Полный текст (6 903 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
وفى القسم بالربّ، (بلى وربى) إشارة إلى ربوبية الله سبحانه، لهؤلاء الذين ينكرونه، وينكرون ما تقضى به الربوبية من الولاء الله، والتصديق برسله..
فهو إنكار غليظ، فى مواجهة الربوبية التي لا تنقطع فواضل إحسانها وإنعامها لحظة واحدة عن أي موجود، ولو انقطع ذلك لما كان لموجود وجود! - وقوله تعالى: «عالِمِ الْغَيْبِ» .. صفة للرب- الذي يعلم الغيب فى السموات والأرض، ويعلم ما عليه هؤلاء الكافرون من محادّة الله..
فهو سبحانه- وقد علم منهم هذا الضلال- لن يدعهم يذهبون من غير حساب ولا جزاء، بل سيبعثهم سبحانه، ويردهم إليه، ويجزيهم بما كانوا يعملون..
- وقوله تعالى: «لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ» أي لا يغيب عن علمه- سبحانه- وزن ذرة، كائنة فى السموات أو فى الأرض، ولا أصغر من الذرة- وهى ما هى فى الصغر- ولا أكبر ... فكل ذلك عنده فى كتاب مبين، قد استودع مكنونات علمه..
- وفى قوله تعالى: «إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» إشارة إلى حصر الموجودات كلها صغيرها وكبيرها «فِي كِتابٍ مُبِينٍ» أي مفصل فيه كل شىء تفصيلا واضحا محددا.. فما وقع فى ظن الكافرين بالله أن شيئا من هذا غائب عن علم الله إلا كان هذا فى كتاب مبين..
قوله تعالى:
«لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ.. أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ» .
اللام فى قوله تعالى «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا» هى لام العاقبة، أي أن عاقبة هذا العلم من الله لما يعمل الناس من خير أو شر، هو
стр. 4587
الحساب والجزاء، فيجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات، جزاء حسنا..
ويجزى الذي أساءوا السّوءى وعذاب الجحيم..
وقد أطلق الجزاء الذي يجزى به الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلم يقيد بأنه جزاء حسن للدلالة على أنه أمر واضح لا يحتاج إلى بيان.. إذ ليس للإحسان جزاء إلا الإحسان كما يقول سبحانه: «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ» (٦٠: الرحمن) وفى الإشارة إلى المؤمنين بقوله تعالى: «أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» رفع لقدرهم، وتنويه بمنزلتهم العالية فى مقام التكريم والإحسان.. وفى الضرب عن صفة الجزاء للذين سعوا فى آيات الله معاجزين، إشارة إلى التعجيل بالجزاء السيّء لهم، ومواجهتهم به بمجرد أن يعرضوا على الحساب.. إنه عذاب من رجز أليم..
وفى الإشارة إليهم بقوله تعالى: «أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ» فضح لهم وكشف عن موقفهم الذليل فى مقام الخزي والهوان..
وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ» إشارة إلى أنهم كانوا يخوضون فى آيات الله خوضا، بغير حساب، استخفافا بها، وسخرية منها.. وهذا بعض السر فى تعدية الفعل «سعى» بحرف الجر «فى» الذي يفيد الظرفية.
وقوله تعالى: «مُعاجِزِينَ» حال لبيان الغاية من هذا السعى الآثم فى آيات الله، وأنه لم يكن سعيا للإفادة منها، والاهتداء بهديها، وإنما هو سعى لحجبها عن الناس، ولتعجيزها، وإعجاز الناس عن الوصول إليها..
قوله تعالى:
«وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» .
стр. 4588
المفسرون يكادون يجمعون على أن هذه الآية مدنية، من بين آيات السورة المكية كلها.. ولا نجد لهم مستندا لهذا القول إلا ما تشير إليه الآية من الحديث عن الذين أوتوا العلم.. وإذا كان الذين أوتوا العلم هنا هم أهل الكتاب- وخاصة علماء اليهود- وإذا كانت السورة مكية، والقرآن المكي لم يخاطب أهل الكتاب بعد، فيكون من مقتضى هذا، أن الآية من القرآن المدني الذي نزل فى مواجهة أهل الكتاب بعد الهجرة!! .. هكذا كان تقدير القائلين بأن هذه الآية مدنية..
ولا معوّل- عندنا- على هذا الاستنتاج الذي لا يسنده خبر صحيح.. وعلى هذا، فالآية مكية مثل آيات السورة كلها.
وأما الإشارة إلى الذين أوتوا العلم، وليكن المراد بهم أهل الكتاب، فإن هذا لا يمنع من أن يتحدث القرآن عن أهل الكتاب، وأن يستدعيهم الشهادة على ما يعلمون من آيات الله، وأنها الصدق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وذلك قبل أن تلتقى بهم الدعوة، وتلقاهم لقاء مباشرا..
