هذا حلال، وذاك حرام، ويا بعد ما بين الحلال والحرام.
وليس يمنع من تشابه الشيئين فى الصورة أن يكونا على بعد بعيد من الخلاف حتى يبلغ حد التناقض والتضاد فى الحكم الواقع على كل منهما.
فالحيوان الذي أحلّ أكله.. إذا ذبح كان لحمه حلالا، وإذا مات حتف أنفه مثلا.. كان لحمه حراما خبيثا، وهو هو الحيوان فى حلّه وفى حرمته.
قوله تعالى:
«فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» .
الموعظة ما يوعظ به، من توجيه إلى الخير، وتحذير من الشر.
وإذا كانت الموعظة من الله فهى حكم ملزم، لا اجتهاد لأحد فيه برأى أو تقدير.. بل هو هكذا.. يؤخذ به، أو يترك.. فمن أخذ به رشد ونجا، ومن تركه أثم، وهلك..
وهذه الموعظة التي حملتها الآية الكريمة فى التشنيع على الرّبا، وتحريمه إنما هى لآكلى الربا وهم المقترضون خاصة.
وفى قوله تعالى: «فَلَهُ ما سَلَفَ» أي فقد تجاوز الله عما سلف أي ما أكله من الرّبا قبل أن يبيّن له هذا البيان، ويجيئه هذا الحكم، فى تلك الآية الكريمة.
وفى قوله تعالى «وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ» إشارة إلى رحمة الله ومغفرته التي تمحو سيئات المسيئين، إذا هم تابوا إلى الله وأنابوا.. فمن كان أمره إلى الله فإنه فى ضمان من كل سوء.
стр. 352
قوله تعالى: «وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ» أي ومن عاد إلى أكل الرّبا، مستحلا له بعد أن حرّمه، الله فقد تعرض لغضب الله وانتقامه، ونعوذ بالله من غضبه وانتقامه.
قوله سبحانه: «وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ» ، وصف الله سبحانه بالعزة هنا، هو عرض لسلطان الله، وقوته، وأن حرماثه فى حمى عزيز، ولكنه- سبحانه- لا يعجل بأخذ الذين يعتدون على حرماته، كرما منه ورحمة، بل يمهلهم حتى يراجعوا أنفسهم، ويفيئوا إليه، فإن فاءوا وجدوا المغفرة والرضوان، وإن عادوا ولم يتوبوا فقد وقعوا تحت نقمة الله، الذي يغار على حرماته أن تستباح بلا قيود ولا حدود.. فمع عزة الله، وقوته، وبسطة سلطانه، تقوم نقمته تتعقب بالعقاب أولئك الذين استخفوا بعزة العزيز، واستباحوا حرمات المنتقم.. بلا حساب! هذا، ويؤيد ما ذهبنا إليه من أن المراد فى قوله تعالى «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا» هم المقترضون ما جاء فى الحديث الشريف: «لعن الربا.. آكله، ومؤكّله، وشاهديه، وكاتبه» .
الآية: (٢٧٦) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٦]
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)
التفسير: بعد أن حرّم الله أكل الرّبا فى الآية السابقة، وكشف هذا الطرف من أطراف الربا- وهو طرف- المقترضين على تلك الصورة الكريهة- جاءت هذه الآية لتكشف وجها آخر من وجوهه، وطرفا ثانيا من أطرافه، وهو المال المتعامل به!
стр. 353
فصاحب هذا المال، وهو المرابى، يوجه مآله إلى هذا الوجه، يريد له النماء والكثرة، ويبغى منه الثروة والغنى.
وقد أخبر الله سبحانه أنه لا يبارك هذا المال، ولا يزكىّ الوجه الذي اتجه إليه.. «يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا» والمحق هو المحو والإزالة، بحيث لا يبقى أثر لما يمحق.
والمراد هنا بمحق الرّبا، أن هذا المال الذي يجمع من وجوه الرّبا مصيره الزوال، وأنه إذا كان له مع صاحبه شأن فى هذه الدنيا، فإنه لا يجد منه شيئا بين يديه فى الآخرة، على حين أن المال المتصدّق به، وإن كان قليلا، فإنه ينمو النماء الحقيقي، الذي لا يفنى بفناء صاحبه، ولا يذهب بذهاب الدنيا كلها، بل يظل هكذا فى ازدهار ونماء، حتى يستقبل صاحبه يوم القيامة، فيكون له زادا طيبا فى هذا اليوم العظيم، كما قال تعالى:
«مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» وكما يقول الرسول الكريم:
«إنّ الله ليربّى لأحدكم التمرة كما يربّى أحدكم فلوّه وفصيله حتى يكون مثل أحد» . والفلوّ: ولد الفرس، والفصيل: ولد الناقة.
قوله تعالى: «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ» تعريض بالمرابين، وهم الطرف الثالث فى عملية الربا، وتمهيد لما سيأتى من حديث عنهم. فالمرابى كافر بنعمة الله، إذ وسّع الله له فى الرزق، حتى فضل المال عن حاجته، وكان من شأن هذا الفضل أن يعود به على ذوى الحاجة، صدقة أو قرضا حسنا، فلم يفعل، بل جعله سلاحا حادا مرهفا، لا يسلط إلا على رقاب المحتاجين والبائسين خاصة، فهو بفعله هذا قد حرم الفقراء وذوى الحاجة حقا لهم وضعه الله فى يده، ثم لم يقف عند هذا، بل صنع من هذا الحق شباكا يصطاد بها الفقراء وذوى الحاجة ثم يلقى بهم ليد الهلاك والضياع.. فهو كافر.. كافر بنعمة الله، ثم هو آثم
стр. 354
آثم، بهذا الموقف اللئيم الذي يتخذ فيه من نعمة الله نقمة يسلطها على عبادة الله.
الآية: (٢٧٧) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٧]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)
التفسير: بعد أن توعد الله المرابين بمحق أموالهم، ووصمهم بالكفر الشديد لنعمه، بما ارتكبوا من هذا الإثم الغليظ الذي يعرضهم لسخط الله وعذابه- وعد سبحانه- الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة بالأجر العظيم، والرحمة والرضوان، والأمن يوم الفزع الأكبر.. ذلك لأنهم استقاموا على الصراط المستقيم، وجاءتهم الموعظة فاستمعوا إليها، وامتثلوا لها، وانتهوا عما نهوا عنه من منكرات كانوا يأتونها وهم جاهلون.
و «إيتاء الزكاة» هنا له آثاره فى التحريض على البذل والإنفاق على ذوى الحاجات، حتى لا تضطرهم الحاجة إلى التعامل بالربا..
الآية: (٢٧٨) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)
التفسير: هنا تعرض الآية الكريمة الطرف الثالث من أطراف العملية الربوية، وهم المقرضون بالرّبا، بعد أن عرضت الآيات السابقة الطرفين الآخرين وهما: المقترضون، والمال المقترض..
وإذ وعد الله سبحانه الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمغفرة والأجر
стр. 355
العظيم، والجزاء الحسن فى الآخرة، وإذ كان ذلك موقظا لأشواق النفس نحو هذا المقام الكريم، حافزا الهمم والعزائم إلى بلوغ هذه الغاية المسعدة- فقد جاءت دعوة الذين آمنوا إلى ترك هذا المنكر، فى وقتها المناسب، لتتلقاها النفوس، وهى فى نشوة أشواقها إلى رضوان الله، وإلى الطمع فيما أعدّ للمتقين من جنات فيها نعيم مقيم.
فمن واجب الذين آمنوا، وصافحت قلوبهم أضواء الهدى أن يتقوا الله، وأن يقدروه حق قدره، فلا ينتهكوا حرماته، ولا يحوموا حول حماه.. وقد حرّم الله الرّبا، ومن تقوى الله اجتناب هذا المحرم، إن أراد المؤمن أن يكون فى المؤمنين حقا.. إذ لا يجتمع الإيمان بالله، والمحادّة لله، ومحاربته.
وقوله تعالى: «وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا» أي اتركوا ما تعاملتم به من ربا قبل أن يأتيكم الله حكم فيه بالتحريم، فليس لكم بعد هذا إلا رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون.
