← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

أيديهم.. «إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا» أي آتيا، أو يؤتى إليه الموعودون به.. لا يتخلّف أبدا.. إن لم يجئهم جاءوا هم إليه. وقوله تعالى: «لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا» . هو وصف لهذه الجنة، أو تلك الجنات، وأن أهلها فى أمن وسلام، لا يسمعون فيها كلمة لاغية عابثة، فإن اللغو والعبث هو شغل الفارغين التافهين أما أصحاب الجنة فهم كما وصفهم : «فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ» (٥٥: يس) وشغلهم هو هذا النعيم الذي يملأ كل لحظة من لحظات وجودهم.. و «إلا» فى قوله تعالى: «إِلَّا سَلاماً» بمعنى لكن، أي لا يسمعون لغوا، ولكن يسمعون سلاما.. - وفى قوله تعالى: «وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا» إشارة إلى أن أهل الجنّة قد تركوا وما هم فيه من نعيم الجنّة، يطعمون منه، وإنما هم مع هذا محفوفون برعاية الله، آخذون من عطائه، الذي يلقاهم به بكرة وعشيّا.. فكل ما يناله أهل الجنة من صنوف النعيم، هو رزق من رزق الله، المجدّد عليهم، حالا بعد حال.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً» (٢٥: البقرة) .. قوله تعالى: «تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا» . الإشارة هنا تنويه بالجنة، التي ذكرت بأوصافها، وأوصاف أهلها فى الآية السابقة.. فهذه الجنّة المشار إليها هنا، هى الجنة السابقة، والتقدير تلك هى الجنّة

стр. 3187

التي جعلها الله ميراثا لمن كان تقيّا من عباده، أي مؤمنا به، مستقيما على أوامر شريعته ونواهيها. فيأتى ما أمر الله به، ويجتنب ما نهى الله عنه.. وفى التعبير عن دخول الجنة بالميراث، إشارة إلى أن أهلها ممكّنون من كل نعيم فيها، يتصرفون فيه كيف يشاءون، كتصرف الوارث فيما ورث.. لا يبخل على نفسه بشىء منه، إذ كان ذلك الميراث من غير كسبه، بل جاءه صفوا عفوا.. والجنة، هى ميراث للمتقين، لم يكن نزولهم منازلها إلا برضوان الله، ورحمته.. وإلا فإن ما عملوه فى دنياهم من طاعات وما قدموه من صالح الأعمال، لا يؤهّلهم لدخولها.. كما يشير إلى ذلك الحديث الشريف: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قيل ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلّا أن يتغمّدنى الله برحمته» .. الآيات: (٦٤- ٧٠) [سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٤ الى ٧٠] وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠)

стр. 3188

التفسير: قوله تعالى: «وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» .. ضمير المتكلم فى قوله تعالى: «وَما نَتَنَزَّلُ» يعود إلى الملائكة، المأمورين من قبل الحقّ بما يتكلفون به من تصاريف فى العالم الأرضى.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» (٤: القدر) . والمتحدث عن الملائكة هنا هو جبريل ﵇، إذ كان هو الملك الموكّل بالاتّصال بين الله وبين رسله الكرام، والمأذون له بالحديث إليهم. أما غيره من الملائكة فلهم شئون أخرى.. وقيل فى سبب نزول هذه الآية، أن الوحى قد احتبس عن النبىّ ﷺ مدة، حتى وجد الوحشة فى نفسه، وحتى لقد قالت قريش إن ربّ محمد ودّعه وقلاه.. وإلى هذا يشير قوله تعالى: «وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» . ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أن الآيات السابقة ذكرت الأنبياء والرسل، وهم الذين أنعم الله عليهم من عباده بالرسالة، واختصهم بالنبوّة.. وإذ كان الملائكة هم السفراء بين الله وبين رسله، فإنه فى هذا المقام قد

стр. 3189

يقع فى تصوّر بعض المشركين أن يتنزّل عليهم الوحى وأنّهم إذا عبدوا الملائكة أو تقربوا إليهم، قد يكون لهم ما كان لهؤلاء الأنبياء، ومنهم محمد صلوات الله وسلامه عليه، الذي يحدّث قريشا بأنه يوحى إليه من ربه! - فكان قوله تعالى: «وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ» قطعا لهذه الأمانىّ الباطلة، التي يمنّى بها بعض المشركين أنفسهم، حتى لقد قالوا ما حكاه القرآن عنهم: «لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» (٣١: الزخرف) وما حكاه عنهم فى قوله سبحانه: «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ» (٢١: الفرقان) . وقوله تعالى: «لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ» إقرار من الملائكة بما لله من سلطان مطلق، لا يملك أحد معه شيئا، حتى أقرب المقربين إليه، وهم الملائكة.. إن الله يملكهم، ويملك كل ما يعملون فيه.. فى ماضى أمرهم، ومستقبله، وما بين ماضيه ومستقبله.. - وقوله تعالى: «وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» هو مما أعلته الملائكة عن علمه وقدرته.. وأنه جلّ شأنه لم يكن عن نسيان منه، هذا التأخير فيما يوحى به إليك أيها النبىّ.. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.. وإن هذا التأخير لحكمة يعلمها الله، وعن تقدير قدّره.. قوله تعالى: «رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ.. هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا» .. هو عرض لبعض قدرة الله، وبسطة سلطانه.. وأنه سبحانه ربّ السموات والأرض وما بينهما، وما فيهما من عوالم ومخلوقات..

стр. 3190

ولهذا فهو وحده- سبحانه- المستحقّ للعبادة.. «فَاعْبُدْهُ» أيها النّبىّ «وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ» أي وطّن نفسك على العبادة وحمل أعبائها.. فهى تكاليف، لا يقوم بها على الوجه الأكمل إلا من راض نفسه على الصبر.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ» (٤٥: البقرة) .. وما يشير إليه قوله تعالى: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها» (١٣٢: طه) . وقوله تعالى: «هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا» استفهام يراد به نفى الشبيه والمثيل لله .. والسّمىّ، هو الذات المسماة باسم من أسماء الألوهية، مثل الرّبّ، والإله.. ونحو هذا، فهذا المسمّى وإن أخذ الاسم فإن هذا الاسم، لا يعطيه شيئا مما لله ، من قدرة، وعلم، وحكمة، وإحياء، وإماتة وغير هذا مما تفرّد به المولى، جلّ وعلا.. قوله تعالى: «وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا» .. هو إنكار لهذا القول المنكر الذي يقوله الذين لا يؤمنون بالبعث، وهو استبعادهم أن يبعث الموتى، بعد أن تبلى أجسادهم، وتحلل وتصير ترابا.. والإنسان هنا ليس إنسانا بعينه، وإنما هو جنس للإنسان، يدخل فيه كل من يقول هذا القول، ويعتقده.. وقوله تعالى: «أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً» .. هو ردّ على هذا الإنسان الذي يمثل الإنسانية الضالة المنكرة للبعث، التي يقال على لسانها هذا القول: «أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا؟» أفلا يذكر هذا الإنسان كيف كان خلقه؟ ثم ألا يذكر أين كان هو قبل أن يولد؟ لقد كان عدما، لا وجود له، ثم صار هذا الكائن الذي يقف من ربّه موقف المحادّ المحارب؟ ثم لينظر هذا الإنسان: أخلق مخلوق من عدم.. أهون، أم خلق مخلوق