وسواء أشهد أهل الكتاب أم لم يشهدوا، وسواء أكانت شهادتهم حقا أو باطلا، فإن هذه الإشارة إليهم، هى مطالبة لهم بأن يقولوا ما عندهم من علم عن هذا الرسول، وعن الكتاب الذي بين يديه، وأن ينطقوا بألسنتهم ما كتموه فى صدورهم ... فإن لم يفعلوا فقد أثموا، وأدينوا، لأنهم خالفوا ما أمرهم الله به، ونقضوا الميثاق الذي أخذه عليهم، كما يقول سبحانه «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ» (١٨٧: آل عمران) ثم إن فى هذا إرهاصا بما سيكون لهذه الدعوة من شأن مع أهل الكتاب، وأنهم سيدعون إليها، ويطالبون بالايمان بها، وذلك حين يجىء دورهم..
стр. 4589
وقوله تعالى: «وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» .. والمراد بالرؤية هنا، العلم..
- وقوله تعالى: «الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ» «الذي» مفعول أول للفعل يرى، بمعنى يعلم، ومفعوله الثاني هو قوله تعالى: (الْحَقَّ) .. والضمير (هو) (ضمير فصل يشير إلى القرآن الكريم. ويلفت إليه، وينوه به.. وفى تعريف «الحق» ما يفيد القصر، وذلك بتعريف ركنى الجملة إذ أن أصل الكلام هو: «الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ» .. أي الذي لا حقّ وراءه.. فهو وحده الحق، وما سواه خارج عليه، فهو الباطل..
وقوله تعالى: «وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» .. معطوف على المفعول الثاني «الحقّ» .. فهو جملة فى محل نصب.. أي ويعلم الذين أوتوا العلم أن الذي أنزل إليك من ربّك يهدى إلى صراط العزيز الحميد..
قوله تعالى:
«وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ» الآية معطوفة على قوله تعالى: «وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ» .. أي أن الذين أوتوا العلم رأوا، ما أنزل إلى النبىّ من آيات ربه، فعلموا أنها الحقّ، وقالوا- بلسان الحال- آمنا به، وبما حدّث به عن البعث والحساب والجزاء.. وكان قول الذين كفروا هو الاستهزاء والسخرية برسول الله، والتكذيب لآيات الله.. فقالوا ساخرين مستهزئين منكرين:
«هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ؟» ..
إنهم يتنادون فيما بينهم، ويدعو بعضهم بعضا إلى هذا العجب الذي يحدّثهم به النبىّ ﷺ ، من أمر البعث والحياة الآخرة، وما فيها من جنة ونار..
стр. 4590
قوله تعالى:
«أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ» هذا هو مجمل ما يجيب به بعضهم بعضا، على هذه التساؤلات التي يتساءلونها فى أمر هذا الخبر العجيب الذي يحدثهم به النبىّ عن البعث.. إنهم ينتهون إلى أن يضعوا النبىّ بين أمرين، لا ثالث لهما: إما أن يكون رجلا افترى على الله الكذب فيما يحدثهم به، ويقول عنه إنه من عند الله.. فهذا الحديث- عندهم- لا يكون من الله، لأن الله لا يعقل منه أن يقول مثل هذا القول غير المعقول.. وإما أن يكون هذا الرجل مجنونا، يلقى الكلام كما يصوّره له جنونه.. وإذن فعلى كلا الأمرين، لا يسمع له، ولا يلتفت إليه..
وفى قولهم على «رجل» إمعان منهم فى الاستصغار لشأن النبي، وأنه أقلّ من أن يذكر باسمه أو صفته.. ولهذا ردّ الله سبحانه عليهم بقوله: «بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ» .. فأضرب الله على كلامهم وأبطله، ثم ألقى بهم فى العذاب، وألبسهم لباس العمى والضلال..
وقدّم العذاب على الضلال، مع أن العذاب الذي سينالهم هو من ثمرة ضلالهم- قدم هذا، استعجالا لما يسوءهم، واستحضارا للبلاء الذي ظنوا أنهم فى مأمن منه..
قوله تعالى:
«أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ.. إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ.. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ»
стр. 4591
هو تهديد لهؤلاء المشركين، الذين كانوا يسخرون من رسول الله.
ويكذبون بآيات الله، ولا يرجون لقاء الله.. فهؤلاء وقد توعدهم الله بالعذاب الأليم فى الآخرة، إن كانوا قد شكوا فى هذا الوعيد، أو استبعدوا يومه، فلينظروا فيما حولهم، وفيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض.. من يمسك السماء أن تسقط عليهم؟ ومن يحفظ الأرض أن نخسف بهم؟ أليس هو الله ؟ ذلك ما لا سبيل إلى إنكاره.. وإذا كان ذلك كذلك وقد عصوا الله، وحادوا رسوله- أفلا يمكن أن يعاجلهم الله بالعقاب فى الدنيا؟
أهناك من يعصمهم من بأس الله إذا جاءهم؟ أهناك من يردّ مشيئة الله لو شاء سبحانه أن يخسف بهم الأرض، أو يسقط عليهم حجارة من السماء؟
وفى قوله تعالى «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ» إشارة إلى أن هذا الذي تحدث به الآية عن قدرة الله وعن بأسه الذي لا يرد، لا يلتفت إليه ولا ينتفع به إلا من كان ذا عقل متفتح، وبصيرة نافذة، وقلب سليم، إذا رأى الحق عرفه، وإذا عرفه آمن به، وعمل على هداه، فإن كان كافرا آمن بالله، وإن كان عاصيا تاب إلى الله ورجع إليه من قريب، أما من أنام عقله، وأغلق قلبه، فإنه يظل مجمدا على حال واحدة، لا يتحول عنها، ولا يرجع عن الطريق الذي ركبه، وإن كان فيه مهلكه.