الآية: (٢٧٩) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٩]
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)
التفسير: أي فإن أنتم أيها المقرضون بالرّبا لم تنتهوا عما نهيتم عنه من أخذ الربا، فأعدّوا أنفسكم لحرب معلنة عليكم من الله ورسوله.. فهل لكم على هذه الحرب صبر؟ وأين لكم القوة التي تقف لقوة الله، وتحول بينكم وبين ما يرسل عليكم من صواعق سخطه، ووابل عذابه؟
وفى قوله تعالى «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ما يسأل عنه، وهو: إذا كان لحرب الله للمصرّين على أخذ الربا.. مفهوم، وهو وقوعهم تحت سلطان
стр. 356
سخطه ونقمته وعذابه.. فما مفهوم حرب رسول الله لهم؟
والجواب على هذا من وجهين:
الوجه الأول: أن مخالفتهم لأمر الله وخروجهم عن طاعته هو مخالفة لأمر الرسول، وخروج طاعته، إذ كان الرسول- ﵇ هو حامل أمر الله ومبلغه. فعقاب الله الذي يأخذهم به هو عقاب من رسول الله أيضا، وحرب الله لهم، هى حرب لحساب رسول الله كذلك.. وذلك ما يدل عليه قوله تعالى:
«وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً» (٢٣: سورة الجن) الوجه الثاني: أن رسول الله ﷺ منفّذ أمر الله فيهم، بما مكّن الله من سلطان، يقيم به حدود الله على الخارجين عليها.. وإذ لم يكن للرّبا حدّ مفروض يعاقب به المرابون، كحدّ السرقة والزنا مثلا، وذلك لشناعة الربا، وغلظ جريمته التي لا حدّ لها إلا عذاب جهنم أو مغفرة الله- إذ كان ذلك كذلك، فإن لرسول الله- ﷺ إذا عرض عليه نزاع فى معاملة ربوية أن يسقط الربا، وأن يجعل للمرابى رأس ماله دون ما أربى به.. كما فعل صلوات الله وسلامه عليه. فوضع ربا الجاهلية كلّه، وذلك فى قوله فى خطبة الوداع:: «كلّ ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب» .
وهذا الذي لرسول الله من تسلط على الرّبا، هو حق من بعده لولىّ الأمر، إذا عرض له نزاع فى معاملة ربوية، وضع الربا عن المقترض، وجعل للمقرض رأس ماله.
стр. 357
الآية: (٢٨٠) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٠]
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)
التفسير: وحين يستجيب المؤمن لأمر الله بترك الرّبا، وأخذ ما أقرضه دون زيادة، فإن عليه أن ينظر فى حال المدين، فإن كان معسرا- وهو ما يكون غالبا- ترفّق به، ومدّ له فى الأجل إلى أن يتدبر أمره، ويتهيأ له الظرف المناسب لأداء ما عليه من دين.. فذلك ما تمليه عاطفة الرحمة والمودّة، وما تقتضيه المروءة فى مثل هذه الحال.. ثم هو فوق ذلك عمل مبرور، له ثوابه وجزاؤه عند الله.. وخير من هذا وأعظم ثوابا وأحسن جزاء عند الله، هو أن يتصدق الدائن بدينه على المدين.. كله، أو بعضه، حسب ما يرى الدائن من حال المدين.
وفى الدعوة إلى التصدق بالدّين على المدين هنا ما يشير إلى أن هؤلاء الذين تضطرهم أحوالهم إلى الدين إنما هم- فى الغالب الأعم- الفقراء، الذين لا يجدون من مالهم ما يستجيب لحاجتهم من ضرورات الحياة، فيمدّون أيديهم إلى ذوى اليسار ممن يتوسمون فيهم المروءة، ليعينوهم بشىء من مالهم، على أن يكون ذلك دينا يرد إليهم فى أجل معلوم! فإذا سخت نفس الإنسان أن يقدم هذا العون للمحتاج فى صورة دين، فإنه لأجمل وأكمل أن يحتسبه صدقة عند الله، على ألا يجرح بذلك مشاعر المدين، وألّا يمنّ عليه، ويفضحه، بأن يقول له على سبيل المباهاة، أو الإيذاء والانتقام: تصدقت عليك بما لى عليك من دين.. فذلك مما يذهب بصدقته ويمحقها، والطريق الأمثل فى هذا- إن رأى أن يتصدق بدينه- أن يترك
стр. 358
المدين، فلا يطالبه بالدين، تصريحا أو تلميحا.. فإن أيسر المدين أدى إليه دينه، وإن ظل على إعساره أمسك عنه، ولم يطالبه.
و «كان» فى قوله تعالى: «وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ» تامة، بمعنى وجد، أي وإن وجد فى المدينين ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، إذ ليس كلّ المدينين على حال واحدة من الإعسار!
الآية: (٢٨١) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨١]
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)
التفسير: الخطاب هنا للمقرضين بالرّبا خاصة وللمؤمنين عامة- وهو دعوة إلى تقوى الله، والإعداد ليوم يرجع فيه الناس إلى الله، فيوفيهم حسابهم حسب أعمالهم، وما كسبت أيديهم من خير أو شر، ولا يظلم ربك أحدا.
مبحث فى الربا
أنواعه وأحكامه
معناه فى اللغة: النّماء والزيادة، يقال: ربا الشيء يربو رباوة وربا، إذا نما وزاد، ومنه الرّبوة، وهى الأرض المرتفعة على ما حولها.
وفى لسان الشريعة، وفى لغة المعاملات: هو عملية دين، يؤدّى عنه مال زيادة على أصل الدين، فى المدة التي يظل فيها الدين فى ذمة المدين.
ذلك هو أصل الرّبا الذي أدركه الإسلام عند عرب الجاهلية وشهد آثاره السيئة فى المجتمع العربي.
стр. 359
الإسلام والربا
وكان طبيعيا أن يتدخل الإسلام فى هذا الضرب من المعاملات الجائرة، التي تغتال الضعفاء، وتمتص عصارة الحياة فيهم، وتقطع أواصر الرحمة والأخوّة بين الناس والناس.
وقد جاء الإسلام بالحكم القاطع فى تحريم الربا فى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ» .
والربا.. الذي جاء القرآن بتحريمه هو ربا النّسيئة، وهو الذي أشرنا إليه من قبل، والذي يقع بين الدائن والمدين بفرض زيادة على أصل الدين، فى مقابل تأجيل دفع الدّين مدة معينة.. إذ النسيئة هى التأخير، يقال نسأ الله فى أجل فلان: أي مدّه وأطاله.
ولا شك أن فى هذه العملية ظلما محققا وقع على المدين من الدائن.. وذلك أن الدائن- وهو صاحب المال الذي هو نعمة من نعم الله فى يده، وفضل من أفضاله عليه، لم يرع فيه حق الله، وحق الفقراء فيه، بالصدقة والإحسان..
وهو إذ لم يفعل هذا، كان من الواجب عليه- ديانة ومروءة- أن يمسكه فى يده، ولا يجعل منه أداة يمتص بها البقية الباقية من حياة الفقراء! يقول ابن قيّم الجوزية: «إن الله لم يدع الأغنياء حتى أوجب عليهم إعطاء الفقراء، فإذا أربى الغنىّ مع الفقير فهو بمنزلة من له على رجل دين فمنعه دينه وظلمه زيادة أخرى- أي زيادة على أصل الدين بالربا- والغريم- أي الفقير- محتاج إلى دينه، الذي أوجبه الله له فى مال الغنى- وهذا من أشد أنواع الظلم..
стр. 360
«فهذا هو أصل الرّبا المستكمل لجميع سيئاته.. ولهذا روى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إنما الرّبا فى النسيئة» «١» أي فى تأخير دفع الدّين نظير الزيادة عليه.
مداخل إلى الربا
ومن تمام الحكمة فى الشريعة الإسلامية، أنها لا تحفل كثيرا بالصور والأشكال، وإنما تلتفت دائما إلى ماوراء الصور والأشكال من آثار.. وعلى هذه الآثار يكون حكمها على الشيء.. من الحظر، أو الإباحة، أو الوجوب.
وغير هذا من الأحكام.
فالخمر- مثلا- مسكر.. فهو حرام لهذه العلة، وهى الإسكار.. وقليل الخمر لا يسكر، ومع هذا فقد تساوى القليل من الخمر مع الكثير، فى التحريم..
ونطق لسان الشرع الحكيم فيه: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» .
ولو أخذنا بمنطق الصورة والشكل، لكان قليل الخمر غير حرام، مادام لم يبلغ بالإنسان مبلغ السكر.
وربما يكون هذا مقبولا فى عمليات المنطق، ولكن هل يقبل الواقع هذا؟
وهل تصدقه التجربة؟
التجربة والواقع ينكران أن يقوم حجاز يفصل بين قليل الخمر وكثيره، لتقع جريمة السكر أو لا تقع.. فقد يسكر بعض الناس بهذا القليل، ولا يسكر آخرون بأضعافه.. ثم من ذا الذي يضمن نفسه إذا ألقى فى جوفه بقليل الخمر، الذي لا يسكر به، ألّا تمتد يده إلى غير هذا القليل حتى يسكر؟ وإذا استطاع هذا الإنسان أن يردّ نفسه مرة ومئة مرة عن أن يتجاوز حد الإسكار، فهل من الممكن أن يطول به الوقوف عند هذا الحدّ إلى غير حدّ؟ وإذا
стр. 361
استطاع إنسان أن يمر بهذه التجربة سالما، فهل ذلك فى مقدور الناس جميعا؟
الواقع والتجربة ينقضان هذا، ويؤكدان أن كثيرا من الناس شربوا قليل الخمر مداواة، أو لعبا، فتجاوزوا المداواة واللعب إلى الإدمان، ثم الإغراق فى الإدمان! هذا صنيع الإسلام فى كل محرم.. إنه يحرّمه ويحرّم الذرائع المؤدية إليه.
