← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

هو مما كان يراجع به صالح قومه، ليكشف لهم عن موقفهم الضال، الذي يرد بهم موارد التهلكة.. فقد استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به، إداهم ظلوا على ما هم عليه من كفر وضلال.. وهذا ما ذكره الله ، عنهم في قوله سبحانه: «فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» (٧٧: الأعراف) وقد كان الأولى بهم أن يطلبوا جانب الأمن والسلامة، وأن يدخلوا في هذه الدعوة التي يدعوهم إليها نبيهم، فإن وجدوا خيرا، عاشوا فيه، واطمأنوا إليه، وإلا كان في يدهم أن يخرجوا من هذا الدين الذي دخلوا فيه.. أما أن يبدءوا بجانب الوعيد من الدعوة، فذلك هو الضلال، والسفه جميعا.. قوله تعالى: «قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ» .. هذا هو جواب الحمقى السفهاء على دعوة الخير والهدى.. إنهم يستولدون من دعوة الخير التي يدعوهم إليها نبيهم، مواليد شؤم، تنعق في ديارهم، وتنعب فوق رءوسهم، بالويل والبلاء.. وهكذا تتغاير حقائق الأشياء في النفوس المريضة، تماما كما تتغاير طعوم المطعومات في الفم السقيم، كما يقول الشاعر: ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا ويلقى «صالح» ﵇ هذا الرد الغبي السفيه، بإلفاتهم

стр. 4062

إلى الله الذي يدعوهم إليه وأنه- سبحانه- هو الذي بيده كل شىء يساق للناس، من نفع أو ضر، ثم بإلفاتهم إلى أنفسهم الغارقة في الفتنة والضلال، حيث لم يروا هذه الحقيقة من قدرة الله، وسلطان الله.. فقال: «طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ» أي أن حظكم المقسوم لكم من الخير والشر، هو عند الله تعالى، وفى خزائن علمه.. فى كتاب مبين، ولكنكم فى فتنة وعمى عن هذا الذي أقوله لكم.. وفي ذكر كلمة «قوم» - إشارة إلى أنهم كتلة واحدة متضخمة من الفساد وأنهم كيان واحد، تحتويه فتنة، لا مخرج له منها. ويستدل من هذا على أن القوم كانوا يزجرون الطير، ويتعرفون منه على ما سيقع لهم من خير أو شر، حسب تصورهم الفاسد.. وذلك أنهم كانوا إذا أراد أحدهم أمرا، ترصد لطير واقع على الأرض، ثم زجره، أي أشار إليه بيده أو بعصا، حتى يطير.. فإذا طار إلى يمينه، تفاءل به، ومضى لغايته، وإن طار إلى يساره تشاءم منه، وأمسك عن الغاية التي يريد!. كما يستدل من هذا أيضا على أن قوم صالح كانوا عربا، وأن- صالحا ﵇ كان نبيا عربيا، وذلك قبل إبراهيم وإسماعيل ﵇.. أيام العرب العاربة.. قوله تعالى: «وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ» . وكما في كل جماعة رأس أو رءوس، تقودها، وتتولى تدبير أمرها،

стр. 4063

فكذلك كان في هذه الجماعة أكثر من رأس، لقد كان فيها تسعة رءوس، كلها فاسد، لا يدعو إلا إلى الشر، ولا يعمل إلا فيما هو شر.. والرهط، من الثلاثة إلى العشرة.. وليس المراد بالرهط هنا العدد، وإنما المراد به «النفر» أي الواحد، الذي يطلق على الجماعة أيضا.. وإنما ذكّر الرهط، للإشارة إلى أن الواحد من هؤلاء التسعة كان رأسا في القوم، وأنه أشبه برهط، من حيث أثره فى الجماعة، وفي الشر الذي يخرج من بين يديه. قوله تعالى: «قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ» . قرىء: «لتبيتنه» ثم «لتقولنّ» بضمير الخطاب.. والتقاسم: تفاعل من القسم، وهو الحلف.. وذلك بأن يحلف كل واحد منهم للجماعة بما يحلفون عليه.. والبيات: الهجوم ليلا.. والولي: هو الناصر والقريب، والمراد به هنا وليّ الدم. والمعنى، أن هؤلاء النفر، قد ائتمروا فيما بينهم، على أن يهلكوا صالحا وأهله، فأقسموا على ذلك، وجعلوا لتنفيذ هذه المؤامرة وقتا، هو الليل.. ثم اتفقوا كذلك على الموقف الذي يلقون به ولى الدم، لصالح وأهله، وذلك بأن ينكروا أنهم شهدوا مصرع صالح ومن معه.. وقوله: «ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ» .. والضمير في أهله

стр. 4064

يعود على الولي، أي أنهم يقولون لهذا الولي، المطالب بالدم ما شهدنا مهلك أهله هؤلاء الذين تطالب بدمهم، ومنهم صالح.. وهذا أولى- فى تقديرنا- من عود الضمير على صالح، وأنهم يقولون لولى الدم ما شهدنا مهلك أهل صالح، كما يقول بذلك المفسرون- وذلك ليتحقق قولهم: «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» على تقدير أنهم لم يشهدوا فعلا مهلك أهله وحدهم، وإنما شهدوا مهلكه ومهلك أهله معه.. وإذن فهم صادقون بهذا التلبيس الذي لبسوا به شهادتهم!! هكذا يقول المفسرون، كأن القوم يتحرون الصدق في شهادتهم، فيخرجونها على هذا الوجه الذي هو الكذب في صميمه، وإن طلى بهذا الزيف المفضوح.. والقوم في قولهم: «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» إنما يؤكدون الكذب الذي جاءوا به في قولهم لولى الدم ما شهدنا مهلك أهلك هؤلاء- وفيهم صالح وأهله «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» فيما نقول.. فهكذا الكاذب دائما يحرص أشد الحرص على أن يزكى كذبه بمثل هذه الادعاءات، وأنه إنما يقول الصدق ويقسم عليه، كما يقول تعالى في شأن اليهود: «وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (١٤: المجادلة) . والسؤال هنا: كيف يتقاسمون بالله، ويحلفون به وهم كافرون؟ والجواب على هذا أنهم كانوا يعرفون الله، ولكن معرفتهم تلك قد اختلطت بالضلال، فلم يعرفوا الله حق معرفته، بل عبدوا معه آلهة أخرى، وجعلوه إلها من آلهتهم، أو كبيرا لهذه الآلهة التي يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى، كما كان ذلك شأن مشركى العرب، ولهذا كانت دعوة صالح إليهم هى: «اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» (٦١: هود) ، أي أخلصوا العبادة له وحده، فما لكم إله غير الله.

стр. 4065

قوله تعالى: «وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» .. المكر: التدبير للأمر، والإعداد له قبل الأخذ في تنفيذه. أي أنهم دبروا تدبيرا، ودبر الله تدبيرا.. والله سبحانه يعلم ما دبروا من أمر، وما أحكموا من خطط، وهم لا يعلمون ما قد دبر الله، وما أعد لهم من نكال وبلاء. قوله تعالى: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ» . الخطاب هنا للنبى، صلوات الله وسلامه عليه، ولكل من كان أهلا للنظر والاعتبار.. وفي هذا النظر إلى مكر هؤلاء الرهط، وإلى ما أعقب هذا المكر، يرى ما نزل بهم من نقم الله، وما حل بهم وبقومهم جميعا من هلاك لهم، وتدمير لديارهم! وهكذا يصيب الشرّ أهله، ثم يمتد فيشمل من كان معهم، ممن لم يشاركوا في هذا الشرّ، ولكنهم لم يتصدّوا للأشرار، ولم يأخذوا على أيديهم.. والله يقول: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً» (٢٥: الأنفال) ويقول سبحانه: «وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً» (١٦: الإسراء) . وهكذا أرادوا الهلاك لصالح وأهله، فأهلكهم الله، وأهلك أهلهم جميعا.. قوله تعالى: «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» .

