التفسير:
قوله تعالى:
«وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ.. إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ» .
هنا تنقلنا الآيات نقلة بعيدة، بين موسى وقد احتواه صدر أمه مرة أخرى بعد أن ضمّ إلى بيت فرعون، وبين موسى وقد أصبح رجلا مكتمل الرجولة، يأخذ مكانه بين الرجال..
وقد تركتنا الآيات السابقة مع وعد من الله ، قد حققه لموسى، بعد أن بلغ أشدّه واستوى.. ولكن الإخبار بتحقيق هذا الوعد، كان أشبه بختام القصة، وإذا بنا هنا نجده خيطا مشدودا من خيوط هذه القصة، قد طويت له الأحداث ليبرز في هذا الموقف الذي رأينا فيه موسى، الطفل، وقد عاد إلى أمه بعد أن ألقت به في اليمّ، ولكنّا لا نراه يعود إليها وحده، وإنما يعود ملففا برداء هذا الوعد الكريم، الذي وعدت به أمه من الله ، فى قوله جل شأنه: «إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» ..
وها هو ذا يعود إلى أمه وهو يحمل في كيانه، الحكم والعلم..
قلنا إن أحداثا كثيرة طويت، منذ التقى الطفل بأمه إلى أن رأيناه هنا يدخل المدينة، ثم يدخل في صراع ينتهى بقتل إنسان!
стр. 4132
وما أغرب تصاريف القدر.. ينجو موسى من القتل.. ثم ها هو ذا يمد يده بالقتل! ومن يدرى؟ فلعل هذا القتيل كان هو الذي انتشل موسى من اليم!! قوله تعالى: «وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها» .. اختلف المفسرون في هذه المدينة، ما هي بين مدن مصر القديمة؟ على أن هذا الخلاف لا يعنينا، وحسبنا أنها مدينة فرعونية، وفي تعريفها، إشارة إلى أنها مدينة المدن، أي العاصمة..
أما كيف دخلها موسى.. وهل كان خارجها حتى يدخلها؟ وإذن فأين كان؟ هل كان قد ترك فرعون، وعاش بعيدا عن عاصمة ملكه؟ قد يكون! كما قد يحتمل أن فرعون كان يعيش في قصره، بعيدا عن المدينة، منعزلا به عن عامة الناس! وعلى أيّ فإن «موسى» قد دخل المدينة دخول من كان بعيدا عنها فترة من الزمن..
وهنا سؤال: لماذا يدخل موسى المدينة في غفلة من أهلها؟ هل كان هناك ما يحول بينه وبين دخولها؟ وهل كان مطلوبا لفرعون أو غيره لجناية جناها؟
يذهب المفسرون في هذا مذاهب شتى، ويلقون بكل ما يمكن أن يفترضه العقل في طلب علة لهذا الدخول المتخفى، تحت غفلة الأعين عنه..
والرأى عندنا- والله أعلم- أن المراد بغفلة أهل المدينة، هو غفلتهم عن موسى، وعن أنه الابن المتبنى لفرعون.. ولعله كان متخفيا ليدارى صفته تلك، حتى لا يلفت إليه الأنظار، التي تتعلق دائما، بالسلطان، وبحاشية السلطان!
стр. 4133
وفي أثناء سير موسى في المدينة، وجد فيها رجلين يقتتلان.. أحدهما إسرائيلى «من شيعته» والآخر مصرى «من عدوه» .. إذ لا شك أن موسى كان يعرف أنه إسرائيلى، كما لا شك في أنه كان يعرف الإسرائيليين، بسماتهم وبزيهم الذي فرضه فرعون عليهم..
وقد استثار موسى هذا المشهد الذي كان بين المصري والإسرائيلى..
فالإسرائيلى كان تحت يد قاهرة، لعلها كانت يد أحد أصحاب السلطان، التي تلهبه بالسياط.. ولم يطق موسى صبرا على هذا الذي يراه بعينيه، من إنسان يضرب إنسانا في غير مبالاة.. فدخل بين الرجلين، ليدفع عن الإسرائيلى هذه اليد التي تسومه سوء العذاب.. وطبيعى أن يتصدى المصري لموسى، وأن يعدّ ذلك فضولا منه بالتدخل فيما لا يعنيه.. فكان بين الرجلين- موسى والمصري- شدّ وجذب، بل ربما مد المصري يده إلى موسى، «فَوَكَزَهُ مُوسى» أي دفعه بقبضة يده- وهو لا يريد قتله- وإذا الرجل يسقط على الأرض ميتا!! ويتحرك موسى سريعا، ويخلص بنفسه، دون أن يعرف أحد من جنى هذه الجناية ويرجع موسى على نفسه، يلومها أن قتل نفسا يغير نفس، ويرى أن ما فعله لم يكن إلا عملا ما كان له أن يفعله.. إنه «مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ.. إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ» .. ولا يجد موسى غير الله، يبرأ إليه من نفسه، ويطلب الغفران مما جنت يداه..
«قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي، فَغَفَرَ لَهُ.. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» إنه وإن يكن قتل «خطأ» ، فهو على كل حال ذنب، وذنب عظيم في حق من هو مرشح للنبوة.. ولكن مغفرة الله فوق كل ذنب وإن عظم، لمن تاب، وأخلص التوبة وطلب المغفرة: «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ
стр. 4134
نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً»
(١١٠: النساء) قوله تعالى:
«قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ» يرى المفسرون أن النعمة التي يشير إليها موسى، والتي يرتب عليها هذا العهد الذي قطعه على نفسه، هو قبول توبته، ومغفرة ذنبه.. وهذا بعيد..
لأن موسى لم يكن قد أوحى إليه بعد.. فمن أين يعلم أن الله قد غفر له؟
ولعل الأولى من هذا، أن يقال إن النعمة التي يشير إليها موسى، هى ما وجده في نفسه من هذه القوة الجسدية، التي استطاع بها أن يقتل رجلا بدفعة يده.. فهو بهذه النعمة التي أنعم الله بها عليه يملك قوة خارقة، وإنه ينبغى- لكى يرعى هذه النعمة، ويؤدى حق شكرها لله- ألا يستخدمها إلا في الخير، وألا يظاهر بها الأشرار المعتدين، وهذا ما يشير إليه قوله: «فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ» ! هذا، وفي مجريات الأحداث إلى غايتها التي ستنتهى إليها، نرى أن قتل المصري هنا، هو قوة دافعة إلى تلك الغاية، وأنها ستدفع بموسى للخروج من مصر إلى أرض مدين، حيث يقضى هناك عشر سنين أو نحوها، فى كنف نبى كريم من أنبياء الله، هو شعيب ﵇، فتكون تلك السنون إعدادا روحيا له، حتى يؤهل لحمل الرسالة السماوية التي تنتظره! قوله تعالى:
«فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ.. فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ.. قالَ لَهُ مُوسى.. إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ» .
стр. 4135
خرج موسى يسير في طرقات المدينة، يتحسس أخبار الفعلة التي فعلها بالأمس، ويتسمع حديث الناس عنها، وعمن فعلها، وذلك ليستوثق أنه غير مطالب بما حدث.. وتلك غريزة تدفع بمرتكب الجريمة أن يحوم حولها، كما يقرر ذلك علماء الإجرام.. وإلا فماذا كان يحمل موسى على البقاء في المدينة؟
ألا يخرج منها كما دخل إليها، دون أن يشعر به أحد؟.
- وقوله تعالى: «خائِفاً يَتَرَقَّبُ» - تصوير لما كان يلبس موسى من خوف واضطراب..
- وفي قوله تعالى: «يَتَرَقَّبُ» - إشارة إلى أنه كان يتطلع إلى وجوه الناس، ويستقرىء ما قد تكون تركت عليها الحادثة من آثار!.