стр. 3191

من بقايا مخلوق؟ لينظر فى هذه القضية على مستواه البشرىّ، وسيرى أن إيجاد شىء من عدم مستحيل استحالة مطلقة، أما إيجاد شىء من حطام شىء، فهو واقع فى حدود الإمكان، المتاح للإنسان..!! فإذا كان ذلك كذلك فى حدود الإنسان، المخلوق، الضعيف.. أفيعجز الله القادر القوىّ، الذي خلق الإنسان من عدم- أن يعيد هذا الإنسان مرة أخرى، بعد أن يرجعه إلى العدم، أو ما يشبه العدم؟ .. «وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا.. وَنَسِيَ خَلْقَهُ.. قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ.. وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» (٧٨- ٧٩: يس) .. قوله تعالى: «فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا..» الخطاب هنا للنبىّ، صلوات الله وسلامه عليه، وفى القسم له بربّه وإضافته إلى ربّه، تكريم عظيم له، واستدناء له من ربّه، وإفضاء إليه بهذا الخبر، الذي يردع الظالمين ويفزعهم.. فهؤلاء المشركون، الضالون، المكذبون بيوم الدّين، سيحشرون مع الشياطين، حشرا واحدا، يجمع بينهم.. إذ كانوا على شاكلة واحدة.. ثم هم بعد هذا الحشر مدعرون إلى جهنم، يساقون إليها سوقا، ويجتمعون حولها، جاثين على ركبهم، فى هوان وذلة، حيث يشهدون بأعينهم المنزل الذي سينزلونه منها! قوله تعالى: «ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا» .. ننزعن: نخرجنّ، والنزع إخراج الشيء بشدة وقوة، وقهر. والشيعة: الجماعة على رأى واحد، يلتقون عنده، ويتناصرون عليه..

стр. 3192

والعتىّ: العتو، والمشاقّة، والخلاف القائم على الظلم.. والصّلىّ: الاصطلاء بالنار والقرب منها، والمراد به هنا: الاحتراق بها.. والآيتان تصوران بعض مشاهد القيامة، وما يقع للظالمين، والضالين، من أهوال فى هذا اليوم العظيم.. ففى هذا اليوم يحضر المجرمون جميعا، حول جهنّم، جاثين على ركبهم، حيث لا يستطيعون القيام على أرجلهم، مما أصابهم من هول، انحلّت به عزائمهم، وانهدّت منه قواهم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ» (٤٥: الذاريات) .. ثم إذا اجتمع جمع هؤلاء المجرمين حول جهنم، انتزع من بينهم أئمة الضلال فيهم، وقادة الكفر منهم، ثم يلقى بهم فى جهنم، حيث يشهد أتباعهم بأعينهم ما يلقون من بلاء، سيلقونه هم عما قليل، وحيث يرى هؤلاء الأئمة أن زعامتهم وإمامتهم فى الدنيا، لم تكن إلّا وبالا عليهم، وأن أتباعهم أحسن حالا منهم، وأن مواقع الضّلال والفتن، وإن كانت كلها سوءا ووبالا، فإن المتأخر فيها خير من المتقدم، والتابع أدنى إلى السلامة من المتبوع.. وفى المثل: «كن فى الفتنة ذنبا» ! - وفى قوله تعالى: «أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا» - فى هذا ما يسأل عنه.. وهو: لم عدّى المصدر «عتىّ» بحرف الجرّ «على» الذي يفيد الاستعلاء.. بمعنى «أيهم أشد عتيّا على الرحمن» .. وكان يمكن أن يكون النظم هكذا: «أيهم أشد للرحمن عتيّا» بتعدية المصدر بحرف الجرّ «اللام» الذي يفيد الملك، ثم التفلّت من هذا الملك!! فما سرّ هذا؟ نقول: - والله أعلم- إنّ ذكر الصفة الكريمة «الرحمن» هنا، دون صفات المولى جلّ وعلا، كالقوىّ والعزيز، والقادر- إن هذا يشير إلى شناعة هذا الجرم الذي يتلبس به المجرمون، ويتخذون به موقفا معاديا، ومحاربا،

стр. 3193

لأرحم الراحمين، الذي لو شاء لمسخهم قردة وخنازير، ولو شاء لرماهم بكل داء، ولأخذ سمعهم، وأبصارهم، وسلط عليهم من الأوبئة ما يجعل أنفاسهم تتقطع أنينا وصراخا.. إلى غير ذلك مما فى قدرة الله، ومما رأوا منه مارأوا فى بعض الناس منهم.. فهؤلاء المجرمون- وتلك رحمة الله بهم- يخرجون عن طاعة الرحمن، بل ويحاربونه، بل ويستعلون على الولاء له، والانقياد لأمره.. والصّورة تمثل معركة بين هؤلاء العتاة المجرمين، وبين رحمة الله.. حيث تدعوهم الرحمة إلى رحابها، وتفسح لهم الطريق إليها، وهم يتأبّون عليها، ويتفلّتون منها.. فهم فى هذا أشبه بالمغالبين لرحمة الله، وهذا أسوأ ما يمكن أن تكون عليه حال إنسان.. من شقاء غليظ، لا تنفذ إليه فيه بارقة من رجاء فى عافية، أو خروج من بلاء..! الآيات: (٧١- ٧٢) [سورة مريم (١٩) : الآيات ٧١ الى ٧٢] وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) التفسير: قوله تعالى: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» . [جهنم.. هل يردها الناس جميعا ؟] الضمير فى واردها يعود إلى جهنم، المذكورة فى قوله تعالى: «ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا» ..

стр. 3194

أمّا الضمير فى «منكم» فقد اختلف فيه ويكاد إجماع المفسّرين ينعقد على أن المراد به الناس جميعا، مؤمنهم وكافرهم.. بمعنى أن كلّ إنسان، حتى الأنبياء، والرسل، سيردون النار ويمرّون بها، ويشهدون أهوالها، دون أن يصيبهم منها أذى، بل ستكون بردا، وسلاما عليهم.. ويأتون على هذا الرأى بأحاديث، وأقوال تشهد له!! ثم يقوى من هذا الرأى عندهم قوله تعالى: «ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» ! ثم هم- من جهة أخرى- يدفعون ما قد يثور فى النفس من تخوّف على المؤمنين من هذه التجربة التي يمرّون بها، والتي إن سلمت منها أجسامهم، فلن تسلم منها مشاعرهم- هم يدفعون هذا، بأن المؤمنين حين يمرّون بجهنم، ثم يخلصون منها إلى الجنة، يشهدون عظمة النعمة وجلالها، التي أنعم الله بها عليهم، إذ عافاهم من هذا البلاء العظيم، الذي رأوه رأى العين!! ونحن نردّ هذا القول، ونأخذ بما هو أولى وأكرم بكرم الله، وفضله، وقدرته على إبلاغ نعمته إلى عباده المخلصين، خالصة من كل شائبة أو كدر! فنقول: إن الضمير فى «منكم» يعود إلى هؤلاء المجرمين الذين سيقوا إلى جهنم، واجتمعوا حولها جاثين على ركبهم، لم يدخلوها بعد.. ثم ينتزع من بينهم أئمتهم، وقادة الضلال والكفر فيهم، فيلقى بهم فى جهنم.. كما جاء فى قوله تعالى: «ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا» . وإلى هنا لم يكن قد انكشف أمر الأتباع، المتعلقين بهؤلاء الأئمة.. فجاء قوله تعالى: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها» ليكشف لهؤلاء الأتباع عن مصيرهم