الآيات: (١٠- ١٤) [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١٠ الى ١٤]
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)
стр. 4592
التفسير:
قوله تعالى:
«وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» .
أوبى معه: أي سبحى معه ورددى ما يقول من آيات الشكر والحمد لله..
السابغات: الدروع الضافية، الكاسية.. ونعمة سابغة: أي كثيرة عامة شاملة، تغنى صاحبها، وتستر حاجته، وتسد خلّته..
وقدر فى السرد: أي اعمل بحساب وتقدير فى نسج الدروع من الحديد، ووصل حلقات بعضها ببعض. ومنه قوله تعالى: «وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها» .. أي أوجدها فى دقة وإحكام..
ومناسبة الآية لما قبلها، أن الآية السابقة عليها ختمت بقوله تعالى. «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ» فجاءت هذه الآية لتكشف عن صورة كريمة للإنسان الذي يحقق معنى الإنابة، على التمام والكمال، وهو داود ﵇.
وإذا كان داود وسليمان قد خلع الله عليهما هذه الخلع العظيمة
стр. 4593
من نعمه، فإن هذه النعم لا يقام بحقها، ولا يؤدّى بعض ما لله على عباده منها، إلا إذا كانت النعم ابتلاء من الله.. كالنقم سواء بسواء، فمن لم يصبر على مراقبة الله فيما حوله من نعم، ضل وانحرف، وفى قارون مثل بيّن فى هذا.. ولهذا جاء قول سليمان، فيما حكاه الله عنه، بعد أن طلب عرش ملكة سبأ فوجده بين يديه، جاء قوله. «هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ» كاشفا عن تلك الحقيقة من أمر النعم، وأنها قد تدعو من لا يحرص على مراقبة الله فيها.
إلى الكفر والضلال.. وقد كان داود ﵇ فى حراسة دائمة لنفسه.
وفى مراجعة لكل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال، وأنه كلما وجد من نفسه ما لا يرضاه فى صلته بربه، بادر بإصلاح ما كان منه، وصالح ربّه بالتوبة والاستغفار..
وفى هذا يقول عنه: «وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ» .
- وقوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا» بيان لما أنعم الله به على عبده داود من فواضل إحسانه وكرمه.. وفى تقديم متعلق الفعل وهو الجار والمجرور «منّا» على المفعول به «فضلا» تعظيم للمنعم. وإشارة إلى علو المقام الذي جاء منه الإحسان، فيقطع العقل بأنه إحسان عظيم قبل أن يكشف عن الإحسان.
- وقوله تعالى: «يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ» .. هو مقول لقول محذوف.. والتقدير فشكر لنا هذا الفضل، وسبح بحمدنا على هذا الإحسان، فقبلنا منه شكره وحمده، وقلنا «يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ» أي سبحى، وأعينيه على حمدنا وشكرنا، إذ كانت نعمنا عليه كثيرة، لا يستطيع أحد شكرها، مهما اجتهد فى الشكر، وبالغ فى الحمد.. فمن فضل الله على عباده أن يحسن إليهم، ومن تمام هذا الإحسان أن يعينهم على شكره، ومن مضاعفة العون أن يسخر غيرهم ليكونوا ألسنة من ألسنة الشكر لله معهم على ما أنعم الله عليهم.
стр. 4594
فالجبال هنا مأمورة من الله سبحانه أن تسبّح مع داود، وأن تقوم إلى جانبه شاكرة لله، وكأنها من صنعة داود، وغرس يديه.. وهذا إحسان من الله على عبده داود، فوق إحسان، وفضل فوق فضل.. وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا» أي زيادة فى الإحسان، ومزيدا من النعم، يفضل بهما كثيرا ممن أنعمنا عليهم من عبادنا..
والتأويب: الترديد والترجيع، فهو من الأوب، والرجوع.. وتأويب الجبال مع داود، هو ترديد تسبيحه، فيكون ذلك أشبه بالصدى للصوت، حيث، يرجع الصوت فى هذا الصدى إلى مصدره الذي جاء منه.
وقوله تعالى: «وَالطَّيْرَ» .. الواو هنا واو المعية، والطير مفعول معه..
والتقدير: وقلنا يا جبال أوّبى معه، مع الطير التي تسبح معه.
وعلى هذا يكون الأمر من الله ، متجها إلى الجبال، وإلى الطير، لتشارك داود التسبيح لله، ولتعينه على حمد الله وشكره..
واختيار الجبال، والطير، من بين الكائنات كلها، إنما هو- والله أعلم- لأن الجبال أبرز وجوه الأرض، فهى أشبه بالسلطان القائم عليها، والطيور هى ملوك السماء، وأبرز ما يحلّق فى أجوائها من ذوات الأجنحة، كالذباب، والبعوض، وغيره..