ومع هذا الهمّ الذي يعالجه موسى، تفجؤه الأحداث بما لم يكن يقع فى الحسبان.. لقد رأى الإسرائيلى، الذي حمله هذا الوزر، وساقه إلى هذا الموقف- رآه في حال كتلك الحال التي رآه عليها بالأمس.. رآه مشتبكا مع مصرى في صراع غير متكافىء.. ثم ما إن رأى الإسرائيلى موسى حتى علا صراخه، طالبا الغوث والنجدة.. «فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ» أي يستغيث به.. وينظر موسى إلى الإسرائيلى بعين المغيظ المحنق، ويتمثل فيه الشيطان الذي رأى أنه هو الذي أوقعه فيما وقع فيه بالأمس، وقال عنه: «هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ» وهنا يلقى الإسرائيلى بقوله: «إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ» .. وهكذا يضع القدر بين يدى موسى صورة مصغرة لما سيكون بينه وبين بني إسرائيل، تنعكس على مرآة ما كان بينه وبين هذا الإسرائيلى..
لقد خلّص موسى «الإسرائيلى» من يد القوة الباغية التي كان يئن تحت ضرباتها.. ثم ها هو ذا الإسرائيلى، يلتحم من جديد في معركة، ويريد أن يدفع موسى إلى مثل ما دفعه إليه بالأمس، فيقتل مصريا آخر كما قتل مصريا بالأمس..
стр. 4136
ثم بعد سنوات سيخلّص موسى بني إسرائيل جميعا من يد فرعون، ويخلع عنهم ثوب الذّلة والهوان الذي ألبسهم إياه فرعون.. ولكنهم لا يكادون يخرجون من هذا البلاء، وينسمون أنسام العافية، حتى يديروا ظهورهم إلى موسى، وحتى يرجموه بكل ما انطوت عليه نفوسهم من خبث ومكر، فيرميهم الله سبحانه بالتّيه أربعين سنة في الصحراء، ويضربهم بالذلة والمسكنة..
هكذا القوم، يفسدهم الإحسان، وتبطرهم النعمة، فيلدغون اليد التي تطعمهم، وينفثون سمومهم فيمن يحسن إليهم! ومن يدرى؟ فلعل الإسرائيلى تبع موسى بالأمس بعد أن تخلّص من المصري القتيل، وعرف من هو.. ثم ظل يتبع خطاه، حتى كان صباح اليوم الثاني، فلما رأى موسى اصطنع اشتباكا بينه وبين أحد المصريين، وذلك عن نية مبيتة، وتدبير مقصود، كما سنرى.
قوله تعالى:
«فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ.. إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ» .
لم نجد عند المفسّرين مفهوما لهذه الآية، نطمئن إليه، ونجد فيه هذا التجاوب والانسجام بين آيات القرآن الكريم وكلماته..
والمقولة التي تكاد تلتقى عندها الآراء، هى أن الإسرائيلى، حين استصرخ موسى، ثم سمع من موسى قوله له: «إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ» توقع الشر من موسى..
ثم إن موسى لما اتجه إليهما، يريد أن يبطش بالمصري، ظن الإسرائيلى أنه يريد البطش به هو بعد أن رماه بقوله: «إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ» - وهنا صرخ في وجه موسى: «يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ؟ ..»
стр. 4137
وهذا قول يمكن أن يقال، لو أن أحداث القصة كانت تجرى على المستوي البشرى المحدود، ولكن- وكما رأينا، وما نرى- تجرى الأحداث في آفاق عالية، بعيدة عن المستوي الإنسانى، تقديرا، وتدبيرا..
ونحن بهذا النظر إلى وضع القصة، فى هذا المستوي العالي، ننظر إلى أحداثها.. وهنا نرى التلاحم والتجاوب بين مجريات الأحداث، فلا تخلخل، ولا تفاوت ولا تصادم، بين حدث وحدث.. فى اجتماعها، وافتراقها..
على السواء.
(موسى.. والقتيل الذي قتله)
وهنا نعرض مفهومنا للآية الكريمة، وهو رأى ننفرد به، ونسأل الله أن يكون صوابا.. فنقول: رأينا في الآيات السابقة، أن حدثا عارضا عرض لموسى، وهو يدخل المدينة متخفيا، ولا يعرف أحد شخصه.. حيث لقى إسرائيليا ومصريا يقتتلان.. ثم كان أن وكز المصري فقضى عليه.. وهنا ينطلق موسى ناجيا بنفسه.. أما الإسرائيلى فهو بين ثلاثة أمور: إما أن يكون فرّ، ثم أمسك به، ليسأل عن هذا القتيل، الذي كان لا بد أن تصله به صلة ما..
كأن يكون أجيرا عند المصري، أو عاملا تحت يده..
وإما أن يكون قد خاف على نفسه أن يعرف ويتهم بالقتل، فأسرع بالإخبار عن هذا الحدث وبأن مجهولا قبل هذا القتيل.
وإما أن يكون قد سعى متطوعا، ليدل على من قتل هذا القتيل..
وعلى أي فقد تبع الإسرائيلى موسى، وعرف مأواه الذي أوى إليه.. ثم كشف لرجال فرعون عن شخصية القاتل، وأنه موسى.. وهذه دعوى تحتاج إلى دليل عليها..
ثم إنه لكى يقوم هذا الدليل، كان بين الإسرائيلى، وبين رجال فرعون
стр. 4138
هذا التدبير، الذي اصطنعت له هذه المعركة بين الإسرائيلى، وبين مصرى آخر، على نحو ما وقعت عليه حادثة الأمس.. وذلك ليرى ما يكون من موسى حين يرى هذا المشهد، أيخف لنجدة الإسرائيلى، ويعتدى على المصري؟
إنه إن فعل فإن ذلك قرينة قوية على أنه هو الذي فعل فعلة الأمس! وقد كان.. فما أن خرج موسى من مأواه الذي قضى فيه ليلته، حتى وجد الإسرائيلى مشتبكا مع مصرى، وحتى هتف به الإسرائيلى مستصرخا! ..
هذا، وعيون رجال فرعون ترقب من بعيد هذه التمثيلية، دون أن يدرى موسى ما يدير له.. فإنه لم يستطع أن يسكت على هذا العدوان الذي يسوم به الأقوياء الضعفاء سوء العذاب.. وأنه إذا كان الإسرائيلى رجل سوء، فإن ذلك لا يسوغ هذا الظلم الواقع تحته، حتى ليغادى ويصبّح بهذا الضرب المبرح! وإنه إذ يقول للإسرائيلى: «إنك لغوى مبين» يخف لنجدته وخلاصه من يد هذا المستبد به..!
وهنا يقع الصيد في الشبكة! فيلقى المصري موسى بهذه الجريمة التي كان يبحث لها عن متّهم.. فقال: «يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ.. إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ» .. ويفاجأ موسى بهذه التهمة، ويسقط في يده.. وهنا يخرج جنود فرعون.. وقد كشف الإسرائيلى عن شخصية «موسى» ربيب فرعون ومتبناه.. ويكثر الهرج والمرج.. وتصل الأخبار في سرعة خاطفة إلى بيت فرعون.. ويخفّ من بيت فرعون من يحضر هذا المشهد، فيعمل بأسلوب سياسى حكيم، يطفىء به هذه الفتنة، التي تمس فرعون، وتحرج موقفه في رعيته ... إن إسرائيليا يقتل مصريا، هو فوق أنه جريمة قتل، هو جرم غليظ، وسابقة تنذر بالخطر.. ولكن هذا الإسرائيلى هو محسوب على فرعون،
стр. 4139
وفي العدوان عليه حطة بقدر حاشية فرعون، ورجال فرعون.. إن الأمر في غاية الحرج، والمخرج منه على أي وجه إن أرضى طرفا أساء إلى الطرف الآخر..
