← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

أخذ حاجته منه زهد فيه، ثم إذا عاوده مرة ومرة عافه، كما عاف بنو إسرائيل ما أنزل الله عليهم من المنّ والسلوى!. ومن هنا كانت هذه المعجزة «الكلامية» هى المعجزة الخالدة على الزمن لأنها تصحب العقل دائما، وتلتقى به في كل زمان ومكان.. حيث تجد فيها العقول على اختلاف مستوياتها، وعلى امتداد أزمانها وأمكنتها- النور الذي يكشف لها معالم الطريق، إلى الحق والخير، فلا تضلّ، ولا تزيغ. - وقوله تعالى: «أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ» هو كشف عما بين هؤلاء المشركين من أهل مكة، وبين فرعون وآل فرعون، حيث يجمعهم الضلال، والعناد، والاستكبار.. فإذا كان فرعون قد كفر بما أوتى موسى، وقال لموسى حين أراه آيات ربه الكبرى: «ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً» .. «٣٦: القصص» فلن يكون من هؤلاء المشركين إلا الكفر بكل آية.. إنهم وفرعون على سواء.. فهم وإن لم يكونوا قد التقوا بموسى وكفروا بما معه من آيات، فقد التقوا به في شخص فرعون، الذين هم من طينته، وعلى شاكلته!! فلم يطلبون إذن أن يأتيهم النبيّ بمثل تلك الآيات التي كانت مع موسى، وقد كفروا بها على لسان فرعون، الذي هو واحد منهم، وإمام من أئمتهم؟ - قوله تعالى: «قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ» .. هو مزج المشركين بفرعون، مزجا كاملا، وجمعهم وإياه في كيان واحد، بحيث يكون لهم موقف واحد، ومنطق واحد، وإن بعد المدى بينهم وبينه، زمانا، ومكانا، ولسانا، ومجتمعا.. فهذه الفواصل كلها فواصل مادية.. لا تقوم حجازا بين ائتلاف الأهواء، والتقاء المشارب.. إن هواهم جميعا واحد، وإن مشربهم على سواء.. وهنا ترى فرعون يبعث من مرقده بعد آلاف السنين، ويحضر مجلس

стр. 4167

المشركين في مكة، وبين يديهم جميعا آيات موسى، وآيات محمد، فيرى فرعون فى آيات محمد ما رآه من قبل في آيات موسى، ويرى المشركون في آيات موسى ما رأوه في آيات محمد، وإذا هم جميعا ينطقون بلسان واحد في آيات موسى، وآيات محمد: «سِحْرانِ تَظاهَرا» .. أي تساندا، وتعاونا، فهذا سحر، وذاك سحر.. وإذن فهى مؤامرة يأتمر بها هذا الساحران علينا.. قديما وحديثا «وقالوا: إنا بكل كافرون» .. فلو أن فرعون بعث من قبره، واستمع إلى كلمات الله التي يتلوها محمد لكفر بها، ولقال إنها سحر، كما يقول بذلك المشركون.. ولو أن المشركين ردّوا إلى عهد موسى، ورأوا من الآيات ما رأى فرعون لقالوا ما قال فرعون فيها: «ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً» ! وهكذا يلتقى أهل الضلال والفساد على طريق واحد، ينتظم السابقين منهم واللاحقين، ويجمع الماضين والحاضرين.. والله يقول: «وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ.. تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ» (١١٨: البقرة) . قوله تعالى: «قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» . هو ردّ على مجتمع الضالين الغاوين، الذين كفروا بآيات موسى، وآيات محمد، وقالوا إنها سحر، يظاهر بعضه بعضا، وإنا بهذا وبهذا كافرون. وإذن فبم يؤمنون؟ وبأى كتاب يصدّقون؟ فليأتوا بكتاب يحمل من معالم الحق، أكثر وأضوأ مما يحمل موسى، ومحمد، من آيات الله، حتى تكون

стр. 4168

لهم حجة يقضون بها على هذه الآيات، ولا يكون لمحمد إلّا أن يتّبع هذا النور الذي يغطى على نور هذه الآيات! وفي قوله «من عند الله» . إشارة إلى أن هذه الآيات التي مع موسى، ومع محمد، هى من عند الله، وليس في هذا قيد يتقيد به المشركون المطالبون بالإتيان بما هو أهدى من آيات موسى ومحمد، بل إن لهم أن يأتوا بالكتاب المقترح عليهم، من أي مورد يردونه، على شريطة أن يكون أهدى مما هو معروض عليهم من آيات الله تلك! وإنما قوله «من عند الله» هو تقرير لحقيقة واقعة، وهي أن ما يأتى به الرسل، هو من عند الله، فتلك هي الحقيقة، وهو ما يصرح به الرسل أنفسهم، فى مواجهة أقوامهم.. فهو تحد لهم بأن يتصلوا بالله، ويتلقوا منه كتابا سماويا.. فهذا هو الوجه الذي يطلب منه الكتاب، الذي يناظر هذين الكتابين! والسؤال هنا، هو: إذا كان مفهوم ما أوتيه موسى هو تلك الآيات المادية، التي عرضها على فرعون، فكيف يستقيم النظم القرآنى، على هذا الفهم، وقد جاء قوله تعالى: «فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما» ؟ ألا يدلّ الضمير في «منهما» على أن المراد بآيات موسى هي كتابه، وهو التوراة؟ ونقول- والله أعلم- إن آيات موسى المادية هي بعض رسالته، وهي مكملة للكتاب الذي تلقاه من ربه.. فهى بهذا صحف من كتاب موسى.. وعلى هذا، فإن هذه الآيات المادية، إذا اجتمعت إلى الآيات القرآنية، كان منهما كتابان، كتاب مادى، وكتاب كلامى.. وقد كذب المشركون قديما وحديثا بالكتابين معا، ما اشتمل منهما على آيات مادية، وما اشتمل على آيات كلامية..

стр. 4169

قوله تعالى: «فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» . الاستجابة هنا مرادة لأمرين: أن يأتى المشركون بكتاب من عند الله، هو أهدى من الكتابين المنزلين من الله، فيتبعهم النبيّ، أو أن يظهر عجزهم، فيؤمنوا بهذا الكتاب الذي يتلوه الرسول عليهم، ويدخلوا في دين الله.. فإن لم يستجيبوا، ولم يؤمنوا بالله وبرسوله، وبكتاب الله، فليس لهم وجهة إلا أن يضلّوا، ويتبعوا أهواءهم الفاسدة.. فليعلم الرسول هذا، وليقم موقفه منهم على هذا التقدير. - وقوله تعالى: «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ» هو تأكيد لضلال هؤلاء المشركين، وأنهم إنما ينقادون لأهوائهم، انقياد الكلب لصاحبه.. وأهواؤهم ضالة فاسدة، لا تقود إلا إلى ضلال وفساد! والاستفهام هنا بمعنى النفي.. والتقدير: أنه لا أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله والسؤال هنا: ما السرّ في تقييد الهوى المضلّ بهذا الوصف، وهو أنه بغير هدى من الله؟ وهل يكون هناك هوى معه هدى من الله؟ والجواب على هذا- والله أعلم- أن الهوى مضلّة أبدا، وأن الإنسان حيث يتبع هواه، فهو على ضلال، كما يقول سبحانه في ذمّ المشركين: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ» (٢٣: النجم) . وكما يقول سبحانه: «أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ» (١٤: محمد) .

