← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وواضح أن هذه النداءات المتكررة، مصحوبة بذكر الله.. «يا موسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ.. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي» «يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» «يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .. واضح أن هذه النداءات المتكررة في سرعة وانطلاق.. على أي ترتيب تكون عليه.. إنما اقتضاها هذا الموقف الذي اهتزّ له موسى من أقطاره، فكان صوت الحق في هذه النداءات المتكررة، سكنا لقلب موسى، وإمساكا لنفسه التي تكاد تذهب شعاعا. وفي كل نداء كان يذكر «موسى» باسمه، وفي هذا تطمين له، وأنه إنما ينادى ممن يعرفه، ويعرف أحواله.. وإذن، فلا خوف عليه.. الأمر إذن جدّ ليس بالهزل، وما يسمعه موسى هو حقيقة، وليس وهما، ولا حلما.. وإذن فعلى موسى أن يستيقظ، وأن يصحو صحوة مشرقة لاستقبال هذا العطاء العظيم.. قوله تعالى: «وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ.. يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ» . الجانّ: فرخ الحيات، وهو أخفها حركة، وأسرعها انطلاقا على الأرض.. وقد جاء في سورة طه: «فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى» .. وهذا يعنى، أن العصا صارت حيّة في ضخامتها، وجانّا في سرعتها، وخفّتها، ولهذا وصفت بأنها «تسعى» فالحيات حين تكبر وتضخم: لا تكاد تتحرك من مكانها، فضلا عن أن تسعى. وقوله تعالى: «وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ» أي انطلق مسرعا، فأعطاها ظهره، وأطلق ساقيه للريح.. فرارا من هذا الهول الذي طلع عليه من

стр. 4027

تلك العصا التي كانت خشبة جامدة في يده منذ لحظات.. وفي قوله تعالى: «وَلَمْ يُعَقِّبْ» .. إشارة إلى أنه لم يتراجع إلى الوراء قليلا، على عقبه، حتى ينكشف له الأمر، ويتبين إن كان سيقبل أم يدبر.. بل إنه اتخذ هذا القرار دون شعور، إذ لم يكن له أمام هذا الهول وقت يفكر فيه.. ثم هل هناك ما يحتاج إلى تفكير؟ إنه رأى واحد، وهو الفرار من الهول العظيم! وقوله تعالى: «يا مُوسى لا تَخَفْ.. إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ» . هو صوت الحقّ، الذي تبع موسى في منطلقه هذا، وأمسك به على طريق الفرار، وأنزل على قلبه الطمأنينة والسكينة.. إنه ليس وحده مع هذا الثعبان العظيم.. وهذا هو صوت الحق يملأ هذه الوحشة أنسا، ويحيل هذا الفزع والهلع طمأنينة وأمنا.. «يا مُوسى.. لا تَخَفْ» .. وإنّ كلمة «موسى» لتفعل فعلها في هذا الموقف، إذ أن المنادى يعرف موسى. وإذن فلا يخاف منه، لأنه في حضرة من يعرفه، ومن كان من شأن هذه المعرفة لا يجىء منها ما يسوء.. إن الإنسان في مثل هذا العالم الموحش ليتلمس أي وجه كان له به معرفة، من قريب أو بعيد. من إنسان، أو حيوان أو جماد.. إن أي شىء من هذا، يبعث الأنس، ويذهب بكثير من وحشة الغربة..! ويفىء موسى، إلى شىء من الطمأنينة، ويذهب عنه كثير مما استولى عليه من الخوف.. «يا مُوسى.. لا تَخَفْ» ..! ثم لا تكاد نوازع الخوف تعود إلى موسى مرة أخرى. بعد أن سكت هذا النداء المؤنس، حتى يجئ النداء مرة أخرى يملأ الوجود كله من حوله: «إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ» .. وهنا يعلم موسى أنه قد اختير لرسالة

стр. 4028

سماوية من رب العالمين، وأنه سيدخل مدخل الرسل، منذ ذلك الوقت.. والمرسلون لا ينالهم من الله ما يخيفهم، ولا يطلع عليهم في حضرته إلا ما يؤنسهم، ويملأ كيانهم رضا وأمنا.. ثم لا يكاد موسى، يسعد بهذه البشرى، التي يجد بها نفسه في حضرة الله ، حتى يعود فيسمع من قبل الحق جل وعلا: «إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..!! وهنا تدور في رأسه الظنون، وتتحرك في صدره الوساوس المتسائلة: ما هذا الاستثناء الذي يزعجه عن هذا المكان الذي اطمأن فيه إلى جوار ربه، وإلى ما وجد من أنس وروح في ظلال فضله وإحسانه؟ أهو من الظالمين، الذين لا يستحقّون أن ينزلوا هذا المنزل؟ أهو مطالب بأن يبدّل حسنا بعد ما كان منه سوء، حتى ينال عفو الله ومغفرته؟ إن الاستثناء لا شك واقع على المرسلين.. فهل من المرسلين من يظلم؟ وهل كان موسى- وهو من المرسلين- ممن ظلم؟ نذكر هنا حادثة موسى، مع المصري الذي قتله..! فقد قتل موسى، المصري خطأ، حين وجده يعتدى على إسرائيلى.. كما يقول الله : «وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ» (١٥- القصص) وقد استشعر موسى الندم على هذه الفعلة.. فقال: «هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ» .. ثم طلب المغفرة من ربه لهذا الذنب الذي ارتكبه.. «قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي.. فَغَفَرَ لَهُ.. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (١٦: القصص)

стр. 4029

فهذا الاستثناء يذكّر موسى بهذه الحادثة التي كانت منه، كما يذكّره بأن الله قد غفر له..! وأكثر من هذا، فإن موسى سيدعى من ربه في هذا الموقف إلى لقاء فرعون، وما زالت نفسه تفيض بمشاعر الخوف التي وقع فيها من قتل المصري، وأنه مطلوب من فرعون ليقتله، بهذا المصري، وهو من أجل هذا قد فر من وجه فرعون، كما يقول الله تعالى: «فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ» (١٨: القصص) أي يترقب القصاص منه.. ثم جاء من ينصح له بأن يخرج من المدينة، ويطلب النجاة لنفسه بالفرار منها.. «فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ» (٢١: القصص) .. فهذا هو شعور موسى، وهذا ما يطلع عليه من مخاوف، إذا هو دعى إلى لقاء فرعون.. وقد كان من تدبير الله ، أن يصفّى هذه المشاعر من نفسه، قبل أن يحمّله رسالته إلى فرعون.. فقد ظلم موسى نفسه فعلا بهذا الذي كان منه من قتل المصري.. ولكنه ندم، ورجع إلى الله تائبا مستغفرا، وقد غفر الله له..! وإذن فلا خوف عليه، لأنه من المرسلين، والمرسلون فى رعاية الله وحراسته.. إن موسى سيدخل في تجربة قاسية مع فرعون، إذ يحمل إليه دعوة من الله، بأن يؤمن بالله، وبأن يطلق بني إسرائيل من يده، ويرسلهم مع موسى، إلى حيث يخرج بهم من سلطان فرعون! وإن الخوف من فرعون ليكاد يكون كائنا يعيش مع موسى.. حتى إنه، مع هذا الأنس الذي وجده فى حضرة به، ومع هذا الوعد بأنه من المرسلين الذين يحرسهم الله، ويدفع عنهم ما يخيفهم- مع هذا كله، فإنه ما يكاد يتلقى أمر ربه: «اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى» (٢٤: طه) حتى تطل عليه وجوه الخوف من كل جهة، فيقول