وفى الربا.. حرم القرآن الكريم الرّبا، على الصورة التي كانت معروفة له فى الجاهلية، وهو ربا النسيئة، ثم جاءت السنّة المطهرة، فحرمت الذرائع المفضية إليه، حتى لا يتخذ الناس من تلك الذرائع مطايا- تنقلهم بقصد أو غير قصد- إلى الربا الصريح!.
ومن الذرائع التي حرّمها الإسلام، وعدّها من الرّبا، إذ كانت بابا يؤدى إليه- هذه الصور من المعاملات:
١- ربا الفضل
وهو بيع المتماثلين.. من ذهب أو فضة أو برّ أو تمر أو غير هذا.. بزيادة أحد المثلين على الآخر.. كمن يبيع درهما من الذهب بدرهم وبضعة قراريط من الذهب، وكمن يبيع قدحا من التمر، بقدح ونصف منه.. فهذا بيع متلبّس بالحرمة والإثم.
يقول ابن قيّم الجوزية: «ثم إن النبي ﷺ حرّم أشياء، مما يخفى فيها الفساد، لإفضائها إلى الفساد، كما حرم قليل الخمر، لأنه يدعو إلى كثيرها، ومثل ربا الفضل، فإن الحكمة فيه- أي فى تحريمه- قد تخفى..
إذ العاقل لا يبيع درهما بدرهمين إلا لاختلاف الصفات، مثل كون الدرهم صحيحا والدرهمين مكسورين، أو الدرهم مصوغا، أو من نقد نافق (أي رائج) ، ونحو ذلك.. ولهذا خفيت حكمته على ابن عباس ومعاوية، حتى أخبرهما الصحابة الأكابر، كعبادة بن الصامت وأبى سعيد الخدرىّ وغيرهما- بتحريم
стр. 362
النبىّ- ﷺ لربا الفضل «١» » .
وقد ألحق الرسول الكريم هذا الضرب من المعاملات بالربا.. إلّا أن يكون مثلا بمثل، ويدا بيد.. يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلّا مثلا بمثل ولا تشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز «٢» وفى لفظ: «إلّا وزنا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء «٣» » .
وعن أبى سعيد الخدري، رضى الله عنه قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برنىّ «٤» .
فقال النبي ﷺ : «من أين هذا؟» قال بلال: كان عندنا تمر ردىء، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي، فقال النبي عند ذلك: «أوه!! عين الرّبا.. لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشترى فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به «٥» » .
ولا شك أن مثل هذه المعاملات لا يقصد منها الربا على الوجه المعروف، المراد منه استغلال الفقير المحتاج، وفرض إرادة صاحب المال- الدائن- عليه.. ولكن يمكن أن تجرّ هذه المعاملات إلى ما يجرّ إليه الربا من ضغينة وعداوة.
أما الضغينة والعداوة فتنشآن مما يتكشف عنه الحال بعد عملية بيع المتماثلين مع تفضيل أحدهما عن الآخر، حين يرى أحد المتبايعين- بعد الرجوع إلى ذوى
стр. 363
الخبرة- أنه غبن، ولا سبيل إلى الرجوع فى عملية البيع. فالمتماثلان، لا يفضل أحدهما الآخر إلا فى أمور لا يتعرف عليها إلا أهل النظر والخبرة فى هذا الشأن، ومن هنا يقع الغبن، الذي تنتج عنه العداوة والبغضاء، كما ينتج الظلم يأكل أموال الناس بالباطل، عن طريق الربا المعروف، وهو ربا النسيئة.
وقد يقال: إن هذا الذي يقع فى بيع المتماثلين مع زيادة أحدهما عن الآخر- يقع أيضا فى بيع المتماثلين مثلا بمثل.. إذ لا شك أن المتماثلين لا يتماثلان فى جميع الوجوه، وإلا لما كان هناك داع يدعو إلى استبدال هذا بذاك.
ونعم. إنه لا بد من فروق بين المتماثلين، حيث يرى كل من صاحبيهما الرغبة فيما فى يد الآخر.. ولكن الغالب فى المماثلة أن تكون الفروق طفيفة، يمكن أن يحتملها الطرفان بالزيادة أو النقص، ولكن لو فتح باب المفاضلة بين المتماثلين لا تسع مجال الغبن، وتضاعفت مقاديره.. فكان فى إباحة بيع المتماثلين مثلا بمثل رفع للحرج على الناس فى تبادل المنافع، التي لا غنى لهم عنها، كما كان فى تقييد هذه الإباحة بألّا يفضل أحد المثلين الآخر، وزنا أو كيلا- كان فى هذا ما يحرس هذه العملية من الغبن الفاحش، لو فتح فيها باب التفاضل!.
٢- بيوع الغرر
ومن الأمور المفضية إلى الربا، بيع الغرر، والغرر فى اللغة، معناه التغرير والخداع.. يقال. غرّر فلان بفلان أي ساقه إلى سوء، أو أوقعه فى مكروه عن طريق الحيلة والخديعة والغش.
ويقع الغرر أو التغرير فى بعض صور هذا البيع.. وذلك كبيع المعدوم..
مثل حبل الحبلى، وبيع السمك فى الماء، وبيع المعجوز عن تسليمه، كالحيوان الشارد عن صاحبه، أو بيع المجهول المطلق.. مثل قولك: بعتك منزلا، أو المجهول العين، مثل قولك: بعتك ما فى جيبى.
стр. 364
ولا شك أن مثل هذه المبايعات لا تنتهى- غالبا- إلا بخلاف بين المتابعين إن لم يكن متخذا صورة مادية ظاهرة، اتخذ مشاعر محملة بالبغضة والعداوة، لأن البيع الذي حدث على تلك الصورة هو فى الواقع ضرب من المقامرة والمخاطرة.. إذ لا يدرى أحد متى تحمل هذه الناقة أو النعجة، التي وقع البيع على ما قد تحمل فى المستقبل، ولا أحد يدرى ما سيكون عليه نتاجها.. أهو سليم أو معطوب، أو هو واحد أو اثنين أو ثلاثة.. ويقال مثل هذا فى بيع الحيوان الشارد، أو المجهول جهالة مطلقة، كالبيع الواقع على كلمة «منزل» أو ما فى «الجيب» .
روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ ، نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، قبل: وما نزهى؟ قال: تحمرّ أو تصفر.. قال:
أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يستحلّ أحدكم مال أخيك؟.
وروى أحمد فى مسنده، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، ونحن نتبايع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فسمع رسول الله ﷺ خصومة، فقال: ما هذا؟ فقيل: إن هؤلاء ابتاعوا الثمار.. يقولون: أصابها الدّمّان والقشام «١» ، فقال رسول الله ﷺ : فلا تبايعوها حتى يبدو صلاحها» .
فالرسول- صلوات الله وسلامه عليه- لم ينه عن هذا البيع إلا بعد أن تكشفت آثاره السيئة، وتكشفت عن مشاحنة وبغضاء.. ولو جرى هذا البيع دون أن يثير مثل هذه المشاحنات أو لو كان بين أيدى الناس من وسائل العلم ما يضبط الحال التي سيكون عليها الثمر وقت نضجه، لما وقع حظر على هذا البيع، وما ماثله.
стр. 365
حكم الربا
هل الربا كبيرة من الكبائر؟.
هذا سؤال يبدو غريبا، بعد أن قالت الشريعة قولها فيه، فى الكتاب الكريم، وفى السّنّة المطهرة.
فالقرآن الكريم يصور.. آكل الربا فى صورة من أصابه مسّ من الشيطان، فاختبل عقله، واضطرب كيانه، وبدا للناس فى أسوأ حال يبدو فيه إنسان:
«الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» .
والقرآن الكريم يعلن الحرب من الله ورسول الله على مؤكّلى الرّبا إن لم يتوبوا، ويرجعوا إلى الله.. «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» .
والرسول الكريم يلعن جميع الأطراف المشتركة فى عملية الربا: آكله، ومؤكلّه، وشاهديه، وكاتبه «١» .. ثم أفلا يكون الرّبا بعد هذا كبيرة؟.
وبلى، إنه لكبيرة الكبائر عند الله!.
يقول الرسول الكريم: «الرّبا ثلاثة وسبعون بابا.. أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمّه، وإنّ أربى الرّبا عرض الرجل المسلم «٢» » .
