← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الآية: (٢٥٧) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٧] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧) التفسير: منذ يدخل الإنسان ساحة الإيمان ويسلم وجهه لله وحده، وهو فى ضمانة الله، يتولاه برحمته وهدايته وتوفيقه، ويخرجه من ظلمة الضلال إلى نور الحق، وإذا هو على نور من ربّه «وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» (٤٠: النور) . أما حين يعطى المرء وجوده للطاغوت، ويسلم إليه زمامه، فهو في ضمانة هذا الطاغوت.. أعنى فى ضمانة الباطل والضلال.. فانظر إلى أين يقاد من كان قائده الباطل وحاديه الضلال؟ إنه يخرجه من النور إلى الظلمات، إذ يفسد عليه تلك الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فيطمس عليها فى كيانه، فإذا هو أعمى يتخبط فى ظلام،، ويقاد بيد الضلال إلى كل مضلّة وكل مهلكة. وانظر إلى كلمة «الطاغوت» مرة أخرى، وقد جاءت مسندة إلى الفرد في الآية السابقة: «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ» ، ثم جاءت مسندة إلى الجمع فى هذه الآية: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ» دون أن تتغير صورتها فى الحالتين، بل ظلت هكذا: «الطاغوت» .. وهذا ما يؤيد ما ذهبنا إليه من أنه لا مشخّص لهذه الكلمة، وإنما هى اسم جامع لكل باطل، وكل ضلال، وكل غواية، وهو قادر على أن يحمل فى كيانه الضخم كل هذه المخازي والضلالات.. إنه «الطاغوت» !!. بناء ضخم شامخ من الوهم والضلال.

стр. 317

الآية: (٢٥٨) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٨] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) التفسير: هنا نجد المثل لمن آمن بالله فكان الله وليّه، يخرجه من الظلمات إلى النور، ومن كفر فكان الطاغوت وليّه، يخرجه من النور إلى الظلمات! ومثل الأول نجده على أكمل صورة وأتمها، فى إبراهيم ﵇، كما نجد مثل الثاني فى هذا الذي آتاه الله الملك، وغمره بالنعم، فاستقبلها بالجحود والكفران، والإغراق فى البهت والضلال.. ولم يذكر القرآن اسم هذا الإنسان المتمرد على الله، ولم يدل عليه، لأنه ساقط من حساب الإنسانية، إذ باع إنسانيته للشيطان، وأسلمها للطاغوت.. ثم إنه لا ضرورة لذكره، حتى لا يتعرف عليه أحد، فتصيبه عدواه ولو من بعيد، كما تصيب الرائحة الخبيثة بالأذى كلّ من يمر به حامل الجيف.. ثم لمن أراد أن يعرف وجه هذا الشر، وحامل هذا المنكر فإن التاريخ يقول إنه «النمرود» ملك كنعان.. وكم فى الناس من نمرود؟ والذي تعرضه الآية الكريمة هنا، وتحرص على كشفه وتجليته، وهو هذا الصّدام الفكرى بين منطق الحق وسفاهة الباطل، بين نور الإيمان وهداه، وظلام الشرك وضلاله! يقول الله تعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ» فهذا الإنسان الذي فضل الله عليه وأوسع له فى فضله، ومكّن له فى الأرض، قد غرّه ما بيده من سلطان، فكفر بأنعم الله، ثم لجّ به الكفر فحادّ الله ورسوله، وادعى لنفسه الألوهية، وقال قولة فرعون: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى» !

стр. 318

فلما جاءه نبىّ الله، إبراهيم، يدعوه إلى الله، أنكر هذه الدعوة، وجحد أن يكون فى الأرض إله معه، وجعل يلقى إلى إبراهيم بالحجج الدالة على ألوهيته، وأهليته لتلك الألوهية، بما فى يده من سلطان بتصرف به كيف يشاء.. وكثرت بينه وبين إبراهيم المحاجّة والمناظرة.. وتخير القرآن الكريم من هذه المواقف مشهدين، يلخصان القضية كلها، ويضبطان محتواها ومضمونها. «قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» ! هذا هو ربّ إبراهيم، الذي يدين له، ويدعو إليه.. هو الذي بيده الحياة والموت، وهو الّذى أمات وأحيا.. فذلك أمر لا يشاركه فيه أحد، ولا يدّعيه لنفسه مخلوق، إلا أن يركب الحماقة والسّفه. وقد ركب هذا الجهول الحماقة والسفه وانطلق بلا عنان.. «قالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ!!» هكذا يقولها بملء فيه! ولم يذكر من أين هو جاء، ولا إلى أين هو يصير؟ «أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً» ؟ (٦٧: مريم) . ولم ير إبراهيم- إزاء هذا السّفه الوقاح- أن يقف عند هذا الجواب، وأن يكشف باطل هذا الأحمق الجهول.. فقد يذهب بالرجل الحمق والجهل فيقول لإبراهيم: ألا تصدق ما أقول؟ أتريد شاهدا؟ أنت نفسك أنا الذي أحييه، لأنى لا أريد قتلك! وأنا أميتك لو أردت! فهل تريد مصداق ذلك؟ وقد يفعلها الرجل ولا معقّب عليه!! وتحاشى إبراهيم أن يدخل مع النمرود فى هذا الجدل، وأن يمد له فى حبال السفسطة، بل جاء إليه إبراهيم بما يخرسه ويفحمه! «قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ» .

стр. 319

فهذا النظام الذي ينتظم حركة الشمس قبل أن يولد هذا الإنسان المغرور بآلاف السنين وملايينها، ليس من صنع إنسان من الناس، إنه من عمل قدرة غير قدرة الناس.. فإذا كان النمرود إلها يناظر إله إبراهيم، فليجب على هذا التحدّى، ولينقض على إله إبراهيم عملا من عمله، وتدبيرا من تدبيره! «فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ!!» . وأسقط فى يد الرجل، وخرس لسانه وشلّ تفكيره، وسقط من عليائه مبللا فى ثيابه، بعرق الخزي والخذلان! «فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» . وهكذا يصاب الرجل فى مقاتله، بطعنة نافذة من يد الحق: «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» . الآية: (٢٥٩) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٩] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) التفسير: لمّا ذكر الله فى الآية (٢٥٧) أنه ولىّ الذين آمنوا، وأنه بهذه الولاية لهم يخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن الذين كفروا أولياؤهم

стр. 320

الطاغوت، وأنهم بهذه الولاية للطواغيت يخرجونهم من النور إلى الظلمات- لما ذكر الله هذا الحكم، لفت النبىّ الكريم إليه سبحانه، ليريه له الأمثال والشواهد فى الناس، ثم قدم له سبحانه شاهدين من التاريخ، ليسكونا مثلين للمؤمنين والكافرين.. أولياء، الله وأولياء الطاغوت.. والمثل البارز لأولياء الطاغوت هو ذلك الذي حاج إبراهيم فى ربه، أما المثل الآخر لأولياء الله فهو ذلك الذي مرّ على قرية وهى خاوية على عروشها. فهذا العطف فى قوله تعالى: «أَوْ كَالَّذِي» هو عطف لهذا المثل على المثل السابق.. والتقدير: أتريد يا محمد شاهدا لهذا الحكم الذي حكمت به، وهو أنى ولىّ الذين آمنوا أخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات؟ أتريد لهذا شاهدا؟ إليك شاهدين أو مثلين.. أما المثل الأول فتجده فى هذا الذي حاجّ إبراهيم فى ربه، وقد كان وليّا للطاغوت، فأخرجه من النور إلى الظلمات. وأما المثل الثاني فتجده فى ذلك الذي مرّ على قرية وهى خاوية على عروشها.. فهو رجل مؤمن بالله، وهو يريد أن يستوثق لإيمانه، ويطلب له المزيد من الأدلة والشواهد، وليس هذا بالذي يضير المؤمن أو يجور على إيمانه، مادام حريصا على طلب الحق، مجتهدا فى السعى إليه، والبحث عنه، فإنه بهذه النية المخلصة سيجد العون والتوفيق من الله: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» . وفى قوله تعالى: «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟» ما يكشف عن مشاعر هذا المؤمن بالله، حين مرّ بقرية قد اندثرت معالمها، وخمدت الحياة فيها، فتمثل له