стр. 4170

والإنسان- من حيث هو إنسان- لا يخلو من الهوى.. فإذا كان مع الهوى هدى من الله، غلب الإنسان هواه وقهره.. وإذا لم يكن معه من هدى الله شىء، يمسك زمام هواه- كان على طريق الهوى أبدا، لا يعدل عنه إلى طريق الحق والهدى أبدا.. ولهذا جاء الوصف لأصحاب الهوى الذين لا يلقاهم هدى الله، مقرّرا، أنهم أضلّ الضالين.. «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ؟» . فقد يضلّ الإنسان، وينحرف، متّبعا هواه، ولكن حين يلقاه هدى الله على طريق غوايته، يستقيم، ويهتدى.. أما إذا لم يلقه هدى الله، فلن يهتدى أبدا! وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» حكم من الله على هؤلاء الضالين، الذين اتبعوا أهواءهم أنهم لن يهتدوا أبدا، لأن هدى الله لا يلقاهم على طريق، لأنهم ظالمون، والله لا يهدى القوم الظالمين.. الآيات: (٥١- ٥٧) [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥١ الى ٥٧] وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥) إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)

стр. 4171

التفسير: قوله تعالى: «وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» . كانت الآيات السابقة تمهيدا للقاء المشركين وعرضهم على كتاب الله رضا مباشرا، بعد أن رأوا ما هم فيه من ضلال وعناد، ومكابرة في الحق، وأنهم وفرعون في هذا المقام على سواء، حتى لكأنهم أبناؤه الوارثون لكل ما عرف عنه من جور وجبروت.. والمراد بالقول هنا، القرآن الكريم، وتوصيل القول، وصل بعضه ببعض.. وهذا ما يشير إلى الأسلوب الذي نزل عليه القرآن الكريم، وإلى الحكمة المرادة من هذا الأسلوب.. فقد نزل القرآن الكريم منجما، آيات آيات، وسورة سورة، ولم ينزل مرة واحدة، كما نزلت الكتب السابقة، فكان نزوله- مكيا ومدنيا- فى نحو ثلاث وعشرين سنة.. أما الحكمة المرادة من هذا الأسلوب الذي نزل عليه القرآن الكريم، فهى ما كشف عنه قوله تعالى في هذه الآية: «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» وما كشف عنه قوله تعالى أيضا: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً؟ كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً» (٣٢- ٢٣: الفرقان) .

стр. 4172

فنزول القرآن على هذا الأسلوب، يثير أشواق المؤمنين، الذين كانوا ينتظرون كل يوم خيرا جديدا، ينزل من السماء فيلقونه، بوجودهم كله، حتى لكأن الذي نزل عليهم ليومهم هو كل القرآن الكريم.. وهكذا كانت الآية أو الآيات المنزلة، تمثل القرآن الكريم كله، حيث يرون فيها دعوة الإسلام، ورسالته.. عقيدة وشريعة، وبهذا يرون مع كل وحي بتلقاه الرسول دعوة مجددة إلى الله، وإلى دين الله، فيزدادون إيمانا ويقينا، ويترشفون ما يروى ظمأهم من هذا المورد العذب.. قطرة قطرة، فيكون ذلك أنقع وأنفع.. أما المشركون فإن لهم فى نزول القرآن- منجما- واعظا يطلع عليهم من آيات الله مع كلّ وحي يوحى إلى الرسول، وإن لهم من كل آيات تتنزل، نذيرا، يختلف وجهه، وتختلف طلائع نذره عن سابقه.. وهكذا يدخلون مع كل وحي يوحى، فى صراع جديد، وفي تجربة جديدة، وفي هذا ما يقيمهم دائما على اتصال بالدعوة، طوال هذه المدة التي نزل فيها القرآن.. وهذا من شأنه أن يصفى ما بالنفوس من شر وخير، يوما بعد يوم، وفي كل يوم يزداد أهل الخير قربا من الإسلام، على حين يزداد أهل الشرّ بعدا ونفورا.. قوله تعالى: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ» المراد بالذين أوتوا الكتاب هنا، هم بعض اليهود والنصارى، الذين دخلوا فى الإسلام، وقد عرفوا أنه الحق من ربهم، وأنه الدين الذي كانوا ينتظرون الرسول المبلغ له، والذي بشرت به التوراة والإنجيل. - وقوله تعالى: «مِنْ قَبْلِهِ» متعلق بآتيناهم، أي آتيناهم الكتاب من قبل هذا الكتاب الذي نزل على محمد- صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 4173

وفي الآية تحريض للمشركين من قريش، ومن العرب عامة، إلى المبادرة يأخذ حظهم من الكتاب الذي نزل عليهم. من قبل أن يسبقهم إليه أهل الكتاب، وينتزعوا منهم هذا الشرف الذي ساقه الله إليهم، وندبهم له.. - وقوله تعالى «هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ» - إشارة إلى أن أهل الكتاب، عندهم عن هذا الكتاب الدلائل والشواهد التي تدعوهم إلى الإيمان به، وأنهم ما إن يلقونه حتى يؤمنوا به، إذا لم يحجبهم عن هذا الإيمان ما يثور في صدورهم من دخان العصبية، والحسد.. وهذا هو بعض السر في قوله تعالى: «يُؤْمِنُونَ» الذي يدل على توقع حدوث الفعل بدلا من «مؤمنون الذي يدل على وقوع الحدث فعلا. قوله تعالى: «وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ» . فى هذا إشارة إلى أن أهل الكتاب بما عندهم من دلائل وشواهد على صدق القرآن الكريم- مهيئون للإيمان بكتاب الله، والتصديق به.. وإنهم إذا تتلى عليهم آياته، لم يتلبثوا ولم يترددوا، بل أسرعوا بالاستجابة له: قائلين آمنا به.. إنه الحق من ربنا.. وإنه الدين الحق الذي دان به النبيون وأتباعهم من قبل.. ولهذا فنحن إذ نؤمن بهذا القرآن لم نتبدل دينا بدين، وإنما نحن بديننا الذي ندين به، ندخل في الإسلام الذي دعينا إليه.. فديننا من الإسلام، والدين الذي ندعى إليه هو الإسلام، فإذا التقينا بالأصل كان لزاما علينا أن ندخل فيه بما معنا من فرع.. والله يقول: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ، وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ.. بَغْياً بَيْنَهُمْ» (١٩: آل عمران)

стр. 4174

وليس كل أهل الكتاب- كما قلنا- هم على هذه الشاكلة، وإنما قلة قليلة منهم، هى التي عرفت الحق وآثرت اتّباعه، وكثرتهم الكثيرة، عرفت الحق، ولكنها آثرت الهوى، وفي هذا يقول الله تعالى: «مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ» (١١٠: آل عمران) «وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» «٢١٣: البقرة» . قوله تعالى: «أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» الإشارة هنا إلى الذين يؤمنون من أهل الكتاب بكتاب الله.. فهؤلاء يؤتيهم الله أجرهم وثوابهم مضاعفا، لأنهم جمعوا بين الحسنيين، الدّين الذين كانوا يدينون به، ولم يخلطوه بزيف أو ضلال، والدين الجديد الذي استجابوا له، ولأنهم صبروا على المكاره التي تأتيهم من قومهم، من أهل الكتاب وقد خرجوا على إجماعهم، واتبعوا الطريق الذي هداهم الله إليه.. ولأنهم لا يلقون إساءة المسيئين إليهم من قومهم بالإساءة، بل يلقون الإساءة بالإحسان «وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ» .. ولأنهم لا يكنزون الذهب والفضة، كما يفعل كثير من الأحبار والرهبان، بل ينفقون في وجوه الخير مما رزقهم الله.. قوله تعالى: «وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ» هو بيان لأسلوب من أساليب درء السيئة بالحسنة.. فهؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب، إذا لقيهم قومهم بالسفاهة، لم يقفوا معهم في هذا

стр. 4175

الموقف، بل أعرضوا، قائلين: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم، لا نجالس الجاهلين، ولا نتجه إليهم، وإنما نحن طلاب هدى وحق.. نطلب أهل الهدى والحق، ونرتاد مجالس أهل العلم والمعرفة! هذا، ويلاحظ أن هذه الآيات مكية، أي أنها نزلت ولم يكن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- قد لقى أهل الكتاب بدعوته لقاء مباشرا ولهذا جاء أسلوب النظم معلقا بالمستقبل.. مثل قوله تعالى: «هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ» وقوله: «وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا» .. وقوله: «وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ» .. فهذا إرهاص بما سيطلع به المستقبل من موقف أهل الكتاب من رسول الله، ومن الكتاب الذي معه.. وهذا العرض المسبّق لأحداث المستقبل، فوق أنه تلويح لأهل الكتاب بما لهم من شأن في الدعوة الإسلامية- هو- كما قلنا- تحريض للمشركين من العرب، أن يبادروا بالدخول في هذه الدعوة، وأن يسبقوا إلى الإيمان بها، فهم أحق بها وأهلها.. ثم هو تثبيت لقلوب المؤمنين، بعرض ما يلقاه المؤمنون على طريق الإيمان من مكاره، وما يساق إليهم من أذى.. وأنهم يقابلون ذلك بالصبر، ودفع السيئة بالحسنة، والإعراض عن السفاهة.. قوله تعالى: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» هو تعقيب على هذا الموقف الجانبى، الذي عرض فيه القرآن الكريم على أنظار المشركين، ما سيكون من أهل الكتاب مع الدعوة التي يدعوهم إليها رسول الله، وأن كثيرا منهم سيدخلون في هذا الدّين..