وإذن فلا بد من معالجته بالحكمة والرفق.. فكان هذا الأسلوب السياسى الحكيم، الذي خرج من قصر فرعون، فى صورة هذا الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى.. إنه كبير من كبار رجال القصر، وقد خلا بموسى، وأسر إليه، أنه سيعمل على إطلاق سراحه، ولكن على أن يفر موسى من مصر، فلا يقع له أحد على أثر.. حتى إذا طلب للمحاكمة كان في عداد المفقودين.. ولا يعجز رجل القصر عن وسيلة يطلق بها موسى من يد الجند، دون أن يعلم أحد.. فهذا أمر من اليسير أن يدبره مع الجند، بعد أن يذهبوا بموسى على أعين الناس، وهو- كما يرون- فى يد الجند، إلى حيث يساق إلى المحاكمة والقصاص..!
واستمع إلى قوله تعالى، عن هذا الرجل، الذي جاء من أقصى المدينة، وقام بهذا الدور الذي رأيناه يقوم به على مسرح الحدث:
«وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى.. قالَ يا مُوسى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ.. فَاخْرُجْ.. إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ» .
وفي هذه الآية تنكشف لنا أمور:
فأولا: أن هذا الرجل جاء من أقصى المدينة.. أي من أطرافها البعيدة..
وهذا يعنى أنه جاء من بيت فرعون، حيث كان فرعون يقيم في ظاهر المدينة، منعزلا بقصره عن الرعية، وهذا يؤيد الرأى الذي ذهبنا إليه في تفسير قوله تعالى: «وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها» .. وقلنا إن التعبير عن وجود
стр. 4140
موسى في المدينة بالدخول، يشير إلى أنه كان يعيش خارجا عنها.. وقلنا إن ذلك كان في قصر فرعون، الذي كان في أطراف المدينة، أو ظاهرها..
وثانيا: أن هذا الرجل جاء «يسعى» أي في عجلة ولهفة، يستبق الأحداث قبل أن تفلت من يده، وتتجه اتجاها غير الذي يراد لها أن تتجه إليه، ثم لا يستطيع التصرف فيها من غير أن تثير دخانا، أو تؤجج نارا..
وثالثا: ما أسرّ به الرجل إلى موسى في قوله تعالى: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ» ، ففى هذا القول، الذي يملأ قلب موسى خوفا وفزعا، تهيّأ المطيّة الذلول التي يطير بها موسى، إلى حيث يختفى من مصر، دون تمهل أو توقف.
ورابعا: فى قول الرجل لموسى: «فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ» تحريض قوى لموسى على الفرار.. وأنه إنما تلقى نصيحة ناصح أمين، يشفق عليه، ويود الخلاص له مما تورّط فيه.. إنها كلمة رجل السياسة دائما.. إنه ناصح أبدا لكل من يتحدث إليه، ولو ألقى به في التهلكة!! أرأيت كيف يقيم لنا هذا الفهم الذي فهمنا عليه الآية منطقا سليما، تستقيم عليه مجريات الأحداث، وتتشكل منها وحدة متكاملة متجانسة، فى حركتها إلى الغاية المقدورة لها؟.
تلك هي آيات الله، وذلك هو بعض ما يرى من وجوه إعجازها المبين.
أما أن يقال إن هذا الرجل الذي جاء يسعى ناصحا لموسى- هو مؤمن آل فرعون، الذي أشار إليه بقوله: «وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ» .. فهو قول مردود، لأن موسى لم يكن قد حمل الرسالة بعد.
стр. 4141
قوله تعالى:
«فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» .
وهكذا يتم هذا التدبير البارع الحكيم.. ويخرج موسى من مصر هاربا.
ولعله كان من تمام التدبير أن يذاع أنه هرب، وأن جنود الملك يجدّون في طلبه، وربما يذاع في الناس أنه قتل بيد الجند على حدود مصر، أو وراء الحدود..
وعلى أيّ فإن الأمر قد سوّى على هذا الوجه، دون أن يثير بلبلة في الخواطر، أو يحرك الألسنة بكلمة تقال في سر أو جهر، فى الملك أو حاشية الملك.
الآيات: (٢٢- ٢٨) [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٢ الى ٢٨]
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)
قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)
стр. 4142
التفسير:
قوله تعالى:
«وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ» .
هنا تنتقل الأحداث نقلة بعيدة، حيث نرى موسى فى «مدين» وهي على أطراف الجزيرة العربية من جهة الشام، وتقع على خليج العقبة في مقابل تبوك.. ذلك، بينما كنا معه منذ لحظة في مصر، وفي أحشاء عاصفة هو جاء، لم يكن أحد يقدّر له الخلاص منها..
وتلقاء مدين، هو اتجاهها، حيث كان وجهه مقبلا إليها..
وفي قوله: «قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ» .. ما يشير إلى أن هذا القول كان مقيدا بالوقت الذي أخذ فيه وجهته إلى مدين.. وهذا يعنى أن موسى لم يدع ربه بهدايته سواء السبيل إلا في هذه الحالة.. وكيف يكون هذا، وموسى- وإن لم يكن نبيا بعد، فإنه كان على دين آبائه، إبراهيم، وإسحق، ويعقوب؟
والجواب، أن موسى كان على ذكر دائم لربه.. وذكر العبد لربه ليس على صورة واحدة.. فتارة يسبح ربه، وتارة يحمده، وتارة يستجير به، أو يستهديه.. أو يستغفره.. إلى غير ذلك من أحوال الإنسان مع خالقه..
فموسى حين قتل المصري: «قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي» .. وسليمان حين رأى عظمة ملكه، وعرض له ملك النملة، قال:
стр. 4143
«رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ» .
وهنا يجد موسى نفسه على طريق غربة، موحشة، لا يدرى إلى أين تسوقه قدماه، ولا ما يلقاه على طريقه من أحداث. إنه في حيرة من أمره، بعد أن خرج من مصر، كما يخرج راكب سفينة غرقت، فألقت براكبيها في الماء، وكان أسعدهم حظا من وضع رجله على اليابسة، ولو كان في مورد الوحوش. إن موسى لم يكن يعرف أن وجهته مدين، وإنما اتخذ الوجهة التي تؤدى به إليها.. وهنا كان دعاؤه إلى ربه أن يهديه سواء السبيل، ويقيم خطوه على طريق الأمن، ويدفع به إلى شاطئ السلامة..
قوله تعالى:
«وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ.. قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ» ..
ماء مدين: هو العين التي يستقى منها أهل مدين..
الأمة: الجماعة من كل حيّ.. من الإنسان أو الحيوان.. وفي هذا يقول الله تعالى:
«وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» (٣٨: الأنعام) وقد غلب استعمال هذا اللفظ على بنى الإنسان..
تذودان: أي تسوقان ماشيتهما، بعيدا عن الماء، حتى يفرغ الناس، وتخلو لهما البئر. وأصله من الذود، وهو الدفع، والذود ما يذاد من الحيوان أي يدفع..
والخطب: الشأن، وغلب استعماله للأمر العظيم المكروه.
يصدر الرعاء: أي يرجعون من وردهم.. والورد. ورود الماء، والصدر.
الرجوع بعد الورد.. والرعاء: جمع الراعي.
стр. 4144
وهنا نجد موسى قد بلغ في مسيرته «مدين» التي كان وجهه إليها- بقصد أو بغير قصد- بعد أن خرج من مصر! وعلى مقربة من المدينة وجد العين التي يستقى منها أهلها.. وهناك كانت جماعات الرعاة ترد الماء، وتستقى منه، وتسقى ماشيتها.. وهذا هو السر في حذف مفعول الفعل «يسقون» ليكون شاملا لكل ما يحتاج إلى سقى من إنسان أو حيوان..
وعلى الماء، لفت نظر موسى، منظر فتاتين، قد انحازتا بماشيتهما مكانا قصيا عن الماء.. وقد عجب لهذا، وبدا له أن يسأل الفتاتين: «ما خَطْبُكُما» ؟
ولم أنتما هكذا بعيدتين عن الماء؟ ألا تسقيان كما يسقى القوم؟.