стр. 4030

«رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ» (٣٣: القصص) . وإذن فقد كانت هذه المواجهة لموسى بفعلته، وبمغفرة الله له، وبذهاب كل أثر لهذه الحادثة- كانت هذه المواجهة من تدبير الحكيم العليم، لانتزاع هذا الخوف، الذي غاصت جذوره في أعماق موسى وخالطت وجوده. قوله تعالى: «وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ» . وتجربة أخرى، يجريها موسى، بعد تجربة العصا، وهي يده، التي كانت تمسك بهذه العصا.. إن يده هذه نفسها، يمكن أن تكون شيئا آخر، كما كان ذلك شأن العصا. العصا يلقيها على الأرض.. فإذا هي جانّ، وإذا هي ثعبان مبين، وإذا هى حية تسعى.. ويده.. ماذا يفعل بها؟ إنه يدخلها في جيبه، أي يدسها في صدره، تحت ثوبه، إذ يدخلها من جيبه- أي الفتحة التي يلبس منها الثوب- ثم يخرجها، فإذا هي بيضاء بياضا ناصعا، مشرقا، «من غير سوء» أي ليس هذا البياض عن داء كداء البرص مثلا، وإنما هو بياض يشّع نورا، ويتلألأ صفاء.. كما تتلألأ اللائي. وقدّمت تجربة العصا، على تجربة اليد، لأن العصا- مهما كان التحول الذي يحدث لها- لا تثير في نفس موسى من رعب ما تثيره يده، وقد تغيرت صفتها على هذه الصورة التي تحولت إليها.. إنه مع العصا، قد استطاع أن يجد لمخاوفه مهربا.. فولى مدبرا، يبتعد

стр. 4031

عن موطن الخطر الذي تمثله منها.. أما مع يده، فكيف السبيل إلى مهرب منها؟ ولكنها إذ جاءت بعد تجربة العصا، وبعد أن ذهبت مخاوفه، فإن أمرها يكون هينا محتملا! وقوله تعالى: «فِي تِسْعِ آياتٍ» .. أي أن هذه الآية، آية اليد، واحدة من تسع آيات، أو في اطار من تسع آيات، هى جميعا أشبه بآية واحدة.. فى إعجازها، وتحديها لقوى البشر جميعا.. وهذا هو السر في حرف الجر «فى» الذي يفيد الظرفية. وقوله تعالى: «إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ» .. الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: هذه اليد آية، تدخل في تسع آيات تحملها إلى فرعون وقومه. وقد كانت الدعوة هنا موجهة إلى فرعون وقومه: «فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ» على حين جاء الأمر في بعض القصص بلقاء فرعون وملائه: «فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ.. إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ» .. (٣٢: القصص) أما في سورة طه، فقد كانت الدعوة إلى فرعون وحده: «اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى» . والسرّ في هذا والله أعلم، أن موسى، حين لقى فرعون لأول مرة، لقيه فى حاشيته ثم مع سحر له، وما حشد من جموع ليوم المعركة، بين موسى، والسحرة.. ولم يظهر موسى من الآيات التي بين يديه، إلا العصا، ويده.. ولهذا كان الذين شهدوا هاتين الآيتين، هم أعداد قليلة.. هم فرعون وحاشيته، وخاصة أتباعه، فناسب أن يكون فرعون وحده، أو فرعون والملأ حوله هم الذين يذكرون في مواجهة هاتين المعجزتين. أما الآيات التسع، وفيها العصا واليد، فقد شهدها القوم جميعا، ووقع

стр. 4032

أثرها، على الشعب كله، وشمل ملك فرعون جميعه، فناسب أن يذكر القوم، مع فرعون، لأن هذه الآيات التسع موجهة إلى فرعون وقومه جميعا. والآيات التسع، هى العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، والجدب، والعقم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ.. آياتٍ مُفَصَّلاتٍ» (١٣٣: الأعراف) وقوله سبحانه: «وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» (١٣٠: الأعراف) .. فالسنون هي سنو الجدب، التي تغيض فيها مياه النيل، وتجف مياه الآبار والعيون.. ونقص الثمرات، هو العقم، الذي أصاب الزروع، والحيوان، والإنسان.. وكان هذا وذاك آية من آيات الله..! وقد شملت هذه الآيات فرعون وقومه جميعا. وقوله تعالى: «إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ» - إشارة إلى كان عليه القوم من ضلال، وفسق، أي خروج عن جادة الطريق، إذ كانوا جميعا متابعين لفرعون، وعلى إيمان بألوهيته.. «وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى» . (٧٩: طه) . قوله تعالى: «فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ» . وصف الآيات بأنها مبصرة، إشارة إلى ما فيها من هدى مشرق واضح، وأنها تكاد تكون عيونا شاخصة تبصر، وتقود العمى إلى الحق، وإلى طريق مستقيم.. قوله تعالى: «وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا.. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ

стр. 4033

عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ» .. الجحد، والجحود: الإنكار، القائم على المكابرة، والتحدّى للحق والواقع. والاستيقاز: التثبت من الشيء، ورؤيته رؤية كاشفة محققة.. فالقوم، قد أنكروا هذه الآيات، وتنكروا لها، ورموها بالسحر والخديعة، مع أنهم في قرارة أنفسهم على غير هذا الذي تنطق بهم ألسنتهم في شأنها.. إنهم يرونها أبعد ما تكون عن السحر، وأنها مما لا تطوله يد بشر.. ولكن لما عندهم من جرأة على العدوان، واستكبار على الخضوع للحق، والولاء له.. أنكروا هذا الذي يجدونه في دخيلة أنفسهم لهذه الآيات. وقوله تعالى: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ» .. الأمر هنا هو إلفات للنبى، ولكل من عنده استعداد للنظر السليم في وجه الحق وتقبله.. فالذى ينظر، بعين مبصرة، إلى ما حل بهؤلاء القوم، يرى العبرة فيما أخذهم الله به، وأن مصرعهم كان حتما مقضيا به، على كل من يذهب مذهبهم، ويأخذ طريقهم، الذي لا يصلح عليه أمر من يسير عليه، لأنه طريق فاسد، لا يرى عليه إلا المفسدون.. الآيات: (١٥- ١٩) [سورة النمل (٢٧) : الآيات ١٥ الى ١٩] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)

стр. 4034

التفسير: [سليمان.. والنملة.. والهدهد] مناسبة هذه القصة، لقصة فرعون، هى أن الله ، يبتلى بنعمه من يشاء من عباده، فمنهم من يكفر بهذه النعم، ويتخذ منها أسلحة يحارب بها في مواقع الحق، والخير، ويضرب بها في وجه المحقين والأخيار من عباد الله.. ومنهم من يتلقى هذه النعم بالشكران لله، والولاء لطريق الله، ولمن يسلك هذا الطريق من عباده.. فهذا فرعون يمكّن الله له في الأرض، ويبسط له الرزق، فيتحول من إنسان إلى شيطان مريد، وإلى إعصار عاصف، يأتى على كل ما يزرع في منابت الحق والخير.. ثم يبعث الله إليه نبيا كريما، يحمل إليه دعوة كريمة، فى رفق ولين، حتى إن الله كرما منه، وفضلا- يوصى رسوله أن يتلطف، ويترفق بهذا الإنسان، الذي ملأء الغرور، واستبد به الكفر، فيقول له الحق جل وعلا: «اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى؟ وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى؟» (١٧- ١٩: النازعات) .