стр. 4176

وفي هذا التعقيب إشارة إلى أن كثيرا من المشركين من قوم الرسول، وذوى قرابته لا يدخلون في هذا الدّين، ولن يكونوا في المؤمنين، ولو حرص الرسول على هداهم، وأحبّ أن يراهم في المهتدين المؤمنين.. فليس للرسول أن يهدى من أحبّ، وإنما هو يهدى من أراد الله له الهداية. وغير قليل من حرص الرسول الكريم على هداهم، لم يرد الله لهم الهدى، وإذن فلن يهتدوا أبدا.. «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» (٥٦: القصص) . وفي هذا ما يكشف عن صميم الدعوة الإسلامية، وعن عظمة هذه الدعوة، وعن شمولها وعمومها، وأنها تقوم على مبدأ إنسانى عام، لا يخالطه شىء من قرابة أو عصبية، حتى ولو كانت قرابة صاحب الدعوة، وعصبيته.. فهذه دعوة من الله إلى عباده، ومائدة سماوية ممدودة إلى كل من تهفو نفسه إليها، وتمتد يده لها.. فمن جاء فلا يردّ، ومن أبى فلا يحمل إليه الزاد، ولا يحمل هو عليه.. وها نحن أولاء نرى على مائدة السماء تلك، أيديا غريبة متمكنة، تنال من كل شىء منها، على حين نرى أيديا من أهل بيت النبيّ الذي تمدّ المائدة في رحابه- ليس لهم مكان على هذه المائدة.. فترى على المائدة رجالا كبلال الحبشي، وسلمان الفارسيّ وصهيب الرومي، ولا نرى أبا طالب عم النبي! .. ومن عجب أن يكون هذا في مجتمع يقوم أمره كله على العصبية، وتجرى حياته كلها على اقتسام الخير والشر بين أبناء البيت الواحد، أو القبيلة الواحدة.. وهذا أبلغ شاهد، من شواهد كثيرة لا تحصى على أن دعوة الإسلام من وحي السماء، وليس للبشر صفة فيها أو تدبير لها.. إنها من عند الله، لعباد الله. قوله تعالى: «وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا.. أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا.. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» .

стр. 4177

من تعلّات المشركين، الذين أبوا أن يستجيبوا لرسول الله، وأن يدخلوا فى دين الله- هذا القول لذى يقولونه زورا وبهتانا: «إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا» !. وهذا القول منهم، هو شهادة عليهم بألسنتهم، بأنهم أهل سفه وضلال، وليسوا أصحاب مبادئ وأخلاقيات.. إذ كيف يعلمون أن هذا الذي يدعون إليه هو الهدى، ثم لا يتبعونه، ويؤثرون أن يعيشوا في ضلال، خوفا من ضرّ يلقاهم، أو أذى يصيبهم؟ ومتى كان أصحاب المبادئ والمثل، يخشون ضرا، أو يرهبون أذى؟ ألا ينظرون إلى بلال وإلى أبيه وأمه، وإلى غيرهم وغيرهم، وهم يطعمون من أيديهم هذا العذاب الأليم، فى سبيل المبدأ والعقيدة، دون أن يزحزحهم عنه هذا البلاء الذي مات بعضهم تحت سطوة سياطه، وهو يقول: «أحد أحد» ! ألم يكن لهم في هذه المواقف البطولية عبرة وعظة؟ ألا يدعوهم الشرف والمروءة- وهم السادة الأشراف- أن يرتفعوا إلى هذا المستوي الذي ارتفع إليه عبيدهم وإماؤهم؟ ولكنها العقول حين تضل، والبصائر حين تعمى..!! ثم من قال لهؤلاء الضالين، إنهم لو اتبعوا الهدى ستخطفون من أرضهم؟ ألا يرون ما لله عليهم من فضل وإحسان، وقد جعل لهم- وهم في الشرك والضلال- حرما آمنا، حيث يتخطف الناس من حولهم، وهم في حرم الله آمنون، وحيث تحج إلى هذا الحرم قبائل العرب جميعا، تحمل إليهم مما في أيديها من ثمرات وخيرات، كما تحمل إليهم مما في قلوبها من توقير وتكريم، لما لهذا البيت من توقير وتكريم؟ فإذا كان ذلك هو شأن الناس معهم وهم على الشرك والضلال، أفلا يكون لهم مثل هذا الشأن، وهم على الهدى والإيمان؟

стр. 4178

ألا إنه العناد الذي يهلك أهله.. «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» (٤١: المائدة) . الآيات: (٥٨- ٧٠) [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥٨ الى ٧٠] وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)

стр. 4179

التفسير: قوله تعالى: «وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ» . ذكرت الآية السابقة على هذه الآية، ما لله من فضل على البلد الحرام وأهله، إذ جعله بلدا آمنا! تهوى إليه الأفئدة، وتعظمه القلوب، وجعل لأهله حرمة في الناس، فأمنوا ما كان ينزل بالناس حولهم من بغى وعدوان.. وقد كشفت الآية كذلك عن كذب هذا الادعاء الذي يدعيه المشركون، وهو أنهم إذا اتبعوا الهدى، زال عنهم وعن بلدهم، هذا الأمن الذي هم فيه، وتخطّفهم الناس! وفي هذه الآية، يهدد الله هؤلاء المشركين بالنقم التي حلت بكثير من القرى قبلهم، فقد كانت تلك القرى آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فلما كفرت بأنعم الله، وبطرت معيشتها، أي استخفت بالنعمة وكفرت بها- أذاقها الله لباس الجوع والخوف.. وكذلك هؤلاء المشركون، هم في قرية آمنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، ويجبى إليها ثمرات كل شىء، وقد بطروا وأشروا، فأشرف بهم هذا البطر والأشر، على مواقع الهلاك والبلاء، ليلحقوا بمن كانوا على شاكلتهم من أهل تلك القرى التي كفرت بأنعم الله.. قوله تعالى: «وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ» .