وليس الأمر على ما قدّر موسى، وإن الخطب لأهون من هذا، فما بين الفتاتين وبين القوم ما يدعو إلى هذه القطيعة البادية لعينيه.. ولكن هكذا كانت الحياة في هذه الجماعة التي يعيش فيها شعيب.. لقد وقفوا من هذا الرجل الصالح، الذي يحمل إليهم دعوة السماء، بتوحيد الله، وبالعدل في الكيل والميزان- وقفوا منه موقف الخصومة، والقطيعة.. فلم يكن لفتاتيه من يمدّ إليهما يدا.. وأبوهما شيخ كبير.. «قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ» ألم تقف قريش من النبي ومن رهطه بنى هاشم وبنى المطلب موقفا كهذا؟ لقد عقد القوم فيما بينهم عقدا على مقاطعة بنى هاشم وبنى المطلب، كما هو معروف في السيرة النبوية..
قوله تعالى:
«فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ، فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» .
стр. 4145
وكرجل ذى مروءة، لم يجد بدا من أن يسقى للفتاتين، وقد شهدتا منه قوة، وعفة.. فلم يعلق نظره بهما، ولم يتبعهما نفسه، بلى سقى لهما..
ثم تولى إلى الظل، حيث كان يجلس من قبل.. وهناك رفع وجهه إلى السماء، يحمد الله أن ساق إليه هذا الرزق الذي وجده فيما أسدى إلى هاتين الفتاتين الضعيفتين من عون، وإحسان.. وإنه لفقير إلى مثل هذه الأعمال الطيبة، ليكفر بها ما كان منه من قتل المصري!! قوله تعالى:
«فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ.. قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» .
هنا أمور جزئية، لم يذكرها القرآن، لدلالة الحال عليها، وأنها، لا بد أن تحدث على صورة ما حسب تصور الذي يتلو آيات الله، أو يستمع إليها.. وهذا من شأنه أن يوقظ شعور المتتبع لأحداث القصة، حتى يملأ هذا الفراغ كما يتصوره.
فمثلا ما كان من حديث ابنتي شعيب إلى أبيهما عن هذا الغريب الذي سقى لهما، وعن حاله التي هو عليها، وعن القوة التي شهدتاها منه، وعن المكان الذي أوى إليه.. ثم ما كان من مداورة الرأى حول الصنيع الذي يصنعونه مع هذا الغريب.. وهل يبعثون إليه بطعام أو يدعونه إلى البيت، ليرى الأب حقيقة ما سمع؟
وعلى أيّ، فقد انتهى الرأى إلى استدعاء موسى، وأن يندب لهذا الأمر إحدى الفتاتين، لا كلتاهما..
стр. 4146
- «فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ» أي في خفر، وحياء، شأن الحصان العفيفة.. وحسبها أنها ربيبة بيت النبوة.
وانظر في قوله تعالى: «تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ» .. يا لله، ويا لروعة كلامه المعجز المبين.. لقد تجسد الحياء، فكان بساطا ممدودا على طريقها إلى موسى.. إنها لا تمشى على الأرض، ولكنها تمشى على حياء، تتعثر فيه قدماها، وتقصر به خطاها، ويضطرب له كيانها..
- «قالَتْ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا» إنها رسول أبيها، الذي عرف موسى من أمره أنه «شيخ كبير» ولو كان في استطاعته أن يسعى إلى موسى لما بعث بابنته إليه، ولجاء إليه بنفسه، يدعوه إلى النزول عنده.. وهو الغريب، الذي لا مأوى له في هذا البلد..
والمراد بالأجر هنا، ليس مجرد الأجر المادي، وإنما هو جزاء إحسان بإحسان، ولقاء معروف بمعروف..
- «فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» .
لقد التقى الرجلان.. موسى وشعيب.. وكان بينهما حديث، أفضى به موسى إلى مضيفه، وعرف المضيف بهذا الحديث من يكون ضيفه، ومن اى بلاد جاء، وما سبب مجيئه.. فلما عرف شعيب ما وقع لموسى من أحداث، آواه إليه، وأمّنه، قائلا: «لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» . فإنك هنا بحيث لا تنالك بد فرعون.
وهنا تظهر الأنثى التي تطلب الرجل الذي تطمع في أن يكون رجلها الذي تحلم به، وتنتظر الأيام تجئ به، ليطرق بابها! «قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ»
стр. 4147
إنه- والله أعلم- ليغلب على الظن، أنها تلك التي بعث بها أبوها لتدعو هذا الغريب إليه.. وها هو ذا قد جاء.. وربما يرحل غدا أو بعد غد.. فلا تدع الفرصة تفلت من يدها، وقد رأت بعين الأنثى في موسى، الرجل الذي هو أهل لها..
«يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ» أي أمسك به عندنا، ولا تدعه يفلت من يديك، وذلك بأن تصله بك بعمل.. فهو خير من يعمل لك، حيث عجزت عن العمل.. «إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ» .. هكذا تكشف لأبيها عن معدن الرجل الذي يستأجره، وأنه في الرجال يتزين بأجمل صفتين: القوة، والأمانة.. وقد رأت قوته فيما كان منه من السقي لهما، كما رأت أمانته في غض بصره عنها، وقد جاءته وحدها تدعوه إلى أبيها.
ويستجيب شعيب لهذا الطلب في غير تردد، ويستشعر بمشاعر الأب ما بنفس ابنته نحو هذا الغريب.
«قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» .
وهكذا يجئ شعيب إلى موسى صريحا واضحا، كما يجئ إلى ابنته أبا حانيا عاطفا، لا يري حرجا في أن يتخير لابنته الرجل الذي تتتمناه زوجا لها، ويردها حياؤها عن أن تعرض نفسها عليه.
وما كان أبرع شعيبا وأحكمه، وأعدله، فيما بينه وبين موسى من جهة، ثم فيما بينه وبين ابنته من جهة أخرى.
إنه لم يشأ أن يفرض على موسى واحدة بعينها من ابنتيه هاتين.. فلموسى
стр. 4148
أن يختار من يشاء منهما.. فلقد رآهما من قبل، كما رآهما في بيت أبيهما، وليس من الحكمة ولا من المصلحة أن تفرض عليه واحدة بعينها، حتى ولو كان لموسى رغبة فيها، وكان لها رغبة فيه.. إن هذا الفرض من شأنه أن يزعج موسى، وأن يصدم إرادته، ويصادر رأيه.. ثم إن موسى سيعيش في بيت شعيب، فإذا لم يكن قد اختار هو بنفسه من تزوجها، كان في ذلك تنغيص له، واضطراب لحياته الزوجية، ومعادلة وموازنة دائما بين الأختين في كل وقت.
الأمر الذي يجعل هواه دائما مع من لم يكن له خيار فيها.. هكذا الإنسان! ثم إنه بهذا التدبير الحكيم، قد سوّى الأب في القسمة بين ابنتيه، فى هذا الذي ساقه الله إليهما، فى صورة رجل، هو نادرة في الرجال.. فالأب لا يؤثر بهذا الخير إحدى ابنتيه على الأخرى، ولو كانت الكبرى.. إنه لو فعل هذا لكان في نفس الأخرى أسى ومرارة.. وليس الشأن كذلك إذا كان الخيار لموسى، أو كان بالتراضي بين الأختين، حيث تبدو كل منهما، وكأنها تؤثر أختها عليها..
ومن جهة أخرى، فإنه واضح من قول شعيب: «إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين» أنه لم يفصح عمن يكون له الخيار فيهما..
أهو شعيب أم موسى..
وهذا أمر، إن قام على هذا الوجه، فى هذا الموقف وفي مواجهة البنتين، فإنه قد ترك البتّ فيه لمجلس خاصّ بين الرجلين، فإذا انكشف الأمر بعد ذلك عمن وقع عليها الاختيار- لم يكن من اليسير لدى البنتين القطع بأن هذا الاختيار، كان من موسى، أو من شعيب، أو منهما معا.. وهكذا تتوزع الصدمة- إن كان هناك صدمة- التي ربما تصيب من لا يقع عليها الاختيار، بين هذه الاحتمالات، فتخفّ وتهون.