وقوله تعالى: «وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ» أي أخضعناه لسلطانه، وجعلنا له القدرة على التصرف فيه، وتشكيله على الوجه الذي يريد..
والذي يجمع عليه المفسرون، أن الله قد ألان الحديد ليد داود، وغيّر طبيعته، فجعله فى يده مثل العجين، يشكّله كيف يشاء، كما يشكل المرء صورة من الطين أو العجين..
стр. 4595
والرأى عندنا- والله أعلم- أن إلانة الحديد لداود، إنما كانت جارية على سنن الحياة، وأن الله سبحانه قد علّمه الأسلوب الذي يلين به الحديد، وهو عرضه على النار، والنفخ فى النار حتى يحمّر، ويقبل الطرق..
وذلك ما لم يكن معروفا للناس فى ذلك الزمن.. ولهذا كان داود أول من صنع من الحديد دروعا، كما يقول : «وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ» (٨٠: الأنبياء) .. وبهذا يكون داود ﵇، أول من طرق الحديد، متوسلا إلى ذلك بما علمه الله، من عرض الحديد على النار، حتى يلين، ويقبل الطرق..
وقوله تعالى: «أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ» أي وأوحينا إليه أن عمل دروعا سابغات..
وقوله تعالى: «وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ» أي أحكم السرد، واضبطه.. وهذا توجيه من الله بإتقان العمل، وإحسانه، وضبطه على أحسن وجه له..
وقوله تعالى: «وَاعْمَلُوا صالِحاً» .. هو معطوف على قوله تعالى: «وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ» أي أحسن الصنعة وأحكمها.. وأحسنوا أيها الناس جميعا كلّ عمل تعملونه، وأخرجوه على الوجه المرضىّ.. فإن إحسان العمل مما يحسب فى الصالحات للإنسان.. فليس الإحسان فى العمل مطلوبا من الأنبياء وحدهم، وإنما هو مطلوب من كل إنسان.. «وَأَحْسِنُوا.. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» وقوله تعالى: «إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» - إشارة إلى أن الله مطلع على عمل كل عامل، وأنه سبحانه بصير بما يعمل العاملون، يكشف ما فى العمل من عيب أو عوج..
стр. 4596
ويجازى المحسن على إحسانه، والمسيء بإساءته.. «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» .
قوله تعالى:
«وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ» ..
الآية معطوفة على قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا» أي:
«ولقد آتينا داود منا فضلا، وسخرنا لسليمان الريح..» !
وقوله تعالى: «غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ» .
الغدوّ: أول النهار، وفيه تغدو الكائنات إلى حيث تطلب رزقها وغذاءها..
والرواح: آخر النهار، حيث ترجع الكائنات الغادية، وتروح إلى مراحها الذي ترتاح فيه، بعد عمل يومها..
ومعنى غدوها شهر ورواحها شهر، أي أن مسيرة الريح المسخّرة لسليمان، فى غدوة، تقدّر بمسيرة شهر، سيرا على القدم، كما أن مراحها، ورجوعها من غدوتها، يعدل مسيرة شهر.. كذلك..
أما ما يذهب إليه أكثر المفسرين من أن الريح كانت تنطلق شهرا غادية، وشهرا رائحة، فى حدود مملكة سليمان- فهذا بعيد، لأن رقعة مملكة سليمان لم تكن تتجاوز حدود فلسطين، وهذه الرقعة هى التي يمكن أن تقطعها الريح فى غدوة أو روحة من نهار.. وأقرب شاهد لهذا ما جاء فى القرآن الكريم من أن سليمان لم يكن يعرف مملكة سبأ حتى أخبره
стр. 4597
الهدهد بخبرها.. فلو كان ملك سليمان مما يتسع لجريان الريح شهرا فيه، لكان ذلك ملكا يسع معظم العالم كله، ولكانت سبأ داخلة فى سلطان هذا الملك، من باب أولى..
وقوله تعالى: «وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ» أي النحاس.. والنحاس أشد من الحديد إباء على النار.. فهو يحتاج فى صهره إلى قوة حرارية أكثر مما يحتاج إليه الحديد..
وإذا كان داود قد عرف كيف يليّن الحديد، فإن سنة التطور تقضى بأن يتعرف ابنه سليمان على القوة الحرارية التي يتمكن بها من إلانة النحاس وصهره..!
والتعبير عن الحديد بالإلانة فى قوله تعالى: «وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ» ، وعن النحاس بالسيولة- فى قوله تعالى: «وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ» - إشارة إلى اختلاف طبيعتى كلّ من الحديد والنحاس، وأن الحد يمكن تشكيله بالطرق إذا سخن ولان.. أما النحاس، فلا ينتفع به حتى ينصهر، ويتحول إلى مادة أقرب ما تكون إلى السوائل.. وهذا ما نجده فى قوله تعالى على لسان ذى القرنين. «آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً» .. فالحديد هنا قد عرض على النار حتى احمر وصار أشبه بالجمر.. ثم جاء بالقطر- وهو النحاس الذائب- فأفرغه على هذا الحديد، وصبّه فوقه، كما يصب الماء على النار!! وعين القطر، هو الخالص منه.. فهو نحاس خالص، لم يختلط بشىء، مما يسمى «الشّبه» أي شبه النحاس..