стр. 4180

فى هذه الآية إشارة إلى أن أهل هذا البلد الحرام، قد بطروا معيشتهم، وكفروا بأنعم الله، واستوجبوا العذاب والبلاء.. ولكن الله رحمة بعباده، وإقامة للحجة عليهم- لم يشأ أن يأخذهم بذنوبهم قبل أن يعذر إليهم، وينذرهم على يد رسوله.. فما أهلك قرية من القرى إلا بعد أن بعث إليها رسولا مبشرا ومنذرا، كما يقول سبحانه: «وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ» (٢٠٨: الشعراء) . وها هي ذى القرية، البلد الحرام، قد كفر أهلها بالله، وها هو ذا رسول الله فيهم، قد جاء لينذرهم بين يدى عذاب شديد.. فإن هم استجابوا له، ورجعوا عما هم فيه نجوا، وسلموا من بأس الله في الدنيا، ومن عذابه في الآخرة، وإن أبوا إلا ضلالا وعنادا، فهم في الهالكين.. «لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» (٤١: المائدة) . والأمّ: الرأس من كل شىء.. وأم القرى رأسها، ومجتمع قراها.. وهي هنا مكة.. وفي هذا يقول الله تعالى: «وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها» (٩٢: الأنعام) . قوله تعالى: «وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ» . هو نذير من تلك النذر، التي ينذر بها القوم على لسان رسول الله صلّى الله عليه وآله، وذلك أن أكثر ما يصرفهم عن الدعوة الإسلامية، ويصمّ آذانهم عنها، هو خوفهم على ما في أيديهم من جاه وسلطان، وما يجلبه عليهم جاههم وسلطانهم من مال ومتاع.. فكان قوله تعالى: «وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ

стр. 4181

فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها» - تهوينا لشأن ما في أيديهم من مال ومتاع يحرصون عليه، ويضحون بكل شىء من أجله.. فهذا الذي أوتوه، هو من متاع الدنيا وزخرفها، والدنيا زائلة، ونعيمها زائل، وما عند الله من أعمال صالحة، يقدّمها المؤمنون ليوم الجزاء- هو الذي يبقى، وهو الذي يدوم خيره، ويتصل نعيمه.. - وفي قوله تعالى: «أَفَلا تَعْقِلُونَ» نخسة لهؤلاء الضالين، الذين حرصوا على أموالهم، وزهدوا في عقولهم، فلم ينظروا بها إلى أكثر مما وراء المال والمتاع!. قوله تعالى: «أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ» . الوعد الحسن: هو الجزاء الطيب الكريم، الذي وعد الله عباده المؤمنين فى الآخرة، من جنات ونعيم.. والموازنة هنا، بين المؤمنين والمشركين، حيث يتضح بعد ما بينهما.. فالمؤمنون على وعد من ربهم بالجنة، وهم سيلاقون هذا الوعد: «وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ» (٦: الروم) والكافرون يمتعون في هذه الدنيا متاعا قليلا، ثم يحضرون يوم القيامة إلى الحساب والجزاء وليس لهم في الآخرة إلا النار..! - وفي قوله تعالى: «مِنَ الْمُحْضَرِينَ» - إشارة إلى أن الكافر إنما يساق سوقا إلى الحشر، ويدفع دفعا إلى موقف الحساب، ويدعّ دعا إلى النار.. فمن ورائه سائق عنيف يسوقه إلى تلك المكاره، التي يودّ لو أن له طريقا يعدل به

стр. 4182

عنها.. «وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ» (٢١: ق) فهذه هي نفوس الضالين المكذبين، الذين لم يعملوا لهذا اليوم، ولم يكونوا على وعد بما وعد به المؤمنون، من لقاء ربهم، ومن الجزاء الحسن الكريم عنده.. فالمؤمنون: «لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» (١٠٣: الأنبياء) . قوله تعالى: «وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» ؟ الضمير فى «يناديهم» يعود للمشركين جميعا، على اختلاف معبوداتهم.. والسؤال هنا، سؤال تعجيز للمشركين، حيث يتبرأ بعضهم من بعض، ويفر بعضهم من وجه بعض، ويتلفت كل مجرم، فلا يرى إلا آثامه، تحيط به وتنادى بمخازيه.. قوله تعالى: «قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ» . للذين حق عليهم القول، أي وجب عليهم العذاب، فكانوا من أهل النار.. وقد كان السؤال موجها إلى المشركين جميعا، ليحضروا آلهتهم التي عبدوها من دون الله.. وهنا يبادر أهل الرياسة والسلطان ممن كانوا سدنة هذه الآلهة، والدعاة لها بين الناس- ليدفعوا عن أنفسهم هذا البلاء العظيم، إذ يرون أنهم هم الذين زينوا للناس الشرك، وساقوهم إلى هذا الضلال.. فيقدمون هذا العذر: «رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا» ... أي هذه هي جريمتنا

стр. 4183

ممثلة في هؤلاء الأتباع الذين أغويناهم، ولكنا أغويناهم كما غوينا نحن، فنحن غوينا، ثم أغويناهم بما كنا فيه من غواية، وإذن فنحن وهم على سواء.. «تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ» من كل شرك، وتبرأنا إليك من تعلق هؤلاء الضالين بنا.. «ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ» وإنما كانوا يعبدون ما نعبد من ضلال!! وهكذا يجرّ هؤلاء الرؤساء أتباعهم معهم إلى هذا المصير المشئوم، ليشاركوهم البلاء والعذاب.. وذلك أنهم ظنوا حين وجه السؤال في قوله تعالى: «أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» أنه لو سبقهم أتباعهم إلى الإجابة على هذا السؤال، وقالوا: هؤلاء هم الذين دعونا إلى عبادة ما عبدنا من الهة- لعلقت التهمة بهم وحدهم، ولنجا أتباعهم، وفي هذا ما يضاعف بلواهم، ويزيد في حسراتهم.. أما حين يؤخذ الجميع، ويعمهم البلاء، فإن البلاء- وإن عظم- يهون، وإن الحسرة- وإن اشتدت- تخفّ..! هكذا فكروا وقدّروا.. قوله تعالى: «وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ» . الشركاء: هم من أشركوا بعبادتهم، واتخذوهم آلهة من دون الله.. والأمر بدعاء الشركاء، تيئيس لهم، وتنديم لما كانوا فيه من ضلال، حيث كانوا يتعلقون بهؤلاء المعبودين في الدنيا، ويرجون منهم ما يرجو المؤمنون من ربهم- وحين جاء وقت الامتحان ووقف المشركون على النار، قيل لهم: ادعو شركاءكم، ليدفعوا عنكم هذا البلاء.. «فَدَعَوْهُمْ.. فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ» ولم يسمعوا إلا فحيح جهنم، وشهيقها..

стр. 4184

- قوله تعالى: «وَرَأَوُا الْعَذابَ» هو معطوف على قوله تعالى «فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا» أي أنهم حين دعوا شركاءهم الذين عبدوهم من دون الله، وهتفوا بهم أن أغيثونا، لم يروا لهم ظلا، ورأوا العذاب في الموقع الذي كانوا ينتظرون أن تطلع عليهم منه آلهتهم تلك.. وفي ذلك ما يضاعف من بلائهم ويزيد فى حسرتهم. - وقوله تعالى: «لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ» .. هو صوت منطلق من وراء هذا المشهد، الذي عرض فيه المشركون وهم في الدنيا، هذا العرض الذي رأوا فيه المصير الذي هم صائرون إليه، إذا هم ظلوا على ما هم فيه من عمى وضلال.. وهذا الصوت هو صوت العبرة والعظة، المندسة في كيان هذا العرض، الذي شهده المشركون، وإذ لم يجدوه في أنفسهم، جاء إليهم من خارج، فى دعوة مجددة تدعوهم إلى الإيمان بالله، والانخلاع عن هذا الشرك الذي هم فيه. وجواب لو مخدوف، دل عليه مضمون الكلام السابق.. والتقدير: إن فى هذا العرض لعبرة وعظة لهم، لو كانوا يهتدون.. أي لو كانوا ممن يقبل الهدى، ويستجيب له، لكان لهم من هذا الموقف عبرة وعظة. قوله تعالى: «وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ» هو من سياق قوله تعالى فى الآية السابقة: «لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ» .. فقد قلنا إن هذا صوت يستحثهم على الهدى، ويدعوهم إلى ترك ما هم فيه من شرك.. فإذا وقع هذا الصوت موقعا من قلوبهم، وأرادوا أن يطلبوا الهدى، لقهم الرسول الكريم، الذي يدعوهم إلى الله، وهم يصمّون آذانهم عنه.. وتلك جناية أخرى من جناياتهم على أنفسهم، حيث يدعون في يوم القيامة

стр. 4185

ويسألون. «ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ؟» أي بماذا أجبتموهم لما دعوكم إليهم؟ ولا جواب لهم إلا الإقرار بالجريمة، وأنهم قد صدوا عن سبيل الله، وكفروا بالله وبرسوله.. قوله تعالى: «فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ» أي أنهم في هذا اليوم يستولى عليهم حال من الذهول، تتبلد به حواسهم، ويطير معه صوابهم، وتنعقد منه ألسنتهم، فلا يدرون شيئا، ولا ينطقون بشىء..!! قوله تعالى: «فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ» . هو لقاء من جديد، بدعوة محددة، إلى هؤلاء المشركين، وقد عادوا التوهّم من يوم القيامة، ليتوبوا، ويرجعوا عما هم فيه من ضلال وشرك، ويؤمنوا بالله ويعملوا صالحا، فإن فعلوا ذلك، كانوا على الطريق الذي يعدل بهم عن جهنم إلى الجنة، وينقلهم من الخسران إلى الفلاح.. وفي قوله تعالى: «فَعَسى» - إشارة إلى أن فلاح المؤمن، إنما يكون بفضل من عند الله، وأن على المؤمن أن يعلّق رجاءه بالله، لا بما يعمل من صالحات! قوله تعالى: «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» .