стр. 4035

فيلقى هذا النداء الكريم، وهذا اللطف اللطيف بهذا العناد اللئيم، الذي وصفه الله تعالى في قوله: «فَكَذَّبَ وَعَصى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى» (٢١- ٢٤ النازعات) . وعلى غير هذا تماما، كان موقف عباد الله المؤمنين، الذين يعرفون لله قدره، ويذكرون له فضله.. ومن هؤلاء داود وسليمان.. ﵉.. لقد آتاهما الله خير ما يؤتى الإنسان من فضل وإحسان، وهو العلم، الذي من ملكه، ملك أقوى ما على هذه الأرض من قوة، يستطيع بها أن يستولى على سلطان هذا العالم كله.. ومع هذا، فإنهما استقبلا هذه النعمة الجليلة العظيمة، بالحمد، والشكر، والولاء لله، وخفض الجناح لعباد الله، ولكل ما خلق الله.. حتى إن سليمان ﵇، وهو في أروع مظاهر سلطانه، وفي أعظم مجالى قدرته وقوته، يقف بين يدى أضعف مخلوقات الله، وهي النملة.. فيأخذ منها العبرة والعظة، وينظر من خلال ملكها إلى ملكه العريض، فيرى أن لها سلطانا كسلطانه، وملكا كملكه، وسياسة رفيقة رحيمة، أروع وأعظم من سياسته، فلا يملك إلا أن يخشع لسلطان الله بين يديها، ويسبح بحمده وجلاله. فيقول في محراب ملكها الذي تسبح فيه بحمد الله: «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ» ! فأين موقف فرعون، من هذا الموقف؟ وأين الأرض من السماء؟ وأين الباطل من الحق، والعمى من الهدى؟ وأين أعداء الله من أولياء الله؟. وفي قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً» إشارة إلى أن الذي أعطاهما الله إياه من العلم، هو- على عظمته وجلاله- شىء قليل، لا يكاد يذكر

стр. 4036

إلى مالله من علم، وهذا ما يدل عليه تنكير كلمة «علم» .. فهو علم قليل قليل، مما عند الله من علم.. وفي قوله تعالى: «وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ» - إشارة أخرى إلى أن العلم الذي كان عندهما، هو وإن علوا به عن كثير من عباد الله، فإن في عباد الله من أوتى علما أكثر من علمهما.. فهما أكثر من كثير من الناس علما، وأقل من بعض الناس علما.. والله يقول: «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» (٧٦: يوسف) وبهذه النظرة كانا ينظران إلى علمهما، وأنهما لم يستوليا على غاية العلم، مما هو متاح للناس، وإنما أخذا حظا كبيرا من هذا العلم. قوله تعالى: «وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ، وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ» . ميراث سليمان لداود، هو وراثة الملك من بعده، دون إخوته.. ثم اختياره للنبوة، فى قومه، كما كان أبوه نبيا فيهم.. فالملك وراثة، والنبوة اصطفاء، لا ميراث. وقد جمعهما الله سبحانه لسليمان، كما جمعهما لداود.. فتلقى سليمان من الله ما كان لداود من ملك ونبوة، وكان بهذا قد ورث أباه فى كل ما كان له من ملك ونبوة. وقوله تعالى: «وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ» .. هو تحدث بنعمة الله عليه، واستعراض لهذه النعم التي أسبغها الله عليه، ليكون في ذلك داعية له إلى القيام بشكرها، ورعايتها حق الرعاية.

стр. 4037

وفي الحديث عن نفسه «بنا» الدالة على الجمع، فى قوله «علمنا» .. «وأوتينا» .. هو دعوة إلى الناس، أن يشاركوا معه في هذا التحدث بنعمة الله، والاستعراض لأفضاله، فما هو إلا واحد من هؤلاء الناس، وما الفضل الذي فضل الله به عليه، إلا فضل يأخذ منه الناس حظهم، فلا يختص به نفسه، وإنما هم شركاء له، فيما يعود عليه من هذا العلم لمنطق الطير، ولهذه النعم التي أوتى منها كل شىء! .. وهكذا شأن أهل العلم، وأرباب الجاه والسلطان من عباد الله.. إن ما يفتح الله عليهم به من علم، وما يمكّن لهم به من جاه وسلطان في هذا الوجود، هو خير متاح للناس جميعا، وتمكين لخلافتهم على هذه الأرض.. - وقوله تعالى: «وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» أي أوتينا من كل شىء من أشياء هذه الدنيا مما ينصلح به أمرنا، ويقوم عليه وجودنا، وسلطاننا.. فهو لم يؤت كل شىء، وإنما أوتى شيئا من كل شىء هو في حاجة إليه.. قوله تعالى: «وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ.. فَهُمْ يُوزَعُونَ» الحشر: الجمع والحشد.. يوزعون: من الوزع، وهو السوق، والدفع، بفعل قوة خارجة، أو طبيعة غالبة.. وقد ذكر من جنود سليمان هنا: الجن، والإنس، والطير.. إذ كانت هى القوى العاملة معه في دولته.. فالجن كانوا مسخرين له، فى عمل ما يريد منهم.. «يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ» (١٣: سبأ) .

стр. 4038

والإنس: هم من تضمهم دولته من رعيته. والطير: هى أجناس من الطيور، التي تعيش في جو مملكته، ويسخرها لخدمته.. وبهذا يكون له ملك ما على أرض مملكته، وما في جوها.. وطبيعى، أنه ليس كلّ الجنّ قد سخروا لسليمان، وإنما بعضهم، شأنهم فى هذا شأن الناس.. فليس كل الناس، كانوا في سلطان سليمان.. وإنما هم الذين كانوا يعيشون في دائرة مملكته.. وكذلك الطير.. فليس كلّ الطير كان مسخرا له.. وإنما هي بعض الطيور التي كانت تعيش في هذه الملكة.. وكان سليمان يستعرض وجوه مملكته.. من الجنّ، والإنس، والطير، ويحشدهم بين يديه، بسلطانه، الذي مكن الله له به، فى هذه الرعايا، فلا يقدر أحد على أن يخرج عن هذا السلطان، الذي يزع هذه الرعايا، ويأخذ من يخالف منها بالعقاب الذي يستحقه! وفي ثمان كلمات صوّر هذا العرض العظيم، الذي جمع عوالم الجن والإنسان، والطير، وحشرها في موقف واحد، وجىء بها من كل صوب، فى حركة هادفة منتظمة، أشبه بحركات الأفلاك في مداراتها، يمسكها نظام، وتظلها سكينة وجلال.. «وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ» .. ثمانى كلمات لا غير، يقوم بها هذا المشهد، الذي تعجز أدوات البيان والتصوير كلها عن أن تأتى له بنظير، وأن تمسك بهذه الروعة وهذا الجلال. فهذه الكلمات الثمان، قد استدعيت بها كل هذه الحشود الحاشدة، من

стр. 4039

الجن، والإنس، والطير، وقد أمسكتها يد القوة القادرة بكلمة واحدة.. هى «يوزعون» التي قامت على هذه الأمم مقام الحرس والقادة، فى أحدث ما عرفت الجيوش من حراسة، وضبط، وقيادة! قوله تعالى: «حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» . «حتى» إشارة إلى غاية من غايات للسيرة التي يسير إليها سليمان، بهذه الحشود التي احتشدت له، من الجنّ والإنس والطير.. وقد انتهت به هذه الغاية هو وجنوده إلى «واد النّمل» أي قرية من قراه، حيث يعيش النّمل جماعات، وفي نظام أشبه بنظام المجتمع الإنسانى! وقد أراد ، أن يصغّر في عينى سليمان هذا الملك العريض الذي بين يديه، وأن يكسر من حدّة هذا السلطان المندفع كالشهاب، لا يمسكه شىء، ولا يعترض سبيله معترض، وذلك كى لا يدخل على نفسه شىء من العجب والزهو.. فتقف له النملة هذا الموقف الذي يرى منه سليمان عجبا عاجبا.. فيرى سليمان من النّملة ما لم ير أحد من جنده، ويسمع منها، ما لم يسمعه أحد غير النمل الذي يعيش معها.. «يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» .. هذا هو صوت النذير، الذي أنذرت به النملة جماعتها.. إن الهلاك مقبل على جماعة النمل، من هذه الحشود الحاشدة، التي تسير في ركب سليمان.. فلتأخذ الجماعة حذرها، ولتدخل مساكنها، وتنجحر في مساربها، وإلا فالهلاك المحقق! وممن هذا الهلاك؟