стр. 321

منها ما كانت عليه فى سالف الزمن، وما كانت تزخر به من عمران، وما كان يموج فيه أهلها من ألوان الحياة، ومذاهب العمل.. لقد صار كل ذلك ترابا فى تراب! واهتاجت مشاعر الرجل، وتمثل له من هذا الهمود الموحش صور من الماضي البعيد، وإذا القرية وأهلها حاضرة فى خياله، تنبض بالحياة، وتفور بالنشاط، كإحدى القرى الحية الماثلة لعينيه هنا أو هناك.. وفتح الرجل عينيه فطار حلم اليقظة الذي ارتسم فى خياله.. وتساءل: أهذا الحلم يمكن أن يصبح حقيقة؟ وهل تعود هذه الأجساد التي بلاها البلى وأكلها التراب؟ هل تعود مرة أخرى إلى الحياة؟ أذلك ممكن؟ ويهتف به هاتف الإيمان: أهذا امتحان لقدرة الله؟ أأنت فى شك من تلك القدرة القادرة على كل شىء؟ ويجيب على نفسه: معاذ الله أن أمتحن أو أشك.. ولكن!! وتموت الكلمات بعد ذلك فى صدره، ويمضى فى طريقه في صمت ووجوم!! وهنا تجىء نجدة السماء فى أطواء قوله تعالى: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» .. وكانت تجربة حية وجدها الرجل فى نفسه، وفى الأشياء التي بين يديه.. الرجل، وحماره، وطعامه، وشرابه.. وذلك يمثل الإنسان، والحيوان، والطعام، والماء.. إنها صورة مصغرة للقرية بكل مشخصاتها، مما يدخل عليه الفساد والانحلال مع الزمن.. الرجل وأشياؤه التي يضمها إليه.. فى رحلة إلى غاية يقصدها، ومنزلة يحط عندها رحاله.. والقرية وأشياؤها التي تضمها إليها.. في رحلة إلى غاية هى سائرة إليها، ومنزلة هى منتهية عندها.. يوم يقوم الناس لربّ العالمين! وما يكاد الرجل يعطى القرية ظهره، حتى تتردد فى أذنيه من جنباتها أصداء تلك الكلمات التي همس بها إلى نفسه: «أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها» ؟ فلا يلبث أن يخرّ صعقا! .. «فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ»

стр. 322

إنها رحلة طويلة فى عالم ما بعد الحياة، استغرقت مئة عام قطعها الرجل وأشياؤه مع القرية فى مسيرتها.. وصحا الرجل بعدها، فوجد من يسأله من قبل الله، على لسان هاتف يهتف به: «كم لبثت» فى نومتك تلك؟ وما حسب أنه طوى هذا الزمن الطويل فى هذا النوم الثقيل، فقال: «لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ!» ذلك ما وقع فى تقديره، قبل أن يفتح عينيه على الحياة من حوله، ويرى سير الزمن بها، وأثره فيها.. فلما قيل له: «بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ» فزع، وكرب، وجهد أن يستحضر وجوده كله، ويقظته كلها، ليعلم أهو فى يقظة أم منام.. وصحا الرجل صحوة مشرقة، فرأى الأمر على ما أخبر به.. لقد تغيرت وجوه الأرض من حوله، فأنكرها وأنكرته، بل لقد أنكر نفسه بما طرأ عليه خلال نومه الطويل، من تغيّر فى هيئته.. ووقع فى يقينه أنه نام نومة استغرقت مئة عام، وهتف به هاتف الحق: أن انظر إلى طعامك وشرابك.. إنه على ما هو عليه لم يدخل عليه فساد، بل ما زال طيبا هنيئا «لم يتسنّه» أي لم تغيّره السنون- وأصله لم يتسنّ، والهاء للسكت!! «وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ» إنه ما زال قائما إلى جوارك على عهدك به!! ففيك وفى أشيائك التي بين يديك آية لك وللناس، يرون فيها قدرة الله التي لا يعجزها شىء، ويستيقنون منها إمكانية البعث الذي يرتاب فيه المرتابون. وحين استبان للرجل كل شىء حوله، وأشرق قلبه بنور الحق، واستنارت بصيرته بهدى الله، دعى إلى أن ينظر نظرا أعمق وأشمل، إذ قيل له: «وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً» ونشز العظام هو بروزها من بين أخلاط الجنين.. وفى النظر تتكشف عملية الخلق، وبعث الإنسان من عدم، كما يقول الله تعالى: «أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً» (٦٧: مريم) . فالذى أوجد الحياة من موات، قادر على أن يرد هذه الحياة إلى موات، كما أنه قادر على أن يعيد الحياة إلى هذا

стр. 323

الموات.. «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ» (١٠٤: الأنبياء) . وتنجلى هذه التجربة المثيرة عن إيمان عميق بقدرة الله، يملأ كيان الرجل كله، وتندفع به غيوم الشك من صدره، ويزول دخان الريب من قلبه. «فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» فهذا تصديق لما كان يعلمه من قبل، وليس إنشاء لعلم جديد. ولكن شتان بين علم وعلم، وإيمان وإيمان.. «وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً» (٧٦: مريم) . وهنا أسئلة: فأولا: هل هذه حادثة وقعت، أم هى مثل مضروب للعبرة والعظمة؟. والذي نقول به هو أن كل قصص القرآن وأمثاله، وما ورد فى هذا القصص والأمثال من أشخاص وأحداث، هو من الواقع الذي لا شك فيه، وإذا كان لنا نحن البشر أن نلجأ إلى الخيال والوهم لننسج منهما قصصا، وذلك حين يعجز الواقع عن أن يسعفنا بما نتصوره ونتمناه، فإن قدرة الخالق جلّ وعلا لا يعجزها شىء.. تريد فيقع ما تريد، كما أرادته، دون قصور أو مهل، إنها إرادة لا يخالطها وهم، ولا يطوف بها خيال، ولا تعللها الأمانىّ.. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. فالذين يرون أن من قصص القرآن ومن أمثاله ما لا يقع، إنما يتهمون قدرة الله، وينسبون إليه ما ينسبون إلى البشر من عجز وقصور. وثانيا: هل كان الذي حدث للرجل موتا حقيقيا، أم كان سباتا ونوما طويلا، كما حدث لأصحاب الكهف؟. وكلا الأمرين يمكن أن يكون، مادام ذلك متعلقا بقدرة الله.. وكذلك الشأن فى حماره الذي كان معه!. على أننا- مع هذا- نميل إلى القول بأن ما حدث للرجل كان نوما ثقيلا

стр. 324

عميقا، فى مكان منعزل عن الناس والحياة، وليكن كهفا، وذلك على نحو ما حدث لأصحاب الكهف، ولكلبهم، الذي صحبهم فى نومهم الطويل. وفى قوله تعالى: «فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ» مشابه كثيرة من قوله سبحانه فى أصحاب الكهف: «فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً» (١١: ١٢ الكهف) وثالثا: ماذا أفادت هذه التجربة فى واقع الحياة؟ ولم كانت مئة عام ولم تكن عاما، أو بعض عام.. فإن امتداد الزمن وقصره سواء، بعد أن يجاوز المدى الذي يمكن أن يحتمله الإنسان فى الحياة بلا طعام أو شراب؟. والجواب عن الشق الأول من السؤال، هو أن التجربة قد رفعت عن هذا الرجل المؤمن بالله غشاوة كانت تظلل إيمانه، وتزعج طمأنينة قلبه، وفى هذا رحمة من رحمة الله بعبد من عباده، إذ استنقذه من الضلال، وأدخله فى عباده الصالحين.. وليس هذا بالشيء القليل من معطيات هذه التجربة، كما أن هذه التجربة ليست بالشيء الكثير على قدرة الله- إنها لا تعدو أن تكون استيلادا لمولود جديد من مواليد الحياة! فإذا نظرنا إليها من هذه الزاوية هانت وصغرت بالنسبة لبابها الذي جاءت منه، وإذا نظرنا إليها من جهة دلالتها كانت شيئا رائعا عظيما مثيرا، للدلالة على قدرة الله وحكمته، وسعة رحمته! والجواب عن الشق الآخر من السؤال هو أن امتداد رحلة النوم أو الموت إلى مئة عام، إنما هو إخبار عن الحدث الذي وقع، ولو كانت هذه الرحلة عاما أو بعض عام أو عشرة أعوام أو ألف عام، لكان هذا السؤال واردا على أي زمن منها! وإذن فلا محلّ لهذا السؤال عن المائة عام! ولنؤمن بما أخبر الله به عنها، وأنها مئة عام.. ولنترك حكمة هذا الزمن الطويل لله وحده..

стр. 325

على أنه- مع هذا- يمكن أن يقال إن المائة عام هى الزمن المناسب لتلك التجربة، إذ أن هذه المدة كافية لتغير وجه الحياة تغيرا واضحا، وخاصة فى الوجه البشرى منها، فمئة عام يمكن أن تأتى فى نهايتها على كل من كان حيّا من الناس فى أولها.. وبهذا يكون هذا الرجل الواقع تحت التجربة فى الأموات حكما، بعد أن كان فيهم فعلا وقد أماته الله.. وبهذا أيضا يكون كل من كان على ظهر الأرض من الناس حين قال الرجل قولته: «أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها» قد مات فى نهاية المائة عام، فلما بعثه الله من بينهم وحده، كان بعثه شاهدا على إمكان بعثهم جميعا، وشاهدا على إمكان بعث من سبقهم، ومن سيلحق بهم.. الآية: (٢٦٠) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٠] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) التفسير: في هذه الآية صورة أخرى، تمثل المؤمن الذي يطلب المزيد من الإيمان، ليقتل فى نفسه كل وسواس، وليخمد فى صدره كل همسة من همسات الشيطان! .. ثم هى مثل آخر لمن كان وليّا لله.: يخرجه من الظلمات إلى النور. وهذا الموقف- كما قلنا- لا ينتقص من إيمان المؤمن، إذ كانت غايته طلب المزيد من النور، والجديد من العلم. فذلك طريق لا نهاية له، ولا ضلالة فيه!