стр. 4066

«خاوِيَةً» أي ساقطة متهدّمة، لا أثر لحياة فيها.. وهي منصوبة على الحال من «بُيُوتُهُمْ» . والإشارة هنا، لفت للأنظار، إلى هذه الديار الخاوية، حيث ينظر المشركون إلى حيث متجه الإشارة، فلا يرون إلا أطلالا، يرى فيها أولو العلم وأهل النظر، آية من آيات الله، فيما يحل بالظالمين من بأسه، وما يرميهم به من عذابه! قوله تعالى: «وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ» - هو أشبه بالاستثناء من تلك الصورة التي تتمثل لعين الناظر.. مما حلّ بهؤلاء الظالمين المفسدين.. فهناك إلى جانب هذه الصورة للدّمار والهلاك، صورة أخرى لأهل السلامة والعافية، الذي نجوا من هذا البلاء، وخلصوا من هذا العذاب، وذلك بإيمانهم بالله، وباتّقائهم بأسه وعذابه، بالأعمال الطيبة الصالحة.. فإلى جانب الشر دائما خير، وفي مجتمع الأشرار.. دائما أخيار.. وهذا الخير وإن صغر حجمه، هو الرّوح الذي يحفظ الحياة في هذا الوجود.. وهؤلاء الأخيار- وإن قلّ عددهم- هم الشعاع الذي يسرى في وسط هذا الظلام الكثيف. قوله تعالى: «وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ» .؟ أي واذكر لوطا إذ قال لقومه. «أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ» وهي هذا المنكر الذي عرفوا به، والذي سيكشف عنه في الآية التالية.. وسمى هذا المنكر «فاحشة» و «فحشاء» لشفاعته وقبحه، ظاهرا وباطنا..

стр. 4067

وفي قوله: «وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ» .. إشارة إلى ما بلغ من استهتار القوم، واستخفافهم بهذا المنكر، حتى إنهم ليأنونه عيانا وجهرة بحيث يرى بعضهم بعضا وهم عاكفون على هذا الفحش، دون حياء أو خجل.. وإن بعض الحيوانات، لتدعوها طبيعتها إلى أن تتخفى وتستتر، فلا تطلع عليها عين، حين تتصل ذكورها بإناثها.. أما هذه الحيوانات الآدمية، فقد نزلت إلى هذا المستوي الخسيس، الذي لا ينزله إلا أدنى الحيوانات وأخسّها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ» (٢٩: العنكبوت) أي يأتون هذا المنكر علنا في مجتمعاتهم وأنديتهم، كأنهم يأتون مكرمة من المكرمات.. قوله تعالى: «أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» هذه هي الفاحشة التي يأتيها القوم جهرة على أعين الناس، وهي «اللواط» واتصال الرجل بالرجل، كما يتصل الرجل بالمرأة، والذكر بالأنثى في عالم الحيوان.. وفي قوله «بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» .. إشارة إلى أن هذا الضلال الذي هم فيه، وهذه الحيوانية الطاغية التي لبستهم، إنما هي من واردات الجهل.. وليس بين الإنسان والحيوان من فرق، إلا العلم، وأنه بقدر ما يحصّل الإنسان من العلم، بقدر ما تكون منزلته في الإنسانية، وبقدر ما يكون بعده عن عالم الحيوان..!

стр. 4068

الآيات: (٥٦- ٥٨) [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٥٦ الى ٥٨] فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) التفسير: قوله تعالى: «فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ» هذا هو الجواب الذي أجاب به القوم لوطا، حين أنكر عليهم هذا المنكر الذي يعيشون فيه، ويتعاملون به جهرة، وهو جواب ينطوى على استخفاف واستهزاء، فوق ما يحتوى عليه من بغى وعدوان.. إنهم لم يجيبوا على ما أنكره عليهم لوط، ولم يقبلوا ما دعاهم إليه، وإنما كان فعلهم الذي أرادوه به وبمن معه، هو الردّ العمليّ على هذا النصح الذي نصح لهم به. - «أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ» . فلقد تنادوا فيما بينهم إلى أن يخرجوا آل لوط من القرية، واعتبروا لوطا ومن معه كائنات غريبة تعيش في هذا المجتمع.. - «إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ» أي يدّعون التّطهر والتعفف، ويكرهون أن يعيشوا في هذا الجوّ الذي نعيش فيه.. وإذن فليخرجوا من بيننا، وإذا لم

стр. 4069

يخرجوا أخرجناهم.. فهذه القرية هي قريتنا، وليس لهم مقام فيها ما داموا لا يحيون حياتنا!! هكذا كان منطق القوم.. إنهم كثرة، وآل لوط قلة.. وما كان للقلة أن تتحكم في الكثرة.. وإذا كانت القرية لا تحتملنا وتحتملهم على هذا الخلاف الذي بيننا وبينهم، فليخرجوا منها مكرهين، غير مأسوف عليهم. وليس هذا وحده هو جواب القوم.. فقد كان للقوم أجوبة كثيرة، أجابوا بها على دعوة لوط، كما ذكر القرآن عنهم ذلك في أكثر من موضع، كقولهم. «ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ» (٧٩: هود) .. وقولهم له أيضا: «أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ» (٧٠: الحجر) وقولهم: «لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ» (١٦٧: الشعراء) . فهذه أجوبة كثيرة كان يلقى بها القوم لوطا. ولكن هذا الجواب، الذي جاء في قوله تعالى: «فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ» .. هو تلخيص جامع لهذه الأجوبة كلها، وهو النهاية التي انتهت إليها كل هذه الأجوبة، فكان هذا الجواب هو جوابهم القاطع، الذي لا جواب لهم غيره، ولهذا جاء به النظم القرآنى على هذه الصورة التي تفيد القصر.. «فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ» أي ما كان لهم إلا هذا الجواب.. قوله تعالى: «فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ» . لقد أرادوا إخراج لوط والمؤمنين معه من القرية، ودبّروا لهذا الأمر ومكروا مكرهم له، فكان أن أخرجهم الله سبحانه من هذه الدنيا كلها،

стр. 4070

لا من القرية وحدها، فأمطر عليهم حجارة من سجيل، أتت على قريتهم، وعلى كلّ نسمة حياة فيها، على حين نجا لوط ومن معه، إلا امرأته، فقد كانت حربا عليه، وعلى المؤمنين، فأخذها الله بما أخذ به القوم، فكانت من الهالكين. الآيات: (٥٩- ٦٤) [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٤] قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤) التفسير: بعد هذا العرض الكاشف، الذي عرضت فيه السّورة مواقف المشركين والكافرين، من دعوة الحقّ التي يحملها إليهم رسل الله، ويقدّمون بين

стр. 4071

يديها الآيات المحسوسة التي تنطق بقدرة الله وعظمته، وتشهد لرسله بأنهم مؤيدون من عند الله، وأن ما على ألسنتهم هو من كلمات الله، وأن ما بأيديهم هو من آيات الله- مع هذا، فقد عميت من الضالين الأبصار، وزاغت القلوب، فكان العناد والتحدّى، ثم التطاول والتعدّى.. وكان ذلك هو الجواب المحمّل بألوان التكذيب، والتهديد، الذي تلقاه الرسل من أقوامهم، إلا قليلا ممن شرح الله صدره للإيمان منهم، فنجا بنفسه، وكان من المفلحين في الدنيا والآخرة جميعا. - بعد هذا العرض، جاءت آيات الله، لتعقب على هذه الأحداث، ولتلفت الأنظار إلى الله وعظمته، وإلى ماله في عباده من آيات.. ففى هذا التعقيب يرى المؤمنون والمشركون جميعا ما تحمل كلمات الله، من بيان، تتجلّى فيه نعم الله عليهم، ويبين منها فضله الذي أفاضه على هذا الوجود!. وقوله تعالى: «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ» هو خطاب خاص للنبى، ثم هو عام إلى كل مؤمن بالله.. وفي هذا الخطاب دعوة إلى ذكر الله بالحمد على نعمه التي لا تحصى، والتي أجلّها وأعظمها، هو الإيمان الذي عمرت به قلوب المؤمنين.. - وفي قوله تعالى: «وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى» ذكر يقترن مع ذكر الله، بالتسليم على عباد الله الذين اصطفاهم، واختصهم بالمزيد من فضله، وهم رسله الكرام، كما يقول سبحانه: «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (١٨٠- ١٨٢ الصافات) وفي اقتران ذكر الله بالحمد والثناء عليه، بذكر المرسلين، والدعاء بالسّلام