стр. 3195

وأنهم مأخوذون بما أخذ به هؤلاء القادة الذين سبقوهم إلى جهنم! «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها.. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا» أي أمرا قضى به الله على الظالمين، من الكافرين، والمشركين، وأصحاب الضلالات أن يردوا جهنم، وأن يقفوا على هذا المورد الوبيل، كما يقول : «إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً» (١٤٠: النساء) وكما يقول جل شأنه: «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (١١٩: هود) وكما يقول سبحانه: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ» (٩٨: الأنبياء) .. فجهنم هى الحكم الذي قضى به الحق جل وعلا على أهل الشّقوة من الناس.. ثم إنه ليس يصحّ أن يكون من تكريم المؤمنين فى هذا اليوم، وعلى رأسهم الأنبياء، والرسل والصديقون، والأولياء، والأبرار، والشهداء- ليس يصح أن يكون من مظاهر تكريمهم أن يدخلوا فى هذه التجربة القاسية، وأن يردوا هذا المورد الجهنمى، وهم إنما سعوا إلى الله، وأحبّوا لقاءه، ليخلصوا من أكدار الدنيا.. فهل مما يقع فى التصور أن يكون أول ما يلقونه فى الآخرة، هو هذا الوجه الكريه المشئوم منها، وهو جهنم؟ وكيف يرد المؤمنون وعلى رأسهم الأنبياء والرسل، هذا المورد الذي لا يرده إلّا الخاطئون، والذي يصفه الحق ﵎ بقوله عن فرعون: «يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ» (٩٨: هود) ؟ ثم كيف، والله يقول: «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ

стр. 3196

لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» (١٠١- ١٠٣: الأنبياء) فهذا صريح قول الله تعالى، فيما يلقى المؤمنون الذين سبقت لهم من الله الحسنى، من كرامة، وتكريم، فى هذا اليوم، إنهم مبعدون عن جهنم، لا يسمعون حسيسها.. فكيف يردونها؟ ثم كيف يدخلونها؟ إنه على أي حال دخول فى محيط هذا البلاء العظيم، وإن خرجوا منه من غير أن يصيبهم من لظاها أذى! والمثل يقول: «حسبك من شرّ سماعه» فكيف بلقائه، والانغماس فيه؟ - أما قوله تعالى: «ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» .. فهو معطوف على قوله تعالى: «فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا» .. فهذه الآيات تصور موقف الضالين والكافرين يوم القيامة، وما يلقون من بلاء وهوان، وأنهم جميعا واردون جهنم على دفعات.. الرؤساء أولا.. ثم المرءوسون ثانيا.. - وفى قوله تعالى: «ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» بيان لما يكون للمتقين، ولعباد الله المكرمين فى هذا اليوم من تكريم، حيث يفوزون بالنجاة من هول هذا اليوم، ومن عذابه الأليم.. كما يقول سبحانه «فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً» (١١: الإنسان) .. أما أهل الشّقوة فيتركون على ما هم فيه من بلاء وضنك، ونكال، حيث يشهدون بأعينهم هذا الركب الميمون، تزفه ملائكة الرحمن، إلى جنات النعيم، وإلى ما يرزقون فيها من كل طيب وكريم.. وتقديم الفصل هنا فى أمر أصحاب النار، على الفصل فى أصحاب الجنة، هو

стр. 3197

الذي تجىء عليه أحداث القيامة يومئذ، حيث يؤتى بالمجرمين أولا. ثم يقضى فيهم بدخول النار.. ثم يجاء بالمؤمنين فيقضى فيهم بدخول الجنة.. وحكمة هذا، هى أن يعجل لأهل النار بالنار، حتى تنقطع آمالهم من أول الأمر، بأن لا مكان لهم فى الجنة، وأن لا مطمع لهم فى أن يكونوا من الناجين، وذلك مما لا يتحقق، لو بدىء بالفصل فى أصحاب الجنة، حيث يعيش المجرمون لحظات تداعبهم فيها الآمال، وتتحرك فى نفوسهم الأطماع أنهم قد يكونون فى هؤلاء الآخذين طريقهم إلى الجنة، وأن دورهم لم يأت بعد، كما يقول سبحانه: «وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ.. وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ.. لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ» (٤٦: الأعراف) . وفى تقديم الفصل فى أصحاب النار على الفصل فى أصحاب الجنة، جاء قوله تعالى: «وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً..» (٦٩- ٧٣: الزمر) . وجاء قوله تعالى أيضا: «يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ

стр. 3198

مَجْذُوذٍ» (١٠٥- ١٠٨: هود) . هذا ويمكن أن تؤوّل الآية الكريمة على وجه آخر، وهو أن قوله تعالى: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها» يراد به أهل النار جميعا، على اختلاف حظوظهم السيئة منها.. سواء فى هذا من يخلدون فى النار من الكافرين والمشركين والمنافقين، أو من كان من المؤمنين، أصحاب الكبائر والصغائر.. ثم يجىء قوله تعالى بعد ذلك: «ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا» محتملا أن يراد به بعض أهل النار، وهم أولئك المؤمنون من أصحاب المنكرات.. فهؤلاء- لا شك- غير مخلدين فى النار، وإنما هم فيها أشبه بالمسجونين سجنا مؤقتا، سيخرجون منه حتما بعد استيفاء المدة المحكوم على كل واحد منهم بها.. ثم بعد هذا قوله تعالى: «وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» مبينا المصير الذي يعيش فيه الظالمون من الكافرين، والمشركين، والمنافقين، بعد أن انكشف المصير الذي صار إليه من كانوا معهم فى النار من عصاة المؤمنين.. الآيات: (٧٣- ٧٦) [سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٣ الى ٧٦] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)

стр. 3199

التفسير: بعد أن عرضت الآيات السابقة جهنم وأهوالها، وعرض أهل الضلال عليها، ثم إلقاءهم فيها.. جاءت هذه الآيات بعد ذلك لترد هؤلاء الضالين إلى الحياة التي كانوا فيها، بعد هذه الرحلة المرهقة التي رأوا فيها جهنم عيانا، وطلع عليهم من أنفاسها الملتهبة ما يكظم منهم الأنفاس، ويشوى الوجوه.. جاءت هذه الآيات، لتعرض هؤلاء الضالين المشركين، بعد تلك التجربة، لترى أثرها فيهم، وفى موقفهم من الدعوة إلى الإيمان بالله، والاستجابة لرسول الله- وإذا هم على غيّهم وضلالهم: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ» أي واضحات مشرقات: «قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ» نحن أم هؤلاء الذين مع محمد..؟ أي الفريقين منا ومنهم «خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا» أي خير حياة، وخير تمكنا من هذه الحياة، وأحسن مظهرا، حيث يضمنا نادينا، وحيث يجتمعون هم إلى محمد؟ إننا فى نعمة ظاهرة، وفى حياة رافهة، وفى مجالس عامرة بسادة القوم، ووجوه الناس.. وهم بين عبيد أرقاء، وبين فقراء لا وزن لهم فى الناس، ولا مكانة لهم فى المجتمع.. واللام فى قوله تعالى: «قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا» : إما أن تكون لام التعدية، وعلى هذا يكون القول من الذين كفروا موجها إلى الذين آمنوا..