стр. 4040

من جماعة عالية، لا تنظر إلى ما تحتها، ولا تلتفت إلى مواطىء أقدامها، ولا تشعر بما تصيب أو تقتل، من تلك الكائنات الضعيفة! وهل يشعر من يسكن القصر، بما يعانى ساكن الكوخ؟ وكم في دنيا الناس من المستضعفين من تطؤهم أقدم الأقوياء، دون أن يشعروا بهم، وهم في طريقهم إلى التمكين لسلطانهم، والاستزادة من جاههم وقوتهم؟ وكم من مجتمعات بشرية بأسرها جرفها تيار عات من تيارات الطغاة والمستبدّين؟ وكم من مدن عامرة دمّرتها رحى الحروب التي يوقد نارها من يملكون الحطب والوقود؟ وكم؟ وكم؟ إنها حكمة بالغة، ودرس عظيم، تلقيه «النملة» - أضأل مخلوقات الله، وأقلها شأنا- على الإنسانية، فى أحسن أحوالها، وأعدل أزمانها، وأقوى سلطانها!. ولكن أين من يتعظ ويعتبر؟ ولقد أخذ سليمان العبرة والعظة..! فحاد بركبه عن وادي النّمل، وهو يضع ابتسامة على فمه، ويرسل ضحكة رقيقة واعية من صدره، ويحرك لسانه بكلمات شاكرة، ذاكرة فضل الله، ونعمته.. فيقول: «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ» .. ومن شكر النعمة، حراستها من أن تكون سلاح بغى وقهر. ومن العمل الصالح، إرسال هذه النعم في وجوه الخير والإحسان. إن للنملة سلطانا كسلطان سليمان، ودولة كدولته، وجندا كجنده.. ثم إنها تقوم على هذه الدولة وترعاها رعاية الأم لأبنائها، وإنها لتضع عينها دائما على مواقع الخير، ترتاده لرعيتها، وإلى مواطن الشر، فتدفعها عنها، وتحذرها منها.. فهل تجد رعايا سليمان في ظله، مثل هذه الرعاية التي تجدها جماعة النمل في ظل

стр. 4041

هذا السلطان الحكيم؟ وهل تنال رعيته مثل هذا العطف والحنو الذي تناله جماعة النمل من ملكتها؟ إن مقاييس الحكمة والرشاد لا تقاس بالكم ولا تحسب بالعدد.. ومتى كانت المعاني كمّا وعددا؟ والعجب أن مشيخة المفسّرين يدعون مثل هذه المعاني الدقيقة، التي جاءت هذه القصة وأمثالها لها، من حيث الوقوف على مواقع العبرة والعظة فيها، ثم يشغلون أنفسهم، ويشغلون الناس معهم، بالبحث عن النملة، وهل هي ذكر أم أنثى، وعن الموضع الذي كانت فيه مملكتها، واسم الوادي الذي قامت فيه تلك المملكة.. ثم اسم النملة!! إي والله اسم النملة!! حتى لكأنها لا تكون نملة إلا إذا حملت اسما لها، وحتى لا يكون منها هذا التدبير لمملكتها إلا إذا كانت من ذوات الأسماء!! ثم ما أكثر الأسماء التي تجلب لها من كل واد من أودية الخيال.. فمن أسمائها «حرس» وأنها من قبيلة بنى الشّيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت في حجم الذئب.. وقد لسب هذا القول إلى الحسن البصري! ومن أسمائها «طاخية» و «منذرة» ! وهكذا تكثر لها الأسماء والصفات، حتى لتخرج عن أن تكون نملة من هذه النّمال التي يعرفها النّاس، وحتى ليخرج بها ذلك عن أن تكون موضعا للعبرة والعظة!! الآيات: (٢٠- ٢٧) [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٧] وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧)

стр. 4042

التفسير: وما يكاد سليمان يخرج من هذا الموقف الذي وقفه مع النملة، حتى يلقاه موقف آخر، مع طائر، وديع لطيف، أقرب إلى النملة في لطفها، وحسن مدخلها للأمور التي تعالجها.. وهو «الهدهد» . وكأن سليمان قد نسى هذا الموقف الذي كان فيه مع جماعة النمل منذ قليل، وزايلته تلك المشاعر التي وقعت في نفسه هناك.. وها هو ذا يلبس سلطان الجلال، ويمسك بصولجان الملك، ويضرب بسيفه! «وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ» . الهدهد.. هذا الطائر الوديع المسكين.. يتخلّف عن هذا الحشد، ولا يحضر هذا الحفل، فيتوعّده، صاحب السلطان بأشدّ العذاب والنقمة! «لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً.. أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ.. أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ» !! أما للهدهد عذر يمكن أن يقوم لتخلفه هذا، ويدفع عنه هذا العذاب؟ ألا يجوز أن يكون مريضا؟ ألا يصح أن يكون قد وقع في شباك صائد؟ ألا يعرض للهدهد ما يعرض للناس من أمور تعطل إرادتهم، أو تدفع بهم إلى غير

стр. 4043

ما يريدون؟ ألا سأل سليمان عن الهدهد أولا، وطلب إلى بعض جنده أن يأتوه بالخبر اليقين عنه؟ ألا اطمأن إلى سلامته قبل أن يسأل عن تأخره عن أخذ مكانه في هذا الحشد؟ وماذا يغنى الهدهد في هذا الجمع العظيم؟ وماذا يجدى أو يضير إذا هو حضر أو تخلف، وبين يدى سليمان من الحشود والقوى مالا حصر له؟. إنه سلطة السلطان، وناموس الملك.. الطاعة والولاء، لحساب الطاعة والولاء، ولسلطان الهيبة والجلال..! وفي قول سليمان: «ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ» - هو علم من علم سليمان الذي آتاه الله.. فهو حين ينظر فلا يرى الهدهد، يتهم نفسه أولا، ويتشكك في أن تكون حواسه قد خدعته: «مالى لا أرى الهدهد؟» ولم يقل: «أين الهدهد؟» ولم يقل: «إن الهدهد غائب!» .. وهذا هو شأن أصحاب العلم، إذا التمسوا حقيقة من الحقائق، فلم يجدوها بين أيديهم، تشككوا في أسلوب تفكيرهم الذي لم يصل بهم إلى الحقيقة، ثم أعادوا البحث والنظر.. حتى يجدوا ما يطلبون.. أما إذا التمس المرء الحقيقة ثم لم يجدها، ثم كان ذلك مدعاة له إلى إنكارها، فذلك ليس من أسلوب العلماء، ولا من طرق تحصيل العلم. فسليمان، إذ لم ير الهدهد.. وقف موقف الشك. حتى ينجلى الموقف.. إنه لم يره، وقد يكون موجودا، وقد يكون غائبا! ثم استبان له بعد هذا، أن الهدهد غائب! .. ومن هنا كان هذا الوعيد بالعقاب الأليم له! ويطلع «الهدهد» على سليمان بما لم يكن يحتسب، ويهجم عليه، وهو

стр. 4044

الأعزل الضعيف، بسلطان أقوى من سلطانه، وجيش أعز وأقوى من جيشه، وعلم أكثر وأشمل من علمه.. «فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ.. فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ. وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ» !! لقد انقلبت الآية، وانعكس الوضع. وها هو ذا «الهدهد» الضعيف الأعزل، الذي تنتظر هذه الحشود الحاشدة من الجن والإنس والطير، مصيره، ومصرعه، بين مشفق، وشامت، ولاه- هذا الهدهد، يحاكم سليمان، وينتقص قدرته، ويتهمه بالقصور عن أن يرى ما حوله، وأن يدير هذه القوى التي بين يديه الدعوة إلى الله، وهداية الضالين من عباده، لا في هذه المظاهر الاستعراضية، التي لا ثمرة لها.. لقد حاكم، هذا المخلوق الضعيف الأعزل، ملك الملوك في عصره.. حاكمه، ووضعه موضع الاتهام، وهو في أبهة ملكه.. وعلى أعين الملأ من جنده.. من الجن والإنس والطير!! «إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ، فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» ! فلم يكن هذا الطائر الضعيف الصغير، مجرد مكتشف، وعالم، بما لم يعلم به سليمان وحسب، بل إنه كان داعية إلى الله، وإلى الإيمان به.. فهو ينكر على المشركين شركهم، ويسفه أحلامهم، ويحقر آلهتهم وما يعبدون من دون الله!.

