وأنّهم إذا عبدوا الملائكة أو تقربوا إليهم، قد يكون لهم ما كان لهؤلاء الأنبياء، ومنهم محمد صلوات الله وسلامه عليه، الذي يحدّث قريشا بأنه يوحى إليه من ربه! - فكان قوله تعالى: «وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ» قطعا لهذه الأمانىّ الباطلة، التي يمنّى بها بعض المشركين أنفسهم، حتى لقد قالوا ما حكاه القرآن عنهم: «لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» (٣١: الزخرف) وما حكاه عنهم فى قوله سبحانه: «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ» (٢١: الفرقان) . وقوله تعالى: «لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ» إقرار من الملائكة بما لله من سلطان مطلق، لا يملك أحد معه شيئا، حتى أقرب المقربين إليه، وهم الملائكة.. إن الله يملكهم، ويملك كل ما يعملون فيه.. فى ماضى أمرهم، ومستقبله، وما بين ماضيه ومستقبله.. - وقوله تعالى: «وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» هو مما أعلته الملائكة عن علمه وقدرته.. وأنه جلّ شأنه لم يكن عن نسيان منه، هذا التأخير فيما يوحى به إليك أيها النبىّ.. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.. وإن هذا التأخير لحكمة يعلمها الله، وعن تقدير قدّره.. قوله تعالى: «رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ.. هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا» .. هو عرض لبعض قدرة الله، وبسطة سلطانه.. وأنه سبحانه ربّ السموات والأرض وما بينهما، وما فيهما من عوالم ومخلوقات..

стр. 3190

ولهذا فهو وحده- سبحانه- المستحقّ للعبادة.. «فَاعْبُدْهُ» أيها النّبىّ «وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ» أي وطّن نفسك على العبادة وحمل أعبائها.. فهى تكاليف، لا يقوم بها على الوجه الأكمل إلا من راض نفسه على الصبر.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ» (٤٥: البقرة) .. وما يشير إليه قوله تعالى: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها» (١٣٢: طه) . وقوله تعالى: «هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا» استفهام يراد به نفى الشبيه والمثيل لله .. والسّمىّ، هو الذات المسماة باسم من أسماء الألوهية، مثل الرّبّ، والإله.. ونحو هذا، فهذا المسمّى وإن أخذ الاسم فإن هذا الاسم، لا يعطيه شيئا مما لله ، من قدرة، وعلم، وحكمة، وإحياء، وإماتة وغير هذا مما تفرّد به المولى، جلّ وعلا.. قوله تعالى: «وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا» .. هو إنكار لهذا القول المنكر الذي يقوله الذين لا يؤمنون بالبعث، وهو استبعادهم أن يبعث الموتى، بعد أن تبلى أجسادهم، وتحلل وتصير ترابا.. والإنسان هنا ليس إنسانا بعينه، وإنما هو جنس للإنسان، يدخل فيه كل من يقول هذا القول، ويعتقده.. وقوله تعالى: «أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً» .. هو ردّ على هذا الإنسان الذي يمثل الإنسانية الضالة المنكرة للبعث، التي يقال على لسانها هذا القول: «أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا؟» أفلا يذكر هذا الإنسان كيف كان خلقه؟ ثم ألا يذكر أين كان هو قبل أن يولد؟ لقد كان عدما، لا وجود له، ثم صار هذا الكائن الذي يقف من ربّه موقف المحادّ المحارب؟ ثم لينظر هذا الإنسان: أخلق مخلوق من عدم.. أهون، أم خلق مخلوق
следующие страницы →