стр. 4072

عليهم- فى هذا تكريم لرسل الله، واعتراف بفضلهم على الناس، إذ كانوا مصابيح هدى، ودعاة أمن وسلام للعباد.. وهذا من شأنه أن يجعلهم موضع إعزاز، وحبّ، وإكرام، من أقوامهم خاصة، ومن الإنسانية كلها عامة، لا أن ترجمهم الأيدى الأئمة، وتسلقهم الألسنة الفاجرة، وتزدريهم العيون البلهاء، كما يفعل السفهاء، والحمقى، من أهل الشرك والضلال..! - وقوله تعالى: «آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ» - هو استفهام تقريرى، يراد به أخذ الجواب من كل لسان، على هذا السؤال.. وأصل الاستفهام «أالله» قلبت همزة الوصل في لفظ الجلالة ألفا، للتسهيل، فصارت مع همزة الاستفهام مدّة.. و «أمّا» أصلها «أم» حرف العطف الذي يقع بعد همزة التسوية، «ما» الموصولة.. فأدغمت الميم في الميم.. وجىء باسم الموصول «ما» بدل «من» للإشارة إلى ما يعبد المشركون من معبودات، لا تعقل، من الحيوان، والجماد، وغيرها، وذلك أكثر ما يشرك به المشركون. قوله تعالى: «أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ» . فى الجواب على الآية السابقة جوابان: جواب لأهل البصائر وأصحاب العقول.. وهو أن الله هو وحده المستحقّ للعبادة.. وجواب لأهل الشرك، الذين ران الضلال على قلوبهم.. وهو أنهم يؤثرون آلهتهم التي يعبدونها، ولا يلتفتون إلى غيرها.

стр. 4073

- وقد جاءت هذه الآية: «أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ... » والآيات التي بعدها، لتلقى هؤلاء المشركين مع آلهتهم، ولتضع أمام أعينهم موازنة بينهم، وبين الله ، لينظروا فيروا إن كان هناك من آلهتهم من يشارك الله في هذه الصفات التي لله .. فإن كان يقع لأيديهم أو لأبصاهم، أو لعقولهم شىء من هذا، فليمسكوا بآلهتهم، وإلّا فليروا رأيهم فيها، إن كان لهم- مع أهوائهم المتسلطة عليهم- رأى.. - فقوله تعالى: «أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً..» - هو معادل لمستفهم عنه محذوف، وهو الآلهة التي يمسك بها هؤلاء المشركون، والتقدير: أآلهتهم هذه، أم من خلق السموات والأرض وأنزل لهم من السماء ماء ... ؟. - وفي قوله تعالى: «فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ» - هو إلفات إلى ما أودع الله من أسرار في هذا الماء، الذي ينزله من السماء، فيحيى به الأرض بعد موتها، ويكسو عريها حللا زاهية رائعة، ذات ألوان وأصباغ، تبهج النفس، وتشرح الصّدر. وفي العدول عن ضمير الغائب المفرد فى «أنزل» إلى ضمير المتكلم المعظم ذاته فى «فأنبتنا» - إشارة إلى أمرين: أولهما: أن إنزال المطر عملية، قد لا يشهدها كثير من الناس، وإذا شهدوها فإن كثيرا منهم قد لا يلتفتون إليها.. أما هذه الزروع، وتلك الجنات التي تزين وجه الأرض، فإنه قل في الناس من لا يشهد هذه الظاهرة، ويملأ عينيه، ومشاعره منها، ومما فيها من حسن وروعة.. فكان من المناسب هنا أن يرى الناس يد القدرة القادرة، وهي تنسج هذه الحلل الجميلة الرائعة التي تنكسو الأرض، وتجلوها كما تجلى العروس في ليل زفافها.. ففى قوله تعالى:

стр. 4074

«أنبتنا» حضور لله سبحانه، فى هذه الزروع والجنات التي تزين وجه الأرض، وتقع لعينى كل إنسان.. وثانيهما: أن هذه الزروع وتلك الجنات.. ليست على صورة واحدة، فهى مختلفة الألوان والأشكال، متعددة الأنواع والأجناس،. كما يقول الله سبحانه «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا» (٢٤- ٣١ عبس) فهذه الصور التي لا تكاد تحصى من الزروع والأشجار، فى مسرح العين، تبدو وكأن آلافا من الأيدى، عملت على إخراجها من الأرض، واستيلادها من بطنها، وصبغها بهذه الأصباغ.. وإن الأمر لعلى خلاف هذا الظاهر، فهى يد واحدة قادرة، هى يد الحكيم العليم، التي تفردت بكل هذا.. ومن هنا حسن أن يذكر الله بضمير الحضور، وبصيغة الجمع، حيث ترى قدرة الله قائمة على كل نبتة، وكل شجرة.. وليس كذلك الشأن في المطر، ونزوله.. إنه صورة واحدة في كل أحواله..! - وقوله تعالى: «ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها» الضمير «فى شجرها» يعود إلى الحدائق.. والمعنى، أن هذه الحدائق ذات الروعة والبهجة، ليس في مقدور الناس جميعا أن ينبتوا شجرها، وأن يخرجوه من الأرض، فضلا عن أن يمسكوا عليه حياته، ويبلغوا به هذا المدى من النماء، والإزهار، والإثمار، وتنوع الألوان والأشكال.. - وفي قوله تعالى: «أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟» سؤال تقريرى، يراد الجواب عليه،

стр. 4075

بعد النظر إلى هذه المعارض التي عرضتها الآية الكريمة لبعض قدرة الله، وآثار رحمته! وجواب أهل العناد والضلال، هو جواب كل معاند ضال.. وهو العمى عن الحق، والتشبث بالباطل.. ولهذا جاء قوله تعالى: «بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ» مسجلا عليهم هذا الضلال، آخذا من أفواههم جوابهم على هذا السؤال.. وهو أنهم قوم يعدلون عن الحق إلى الباطل، ويولون وجوههم إلى معبوداتهم التي يعكفون عليها.. قوله تعالى: «أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً.. أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ!» وهذه معادلة أخرى، يوازن فيها المشركون بين الله، وبين آلهتهم.. أيّ أحق بالألوهة، وأولى بالعبادة؟. أآلهتكم تلك الخرساء الصماء، أم الله الذي جعل الأرض قرارا؟ أي موضعا صالحا لحياة الإنسان، واستقراره عليها، «وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً» أي وأجرى بين شعاب الأرض أنهارا، تخلل أجزاءها، بحيث يأخذ كل جزء منها حظه من هذه الأنهار «وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ» أي جبالا راسية، تمسك بها أن تميد أو تضطرب.. «وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً» أي فصل بين ماء البحار، وماء الأنهار، حيث يلتقيان، فلا يطغى أحدهما على الآخر.. بل يبقى ماء الأنهار عذبا سائغا، ويظل ماء البحار ملحا أجاجا.. هذا هو صنع الله، وتلك آيات قدرته، وسوابغ رحمته.. فأين ما للآلهة التي تعبدونها، أيها المشركون الضالون؟