стр. 3200

وإما أن تكون متعلقا بمحذوف، تقديره «محقّررين» أو «كائدين» للذين آمنوا.. أي قال الذين كفروا محقرين للذين آمنوا: أي الفريقين خير مقاما..؟ - وفى قوله تعالى: «وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً..» تهديد لهؤلاء المشركين، وتسفيه لجهلهم وضلالهم، إذ تمسكوا بهذه الدنيا وجعلوا كل وجودهم لها- فهؤلاء الضالون لن يخلدوا فى هذه الدنيا، ولن ينفعهم ما جمعوا من مال، وما استكثروا من بنين.. إنهم هالكون لا محالة، طال الزمن بهم أم قصر.. فإن شكّوا فى هذا، فلينظروا فى الأمم التي خلت من قبلهم، وما كان بين هذه الأمم من أصحاب أموال، ورياسات.. كانوا أكثر منهم مالا ومتاعا، وأبهى منظرا، وأعظم جاها وسلطانا.. فأين هؤلاء؟ لقد هلكوا فيمن هلك.. وسيهلك هؤلاء المشركون- سادة ومسودين- ولن تبقى منهم باقية!. قوله تعالى: «قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا» . أي من كان على تلك الحال من الاستغراق فى الضلالة، واستهلاك وجوده فيها، فإنه لن يرجع عن ضلالته، ولن يستمع لنصح ناصح، أو عظة واعظ.. وإذن «فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا» وليترك له الطريق مفتوحا إلى غايات الضلال، فلا يضيّق الله عليه فى الرزق، ولا يبتليه بشىء فى نفسه أو ولده، حتى لا ينصرف عن هذا الضلال، الذي هو غارق فيه.. كما يقول سبحانه: «أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ» هو تكريم لهم، وإحسان منا إليهم؟ كلا.. ولكن «نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ» (٥٥- ٥٦: المؤمنون) .

стр. 3201

- وفى قوله تعالى: «مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ» إشارة إلى أنه مستغرق فيها، وأن الضلالة ظرف قد احتواه، واشتمل عليه، فلا مخرج له منه.. وفى فعل الأمر: «فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا» إشعار بأن هذا قضاء قضاه الله فى أهل الضلال، وأوجبه جل شأنه على نفسه، كما أوجب رحمته لمن سبقت لهم من الله الحسنى.. فكأن ذلك أمر تقتضيه حكمة الله من الله..! وفى إسناد فعل الأمر إلى «الرحمن» إشارة أخرى إلى أن هذا المدّ من الله للمشركين إنما هو- مع ما فيه من خذلان لهم- محفوف بالرحمة، إذ لو شاء الله سبحانه، لأخذهم بذنوبهم، ولعجّل الله العذاب فى الدنيا، ولما أمهلهم تلك الفسحة من العمر، ليكون لهم فيها نظر إلى أنفسهم، وعودة إلى الله.. «حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً» .. حتى حرف غاية إلى هذا المد الذي يمده الله للمشركين، وأنه منته بهم إلى أمرين: إما العذاب فى الدنيا، بمهلكة يصبّها الله سبحانه عليهم، ويأخذهم بها، أو بالهزيمة والخزي على أيدى المؤمنين، فيما سيكون بينهم وبين المسلمين من قتال، كما يقول سبحانه: «قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا» (٥٢: التوبة) . وإما عذاب الآخرة.. فإنهم إن أفلتوا فى الدنيا من هذا العذاب أو ذاك، فإنهم لن يفلتوا من عذاب الآخرة الذي ينتظرهم، كما يقول سبحانه:

стр. 3202

«أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ» (٤٤- ٤٨: القمر) . وعندئذ، سيعلم هؤلاء الضالون: «مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً» وسيرون أىّ الفريقين «خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا؟» قوله تعالى: «وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا» . هو بيان لما يلقى المؤمنون المهتدون من إحسان الله سبحانه إليهم، وألطافه بهم.. إنه سيمدهم فى الدنيا بالهدى، ويزيدهم فلاحا إلى فلاح، وإيمانا مع إيمان، على حين يخذل الله سبحانه المشركين، ويمدّ لهم فى الغى والضلال.. - وفى قوله تعالى: «وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا» تعقيب على ما للأعمال الصالحة من آثار طيبة، تثمر لأهلها ثمرا طيبا.. إنهم غرسوا فى مغارس الخير، وقد بارك الله عليهم فيما غرسوا، وحرسه لهم من الآفات والمهلكات، وها هم أولاء وقد نضج الزرع، وطاب الثمر.! والمردّ: المرجع، والمآل، والعاقبة.. الآيات: (٧٧- ٨٧) [سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٧ الى ٨٧] أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧)

стр. 3203

التفسير: قوله تعالى: «أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً» .. الاستفهام هنا للتعجب، والمخاطب هو النبي، ﷺ ، ثم هو خطاب لكل من هو أهل للخطاب.. والتعجب، والعجب، هو من أمر هذا الذي كفر بآيات الله، ولم يؤمن بأن لهذا الوجود إلها خالقا، وربّا قائما على ما خلق- ومع هذا الإنكار لله من هذا الكافر الجهول، يقسم بأنه سيؤتى فى الآخرة- إن كانت هناك آخرة- سيؤتى مالا وولدا، كما أوتى فى هذه الدنيا، الكثير من المال والولد! هكذا يذهب الشيطان بأوليائه، تلك المذاهب البعيدة فى الضلال، ويقيم لهم حججا من الوهم والخيال، فهم كافرون بالله، إذا لم تكن هناك آخرة.. وإذن لا خسران عليهم من هذا الكفر.. وهم مؤمنون بالله إن كانت هناك آخرة، وإذن فلن يفوتهم حظهم الكبير إن كان للناس هناك حظوظ من مال وبنين!! «كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (١٢: يونس) .

стр. 3204

قيل إن هذه الآية نزلت فى بعض مشركى قريش، ولم يتفق المفسّرون على واحد بعينه، قيل فيه هذا القول.. وهذه الروايات المتعارضة المتضاربة فى أسباب النزول، تدعونا إلى أن نسقط هذه الآراء جميعها، ولا نأخذ بواحد منها، إذ أن ذلك يعد ترجيحا بلا مرجّح! والذي نطمئن إليه، هو أن الآية تشير إلى الرجل صاحب الجنتين، الذي جاء ذكره فى سورة الكهف، فى قوله تعالى: «وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً» .. (٣٦: الكهف) . فالآية إلفات إلى قصة هذا الرجل، وقد سمعها المشركون من قبل، فيما كان يتلوه النبىّ عليهم من آيات ربّه.. وهذا يعنى أن سورة مريم، قد نزلت متأخرة عن سورة الكهف. قوله تعالى: «أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً» . هو استفهام إنكارى، ينكر فيه على هذا المتألّى على الله.. الكافر به، هذا الادعاء الذي يدعيه، وأنه سيؤتى يوم القيامة مالا وولدا.. مثل ما أوتى فى الدنيا المال والولد.. فهل اطّلع الغيب، وقرأ ما سطر له فى علم الله؟ أم أنه اتخذ عند الله عهدا بذلك؟ .. إنه لا هذا ولا ذاك، فكيف صحّت عنده هذه الدعوى، وعلى أي أساس أقامها؟ إنه لا شىء إلّا الوهم الذي يمليه الضلال، ويزين وجهه الهوى «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» (٨: فاطر) .

стр. 3205

قوله تعالى: «كَلَّا.. سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً» .. كلا، كلمة ردع، وزجر، وتكذيب لهذا الادعاء الفاسد.. ونفى مؤكّد لهذا الافتراء.. فلن يؤتى هذا الشقي مالا ولا ولدا، وإنما سيكتب عليه قوله هذا مع ما يكتب من أقواله وأفعاله المنكرة، ثم يكون حصاد هذا كلّه لا مالا ولا ولدا، وإنما هو المزيد من العذاب، والمضاعفة من البلاء.. أما ما فى يديه من مال وولد، فى هذه الدنيا، فسيخرج من يديه، ويصبح ميراثا لغيره لا يمسك بيده شيئا منه يوم القيامة، بل يأتى فردا، عاريا، حافيا، كما ولد من بطن أمه.. عاريا حافيا! قوله تعالى: «وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا» : الضمير فى «وَاتَّخَذُوا» يعود إلى المشركين الذين ذكروا من قبل فى قوله تعالى: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا» .. فهؤلاء المشركون، قد اتخذوا من مستولدات أوهامهم وضلالاتهم، آلهة يعبدونهم من دون الله، ويرجون عندهم الخير، ويلتمسون منهم العون، والقوة، والتمكين فى الأرض.. قوله تعالى: «كَلَّا.. سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا» ..