стр. 4186

هو بيان لما جاء في قوله تعالى: «فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ» فالإيمان بالله، والعمل الصالح، فضل من أفضال الله على عبده، وإذن فليكن نظر العبد متجها دائما إلى ربه، وإلى الطمع في رحمته، وليعلم أن الأعمال الصالحة- وإن كانت مطلوبة من المؤمن لأنها سبيل إلى مرضاة الله- فإنها لا تدخله الجنة، وإنما الذي يدخله الجنة، هو رحمة الله، التي تحرس إيمانه وتيسر له السبيل إلى الأعمال الصالحة.. - وقوله تعالى: «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ» .. أي أنه سبحانه، يخلق ما يشاء من مخلوقات، ويختار لكل مخلوق طريقه الذي يأخذه، إلى الهدى أو الضلال، وإلى الجنة أو النار.. - وقوله: «ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ» - هو نفى لأن يكون لأحد مع إرادة الله إرادة، ومع اختياره اختيار ... وقد عرضنا لهذه القضية من قبل تحت عنوان: «مشيئة الله ومشيئة العباد» «١» - وقوله تعالى: «سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» تنزيه لله عما يشرك به المشركون من آلهة، ويدّعون أن لهم في هذا الوجود تصريفا ينفع أو يضر.. قوله تعالى: «وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ» هو بيان لقدرة الله القادرة، وعلمه الشامل، المحيط بكل شىء..

стр. 4187

قوله تعالى: «وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» هو الوصف اللائق لله ، الذي يتفرد به، لا يشاركه فيه أحد.. فهو سبحانه. «الله» المتفرد بالألوهية، «لا إله إلا هو» تفرد وحده سبحانه بألوهيته.. «لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى» أي في الدنيا «والآخرة» يوم القيامة، حيث يحمده. كل مخلوق على ما هو عليه من خلق أقامه الله فيه، كما يقول سبحانه: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (٤٤: الإسراء) «وله الحكم» أي التصريف والسلطان، فى كل ما في الوجود، يدبره كيف شاء علمه، وقضت إرادته، لا معقب لحكمه.. «وإليه ترجعون» أي إليه يرجع الناس بعد الموت، ليروا أعمالهم، ويجزوا عليها.. «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» . (٧- ٨: الزلزلة) . الآيات: (٧١- ٧٥) [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧١ الى ٧٥] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)

стр. 4188

التفسير: قوله تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ» السرمد: الدائم، والنسبة إليه سرمدى.. والآية وما بعدها، استعراض لقدرة الله ، وإحسانه إلى خلقه، وفضله عليهم، ورحمته بهم.. فلو شاء سبحانه أن يجعل الليل قائما على هذه الأرض، لا يعقبه نهار أبدا، لاستولى الظلام على هذا الكوكب، وعلى من فيه وما فيه، ولما كان لأحد أن يغير هذا الوضع القائم أبدا.. - وفي قوله تعالى: «أَفَلا تَسْمَعُونَ» إشارة إلى أن الحاسة العاملة في الإنسان، عند الظلام، هى حاسة السمع، حيث يبطل عمل البصر، ويتحول المجال الحسى للإنسان كله، إلى أذن تسمع! .. فالناس في عالم الظلام، تتجمع حواسهم في سمعهم.. ومع هذا، فإن هؤلاء المشركين لا يسمعون، حتى حين يكون السمع هو الوسيلة الوحيدة للإنسان في اتصاله بالحياة..! قوله تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ»

стр. 4189

وكما في قدرة الله سبحانه، أن يحبس الليل، فلا يتحول عن مكانه من الأرض، كذلك في قدرته جل شأنه أن يجعل من النهار سلطانا قائما على الأرض لا يتحول عنها أبدا، ولا يجد الناس- ولا الكائنات الحية- هذا الليل الذي يلف الوجود بردائه، ويريح الكائنات على صدره.. - وقوله تعالى: «أَفَلا تُبْصِرُونَ» - إشارة إلى أن حاسة البصر في هذا النور الدائم الذي لا ينقطع أبدا، تكون هي الأداة العاملة في الإنسان.. ومع هذا، فإن المشركين، لا يبصرون في هذا النور الغامر، الساطع، الدائم.. قوله تعالى: «وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» هو تعقيب على الآيتين السابقتين، ورد على ما سئل عنه المشركون، وأعياهم الجواب عنه.. فالله لم يشأ أن يجعل الليل سرمدا، أو النهار سرمدا، بل جعل الليل والنهار، ووصل بعضهما ببعض، ولم يجعل لأحدهما وجودا بغير الآخر.. وجعل ذلك رحمة منه سبحانه، بعباده، وإحسانا إليهم.. - وقوله تعالى: «لِتَسْكُنُوا فِيهِ» الضمير فى «فيه» يعود إلى الليل. وفي ذلك إشارة إلى أن الليل- وإن كان ظلاما- فإنه يحمل معه السكن، والهدوء والاستقرار، ولراحة، بعد عمل النهار.. والضمير في قوله تعالى: «مِنْ فَضْلِهِ» يعود إلى لفظ الجلالة، أي من فضل الله.. والابتغاء من فضل الله، يكون في كل وقت، فى النهار، وفي الليل. ولهذا لم يقيّد بظرف، كما قيّد السّكن. قوله تعالى: «وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» هو تذكير

стр. 4190

بقوله تعالى في مطلع الآيات السابقة: «وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» (الآية: ٦٢) .. وبهذا يكون ما بين هاتين الآيتين واقعا في حيز التهديد للمشركين، وسؤالهم يوم القيامة عن آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.. وهو سؤال تعجيز، يراد به وضعهم موضع الاتهام، وما يلقون فيه من تعنيف وتأنيب.. وفي تصدير الآيات بهذا السؤال التعجيزي، ثم ختامها به- فى هذا ما يشير إلى أهمية هذه القضية، التي جاءت الآيات للفصل فيها، وهي قضية التوحيد بالله! قوله تعالى: «وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» نزعنا: أي أخرجنا من كل أمة شهيدا، وهو الرسول المرسل إليهم.. كما يقول سبحانه: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» «٤١: النساء» . - وقوله تعالى: «فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ» أي هاتوا حجتكم، ودليكم على دينكم الذي تدينون به.. - وقوله تعالى: «فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» - أي فجاء كل إنسان ببرهانه وحجته، على دينه الذي يدين به، والإله الذي يعبده،: وهنا ظهر الحق، وزهق الباطل.. فأما من كانوا يعبدون الله، ويؤمنون برسل الله وكتبه، فقد جاءوا بالبرهان المبين، على أنهم على الدين الحق، فقبلهم الله سبحانه في ملكوته، وتقبل أعمالهم الطيبة، وتجاوز عن سيئاتهم. وأما من كانوا يعبدون غير الله، فقد ضل عنهم آلهتهم، وتركوهم ليلقوا مصيرهم الشئوم