وفى هذا ما فيه من تغليظ لجريمة الرّبا، وتشنيع عليها، وأنه لو صوّر الرّبا درجات بعضها فوق بعض، لكان أهون درجاته، وأقلها إثما، مماثلا للإثم الواقع من نكاح الرجل أمّه!!.
فكيف الحال بما فوق ذلك من درجات فى الكيان الربوىّ؟ .. لقد وضع الرسول الكريم على قمة الرّبا.. إباحة عرض المسلم.. وهو الزنا!!.
стр. 366
وكل درجات الرّبا الثلاث والسبعين- من أدناها إلى أعلاها- سلسلة متشابكة الحلقات من الظلم والعدوان.. ظلم النفس، وظلم الغير، وعدوان على حرمة النفس، وحرمة الغير.
والسؤال هنا هو: إذا كان هذا هو شأن الرّبا، وتلك هى جنايته، وآثاره السيئة فى الحياة، فلماذا لم يضع الإسلام عقوبة مادية له، كما وضع للجرائم الأخرى، كالقتل والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، والقذف؟ فلكل جريمة من هذه الجرائم حدّ مقرر، وعقوبة راصدة، فرضها الإسلام، وأوجب على المجتمع الإسلامى إقامتها على من وجبت عليه؟.
هذا سؤال، لم أجد فى كتب الفقه التي وقعت ليدى من سأله من الفقهاء..
وإذن فلا سبيل إلى جواب على هذا السؤال من كتب الفقه..
ومع هذا، فقد وقع فى نفسى أن أسأل هذا السؤال، وأن أتولّى الإجابة عليه!!.
ولكن..
لماذا لم يسأل الفقهاء هذا السؤال؟ ولماذا لم يكشفوا عن السبب فى عزل هذا المنكر عن الكبائر الأخرى، فلم تفرض له عقوبة؟ ولقد سأل الفقهاء عن أمور فرضية أو وهمية، قد لا تقع فى الحياة أصلا، ووضعوا أجوبة لها..
فكيف بهذا الأمر الواقع فى الحياة؟
وأكبر الظن عندى، أنه ربما كان ذلك، لأنهم عدّوا مسألة الرّبا من المسائل التعبديّة التي تخفى حكمتها، ولا يسأل عنها، كما خفيت حكمة ربا الفضل على ابن عباس ومعاوية، وكما خفيت الحكمة فى ألوان أخرى من المعاملات.
التي دخلت مدخل الرّبا! ولهذا روى عن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- أنه كان يقول:
стр. 367
«ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ عهد إلينا فيهن عهد، ننتهى إليه: «الجدّ «١» ، والكلالة «٢» ، وأبواب من الرّبا» .. وقول عمر:
«وأبواب من الرّبا» أي صور منه، وهى كما قال الرسول الكريم: «الربا ثلاثة وسبعون بابا» .. أما الرّبا الذي قطع الإسلام بحرمته- وهو ربا النسيئة- فقد جاء البيان فيه واضحا قاطعا.. وبقيت الصور الأخرى، وهي التي ليست فى حقيقتها ربا، ولكنها مداخل إلى الربا، فقد تركها الإسلام خاضعة للنظر والتقدير، حسب الظروف والأحوال. فما قد يكون مدخلا منها إلى الربا اليوم، لوقوعه تحت احتمالات شتى- قد يوجد فى المستقبل من العلم ما يرفع هذه الاحتمالات كلها، ويقيمه على أمر واحد محقق، فيصبح- والأمر كذلك- على حقيقة واحدة، لا مجال فيها لمفاجأت الاحتمالات، وتوقعاتها! وأما الحكمة فى تحريم الرّبا- بمعناه المعروف- فهى ظاهرة لمن طلبها..
يقول النبىّ الكريم: «الربا ثلاثة وسبعون بابا، أيسرها أن ينكح الرجل أمّه، وإن أربى الرّبا عرض الرجل المسلم» .
وواضح أن الاعتداء على عرض الرجل المسلم، ليس من الربا المعروف، بل المراد بالربا هنا هو المعنى الملازم له، وهو الظلم.
وإذن فنستطيع أن نفهم الحديث الشريف، على هذا الوجه، وهو أن المراد بالربا، وأنه ثلاثة وسبعون بابا- أنه الظلم، وأن أبواب الظلم ودرجاته هى هذه الثلاثة والسبعون بابا..
ولما كان الرّبا- بمعناه المعروف- على رأس أبواب الظلم جميعها، فقد جعله الرسول الكريم، العنوان لجميع أنواع الظلم.. تشنيعا عليه، وتنبيها إلى مكانه المشئوم بين الكبائر..
стр. 368
ويقول النبي الكريم: «من شفع لأخيه شفاعة، فأهدى له عليها هدية فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا» «١» .
وهذا بيان صريح فى أن الرّبا يقابل الظلم مقابلة واضحة صريحة.
وعلى هذا، فإنه مهما تعددت أنواع الرّبا واختلفت صوره، فإن الأصل الذي تفرع عنه الربا واضح معروف، والحكمة فى تحريه واضحة لا تخفى..
وأن أكل أموال الناس بالباطل وظلمهم، هو العلة فى تحريم الرّبا.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ» .
وليس بعد هذا بيان فى النصّ على تحريم الرّبا، وفى الكشف عن الحكمة فى تحريمه، والنهى عن التعامل به.
ونعود إلى سؤالنا:
لماذا لم يضع الإسلام عقوبة مادية للربا، مثل الجرائم التي فرض عليها عقوبة؟
والجواب الذي يمكن أن نستلهمه من روح الشريعة.. هو:
أولا: أن الحدود التي فرضها الإسلام عقوبة للقتل والسرقة والزنا..
وغيرها.. هى تطهير لمرتكبيها من آثار ما ارتكبوا.. فإذا أقيم الحد على مرتكب جريمة من هذه الجرائم طهر.. كما ورد فى الحديث عن عبادة بن الصامت، قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ (أي العهد) كما أحد على النساء: «ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزنى، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه «٢» بعضنا بعضا، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أتى منكم حدّا فأقيم عليه، فهو كفّارته.. الحديث» «٣» .
стр. 369
ذلك شأن الذنوب التي يقام فيها الحدّ.. يتطهر منها مرتكبوها بإقامة حدود الله عليهم..
أما «الربا» فهو باب وحده من أبواب الشر والفساد، وخطيئته تحيط بصاحبه، وتخالط كيانه الروحي والجسدى، فلا ينجو منه إلا بالتوبة الخالصة ونقض يديه من هذا الوزر.. إلى غير رجعة.. وإلا فهو حصب جهنم..
«وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» .
ثانيا: الربا محاربة سافرة لله ولرسوله، إذ كان بغيا على عباد الله الفقراء، وتحكّما فى أرزاقهم، وإفسادا لحياتهم، وتضييعا لهم.. إنه قتل خفىّ جماعىّ للفقراء المستضعفين فى المجتمع، ولهذا تولّى الله- الدفاع عنهم، والانتقام لهم، ممن ظلموهم، وأوردوهم هذا المورد المهلك.. «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» .. فالله سبحانه هو الذي أعلن هذه الحرب على المرابين، وكفى بحرب يعلنها الله، وكفى بجرم يعلن الله الحرب على مرتكبيه!! إن الله- سبحانه- لم يعلن الحرب على غير هذا الصنف من المفسدين..
وهم المتعاملون بالرّبا! حتى أولئك الذين أعلنوا الحرب على الله وعلى رسوله، لم يؤذنهم الله بحرب، كما يقول : «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» . (٣٣: المائدة) فلم يعلن الحرب على هؤلاء العصاة المتمردين، الذين سعوا فى الأرض فسادا، وأعلنوا الحرب على الله وعلى رسوله.. ولكنه أعلنها
стр. 370
سافرة صريحة على المرابين: «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» وليس وراء هذه الحرب إلا خراب شامل، وضياع وفساد لما جمعوا، وعذاب شديد فى نار جهنم، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
هذا هو الحدّ الذي وضعه الله سبحانه- عقوبة للربا، وتولّى- سبحانه- تنفيذه، دون أن يعهد بذلك إلى أحد.
ثالثا: تتم عملية الربا بين آكل الربا- المقترض، وبين صاحب المال- المقرض- والشاهدين، والكاتب.
إنها عملية واحدة، ولكل من هؤلاء دوره فيها.
فهل يكون الحد واحدا لجميع أطرافها، إن وضع لهذه الجريمة حد؟
أم أن يكون لكل طرف من الأطراف الأربعة الحدّ الذي يناسب دوره فيها؟
إن قيل بأن تكون العقوبة واحدة لهؤلاء جميعا، تكون قد سوّت بين الظالم والمظلوم، وبين من أغواه الجشع وحب المال، ومن دفعه الفقر وألجأته الحاجة، حتى صار كالمضطر! ثم إن الشاهدين والكاتب لم يأكلوا الرّبا ولم يؤكّلوا، فهل يسوّون يمن أكل أو أكّل؟ لا محل للمساواة إذن فى العقوبة هنا.