وقوله تعالى: «وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ» أي وسخرنا له من الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه، ويستجيب لأمره من غير مراجعة.
стр. 4598
والجنّ عالم غير مرئى، يعيش معنا على هذه الأرض، كما تعيش كثير من المخلوقات، غير المرئية، كالديدان فى باطن الأرض، وكأنواع كثيرة من الأسماك فى أعماق المحيطات.. وكوننا لا نرى هذه الكائنات، لا يدعونا الأمر إلى إنكارها، أو الشك فى وجودها..
وقد أخبر الله عن الجنّ، وأنزل سورة باسمهم، وقصّ علينا شأنا من شئونهم، وأعلمنا أن منهم المؤمنين، وأن منهم الفاسقين.. فيلزمنا التصديق بهم.. كما تحدث القرآن عنهم..
وقوله تعالى: «وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ» إشارة إلى أن سلطان الله قائم على هذه الكائنات، وأنه سبحانه قد سخّرها لتخدم عبدا من عباده، هو سليمان- ﵇ فهى واقعة تحت هذا الحكم، لا تخرج عنه. ومن خرج عنه منها، عذبه الله عذابا أليما..
وليس كل الجن سخّر لسليمان، وإنما بعض منهم، كما يفهم من قوله تعالى:
«وَمِنَ الْجِنِّ» أي ومن بعض الجن..
قوله تعالى:
«يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» ..
أي أن هذه الجماعة من الجن، التي سخرها الله لسليمان، تعمل له ما يشاء: «من محاريب» أي بيوت عبادة، فالمحراب هو مكان العبادة، كما قال تعالى:
«فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ» .. «وتماثيل» أي صور كائنات وأشياء مجسدة، يزين بها ما يبنى من دور وقصور، وبيوت عبادة، «وجفان كالجواب» الجفان جمع جفنة، وهى القصعة الكبيرة يوضع فيها الطعام للآكلين.
стр. 4599
والجواب: جمع جابية وهى حوض كبير يجتمع فيه الماء، ومنه جبيت الخراج، أي جمعته، «وقدور راسيات» : القدور جمع قدر، وهو ما يطبخ فيه الطعام، وينضج على النار «وراسيات» أي ثابتات كالجبال، لا تنتقل لضخامتها.
وفى وصف الجفان بهذه الضخامة والاتساع، ووصف القدور بهذه الأحجام العظيمة- دليل على سعة ملك سليمان، وما بسط الله له من رزق، حتى ليطعم على مائدته هذه الأعداد الكثيرة من الناس، التي أعدت لها تلك الأوانى والأدوات، لتهيئة الطعام لها..
وقوله تعالى: «اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً» .. أي اعملوا عملا، تقدمونه شكرا لله، بما أسبغ عليكم من نعم، وما أضفى عليكم من إحسان..
فالشكر المطلوب هنا من آل داود، هو شكر بالعمل، بعد شكرهم باللسان، كما جاء ذلك فى قوله تعالى: «يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ» .. وهذا ما يشير إلى أن هذه الجفان التي كالجواب، وتلك القدور الراسيات كالجبال، إنما كانت لإطعام الفقراء والمساكين، وأن قوله تعالى: «اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً» هو حثّ لهم على الاستزادة من هذا الإحسان، الذي قبله الله منهم، ورضيه لهم..
وقوله تعالى: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» هو تحريض لآل داود على أن يستزيدوا من شكر الله بهذا الذي يعملونه، وأنه إذا كان فى الناس كثير من الشاكرين لله، فإن قليلا منهم من يستحق وصف الشكور.. فتلك منزلة عالية فى مقام الإحسان، وآل داود أولى بهم أن يبلغوها، ويصبحوا من أهلها.
وهنا ملحظ لا بد منه، وهو أن الله قد كان من نعمه على سليمان أن سخر له الجن لتعمل له فيما تعمل- «تماثيل» منحوتة من صخر، أو منجورة من خشب، أو مصبوبة من حديد ونحاس.. وهذا يعنى أن صناعة
стр. 4600
التماثيل ليست مما يقع فى دائرة التحريم، أو الكراهية، وإلا لكان نبىّ الله سليمان أبعد الناس عن ملابسة هذه الصناعة، والانتفاع بها..
بقي بعد هذا أن نسأل:
لماذا قامت هذه الجفوة بين المسلمين وبين ممارسة فنّ النحت، والتصوير، والرسم، وغيرها من الفنون الجميلة؟
ولا نجد لهذا الجفاء مستندا من كتاب الله، ولا من السنة الصحيحة.. بل إن عكس هذا هو الصحيح.. إذ كانت دعوة الإسلام دعوة تلتقى بالإنسان عن طريق عقله وقلبه، وتخاطبه فى مواجهة مدركاته، ومشاعره ووجداناته..
ودعوة على هذا الأساس لا يمكن أن تحجر على ملكات الإنسان، أو أن تكبت مشاعره، وتحول بينه وبين أي فن جميل يثير المدارك، ويغذى المشاعر والعواطف..