стр. 3206

أي ولكن هؤلاء الآلهة التي هى صنعة أولئك المشركين، سينكرونهم يوم القيامة، وينكرون صلتهم بهم، بل ويكونون شهادة قائمة عليهم بما يفضحهم، ويملأ قلوبهم حسرة وندما..! قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا» .. الاستفهام هنا للأمر.. وتقديره انظر كيف أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين.. تؤزهم أزّا.. أي تغريهم إغراء، وتدفعهم إلى الضلال دفعا.. فالمشركون- والحال كذلك- مدفوعون دفعا إلى هاوية مهلكة، لافكاك لهم منها.. إن هناك قوى خفية تدفع بهم إلى الشر، وتغريهم به، وتوردهم موارده.. وإذن، فلا تعجل عليهم، واصبر حتى يحكم الله بينك وبينهم، وسترى قضاء الله فيهم.. فإنهم مأخوذون بذنوبهم، التي تزداد كل يوم يمضى من حياتهم فى هذه الدنيا.. وهذه الذنوب محصاة عليهم، معدودة فيما يعدّ لهم من سيئات وآثام.. فكلما طالت أيامهم فى هذه الدنيا، كثرت أحمالهم من الذنوب، وضوعف لهم العذاب. قوله تعالى: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً» . «يوم» ظرف، متعلق بمحذوف دلّ عليه قوله تعالى: «إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا» فهذا العدّ الذي يحصى على المشركين أفعالهم المنكرة، يلزم منه الجزاء

стр. 3207

والعذاب.. والتقدير إنما نعدّ لهم عدّا، فنأخذهم بما كسبوا، يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا، ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا.. وحشر المتقين إلى الرحمن، جمعهم إلى ساحة فضله وإحسانه، فى هيئة وفد كريم، يفد إلى جناب كريم، حيث ينزل منازل الإكرام والإعزاز.. وسوق المجرمين إلى جهنم وردا، هو دفعهم إليها، وسوقهم نحوها، كما تساق الأنعام.. فهم أشبه بقطيع من الماشية يساق إلى المذبح، ولا يدرى ماذا يراد به هناك! وفى التعبير عن المشركين بالمجرمين، وصف لهم بالصفة البارزة فيهم، والتي هى لازمة من لوازم الشرك.. فالمشرك مجرم آثم.. ومعنى «وردا» واردين، جمع وارد، والوارد، من يرد الماء ليشرب ويرتوى من ظمأ.. وهؤلاء إنما يردون عطاشا ليرتووا.. ولكن لا يجدون هناك إلا حميما وغسّاقا، كما يقول سبحانه: «ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ» (٥١- ٥٦ الواقعة) قوله تعالى: «لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً» . أي إن هؤلاء المجرمين المساقين إلى جهنّم، الواردين حياضها على ظمأ يحرق أكبادهم- لا يملكون ما يشفع لهم عند الله، ويعدل بهم عن هذا المورد الوبيل الواردين عليه.. لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا، وأمضى هذا العهد ووفى به، فإن له شفاعة عند الله.. فى نفسه، وفى غيره أيضا.. ومن هذا العهد ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ

стр. 3208

وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ.. وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ» (١١١: التوبة) فهذا عهد عاهد الله عليه المجاهدين فى سبيله، وقد اتخذ المجاهدون هذا العهد من الله، ووفوا به، فكان شفاعة لهم عند الله من عذاب جهنم.. والإيمان بالله، وبشريعة الله، هو عهد بين المؤمن وربّه، فإذا وفى بما عاهد الله عليه، أنجز الله له ما وعده من رضوانه، وفى هذا يقول الله تعالى: «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» (٦٠- ٦١: يس) .. الآيات: (٨٨- ٩٨) [سورة مريم (١٩) : الآيات ٨٨ الى ٩٨] وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) التفسير: الإدّ: الأمر المنكر، الذي يثقل كاهل صاحبه، ويقصم ظهره..

стр. 3209

يتفطّرن: يتشققن، خوفا وإشفاقا من هذا البهتان العظيم.. قوما لدّا: أي ذوى لدد وشدّة فى الخصومة، ولجاجة فى الجدل.. الركز: الصوت الخفيض.. وقوله تعالى: «وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا» . هو عرض لمقولة من مقولات الضالين، وهم تلك الطوائف من اليهود والنصارى، الذين نسبوا إلى الله الولد، فقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله.. وفى الإخبار بقولهم هذا، تهديد لهم، ووعيد شديد، بما سيلقون من وراء هذا الافتراء، الذي فزعت له السموات والأرض، حتى لقد اضطرب كيانهما، فكادت السموات تتشقق، وكادت الأرض تتصدع وتنخسف، وكادت الجبال تنهدّ وتتهاوى.. فمن يمسك على هذه الموجودات وجودها، ومن يحفظ عليها نظامها، إذا كان لله ولد؟ إن إلها يتخذ ولدا لأعجز من أن يقوم على أمر نفسه، فضلا عن أن يدبّر وجود غيره ويحفظه.. - وقوله تعالى: «لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا» هو ردّ على تلك المقولة المنكرة.. قد نطق به الوجود كلّه، الذي يرى آثار الله فيه، وتدبيره له- نطق به منكرا هذا القول المنكر.. الذي جاء به الضالون، من واردات الإفك والزور.

стр. 3210

قوله تعالى: «أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً» . هو بيان، وتفسير للضمير فى قوله تعالى: «منه» أي تكاد السموات يتفطرن، والأرض تنشق، والجبال تنهدّ، من أن ينسب هؤلاء الضالّون ولدا إلى الله.. إذ ما يصحّ، ولا يجوز أن يتخذ الرحمن ولدا.. فما يتّخذ الولد، إلّا ليسدّ حاجة فى نفس والديه.. والله فى غنى مطلق عن أن يحتاج إلى شىء، فكل ما فى السموات والأرض ملك لله، خاضع لمشيئته، كلهم عبد، وعابد له.. وقوله تعالى: «لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً» . هو بيان لقدرة الله تعالى، وسلطانه على هذا الوجود، وأن كلّ موجود فيه- صغر أم كبر- هو بيد القدرة الممسكة به، العالمة بكل ما فى ظاهره وباطنه.. وكل إنسان سيأتى يوم القيامة فردا، لا يصحبه أهل، ولا ولد، ولا مال، ولا متاع.. فهؤلاء الضالّون محصون فى علم الله، معروفون بذواتهم وأعمالهم، ومعدود عليهم كل نفس يتنفسونه، فلا يقع فى ظنهم أنهم غائبون عن الله، تائهون فى خضمّ هذا الوجود..! قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا» . وأهل الفوز من الناس جميعا، هم أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. فهؤلاء، حين يأتى الناس يوم القيامة، ولا شىء معهم- سيأتون هم ومعهم صالح أعمالهم، التي تقربهم إلى الله، وتدنيهم من رحمته، وتنزلهم منازل مودّته وألطافه..