стр. 4076

«أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟» .. أجيبوا! وقد أجابوا جواب الأغبياء الجاهلين، الذين لا حظّ لهم من علم.. فهم والحيوان على سواء.. ولو أنهم كانوا على شىء من العلم، لأنار لهم علمهم الطريق إلى الحق، ولنطقوا بما ينبغى أن ينطق به أهل العلم، وهو أنه «لا إله إلا الله» .. ولكن أتى لهم هذا، وهم في هذا الجهل المظلم؟: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» . وفي الآية الكريمة إعجاز من إعجاز النظم القرآنى.. فقد تكررت كلمة «جعل» أربع مرات، تخللت عشر كلمات، دون أن يشعر أحد بهذا التكرار، أو يجد له أي أثر في النطق بهذه الكلمات، التي تناغم لحنها، وتوازن نظمها، فكانت لحنا علوى النغم، يأسر الآذان بوقعه، ويملك المشاعر، بسرّه وجهره..! أقرأ الآية الكريمة ورتلها ترتيلا! «أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً.. وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً.. وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ.. وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً؟ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ..» .. ثم ألا تسجد بعد هذا لهذا الإعجاز من كلام رب العالمين؟ قوله تعالى: «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» .. ومعادلة ثالثة.. بين ما لله، وبين ما يكون لهذه المعبودات من دون الله.. أفهذه الآلهة، التي لا تملك ضرّا ولا نفعا، أم الإله الواحد، القادر،

стр. 4077

السميع، البصير، الذي تفزعون إليه- أيها الضالون المكذبون- عند كل كرب، وتدعونه عند كل شدّة، فيستجيب لكم، ويكشف الضرّ عنكم.؟ كما يقول سبحانه: «قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.. تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ» (٦٣- ٦٤: الأنعام) أآلهتكم هذه؟ أم الله ربّ العالمين، الذي أعطاكم هذه الصورة البشرية السويّة، ومنحكم العقل، والمنطق، وأقامكم على هذه الأرض خلفاء لله فيها؟ ألا تذكرون فضل الله عليكم، ولا تنظرون إلى نعمه إليكم؟ ألا تشكرون له أن أخرجكم من العدم إلى الوجود، ثم أعطاكم من الوجود الأرضى أحسن وأكرم ما خلق فيه؟ أجيبوا.. أيها الضالون المكذّبون، الجاحدون؟ وقد أجابوا بما يجيب به كل جاحد لنعمة الله.. لا يذكر الله إلا عند الشدّة، فإذا انجلى الكرب، وذهبت الشدّة «نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ» (٨: الزمر) . ولهذا جاءت فاصلة الآية: «قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» لتسجل عليهم هذا التنكر لنعمة الله عليهم، وإحسانه إليهم.. فهم لا يذكرون لله هذه النعمة، ولا يتذكرون هذا الإحسان.. قوله تعالى: «أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ؟ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» . ومعادلة أو موازنة رابعة..

стр. 4078

أآلهتكم هذه الجاثمة الجامدة، أم الله الذي يهديكم في ظلمات البر والبحر، بما أقام لكم من معالم في السماء والأرض، تتعرفون بها وجهتكم، فى تنقلكم على ظهر الأرض أو البحر؟ أآلهتكم هذه المستخزية العاجزة.. أم الإله الذي يرسل الرياح فتثير السحاب، وتدفعه إلى حيث ينزل ماء من السماء، فيحيى الأرض ومن عليها؟ ماذا تقولون؟ أجيبوا.. أيها اللّاهون الغافلون! ويجيبون بهذا الصمت الغبي.. ويجيب الوجود كله من حولهم، بهذا الجواب، الناطق بوحدانية الله، المنزه لله عن الشريك، والصاحبة والولد.. «تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» قوله تعالى: «أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ؟ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ؟ وهذه معادلة أو موازنة خامسة.. أآلهتكم هذه العجماء، الصماء.. أم الله الذي يبدأ الخلق، وينشئه ابتداء على غير مثال، ثم يعيده خلقا آخر كما بدأه، بعد أن يبلى، وتذهب معالمه؟ ماذا تقولون؟ أتقولون بعد هذا.. إن مع الله إلها، يصنع ما يصنع الله، ويتصرف معه فى هذا الوجود، أو يشاطره بعضا منه؟ «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ.. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .

стр. 4079

فأين الحجة على ما بين أيديكم؟ وأين البرهان على ما تقولون من أن مع الله إلها أو آلهة أخرى؟ إن القول بلا حجة يستند إليها، وبلا دليل يقوم عليه- هو كلام، لا معقول له، ولا حياة فيه، ولا نفع لمن يتعلق به: «وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ.. إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ» (١١٧: المؤمنون) . وفي هذا العرض الممتد، المختلف الصور والألوان، لآيات الله في الأرض وفي السماء، وفي البر والبحر، لا يجد المكابرون والمعاندون، سبيلا إلى الإفلات والهروب من الإقرار بوحدانية الله.. إذ كانوا كلما أخذوا وجها من وجوه الضلال، لقيهم معرض من معارض قدرة الله.. حتى إذا كان آخر المطاف كانت كل ظنونهم وأوهامهم في آلهتهم قد ضلت عنهم، وفرت من بين أيديهم، فوقفوا في حيرة، بين الاتجاه إلى الله الذي يحجبهم عنه كبرهم وعنادهم، وبين الجري وراء آلهتهم بعد أن انكشف لهم أمرها.. وهنا لا يطالبهم القرآن بأكثر من أن يستعملوا شيئا من العقل والمنطق، وأن يحترموا إنسانيتهم، فلا يؤمنوا إلا بما يقبله العقل، ويطمئن إليه القلب، وإلا بما يقوم للعقل منه برهان على أنه الحق! لقد أقامهم القرآن في هذا العرض مقام الشك، والشك- كما يقولون- أول مراتب اليقين، الآيات: (٦٥- ٧٨) [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٦٥ الى ٧٨] قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)

стр. 4080

التفسير: قوله تعالى: «قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» . هو تعقيب على هذه المعارض، التي عرضت فيها الآيات السابقة للمشركين وغباءهم وضلالهم، وآلهتهم وما هي عليه من عجز وضعف، أمام جلال الله وعظمته وقدرته.. وفي هذه الآية عرض للمخلوقات جميعا، أمام علم الخالق، المحيط بكل شىء، وأن من في السموات والأرض من مخلوقات لا تعلم مما استأثر الله بعلمه شيئا.. فأهل الأرض مهما علموا من علم فإن علمهم

стр. 4081

بهذا الكوكب الذي يعيشون فيه، لا يعدو أن يكون قطرة من محيط الأسرار المودعة في هذا الكوكب، فكيف علمهم بما في هذا الوجود الذي هم قطرة في محيطه الذي لا حدود له؟ وكذلك مخلوقات العوالم الأخرى، علمها كعلم أهل الأرض، هو محدود محصور في دائرة وجودها.. وقوله تعالى: «إِلَّا اللَّهُ» إلا هنا ملغاة.. والمعنى أنه لا يعلم الغيب إلا الله وحده.. أما من في السموات والأرض فمنفى عنهم هذا العلم.. وإن علموا شيئا فهو بالاضافة إلى علم الله، وإلى ما جهلوه من هذا العلم- لا وزن له، ولا اعتداد به.. - وقوله تعالى: «وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» - تأكيد لنفى علم الغيب عن أهل السموات والأرض.. وذلك أن الناس وهم أكثر خلق الله ادعاء للعلم، لا يعلمون متى يبعثون من قبورهم إذا ماتوا، وهذا البعث هو أمر يتصل بهم، ويعنى كلّ واحد منهم. فإذا جهلوا ما هو من شأنهم فهم لغيره أجهل، وإذا جهل الناس فغيرهم من المخلوقات أشد جهلا. ويجوز أن يكون المراد هنا هم الناس وحدهم، ويكون نفى العلم عنهم بميقات بعثهم حجة قائمة على أنهم لا يعلمون الغيب.. فليؤمنوا إذن بعالم الغيب والشهادة إيمانهم بكل غيب، وليدعوا هذه الآلهة التي يجسدونها، ويتعاملون معها، كما يتعاملون مع أموالهم وأمتعتهم.. فالله ، وإن لم يروه، فإن كثيرا من الحقائق التي بين أيديهم لم يروها، ولم يقع في علمهم شىء منها.. إن الإنسان ليستبين كثيرا من الأمور التي لا تقع لحواسة، بما يلوح