والذي يمكن أن يكون من الإسلام فى أول أمره، أنه لم يفتح صدره لفنّ النحت، ولم يفتح للناس طريقا إليه، خاصة وأن المجتمع الإسلامى يومئذ، كان خارجا من جاهلية اتخذت من النحت غاية لا تتجاوز صناعة الأصنام وعبادتها..
فكان من الحكمة أن تخفّ فى الإسلام موازين النحت، الذي لم يلد على يد المجتمع الجاهلى إلا هذا الإثم الذي عكفوا على عبادته.. وهذا الموقف يشبه موقف الإسلام من الشّعر، الذي كان يحمل قدرا كبيرا من الضلال والإفك..
وقد كان من الطبيعي أن يردّ إلى النحت والتصوير والرسم، وغيرها، اعتبارها، بعد أن ماتت فى النفوس عبادة الأصنام، واختفت شخوصها إلى الأبد..
ولكن الذي حدث، هو الإمعان فى الجفوة لهذه الفنون، لا لسبب إلا أنها
стр. 4601
لم تكن من مادة الحياة فى عصر النبوة أو فى عصر الخلفاء الراشدين.. وقد فات الذين ينظرون إلى هذه الفنون من خلال عصر النبوة، أن هذا العصر كان يعالج النفوس، والقلوب والعقول، من آفات كثيرة علقت بها، وأنه لم يعرض للجوانب السليمة المعافاة من الأدواء فى كيان الإنسان، بل تركها تجرى على طبيعتها، وبقدر ما تحمل من طاقات وملكات! قوله تعالى:
«فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ» .
تكشف هذه الآية عن حقيقة الجن، وتصحح تلك الصّور المشوهة التي وقعت فى أوهام الناس لهم، بنسبة الخوارق إليهم، وأنهم يقدرون على كل شىء قدرة مطلقة، وأنهم يعلمون الغيب، ولهذا يلجأ كثير من الناس إلى محاولة الاتصال بالجن، كما يفعل العرافون والسحرة وغيرهم، ففى قوله تعالى: «فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ» - إشارة إلى أن سليمان حين حان أجله، وقضى الله عليه الموت، أي أوجب عليه الموت حين جاء وقته، وكان سليمان حين مات، قائما بين الجنّ وهم بين يديه يعملون له- لم يعلموا بموته، وظلوا يعملون فيما أمرهم به..
ولم يدلّهم على أنه قد مات إلا دابة الأرض، التي كانت تأكل منسأته، أي عصاه التي كان يتكىء عليها.. فلما عبثت دابة الأرض بالعصا، زايلت موضعها، وسقطت على الأرض. وخر سليمان على الأرض كذلك.. وهنا علم الجن أن سليمان قد مات.. فأخلوا مكانهم، ومضوا إلى حيث يشاءون!! ولو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أن سليمان قد مات، ولو كان بعيدا عنهم، فكيف وهو تحت سمعهم وبصرهم؟
стр. 4602
إن الجن كائنات محدودة القدرة، واقعة فى قيد العجز عن كثير من الأمور، شأنها فى هذا شأن الإنسان.. الذي يقدر على القليل، ويعجز عن الكثير.
وقد كثرت الأقوال فى دابة الأرض، وفى المدة التي قضتها حتى أكلت العصا، وأتت عليها.. والرأى الذي عليه المفسرون أنها الأرضة، وهى دودة تتسلط على الخشب، فتنخر فيه وتفسده، وتسمّى «السوس» .. وأنها ظلت تفعل هذا مدة طويلة، بلغ بها بعضهم سنة! والذي حمل المفسرين على القول بأن الدابة هى الأرض- هو- في ظننا- إضافة الدابة إلى الأرض.. أي أنها صغيرة ضئيلة، ملتصقة بالأرض..
كبعض الحشرات..
والرأى عندنا، أن الدابة، كل ما دبّ على الأرض.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» فكل ما دبّ على الأرض، من إنسان وحيوان، فهو دابة، وكونها فى الأرض، أو على الأرض، لا يغير من الأمر شيئا، وأنه إذا كان لإضافتها إلى الأرض هنا شأن خاص، فهو- والله أعلم- المبالغة فى الإشارة إلى جهل الجنّ بعلم ما فى الغيب، وأن دابة من دوابّ الله فى الأرض، أعلم منهم، حيث دلتهم، وكشفت لهم عما عجزوا وهم عن كشفه، وهى مما على الأرض، فكيف بما فى السماء من عوالم المخلوقات؟
وليس ببعيد أن تكون الدابة التي كانت تأكل من عصا سليمان، شيئا أكبر من الأرضة، وليس ببعيد ألا تكون الدابة واحدة، بل أعدادا كثيرة من نوع هذه الدابة.. فإن اللفظ يحتمل هذا..
وعلى هذا، فالذى يمكن أن تفهم عليه دابة الأرض، هو أن تكون هذه الدابة حيوانا كبيرا مما يدب على الأرض، ويمكن أن يتناول العصا بفمه، ويحاول الأكل منها، كبعض الحيوانات آكلة العشب، مع احتمال أن تكون
стр. 4603
عصا سليمان من بعض أغصان الزيتون الخضراء، التي لم تجفّ بعد.. فليس ببعيد- والأمر هكذا- أن تكون هناك شاة أو نحوها قد تمسّحت به، ومدت فمها إلى العصا، تريد الأكل منها، فوقعت العصا وخرّ سليمان إذ كان ميتا..