стр. 3211

قوله تعالى: «فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا» . الضمير فى يسّرناه، يعود إلى القرآن الكريم، الذي لم يجر لهم ذكر فى هذا العرض الذي جاءت به الآيات السابقة.. وفى هذا تنويه بفضل القرآن، وأنه هو المذكور فى هذا الموقف، والملجأ الذي يلجأ إليه الناس، ويجدون فيه الهدى، والنجاة من أهوال يوم القيامة. فهذا القرآن ليس مما يخفى أمره على من يريد الهدى، ويلتمس النجاة.. إنه لا هدى إلا منه، ولا نجاة إلا بالتعلق به.. وإنه ممهد السبل، واضح المناهج، قريب التناول.. إنه يخاطب القوم بلسانهم الذي يتخاطبون به، فلا غموض فيه ولا إبهام.. إنه ليس سجعا كسجع الكهان، ولا تمتعة كتمتمة السحرة.. ولكنه بلسان عربى مبين.. وهذا الأسلوب الذي جاء عليه القرآن بلسان النبىّ، ولسان قومه، إنما ليكون حجة قائمة على الناس.. يدعوهم إلى الله، وإلى الإيمان به، وامتثال أو امره، واجتناب نواهيه.. فمن آمن، وعمل صالحا، فيا بشراه بما يلقى من نعيم الجنات ورضوان الرحمن.. ومن أبى، وأعرض.. فيا لخسرانه، ويا لحسرته.. يوم لا ينفع مال ولا بنون..! - وفى قوله تعالى: «وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا» إشارة كاشفة إلى تلك الآفة التي حجزت المشركين عن الاهتداء بهذا الهدى، والاستضاءة بذلك النور.. وإن آفتهم لهى هذا اللجج فى الخصومة والجدل، كما يقول سبحانه فيهم: «بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ» (٥٨: الزخرف) .

стр. 3212

قوله تعالى: «وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ.. هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً» .. هو تهديد لهؤلاء المشركين، وأنهم إذا أمسكوا على ما هم عليه من عناد وضلال، فإنهم سيخرجون من هذه الدنيا بأخسر صفقة.. فما هى إلا أيام يعيشونها فى هذه الدنيا، ثم يطويهم التراب، كما طوى أمما وقرونا كثيرة من قبلهم، فأصبحوا ترابا هامدين، لا يذكر لهم أثر، ولا يسمع لهم نبأ! ..

стр. 3213

٢٠- سورة طه نزولها: مكيّة.. نزلت بعد سورة «مريم» . عدد آياتها: مائة وخمس وثلاثون آية. عدد كلماتها: ألف وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة. عدد حروفها: خمسة آلاف ومئتان واثنان وأربعون حرفا. مناسبتها للسورة التي قبلها ختمت سورة مريم بقوله تعالى: «فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً» . وبدئت سورة طه بقوله: «ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى» . والختام، والبدء، على سواء فى تذكير النبىّ صلوات الله وسلامه عليه، بأنه ليس مسئولا عن هداية الناس، وحملهم حملا على الإيمان بالله.. وإنما دعوته هى تبليغ رسالة ربّه.. والرسالة- كما يحملها القرآن الكريم- واضحة بيّنة، لا تحتاج إلى جهد يبذل وراءها، ليكشف عن مضامينها.. إنها لا تحتاج- لكى يجنى الناس ثمراتها- إلا إلى آذان تسمع، وعقول تعقل، وقلوب تعى «فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها» (٤١: الزمر) «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ.. وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» (٢٩: الكهف)

стр. 3214

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الآيات: (١- ٨) [سورة طه (٢٠) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) التفسير: قوله تعالى: «طه» .. قيل: إن طه، منادى، ومعناه: يا رجل.. وقيل: إن «طه» بمعنى رجل هو فى اللغة النّبطية، وقيل فى السّريانية.. وقيل فى لغة بعض القبائل العربية، واستدلّ القائلون بهذا، بأشعار أوردوها.. والرأى عندنا، أن «طه» حرفان، هى: الطاء والهاء، وقد بدئت السورة بهما، على ما بدئت به بعض السّور.. مثل: حم، ويس.. ولعل أقرب مفهوم لهذين الحرفين هنا، هو أنهما من السهولة، والوضوح، بحيث لا يخفى أمرهما على ناطق باللسان العربي.. وهكذا شأن القرآن الكريم، فى آياته وسوره، وفيما حمل إلى الناس من أحكام، وشرائع، ومواعظ.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى آخر سورة مريم: «فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ» ..

стр. 3215

فهو ميسّر للذكر والفهم، كتيسير طاء وهاء، فى وضوحهما ويسرهما، نطقا، ومدلولا.. قوله تعالى: «ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» . فى هذه الآية الكريمة نفحة من نفحات السّماء، وروح من رحمة الرّحمن، يتلقاهما النبىّ الكريم، من ربّه، وهو فى هذا المعترك الصاخب بينه وبين قومه، الذين لج بهم العناد، وأعماهم الضلال، فركبوا رءوسهم، وأبوا إلا خلافا عليه، وسخرية به، وإيذاء له.. وهو البارّ بهم، الحدب عليهم، الحريص على هدايتهم، واستنقاذهم من الضلال والهلاك.. وليس يدرك ما كان يجد النبىّ من خلاف قومه عليه، من أسى وحسرة، إلا من يستمع إلى قوله تعالى فى وصف الله سبحانه للرسول بقوله: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» (١٢٨: التوبة) . وليس يتصور مدى ما كان يحمل النبىّ من آلام، وما يكابد من مشقات، وهو يدور حول هؤلاء السفهاء من قومه، ليجد منفذا ينفذ منه إلى مواقع الهدى منهم ومواطن الاستجابة فيهم- ليس يتصور هذا، إلا من يستمع إلى قوله تعالى، ناصحا لنبيه داعيا إياه إلى الرفق بنفسه، والمصالحة مع كيانه، الذي كاد يتمزق ألما وضيقا وحسرة عليهم.. إذ يقول له: «فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ» (٨: فاطر) ويقول جل شأنه: «وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ» (١٣٧: النحل) ويقول جل من قائل: «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً» (٦: الكهف) ويقول سبحانه:

стр. 3216

«أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (٩٩: يونس) .. هكذا كان يعيش النبىّ مع قومه، فى عطفه ورحمته، وهم فى غلظتهم وسفاهتهم.. وهكذا كانت تنزل عليه آيات ربه، تدعوه إلى الترفق بنفسه، والتخفف من حرصه.. وهو- صلوات الله وسلامه عليه- بما ملأ الله به قلبه من رحمة، لا يكاد يمسك من نفسه هذا التيار المتدفق من الرحمة والحنان، حتى تغلبه رحمته، وإذا هو على هذا الطريق المسدود.. يهتف ولا مجيب، وينادى ولا مستمع! - وفى قوله تعالى: «ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» أكثر من نصح للنبىّ، إلى الرفق بنفسه.. بل إنه شىء أقرب إلى العتاب واللوم.. ولكنه عتاب فى مقام الفضل والإحسان، ولوم فى موطن المبالغة فى الفضل والإحسان، شبيه بقوله: تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ» (١: التحريم) .. فالقرآن الكريم هو رحمة الله المنزلة على عباده.. فكيف يشقى به النبىّ، ويحمل منه هذا العبء الثقيل الذي تنوء به الجبال؟ كيف هذا، وهو الذي من حقّه أن يأخذ من هذه الرحمة النصيب الأوفى، والحظ الأعظم؟ إن الله ، ما أنزل عليه القرآن الكريم، ولا اختصه به، إلا ليسكن به فى قلبه السكينة والمسرة، وإلا ليملأ به كيانه روحا، وأنسا..! فكيف يشقى به، ويحمل منه هذا العناء الشديد؟ - «ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» فرفقا بنفسك، ودع هؤلاء الغواة الضالين وشأنهم، بعد أن بلغتهم رسالة ربك..