стр. 326

وقضية الموت والبعث هى القضية الأولى فى باب الإيمان، وهى الثغرة التي تنفذ منها رميات الشيطان إلى قلوب المؤمنين! وإبراهيم- ﵇ فى وثاقة إيمانه، وقوة يقينه- لا عليه إذا هو وجد طريقا إلى مزيد من الإيمان، حتى يمتلىء به قلبه، فلا يبقى فيه مكان لم يغمره نور اليقين، ولم تعمره الطمأنينة- لا عليه أن يطلب المزيد حتى يرتوى ريّا لا ظمأ بعده! وقد وجد أن ألطاف الله تحف به، ونفحاته ورحماته لا تنقطع عنه، فهفت نفسه إلى أن يسأل الله هذا السؤال الذي يشهد به جلال الله وعظمته من قريب: «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى؟» وقد سأل موسى ﵇ سؤالا أعظم من هذا، فقال: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» (١٤٣ الأعراف) . والسؤال «بكيف» لا يكون جوابه إلا بأن يشهد إبراهيم عملية الإحياء وكيف تتم هذه العملية، والعناصر التي تعمل فيها.. وأمر كهذا هو فوق مستوى الإدراك البشرى، إنه سرّ من أسرار الألوهية، لا يستطيع أحد أن يحتمله، أو يعرف السبيل إليه. ومن أجل هذا كان الجواب آخذا اتجاها آخر غير متجه السؤال.. فيه عرض لقدرة الله، دون كشف عن سرّ هذه القدرة.. وذلك بما رأى إبراهيم بين يديه من تجليات هذه القدرة وآثارها. وفى قوله تعالى لإبراهيم: «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟» إثارة لمشاعر إبراهيم، واستحضار للإيمان الذي يعقد عليه قلبه.. ولهذا كان جواب إبراهيم: «بلى» أي أنا مؤمن كل الإيمان «وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» وتلك درجة فوق درجة الإيمان.. إذ لا سلطان للإنسان على قلبه، وليس من شأن القلب

стр. 327

أن يستقر على حال واحدة فى جميع الأحوال، لما يموج فيه من شتى المشاعر، ومختلف العواطف والنزعات.. واطمئنان القلب اطمئنانا مطلقا أمر يكاد يكون مستحيلا، لا يبلغه إلّا المصطفين من عباد الله!، بعد إبتلاء ومجاهد.. وقوله تعالى: «قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً» . هو كشف عن تجربة يجريها إبراهيم بنفسه، ويصنعها بيده، ويشهد آثارها بعينه. وتمر التجربة فى مراحل: ١- أن يأخذ إبراهيم أربعة من الطير. ٢- أن يضمها إليه، ويتعرّف عليها، ويجعل لكل منها سمة خاصة يدعوها بها، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ» أي تألفهن إليك. ٣- أن يقطعهنّ قطعا، ويمزقهنّ أشلاء. ٤- أن يوزع أشلاءها على رءوس الجبال. ٥- ثم يدعوها إليه بأسمائها، كما يدعو أهله ومعارفه بأسمائهم!. وبهذا تتم التجربة، وتجىء الطيور الأربعة مسرعة!. وقد كان.. فتمت التجربة على هذا التدبير والتقدير!. هذا، وفى الحديث عن الطير بنون النسوة ومعاملتها معاملة المؤنث العاقل، ما يدل على أنها كانت فى خضوعها لإبراهيم، واستجابتها لندائه، تفعل فعل العقلاء، وتتصرف تصرف من يعى ويعقل! وهذا يعنى أنها عند ما دعيت استجابت للدعوة فى غير توقف أو تردد! لأنها تعرف وجه الذي دعاها، وتفهم مدلول كلماته.

стр. 328

آية: (٢٦١) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦١] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) التفسير: المشاهد التي عرضتها الآيات السابقة، لقدرة الله وحكمته، من شأنها أن تذكى وقدة الإيمان فى النفوس، وتفتح القلوب إلى الخير، وتهيئها لاستقبال دعوات الحق وتقبلها.. وإن النصح فى تلك الحال لأشبه بالضرب على الحديد وهو ساخن! وهذا ما نجده فى تلك الآية الكريمة من الدعوة إلى البر والإحسان، بعد تلك الآيات الكريمة، التي كانت معرضا مثيرا لجلال الله وقدرته وحكمته، حيث تهتاج لها المشاعر، وتخفق القلوب!. وهنا يقول الله تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ» . فهذا مثل للخير يربو وينمو فى مغارس الحق والخير، كما يربو العمل وينمو فى مناهج الحق والخير، وكما يربو الإيمان وينمو فى طريق الهداية والعلم! فالذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله، أي فى كل وجه من وجوه الخير والحق، إذ سبيل الله كلها حق، وكلها خير- هؤلاء إنما يجنون ثمرة هذا الغرس الذي غرسوه فى سبيل الله.. أضعافا مضاعفة، كما يزرع الزارع حبة فى أرض طيبة فتنبت سبع سنابل، تحمل كل سنبلة مئة حبة! هكذا الحبة تعطى سبع مئة حبة، والحسنة تجازى بسبع مئة حسنة «وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ

стр. 329

يَشاءُ» أي يضاعف هذه الحسنات، فلا تكون الحسنة بسبع مئة حسنة، بل بأضعاف هذه السّبع مئة «وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» لا حدّ لفضله، ولا نفاد لرزقه، يضع ذلك حيث شاء علمه، الذي يحيط بكل شىء ويعلم كل شىء!. ولعلّ سائلا يسأل: أهذا تمثيل وتخييل، أم أنه حقيقة واقعة؟ وهل هناك حبة تنبت سبع سنابل؟ وإذا صح هذا، فهل هناك سنبلة تحمل سبع مئة حبة؟. وقد قلنا من قبل إن أمثال القرآن الكريم، وأحداث قصصه، كلها من واقع الحياة، ليس فيها شىء على سبيل الفرض المستحيل أو للممكن، بل هى الواقع المخبر عنه بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. إن الذي يلجأ إلى الفرض هو العاجز الذي لا يقدر على تحقيق ما افترضه، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وفى هذا المثل.. ليس ببعيد أن تكون هناك الحبة التي تنبت سبع سنابل، وأن تحمل كل سنبلة منها مئة حبة، فما أكثر غرائب الطبيعة وعجائبها، وكم من امرأة ولدت ثلاثة توائم أو أربعة أو خمسة أو ستّة؟ كذلك الله يخلق ما يشاء! .. ولقد اهتدى العلم الحديث إلى معجزات فى عالم النبات بحيث تلد الحبة أكثر من سبع مئة حبة. الآية: (٢٦٢) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٢] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) التفسير: الإنفاق فى سبيل، الله لا يكون إنفاقا فى سبيل الله حقّا، حتى يكون خالصا لله، صافيا من كلّ كدر، ليصل إلى جهته طيبا، نافعا، لا يصيبها منه ضر أو أذى.. فإن الخير إذا شيب بالمكروه، واتصل بالضرّ

стр. 330

شاه وجهه، وفسدت طبيعته، ولم يكن إحسانا بقدر ما هو إساءة.. وبهذا تضيع الحكمة منه، ويذهب الأثر المعلق عليه. فالذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله، طيبة بها نفوسهم، سخية بها أيديهم، محسنة بها ألسنتهم، يتقبّل الله سبحانه منهم عملهم، ويجزيهم به الجزاء الحسن الذي وعدهم: «لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» إذا خاف الناس يوم القيامة، لما بين أيديهم من هول، وإذا حزن الناس يوم القيامة لما فاتهم من عمل صالح يقدمونه لهذا اليوم.. فهؤلاء قد آمنهم الله من الخوف لما يرون من بشريات الجزاء الحسن لأعمالهم الصالحة، وقد أخلى قلوبهم من الحزن على أن لم يكونوا قدموا لهذا اليوم العظيم. الآية: (٢٦٣) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٣] قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) التفسير: الكلمة الطيبة صدقة.. والصدقة التي تحمل وراءها الأذى، فى كلمة جارحة للمتصدّق عليه، تخدش حياءه، أو تمس إنسانيته وكرامته- هذه الصدقة منعها خير من إعطائها.. فإن كرامة الإنسان فوق شبع البطن أو كسوة الجسد! بهذا الأدب الربانىّ يؤدب الله عباده، ويحفظ عليهم إنسانيتهم، ويصون كرامتهم، ويعليهم فوق حاجة الجسد ومطالبه.. فليستعفف الإنسان عن أن يمدّ يده ما استطاع، ثم ليتأدب المحسن، وليقدم إحسانه فى لطف ويسر وستر، حتى يتقبّل الله منه إحسانه، وحتى يكون محسنا حقّا!، وليمسك المحتاج،