أما أن يظل سليمان هذا الزمن الطويل الذي يتجاوز الأيام إلى الأسابيع والشهور، وهو نائم، دون أن يفتقده أحد من رعيته، وأعوانه، ووزرائه، وقواده، فذلك ما لا يقبله العقل، وإن قيل أن جثته لم تتغير ولم تتحلّل خلال هذه المدة!! إنه من غير المعقول الذي يرتفع إلى درجة المستحيل، أن يغيب سليمان عن تدبير مملكته أياما، ثم لا يلتفت إليه أحد!! إن أي إنسان ذى شأن، لا يمكن أن تغفل عنه العيون يوما أو بعض يوم، فكيف بصاحب هذا السلطان العظيم؟
ويمكن كذلك أن تكون الأرضة قد كانت متسلطة على عصا سليمان، وهو لا يعلم، وأنه كان يحمل تلك العصا وقد عاث السوس فيها، حتى إذا كان متكئا عليها فى مجلس من مجالسه، لم تتحمل طول اتكائه عليها، فانكسرت به حين مات وثقل جسمه، كما هو الشأن فى كل ميت! والسؤال هنا: هل كان الجن لا يعلمون أنهم لا يعلمون الغيب حتى وقعت هذه الواقعة، وانكشف لهم منها أنهم معزولون عن علم الغيب؟
والجواب- والله أعلم- أنهم كانوا بما لهم قدرة على الحركة والانطلاق فى آفاق فسيحة، يظنون أنهم أقدر من الإنسان على النظر البعيد الذي يكشف ما سيأتى به الغد، بالنسبة للإنسان الذي لا يرى مثل هذه الرؤية البعيدة. فمثلا إنسان على طريق سفر يمكن أن تراه الجنّ، وتخبر عنه، وعن حاله على هذا الطريق، والحديث الذي يتحدث به، والأمتعة التي معه، وبعدكم من الزمن سيصل إلى المكان الذي يتحدث فيه أهله عنه.. كل هذه الأمور وكثير
стр. 4604
غيرها يمكن أن يعلمها الجن، قبل أن يعملها الإنسان الذي فى الطرف الآخر من هذه الوقائع.. وهو فى الواقع ليس من علم الغيب، وإنما هو مشاهدة، حيث كان عن واقع محسوس يراه الجن رأى العين.. فهو حضور بالنسبة للجن، ولكنه غيب بالنسبة للإنسان البعيد عن موقع الحدث.. حيث يرى الجن- ولا نرى نحن البشر- ما وراء الأبواب المغلقة، أو الجدر القائمة، ونحوها..
وهذا غيب بالنسبة لنا، ولكنه حضور بالإضافة إلى الجن..
أما الغيب بالنسبة للجن، فهو الأحداث التي لم تولد بعد، ولم تخرج إلى عالم الشهود، كمقدّرات الله فى خلقه، وما يلقون على طريق حياتهم من خير أو شر.. كالعمر، والرزق والذرية، وغير ذلك مما هو مقدر على الإنسان..
ومثل الإنسان فى هذا سائر المخلوقات، وما قدّره الله لكل مخلوق.. فهذه المقدرات التي هى فى حالة كمون، لم تتحرك بعد إلى الظهور، لا يعلمها إلا علام الغيوب، وإلا من اصطفى من رسله، فأظهره على بعض ما انطوى فى صحف الغيب.
وموت سليمان بالنسبة للجن هو غيب، إذ أن الروح التي كانت تلبس سليمان وتضفى عليه الحياة، هى سر من أسرار الله، وغيب من غيوبه، وأمر من أمره، لا يعلمه إلا هو، فلما زايلت مكانها من سليمان، لم يشعر الجن بها، ولم يعلموا من أمرها شيئا، وحسبوا سليمان- وهو ميت- أنه فى غفوة، أو فى سنة من النوم.. فلما سقطت العصا التي كان يتكىء عليها، وخرّ ميتا دون حراك، علم الجن أنه مات، وتبين لهم من ذلك أنهم لا يعلمون الغيب، ولو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أمر الروح التي زايلت سليمان، ولعلموا أنه مات، ولما لبثوا فى قيد التسخير والعمل يوما أو بعض يوم.. إنه عذاب مهين لهم، وإذلال لسلطانهم، وقهر لجبروتهم.
стр. 4605
الآيات: (١٥- ٢١) [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١٥ الى ٢١]
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)
وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)
التفسير بدأت السورة بحمد الله، الذي له ما فى السموات والأرض، ودعت الناس إلى حمده سبحانه، وقصر هذا الحمد عليه وحده، إذ كان- سبحانه- المتفرد بالخلق والإحسان..
وقد كشفت الآية فى هذا المقام عن الناس، فإذا هم فريقان، حامد مؤمن بالله واليوم الآخر، وجاحد بكفر بالله وبالبعث وبالحساب والجزاء..