стр. 4149
«قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ.. وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ» .
وهكذا تتم الصفقة بين النبيين الكريمين، فيظفر شعيب بالقويّ الأمين الذي يبذل في خدمته كل ما عنده من قوة وأمانة، ويظفر موسى بابنة هذا النبيّ، التي كان حسن تدبيرها، ولمعة ذكائها، وصدق فراستها، خير سفارة تجمع بين الرجلين، وتفتح قلب كل منهما لصاحبه قبل أن يلتقيا.
والاتفاق، على أن يخدم موسى شعيبا ثمانى سنين في مقابل زواج ابنته..
فإن جعل موسى الثماني عشرا فذلك فضل منه، وإلا فهى ثمان لا أكثر..
ولا شك أن هذا تدبير حكيم من شعيب- ﵇، إذ لم يشأ أن يضع موسى أمام حكم لازم لا خيار له فيه، بل جعل له أمرين، يختار أيهما شاء.. وفي هذا المجال الذي تتحرك فيه إرادة الإنسان شىء غير قليل من الرضا النفسي، حيث يجد المرء لإرادته مكانا في كيان، ويستشعر لها حضورا فى هذا المقام، فيقبل على هذا الأمر أو ذاك، وهو شاعر بأنه حرّ في اختياره، غير واقع تحت قوة قاهرة ملزمة..
وهذا عين ما فعله شعيب، حين أراد أن يزوّج موسى إحدى ابنتيه..
إنه لم يفرض عليه واحدة بعينها، بل جعل الأمر بينهما، حتى يفسح المجال للنظر والاختيار، له، ولموسى، ولابنتيه.. أما موسى.. ﵇..
فلم يكن أقلّ براعة وحكمة من شعيب.. فقد أجاب هذه الإجابة الحكيمة، التي ترضى شعيبا، ولا تقيد موسى: «ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ» أي هذا الذي قلته أنا موافق عليه، وهو عقد بينى وبينك.. وهذا فيما يختص بإحدى الابنتين التي سيقع الاختيار عليها.. أما الأجل، فهو محتمل للأجلين معا
стр. 4150
«أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ» .. فهو بالخيار، بين الثماني سنوات أو العشر..
والمراد بالعدوان في قوله: «فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ» الحرج.. أي لا حرج عليّ إذا أنا أخذت بالثماني سنوات، ولم آخذ بالعشر.. ومن ثمّ فلا يكون عليّ عدوان منك.
وطبيعى أن موسى، قد أخذ بما هو أولى بالمروءة، والكمال، فعمل بالأكثر دون الأقل..
الآيات: (٢٩- ٣٥) [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٩ الى ٣٥]
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)
وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥)
стр. 4151
التفسير:
قوله تعالى:
«فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ» .
فى هذه الآية والآيات التي بعدها، تبدأ مرحلة جديدة من مراحل المسيرة التي تتحرك فيها الأحداث إلى غايتها.. فها هو ذا موسى، قد وفى بالعهد الذي بينه وبين شعيب، وقضى الأجل.. ثم تحركت أشواقه إلى أهله، وقومه بمصر، فأخذ زوجه، وسار عائدا على الطريق الذي جاء منه..
وفي الطريق، آنس من جانب الطور، (وهو طور سيناء) نارا، فى ظلمة الليل، ووحشة الصحراء، فأحسّ في هذه النّار ريح الأنس، فانطلق إليها، تاركا أهله في مكانهم، قائلا لهم: «امْكُثُوا.. إِنِّي آنَسْتُ ناراً.. لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ» .
وقد جاءت هذه الآية في غير موضع على نظم يختلف مع هذا النظم، وقد عرضنا لذلك في دراسة خاصة، تحت عنوان: «التكرار.. فى القصص القرآنى» «١» وكشفنا عن بعض الأسرار الكامنة وراء هذا الاختلاف.
стр. 4152
قوله تعالى:
«فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» .
هنا في هذه الآية يتحدّد المكان الذي نودى منه موسى، وإنه الشاطئ الأيمن من الوادي.. وأن ذلك النداء كان عند البقعة المباركة من الشجرة القائمة على هذا الشاطئ الأيمن ومن هذا يعرف أن وجهة موسى كانت مصر، وأنه في الطريق إليها من مدين، حيث كان الشاطئ الغربيّ من طور «سيناء» واقعا على يمينه..
وقد تحدّد هذا المكان تحديدا تاما بقوله تعالى في آية أخرى: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ» (٤٤: القصص) .
قوله تعالى:
«وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ» ..
وقد وصفت الحيّة هنا بأنها «جانّ» كما وصفت في آيات أخر بأنها «حَيَّةٌ تَسْعى» .. (٢٠: طه) .. وبأنها «ثُعْبانٌ مُبِينٌ» (٣٢: الشعراء) .
ومن هذه الأوصاف جميعها، تلبس الحيّة صورة كاملة للحية، فى ضخامتها وحيويتها، وخفّة حركتها.. فهى حيّة في ضخامة جسمها، وهي ثعبان عظيم، فى الحياة التي تلبس هذا الكيان الضخم، وهى «جان» فى سبحها على الأرض في خفة كأنها سهم منطلق! قوله تعالى:
«اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ
стр. 4153
جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ»
الرّهب: الخوف.. والجناح: اليد، كلها، بالكفّ والساعد، والعضد.
والمراد بضم الجناح، إلصاقه بالجنب.. كما يفعل الخائف فيشد من عزمه، ويمسك نفسه.. والمراد بهذا أن يأخذ موسى هذا الوضع حين يخرج يده من جيبه في موقفه مع فرعون.. وفي هذا ما يدفع الخوف عن موسى، وهو يواجه فرعون في هذا الموقف الرهيب! قوله تعالى: «فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ.. إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ» .
ذان: مثنى ذا، أي هذان برهانان من ربك إلى فرعون وملائه، وهذا البرهانان هما: العصا، واليد..
وقد كان مع موسى غير هذين البرهانين، سبع آيات أخرى، هى الجراد والقمّل، والضفادع، والدم، والجدب، والطوفان، ونقص الأموال والأنفس والثمرات..
وخصّ البرهانان هنا- وهما العصا واليد- خصا بالذكر، لأنهما الآيتان اللتان يلقى بهما موسى فرعون وحاشيته أول الأمر، ويتحدّى بهما تكذيب فرعون له.. ولهذا كانت المعركة المتحدية بين موسى وفرعون في لقاء العصا بالسحرة الذين جمعهم فرعون لموسى.. أما الآيات الأخرى فقد كانت بلاء متحدّيا لفرعون وقومه جميعا.. ولعلّ هذا- والله أعلم- هو السرّ في اختلاف النظم هنا في قوله تعالى: «فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ «إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ» وما جاء في سورة النمل في قوله تعالى: «فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ» ..
(١٢) فالملأ هم الحاشية، والقوم هم المجتمع كله.
стр. 4154
قوله تعالى:
«قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ، وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ» إن شبح القتيل ما زال يطارد موسى، بعد هذا الزمن الطويل، وإن لقاءه فرعون سيحرك هذا الحدث الذي كاد ينسى.. ولهذا أظهر موسى ما بنفسه من خوف، وأن لقاءه فرعون، وعرض ما يعرض عليه من آيات- قد يقع عند فرعون أنه حيلة يريد أن يشغله بها عن فعلته التي فعلها، ولهذا طلب أن يكون معه أخوه هرون، الذي لا تهمة له عند فرعون، ليكون قوله بعيدا عن هذا الظن الذي يظنه فرعون في موسى..