стр. 4191

الآيات: (٧٦- ٨٣) [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧٦ الى ٨٣] إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)

стр. 4192

التفسير: قوله تعالى: «إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ» . مناسبة قصة قارون هنا، هى أن الآيات السابقة كانت تعرض مواقف المشركين من رسول الله، ومن الكتاب الذي بين يديه، وقد جمعت بينهم وبين فرعون، وجعلت منه ومنهم جبهة واحدة، تمثل الكفر، والعناد، والعتوّ، والفساد في الأرض.. وقصة «قارون» تطلع على هؤلاء المشركين من الماضي البعيد بصورة يرون في بيئتهم من يمشى بينهم في إهابها، وكأنما هو «قارون» بعث من قبره! وذلك فيمن كان يعيش في مجتمعهم من أغنياء اليهود، مثل حيى بن أحطب وغيره.. فالمشركون في صورتهم العامة، فراعين، فى عتوهم وضلالهم، تتحرك فى كيانهم أجسام غريبة، من اليهود، الذين جمعوا أموالا كثيرة، بأساليب لا يحسنها غيرهم.. وبهذا تكتمل المشابهة بين مجتمع المشركين، ومجتمع فرعون.. فكلا المجتمعين يتشكل من عنصر أصيل، وعنصر دخيل عليه.. وفي العنصر الأصيل كبر، وعناد، واستعلاء، وفي العنصر الدخيل انحلال، وفساد، وعفن.. وكلا المجتمعين، بعنصريه- الأصيل والدخيل- حرب على الحق والخير.. - وقوله تعالى: «إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ

стр. 4193

الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ» هو استحضار لأهل الكتاب في شخص اليهود، ثم استدعاء لليهود في شخص أغنيائهم، وأصحاب الثراء فيهم، ممن هم على شاكلة أبيهم قارون.. وهذا الاستدعاء هو نذير لليهود من قبل أن يلقاهم الرسول لقاء مباشرا، حتى يأخذوا حذرهم لأنفسهم من أن يقفوا من قومهم موقف قارون في أجدادهم، حين يدعوهم الرسول إلى الله، فيتصدّى منهم «قارون» أو أكثر من «قارون» لهذه الدعوة.. فإنهم إن فعلوا أخذهم الله كما أخذ قارون من قبل.. ففى قوله تعالى: «فَبَغى عَلَيْهِمْ» أي خرج من محيطهم، وانحاز إلى فرعون، ونسى أنه على دين يلتقى مع هذا الدين الذي جاء به موسى.. وقد جاءت الأيام بصدق هذه الصورة، فيما كان بين أغنياء اليهود من تحالف بينهم وبين المشركين على محاربة الدعوة إلى الإسلام، سرا وجهرا.. فكان أن أخذهم الله بما أخذ به المشركين، كما أخذ الله قارون بما أخذ به فرعون، وفي هذا يقول الله تعالى: «وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها.. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً» (٢٦- ٢٧: الأحزاب) - وقوله تعالى: «وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ» : الفاء هنا للتعقيب، بمعنى أن هذا الذي آتاه الله قارون من كنوز، قد كان بعد أن بغى على قومه، وانحاز إلى فرعون، وفي ذلك استدراج من الله له، حتى يغرق في الغى والبغي، كما يقول سبحانه: «أَيَحْسَبُونَ

стр. 4194

أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ.. بَلْ لا يَشْعُرُونَ» (٥٥- ٥٦ المؤمنون) .. و «ما» فى قوله تعالى: «ما إِنَّ» اسم موصول، وهو وصلته صفة للكنوز.. أي أن الله آتاه من المال الذي مفاتحه تنوء بالعصبة أولى القوة. والمفاتح، جمع مفتح، مثل كوكب.. والمراد بالمفاتح هنا: المداخل التي يدخل منها على هذا المال.. وهو لكثرته ونفاسته قد شددت الحراسة عليه. وفي إسناد، الفعل إلى المفاتح، وهي المداخل إلى هذه الأموال، وجعلها هى التي تدوء بالعصبة أولى القوة- إشارة إلى ما قام على هذه الكنوز من قوى شديدة ذات بأس من الخزنة والحرس، حتى إنها لتنوء، وتضعف عن حمل هذه القوى القائمة عليها.. يقال: ناء بالحمل: إذا ضعف عن حمله، لثقله عليه.. وكذلك المداخل التي يدخل منها على هذا المال الكثير، تنوء بما عليها من حراس أقوياء.. - وقوله تعالى: «إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ» .. المراد بالفرح هنا: فرح الزهو والعجب والخيلاء.. فهو فرح متولد من تلك المشاعر التي تحرك في صاحبها دوافع البغي والتسلط.. أما الفرح، على إطلاقه، فليس بالمكروه، إذا كان عن قلب يجد لفضل الله وإحسانه موقعا منه، كما يقول سبحانه: «وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ» (٤- ٥: الروم) . - وفي قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ» - إشارة إلى أن الفرح

стр. 4195

المكروه، هو الفرح المبالغ فيه، والذي يخلى نفس صاحبه من كل شعور بقدرة الله، وبما لهذه القدرة من تصريف في شئون العباد، وتقلّب أحوالهم.. فلو ذكر المرء هذا في حال من أحوال فرحه، لتخفف كثيرا مما هو فيه من فرح، ولعلم أنها حال لا تدوم، وأنه إذا لم يكن في مجريات الأحداث ما يقطع هذه الفرحة، قطعها الموت، وما وراء الموت من حساب وجزاء.. «والفرح» صبغة مبالغة من فرح.. قوله تعالى: «وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» .. هذا مما وصّى به أهل الصلاح والتقوى من قوم موسى، «قارون» ، هذا الذي استبد به العجب بماله، واستغواه الغى، بما ضمت عليه يده من سلطان بهذا المال.. فهم يدعونه إلى أن يسلك بهذا المال، الطريق الذي تحمد عواقبه، وتتم به تلك النعمة. وقد نصحوا له ألا يستبد به الفرح بما ملك، وفي ذلك إيقاظ له من سكرة هذا المال، حتى إذا صحا، دعوه إلى ما ينبغى أن يسوس به ماله هذا، فيطلب به رضا الله، ويقدم منه ما ينفعه في الآخرة، ويأخذ منه ما يصلح به شئون دنياه، فيجمع بذلك خير الدنيا والآخرة جميعا.. وأن يحسن وينفق في وجوه الخير، مثل ما أحسن الله إليه، فيلقى إحسان الله بالإحسان إلى عباد لله، فذلك هو زكاة هذه النعمة، وألا يتخذ من هذا المال أداة للفساد والإفساد

стр. 4196

فى الأرض، والإضرار بالناس، وهضم مالهم من حقوق.. إن الله لا يحب المفسدين.. قوله تعالى: «قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي.. أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ» وقد استقبل «قارون» هذه الدعوة الحكيمة الرشيدة بالاستخفاف والتحدي، شأنه في هذا شأن من غطى على بصره ما امتلأ به كيانه من أشر وبطر، فجعل كل نصح يلقى إليه، دبر أذنه، ومن وراء ظهره. - وقوله تعالى: «قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي» .. إنه ينكر أن يكون لله شىء فيما بين يديه من هذا المال الغمر.. إنه قد توصل إليه بحسن تدبيره، وجمعه بجهده وكده.. والعلم الذي أوتيه «قارون» ليس العلم الذي تحصله العقول، أو تستشفه البصائر، وإنما هو علم تنضح به الطبائع الخبيثة، والنفوس المريضة، من نفاق، ومداهنة، وانّجار بالذمم والضمائر، مما يحسنه اليهود، ويأخذون به مكان الأستاذية للناس جميعا.. وقد كان «قارون» فى هذا العلم أستاذا لهؤلاء الأساتذة.. فجمع هذا المال الوفير الذي كان موضع حسد من كثير من قومه، كما كان آفة مهلكة له.. وليس يعترض على هذا بقوله تعالى: «وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ» إذ قد يفهم من هذا أن الله سبحانه وقد آتاه هذا المال، إنما آتاه إياه هبة، وابتدأه به إحسانا، فهو- والأمر كذلك- لم يحصّل هذا المال بشىء من تلك الوسائل الخسيسة الفاسدة، خاصة، وأن القرآن الكريم قد استعمل هذا الفعل مسندا إلى الله في مواضع كثيرة، وكلّها في مقام الفضل والإحسان، وأجلّها ما كان