стр. 4082

للعقل من شواهد عليها.. فلم لا يؤمن المشركون بالله، وهذا الوجود كله شاهد لله؟ قوله تعالى: «بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ.. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها.. بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ» . هذا تعقيب على قوله تعالى: «وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» .. وذلك أن البعث وإن لم يعلم يومه فإنه آت لا ريب فيه، وعدم العلم بيومه، لا يستدعى إنكاره وجحوده.. ولكن ذلك هو الذي فتن كثيرا من الناس، وأضلهم، فكفروا بهذا اليوم، إذ لم يعلموه علما واقعا محققا.. وهذا غيب من الغيوب التي استأثر الله بعلمها.. فالذين ينكرون يوم البعث، إنما ينكرون أمرا قامت عليه الأدلة، وتظاهرت له البراهين، وإن كان لا يشعر بها الغافلون الضالون، ولهذا جاء قوله تعالى في الآية السابقة «وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» منبها إلى هذه الغفلة التي عليها هؤلاء المشركون المنكرون ليوم البعث.. إنهم لا يشعرون به، مع أن كثيرا من الإشارات الدالة عليه تمر بهم، ولكنهم في غمرة ساهون! - وقوله تعالى: «بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ» إضراب على الصفة التي وصفوا بها من قبل، وهي عدم شعورهم بالبعث، وإلقاء صفة أخرى عليهم فوق هذه الصفة، وهي أن ما لديهم من علم في شأن الساعة، كثير، والشواهد عليه بين أيديهم لا تحصى، ولكن هذا العلم، وتلك الشواهد لم تحقق لهم علما بها.. وهذا هو بعض السر- والله أعلم- فى تعدية المصدر «علمهم» بحرف الجر فى، بدلا من الباء.. فى النظم القرآنى «بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ»

стр. 4083

«فِي الْآخِرَةِ» ولم يجىء هكذا: بل إدراك علمهم بالآخرة.. فالعلم الذي عندهم بالاخرة كثير، ولكنهم يمارون في هذا العلم، ويجادلون فيه.. وقوله تعالى: «بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها» هو وصف آخر يضاف إلى أوصافهم التي تكشف عن موقفهم من أمر الآخرة.. «إنهم في شك منها» لا يقيم لهم العلم الذي بين أيديهم عنها، إلا أوهاما وظنونا. ومعنى ادّارك علمهم، أي كثر، وتتابع، وجاءهم داركا، أي متلاحقا.. تختلف وجوهه في تصورهم، وتتغاير صوره في عقولهم، وتتوارد عليهم الخواطر فيه بين الشك واليقين. وقوله تعالى «بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ» - وصف ثالث يلحق بالوصفين السابقين، وهو أنهم في عمى وضلال عن الآخرة، فلا يرون لها وجودا، ولا يحسون لها أثرا.. والصورة التي تتمثل من هؤلاء المنكرين ليوم البعث، هى صورة مائجة مضطربة، كما يموج السراب في الصحراء.. فهناك شواهد قائمة على البعث والحساب والجزاء.. ولكن المشركين لا يشعرون بها، ولا يلتفتون إليها. وهناك علم كثير، تحدثهم به آيات الله التي يتلوها عليهم رسول الله، فى أمر البعث والحساب والجزاء.. «بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ» وهذا العلم لا يستقبله المشركون إلا بقلوب مريضة، وعقول ضالة.. فلا تقع منه إلا على ظنون.. «بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها» . وهذه الظنون التي تقع لهم من هذا العلم، سرعان ما يطغى عليها الضلال والجهل، فتختفى، ويختفى معها كل شىء عن هذا اليوم، وإذا هم في عمى، فلا

стр. 4084

يرون للآخرة ظلا، أو خيالا، فى أنفسهم.. «بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ» . وفي تعدية المصدر «عم» ، بمعنى أعمى- بحرف الجر «من» بدلا من «عن» الذي هو للفعل، إذ يقال: عمى عن الشيء: ولا يقال عمى منه، إلا إذا كان الشيء هو السبب في العمى، الذي جاء من جهته.. وهذا- والله أعلم- ما أريد هنا، وهو أن الآخرة، كانت سببا في عمى الضالين والمشركين.. وذلك أن أمر البعث، والحساب والجزاء، هو مضلة الضالين، وغواية الغاوين. وليس الإيمان بالله هو السبب في تردد المشركين وتوقفهم عن الإيمان.. وإنما كان ترددهم وتوقفهم عن الإيمان بالله، لأن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالبعث والحساب والجزاء.. وهذا هو الذي يتردد إزاءه المترددون، ويتوقف عنده المتوقفون.. وإنه ليسير غاية اليسر على المشركين أن يستبدلوا إلها بإله، وربا برب.. وليس من اليسير أبدا أن يقبلوا ربّا لا يقبلهم إلا إذا آمنوا بالبعث بعد الموت، ثم الحساب والجزاء.. فذلك هو الذي لا تقبله عقولهم ولا تتصوره مدركاتهم.. ولقد كان أكثر جدلهم واقعا على البعث بعد الموت، وفي هذا ما حكاه القرآن عن المشركين والمكذبين بيوم البعث: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟» (٧- ٨ سبأ) إنهم يعرفون الله، وإن كانت معرفة سقيمة معتمة، وإنهم ليقرون بوجوده، ويتهمون النبي بالافتراء على الله، ولكنهم ينكرون أشد الإنكار أن يبعث الناس، بعد أن يصيروا عظاما ورفاتا. وفي الآية الكريمة إعجاز من إعجاز القرآن الكريم، يحتاج الوقوف عليه إلى شىء من النظر الخاشع بين يدى هذا الجلال المشرق من سماوات الحق..

стр. 4085

ففى الآية الكريمة ثلاثة مفاهيم لموقف واحد.. هو موقف المشركين من يوم القيامة.. فالمشركون وإن كانوا على موقف واحد من إنكارهم للبعث، فإنهم في إنكارهم ليسوا على صورة واحدة.. إذ يكاد يكون لكل منكر للبعث تصور خاص به، ومفهوم استقلّ به، وأقام إنكاره للبعث عليه. ولتصوير هذه التصورات، وتلك المفاهيم في جميع مستوياتها، وعلى اختلاف منازلها، ينبغى أن يكون لكل إنسان صورة خاصة به، ووصف محدّد له.. ولكن هذا أمر لا يضبط، بل يقع موقع الاستحالة المطلقة.. ولو أنه ضبط، لما كان له كبير قيمة في كشف الموقف العام للمشركين المكذبين بهذا اليوم، إذ ما أكثر الصور المتشابهة المتكررة، التي لا يكاد يلمح فيما بينها فرق، إلا تحت النظر «الميكرسكوبى» . وإذن، فالعمل الذي يجدى في هذه الحال، هو ضبط هؤلاء المكذبين فى مجاميع، كل مجموعة تمثل اتجاها معينا له صفته، وله وجهه في هذا المقام.. وهذا هو الذي فعله القرآن في هذه الآية. فقد قسم المكذبين بيوم البعث، حسب مشاعرهم له- إلى ثلاث مجموعات، كما نرى في الآية الكريمة: «بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ» . فالمجموعة الأولى، تأخذ علمها عن الساعة من مدلول النظر العقلي المجرد، دون التفات إلى عالم الغيب، الذي تحتجب وراء ستره أمور كثيرة.. منها البعث، والقيامة.. فمن لا يؤمن بعالم الغيب، لا يهديه عقله وعلمه إلى الإيمان بيوم