стр. 4045

إنه يدين سليمان في هذه الإنسانية الضالة، التي ينتمى إليها سليمان، باعتباره واحدا من عالم الناس! ثم ماذا بقي لسليمان من فضل على هذا المخلوق الضعيف؟ إن سلطان سليمان- كملك- قصر عن أن يمتد إلى ما وصل إليه سلطان الهدهد، وأحاط به علمه!. وإن دعوته كنبيّ.. لا تقوم على أكثر من هذه الدعوة التي يدعو بها الهدهد.. وإن حجته على دعوته، ليست بأقوى من حجة هذا الهدهد! فماذا بقي للإنسان في أكمل صوره، وأحسن أحواله، وأعلى منازله.؟ ماذا بقي له من فضل، على أضعف مخلوقات الله وأقلها شأنا.. كالنملة والهدهد؟ إن جهل الإنسان بأسرار هذا الوجود، هو الذي يخيل إليه أنه سيّد هذا العالم، وأنه قد علم مالم يعلمه غيره من مخلوقات الله.. وهذا- لا شك- رحمة من رحمة الله بالإنسان.. إذ لو انكشف له الغطاء عن أسرار هذا الوجود، وما أودع الخالق في مخلوقاته من عجائب وأسرار- لمات الإنسان حسرة وكمدا، على ضآلة شأنه، وكثافة جهله، ولانطفأت في نفسه شعلة الأمل التي تدفىء صدره، وتغريه بالاندفاع وراء المجهول، لكشف الستر المحجّب وراءها، ولوقف من هذا الوجود موقف الذليل المهين أمام سلطان جليل مهيب.. وصدق الله العظيم: «وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» . (٨٥: الإسراء) ولعل خير شاهد لهذا الذي نقول، ما يعانيه الغرب اليوم من قلق نفسى، وحيرة فكرية، واضطراب سلوكيّ.. ومرّد هذا كله- فيما نرى- إلى هذا القدر الضئيل، الذي انكشف للعقل من أسرار الوجود، دون أن يرتبط ذلك بالإيمان بالله، وإضافة هذا إلى علمه وقدرته، وإبداعه في خلقه.. فكان

стр. 4046

الأثر المباشر لهذا، هو ضمور شخصية الإنسان، وصغاره، وضآلة شأنه بين عوالم الوجود.. وليست هذه النظرات المتشائمة، التي قامت عليها هذه المذاهب المادية السوداء، التي يعيش فيها الغرب اليوم- ليست إلا أثرا من آثار هذه الكشوف العلمية، التي ألقت أضواء خافتة على أسرار هذا الوجود، فظهر الإنسان فى شعاعاتها المضطربة المتراقصة، كأنه حشرة حقيرة، أو دودة هزيلة، أو قرد خلقه الله ليتسلى به في أبديته الطويلة المملة، كما يقول كبير الفلاسفة «نيتشه» !. ونعود إلى القصة! فهذا سليمان، يلقى الهدهد، بعد أن تلقى منه هذا الدرس القاسي- يلقاه بشىء من اللطف والموادعة، فيقول له: «سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين» . وسليمان يعلم أن الهدهد صادق فيما جاء به من ألباء! ومن أين تعرف الطيور الكذب، وليس بينها وبين الإنسان قرابة أو نسب؟ «سليمان» ، يعلم أن الهدهد شهد بما علم، وتحدث بما رأى، ولكن سلطان الملك تخرج كبرياؤه إن هو تعرّى أمام الرعية.. فكان من السياسة أن يلقاه بهذا القول الذي ينبىء عن أن سليمان ما زال هو صاحب الدولة والسلطان.. «سننظر!!» .. إنها كلمة صاحب الأمر، وقاموس أرباب السلطان! وفيم سينظر؟ إنه سينظر في أمر هذا «الهدهد» .. أصدق فيما يقول.. أم كان من الكاذبين؟! إنها كلمة جارحة، تكلم فؤاد هذا «المخلوق» ..

стр. 4047

وتجرح كرامته.. إنه في معرض الاتهام بالكذب!! وإنه لا يزال واقعا تحت سيف العقاب الراصد له!! وأكثر من هذا، فإن سليمان لم يقل له: أصدقت أم كذبت، فيكون اتهامه واقعا على تلك الحادثة، وإنما رماه بهذه الكلمة «أم كنت من الكاذبين» أي ممن شأنهم الكذب في كل حال.. إنه إحقار للهدهد، وإلقاء به إلى التراب، بعد أن ارتفع في عين هذه الحشود الحاشدة بسبب ما جاء به من أنباء الآيات: (٢٨- ٤٤) [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٢٨ الى ٤٤] اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)

стр. 4048

التفسير: ولا ينظر سليمان شاهدا يجىء به الهدهد، ليشهد له بصدق ما يقول، ولا يسمح له بمزيد من الوقت، يعرض فيه مزيدا من علمه، وبيانه، وحكمته، أمام هذه الرعية، التي تفف كلها في ولاء وخشوع بين يديه.. فكيف لهذا المخلوق الضعيف أن يصول ويجول، ويعرض من علمه ما لم يكن لسليمان به علم؟ وأين إذن صولة الملك وصولجانه؟ وأين هيبته وأين سلطانه؟ لقد قطع سليمان على الهدهد السبيل إلى هذا المرتقى الذي ارتقاه.. وبكلمة واحدة آمرة، أنزله من هذا المكان، وأزاله عنه.. وسرعان ما أصبح الهدهد، فى هذا الوضع الذي كان له بين أبناء جنسه.. جنديا من جنود سليمان، وخادما من خدمه.. وها هو ذا يتلقى من سليمان أمرا بالذهاب إلى حيث يريد منه أن يذهب.

стр. 4049

«اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ» . وإلى هنا ينتهى دور الهدهد في القصة، ويغرب وجهه الذي كان منذ لحظات، الوجه الذي تعلقت به أنظار مملكة سليمان كلها، فلا يرى له أحد وجها، بعد هذا!! ولا تتعرض القصة لشىء من رحلة الهدهد إلى سبأ، يحمل كتاب سليمان إلى القوم، كما لا تذكر شيئا عن ملكة سبأ، وهي تجد كتاب سليمان بين يديها، وما وقع في روعها من هذا الأمر العجيب، الذي طلع عليها من حيث لا تدرى! كما لم يذكر القرآن ما كان بينها وبين أهل سرها من حديث في هذا الحدث العظيم.. كل ذلك لم تعرض له القصة القرآنية، فتلك أمور مقدر لها أن تقع حتما، على صورة أو أكثر من صورة.. وفي هذا الفراغ يتحرك ذهن القارئ، وتستيقظ مشاعره، حيث يرى لزاما عليه أن يملأ هذا الفراغ بأية صورة يجدها مناسبة لهذا المكان، وبهذا يتاح للناس- فى كل زمان ومكان- أن يتصوروا ويتخيلوا، وأن يشاركوا بهذا التصور والتخيل، فى بناء القصة، وألا يظلوا في عزلة عنها، غرباء عن مجريات أحداثها.. وبهذا تتقيد الخواطر بالقصة، وتتفتح لها المشاعر، ويستيقظ لها الوجدان، الأمر الذي تتكشف به مواقع العبرة والعظة منها.. وتنتقل القصة إلى مشهد جديد.. فهذه ملكة سبأ، قد دعت إليها وجوه القوم في مملكتها، ثم ها هي ذى تطلع عليهم بهذا الكتاب الذي ألقى إليها، وتفضى إليهم بما فيه!. «قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» .