стр. 4197

من إيتاء الله الكتاب والحكم والنبوة، للكثير ممن اصطفى من عباده.. وردّنا على هذا: أولا: أن هذا لا يدفع أن يكون الله قد ابتدأ قارون بهذه النعمة، وأولاه هذا الإحسان.. ثم كان منه هذا الكفران بالله، والجحود لفضله عليه، والله يقول: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ» (١٧٥- ١٧٦: الأعراف) . وثانيا: أن قول قارون: «إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي» - هو دعوى يدّعيها، ويبرر بها إضافة هذا المال إلى كسبه بوسائله، تلك الوسائل التي أشرنا إليها.. فهو- فى تقديره- كان يحسب أن هذه الوسائل هي التي جلبت له هذا الثراء العريض، وهذه الوسائل- فى تقديره- هى علم يحسنه وحده، ولا يحسنه غيره.. وهذا لا يمنع من أن تكون تلك الوسائل في ذاتها غير فاعلة، وإن بدا في الظاهر أنها هي التي يردّ إليها هذا الذي اجتمع في يديه من مال.. وأن هناك أسبابا خفية، هى التي جلبت له هذا الثراء، على غير تقدير منه. وثالثا: قد يسند الإيتاء إلى الله للنقمة في ثوب النعمة، كما قال تعالى: «وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها» (٥٩: الإسراء) .. فالذى آتاه الله ثمود هنا- وهو الناقة- كان بلاء وهلاكا. ورابعا: أن إسناد هذا الفعل لله، إنما هو من مقولة القوم، الذين ينظرون إلى هذا المال الذي اجتمع ليد «قارون» كما ينظرون إلى كل شىء يناله الإنسان في هذه الدنيا، وهو أنه من عند الله.. إذ كان القوم مؤمنين بالله، وقولهم هذا هو على ما جرت به عادة المؤمنين، من إضافة كل شىء

стр. 4198

إلى الله، سواء أكان خيرا أو شرّا.. أما النعم الخالصة التي يسوقها الله إلى المصطفين من عباده، فإنها تحمل مع هذا الفعل مسندا إلى الله، بإخبار منه سبحانه، كما يقول سبحانه: «وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً» «٥٥: الإسراء» .. «وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ» . «٨٧: البقرة» .. أمّا «قارون» فقد أتاه الله هذا المال الوفير، جزاء بغيه، فكان نقمة في صورة نعمة. - وقوله تعالى: «أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً» هو رد على هذا الادعاء العريض الكاذب الذي يدعيه قارون.. وأنه لو كانت له قوة ذاتية، وكان له من العلم الذاتي ما جمع به هذا المال، لكان لهذه القوة وهذا العلم أن يحفظا عليه ما جمع، فلا يذهب من يده، بل كان لهذه القوة وهذا العلم أن يحفظا عليه ما جمع، فلا يذهب من يده، بل كان لهذه القوة وهذا العلم، أن يحفظا عليه وجوده هو نفسه!! فهل تنفعه هذه القوة، وهل يجديه هذا العلم، إذا جاءه بأس الله؟ ألا فلينظر إلى من كان قبله من الأمم السابقة، ممن هم أشد منه قوة وأكثر جمعا.. أين هم الآن؟ وأين ما جمعوا من مال وما اجتمع لهم من قوة؟ هل أغنى ذلك عنهم من بأس الله من شىء لقد؟ هلكوا، وهلك ما كان لهم. - وفي قوله تعالى: «أَوَلَمْ يَعْلَمْ» رد على هذا العلم الذي يدعيه، وأنه علم هو الجهل بعينه، وأنه لو كان علما حقا، لعلم به ما حل بالظالمين المفسدين في كل أمة وكل جيل ولما سار على دربهم، وسلك طريقهم..! - وقوله تعالى: «وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ» .. أي أن الله سبحانه إذا أخذ المجرمين بجرمهم في الدنيا، وأنزل بهم البلاء، وسلط عليهم النقم- أخذهم بغتة، على غير توقع منهم، حيث لا يسألون عما هم فيه من ضلال، ولا يدعون إلى موقف المحاسبة في هذه الدنيا.. فهذا موقف له يومه، يوم يقوم الناس لرب العالمين..

стр. 4199

قوله تعالى: «فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» . إنها الفتنة تتحرك في هذا الموكب، الذي تحتشد فيه زخارف الحياة، حيث يخرج قارون في موكبه الحاشد، وقد ظهر فيه سيدا عظيما في زى أصحاب الملك والسلطان، وبين يديه ومن خلفه الجنود والأعوان.. فتحركت مع هذا الموكب أهواء النفوس وشهواتها، وتطايرت من العيون قطرات الاشتهاء والتمني، فقال الذين همهم هذه الدنيا وحدها، وليس للآخرة نصيب يشغل به تفكيرهم، ويصرف إليه همهم- قالوا: «يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ.. إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» .. وهكذا تعظم الدنيا في عين طلابها، فإن فاتهم شىء منها مما وقع لغيرهم، تقطعت نفوسهم أسى وحسرة على حظهم المنكود، ذلك، ولو لم يكن ينقصهم شىء مما يحتاجون إليه لحفظ حياتهم، من طعام، وكساء، ومأوى.. وإنما هو الغيرة والتنافس في متاع الدنيا.. قوله تعالى: «وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ» . وهذه نظرة أهل الحق والعلم إلى الدنيا.. إنها نظرة قائمة على حساب سليم مع الحياة الدنيا ومتاعها.. فهى عندهم ظل زائل، ومتاع قليل، وحسب الإنسان منها أن يأخذ في حمد ورضى، ما قسم الله له، وأن يطلب الرزق من وجوه سليمة مستقيمة، وأن يؤدى حق الله والعباد فيما آتاه الله.. ثم لا يصرفه شىء من هذا عن طلب الآخرة، والإعداد لها، وابتغاء مرضاة الله بالأعمال الصالحة..

стр. 4200

فذلك هو خير مما لو اجتمعت الدنيا كلها للإنسان، ثم لم يكن له نصيب فى الآخرة.. - وقوله تعالى: «وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ» أي لا يلقيّ هذه المقولة، ولا يتقبل هذه الدعوة الطيبة إلى ابتغاء ثواب الله- إلا الصابرون، الذين يصبرون على بأساء الحياة الدنيا وضرائها، ابتغاء ما يلقون من جزاء حسن في الآخرة.. فمن لم يكن من الصابرين، فإنه لا يؤدى حقا، ولا يصبر على حق، بل يستعمل كل ماله في هذه الدنيا، ويستهلكه في يومه، غير ملتفت إلى غده.. إن الطاعات تكاليف وأعباء، لا تقع موقع القبول والرضا إلا من نفوس صابرة، تغرس اليوم، لتجنى ثمار غرسها غدا.. قوله تعالى: «فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ» . وهكذا يدور الزمن دورته، وينخرم حساب قارون مع دنياه هذه، وما جمع فيها، وإذا هو وما جمع في حفرة عميقة في الأرض، قد فغرت فاها، وابتلعته في غمضة عين، كما يبتلع الحيوان فريسته.. وهكذا تطوى صفحة هذا الضلال المتحرك، وتذهب معالمه، دون أن يكون له من ينصره من بأس الله ويدفع عنه هذا المصير، فقد ذهب عنه سلطانه، ولم يغن عنه ماله! قوله تعالى: «وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ» . وينتقل المشهد من قارون وموكبه، وداره وحشمه وماله، إلى تلك العيون