стр. 4086

القيامة.. وهؤلاء هم العلماء الذين يحتكمون إلى العقل وحده، وعلى الحجج الاستدلالية التي ينقض بعضها بعضا. والمجموعة الثانية، هى التي تخرج من المجموعة الأولى- بعد تضارب الحجج في عقولها- إلى التوقف والشك. والمجموعة الثالثة، هى التي لم ترفع رأسها للبحث والنظر، ولم تفتح قلبها للإيمان والتسليم، بل هي في شغل وغفلة بما هي فيه، من حياة مادية، لا ترتفع كثيرا عن حياة الأنعام. قوله تعالى: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ؟. لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» . هذا هو موقف المشركين من البعث وما وراءه.. إنه الإنكار الغليظ له، وإنه الجدل العنيف فيه.. ولم يجادل المشركون في الله، ولم ينكروا ألوهيته.. ولكنهم ينكرون أشد الإنكار أن يبعثوا.. والاستفهام هنا إنكارى، إذ يرون استحالة عودتهم إلى الحياة مرة أخرى، بعد أن يصيروا عظاما نخرة، ورفاتا بالية.. ثم يستدلون على مقولتهم تلك، بما هو واقع مشاهد.. فهؤلاء آباؤهم وأسلافهم الذي مضوا من قرون طويلة- قد وعدوا بالبعث.. فأين هم الآن؟ وأين البعث الذي وعدوا به!. «إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» .. أي ما هذا القول إلا من خرافات قديمة، وأساطير بالية!

стр. 4087

قوله تعالى: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ» . هو تهديد لهؤلاء المشركين المكذبين بيوم الدين، وأنهم بتكذيبهم هذا قد انتظموا في سلك المجرمين، وحق عليهم ما حق على المجرمين من بلاء وعذاب! .. قوله تعالى: «وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ» . هو عزاء للنبى الكريم، فى قومه هؤلاء الذين أجرموا، والذين حق عليهم العذاب.. فليدعهم النبيّ لمصيرهم المشئوم هذا، وليخل نفسه من لذعات الأسى والحزن عليهم.. فإنهم ليسوا من أهله.. إنهم عمل غير صالح. وفي هذا العزاء تهديد آخر للمشركين، وتحقيق للعذاب الواقع بهم، واستحضار له، حتى لكأنه وقع بهم فعلا، وإن النبي ليجد الأسى عليهم، ويتقبل العزاء فيهم!! وقوله تعالى: «وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ» - هو تسرية عن نفس النبي، لما كان يجد من ضيق، لما يرميه به قومه من أذى، وما يدبرون له من كيد.. فالله ناظر إليه، ومؤيد له، وآخذ بيده إلى طريق النصر والعزة.. ولله ولرسوله وللمؤمنين قوله تعالى: «وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»

стр. 4088

وهذا الاستفهام إنكارى، يقوله المشركون في استهزاء وسخرية واستنكار: «متى هذا الوعد؟» أي متى يوم البعث الذي تعدنا به، وتهددنا بما نلقى من عذاب فيه؟ .. فقد استبعدوا أولا أن يكون في الإمكان بعث الأموات من القبور بعد أن تتحلل أجسادهم وتضيع في التراب.. فقالوا ما حكاه القرآن عنهم في الآيات السابقة: «لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» ثم هم ثانيا يؤكدون هذا الإنكار بمنطق سقيم، وهو أنه لو كان فى الإمكان بعث الموتى، فما الضرورة لبعثهم؟ إنهم كانوا أحياء في هذه الدنيا، فلم يموتون ثم يبعثون، إذا كان من بعثهم حكمة؟ ألا كان خيرا من هذا أن يظلوا أحياء إلى ما شاء الله، بدلا من أن يميتهم الله ثم يحييهم؟ فلم الموت ثم الحياة، إذا كانت نهاية الإنسان هي الحياة؟ ثم يسلمهم هذا المنطق السقيم إلى القول، بأنه لو كان البعث ممكنا، وكان لهذا البعث حكمة- فلم لم يقع هذا البعث ولو مرة واحدة في حياة الإنسانية، منذ آلاف السنين؟ .. إنه لو كانت البعث أمرا سيقع- مع التسليم بإمكان وقوعه- لما قطعت الإنسانية هذه الآماد الطويلة من حياتها على هذه الأرض، ولما غيب الثرى هذه الأعداد التي لا حصر لها من أجيال الناس!! فمتى يأتى هذا اليوم؟ .. إنه وعد كاذب، وسلاح خادع يتهددنا به محمد!! وفي هذا يقول شاعرهم: حياة ثم موت ثم بعث ... حديث خرافة يا أم عمرو!! وفي قولهم «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» - مواجهة للنبى والمؤمنين، بهذا الإنكار المتحدّى.. فهم لا يلقون النبي وحده بهذا التحدي الساخر، وإنما يلقون به

стр. 4089

النبي، وكل من آمن به، ودان بيوم البعث وعمل له.. إنهم يبشرون في الناس بأن لا بعث، وينشرون فيهم هذا المعتقد الفاسد، حتى يكثر الواردون معهم على مراتع الحياة الدنيا.. «يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ» (١٢: محمد) قوله تعالى: «قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ» هو ردّ على هؤلاء المشركين المنكرين ليوم البعث، الساخرين بالمؤمنين به.. وقد أعطى الله سبحانه نبيه الكريم هذا الجواب الذي يجيب به على سؤالهم المتهكم المنكر.. وهو جواب يحمل إليهم نذر هذا اليوم، ويذيقهم جرعات من بعض العذاب المعدّ لهم فيه.. وقوله تعالى: «عَسى» هو يقين واقع، لا رجاء متوقع.. فما يعد الله به فهو واقع لا شك فيه، على أية صورة جاء عليها الوعد.. وإنما جاء هذا الوعد في صورة الرجاء، استهزاء بالمشركين المكذّبين، ليقابل استهزاءهم الذي جاء في هذا الاستفهام الإنكارى في قولهم: «مَتى هذَا الْوَعْدُ» ؟ .. ثم هو مطاولة لهم في طغيانهم، وإملاء لهم فيما هم فيه من تكذيب. وقوله تعالى.. «رَدِفَ لَكُمْ» أي وقع لكم، وعلق بكم، بعض هذا العذاب الذي تنكرونه وتستعجلونه.. ولكنكم لا تشعرون به، لأنكم فى غمرة من جهلكم وضلالكم.. وأصل الرّدف: ما يجىء في عقب غيره.. ومنه الرديف، وهو من

стр. 4090

يركب خلف الراكب.. ومنه سمى الرّدف، وهو مؤخّرة الإنسان، وجمعه أرداف.. وفي التعبير بالفعل «ردف» دون غيره من الأفعال التي بمعناه.. ما يشير إلى أمور.. منها: أولا: أن هذا العذاب سيجيئ من وراء ظنونهم، ويقع من حيث لا يتوقعون.. كما يجىء الرديف من الخلف، وكما يقع الرّدف من وراء.. وثانيا: أن الرّدف، أو الرديف، يلتصق بصاحبه.. وأن هذا العذاب هو ملتصق بهم، وممسك بكيانهم، لا يفلتون منه أبدا. وثالثا: أن الردف، أو الرديف، هو عبء ثقيل، قد يبهظ المتعلق به.. وهذا العذاب المعجّل لهم في الدنيا، سيلاقون منه بلاء وشدّة.. وقوله تعالى: «بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ» .. هو إشارة إلى ما سيحل بالمشركين من خزى في الدنيا، ومن خذلان في مواقع القتال بينهم وبين المسلمين، حتى تضيق عليهم الأرض بما رحبت، ويدخل عليهم الرسول والمؤمنون مكة فاتحين.. إنه بعض العذاب الملتصق بهم.. وهو قليل من كثير.. مما يلقاه أهل الضلال في الآخرة. وقوله تعالى: «وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ» . هو إشارة إلى ما يسوق الله إلى الناس من فضل وما يمدّهم به من نعم.. وإن من أجلّ هذه النّعم، رسوله المبعوث إليهم، وآياته التي يتلوها عليهم، ولكنّ أكثرهم يلقون هذه النعم بالجحود والكفران.. وفي إضافة النبي الكريم إلى ربّه، بهذا الخطاب الذي يفرده فيه وحده