стр. 331

وليتجمل بالصبر، حتى لا يكون بالمكان الذي قد يتعرض فيه لكلمة جارحة من أحمق أو سفيه، يمدّ إليه يده بشىء من الإحسان، محمّلا بالمن والأذى! قوله تعالى: «وَمَغْفِرَةٌ» هى مغفرة مطلوبة من المتصدّق، فهو الجانب القوى الذي يملك العفو والمغفرة، وذلك كأن يساء إليه ممن أحسن هو إليه، فلا يلقى هذه الإساءة بالمنّ عليه وفضحه بين الناس، حين يمنّ عليه بما كان من سابق إحسانه إليه.. وليذكر أنه إنما وضع إحسانه فى سبيل الله، وقدمه خالصا لوجه الله.. وقوله تعالى: «وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ» تذكير للمحسنين بأنهم إنما يحسنون بما أحسن الله به إليهم، وأن غناهم مستمد من غنى الله، والله الذي أعطاهم هذا العطاء يغفر لهم الكثير، ويتجاوز لهم عن الكثير، حلما منه وفضلا وكرما، فليغفروا هم لمن أحسنوا إليهم، ثم قابلوا الإحسان بالإساءة.. الآية: (٢٦٤) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى» تنبيه للمؤمنين الذين يغرسون فى مغارس الخير، من أن تسطو على هذا الغرس آفة فتذهب به، ويضيع أجرهم الذي كانوا يرجونه عند الله. والمنّ.. هو إزعاج المحسن إليه من المحسن بما يذكر- بمناسبة أو بغير مناسبة- من إحسانه إليه وفضله عليه، يريد بذلك استصغاره وامتهانه، على حين ينبغى لنفسه تفاخرا وتعاليا.

стр. 332

فالمنّ أذّى جارح قد يصيب الإنسان فى مقاتله.. ولهذا كان هو الآفة التي تأكل الصدقة كما تأكل النار الحطب، إذ قد استوفى بها صاحبها حقّه من المتصدق عليه، حين أحسن أولا، ثم أساء ثانيا.. فذهبت إساءته بإحسانه. وقوله تعالى: «كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» هو مثل رفعه الله لأعين المؤمنين الذين يتصدقون، فيذهب بصدقتهم ما سلطوه عليها من منّ وأذى، وفى هذا المثل يرون صورة واضحة ناطقة، للإحسان الذي يذهب هباء ويضيع هدرا. فالكافر الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، لا يتقبل الله منه صالحا أبدا، لأنه أبطل كل صالح بهذا الكفر الذي انعقد عليه قلبه، وفسد به كيانه كلّه. وقد يتصدق هذا الكافر لا لوجه الله، ولا فى سبيل الله، ولكن ليرى الناس إحسانه، أو ليملك وجودهم بإحسانه إليهم، أو ليحتل منزلة فى قلوبهم.. فهذه الصدقة وغيرها مما يحسب فى وجوه البر والإحسان مما تجود به يد الكافر، لا يتقبلها الله، ولا يجزى الجزاء الحسن عليها، والله يقول: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ» (١٨: إبراهيم) . وإنها لصورة كريهة مفزعة للمؤمن الذي يتصدق فيبطل صدقته بيده كما يبطل الكافر إحسانه بكفره! وهنا يتمثل المنّ والأذى كأنه الكفر.. وإذ تجنب المؤمن الكفر حتى حسب فى المؤمنين، فليتجنب المنّ والأذى حتى يكون فى المحسنين، وإلا فهو والكافر فى هذا الموقف سواء بسواء.. لا يقبل الله من أىّ منهما عمله الذي عمل.

стр. 333

ثم ضرب الله سبحانه مثلا للكافر ولأعماله التي تدخل فى باب الإحسان، وما لهذه الأعمال من وزن عند الله!. فالكافر فى ذاته حجر صلد، أصمّ، لا يمسك خيرا، ولا يجود بخير!. وأما ما يكون منه من أعمال حسنة فى ظاهرها، فهى أشبه بما يعلو هذا الحجر الصلد الأصم من تراب.. والتراب من شأنها أن تنبت الزرع، وتخرج الثمر، إذا رواها الماء واختلط بها. والصورة تبدو هكذا: الكافر وأعماله التي يرجى خيرها، والحجر الصلد وما عليه من تراب، يرجى منه أن يكون يوما أرضا معشبة، أو حبة مثمرة! وينجلى الأمر عن هذا الموقف هكذا: الكافر يوم القيامة، وقد جاء عريانا مجردا من كل عمل ينفعه فى هذا اليوم.. والحجر الصلد وقد أصابه الغيث فجرف بتياره العنيف كل ما عليه من تراب، فانكشف وتعرّى، وأصبح ولا موضع فيه لنبت يطلع منه! وفى هذا يقول الله تعالى: «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» والصفوان: الحجر الأصم. والوابل: المطر الغزير، والصلد: الأصم الأملس. وقوله تعالى: «لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا» استحضار للكافرين جميعا ليشهدوا هذا الموقف الذي يتعرّى فيه الكافر من كل شىء، كما أنه استحضار للمحسنين الذين أبطلوا إحسانهم بالمن والأذى.

стр. 334

الآية: (٢٦٥) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٥] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) التفسير: بعد أن ضرب الله مثلا للذين ينفقون ولا يتقبل الله ما ينفقون، لأنهم إما كانوا كافرين بالله، وإما كانوا مؤمنين ولكن يتبعون ما أنفقوا المنّ والأذى- بعد أن ضرب الله مثلا لهؤلاء وأولئك، ضرب- سبحانه- مثلا للمؤمنين الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله، ابتغاء مرضاته. فمثل ما ينفق هؤلاء المؤمنون كمثل من غرس جنة بربوة عالية، وهى المكان المرتفع، تستقبل أشعة الشمس صافية مطلقة، وتتنفس أرواح النسيم عليلا بليلا، وتمتص أنداء الليل نقية معطرة، وترتضع أخلاف السحاب عذبة صافية، وهذا ما يجعل ثمرها مباركا، وعطاءها جزلا مضاعفا، بما اجتمع لها من طيب المكان، والماء الروىّ، وسلامة المفترس من الآفات.. وهكذا يربى الله للمؤمنين المتصدقين صدقاتهم، إذا غرسوها بعيدا عن متناول الآفات التي تأكلها وتأتى عليها، وهى المنّ والأذى. وقوله تعالى: «فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ» أي أن هذه الجنة التي قامت فوق الربوات العالية، لا تنقطع عنها أمداد السماء، فإن لم يسقها المطر الغزير فى بعض الأوقات، سقتها أنداء الطل التي لا تنقطع أبدا فى تلك المواطن.. وكذلك إحسان المحسن المؤمن، ينمو ويزدهر مثل تلك الجنّة، فإن فضل الله دائما متصل بهذا الإحسان، يغذيه وينميه لصاحبه، حتى يجده شيئا عظيما يسر العين، ويشرح الصدر!.

стр. 335

الآية: (٢٦٦) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٦] أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) التفسير: وفى مواجهة هذه الجنة المونقة المعجبة، على صدر تلك الربوة الشامخة، جنة من نخيل وأعناب، ومن كل الثمرات.. قد آتت أكلها، ونضجت ثمارها.. يملكها رجل أصابه الكبر، ودنا منه شبح الموت، وبين يدى الرجل ذرية ضعفاء، لم يقدروا بعد على العمل والكسب، فهم فى حاجة إلى من يعولهم، ويدبر لهم وسائل العيش، وهو ينظر إليهم فى حالهم تلك، وقلبه يخفق إشفاقا عليهم، وخوفا من أن تقسو عليهم الحياة من بعده، ويمسّهم الضر والأذى بفقده، ولكنه ينظر من جهة أخرى إلى تلك الجنة التي بين يديه، وما فيها من خير كثير، ورزق موفور، فيطيب خاطره، ويطمئن قلبه، أن ترك لصغاره هذه الجنة، يسرحون فيها ويمرحون.. وفيما الرجل يردد النظر بين صغاره وبين جنته، وفيما هو بين نوازع الألم والحزن، وبارقات الرجاء والرضى، يطلع عليه من وراء الأفق عاصف مجنون، يسوق بين يديه شواظا من سموم، فيرمى به تلك الجنة، فإذا هى رماد تذروه الرياح!. إنها القيامة.. ولقد وجد الرجل نفسه عاريا من كل شىء، لم يترك لصغاره شيئا بعده، ولم يجد بين يديه شيئا لمصيره! فما أشأم هذا الموقف وما أنكده وأقساه.. وحزن مرير على ما فات، وخوف شديد مما هو آت!. وإنها لحسرة تأكل الإنسان ظهرا لبطن..!