стр. 4201

التي كانت متعلقة بهذا الموكب وما يجر وراءه، وإذا بها شاخصة في ذهول مما حدث؟ أين قارون الذي تعلقت بأذيال موكبه أمانيّ القوم؟ وأين كنوزه وأمواله، وقصوره؟ لا شىء من هذا.. لقد اختفى كل شىء في لحظة خاطفة، كما يختفى السابح في الماء وقد احتوته دوامة عاتية، فغرق، وهوى إلى القاع!! أهكذا الدنيا إذن؟ وأ هكذا تصاريف القدر فيها؟ «وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ» ؟ إذن، فالأمر لله وحده، يبسط الرزق لمن يشاء، ويقدره ويقبضه عمن يشاء، بعلم، وحكمة وتدبير.. وإذن، فقد كان من فضل الله علينا أنه لم يستجب لأمنياتنا، ولم يؤتنا مثل ما أوتى قارون.. إنه لو فعل لكان مصيرنا كمصيره، ولخسف بنا وبدورنا الأرض، كما خسف به وبداره الأرض.. «لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا» . إن أشد الناس فقرا فينا، لهو خير من قارون وكنوزه.. وهل يرضى أحد من هؤلاء الذين شهدوا هذا المشهد اليوم أن يكونوا قارون الذي كان بالأمس؟ «وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ» .. وإذن، فالحكم القاطع الذي يمليه علينا هذا المشهد، هو أنه لا فلاح للكافرين أبدا، وإن كثرت أموالهم، وملكوا الدنيا في أيديهم.. إنهم هم الخاسرون خسرانا مبينا، فى الدنيا والآخرة جميعا. وكلمة «وى» أداة تعجب وانبهار، يلقى بها المرء مواقف العجب والدهش.. قوله تعالى: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» .

стр. 4202

هو تعقيب على هذه القصة، التي كان مدار حركتها قائما على هذه الدنيا، وقد انتهى المشهد، وقد تحطم هذا الدولاب، وتحطم كل ما احتواه.. وإذن فلا التفات إلى هذا الحطام، ولا اشتغال به.. وإذن فإلام تتلفت النفوس؟ وبم تشتغل القلوب؟ هذه هي الدار الآخرة.. الدار الباقية التي ينبغى أن يلتفت إليها، ويشتغل بها.. ولكن لمن هذه الدار؟ ومن يصلح للاتجاه إليها، والتعامل معها؟ «لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً» - فهؤلاء هم أهلها، حيث لا تنصرف إرادتهم إلى الدنيا، وإلى طلب العلو والإفساد فيها.. إن إرادتهم متجهة إلى الآخرة، وإن كانت الدنيا معبرهم إليها، وطريقهم عليها.. - «وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» أي العاقبة الحسنة الطيبة لأهل التقوى، الذين يريدون الله والدار الآخرة.. الآيات: (٨٤- ٨٨) [سورة القصص (٢٨) : الآيات ٨٤ الى ٨٨] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)

стр. 4203

قوله تعالى: «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ» . هو إعلان عام للمؤمنين والكافرين.. للمصلحين والمفسدين.. للذين يعلمون الصالحات، والذين يقترفون السيئات.. إن لكل حسابه وجزاءه.. أما أهل الإحسان، فيجزون بإحسانهم إحسانا مضاعفا.. فضلا من الله وكرما.. وأما أهل السوء، فيجزون بسوئهم سواء مثله، حقا من الله وعدلا.. وقد أفرد الضمير في مقام الإحسان، حيث تختلف منازل المحسنين، فيما يجزون به على إحسانهم.. الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، والله يضاعف لمن يشاء.. فهذا مقام الفضل، ينزل فيه الله عباده منازلهم من فضله ورحمته.. أما أهل السوء، فهم على حال واحدة.. السيئة بالسيئة ولا زيادة.. فهم فى مقام العدل. الذي يقتضى المساواة.. ولهذا جمع ضمير أهل السوء.. «فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ» . قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .. فرض القرآن على الرسول، هو حمله عليه حملا كاملا.. حيث يتلقاه من ربه، ويستقيم على كل آية منه، ويبلغه إلى الناس، ويجاهدهم به.. والمعاد الذي يرد إليه الرسول، هو لقاء ربه، وتلقى ما وعده الله به من رضا ورضوان.. وإذن فهذا القرآن المفروض على الرسول الكريم، هو الرفيق الذي يعيش

стр. 4204

مع الرسول في الدنيا، ويلقى الله به في الآخرة، حيث يجىء ومعه المحصول الوفير، من مغارس الإيمان التي غرسها القرآن في الأرض، فكان منها هذه الأمة المسلمة، التي تأخذ مكانها في المحشر، وقد رفع على رأسها علم التوحيد! وفي هذا يقول الله تعالى: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ» (٧١: الإسراء) ويقول سبحانه: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» (٤١: النساء) . - وقوله تعالى: «قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» - هو إلفات إلى هذا القرآن الذي فرض على الرسول، وهو الهدى، الذي من اتبعه اهتدى ورشد، ومن خالفه ضل وغوى.. قوله تعالى: «وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ» . أي أن هذا القرآن الذي فرضه الله عليك- أيها النبي- لم يكن عن أمنية تمنيتها، ولا عن سعى سعيت له.. فذلك مما لا يحصل بالسعي، ولا يستدعى بالأمانى.. وإنما هو رحمة خالصة من عند الله، يختص بها من يشاء من عباده، ويضعها حسب ما يقضى به علمه في خلقه: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» (١٢٤: الأنعام) . وقوله تعالى: «إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» هو بدل من «أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ» وهو في تأويل مصدر مفعول به لترجو.. والمعنى: ما كنت ترجو كتابا يلقى إليك من ربك، ولكن كنت نرجو رحمة منه.. وها قد جاءتك الرحمة عامة شاملة من ربك في اصطفائك للرسالة، ولكتابها الكريم.. «إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً» (٨٧: الإسراء) .

стр. 4205

- وقوله تعالى: «فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ» .. هو تعقيب على هذه؟؟؟ العظيمة، وتلك النعمة الكبرى، وهذه الرحمة العامة الشاملة، التي ينبغى أن يأخذ كل إنسان حظه منها، إذا هو التمسها، ودخل في حماها.. وهؤلاء هم المؤمنون.. أما الكافرون فلا نصيب لهم منها.. وإذن، فالذى ينبغى أن يكون عليه شأن الرسول مع هذه الرحمة الشاملة التي وضعها الله بين يديه- هو أن يجعلها قوة تظاهر المؤمنين، وتقوّى جبهتهم، إزاء الكافرين والمشركين وأهل الضلال جميعا، لأنها قوة من قوى الحق، ومن شأنها أن تخلص لأهل الحق وحدهم.. والنهى الموجه للنبى في قوله تعالى: «فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ» - هو دعوة للنبى إلى اليأس من هؤلاء المشركين من قومه، الذين قال الله فيهم: «أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ» (٤١: المائدة) وقال سبحانه: «إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ» (٣٧: النحل) ذلك أن وقوف النبي- صلوات الله وسلامه عليه- هذا الوقوف الطويل مع المشركين المعاندين من قومه، طمعا في إيمانهم، هو على حساب المؤمنين، أو الذين يستجيبون للإيمان، حيث تلك هي المواطن الصالحة للغرس، والإنبات والإثمار، وهي المواطن التي ينبغى أن يوجه الرسول إليها كلّ جهده.. وقد عاتب الله النبي الكريم في ابن أم مكتوم الأعمى، المؤمن، الذي جاء يستزيد من الرسول إيمانا، ويطلب هدى، والرسول في لقاء مع بعض وجوه القوم، من المشركين، وفي جدل حاد، يرجو الرسول من ورائه أن تلين قلوب الجماعة، وتدخل في دين الله- فقال تعالى: معاتبا لرسوله: «عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ
следующие страницы →