стр. 3217

قوله تعالى: «إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى» .. تذكرة مفعول لأجله، للفعل فى قوله تعالى: «ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ» أي ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى، لا لتشقى به وتحمل نفسك هذا العناء الشديد المتصل، الذي أنت فيه. فمن كان عنده استعداد لقبول الهدى، فإنه لأول لقاء له مع القرآن الكريم، جدير به أن يؤمن، ويستجيب لله وللرسول.. وأما من كان ممن ختم الله على قلبه، وجعل على سمعه وبصره غشاوة، فإنه لن يهتدى أبدا، ولو قضيت العمر كله، تأتيه من كل جانب. وتلقاه بكل سبيل.. واختصاص أهل الخشية بالتذكرة والانتفاع بالقرآن، لأنهم هم الذين ينظرون إلى عواقب الأمور، ولا يعيشون ليومهم كما يعيش أهل السفاهة والضلال.. فإن من خشى العواقب استعمل عقله، وقلّب وجوه الأمور التي تعرض له..، فاستبان له وجه الحق منها. قوله تعالى: «تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى» . تنزيلا مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره تنزل، أي تنزل هذا القرآن الذي أنزله الله عليك تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى.. والمراد بالتنزيل أنه نزل منجما، مفرقا، لا دفعة واحدة.. وهذا من أمارات الرفق بالنبيّ الكريم، كما يقول سبحانه: «كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ» . قوله تعالى: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» .. هو بيان لقدرة الله تعالى، وبسطة سلطانه على هذا الوجود الذي أوجده..

стр. 3218

فهو سبحانه قد استوى على عرش هذا الوجود، وانفرد بمقام الملك والحكم فيه، لا ينازعه أحد، ولا يشاركه شريك من صاحبة أو ولد! .. وقد كثر القول بين أصحاب المقولات، من فرق المعتزلة، والقدرية، والمجسّدة، وغيرهم- كثر القول والخلاف فى تأويل العرش، والاستواء على العرش.. وخير ما قيل فى هذا المقام قول الإمام مالك وقد سئل عن تأويل الآية، فقال للسائل: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة.. وما أراك إلا مبتدعا» .. فمن ذا الذي يعلم العرش؟ ثم من ذا الذي يعرف ذات ربّ العرش؟ وإن كان ذلك فوق العقل، فكيف يعرف شأن ذات لا سبيل إلى أن تعرف؟. قوله تعالى: «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى» هو بيان، لقدرة الله، وسعة سلطانه، ونفوذ أمره إلى كل موجود فى هذا الوجود، علوه وسفله.. وهذا لا يكون إلا لمن ملك هذا الوجود ملك قدرة وحكمة وعلم، بحيث يقوم الوجود كله على ميزان مستقيم، لا يهتزّ أية هزّة، وإلا لما كان لهذا المالك أن يستوى على العرش، وأن يستقرّ عليه، وأن يدوم له استقرار!. قوله تعالى: «وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى» . ومن دلائل ما لله من علم، أنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تنطوى عليه الصدور، وما تتلبس به المشاعر. والمعنى: إن تجهر بالقول، سمعك السميع العليم، وإن تسرّ به،

стр. 3219

أو تطوه فى صدرك، فإنه يسمعه ويعلمه.. «فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى» أي وما هو أخفى من السرّ، وهو حديث القلب وهجسات الخاطر.. وذلك هو الله الذي لا إله إلّا هو.. «لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى» أي له من الأسماء كل ما هو كمال كله، وحسن جميعه.. «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى» .. فأى اسم يفرد الله بالكمال والجلال، ويخصّه بالربوبية والألوهية، فهو من أسمائه، التي يدعى بها، ويتعبّد له بذكرها. الآيات: (٩- ١٦) [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩ الى ١٦] وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) التفسير: فى هذه الآيات، والآيات التي ستأتى بعدها، ذكر لقصة موسى ﵇.. والذي ذكر من قصة موسى هنا، يمثّل مقطعا كبيرا من حيلته.. وذلك من بدء اختياره للرسالة، ولقائه فرعون، وما كان بينه وبين السحرة، ثم خروجه مع بنى إسرائيل، وغرق فرعون.. ثم ما وقع لبنى إسرائيل من

стр. 3220

فتنتهم وعبادتهم العجل، وما جرى بين موسى وأخيه هرون، ثم ما جرى بين موسى والسامرىّ الذي صنع العجل، ودعا القوم إلى عبادته. أما ذكر ميلاد موسى، وإلقائه فى الميم، وعودته إلى أمه.. فقد جاء فى أثناء القصة، تذكيرا لموسى بنعمة الله عليه، ورعايته له، تلك الرعاية التي نجا بها من فرعون حين أوحى الله إلى أم موسى أن تلقيه فى اليم، فساقه اليمّ إلى يد فرعون، الذي كان يطلب قتله!! فحفظه وربّاه، واتخذه ولدا!. ومناسبة قصة موسى وفرعون لهذا البدء الذي بدئت به هذه السورة، هو تذكير للنبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- بما تنطوى عليه قلوب الظالمين من ظلم، وما تتلبّس بهم عقولهم من ظلام وضلال، وأنهم فى وجه الآيات المشرقة عمى لا يبصرون، وفى مواجهة الحق السافر يشهرون أسلحة الجدل والعناد، ويصطنعون مع الحق معركة، يلقون فيها بكل مالديهم من سفاهة، وسخرية واستهزاء.. فموقف موسى من فرعون، هو نفس الموقف الذي يقفه النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- من هؤلاء الفراعين، من سادة قريش، وقادة الكفر والضلال فيهم. وفى هذا جذب للنبىّ من دائرة الضيق والأسى، التي هو فيها، حزنا على قومه، وحسرة على أنه لم يستطع أن يطبّ لدائهم ويشفى العلل المتمكنة منهم.. إنهم ليسوا أحسن حالا من فرعون، الذي لم يستطع موسى بآياته المحسوسة، أن يشفى داءه، ويذهب بعلته.. فليمت هؤلاء الفراعين بدائهم، كما مات فرعون بدائه.. ولن يندبهم أحد، ولن يأسى على مصابهم قريب أو حبيب. راحوا فما بكت الدنيا لمصرعهم ... ولا تعطّلت الأعياد والجمع

стр. 3221

وتبدأ القصّة بهذا الاستفهام، الذي يثير أشواق النفس إلى الاستماع للجواب عن هذا السؤال المثير: «وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً» أي لمحتها، وفى التعبير عن رؤية النار بالفعل «آنست» الذي يدلّ على الأنس بها، والبشاشة بوجودها، ما يشير إلى أن موسى كان فى وحشة ليل بهيم، فى هذه الصحراء التي لا أحد فيها.. فهو فى وحشة الليل، ووحشة الوحدة.. فلما رأى النار، وجد شيئا من الأنس والطمأنينة، لأن النار لا بد أن يكون عندها من أوقدها.. وكان موسى قادما من مدين إلى مصر ومعه زوجه بنت شعيب ﵇. «لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً» .. فهو إذ يتجه إلى حيث تشتعل النار، إنما يرجو أن يأتى منها «بقبس» أي شىء من الحطب المتّقد، أو يجد عند النار من يدلّه على الوجهة التي تتجه به إلى مصر.. وفى قوله: «عَلَى النَّارِ» بدلا من «عند النار» إشارة إلى أن الوقت كان بردا، وأن من يوقد النار إنما كان يوقدها ليستدفئ بها ويعلوها.. «فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى» . وما كاد موسى يبلغ النار، حتى نودى من قبل الحقّ جلّ وعلا: «يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ.. فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» تأدبا، لأنك فى مقام تخاطب فيه ربّك ويخاطبك.. «إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً» أي بالوادي المبارك، المطهّر، الذي باركه الله وطهّره بمناجاتك فيه.. وطوى: هو اسم البقعة من هذا الوادي، أو هو نفس الوادي.