стр. 4050

ولأول مرة نعرف- نحن النظارة- مضمون هذا الكتاب الذي حمله الهدهد.. إنه رسالة من ملك إلى ملكة.. والهدهد، وهو حامل هذه الرسالة، ليس من شأنه أن يسأل عن مضمونها، وليس من وضعه في القصة أن يعرف محتواها.. وبهذا ظلت الرسالة سرا محجبا، حتى بلغت الجهة الموجهة إليها.. وهذا تدبير تقضى به الحكمة والكياسة، وتفرضه أصول الحكم ومقتضيات السياسة. ومن جهة أخرى.. فإن الملكة كذلك، لم تفصح لقومها عن الأسلوب الذي بلغتها به هذه الرسالة، ولم تكشف عن وجه الرسول الذي حملها إليها.. بل ألقت إليهم الخبر مجهّلا هكذا: «إنى ألقى إلى كتاب كريم» وفي هذا التجهيل للمصدر الذي جاء بالكتاب، ما فيه من إيحاءات كثيرة بأنها الملكة الساهرة على رعيتها، الحافظة لأمن دولتها، وأنها تملك من القوى الخفية التي لا يراها قومها- ما يعينها على ضبط أمورها وحياطة شعبها.. وهكذا يضفى على الملكة بهذه الحركة البليغة البارعة، جلال فوق جلالها، وروعة فوق روعة سلطانها.. وفي وصف الرسالة بأنها كتاب كريم، أدب من أدب الملوك، تقابل به الملكة ما في الرسالة من أدب النبوة والملك معا.. فقد كانت الرسالة موجزة العبارة، وضحة المعنى، بيّنة القصد، لا تحمل وعيدا، ولا تهديدا، وإنما تحمل دعوة إلى السلام والإسلام.. وحين يستمع القوم إلى هذا الخبر الذي ألقت به الملكة إليهم، تدور الرءوس، ويكثر الهمس، واللغط وتتقلب العيون، تتفرس في الوجوه، وما انطبع عليها من آثار لهذا الخبر المثير!.

стр. 4051

ويجىء صوت الملكة حازما محكما، يقطع مسارب الخواطر، ومجريات الأفكار: «يا أَيُّهَا الْمَلَأُ.. أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ» .. إنها لم تدعهم إليها لتلقى إليهم بهذا الخبر لمجرد العلم به، وإنما ليشاركوها الرأى فيه، وليشيروا عليها بما ينبغى أن تواجه به هذا الموقف.. صورة كريمة، للحاكم الحكيم.. الذي يتوخى الخير، والأصلح لرعيته.. فلا يبرم أمرا إلا عن رأى ومشورة، يشارك فيها أهل الرأى والمشورة.. «ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ» أي حتى تشهدوا معى هذا الأمر، وتروا فيه رأيكم.. «قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ» .؟ وصورة كريمة نبيلة للمحكومين، الذين يبادلون الحاكم إخلاصا بإخلاص، وحبا، بطاعة وحب معا!. ومع هذا، فإنها لم تشأ أن تقطع برأى، بعد أن فوض إليها القوم الرأى والأمر.. بل جاءت تعرض عليهم وجهة نظرها.. «قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ» . وهنا فراغ كبير تتركه القصة ليملأه القوم بهمساتهم وهمهماتهم، ومحاوراتهم.. وإذ لم يرتفع صوت يعارض هذا الرأى الذي تراه الملكة

стр. 4052

فى الملوك، وتعنى بالملوك هنا، الملوك الذين كانوا على دولة سليمان.. مثل طالوت، وداود، وسليمان.. وهذا يعنى أن الملكة كانت على علم بأحوال سليمان ودولته، وما بين يديه من سلطان، على حين لم يكن لسليمان علم بها، وبما عليه سلطانها!!. - نقول إن الملكة إذ لم تر صوتا يرتفع بمعارضة رأيها هذا، صرّحت بما اعتزمت أن ترد به على تلك الرسالة.. «وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ» . إنها حركة تريد بها اختبار ما عند سليمان، وتستطلع النية التي ينتوبها معها.. وتنتقل أحداث القصة من سبأ إلى بيت المقدس، فى لحظة خاطفة.. وها نحن أولاء نرى الرسول وما معه من هدايا بين يدى سليمان.. «فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ.. قالَ: أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ.. فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ» . لقد وقع ما كانت تقدره الملكة، وما كانت تحذّر قومها منه: «إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً» .. وقد رجع مبعوثهم الذي بعثوا به إلى سليمان لينقل إليهم ما تهددهم به: «فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ» .. ثم تجرى الأحداث لاهثة متلاحقة.. فما كاد رسول الملكة يبرح مجلس سليمان، حتى يسبقه سليمان إلى تنفيذ وعيده الذي توعدهم به..

стр. 4053

«قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ» . انظر كيف تجرى الأحداث منطلقة كأنها ومضات برق خاطف؟ فهذه القوى الهائلة المسخرة لسليمان، تتسابق إلى تلبية ندائه، وتحقيق رغباته.. وأنت ترى هنا عظمة هذا السلطان وروعته، حيث يطلب سليمان الشيء، فتتزاحم بين يديه القوى القادرة على تنفيذه، وتتخاضع وتتخاشع بين يديه، ثم لا يحوجه الأمر- مع هذا- أن يتكلف له كلمة واحدة يقولها، أو إشارة يشير بها.. وإنما هو يأمر، فيجد ما أمر به حاضرا عتيدا بين يديه! «قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» . ولم يفعل سليمان شيئا، وإنما وجد العرش الذي طلبه مستقرّا عنده! والعفريت من الجن، هو أقوى جماعة الجن وأشدهم بأسا.. والذي عنده علم من الكتاب. قد يكون أحد رعايا سليمان، من الذين أخلصوا دينهم لله، فأتاهم الله من العلم ما يقدرون به على ما لا يقدر عليه الجن.. وقد يكون سليمان نفسه، وهو الأرجح عندنا، وذلك لأمور منها: أولا: أن سليمان أراد بقوله «يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي

стр. 4054

مُسْلِمِينَ» .. أراد أن يلفت الملأ إلى تلك المعجزة القاهرة التي سيظهرها الله على يديه.. فدعا من عنده قوة منهم، أن يتصدى لهذا الامتحان، وأن يأتيه بالعرش.. وكان العفريت من الجن، هو الذي ندب نفسه لامتثال هذا الأمر، فقال: «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ» .. وكان هذا آخر ما في جهد الملأ من إنس وجن وطير أن تفعله.. وهنا واجه سليمان هذه القوة التي أذهلت الجمع بما مكن الله له من قوة، وما آتاه من علم، فقال مخاطبا صاحب القوة الخارقة: «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» .، فهذا الخطاب للعفريت، هو خطاب للجماعة كلها في شخصه، إذ كان هو ممثل أقوى قوة بين يديها. وثانيا: أن الله ذكر في آية سابقة أنه آتى داود وسليمان علما، فقال تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً..» فبهذا العلم فعل سليمان ما فعل، وبهذا العلم اتصل سليمان بالعوالم الأخرى، فعرف لغة الطير، وسمع همس النملة، واطلع على ما يجرى في محيطها. وثالثا: قوله تعالى على لسان سليمان: «فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ» ، هو إقرار بفضل الله عليه، أن آتاه هذا العلم، الذي صنع به هذه المعجزة! أما الكتاب، فهو كتاب الله، وهو ما في اللوح المحفوظ من خزائن علمه.. فمن هذا العلم يتلقى أهل العلم علمهم: «وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» .. وفي هذه الحادثة يتجلى فضل العلم، وما يبلغ به أهله من مقامات عالية، تتخاضع بين يديها كل قوة، يذل لها كل سلطان. إذا كان هذا العلم من

стр. 4055

موارد الحق، وجرى في قلوب سليمة ونفوس طيبة.! وإن الإنسان بهذا العلم يقهر أعتى قوة خفية، هى الجن. والذين يستكثرون على العلم أن ينقل عرش ملكة سبأ من اليمن إلى الشام فى غمضة عين، والذين يقفون من هذا الخبر القرآنى موقف التوقف، أو التشكك أو الاتهام، حسبهم أن ينظروا في آيات العلم الحديث، وما حقق من معجزات في عالم المادة، حيث ينقل صور الأشياء من سطح القمر إلى الأرض في لحظة خاطفة على لوح «التليفزيون» .. فإذا كان هذا هو سلطان العلم المادي على المادة، فهل ينكر أن يكون سلطان العلم الروحي على المادة أضعاف ما للعلم المادي عليها؟ إن العلم المادي ما هو إلا إشارة خافتة من إشارات العلم الروحي، وليس إلا ومضة خاطفة من سناه المتألق! أما كيف يتم هذا، فإن تصوره ممكن- فى ضوء العلم المادي-! فالمادة كما نعرف- وكما أشرنا إلى ذلك من قبل، هى نور، تجسد من اجتماع الذرات، وتركيبها على وجه خاص، وإذا كان ذلك كذلك، فإنه من اليسير على العلم الروحي أنه ينفخ في أية صورة من صور المادة، فتتحول إلى ضوء، ثم يستقبل هذا الضوء في أي مكان يريده، فينفخ فيه مرة أخرى فإذا هو على صورته الأولى. ومن يدرى! فلعل العلم المادي يبلغ يوما، شيئا من هذا الذي في مجال العلم الروحي!. ونعود إلى القصة: وها هي ذى ملكة سبأ بين يدى سليمان.. وقد دبر لها سليمان امتحانا، يختبر