стр. 336

وفى هذه الصورة المفزعة، فى هذا الرجل الفاني، وصغاره، وجنته المزهرة المعجبة المثمرة، عبرة لمعتبر!. فلقد أضاع الرجل جنته بيده، وحرقها بسموم أنفاسه! إنه كان من المحسنين، الذين غرسوا فى مغارس الخير، وكان يرجى لغراسه هذا أن يكون منه زاد لصغاره بعد مماته، كما يكون منه الزاد الطيب العتيد له يوم حسابه، فإن المحسن فى الدنيا تعود نفحات من إحسانه على ذريته من بعده، كما يقول الله فى الغلامين صاحبى الجدار، فى قصة موسى والعبد الصالح: «وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً» . (٨٢: الكهف) ولكن الرّجل أفسد كلّ شىء، وأتلف ما غرس بيده، إما لأنه كان كافرا لم يتقبل الله منه عملا أصلا، وإما لأنه كان مؤمنا محسنا، ولكنه يبطل إحسانه بالمنّ والأذى!. فلينظر الإنسان أين يكون مكانه فى المحسنين: أيكون محسنا مؤمنا، لا يبطل إحسانه بالمنّ والأذى.. أم محسنا مؤمنا، يسلّط على إحسانه منّه وأذاه فلا يبقى على شىء منه.. أم يكون كافرا يمحق كفره كل شىء، ويأتى على كل صالح؟ «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ» . الآية: (٢٦٧) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) التفسير: آفة أخرى من الآفات التي تتسلط على إحسان المحسنين،

стр. 337

وإن لم تكن من تلك الآفات التي تأتى على كل إحسان، ولكنها تغيّر وجهه، وتهزل كيانه، وهى أن يمدّ المحسن يده إلى ما لا تطيب نفسه به، ولا يشتد حرصه عليه، من ماله أو متاعه، أو طعامه، فينفقه فى سبيل الله، ونفسه مستغنية عنه، زاهدة فيه.. والله طيب لا يقبل إلا طيبا، فكيف يقدّم إليه ما عافته النفس، أو استثقلته أو زهدت فيه؟ والله يقول: «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» (٩٢: آل عمران) فقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ» دعوة إلى الإنفاق من الطيب الذي تحبه النفس وتتعلق به، وفى ذلك تغلّب على نوازع النفس، واستعلاء على حرصها على هذا الطيب وتعلقها به، الأمر الذي لا يكون إلا عن مجاهدة وإيثار وتضحية.. فإنه على قدر المشقة يكون الثواب! وقوله تعالى: «وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ» تنبيه وتحذير من نوازع النفس التي تغلبها الأثرة، عن أن تنفق- حين تنفق- إلا من خبيث ما معها.. وتسمية الشيء المكروه أو المزهود فيه أو المستغنى عنه- خبيثا، للتنفير منه، ولاستبعاده فى مجال الإحسان، والإنفاق فى سبيل الله.. والتيمم هو القصد، فما كان عن غفلة فليس تيمما. وقوله تعالى: «وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ» الإغماض غمض الطرف تكرها، وتقززا.. ومعنى هذا أن الإنسان لا يرضى أن يأخذ الشيء المزهود فيه أو المستغنى عنه، أو المشوب المعيب بأية شائبة أو عيب-- إلا متكرها، فكيف يعطى الإنسان ما هو معطوب معيب، وهو لا يقبل أن يأخذ مثل هذا المعطوب المعيب؟ إن ذلك ليس عدلا، وليس إحسانا! قوله تعالى: «وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» دعوة إلى البذل والإنفاق فى سخاء، وعلى يقين بأن الله سبحانه هو الغنى الذي لا تنفد خزائنه، يربى صدقة

стр. 338

المتصدقين، ويضاعف إحسان المحسنين حيث يقول سبحانه: «وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ» (٣٩، سبأ) ومع هذا السخاء فى البذل والإحسان ينبغى أن يكون المبذول والمحسن به مما هو طيب كريم محمود حتى يقبله الله ويحمده، ويجزى الجزاء الحسن عليه. الآية (٢٦٨) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٨] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) التفسير: (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) أي يخوّفكم منه، وينذركم به، إذا أنتم أنفقتم فى سبيل الله، والأصل فى الوعد أن يكون بالخير، والإيعاد بالشرّ، ووعد الشيطان هنا لمن يوسوس له بالشحّ والإمساك مخافة الفقر- وعده له بالفقر، إنما هو فى صورة الخير، إذ يحذره ويربه عاقبة أمره، فهو وعد الناصح الأمين الحريص على مصلحة من ينصحه.. هكذا يزين الشيطان للناس الشر ويلبسه وجه النفع والخير. (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ) . والفحشاء كل شىء مكروه، وكل رذيلة مستقبحة.. هذا ما يأمر به الشيطان، وهو لا يأمر على الحقيقة، ولكنه يزين، ويوسوس، ويخدع، فإذا المنخدع له مستجيب لما يدعوه إليه، ويوسوس له به، فكأنه- والحال كذلك- ينفد مشيئة من، لا يرد له أمرا. (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا) هذا ما يجىء من قبل الله، وما تحمله إلى الناس دعوات رسله.. المغفرة لمن تاب وأناب إلى الله، وأصم أذنيه عن دعوة الشيطان، والفضل وسعة العطاء ووفرته لمن أعطى

стр. 339

وبذل وأنفق فى سبيل الله.. (وَاللَّهُ واسِعٌ) أي فى عطائه ومغفرته، فلا حدود ولا قيود (عليم) بما تعملون من خير أو شر فيجازيكم بما تعملون. فهاتان دعوتان: إحداهما من الشيطان، والثانية من الله.. والأولى تسلك بمتبعها مسالك الهلاك والبوار، على حين تسلك الثانية بسالكها إلى موارد الرحمة والرضوان.. فلينظر المرء إلى نفسه، وليستقم على أي طريق شاء «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» . (٢٩: الكهف) الآية: (٢٦٩) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٩] يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) التفسير: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ» (١٨: الزمر) . فهؤلاء هم الذين رزقهم الله بعض ما يرزق عباده من السداد والتوفيق، والاستماع إلى دعوة العقل، والاتهام لداعى الهوى ووساوس الشيطان.. وهذا من موارد الحكمة، ومن ثمرات الحكماء «وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» إذ يكون أمره إلى عقل يهديه، وبصر يقيمه على سواء السبيل، فلا يفعل إلا خيرا، ولا يجنى إلا خيرا «وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ» «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ» . والحكمة: هى البصيرة النافذة، التي تقدر الأمور قدرها، وتضع كل شىء موضعه.

стр. 340

الآية: (٢٧٠) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٠] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) التفسير: الذين ينفقون فى سبيل الله نفقة صغيرة أو كبيرة، أو يعقدون أنفسهم على نذر لله ويوفّون به، فإن ذلك كلّه محسوب لهم عند الله، لا يضيع منه شىء، وسيجازيهم عليه، ويدفع عنهم أهوال يوم كان شره مستطيرا، على حين يتلفت الظالمون يومئذ فلا يجدون لهم فى هذا اليوم وليا ولا نصيرا، فقد ظلموا أنفسهم، فلم يعملوا لها حسابا لاستنقاذها من شر ذلك اليوم وأهواله. الآية: (٢٧١) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧١] إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) التفسير: الصّدقات هى ما يتطوع له الإنسان من خير، غير المفروض عليه من زكاة. وقد تدخل الزكاة فى باب الصّدقات. وصدقة التطوع، من الخير أن تقع ليد مستحقها من الفقراء فى ستر وخفية، حتى لا يخدش حياؤه، ولا يظهر للناس فى موقف يجرحه ويحرجه. وفى هذا التدبير تبرز وجوه من الحكمة: فأولا: حفظ الكرامة الإنسانية، وصونها. ثانيا: قهر مشاعر التعالي والتعاظم فى نفس من يتصدق.