وإن قيل: تقع العقوبة على قدر الجرم الذي تلبس به كل من المشتركين فيه.. قيل إن فى هذا تهوينا من شناعة الجريمة، لأنها جريمة أعلن الله فيها الحرب، على أطرافها جميعا وإن أدنى عقوبة لمن اشتبك فى حرب مع الله ينبغى أن يكون أقصى عقوبة عرفت فى الحدود، وهى القتل، أو الرجم.. فبم يعاقب من هم أكثر التصاقا بهذه الجريمة، وأشد وزرا فيها؟ وهل بعد القتل
стр. 371
أو الرجم عقوبة؟ إذن فلا سبيل إلى المساواة! وإذن فلا مكان لوضع عقوبة عادلة تأخذ هذه الأطراف.. كلّا بحسب ذنبه! رابعا: إذا قيل إن هذه الجريمة، وقد بلغت ما بلغت من الشناعة والظلم..
لم لا يكون القتل حدّا من حدودها.. ينال على الأقل صاحب المال، وهو المرابى؟ ثم يكون التعزير لآكل الربا (المدين) ثم للشاهدين والكاتب.
إذا قيل هذا.. قيل: إن الجريمة أكبر من القتل، وأكبر من أن ينال مقترفها شرف التطهير بإقامة حدّ من حدود الله عليه.. وليكن عذاب السعير هو العقاب الذي ينزل كل واحد من هؤلاء المشتركين فى هذه الجريمة- منزله من النار، وفى النار منازل، ودركات! خامسا: إن معركة المال بين الأغنياء والفقراء، هى معركة الحياة الدائمة المتصلة.. وهذه المعركة لا ينفع فيها عقاب مادى، ولا يخفف من طغيانها..
لأن المال شهوة قائمة في النفس لا ينطفىء سعارها إلا إذا بللتها قطرات من ينابيع العطف والرحمة والمحبة، ينضح بها ضمير حىّ، ووجدان سليم.
إن الضمير وحده هو الذي يمكن أن يفاء إليه فى تسكين هذه الشهوة الصارخة لحب المال.. ومن هذه الجهة يجىء الأمل فى القضاء على جريمة الرّبا، أو الحد من نشاطها.
ولهذا ترك الإسلام العقاب المادي لهذه الجريمة الغليظة، واتجه إلى الضمير الإنسانى، يخاطبه، ويبعث فيه مشاعر الخير والرحمة والمودة.. فإذا لم يكن ثمة ضمير يندى به قلب الغنىّ عطفا ورحمة على الفقير، فيقرضه قرضا حسنا، أو ثمة ضمير يعفّ به الفقير عن هذا المورد الوبيل- إن لم يكن ثمة هذا الضمير أو ذاك، فلا قيمة لوازع السلطان أمام سلطان المال وطغيانه، وإزاء ضراوة الحاجة وقسوتها.
стр. 372
ولهذا ختم الله آية الربا، بالحثّ على مراجعة النفس فيما هى مقدمة عليه بارتكاب هذا المنكر، وما ينتظرها من حساب يوم القيامة..
وفى هذا يقول الله تعالى: «وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» .
فهذه المراجعة إن صادفت قلبا سليما، ونفسا مهيأة للخير، عدلت بها عن هذا المورد الوبيل، وساقتها إلى موارد البر والخير، والتعفف والصبر «١» وإلّا فلا دواء لهذا الداء إلّا ما أعد الله لأهله من عذاب السعير.
مبحث فى الدّين توثيقه والإشهاد عليه
الآية: (٢٨٢) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)
حرّم الله سبحانه القرض بالرّبا، ورغّب فى القرض الحسن، المراد به وجه الله، وفك ضائقة ذوى الحاجة، فذلك عمل مبرور يجزى الله عليه الجزاء الحسن.
стр. 373
ولأن عملية القرض عملية إنسانية، تنبع من عاطفة كريمة رحيمة، فقد حرص الإسلام على أن يثبّت دعائمها، وأن يحرسها من الآفات التي نشوّه معالمها، وتفسد الجوّ الذي تتنفس فيه.
ففى النفوس ضعف، وفى القلوب مرض، وفى الناس نكران للمعروف، وجحود للإحسان.. وقد تتوارد هذه الآفات جميعها على عملية القرض، فتجعله مصدر عداوة وبغضاء، بعد أن كان باب تواصل وتراحم وتوادّ.. فقد يجحد المدين أصل الدّين، أو يجحد بعضه، أو يقع سهو أو نسيان فى أصل الدين.. عند كل من الدائن والمدين.. وكل هذا يوجد شقاقا، ويوقع عداوة! لهذا أمر الإسلام على وجه الإرشاد والنصح أن يكتب الدّين، وأن يشهد عليه.. فقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ» فكما تعرف قيمة الدين، كذلك ينبغى أن يعرف الأجل الذي يؤدّى فيه إلى صاحبه، إذ أن تجهيل الوقت الذي يردّ فيه الدين، وتركه مفتوحا لتقدير المدين- يفتح بابا واسعا للماطلة والتسويف، مما يدعو إلى المشاحنة والعداوة، فى أمر ينبغى أن يصان عما يدعو إلى المشاحنة والعداوة، وأن يخلص للبر والإحسان! وقوله تعالى: «وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ» أي ليقم بين الدائن والمدين من يكتب لهما الدين وأجله، وليشهد عليه.. وذلك إذا لم يكن الدائن والمدين معا ممن يحسنون القراءة والكتابة، فإذا كان أحدهما يحسنهما أو كانا معا لا يحسنانهما فليقم بينهما كاتب عدل، يكون منهما بمنزلة الحكم.
وهو أمر موجه إلى من يحسنون الكتابة أن يقوموا بهذه المهمة إذا دعوا إليها.. والأمر لا يكون إلا حضوريا، يخاطب به من يراد منه الأمر، وقد
стр. 374
وجّه الأمر هنا إلى غائب، وذلك أنه لا غائب عن علم الله وقدرته، فكل غائب هنا حاضر فى علم الله.. فكل كاتب موجود أو سيوجد، ماثل بين يدى الله، ومخاطب بهذا الأمر.
وقوله تعالى: «وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ» هو نهى لمن يعرف الكتابة أن يمتنع عن كتابة الدين إذا دعى إلى كتابته، فقد أنعم الله عليه بأن علّمه ما لم يكن يعلم، فلينفق من هذا الرزق الذي رزقه الله إياه، فى سبيل الخير، فذلك من زكاة هذه النعمة.
وكما أن الأمر لا يتجه إلى غائب، كذلك النهى لا يكون لغير حاضر..
وكما قلنا، فإنه لا غائب فى علم الله، فالله يأمر وينهى الحاضرين والغائبين.. فى نظرنا، والجميع حاضر بين يدى الله، واقع تحت علمه.
قوله تعالى: «فَلْيَكْتُبْ» أمر آخر، بالكتابة، يتوجه إلى من يحسنها، ويؤكد الواجب المدعوّ إليه فى تلك الحال، فإن تخلّى عنه كان ذلك منه عصيانا عن عمد، وتحدّ صريح لأمر الله، الذي بلّغه فى أبلغ بيان وآكده.. بالأمر به، ثم بالنهى عن مخالفته، ثم بالأمر به مرة أخرى..
وقوله تعالى: «وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ» ، هذا بيان لحق المدين فى توثيق الدين.. فبعد أن دعا الله كلّا من الدائن والمدين أن يكتبوا الدين، ثم دعا إليهما من يكتب لهما- أمر المدين أن يملل أي يملى على الكاتب المال الذي استدانه، والأجل المتفق على أدائه فيه، ليكون ذلك بإقراره، الذي يتعلق بذمته، وذلك بحضور الدائن، ومصادقته على ما يمليه المدين، أو يستمليه منه الكاتب.
وقوله تعالى: «وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً» هو أمر توجيهى للمدين
стр. 375
بأن يتقى الله ربّه فى هذا المال الذي صار وديعة فى يديه، وأمانة فى ذمته، إلى أن يؤديه، كما أخذه، محمولا إلى الدائن بيد الشكر وعرفان الجميل، وألا يبخس من هذا المال شيئا، إذ ليس ذلك من صنيع الكرام إلى من أكرمهم وأحسن إليهم، وذكر الاسم الكريم «ربّه» بعد ذكر لفظ الجلالة «الله» تذكير للمدين بربوبية الله له بعد تذكيره بألوهيته، فيستحضر بذلك عظمة الله وجلاله كما يذكر نعمه وآلاءه، ويذكر مع هذا أن من نعم الله على المدين أن يسر له أمره العسر، وفرج كربه على يد عبد من عباده، هو الدائن، وتلك نعمة من نعم الله، يجب على المدين أن يرعاها، وأن يحرص على شكرها، بأدائها إلى أهلها، فى سماحة ويسر وشكر.