стр. 4056

به عقلها وذكاءها.. «قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ» .. لقد أجرى سليمان بعض التغيير في عرشها، دون أن يمس الصميم منه.. وحين ترى الملكة هذا العرش، ويسألها سليمان: «أَهكَذا عَرْشُكِ» ؟ لم تشأ أن تقطع برأى، فهو أشبه شىء بعرشها فعلا.. ولكن كيف انتقل عرشها، وقد خلفته وراءها في مسيرتها إلى سليمان؟. ثم هي من جهة أخرى تعلم ما مع سليمان من قوى تفعل الأعاجيب، وتأنى بالمذهلات.. ألم تأتها رسالته على يد جند من جنوده، هو الهدهد؟. فكان جوابها هذا الجواب الحكيم، الذي توسط الأمر، فلم تنف ولم تثبت، بل قالت: «كَأَنَّهُ هُوَ» ! وقد أعجب سليمان بهذا الرد الذكي الحصيف، وعدّه من آيات العلم، وثمرة من ثمراته.. فذكر بذلك، العلم الذي آتاه الله فقال، فيما بينه وبين نفسه. «وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ» ! ولم يقف بسليمان العجب من ذكاء الملكة، وعقلها عند هذا الحد.. بل إنه رأى أن هذا العقل الكبير، وما وعى من علم، كان جديرا به أن يهدى صاحبته إلى الإيمان بالله، وأن يقيم وجهها للدين القيم.. فكيف لم تؤمن بالله؟ وكيف تسجد للشمس من دون الله؟ أهذا ما يقضى به هذا العقل الكبير ويقبله؟ ويطمئن إليه؟ لا بد أن في الأمر شيئا! وينظر سليمان، فيرى الآفة التي تسلطت على هذا العقل، فاغتالت منطقه، وأفسدت عليه وجوه الرأى، حتى ضلت صاحبته هذا الضلال، وركبت هذا السفه.

стр. 4057

إن موروثات الآباء والأجداد، من الضلال، هى التي غلبت على هذا العقل وما فيه من ذكاء، وما اجتمع له من علم..! «وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ» . أي حجبها عن الإيمان بالله، ما نشأت على عبادته من دون الله، لأنها ولدت في قوم كافرين، فورثت الكفر عنهم، ونشأت عليه منذ طفولتها، فخالط عقلها، وسكن في مشاعرها! .. وتلك هي الآفة التي تسلطت على عقول كثير من ذى العقول، فأفسدتها، وأضلتها عن سواء السبيل.. وهذا من شأنه أن يدعو الإنسان إلى طلب التحرر من موروثات الآباء والأجداد، وأن يعيد بناء عقله- متى بلغ الرشد- على البحث والنظر، فما رآه صالحا، قبله، وما وجده فاسدا، دفعه وتخلى عنه.. وحين وجد سليمان نفسه أمام هذا العقل الذكي، لم يشأ أن يدخلها في دين الله بسلطانه عليها، وامتلاكه لأمرها، بل رأى أن يقودها إلى الإيمان بعقلها، لتتعرف إلى الله بنفسها، فيكون هذا أقوم لدينها، وأثبت لإيمانها.. ِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» .. والصرح هو البناء العالي المزخرف، وسمى بذلك لأنه صريح خالص من الشوائب والعيوب.. والممرد: الأملس، ومنه الأمرد، وهو الذي لم ينبت شعر عارضيه.. إن هذا الصرح الذي دعاها سليمان إلى دخوله، والذي حسبته- لصفائه

стр. 4058

ونقاء جوهره- لجة ماء رقراق- هذا الصرح لا يمكن أن يقوم بيد بشرية، ولا يمكن أن يكون من صنع بشر.. إنه من قوة فوق قوة الإنسان، ومن تدبير فوق تدبيره.. وإذن فهى أمام معجزة قاهرة.. لا يستطيع العقل السليم إلا أن يسلم بها.. وإذن فلا بد من التسليم.. وقد سلّمت.. وإذن فلا بد من أن تؤمن بمن آمن به سليمان، وأن تعبده.. وقد آمنت! فقالت: َبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» . وانظر كيف كانت ثقتها بسليمان، بعد أن أراها من آيات الله التي بين يديه، ما جعلها تطمئن إليه، وتصدق دعوته بأنه نبى.. ولهذا فإنها تبادر إلى الإيمان بالله من قبل أن يدعوها إليه، لأنها قد عرفت أن سليمان على الحق، ومع الحق.. ولهذا قالت: َ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ! إنها مع سليمان، لأن سليمان مع الحق! وهكذا تنتهى أحداث القصة بهذه النتيجة، التي يحصلها العقل من مجريات هذه الأحداث.. وإذا كان مساق القصة إلى قريش، وإلى العرب، ثم إلى الناس جميعا- فإنها بهذا الأسلوب الذي يجىء بالموعظة في رقائق من المعاني، تخطر في براعة، وخفة، وتتحرك في وداعة ولطف، حيث تصيد الخواطر، وتملك المشاعر، وتأسر القلوب، دون أن تثير حربا، أو تريق دما- إنها- أي القصة- بهذا الأسلوب، هى رسالة قائمة بنفسها، لتدخل إلى مواقع الإفناع من العقول السليمة، فتسكن إليها، وتجد برد الطمأنينة والسلام في ظلها..

стр. 4059

الآيات: (٤٥- ٥٥) [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٤٥ الى ٥٥] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) التفسير: قوله تعالى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ» . هنا أمران، نود أن نقف عندهما، وهما: أولا: مناسبة هذه القصة لما قبلها.

стр. 4060

وثانيا: إفراد هذه القصة بالذكر وحدها، من غير أن تتصل بها قصة عاد، حيث يجرى دائما ذكرهما معا، فى كل موضع ذكرت فيه إحداهما في القرآن الكريم.. فما مناسبة هذه القصة لما قبلها؟ المناسبة- والله أعلم- هى أن ملكة سبأ، مع ما كانت عليه من كفر موروث، حين رأت الصرح الممرد، عرفت صدق سليمان، وأنه على صلة بالسماء، فآمنت بما آمن به هو، واتبعت سبيله.. وأن «ثمود» قد طلع عليهم نبيّهم بآية من آيات الله، هى «الناقة» ، فلم يروا فيها ما رأت ملكة سبأ في الصرح الممرد، بل كذبوا صالحا، ورموه بالسفه. فهذا موقف، وذاك موقف.. وكلا الموقفين بين يدى آية من آيات الله.. فيكون في تلك الآية عبرة وعظة لقوم، وضلال ومهلكة لآخرين. ولعل هذا هو السر أيضا في ذكر قوم صالح، دون قوم هود، إذ لم يكن مع هود آية كهذه الآية التي جاء بها صالح. وقوله تعالى: «فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ» . «إذا» فجائية، وفيها إشارة إلى مبادرة القوم بالتكذيب، وإعلان الحرب على «صالح» بمجرد سماعهم لدعوة الحق التي يدعوهم إليها بقوله: «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ» .. والفريقان المختصمان، هما صالح ومن اتبعه، وقومه الذين وقفوا منه موقف العناد والتحدي.. فكان بين الفريقين خصام وشقاق. قوله تعالى: «قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» .