وهنا سؤال:
هل كان موسى ألكن أو عييّا، على لسانه حبسة، حتى يطلب إلى الله أن يرسل معه هرون الذي هو أفصح منه لسانا؟
هذا ما يقول به المفسّرون، ويأتون على ذلك بأخبار تحدث بأن موسى قد أخذ بيده جمرة، وهو طفل في بيت فرعون.. ورفعها إلى فمه فمسّت لسانه، وتركت عليه هذه الحبسة! وهذا خبر لا يصدق.. إذ كيف يستطيع الطفل أن يمسك الجمرة بيده، ثم يصبر عليها حتى يحملها إلى فمه، ثم يلقى بها في فيه؟
ومن جهة أخرى، فإن اللسان، هو الأداة العاملة في رسالة الرسول..
فكيف تعطل هذه الأداة، أو تصاب بعطب؟ ذلك بعيد.. وماذا يبقى من الرسول بعد أن يؤخذ لسانه؟
والذي نراه، هو أن الخوف الذي كان يملأ كيان موسى من فرعون،
стр. 4155
هو الذي كان يمسك لسانه عن الانطلاق، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي» (١٣: الشعراء) فضيق الصدر من الخوف والرهبة، هو الذي يحبس اللسان عن الانطلاق في الحديث- ولهذا جاء قوله تعالى إلى موسى: «وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ» أي اضمم إليك جناحك، تسكينا لك من الرهب، أي الخوف، الذي يجئ من الرهبة.
وقد يردّ على هذا، بما جاء في قوله تعالى على لسان فرعون في موسى:
«أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ» (٥٢: الزخرف) فهذا الذي نطق به فرعون، يكشف عن عجز موسى عن البيان في منطقه..
وردّنا على هذا، هو ما أشرنا إليه، من أن الخوف الذي كان يعترى موسى في أول لقاء أنه مع هذا الجبار العنيد، الذي يسلط عليه سيف التهديد بالقتل، قصاصا للقتيل الذي قتله موسى- هذا الخوف، هو الذي كان يجعل موسى غير قادر على الانطلاق في الكلام.. أما ما قاله موسى: «وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً» فهو لما لم يكن لهرون ذنب يطالبه به فرعون، فهرون فى هذا الموقف أقدر على الكلام من موسى، ولهذا قدم قوله: «قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ» على قوله: «وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً» ..!
قوله تعالى:
«قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ» .
«بِآياتِنا» متعلق بقوله تعالى: «الْغالِبُونَ» .
والمعنى: أنكما أنتما، ومن اتبعكما، الغالبون بآياتنا التي في أيديكما. وشد
стр. 4156
العضد، تقويته بضمّ قوة أخرى إليه، والعضد، أعلى الذراع من المرفق إلى الكتف، وهو مركز القوة في اليد، واليد هي مظهر القوة في الإنسان.
الآيات: (٣٦- ٤٢) [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٦ الى ٤٢]
فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)
التفسير:
قوله تعالى:
«فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ» :
بهذا التكذيب، تلقى فرعون آيات الله، ونسبها إلى السحر، بل وجعلها سحرا مفترى، أي مختلقا، مدسوسا على السحر الذي عرف به سحرة فرعون..!!
стр. 4157
وأما ما يقول فرعون عنه إنه لم يسمعه في آبائه الأولين، فهو دعوة موسى له، إلى الإيمان بالله رب العالمين، الذي له ملك السموات والأرض.. فهذه الدعوة لم يسمعها فرعون من قبل، فقد كانت الآلهة تملأ أرض مصر، وتحوم فوق سمائها، من آدميين، وحيوانات وطيور، وكواكب، ونجوم! .. وهذا ما ملأ شعوره بأنه الإله المتفرد، فقال قولته الآثمة: «يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» .
قوله تعالى:
«وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» .
قد يكون هذا القول الذي قاله موسى مقولا في مواجهة فرعون.. وقد يكون حديثا تحدّث به إلى نفسه، مواساة وتعزية، فى مواجهة هذا الاتهام الذي يرمى به فرعون بين يدى آيات الله التي يعرضها عليه..
فالله سبحانه- أعلم بمن جاء بالهدى.. موسى، أو فرعون؟ ومن تكون له عاقبة الدار منهما.. فماداما على هذا الخلاف البعيد بينهما، فلا بد أن أحدهما محقّ والآخر مبطل، أحدهما مظلوم، والآخر ظالم..
فهذا أشبه بالمباهلة، وقد تحدّى بها النبي- صلوات الله وسلامه عليه وفد نجران، وقد جاءوا يجادلونه في آيات الله، فقطع عليهم الطريق، حين دعاهم إلى المباهلة، كما في قوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» (٦١: آل عمران) ..
стр. 4158
قوله تعالى:
«وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ» ..
وهذا الأمر الذي يصدره فرعون إلى «هامان» إنما هو على سبيل الاستهزاء والسخرية، والإمعان في تكذيب موسى.. فهو يقرر لقومه الواقع الذي يعيشون فيه معه، وهو أنه الإله ابن الآلهة: «ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» ! فهو الذي يفكر للقوم، ويولى وجوههم إلى الإله الذي يعبدونه، وقد فكر وبحث، ونظر في كل متجه فلم يجد لهم إلها غيره، «ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» ! ..
وها هو ذا موسى يقول عن إله آخر.. فأين هو هذا الإله؟ لو كان في الأرض، فأى أرض هى؟ إنه لا آلهة على الأرض غير فرعون! أم ترى هو في السماء؟ السماء ليست بعيدة!! وإذن «فأوقد لى يا هامان على الطين فاجعل لى صرحا لعلى أطلع إلى إله موسى» .. إنه لا يبحث عن إله يدين له هو وقومه، فهو إله لا يدين لآلهة غيره، وقومه لا يعرفون لهم إلها سواه.. وإنما يبحث عن إله موسى، الذي يأبى أن يتخذ فرعون إلها له، وفي هذا يقول سبحانه على لسان فرعون إلى موسى: «لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ» !.
وفي قوله: «وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ» تأكيد لما قرره من قبل، وهو أنه لا إله غيره، والمراد بالظن هنا اليقين، وقد جاء به مؤكدا
стр. 4159
قوله تعالى:
«وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ» .
هو وصف كاشف لحال فرعون وجنوده، قبل أن تأتيهم آيات الله، وبعدها..
والمراد بالاستكبار هنا، التعالي على العباد، واستعباد الناس وإذلالهم، والعدوان عليهم بغير حق.. ظانين أنهم لا يرجعون إلى الله، ولا يحاسبون على ما قدمت أيديهم..
قوله تعالى:
«فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ» .
المراد بالأخذ هنا، الإحاطة، والتمكن من الإمساك بفرعون وجنوده، إذ وقعوا تحت قضاء الله النافذ فيهم، وهو الموت غرقا.. وكأن يد الله هي التي أخذتهم من دورهم فألقت بهم في اليم، وكأنهم ليسوا هم الذين سعوا بأقدامهم إلى حتفهم! وقوله تعالى:
«وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ» .
أي أن فرعون وجنوده سيكونون أئمة وقادة يوم القيامة، يقودون قومهم إلى النار، كما كانوا قادة لهم في الدنيا.. فهم يدعون قومهم إلى جهنم، كما كانوا يدعونهم في الدنيا إلى الشرك والضلال.. وفي هذا يقول الله تعالى في فرعون: «يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ»
стр. 4160
(٩٨: هود) ويقول سبحانه: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ» (٧١: الإسراء) .
وقوله تعالى: «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ» - جملة حالية أي وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار يوم القيامة، ويوم القيامة لا ينصرون، أي وجعلناهم أئمة يقودون الناس إلى النار، ويتقدمونهم، ولا ناصر لهم ينصرهم من بأس الله في هذا اليوم.
قوله تعالى:
«وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ» .
أي جعل الله حديث الناس بعدهم لعنة تلحقهم من كل لسان، إذ كانوا مثلا سيئا للبغى والعدوان، فلا يذكرهم أهل الإيمان والتقوى إلا اقترن ذكرهم باللعنة عليهم.. وكذلك شأنهم يوم القيامة، تلقاهم اللعنات من كل لسان في المحشر.