стр. 341

ثالثا: إشعار المتصدق عليه أنه بسؤاله واستجدائه ومدّ يده إلى الغير، إنما يأتى عملا شائنا، ومن الحكمة أن يفعله الإنسان- إذا اضطر إليه- فى ستر وخفاء، وفى هذا تحريض له على التحول من هذا الموقف، والتماس وجه للعمل، حتى بكفّ يده عن السؤال!. وكذلك الشأن فى الزكاة حين يضعها المزكّى فى يد مستحقيها.. فإنه من خير أن تحمل إليهم فى ستر وخفاء.. أما إذا كانت تقدم لجهة برّ عامة، أو ليد ولىّ الأمر فإن إبداءها خير من إخفائها، لما فى ذلك من تحريض للغير على أدائها. وفى قوله تعالى: «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ» بيان لفضل الإحسان ومنزلته عند الله، وأنه مقبول على أي حال، سواء كان فى سر أو فى جهر، ما دامت النيّة الخالصة من ورائه، غير متبوع بمن ولا أذى!. الآية: (٢٧٢) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٢] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) التفسير: بعد أن دعا الله إلى الإنفاق فى سبيل الله، وبيّن وجوه هذا الإنفاق وأسلوبه، والعوارض التي تعرض له، وما ينبغى على العاقل من تجنبها، حتى يكون هذا الإحسان مقبولا عند الله- بعد أن بين كل هذا أوضح بيان، لم يبق إلا أن ينظر الإنسان لنفسه، وأن يتخيّر طريقه، فاما أن يستمع إلى ما أمر الله به ويسير عليه، فيسلم

стр. 342

ويسعد، وإمّا أن يسلم يده للشيطان، ويتبع سبيله فيضل ويشقى، فليحمل الإنسان إذن مسئولية هذاه أو ضلاله «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ» (١٤- ١٥ القيامة) . وليس على النبىّ إذن حمل النّاس حملا على الإيمان، وإكراههم إكراها على الهدى، فما على الرسول إلّا البلاغ، فمن أراد الله له الخير شرح الله صدره، وشدّ عزمه، وثبت قدمه على طريق الحق والخير. «لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» . قوله تعالى: «وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ» أي هو لكم ثوابه، وإليكم عائدة ثمرته، وذلك إذا كان هذا الإنفاق ابتغاء وجه الله، خالصا له، بعيدا عن الرياء والمنّ والأذى «وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ» فهو الوجه المقبول عند الله، وهو الوجه الذي يجب أن يتوجه إليه الإنفاق «وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ» أي أن ما أنفقتموه على هذا الوجه فهو مقبول عند الله، يجزيكم به أضعافا مضاعفة «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» (٥٦: يوسف) . الآية: (٢٧٣) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٣] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) التفسير: فى قوله تعالى: «لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» الجار والمجرور «للفقراء» متعلق بمحذوف تقديره النفقة مطلوبة للفقراء الذين

стр. 343

أحصروا فى سبيل الله والحذف هنا أبلغ من الذكر، حيث يشعر بأنّ أمر هؤلاء الفقراء فى غنىّ عن أن يحرّض عليه، فحقّهم على المحسنين واجب لا يحتاج إلى بيان. وقوله تعالى: «أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» أي حبسوا عن الكسب، بسبب اشتغالهم بما هو أهم، وهو أنهم يعملون فى سبيل الله، كالمجاهدين أو الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم لإيمانهم بالله، ولم تتهيأ لهم أسباب الرزق، أو قعد بهم المرض أو الكبر، وهم يعملون فى سبيل الله.. أو غيرهم ممن افتقروا وهم قائمون فى سبيل الله.. «لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ» . وقوله: «يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ» أي أنّ هؤلاء الفقراء ليسوا من الطفيليين الذين يعيشون عالة على كسب غيرهم، وإنما هم أزهد الناس فيما فى يد الناس، وقد بذلوا أنفسهم وخرجوا عن ديارهم وأموالهم فى سبيل المبدأ والعقيدة، ومن أجل هذا فهم- على فقرهم وحاجتهم- متجملون بالتعفف والقناعة والصبر، حتى ليحسبهم من لا نفاذ لبصره فى حقائق الأمور، أنهم أغنياء لا حاجة بهم إلى شىء من مال أو متاع، وقد يكون أحدهم طاويا لأيام لم يذق طعاما. ولكن البصير الذي يتفرس فى وجوههم، فينفذ إلى دخيلة أمرهم يجد منهم ما يخفيه تعففهم وتجملهم من ضرّ الجوع، وأذى المسغبة.. ومن هنا كان واجبا على المحسن أن يتحسّس حاجة المحتاجين، وأن يتعرف على ذوى الحاجة المتسترين الذي يمنعهم الحياء والتعفف عن أن يسألوا.. فهؤلاء هم أحق الناس بالعون والإحسان!. وقوله تعالى: «لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً» هو سمة من سمات المتعففين من ذوى الحاجة، وأنهم إذا سألوا سألوا فى رفق، وعلى استحياء.. وذلك

стр. 344

أنهم لم يعتادوا السؤال، ولم يقفوا هذا الموقف من قبل، وإلا لذهب حياؤهم، وانحلّت عقدة ألسنتهم، وأصبح السؤال عادة عندهم.. ومثل هؤلاء لا يكونون على سبيل الله، ولا فى سبيله! الآية: (٢٧٤) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٤] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) التفسير: الإنفاق فى سبيل الله وابتغاء مرضاته، مقبول فى كل وقت، بالليل والنهار، وعلى أي أسلوب.. سرّا وعلانية، والمنفقون على هذا الوجه مقبولون عند الله، مكفول لهم أجرهم، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يوم يخاف الناس، ويحزن الناس! الآية: (٢٧٥) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٥] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) التفسير: لم تعطف هذه الآية على ما قبلها، وإن كان سياق النظم يقضى بهذا، على نحو ما تجرى عليه فى أسلوبنا، بل وعلى ما جرى عليه نظم القرآن فى كثير من المواقف المشابهة لهذا، حيث يعطف الليل على النهار، والمحسن على المسيء والمؤمن على الكافر، وهكذا.

стр. 345

لم يقع العطف هنا بين الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية، والذين يأكلون الربا- على غير المألوف- وذلك للبعد البعيد الذي بين هؤلاء وأولئك، حيث لا يمكن أن يلتقيا على أي وجه من الوجوه.. فهما أكثر من متناقضين. وأبعد من متضادّين، وفى هذا تشنيع على الرّبا وآكليه، وعلى عزلهم عن المجتمع الإنسانى كلّه، حتى مجتمع الكافرين والمنافقين، لأن كلا من المنافق والكافر يأكل نفسه على حين أن آكل الربا يأكل نفسه ويأكل ضحاياه المتعاملين معه! وقوله تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا» الرّبا فى الأصل الزيادة والنماء، وفى عملية الرّبا زيادة فى مال المرابى ونماء له، ثم أطلق على عملية الرّبا المعروفة، شاملا جميع أطرافها المال المتعامل به، وصاحب المال، وآخذه. فالذين يأكلون الربا هما الطرفان المتعاملان به.. المقرض، والمقترض، حيث لا تتم العملية إلا بهما معا.. والأظهر هنا أن المراد بهم، هم المقترضون حيث يأخذون المال «الربا» ويأكلونه، أي يستهلكونه فيما اقترضوا. وفى قوله تعالى: «لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» . أكثر المفسّرون من التأويل والتخريج لهذا المقطع من الآية الكريمة، واستهلكوا كثيرا من الجهد فى البحث عن معنى التخبط، والشيطان، والمسّ، وفى الصورة المركبة من هذه الجزئيات، وكلهم ناظر إلى أن المراد بآكل الربا هو المقرض دون المقترض. غير أن جميع هذه الآراء، وتلك التخريجات لم نجد منها ما نطمئن إليه، ونقنع به. وقد أوردنا النظر إلى الآية الكريمة على وجه غير الوجه الذي التفتوا إليه، ووقفوا عنده، فظهر لنا منها ما وجدنا له مفهوما، وفيه مقنعا!