стр. 3222

- «وَأَنَا اخْتَرْتُكَ» واصطفيتك لرسالتى.. فأنت منذ الآن رسول من رسلى.. «فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى» إليك منى.. «إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ، لا إِلهَ إِلَّا أَنَا، فَاعْبُدْنِي، وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» . فهذا أول ما يستقبل الرسول من أمر ربّه.. أن يعرف ربّه، ويعرف صفاته، ثم يعبده كما أمره.. «إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ» فاعرف من يخاطبك.. «إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ.. لا إِلهَ إِلَّا أَنَا» ليس هناك إله غيرى.. وإذ تقرر ذلك، وعرفته وآمنت به «فاعبدنى» أي كن عبدا لى، وعابدا.. «وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» .. أي اجعل الصلاة هى العبادة التي تذكرنى بها.. وخصّت الصلاة بالذكر من بين العبادات، لأنها هى المناجاة التي يناجى بها العبد ربّه، ويكشف فيها عن ولائه، وما ينطوى عليه قلبه من تعظيم لله، وولاء له، وانقياد وخضوع لجلاله وعظمته.. «إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى» . وممّا ينبغى أن يؤمن به الرسول قبل أن يبدأ رسالته، أن يؤمن بالآخرة، كما آمن بالله، وأن يستيقن أنها آتية لا ريب فيها.. - وفى قوله تعالى: «أَكادُ أُخْفِيها» إشارة إلى أن الساعة غيب من غيوب الله، وأنها محجبة وراء ستر الغيب، وأن الذي يؤمن بها إنما يؤمن إيمان غيب، لا إيمان شهادة ومعاينة.. ومع هذا، فإنّ هناك من الأمارات، والدلائل، ما يجدها العقل بين يديه، ليستدلّ منها على أن الحياة الدنيا ليست هى مبدأ الإنسان، ونهايته، وأنه لا بد أن يكون وراء هذه الحياة حياة أرحب وأوسع، لتجزى فيها كلّ نفس بما عملت فى هذه الدنيا.. وهذا هو السرّ فى قوله تعالى: «أَكادُ أُخْفِيها» ولم يجىء النظم القرآنى «أخفيتها» فهذا التعبير القرآنى يحمل فى طياته إشارة مضيئة إلى أن الإنسان مطالب- بما أودع الله

стр. 3223

سبحانه وتعالى فى كيانه من قوّى عاقلة مدركة- بأن يتجنب الشر، ويتجه إلى الخير، وأن يتنكب طرق الضلال، ويأخذ طريق الهدى، وبذلك يكون مهيئا تلقائيّا للقاء الآخرة، وللفوز برضوان الله فيها.. أما من زهد فى عقله، وتنكر لفطرته، فركب طريق الغواية والضلال، فإن ما يلقاه فى الآخرة من عذاب وبلاء، هو الجزاء العادل الذي يستحقه. وهذا يعنى أنه إذا لم تكن هناك آخرة، أو حساب وجزاء- فإنه كان جديرا بالإنسان أن يحاسب نفسه، ويقيمها على ما هو أكرم لإنسانيته، وأحفظ لقدرها وكرامتها.. - وقوله تعالى «أَكادُ أُخْفِيها» أي أكاد ألّا أنبئ أحدا عنها، وألا يقع فى حساب الناس أنها آتية، حتى يعمل كل بما فى طبيعته، وحتى يجزى كل بما هو أهل له، إذا جاء يوم الحساب، على غير حساب أو انتظار من الناس. ولكن رحمة الله بعباده، قد شملتهم، فأنذروا بهذا اليوم قبل أن يقع، وحذّروا بما فيه من نكال وبلاء للضالين والمنحرفين، ووعدوا بما فيه من خير ونعيم ورضوان، للمؤمنين المتقين.. «فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى» وفى هذا إشارة إلى بنى إسرائيل، وتعريض بإيمانهم بالآخرة، إذ كان إيمانهم بها إيمانا غير مستيقن.. وإنما هو متلبس بالشكّ، والظنون.. ذلك أنهم لا يؤمنون إلّا بما هو مادىّ، يجبه حواسّهم، وفى هذا يقول الله عنهم: «وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً» (٥٥: البقرة) يقولون هذا عن الله وآيات الله تنزل عليهم من السّماء، يرونها رأى العين، ويعيشون فيها، فكيف بيوم القيامة وليس فى أيديهم شىء منه؟

стр. 3224

الآيات: (١٧- ٢٤) [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٧ الى ٢٤] وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) التفسير: فى هذه المرحلة من رسالة موسى، يبدأ الاستعداد للمرحلة الثانية، التي هى رسالته إلى قومه بنى إسرائيل، وذلك بعد أن يخلصهم من يد فرعون. ولكن قبل أن تبدأ هذه المرحلة، وقبل أن يدعى موسى إلى لقاء فرعون، تكون له وقفة بين يدى ربّه، يهيئه فيها لهذا اللقاء المثير المخيف. وها هو ذا موسى يستمع إلى نداء ربه.. «وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى؟» إن موسى يعرف ما بيمينه، ولهذا قال على الفور: - «هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها.. وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي.. وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى» .. وهذا الوصف المستغرق لصفات العصا، إنما هو لما وجد موسى من غرابة، السؤال، ووقعه على نفسه.. فليس بين يديه إلا عصا كسائر العصىّ.. يتوكأ عليها، ويهشّ بها على غنمه، ويردّ بها كل عاد عليه، أو يعلق عليها أدواته..

стр. 3225

أو نحو هذا مما تستخدم له العصىّ فى يد من يحملونها.. وكأنّ موسى قد استشعر من هذا السؤال أنه يحمل شيئا منكرا، لا يليق بمن يخاطبه الله، ويصطفيه لرسالته، أن يحمله.. ولهذا أعطى عصاه كل الأوصاف التي يحملها من أجلها.. وفى هذا الوصف يتحقق موسى أن عصاه هذه ليست إلا عصا من العصىّ التي يحملها الرعاة، والتي يقتطعونها من أغصان الأشجار.. وإذن فليعلم موسى من أمر هذه العصا ما لم يكن يقع له فى حسبان!. «قالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى» .. ولا شك أن موسى قد فزع واضطرب.. وقد فزع واضطرب فعلا، وولّى مدبرا ولم يعقب.. كما يقول سبحانه فى موضع آخر.. «فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ» (٣١: القصص) .. ولهذا جاء قوله تعالى له: «قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى» .. وهكذا أخذ موسى العصا، فإذا هى على ما كان يعهدها عليه.. «وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ.. آيَةً أُخْرى» .. هو معطوف على قوله تعالى: «خُذْها» أي خذ العصا، «وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ» .. ولهذا جاء الأمر هنا غير مسبوق بالقول! - وقوله تعالى: «آيَةً أُخْرى» منصوب باسم فعل محذوف، تقديره: إليك آية أخرى، إلى تلك الآية الأولى، آية العصا، التي عرفتها.. ويمكن أن يكون منصوبا على الحال من قوله تعالى: «تَخْرُجْ بَيْضاءَ» حالة كونها آية أخرى، إلى الآية السابقة، وهى العصا..
следующие страницы →