الآيات: (٤٣- ٥٠) [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٣ الى ٥٠]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)
стр. 4161
التفسير:
قوله تعالى:
«وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» .
هذه الآية والآيات التي بعدها، تمهيد لذكر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، والكتاب الذي تلقاه وحيا من ربه، وتبليغ قومه إياه، وما كان منهم من تحدّ له، وخلاف عليه..
فالكتاب الذي آتاه الله موسى، إنما كان على فترة من الرسل، وبعد هلاك كثير من القرون التي بعث الله فيهم رسله، فاندثروا واندثرت آثارهم..
والبصائر: جمع بصيرة وهي ما يستبصر بها إلى طريق الحق والهدى..
стр. 4162
وقوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» - الضمير في لعلهم، يعود إلى الناس في قوله تعالى: «بَصائِرَ لِلنَّاسِ» .. وفي هذا إشارة من بعيد إلى المشركين من قريش، وأنه كما أرسل الله موسى على فترة من الرسل، بالكتاب الذي فيه بصائر وهدى ورحمة، أرسل الله «محمدا» على فترة من الرسل، بكتاب فيه بصائر للناس وهدى ورحمة..
قوله تعالى:
«وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ» ..
الخطاب للنبى- صلوات الله وسلامه عليه- وهو أنه لم يكن على علم بهذه الأخبار التي يقصها على قومه فيما أوحى الله إليه به، مما كان بين موسى وربه إذ ناداه ربه من جانب الطور الأيمن، وهو الجانب الغربي من سيناء، وأعلمه بأنه رسول الله، اختاره لرسالة كريمة إلى الناس..
قوله تعالى:
«وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ» .
تكشف هذه الآية عن الحكمة في إرسال محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهو أنه قد سبقته فترة لم يكن فيها رسل، فشاءت إرادة الله أن يختار رسولا يكشف للناس معالم الطريق إلى الحق، وقد ضلوا وانحرفوا عن سواء السبيل..
وفي هذا يقول الله تعالى: «قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ» (١٩: المائدة) .
стр. 4163
- وقوله تعالى: «وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ» .. هنا كلام محذوف، دل عليه السياق.. والتقدير: «وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ» فكان من رحمتنا أن نبعث في الناس رسولا، بعد هذا الزمن الطويل..
- وقوله تعالى: «وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ» - هو خطاب للنبى الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، وأنه لم يكن مقيما في أهل مدين، حتى يعلم هذه الأخبار التي يقصها على قومه، فيما كان بين موسى وشعيب.
- وقوله تعالى: «تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا» .. الضمير فى «عليهم» يراد به المشركون من قريش.. وهم وإن لم يجر لهم ذكر، فهم مذكورون بذكر الرسول صلوات الله وسلامه عليه.. وجملة «تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا» صلة لموصول منادى أي يأمن تتلو عليهم آياتنا.. فالنبى- صلوات الله وسلامه عليه- هو هنا في مقام الخطاب من ربه.. والخطاب يطوى في كيانه نداء خفيا، لا يجرى له ذكر في مقام القرب من ربه..
- وقوله تعالى: «وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ» أي ولكن هذا القصص الذي تقصه على قومك- أيها النبي- هو وحي أوحى إليك من ربك، الذي أرسلك هدى ورحمة، إذ كان من حكمتنا ورحمتنا أن نرسلك إلى الناس رسولا، على فترة من الرسل..
قوله تعالى:
«وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» .
هو تأكيد لرسالة الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- وأنه إنما تلقى
стр. 4164
هذا القرآن الذي بين يديه وحيا من ربه.. فهو- صلوات الله وسلامه عليه- لم يكن حاضرا مناداة الحق لموسى وهو بجانب الطور، حتى ينقل إلى الناس هذا الحديث الذي يحدثهم به، ويقصه عليهم من أمر موسى..
ولكن هذا الذي بين يديه هو رحمة من الله إلى هؤلاء المشركين، الذين بعثه الله نبيا فيهم، إذ لم يأتهم رسول من قبله، كما أتى غيرهم من الأمم..
فليذكروا هذه النعمة، وليأخذوا حظهمم منها، وليكن لهم فيها موعظة وذكرى..
قوله تعالى:
«وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» .
أي أنه لولا أن يكون لهؤلاء المشركين علة يتعللون بها في عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وهو أن الله سبحانه لم يبعث فيهم رسولا، ولم يدعهم إليه على يد رسول منهم كما فعل ذلك بغيرهم من الأمم، كاليهود، والنصارى- لولا هذا ما أرسل الله إليهم رسولا، إذ كان مع كل منهم فطرة مؤمنة.. ومن وراء هذه الفطرة عقل، هو الرسول الذي يفتح مغالق الإيمان فيها.. ولكن رحمة الله اقتضت أن يبعث في الناس رسولا منهم يوقظ عقولهم، وينبه فطرتهم..
وبذلك لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل..
فما حجة هؤلاء المشركين بعد هذا وقد جاءهم رسول الله؟ وما العلة التي يتعللون بها في شركهم بالله، وكفرهم باليوم الآخر؟ إنه لا شىء إلا الكبر والعناد، وإلا الغفلة والهوى!.
قوله تعالى:
«فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ
стр. 4165
يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ» .
وهذا مذهب من مذاهب الضلال والعناد، الذي غطى على عقول المشركين..
إنهم كانوا يتمنون على الله أن يبعث فيهم رسولا، وأن يكون لهم كتاب كما لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وهذا ما يحكيه القرآن عنهم في قوله تعالى:
«أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ» (١٥٧: الأنعام) .
وها هو ذا رسول الله قد بعث فيهم، وها هو ذا الكتاب من الله، يتلى عليهم.. فماذا كان منهم؟ لقد ذهبوا يطلبون التعلات والمعاذير، يلقونها بين يدى رسول الله، وكتاب الله.
إن الرسول الذي جاءهم لم يؤت من الآيات المادية مثل ما أوتى موسى.. إنه ليس معه عصا كعصا موسى، ولا بد كيده.. وإن موسى قد نزّل على بني إسرائيل المنّ والسلوى.. فأين ما مع محمد من هذا؟ وأين الخير المادي الذي جاءهم به؟
فليجر لهم في هذه الصحارى أنهارا، وليفجّر لهم فيها عيونا.. وإلا فأين الرسول وأين رسالته؟ أرسول بغير هذه الآيات التي يجنون من ثمرها ما يملأ أيديهم من مال ومتاع؟ أرسول كل بضاعته إليهم كلام في كلام؟ إن ذلك أمر هين، يستطيع كل واحد منا أن يصبح رسولا، لو كانت محامل الرسالة كلاما، وكانت بضاعة الرسول حديثا وقصصا.. «لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا.. إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» (٣١: الأنفال) .. هكذا كانت نظرة المشركين إلى رسالات السماء.. وما دروا أن الله سبحانه، قد خصهم بأعظم رسالة..
تتجه إلى أكرم ما في الإنسان من روح وعقل.. إنها الرسالة التي تغذى العقل وتهذيب النفس، وتسموا بالروح إلى الملأ الأعلى.. وإنها المائدة التي لا تزهد فيها النفوس، ولا تنقطع عن وردها العقول، بل إنه كلما أخذ الإنسان منها، اشتد طلبه، وقويت رغبته- وليس كذلك ما كان طعاما للبطون، فإن المرء إذا
стр. 4166
أخذ حاجته منه زهد فيه، ثم إذا عاوده مرة ومرة عافه، كما عاف بنو إسرائيل ما أنزل الله عليهم من المنّ والسلوى!.
ومن هنا كانت هذه المعجزة «الكلامية» هى المعجزة الخالدة على الزمن لأنها تصحب العقل دائما، وتلتقى به في كل زمان ومكان.. حيث تجد فيها العقول على اختلاف مستوياتها، وعلى امتداد أزمانها وأمكنتها- النور الذي يكشف لها معالم الطريق، إلى الحق والخير، فلا تضلّ، ولا تزيغ.