стр. 346

فنقول- والله أعلم- إن الضمير فى قوله تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» يراد به المقترضون بالربا، وهم- كما قلنا- الذين يأكلون هذا المال المقترض، ويستهلكونه فى الأمر أو الأمور التي اقترضوا من أجلها. ويسند هذا الرأى أن المقرض- وهو المرابى- لا يأكل المال الذي أقرضه بالرّبا، ولا يستهلكه، وهذا ما ينطق به ظاهر اللفظ «يأكلون» والحمل على الظاهر أولى، ولا يصار إلى غيره إلا عند ما يكون للظاهر وجه مقبول! هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإننا لو نظرنا فى الصورة كلها على هذا الوجه، لبدا لنا أن آكلي الرّبا، وهم المقرضون- على ما ذهبنا إليه- قد رهقهم الدّين، وأثقلهم حمله، وأنهم أصبحوا فى يد المرابى كالسمكة فى شبكة الصياد، كلّما ضربت برأسها وذنبها فى الشبكة لتجد طريقا إلى الخلاص كلما اشتد ضغط الشبكة عليها وإمساكها بها.. فالمقترض بالربا قد علقت به حبائل المرابى، وكلما أراد أن يفلت من يده، ويتخفف من الدين الذي أثقله به كلما ازداد إحكام يده عليه، وتضاعف الدين الذي كان ينوء به! والصورة التي رسمها القرآن الكريم لآكلى الربا من المقترضين أحكم إحكاما، وأردع روعة من كل صورة تكشف عن حال هؤلاء المقترضين وسوء المصبر الذي يتخبطون فيه! «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» . إنهم كلما أرادوا أن يقوموا من هذا الهمّ الثقيل الذي أقعدهم وأعجزهم عن السير فى ركب الحياة مع الناس، تخبطوا واضطربوا، فقاموا ثم قعدوا،

стр. 347

وقاموا ثم قعدوا.. ثم لا يكاد أحدهم بهم بالقيام حتى يسقط، ثم يهم ويسقط، ثم يختلج جسده كلّه، ويضطرب كيانه كله، فيخر صريعا، ويضطرب على الأرض اضطراب الجمل المذبوح! والممسوس الذي أصابه الصّرع هو الذي يمثل تلك الحال أدق تمثيل.. فى اضطرابه وتخبطه، وقيامه، وسقوطه، ثم ارتماؤه أخيرا على الأرض يرتعش رعشة المحموم، ويضطرب اضطراب الحيوان الذبيح! وسواء أكان للشيطان مسّ أم لم يكن، فإن النّاس يشهدون المصروعين، ويرون النوبات التي ينتابهم فيها الصرع، على هذا النحو الذي ذكرناه. على أنه ليس بالمستبعد أن يتسلط الشيطان على بعض الأجساد، فيصيبها بهذا الداء.. وقد ورد فى الإنجيل أن المسيح ﵇ كان يشفى الممسوسين والمصروعين- وأنه كان يخرج الشياطين الحالة بأجسادهم فيبرءون. ففى إنجيل متى: «ولما جاءوا إلى الجمع تقدم إليه رجل جاثيا له، وقائلا: يا سيد ارحم ابني، فإنه يصرع ويتألم شديدا، ويقع كثيرا فى النار، وكثيرا فى الماء.. فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان، فشفى الغلام من تلك الساعة» (الإصحاح ١٧) وإذا فهمنا الآية على هذا الوجه بدا لنا أنها؟؟؟ تتجه إلى المقترضين بالرّبا والمقترضين، وأنها تمثل لهم المصير الذي سيصيرون إليه إذا هم تعاملوا بالربا، ووقعوا فى شباك المرابين.. وبهذا يظهر حرص الإسلام على حماية هؤلاء المقترضين، وهم من ذوى الحاجات وتحذيرهم من أن يغريهم المطعم فى هذا الفخ المنصوب لهم. إن المقترض بالربا لا يكون غالبا إلا من ذوى الحاجة والمعسرة، وأن يده

стр. 348

أعجز من أن تسعفه بحاجاته التي تمسك عليه حياته.. فهو يلجأ إلى المقرضين بالرّبا، تحت هذا الظرف القاسي، فيقدم على القرض بالرّبا مضطرا، ويحمل هذا العبء الثقيل مكرها، ليدفع بذلك خطرا داهما، بتهدده ويتهدد أهله بالموت جوعا.. ثم إذا جاء الوقت المعلوم لأداء هذا الدّين وما زيد عليه من ربا، وجد نفسه عاجزا عن الوفاء بالأداء، فيضطر تحت الحاجة إلى المادّة فى الأجل، ومضاعفة الدين.. وهكذا تمضى الأيام، ويد المدين عاجزة عن الوفاء، والدين يتضاعف عاما بعد عام، حتى يبدو وكأنه جبل يجثم على صدر المدين، فلا يقدر على الحركة إلى أي اتجاه. فهذه هى صورة المقترض بالرّبا، يمشى فى الناس وكأنه يحمل ثقلا من الأحجار ينوء به كاهله، وينحنى منه ظهره، ويضطرب معه خطوه. وفى هذا ما فيه من تبعيض فى الرّبا، وتنفير من التعامل به. والحق أنه لو امتنع المقترضون بالرّبا عن طرق أبواب المرابين لما وجد هؤلاء المرابون من يتعاملون معه، ولما تمت هذه الجريمة المنكرة! وفى قوله تعالى: «لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» تشبيه للمرابى بالشيطان، إذ كان مصدر شر يتهدد حياة من يتعامل معه، ويذهب بمقومات حياته، ويغتال ثمرة جهده.. وكما أن الشيطان يزيّن للإنسان الشرّ، ويغريه به، حتى ليسيل لعابه إلى تلك المنكرات التي يوسوس له بها، ويرفعها لعينيه فى صورة رائعة معجبة- كذلك يفعل المرابى، بما فى يديه من مال أعدّه للمراباة، ولوّح به لذوى الحاجات، فجاءوا إليه،

стр. 349

ووقعوا فى شباكه، كما يقع الفراش فى النار، وهو يرقص على ضوئها الذي خيل إليه أنه مطع فجر جديد. فالمرابى شيطان يتسلط على المتعامل معه، فيصاب منه بالخبل والاضطراب، كما يصاب الممسوس من الشيطان بالتخالج والتخبط. من هذا كله نرى أن ما ذهبنا إليه من أن «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا» هم الذين يقترضون بالرّبا من المرابين، وليسوا هم المرابين، كما ذهب إلى ذلك المفسرون. وهذا المعنى الذي ذهبنا إليه يجعل الآية الكريمة غير منسوخة، كما يقول ذلك المفسرون بإجماع، وإنما هى لتقرير حكم خاص بطرف من أطراف العملية الربوية، وهو الطرف المقترض، لا المقرض.. أما المقرضون بالرّبا فسيجىء بعد ذلك الحكم الخاص بهم، فى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» . وأما تقديم المقترضين بالربا على المقرضين به فى مجال التشنيع على الرّبا، والتهديد للمتعاملين به، فذلك لأن المقترض- كما قلنا- هو الذي بيده مفتاح هذه العملية، وأنه هو الذي يطرق باب المرابى. وبتلك الطرقات يفتح الباب، وتتم الجريمة.. ولو أمسك المقترضون عن التعامل بالرّبا لما وجد المرابون سوقا رائجة يتعاملون معها. فكان تقديم الحديث إليهم فى هذا الموقف هو من مقتضيات الحكمة والبلاغة معا. قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا» القول هو قول آكلى الرّبا، وهم المقترضون، والإشارة ب «ذلك» إشارة إلى تلك الحال التي لبست آكلى الرّبا، وما صار إليه أمرهم بعد أكله، حتى أصبحوا كمن يتخبطه الشيطان من المسّ.

стр. 350

والمعنى: أن هؤلاء الذين أكلوا الرّبا إنما صار حالهم إلى ما هو عليه من السوء والبلاء بسبب غفلتهم، وسوء تقديرهم، واغترارهم بظاهر الأمور، حتى حيّل إليهم أن التعامل بالرّبا لا يعدوا أن يكون من باب البيع، وأنه كما يشترى المشترى السلعة بالثمن الذي يتفق عليه بالتراضي مع البائع، كذلك يشترى المقترض بالرّبا المال الذي اقترضه بالثمن الذي يتفق عليه بالتراضي مع المقرض.!! هكذا يركب الإنسان طرق الشرّ ويأكل ما يلقاء فيها من خبيث الطعام، وهو يحسبه الطيب الهنيء المريء، ثم لا يقف عند هذا، بل يتكلّف له المبرّرات والمسوّغات. وقولهم: «إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا» جاء على غير المألوف المتوقع، وهو أن يقولوا: «إنما الرّبوا مثل البيع» إذ أنهم إنّما قبلوا الرّبا، ورضوا بالتعامل به، قياسا على أصل قاسوه عليه، وهو البيع، فكان عليهم أن يقولوا لأنفسهم، أو لمن يسفّه عملهم هذا: إنما الربا الذي يلام عليه، أو يحذّر عاقبته، هو مثل البيع الذي لا ينكره أحد، ولا يحذّر منه أحد» . وقولهم هذا الذي حكاه القرآن عنهم يكشف عن مدى ما يفعل السوء بأهله حين يستبد بهم، ويفسد عليهم أمرهم، حتى لتنقلب عندهم أوضاع الأمور، وتختل موازينها فى تفكيرهم، فيبدو الشر حسنا، والقبيح جميلا.. فهم هنا يرون الرّبا الذي يتعاملون به أصلا يقاس عليه البيع، على حين أنهما من واديين مختلفين، وإن يكن ثمة قياس، فالبيع هو الأصل الذي تقاس عليه الصور المشابهة له! وقد ردّ الله عليهم هذا القول، وأبطل هذا الادعاء الذي ادّعوه، فقال تعالى: «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا» فإنه إذا كان ثمة تقابل بين البيع والربا فى ظاهر الأمر، فإنهما فى الحقيقة ضدان لا يلتقيان أبدا..