قوله تعالى: «فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ» (٢٨٢) أي فإن عرض للمدين ما يمنعه من أن يتولّى بنفسه إملاء الدين والإقرار به، بأن كان سفيها محجورا عليه، أو صغيرا، أو أبكم أو أصم، أو نحو هذا مما ينقص من أهليته وقدرته، فليتولّ ذلك عنه وليّه، أو وصيّه، فيستدين له، ويقرّ بالدين الذي استدانه، متوخيا فى ذلك العدل، فلا يقر بأكثر أو أقل مما استدانه.
قوله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» (٢٨٢) أي فإذا كتب الدين بحضور المتداينين، وأقر المدين أو وليه بما كتب الكاتب، فليشهد على ذلك شاهدين عدلين من الرجال، أو رجل وامرأتان.
стр. 376
وفى قوله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ» إشارة إلى تحيّر الشاهدين، والتماس الصفات الطيبة فيهما، فليس كل من حضر مجلس العقد كان صالحا للشهادة، قادرا على تحملها، بل يجب أن يكون ذلك بعد طلب، وبحث، فقوله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا» أي اطلبوا شاهدين، وفى قوله تعالى: «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» أي ممن رأيتم فيهما، الاستقامة والسلامة، من بين أهل الاستقامة والسلامة.
وقوله تعالى: «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» معدول به عن أن يقال: «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» حيث يبدو معناهما واحدا، وهو أنه إذا ضلّت إحدى المرأتين عن الحقيقة التي شهدت عليها، ذكرتها الأخرى بهذه الحقيقة، وأعادتها إلى الصواب.
واللفظ القرآنى- فى ظاهره- فيه إطناب وتكرار، ولا يكون ذلك إلا لمعنى زائد، وإلا لغرض مراد، لا يحققه غير هذا اللفظ القرآنى على صورته تلك..فماذا هناك؟
لم يعرض القرآن الكريم للرجلين، إذا ضل أحدهما وأنكر ما شهد عليه، كما لم يعرض للرجل مع المرأتين.. إذا ضل عما شهد عليه. وإنما عرض للمرأتين فقط، وما قد يقع من إحداهما.. فما وجه هذا؟
نقول- والله أعلم-: إن الشهادة أمانة تحمّلها الشاهد، وقبلها طائعا مختارا، حسبة لوجه الله.. فإذا غيّر الشاهد وبدل فيما شهد عليه، فليس لأحد عليه من سبيل، وحسابه عند ربّه! سواء أكان الشاهد رجلا أو امرأة.
ولكن لما كانت المرأة أقرب إلى السهو والنسيان من الرجل بسبب ما يعرض لها من أحوال جسدية، من حمل وولادة، ومن هزّات عاطفية، فى
стр. 377
قيامها على شئون صغارها وما يعرض لهم- لما كانت المرأة على تلك الصفة هنا فإن استشهادها لم يكن إلا لضرورة، وذلك حين لم يكن ثمة أكثر من رجل واحد يصلح للشهادة! وهنا تقوم المرأتان مقام الرجل الآخر المطلوب للشهادة.
ولما كان الضلال عن طريق الحق فى جانب المرأتين ليس مقصورا على إحداهما دون الأخرى، بل هو قدر مشترك بينهما، فقد تذكر إحداهما بعض ما شهدت عليه وتنسى بعضا، كأن تذكر أن الدين قدره كذا وتنسى الأجل المضروب له، أو تذكر أين كان مجلس العقد وتنسى زمانه، أو يختلط عليها الأمر فى من هو الدائن أو المدين.. على حين تذكر الأخرى ما نسيته الأولى، وتنسى ما تذكره صاحبتها.. وهكذا تكمّل إحداهما الأخرى، فيأتيان بالشهادة على وجهها الصحيح، أو على ما هو أقرب إلى الصحيح! فالمراد بالضلال هنا الحيدة عن الواقع، بسبب سهو أو نسيان، كما يضلّ السائر طريقه إلى الغاية التي يقصدها.
وقوله تعالى: «وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا» (٢٨٢) أمر موجه إلى الشهود بأداء الشهادة إذا ما دعوا إلى أدائها عند الحاجة إلى شهادتهم، وبهذا يتحقق الغرض المقصود من توثيق الدين، والإشهاد عليه.
وفى التعبير عن الشهود بلفظ «الشهداء» الدال على علو القدر وشرف المنزلة- احتفاء بالشهادة وتكريم عظيم للشاهد، إذا كان أهلا لحمل الأمانة، وموضع ثقة بين الناس، حيث ائتمنوه، ورضوا به حكم عدل بينهما، ففى كلمته التي يشهد بها مقطع الحق.
وقوله تعالى: «وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا» (٢٨٢) .
стр. 378
هو تحذير من التهاون فى توثيق الدين أيّا كان قدره، فقد يستخف بعض الناس بشأن الدين، حين يكون قليلا، فلا يكتبه، ولا يحدد له أجلا، وهذا من شأنه أن يفتح بابا للخلاف، ثم الشقاق والعداوة.
وكتابة الدين أيّا كان قدره هو العمل المبرور عند الله، لأنه قائم على العدل والإحسان، ولأنه هو الذي يضبط الشهادة ويقيمها على وجهها الصحيح، إذا اختلف الشهداء فيها، ولأنه من جهة ثالثة يبعد الريب والشبهات، حيث يرجع المتداينين إلى ما كتب، وضبط.
وقوله تعالى: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» (٢٨٢) استثناء من الحكم العام المأمور به فى كتابة الدين.
ففى عملية البيع والشراء، حيث تكون البضاعة حاضرة، والثمن حاضرا معجلا، وحيث تسلّم البضاعة ويقبض الثمن فى مجلس البيع- فى هذه العملية لا تكون الكتابة ضرورية، إذ لا غناء لها، ولا معوّل عليها بعد أن يتم تسليم البضاعة وقبض الثمن.
وقوله تعالى: «تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ» إشارة إلى فورية التسليم والقبض، وتبادل البضاعة وثمنها بين البائع والمشترى.
وقوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» أمر توجيهى بأن يكون البيع والشراء بحضور شاهدين، ذلك أنه إذا لم يكن للكتابة أثر فى عمليه البيع الحاضر، فإن للشهود أثرهم فى حسم ما قد يقع بين البائع والمشترى من خلاف، فى مجلس البيع. كأن يختلفا فى الشيء المباع، كمية، أو عددا، ونحو هذا، أو أن يختلفا فى الثمن الذي تراضى به كل منهما، فيكون للشاهدين الكلمة الحاسمة فى هذا الخلاف.
стр. 379
وقوله تعالى: «وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ» (٢٨٢) حماية للكاتب، وللشاهدين من أن يلحقهما أذّى فى هذا العمل الذي أدّياه حسبة لوجه الله.
فالكاتب والشاهد فى العقود المبرمة بين المتعاقدين يؤديان عملا إنسانيا، حسبة لوجه الله، ومن الظلم أن يمسّهما سوء أو ينالهما أذى من أجل هذا العمل الذي يقومان به، وإلّا زهد الناس فى هذا العمل المبرور، إذا لم تيسر سبله، ولم يمط عنه كل أذى.
لهذا جاء قول الله تعالى: «وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ» حماية للإحسان وللمحسنين من أن يكدر صفو الإحسان، وأن يساء إلى أهله بأى لون من ألوان الأذى المادىّ أو الأدبىّ.
وقوله تعالى: «وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ» تحذير للدائنين والمدينين، والبائعين والمشترين، ولكل طرف من الطرفين المتعاقدين فى أية عملية يضبطها عقد ويشهد عليها شهود- تحذير لهؤلاء جميعا من أن ينال الكاتب أو الشاهد أذى منهم، فإن فعلوا كان ذلك فسقا منهم، وخروجا على سنة العدل والإحسان، وتعديا على حدود الله.
وقوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (٢٨٢) هذا أمر عام بتقوى الله، ومراقبته، والوفاء بأوامره ونواهيه على الوجه الأتم الأكمل.. وتقوى الله مطلوبة هنا فيما بيّنه الله تعالى من أحكام، وأوضحه من معالم، ورسمه من حدود فى عملية الدين، وفى البيع والشراء، فإنه إذا كانت
стр. 380
تقوى الله بمحضر من قلوب المتعاملين هنا، استقام أمرهم، وسلم لهم دينهم ودنياهم جميعا.
الآية: (٢٨٣) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٣]
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)
التفسير: تبين هذه الآية حكما من أحكام الدين، وذلك حين يكون المتداينين على سفر، وليس هناك من كاتب يكتب لهما، كما أمر الله فى الآية السابقة، والحكم التعليمى هنا هو أن يقدّم المدين ليد الدائن رهنا يضمن دينه، وبذلك لا يكون هناك سبيل للمدين أن يماطل أو ينكر، فإن ماطل أو أنكر كان فى يد الدائن ما يفى بدينه، وهو الرهن المقبوض.