стр. 4061

هو مما كان يراجع به صالح قومه، ليكشف لهم عن موقفهم الضال، الذي يرد بهم موارد التهلكة.. فقد استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به، إداهم ظلوا على ما هم عليه من كفر وضلال.. وهذا ما ذكره الله ، عنهم في قوله سبحانه: «فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» (٧٧: الأعراف) وقد كان الأولى بهم أن يطلبوا جانب الأمن والسلامة، وأن يدخلوا في هذه الدعوة التي يدعوهم إليها نبيهم، فإن وجدوا خيرا، عاشوا فيه، واطمأنوا إليه، وإلا كان في يدهم أن يخرجوا من هذا الدين الذي دخلوا فيه.. أما أن يبدءوا بجانب الوعيد من الدعوة، فذلك هو الضلال، والسفه جميعا.. قوله تعالى: «قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ» .. هذا هو جواب الحمقى السفهاء على دعوة الخير والهدى.. إنهم يستولدون من دعوة الخير التي يدعوهم إليها نبيهم، مواليد شؤم، تنعق في ديارهم، وتنعب فوق رءوسهم، بالويل والبلاء.. وهكذا تتغاير حقائق الأشياء في النفوس المريضة، تماما كما تتغاير طعوم المطعومات في الفم السقيم، كما يقول الشاعر: ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا ويلقى «صالح» ﵇ هذا الرد الغبي السفيه، بإلفاتهم

стр. 4062

إلى الله الذي يدعوهم إليه وأنه- سبحانه- هو الذي بيده كل شىء يساق للناس، من نفع أو ضر، ثم بإلفاتهم إلى أنفسهم الغارقة في الفتنة والضلال، حيث لم يروا هذه الحقيقة من قدرة الله، وسلطان الله.. فقال: «طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ» أي أن حظكم المقسوم لكم من الخير والشر، هو عند الله تعالى، وفى خزائن علمه.. فى كتاب مبين، ولكنكم فى فتنة وعمى عن هذا الذي أقوله لكم.. وفي ذكر كلمة «قوم» - إشارة إلى أنهم كتلة واحدة متضخمة من الفساد وأنهم كيان واحد، تحتويه فتنة، لا مخرج له منها. ويستدل من هذا على أن القوم كانوا يزجرون الطير، ويتعرفون منه على ما سيقع لهم من خير أو شر، حسب تصورهم الفاسد.. وذلك أنهم كانوا إذا أراد أحدهم أمرا، ترصد لطير واقع على الأرض، ثم زجره، أي أشار إليه بيده أو بعصا، حتى يطير.. فإذا طار إلى يمينه، تفاءل به، ومضى لغايته، وإن طار إلى يساره تشاءم منه، وأمسك عن الغاية التي يريد!. كما يستدل من هذا أيضا على أن قوم صالح كانوا عربا، وأن- صالحا ﵇ كان نبيا عربيا، وذلك قبل إبراهيم وإسماعيل ﵇.. أيام العرب العاربة.. قوله تعالى: «وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ» . وكما في كل جماعة رأس أو رءوس، تقودها، وتتولى تدبير أمرها،

стр. 4063

فكذلك كان في هذه الجماعة أكثر من رأس، لقد كان فيها تسعة رءوس، كلها فاسد، لا يدعو إلا إلى الشر، ولا يعمل إلا فيما هو شر.. والرهط، من الثلاثة إلى العشرة.. وليس المراد بالرهط هنا العدد، وإنما المراد به «النفر» أي الواحد، الذي يطلق على الجماعة أيضا.. وإنما ذكّر الرهط، للإشارة إلى أن الواحد من هؤلاء التسعة كان رأسا في القوم، وأنه أشبه برهط، من حيث أثره فى الجماعة، وفي الشر الذي يخرج من بين يديه. قوله تعالى: «قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ» . قرىء: «لتبيتنه» ثم «لتقولنّ» بضمير الخطاب.. والتقاسم: تفاعل من القسم، وهو الحلف.. وذلك بأن يحلف كل واحد منهم للجماعة بما يحلفون عليه.. والبيات: الهجوم ليلا.. والولي: هو الناصر والقريب، والمراد به هنا وليّ الدم. والمعنى، أن هؤلاء النفر، قد ائتمروا فيما بينهم، على أن يهلكوا صالحا وأهله، فأقسموا على ذلك، وجعلوا لتنفيذ هذه المؤامرة وقتا، هو الليل.. ثم اتفقوا كذلك على الموقف الذي يلقون به ولى الدم، لصالح وأهله، وذلك بأن ينكروا أنهم شهدوا مصرع صالح ومن معه.. وقوله: «ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ» .. والضمير في أهله

стр. 4064

يعود على الولي، أي أنهم يقولون لهذا الولي، المطالب بالدم ما شهدنا مهلك أهله هؤلاء الذين تطالب بدمهم، ومنهم صالح.. وهذا أولى- فى تقديرنا- من عود الضمير على صالح، وأنهم يقولون لولى الدم ما شهدنا مهلك أهل صالح، كما يقول بذلك المفسرون- وذلك ليتحقق قولهم: «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» على تقدير أنهم لم يشهدوا فعلا مهلك أهله وحدهم، وإنما شهدوا مهلكه ومهلك أهله معه.. وإذن فهم صادقون بهذا التلبيس الذي لبسوا به شهادتهم!! هكذا يقول المفسرون، كأن القوم يتحرون الصدق في شهادتهم، فيخرجونها على هذا الوجه الذي هو الكذب في صميمه، وإن طلى بهذا الزيف المفضوح.. والقوم في قولهم: «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» إنما يؤكدون الكذب الذي جاءوا به في قولهم لولى الدم ما شهدنا مهلك أهلك هؤلاء- وفيهم صالح وأهله «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» فيما نقول.. فهكذا الكاذب دائما يحرص أشد الحرص على أن يزكى كذبه بمثل هذه الادعاءات، وأنه إنما يقول الصدق ويقسم عليه، كما يقول تعالى في شأن اليهود: «وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (١٤: المجادلة) . والسؤال هنا: كيف يتقاسمون بالله، ويحلفون به وهم كافرون؟ والجواب على هذا أنهم كانوا يعرفون الله، ولكن معرفتهم تلك قد اختلطت بالضلال، فلم يعرفوا الله حق معرفته، بل عبدوا معه آلهة أخرى، وجعلوه إلها من آلهتهم، أو كبيرا لهذه الآلهة التي يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى، كما كان ذلك شأن مشركى العرب، ولهذا كانت دعوة صالح إليهم هى: «اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» (٦١: هود) ، أي أخلصوا العبادة له وحده، فما لكم إله غير الله.

стр. 4065

قوله تعالى: «وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» .. المكر: التدبير للأمر، والإعداد له قبل الأخذ في تنفيذه. أي أنهم دبروا تدبيرا، ودبر الله تدبيرا.. والله سبحانه يعلم ما دبروا من أمر، وما أحكموا من خطط، وهم لا يعلمون ما قد دبر الله، وما أعد لهم من نكال وبلاء. قوله تعالى: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ» . الخطاب هنا للنبى، صلوات الله وسلامه عليه، ولكل من كان أهلا للنظر والاعتبار.. وفي هذا النظر إلى مكر هؤلاء الرهط، وإلى ما أعقب هذا المكر، يرى ما نزل بهم من نقم الله، وما حل بهم وبقومهم جميعا من هلاك لهم، وتدمير لديارهم! وهكذا يصيب الشرّ أهله، ثم يمتد فيشمل من كان معهم، ممن لم يشاركوا في هذا الشرّ، ولكنهم لم يتصدّوا للأشرار، ولم يأخذوا على أيديهم.. والله يقول: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً» (٢٥: الأنفال) ويقول سبحانه: «وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً» (١٦: الإسراء) . وهكذا أرادوا الهلاك لصالح وأهله، فأهلكهم الله، وأهلك أهلهم جميعا.. قوله تعالى: «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» .
следующие страницы →