стр. 351

هذا حلال، وذاك حرام، ويا بعد ما بين الحلال والحرام. وليس يمنع من تشابه الشيئين فى الصورة أن يكونا على بعد بعيد من الخلاف حتى يبلغ حد التناقض والتضاد فى الحكم الواقع على كل منهما. فالحيوان الذي أحلّ أكله.. إذا ذبح كان لحمه حلالا، وإذا مات حتف أنفه مثلا.. كان لحمه حراما خبيثا، وهو هو الحيوان فى حلّه وفى حرمته. قوله تعالى: «فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» . الموعظة ما يوعظ به، من توجيه إلى الخير، وتحذير من الشر. وإذا كانت الموعظة من الله فهى حكم ملزم، لا اجتهاد لأحد فيه برأى أو تقدير.. بل هو هكذا.. يؤخذ به، أو يترك.. فمن أخذ به رشد ونجا، ومن تركه أثم، وهلك.. وهذه الموعظة التي حملتها الآية الكريمة فى التشنيع على الرّبا، وتحريمه إنما هى لآكلى الربا وهم المقترضون خاصة. وفى قوله تعالى: «فَلَهُ ما سَلَفَ» أي فقد تجاوز الله عما سلف أي ما أكله من الرّبا قبل أن يبيّن له هذا البيان، ويجيئه هذا الحكم، فى تلك الآية الكريمة. وفى قوله تعالى «وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ» إشارة إلى رحمة الله ومغفرته التي تمحو سيئات المسيئين، إذا هم تابوا إلى الله وأنابوا.. فمن كان أمره إلى الله فإنه فى ضمان من كل سوء.

стр. 352

قوله تعالى: «وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ» أي ومن عاد إلى أكل الرّبا، مستحلا له بعد أن حرّمه، الله فقد تعرض لغضب الله وانتقامه، ونعوذ بالله من غضبه وانتقامه. قوله سبحانه: «وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ» ، وصف الله سبحانه بالعزة هنا، هو عرض لسلطان الله، وقوته، وأن حرماثه فى حمى عزيز، ولكنه- سبحانه- لا يعجل بأخذ الذين يعتدون على حرماته، كرما منه ورحمة، بل يمهلهم حتى يراجعوا أنفسهم، ويفيئوا إليه، فإن فاءوا وجدوا المغفرة والرضوان، وإن عادوا ولم يتوبوا فقد وقعوا تحت نقمة الله، الذي يغار على حرماته أن تستباح بلا قيود ولا حدود.. فمع عزة الله، وقوته، وبسطة سلطانه، تقوم نقمته تتعقب بالعقاب أولئك الذين استخفوا بعزة العزيز، واستباحوا حرمات المنتقم.. بلا حساب! هذا، ويؤيد ما ذهبنا إليه من أن المراد فى قوله تعالى «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا» هم المقترضون ما جاء فى الحديث الشريف: «لعن الربا.. آكله، ومؤكّله، وشاهديه، وكاتبه» . الآية: (٢٧٦) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٦] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) التفسير: بعد أن حرّم الله أكل الرّبا فى الآية السابقة، وكشف هذا الطرف من أطراف الربا- وهو طرف- المقترضين على تلك الصورة الكريهة- جاءت هذه الآية لتكشف وجها آخر من وجوهه، وطرفا ثانيا من أطرافه، وهو المال المتعامل به!

стр. 353

فصاحب هذا المال، وهو المرابى، يوجه مآله إلى هذا الوجه، يريد له النماء والكثرة، ويبغى منه الثروة والغنى. وقد أخبر الله سبحانه أنه لا يبارك هذا المال، ولا يزكىّ الوجه الذي اتجه إليه.. «يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا» والمحق هو المحو والإزالة، بحيث لا يبقى أثر لما يمحق. والمراد هنا بمحق الرّبا، أن هذا المال الذي يجمع من وجوه الرّبا مصيره الزوال، وأنه إذا كان له مع صاحبه شأن فى هذه الدنيا، فإنه لا يجد منه شيئا بين يديه فى الآخرة، على حين أن المال المتصدّق به، وإن كان قليلا، فإنه ينمو النماء الحقيقي، الذي لا يفنى بفناء صاحبه، ولا يذهب بذهاب الدنيا كلها، بل يظل هكذا فى ازدهار ونماء، حتى يستقبل صاحبه يوم القيامة، فيكون له زادا طيبا فى هذا اليوم العظيم، كما قال تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» وكما يقول الرسول الكريم: «إنّ الله ليربّى لأحدكم التمرة كما يربّى أحدكم فلوّه وفصيله حتى يكون مثل أحد» . والفلوّ: ولد الفرس، والفصيل: ولد الناقة. قوله تعالى: «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ» تعريض بالمرابين، وهم الطرف الثالث فى عملية الربا، وتمهيد لما سيأتى من حديث عنهم. فالمرابى كافر بنعمة الله، إذ وسّع الله له فى الرزق، حتى فضل المال عن حاجته، وكان من شأن هذا الفضل أن يعود به على ذوى الحاجة، صدقة أو قرضا حسنا، فلم يفعل، بل جعله سلاحا حادا مرهفا، لا يسلط إلا على رقاب المحتاجين والبائسين خاصة، فهو بفعله هذا قد حرم الفقراء وذوى الحاجة حقا لهم وضعه الله فى يده، ثم لم يقف عند هذا، بل صنع من هذا الحق شباكا يصطاد بها الفقراء وذوى الحاجة ثم يلقى بهم ليد الهلاك والضياع.. فهو كافر.. كافر بنعمة الله، ثم هو آثم

стр. 354

آثم، بهذا الموقف اللئيم الذي يتخذ فيه من نعمة الله نقمة يسلطها على عبادة الله. الآية: (٢٧٧) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٧] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) التفسير: بعد أن توعد الله المرابين بمحق أموالهم، ووصمهم بالكفر الشديد لنعمه، بما ارتكبوا من هذا الإثم الغليظ الذي يعرضهم لسخط الله وعذابه- وعد سبحانه- الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة بالأجر العظيم، والرحمة والرضوان، والأمن يوم الفزع الأكبر.. ذلك لأنهم استقاموا على الصراط المستقيم، وجاءتهم الموعظة فاستمعوا إليها، وامتثلوا لها، وانتهوا عما نهوا عنه من منكرات كانوا يأتونها وهم جاهلون. و «إيتاء الزكاة» هنا له آثاره فى التحريض على البذل والإنفاق على ذوى الحاجات، حتى لا تضطرهم الحاجة إلى التعامل بالربا.. الآية: (٢٧٨) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) التفسير: هنا تعرض الآية الكريمة الطرف الثالث من أطراف العملية الربوية، وهم المقرضون بالرّبا، بعد أن عرضت الآيات السابقة الطرفين الآخرين وهما: المقترضون، والمال المقترض.. وإذ وعد الله سبحانه الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمغفرة والأجر

стр. 355

العظيم، والجزاء الحسن فى الآخرة، وإذ كان ذلك موقظا لأشواق النفس نحو هذا المقام الكريم، حافزا الهمم والعزائم إلى بلوغ هذه الغاية المسعدة- فقد جاءت دعوة الذين آمنوا إلى ترك هذا المنكر، فى وقتها المناسب، لتتلقاها النفوس، وهى فى نشوة أشواقها إلى رضوان الله، وإلى الطمع فيما أعدّ للمتقين من جنات فيها نعيم مقيم. فمن واجب الذين آمنوا، وصافحت قلوبهم أضواء الهدى أن يتقوا الله، وأن يقدروه حق قدره، فلا ينتهكوا حرماته، ولا يحوموا حول حماه.. وقد حرّم الله الرّبا، ومن تقوى الله اجتناب هذا المحرم، إن أراد المؤمن أن يكون فى المؤمنين حقا.. إذ لا يجتمع الإيمان بالله، والمحادّة لله، ومحاربته. وقوله تعالى: «وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا» أي اتركوا ما تعاملتم به من ربا قبل أن يأتيكم الله حكم فيه بالتحريم، فليس لكم بعد هذا إلا رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون. الآية: (٢٧٩) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٩] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) التفسير: أي فإن أنتم أيها المقرضون بالرّبا لم تنتهوا عما نهيتم عنه من أخذ الربا، فأعدّوا أنفسكم لحرب معلنة عليكم من الله ورسوله.. فهل لكم على هذه الحرب صبر؟ وأين لكم القوة التي تقف لقوة الله، وتحول بينكم وبين ما يرسل عليكم من صواعق سخطه، ووابل عذابه؟ وفى قوله تعالى «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ما يسأل عنه، وهو: إذا كان لحرب الله للمصرّين على أخذ الربا.. مفهوم، وهو وقوعهم تحت سلطان
следующие страницы →