стр. 4091

فى هذا تكريم للنبى، واحتفاء به، والتفات إليه بعين العناية والرعاية. قوله تعالى: «وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ» . هو تهديد للمشركين، وأنهم لن يفلتوا من يد الله، ولن يخلصوا من عذابه لما هم فيه من كفر وضلال، يمتلىء به صدورهم، وتنطق به ألسنتهم، وتتشكل منه أعمالهم.. والله سبحانه يعلم ما يخفون وما يعلنون.. فأين يذهبون؟ وفي تكرار الإضافة للنبى إلى ربه وبضمير الخطاب لله لا بضمير الغيبة- فى هذا توكيد لهذا التكريم للنبيّ وإيناس له في حضرة ربّه.. قوله تعالى، «وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» ذلك هو بعض علم الله، الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.. فما من غائبة تغيب عن علم كل عالم في الأرض أو في السماء، إلا ويعلمها الله، لأنها مودعة في كتاب مبين من قبل أن توجد.. كما يقول سبحانه: «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» (٢٢: الحديد) . قوله تعالى: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» . مناسبة هذه الآية لما قبلها وما بعدها من هذه الآيات، هى أن بنى إسرائيل كانوا في نظر المشركين أصحاب علم، وأهل كتاب، وكانوا يسمعون منهم، ويتلقون عنهم كثيرا من الأخبار.. فلما جاء القرآن الكريم، وحمل

стр. 4092

إليهم كثيرا من أخبار الأولين، وعرض عليهم صورا من الحياة الآخرة. والحساب، والجنة والنار، ورأوا فيما سمعوا من آيات الله كثيرا من وجوه الاختلاف مع ما كانوا قد سمعوه من اليهود- لمّا كان هذا، وقع في نفوس المشركين أن النبيّ إنما يأخذ من تلك الأخبار التي عند اليهود، وينقلها نقلا مضطربا، يخالف فيه الأصل الذي أخذ منه، ولهذا جاء قوله تعالى: «وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» ثم جاء قوله تعالى: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» ليلفت هؤلاء المشركين إلى علوّ هذا القرآن، وإلى أنه هو الذي يصحح لبني إسرائيل ما أحدثوا في الكتاب الذي بين أيديهم، من تحريف وتبديل، حتى وقع بينهم هذا الاضطراب والاختلاف، لأنه من علم الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.. هذا، ولم يكن القرآن الكريم قد اتّجه إلى أهل الكتاب بعد، فى هذا الدور من الرسالة الإسلامية، ولم يكن لقى اليهود لقاء مباشرا.. فكانت هذه الآية إشارة إلى أن القرآن لم يجىء للمشركين وحدهم، وإنما جاء كذلك إلى أهل الكتاب، ليصحح ما دخل على هؤلاء وهؤلاء من أباطيل، أفسدت العقيدة، وغيّرت معالم الحق فيها.. وأكثر ما اختلف فيه بنو إسرائيل مقولاتهم في المسيح، وأنه ابن زنا، وأنه ابن يوسف النجار، وأنهم صلبوه.. فجاء القرآن الكريم يقرر أن المسيح عبد الله ورسوله، وأنه نفخة من روح الحق، وأنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم.. ومما اختلف فيه اليهود والنصارى قولهم: «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ» فجاء القرآن يكذب هذا الادعاء. فقال تعالى لنبيه: «قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ» (١٨: المائدة)

стр. 4093

ومن ذلك أيضا قولهم في الأطعمة التي حرمها الله عليهم، نكالا بهم، وإصرا عليهم، وادعاؤهم أن هذه الأطعمة إنما حرمت على آبائهم الأولين، قبل أن تنزل التوراة، وأنها شريعة، وليست عقوبة.. وقد كذبهم القرآن فى هذا، فقال تعالى: «كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ.. مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ.. فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (٩٣- ٩٥: آل عمران) . ففى قوله تعالى: «فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» - هو دعوة إلى اليهود أن يخرجوا.. هذا الإصر المضروب عليهم، وذلك بأن يدينوا بالإسلام الذي هو ملة إبراهيم، وبغير هذا فيكون ما حرم عليهم من طعام، هو نكال بهم، لا يرفع عنهم أبدا.. والطعام الذي حرمه الله على اليهود خاصة، عقابا لهم، هو ما أشار إليه في قوله: «وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» (١٤٦- ١٤٧: الأنعام) . ومن ذلك افتراؤهم على الله، بأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، وأنهم مهما فعلوا من منكرات وآثام، فلن يمسهم من عذاب الله إلا هذا العذاب الهين، الذي لا يتجاوز مداه أياما معدودات، فكذبهم الله بقوله: «وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً

стр. 4094

فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» (٨٠- ٨١: البقرة) . وهكذا جاء القرآن يقصّ على بني إسرائيل، ويكشف لهم مفترياتهم على الله، وما خالفوا فيه شريعته، وكان موضع خلاف بين أهل العلم، فيهم.. قوله تعالى: «وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ» . إشارة إلى هذا القرآن، وما تحمل آياته من الحق والهدى.. وأن الذين يؤمنون به من المشركين، ومن أهل الكتاب، سيجدون الهدى مما هم فيه، من زيغ وضلال، واختلاف. قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ» . وإذ كان القرآن الكريم هو الحق، فإن من ينحرف عنه سيضل، ومن ضل فإنما يضل على نفسه، وسيقضى الله فيه بحكمه، ويأخذه بعد له: «وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ» العزيز الذي لا يخرج عن سلطانه أحد، العليم، الذي لا يغيب عن علمه ما يعمل الظالمون.. الآيات: (٧٩- ٨٥) [سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧٩ الى ٨٥] فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥)

стр. 4095

التفسير: قوله تعالى: «فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ» . هو تثبيت لقلب النبيّ صلّى الله عليه وآله، وتوثيق للصلة التي بينه وبين الكتاب المنزل عليه، وأن ما يلقى به اليهود إلى المشركين من تلبيسات، يحاجّون بها النبيّ، ويدخلون بها الشك في قلوب الضعفاء- لا ينبغى أن يلتفت إليه النبيّ، ولا أن يعطيه شيئا من التوقير والاحترام- على اعتبار أن ذلك من واردات الكتاب السماويّ الذي في أيدى اليهود.. فهذا الكتاب قد عبث به اليهود، وغيّروا معالمه، وقد جاء القرآن الكريم بالحق المبين، الذي يكشف مفتريات القوم، ويفضح أكاذيبهم: «إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» . وإذن فليمض النبيّ في طريقه، متوكّلا على ربّه، غير ملتفت إلى تلك المقولات التي في أيدى اليهود، أو على ألسنة المشركين الذين أخذوها عنهم.. فهو على هدى وبصيرة من ربّه، وعلى صراط مستقيم بهذا الكتاب الذي بين يديه.. وليس عليه من أمر هؤلاء المعاندين المخالفين شىء..