قوله تعالى: «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ» وذلك حين لا يكون فى يد طالب الدين ما يقدمه لمن يطلب الاستدانة منه كرهينة لما يستدينه.. ففى هذه الحال يترك الأمر لتقدير الدائن، فإن أمن المدين، واطمأن إلى سلامة دينه، واستشعر الوفاء بدينه، داينه، وجعل هذا الدين أمانة فى ذمته، يؤديه إليه فى الأجل المحدد له، على أن يشهد على هذا الدين.
وقوله تعالى: «فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ» أمر إلزامى للمدين الذي ائتمنه الدائن، ولم يكتب دينه، ولم يكن فى يده رهن مقبوض فى مقابله- أمر إلزامى له أن يؤدى ما ائتمن عليه، فإن خيان الأمانة هنا جرم غليظ، إذ حكم
стр. 381
الدائن على نفسه، أنه غير أهل للثقة ولا مستأهل للجميل، الأمر الذي يجور على انسانيته، ويذهب بمروءته.
وقوله تعالى: «وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ» تذكير للمدين أن يفىء إلى تقوى الله إذا حدثته نفسه بجحد الدين أو المماطلة فيه، فإن الله له بالمرصاد، إن أحسن أحسن الله إليه، وإن أساء أخذه بذنبه. «إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» (١٠٢: هود) .
وقوله تعالى: «وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» تحذير للشهود- فى جميع الأحوال- أن يكتموا ما استشهدوا عليه، فإن الشهادة أمانة، وجحودها، خيانة للأمانة.
وقوله تعالى: «فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» إشارة إلى أن الإثم قد استولى على قلبه الذي كان مستودع الشهادة، وإذ كتمها صاحبها فى قلبه، وأبى أن يرسلها حين طلب إليه أداؤها إلى أهلها، فقد علقت بقلبه، ورانت عليه، وتغير وجهها، واصطبغ بصبغة الخيانة والإثم.
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» أي مطلع على ما ضمّت عليه القلوب، وما أعلنته أو أخفته.
الآية: (٢٨٤) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٤]
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)
في الآية استعراض لقدرة الله، وبسطة سلطانه، وعظمة قدرته، وسعة علمه..
وفى كل هذا يرى المؤمنون بالله أنهم إنما يتحركون ويعملون فى مجال القدرة
стр. 382
الإلهية، وتحت سلطانها، لا يخفى على الله منهم شىء ...
وقوله تعالى: «وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ.» هو خطاب للشهود، وتحذير لهم من أن يكتموا الشهادة، فإن أبدوا ما فى أنفسهم مما استشهدوا عليه، أو أخفوه وكتموه، فإن الله بهم عليم، وهو محاسبهم على خيانتهم الأمانة، وكتمانهم الشهادة.
وقوله تعالى: «فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ» بسط من الله تعالى ليده، التي تنال برحمتها ومغفرتها أولئك العصاة، الذين كتموا الشهادة، فيغفر الله لمن شاء منهم، ويعذب من يشاء، يغفر لمن يشاء كرما وفضلا، ويعذب من يشاء حقا وعدلا.. وذلك ما يشهد له قوله تعالى: «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» (٥٦: يوسف) فرحمة الله عامة شاملة، تنال المحسن والمسيء، والبرّ والفاجر.. كما يقول سبحانه: «رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ..» (١٥٦: الأعراف..) أما إحسان المحسنين فهو فى ضمان الله، لن يضيع أبدا!
الآية: (٢٨٥) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٥]
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)
التفسير: يخبر الله بإيمان الرسول بما أنزل إليه من ربّه، أي بالقرآن الذي أنزل عليه، وبما حمل هذا القرآن من أحكام وآداب، كما
стр. 383
يخبر سبحانه بإيمان المؤمنين الذي اتبعوا النبي، على نحو الإيمان الذي آمن به النبىّ.
وليس الإخبار بإيمان النبىّ والمؤمنين لمجرد الإعلام بمضمون هذا الخبر، وإنما لما ينكشف وراء هذا الخبر من الصورة التي كان عليها إيمانهم، فهذا الإيمان قائم على دعائم، هى: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، دون تفرقة بين أحد من رسله، فهم جميعا حملة رسالة الله إلى عباده، يعملون لغاية واحدة، هى هداية الناس إلى الله، وإقامتهم على صراط الله، ودين الله.. والتفرقة بينهم تفرقة للحق الذي جاءوا به، والحق وجه واحد، وطريق واحد، لا تختلف مناهجه، ولا تتفرق سبله.
ومن تمام هذا الإيمان أيضا، السمع والطاعة لله ولرسوله، والإنابة إلى الله في العثرات والزلات.
وقوله تعالى: «لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ» هو مقول لقول محذوف يدل عليه القول فى قوله تعالى: «وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا» أي قائلين لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا.»
وفى هذا كله تعريض بأهل الكتاب، وخاصة اليهود، الذين فرّقوا دين الله، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه، وعزلوا رسل الله بعضهم عن بعض كما عزلوا هم أنفسهم عن المجتمع الإنسانى كله.
الآية: (٢٨٦) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٦]
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)
стр. 384
التفسير: التكاليف التي حملها رسل الله إلى الناس، إنما هى لإصلاح معاشهم ومعادهم، وإقامتهم على طريق مستقيم، تطيب لهم فيه الحياة، حيث تجمعهم الأخوة والمودة، ويؤلف بينهم العدل والإحسان.
وهذه التكاليف ليس فيها إعنات ولا تحدّ لقدرة الإنسان وقوة احتماله، وإلا كانت ضربا من النكال، ولونا من العقاب، الأمر الذي جاءت رسالات السماء على خلافه.. فما هى إلا رحمة من رحمات الله، وفضل من أفضاله على عباده، تفتح لهم مغالق الخير، والحق، والهدى.
وقوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» هو البيان المبين لحقيقة الشرائع السماوية، وأنها المنهج التربوى السليم، لإصلاح أمر الفرد والمجتمع، وهى الغذاء الروحي والنفسي والعقلي للإنسان.. وإذ كان هذا شأنها فإنها لم تجىء إلا بما تتقبله النفوس السليمة، وتستجيب له، وتتفاعل معه، وتسعد به.
وإذ كانت أحكام الشريعة عامة للناس كلهم، عامتهم وخاصتهم على السواء، وإذ كان الناس على درجات متفاوتة، فى القوة والضعف، وفى الصحة والمرض- فإن مما قضت به الحكمة فى ذلك أن جاءت الشرائع السماوية- وخاصة شريعة الإسلام- على مستوى الوسط للقدرة الإنسانية، بمعنى أن من فوق هذا المستوي تتسع قدراتهم لأكثر من تكاليف الشريعة، على حين أن من دون هذا المستوي لا تضيق نفوسهم به، وإن وجدوا فيه شيئا من العناء والجهد.
هذا فى مجال الإنسانية كلها.. أما فى خاصة حياة الفرد من الناس،
стр. 385
فإن الشريعة قد راعت الظروف الخاصة التي تعرض للإنسان، والضرورات التي تتحدّى قدرته، فوضعت لتلك الظروف وهذه الضرورات أحكاما خاصة، موقوتة بوقتها، ومقدورة بقدرها، فأباحت المحظورات عند الضرورات، ودفعت الحرج عن الضعفاء، والمرضى، والمسافرين، فرفعت عنهم بعض الأحكام، رفعا جزئيا أو كليا، بصفة مؤقته أو دائمة، وبهذه الأحكام الاستثنائية الواردة على الأحكام العامة، يرفع الحرج عن المؤمنين بالله، الحريصين على الوفاء بأحكام شريعته.. وهذا من رحمة الله بالناس، ولطفه بعباده:
«وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (٢٢٠: البقرة) .
ثم إن فى قوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» . ما يجعل إلى الإنسان نفسه عند التطبيق العملىّ لأحكام الشريعة، أن يردّها إلى قدرته واحتماله، فما خرج منها عن قدرته، وجاوز احتماله، فقد تجاوز الله عنه، ورفع عنه الحرج فيه، شريطة أن يكون ذلك عن نية صادقة فى الامتثال لأمر الله، ورغبة خالصة فى مرضاته، بمعنى أن يحاول الإنسان أداء المطلوب صادقا مخلصا، فإن عجز أو قصّر فرحمة الله لن تضيق به، ولن تقيمه على الضر والأذى:
«لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» .
وقوله تعالى: «لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ» الكسب هنا غير الاكتساب.. فالكسب للحسنات والأعمال الصّالحة، والاكتساب للسيئات والأعمال السيئة.. وفى لفظ الكسب خفة، ولطف، واستقامة على اللسان، على خلاف لفظ الاكتساب وما فيه من ثقل، وقلق واضطراب..