- وقوله تعالى: «أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ» هو كشف عما بين هؤلاء المشركين من أهل مكة، وبين فرعون وآل فرعون، حيث يجمعهم الضلال، والعناد، والاستكبار.. فإذا كان فرعون قد كفر بما أوتى موسى، وقال لموسى حين أراه آيات ربه الكبرى: «ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً» .. «٣٦:
القصص» فلن يكون من هؤلاء المشركين إلا الكفر بكل آية.. إنهم وفرعون على سواء.. فهم وإن لم يكونوا قد التقوا بموسى وكفروا بما معه من آيات، فقد التقوا به في شخص فرعون، الذين هم من طينته، وعلى شاكلته!! فلم يطلبون إذن أن يأتيهم النبيّ بمثل تلك الآيات التي كانت مع موسى، وقد كفروا بها على لسان فرعون، الذي هو واحد منهم، وإمام من أئمتهم؟
- قوله تعالى: «قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ» .. هو مزج المشركين بفرعون، مزجا كاملا، وجمعهم وإياه في كيان واحد، بحيث يكون لهم موقف واحد، ومنطق واحد، وإن بعد المدى بينهم وبينه، زمانا، ومكانا، ولسانا، ومجتمعا.. فهذه الفواصل كلها فواصل مادية.. لا تقوم حجازا بين ائتلاف الأهواء، والتقاء المشارب.. إن هواهم جميعا واحد، وإن مشربهم على سواء..
وهنا ترى فرعون يبعث من مرقده بعد آلاف السنين، ويحضر مجلس
стр. 4167
المشركين في مكة، وبين يديهم جميعا آيات موسى، وآيات محمد، فيرى فرعون فى آيات محمد ما رآه من قبل في آيات موسى، ويرى المشركون في آيات موسى ما رأوه في آيات محمد، وإذا هم جميعا ينطقون بلسان واحد في آيات موسى، وآيات محمد: «سِحْرانِ تَظاهَرا» .. أي تساندا، وتعاونا، فهذا سحر، وذاك سحر.. وإذن فهى مؤامرة يأتمر بها هذا الساحران علينا.. قديما وحديثا «وقالوا: إنا بكل كافرون» ..
فلو أن فرعون بعث من قبره، واستمع إلى كلمات الله التي يتلوها محمد لكفر بها، ولقال إنها سحر، كما يقول بذلك المشركون..
ولو أن المشركين ردّوا إلى عهد موسى، ورأوا من الآيات ما رأى فرعون لقالوا ما قال فرعون فيها: «ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً» ! وهكذا يلتقى أهل الضلال والفساد على طريق واحد، ينتظم السابقين منهم واللاحقين، ويجمع الماضين والحاضرين.. والله يقول:
«وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ.. تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ» (١١٨: البقرة) .
قوله تعالى:
«قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .
هو ردّ على مجتمع الضالين الغاوين، الذين كفروا بآيات موسى، وآيات محمد، وقالوا إنها سحر، يظاهر بعضه بعضا، وإنا بهذا وبهذا كافرون.
وإذن فبم يؤمنون؟ وبأى كتاب يصدّقون؟ فليأتوا بكتاب يحمل من معالم الحق، أكثر وأضوأ مما يحمل موسى، ومحمد، من آيات الله، حتى تكون
стр. 4168
لهم حجة يقضون بها على هذه الآيات، ولا يكون لمحمد إلّا أن يتّبع هذا النور الذي يغطى على نور هذه الآيات! وفي قوله «من عند الله» . إشارة إلى أن هذه الآيات التي مع موسى، ومع محمد، هى من عند الله، وليس في هذا قيد يتقيد به المشركون المطالبون بالإتيان بما هو أهدى من آيات موسى ومحمد، بل إن لهم أن يأتوا بالكتاب المقترح عليهم، من أي مورد يردونه، على شريطة أن يكون أهدى مما هو معروض عليهم من آيات الله تلك! وإنما قوله «من عند الله» هو تقرير لحقيقة واقعة، وهي أن ما يأتى به الرسل، هو من عند الله، فتلك هي الحقيقة، وهو ما يصرح به الرسل أنفسهم، فى مواجهة أقوامهم.. فهو تحد لهم بأن يتصلوا بالله، ويتلقوا منه كتابا سماويا.. فهذا هو الوجه الذي يطلب منه الكتاب، الذي يناظر هذين الكتابين! والسؤال هنا، هو: إذا كان مفهوم ما أوتيه موسى هو تلك الآيات المادية، التي عرضها على فرعون، فكيف يستقيم النظم القرآنى، على هذا الفهم، وقد جاء قوله تعالى:
«فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما» ؟ ألا يدلّ الضمير في «منهما» على أن المراد بآيات موسى هي كتابه، وهو التوراة؟
ونقول- والله أعلم- إن آيات موسى المادية هي بعض رسالته، وهي مكملة للكتاب الذي تلقاه من ربه.. فهى بهذا صحف من كتاب موسى..
وعلى هذا، فإن هذه الآيات المادية، إذا اجتمعت إلى الآيات القرآنية، كان منهما كتابان، كتاب مادى، وكتاب كلامى.. وقد كذب المشركون قديما وحديثا بالكتابين معا، ما اشتمل منهما على آيات مادية، وما اشتمل على آيات كلامية..
стр. 4169
قوله تعالى:
«فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» .
الاستجابة هنا مرادة لأمرين: أن يأتى المشركون بكتاب من عند الله، هو أهدى من الكتابين المنزلين من الله، فيتبعهم النبيّ، أو أن يظهر عجزهم، فيؤمنوا بهذا الكتاب الذي يتلوه الرسول عليهم، ويدخلوا في دين الله..
فإن لم يستجيبوا، ولم يؤمنوا بالله وبرسوله، وبكتاب الله، فليس لهم وجهة إلا أن يضلّوا، ويتبعوا أهواءهم الفاسدة.. فليعلم الرسول هذا، وليقم موقفه منهم على هذا التقدير.
- وقوله تعالى: «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ» هو تأكيد لضلال هؤلاء المشركين، وأنهم إنما ينقادون لأهوائهم، انقياد الكلب لصاحبه.. وأهواؤهم ضالة فاسدة، لا تقود إلا إلى ضلال وفساد! والاستفهام هنا بمعنى النفي.. والتقدير: أنه لا أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله والسؤال هنا: ما السرّ في تقييد الهوى المضلّ بهذا الوصف، وهو أنه بغير هدى من الله؟ وهل يكون هناك هوى معه هدى من الله؟
والجواب على هذا- والله أعلم- أن الهوى مضلّة أبدا، وأن الإنسان حيث يتبع هواه، فهو على ضلال، كما يقول سبحانه في ذمّ المشركين: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ» (٢٣: النجم) .
وكما يقول سبحانه: «أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ» (١٤: محمد) .
стр. 4170
والإنسان- من حيث هو إنسان- لا يخلو من الهوى.. فإذا كان مع الهوى هدى من الله، غلب الإنسان هواه وقهره.. وإذا لم يكن معه من هدى الله شىء، يمسك زمام هواه- كان على طريق الهوى أبدا، لا يعدل عنه إلى طريق الحق والهدى أبدا.. ولهذا جاء الوصف لأصحاب الهوى الذين لا يلقاهم هدى الله، مقرّرا، أنهم أضلّ الضالين.. «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ؟» .
فقد يضلّ الإنسان، وينحرف، متّبعا هواه، ولكن حين يلقاه هدى الله على طريق غوايته، يستقيم، ويهتدى.. أما إذا لم يلقه هدى الله، فلن يهتدى أبدا! وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» حكم من الله على هؤلاء الضالين، الذين اتبعوا أهواءهم أنهم لن يهتدوا أبدا، لأن هدى الله لا يلقاهم على طريق، لأنهم ظالمون، والله لا يهدى القوم الظالمين..
الآيات: (٥١- ٥٧) [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥١ الى ٥٧]
وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)