стр. 4096

قوله تعالى: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» . هو تحريض للنبيّ على المضيّ في طريقه، غير ملتفت إلى أهل آراء والخلاف.. وغير آسف على ما يوردهم به هذا المراء والخلاف من موارد الهلاك والبلاء.. فإنهم موتى، إذا نودوا لا يسمعون، وإنهم صمّ، لا تقع الكلمات على آذانهم إلا كما تقع على الحجر الأصمّ.. وفي تشبيه القوم بالأموات، وفي وصفهم بعد ذلك بالصمم- إشارة إلى أنهم درجات في الإعراض عن آيات الله. فمنهم من لا يستمع إلى آيات الله أبدا، ولا يدنو من صوت يرتل كلمات الله، خوفا على نفسه أن يقع تحت تأثيرها، فهو يهرب منها، ويقيم على نفسه حجابا بينه وبينها.. وهذا هو والميت سواء بالنسبة لما يتلو الرسول من قرآن.. ومنهم من يسمع القرآن، لا ليتدبّر آياته، ولا ليعرض ما يسمع على عقله، وإنما ليقع على كلمة، يدبرها على غير وجهها، ويتخذ منها مادة للهزء والسخرية.. فهو بهذا أصمّ، وإن كان ذا أذنين يسمعان! وقوله تعالى: «إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» - هو شرط لإفادة الحكم بعدم سماعهم، وهو- فى معناه- قيد وارد على هذا الحكم، أشبه بالحال.. أي أنهم لا يسمعون ما يلقى إليهم وهم يولّون مدبرين.. والسؤال هنا: كيف يكون عدم سماعهم مقيدا بهذا القيد، وهم صمّ، والأصمّ لا يسمع مطلقا، سواء أقبل أو أدبر؟ والجواب على هذا- والله أعلم- أن الأصم وإن كان لا يسمع بأذنيه، فإنه إذا أقبل على محدثه، ربما فهم عنه بالإشارة، وربما قرأ على حركة شفتيه

стр. 4097

بعض الكلمات، فوقع له من هذا وذاك شىء من الإدراك والفهم.. وهؤلاء القوم قد ولوا على أدبارهم، وأعطوا ظهورهم لما يتلى عليهم، فلم يسمعوا شيئا، وهذا فى آذانهم من وقر، ولم يروا شيئا وقد أعطوا ظهورهم لما يلقى إليهم! قوله تعالى: «وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ» . فقوله تعالى: «وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ» - هو استكمال للوصف الذي عليه هؤلاء المشركون وأمثالهم.. فهم أموات، وإن كانوا في الأحياء، وهم صم وإن كانوا في السامعين، وهم عمى وإن كانوا في المبصرين.. «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» (٤٦: الحج) وفي تعديه اسم الفاعل: «يهادى» بحرف الجرّ «عن» بدلا من حرف الحجر «من» الذي يتعدى به الفعل، فيقال هداه من ضلاله- فى هذا إشارة إلى أن هدى القوم لا يكون بأضواء الحق، وأنوار المعرفة، فهذه معنويات تهتدى بها العقول السليمة، وتستضىء بها البصائر المبصرة.. أما هؤلاء القوم، فقد غابت عقولهم، فانطمست بصائرهم، وأصبحوا في عداد الحيوان، الذي يقاد من مقوده، حتى يستقيم إلى الطريق.. ومن هنا ضمّن اسم الفاعل «هاد» معنى «حاجز» أو «مبعد» - الأمر الذي يكون بمعالجة حية، وبقهر مادى.. وهذا ما ليس من رسالة الرسول. الذي تقوم دعوته على الحكمة، والموعظة الحسنة، كما يقول له الحق جل وعلا: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (١٢٥: النحل) وفي قوله تعالى: «إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ» تحديد

стр. 4098

لهمة الرسول، وبيان لمنهج دعوته، وهو أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه، وأن يسمع الذين إذا سمعوا ودعوا واستجابوا.. و «إن» هنا نافية بمعنى «ما» .. أي ما يبلغ تبليغك إلا أسماع أهل السلامة والعافية في عقولهم وقلوبهم- فهؤلاء إذا سمعوا وجدوا لما يسمعون جوابا حاضرا، فى أنفسهم.. وهو التسليم، والإسلام.. وقوله تعالى: «إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا» أي لا يسمع هذه الآيات إلا من كان عنده استعداد لتقبل الحق، والاهتداء بالهدى إذا التقى به. وقوله تعالى: «فَهُمْ مُسْلِمُونَ» جملة من مبتدأ وخبر، والفاء للسببية، أي أنهم يسمعون كلام الله، ويملئون به عقولهم وقلوبهم، لأنهم مسلمون بالفطرة، وبما عندهم من استعداد للإيمان.. أما من فسدت فطرته، فإنه لن يسمع، وإن سمع لا يعقل! قوله تعالى: «وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ» . (الدابة التي تكلم الناس.. ما هى ؟) اضطرب المفسرون في تفسير هذه الآية، وأكثروا من المقولات في هذه الدابة، وفي أوصافها العجيبة، وفي كيفية نطقها، وفيما نطقت به.. وهل يكون ذلك في الدنيا أم في الآخرة.. فهم يقولون إنها من أشراط الساعة، ويذكرون لذلك أحاديث تنسب إلى النبي صلّى الله عليه وآله.. ويقولون إنه يخرج في كل بلدة دابة، مما هو مبثوث من نوعها في الأرض.. وفي أوصافها.. يقولون: إنها

стр. 4099

من الإنس، وينسبون إلى على كرم الله وجهه أنه سئل عنها فقال: «أما والله إنها ليست بدابة لها ذنب، ولكن لها لحية «١» » ! ويقولون: إنها الحية التي كانت في جوف الكعبة وخطفتها العقاب حين أرادت قريش بناء البيت الحرام.. ويقولون رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل «٢» ، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرة، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير.. بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا.. ويزيد ابن جرير على ذلك، أنها بذراع آدم ﵇..!! وهكذا تجمع في الدابة جميع الحيوانات، ومختلف الدواب! ويروى عن أبى هريرة أن فيها من كل لون، وما بين قرنيها فرسخ للراكب.. ويروى عن ابن عباس أن لها عنقا مشرفا، يراها من بالشرق، كما يراها من بالغرب! .. وعشرات من الأخبار، والأحاديث، غير هذا، بحيث يجتمع منها متحف، يضم أروع وأعجب ما وقع عليه الخيال. وهذه المقولات في كثرتها، وتناقضها، توقع الحيرة والبلبال، فما يدرى المرء ماذا يأخذ منها، وماذا يدع؟ ولو أنه اقتصر منها على مقولة واحدة، مهما كانت غرابتها، وإغراقها في الخيال- لكان ذلك- على ما فيه- أقرب

стр. 4100

إلى السلامة من التخبط بين هذه المقولات التي يلطم بعضها وجه بعض. ولو أننا نظرنا إلى الآية الكريمة، نظرا مقاربا، دون شدها إلى أودية الغرائب والعجائب، لرأينا أنها لا تحمل شيئا تستخرج منه هذه المقولات، ولا تحتمل شيئا يساق إليها مما قيل.. فالآية الكريمة ترسم مع الآيات التي قبلها، صورة واضحة الألوان والظلال لأولئك المشركين، الضالين، الذين ماتت مشاعرهم، وعميت أبصارهم وصمّت آذانهم.. فلا يعقلون، ولا يبصرون، ولا يسمعون شيئا مما يتلى عليهم من آيات الله.. فهكذا صورتهم الآيتان في قوله تعالى لنبيه الكريم: «فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا.. فَهُمْ مُسْلِمُونَ» «٥٢- ٥٣: الروم» وهنا في هذه الآية تكتمل الصورة، حين تصل حياتهم الجارية في ريح الأمن والسلامة، بحياتهم التي يطرقهم فيها طارق الموت.. وفي هذه الحالة ينكشف لهم كل شىء.. وإذا عقولهم عاقلة، وآذانهم سامعة، وعيونهم مبصرة.. كما يقول الله تعالى: «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا، فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» . «٢٢: ق» ففى هذا الوقت ينكشف الغطاء عن الحق الذي ضلوا عنه، وإذا دواب الأرض تنطق، وإذا هم يفقهون حديثها، ويفهمون نطقها، وكانوا في دنياهم قد عجزوا عن أن يفقهوا أو يفهموا ما تحدثهم به آيات الله بلسان عربى مبين.. وفي هذا يقول الله تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» (٥٣: فصلت) .
следующие страницы →