«كسبت» و «اكتسبت» ! ولفظ «لها ما كسبت» يفيد الملكية، التي تقضى للمالك بالانتفاع بما ملك، والتصرف فيه بما ينفعه، وذلك واقع فيما يكسبه الإنسان من حسنات،
стр. 386
وما يعمله من صالحات.. إنها له، وملك يمينه، أما لفظ «عليها ما اكتسبت» فهو يدل على إلقاء أعمال وأعباء على كاهل المكتسب، تنقض ظهره، وتقيد خطوه، فلا يبلغ غاية، ولا يحقق أملا.
قوله تعالى: «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» . من رحمة الله بنا وألطافه علينا- أتباع هذه الملة السمحاء- أن دعانا إلى أن ندعوه بهذا الدعاء، الذي صاغه سبحانه من كلماته، وجعله سبحا لملائكته ولعباده الصالحين، يسبّحون له، ويدعون لنا به.. بل إنه يأتمّنا بهذا الدّعاء، ويصلى علينا به، ونحن نقول بما يقول، ونصلّى بما يصلّى.. فما أكثر رحمة الله بنا، وما أوسع فضله علينا.. إذ تقبّل دعاءنا قبل أن ندعو، واستجاب لنا قبل أن نكون! فقد رفع الله عنا الخطأ والنسيان، كما أخبر الرسول الكريم فى قوله: «رفع عن أمّتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» كذلك عافانا مما ابتلى به أمما قبلنا.. كأمة اليهود، الذين ابتلاهم الله بضروب شتى من البلوى، وحمّلهم من التكاليف ما أعنتهم وأرهقهم، عقابا لهم، ونكالا، جزاء كفرهم بآيات الله، ومكرهم بنعمه، وفى هذا يقول سبحانه: «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ» (١٦٠: النساء) ويقول سبحانه: «وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ» (١٤٦: الأنعام) .. لقد عافانا الله من هذا الامتحان
стр. 387
القاسي، فلم يأخذنا بذنوبنا، ولم يحملنا من التكاليف ما لا نطيق، وجعل لنا باب التوبة مدخلا نثوب به إليه، ونقترب منه، بعد أن بعدنا بذنوبنا عنه، إذ نضرع إليه قائلين: «رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» .
وإنى لأحبّ أن أفهم قوله تعالى: «رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ» . على أنه- مع كونه دعاء مطلقا يدعو به المسلم فى كل وقت- هو تعويذة يلوذ بها المذنبون الذي تغلبهم أنفسهم، وتقهرهم أهواؤهم فيقترفون ما اقترفوا وهم فى هذا الضعف النفسي المستولى عليهم، فهم- والحال كذلك- قد وجدوا أمام أمر لا طاقة لهم به، وهم لذلك فى استخزاء، وفى حسرة وندم، لا يجدون إلا وجه الله يبسطون أيديهم إليه أن يعينهم على أنفسهم، فيقوّى من إيمانهم، ويشد من عزائمهم، فى هذا الصراع الدائر فى كيانهم، بين الإقدام على المعصية والإحجام عن مواقعتها، حتى ينتصروا على أنفسهم وينتهوا عمّا نهوا عنه..
وفى ختم هذا الدعاء العظيم الشامل بقوله تعالى: «أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» إلفات للمسلمين بأن غايتهم من هذا التضرع إلى الله، بإصلاح أمرهم واستقامة طريقهم- هو أن يكونوا آخر الأمر أهلا لهداية الناس إلى الله، وأن يصبحوا جبهة عاملة لنصرة الحق، وجندا مقاتلا فى سبيل الله، وبهذا تقوى جبهة الإيمان، وتضمر أو تزول دولة الكفر.. وإذ كان المؤمنون أولياء الله، ونصراء كلمته، فإن الله وليهم وناصرهم على عدوهم..
«أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» .
стр. 388
٣- سورة آل عمران
اسمها: سورة آل عمران، ومن أسمائها: «الزهراء» . وتسمى هى والبقرة: الزهراوين.
نزولها: نزلت بالمدينة.. بعد البقرة، والأنفال.
عدد آياتها: مائتا آية.
عدد كلماتها: ثلاثة آلاف وأربعمائة وثمانون كلمة.
عدد حروفها: أربعة عشر ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرون حرفا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآية: (١) [سورة آل عمران (٣) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١)
ذكرنا فى أول سورة البقرة ما يقال عن المراد من الحروف التي بدئت بها بعض السور فى القرآن الكريم
الآيات: (٢- ٤) [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢ الى ٤]
اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤)
التفسير: جملة «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» صفة لله، «والْحَيُّ» صفة ثانية، و «الْقَيُّومُ» صفة ثالثة.
فالله الموصوف بالتفرّد بالألوهية، السرمدية الأبدية، التي لم
стр. 389
يسبقها ولا يلحقها عدم، وبالقيومية المبسوط سلطانها على كل شىء، القائم أمرها على كل شىء- هذا الإله هو الذي نزل الكتاب على محمد- صلوات الله وسلامه عليه- فمن هذا المقام الكريم الذي لا يطاول ولا يسامى كان متزّل هذا الكتاب الكريم، الذي يقول فيه المشركون والمنافقون- زورا وبهتانا- إنه من معطيات محمد، تلقاه من أصحاب العلم من أهل الكتاب، ولقنه من مدارسة الدارسين.. كما حكى القرآن الكريم ذلك عنهم فى قوله تعالى: «إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ» (١٠٣: النحل) وقوله سبحانه: «وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» (٥: الفرقان) وقد جاء هذا القرآن بالحقّ الذي لا مرية فيه، لأنه من ربّ العالمين، جاء مصدقا لما سبقه من الكتب السماوية، لأنها جميعها من مصدر واحد، جاءت من الحق بالحق كما يقول سبحانه: «وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ» (١٠٥: الإسراء) والله سبحانه الذي أنزل القرآن بالحق، هو الذي أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدّى للناس، وأنزل الفرقان أي القرآن كذلك هدى للناس.
فالذين يكفرون بآيات الله التي أنزلها الله على رسله، وأودعها كتبه، لهم عذاب شديد، أعده الله لهم يوم القيامة، ولن يعصمهم من الله عاصم- ولن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا، «وَاللَّهُ عَزِيزٌ» عزّ سلطانه، وقد اعتز هؤلاء السفهاء بسفههم، فتطاولوا على حماه، وكفروا بآياته، واستخفوا بها. «ذو انتقام» يأخذ بنقمته من استخف بعزته! وفى الآيتين الكريمتين مسائل، منها:
أولا: قوله تعالى: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ» فيه إشارة إلى أن القرآن
стр. 390
الكريم نزل منجما أي مفرقا، يدل على هذا شاهد التاريخ، كما يدل عليه هذا اللفظ «نزّل» الذي يفيد الحركة والتفرق، بخلاف «أنزل» الذي يدل على الثبوت والوحدة.
ثانيا: قوله تعالى: «مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ» لم تذكر الكتب التي بين يدى القرآن، وإن كان المراد بها التوراة والإنجيل، وذلك الإطلاق إنما ليشمل جميع الكتب والصحف المنزلة على الأنبياء جميعا. ما بقي منها وما لم يبق، وما ذكر وما لم يذكر، لأنها جميعها من مورد الحق، يصدّق بعضها بعضا.
وإذا نظرنا إلى الكتب المنزلة، حسب واقعها التاريخىّ نجد أن القرآن الكريم هو الذي بين يدى الكتب السماوية، وليست هى التي بين يديه، لأنه جاء إلى هذا الوجود تاليا لها، لا سابقا عليها.
ولكن الكتب السماوية ليست أحداثا حادثة، وإنما هى وقائع فى علم الله، موجودة من الأزل، شأنها شأن جميع ما فى علم الله، وظهورها وانكشافها لنا يجىء موقوتا بإرادة الله مقدورا بحكمته.. ففى سير الأحداث من سجل الغيب وظهورها على مسرح حياتنا، نجد أن الكتب السماوية جميعها تقدمت القرآن الكريم، واحدا واحدا، والسابق منها بين يدى اللاحق، وبهذا التقدير تقع جميعها بين يدى القرآن! وليس الأمر كذلك فى حركة التاريخ، حيث تطوى الأحداث التي تجدّ، فكل حدث جديد فى هذه الحركة يمشى على آثار الحدث الذي مضى، ويخلّفه وراءه..
وحركة الزمن ليست على تلك الصورة، إنها حركة واحدة، أشبه بحركة القطار.. والأحداث محمولة على جزئيات هذا الامتداد الزمنى، كما يحمل الأشخاص والأشياء فى عربات القطار، والمتقدم منها يظل دائما متقدما بين يدى المتأخر!