ثم عرضت الآيات بعد هذا، صورة للحامدين الشاكرين المؤمنين بالله وباليوم الآخر، مع ابتلائهم بالنعم العظيمة، والسلطان العريض.. وذلك فيما كان من داود وابنه سليمان، ﵉.. ففى ذلك آية لأولى الألباب..
стр. 4606
وفى هذه الآيات التي نحن بين يديها- عرض للجاحدين، الكافرين بالله واليوم الآخر، مع ابتلائهم بالنعم السابغة والخير الوفير.. وفى هذا آية أخرى.. لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد..
وقوله تعالى:
«لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ» - إشارة إلى هذه الجماعة التي كانت تسكن تلك البقعة، الخصيبة المعطاءة للخير.. وهى سبأ من أرض اليمن..
والمراد بسبأ هنا هم أهلها.. والمراد بمسكنهم، الحياة التي كانوا فيها..
و «آية» اسم كان، ولسبأ خبرها..
وقوله تعالى:
«جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ» بدل من «آية» .. والتقدير: أنه كان لأهل سبأ آية، هى جنتان عن يمين وشمال.. وقد كان لهم فى هذه الآية منطلق إلى الإيمان بالله، والقيام بحمده وشكره.. ولكنهم لم ينتفعوا بهذه الآية، بل زادتهم كفرا وإلحادا، ومحادّة لله.
والمراد باليمين والشمال: كثرة الخير من حولهم، حيث يملئون أيديهم منه، وحيث يتناولونه من قريب، إن أرادوه بيمينهم وجدوه، وإن أرادوه بشمالهم تناولوه، دون أن يجهدوا أنفسهم بالتحول من اليمين إلى الشمال، أو من الشمال إلى اليمين.. وهذا مثل قوله تعالى: «أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ» (٤٨: النحل) ومثل قوله سبحانه: «عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ» (٣٧: المعارج) ..
فالمراد بهذا كله الإحاطة من كل جانب..
وقوله تعالى: «كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ» أمر يراد به الإلفات إلى هذه النعم العظيمة التي أسبغها الله على القوم، وليس المراد به الأمر بالأكل على إطلاقه.
стр. 4607
وقوله تعالى: «بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ» :.. المراد بالبلدة الطيبة كثرة خيرها، ووفرة عطائها.. فهم فيها فى نعم كثيرة، وخير موفور.. ومن تمام هذه النعم وذلك الخير، أن المتفضل بهذا كله هو «ربّ غفور» .. يتجاوز عن السيئات، ويقبل التائبين، ويعفو عنهم.. وبهذا تطيب النعمة، ويتّسع للإنسان مجال التمتع بها، على خلاف ما لو كان ربّ هذه النعم، يحاسب على الصغير والكبير، ويأخذ أصحابها بكل ما اقترفوا، فذلك مما يقيم الإنسان على حذر متصل وخوف دائم، فلا يهنؤه ما بين يديه من نعم! قوله تعالى:
«فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ» أي أنهم أعرضوا عن أمر ربهم، بالأكل من هذا الرزق، والحياة مع هذه النعم، فى ظلّ من الإيمان بالله، والحمد له.. فتنكروا لهذه النعم، وجحدوا هذا الإحسان، ونسوا ربهم، ولم يرجوا له وقارا، ولم يعملوا له حسابا.. فكان أن أخذهم الله بما يأخذ به الظالمين، فأرسل عليهم سيلا عارما جارفا، أتى على جنتيهم، وأفسد كل صالحة فيها.. ثم أعقبهم جدبا وقحطا، فأمسك الماء عنهم، ونبت مكان هاتين الجنتين ما ينبت فى الأرض الجديب، من خسيس النبات والشجر، ومن ردىء الفاكهة والثمر..
وفى مقابلة الجنتين الطيبتين، بهذه الصورة الكئيبة لما تنبت الأرض، وفى وصف هذه الصورة بالجنّتين- ما يكشف عن مدى هذا التحول الذي أصاب القوم فى حياتهم، وعن الحسرة التي تملأ قلوبهم، حين ينظرون إلى جنتيهم الذاهبتين، ثم إلى هاتين الجنتين اللتين بين أيديهم.. فهذا هو ما يمكن أن يحصلوا عليه من جنات، إن كان يصحّ أن يكون ما فى أيديهم مما يطلق عليه
стр. 4608
هذا الاسم..!! إنه لا جنّة لهم غير هذا النبات الخسيس، الذي تعاف رعيه الأنعام! والمراد بالجنتين- هنا أو هناك- الامتداد والاتساع..
والخمط: الرديء من الثمر والأثل: شجر لا ثمر له..
والسّدر: شجر النّبق..
قوله تعالى:
«ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ» ..
«ذلك» إشارة إلى ما حلّ بالقوم من نكال وبلاء.. وهو مبتدأ، محذوف خبره، وتقديره: ذلك ما جزيناهم به.. وقوله تعالى: «جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا» بدل من هذا المحذوف المشار إليه، وعطف بيان له..
وقوله تعالى: «وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ» أي لم يكن جزاؤنا لهم إلا بسبب كفرهم بنعمتنا، فما تحل نقمتنا، إلا بمن يكفر بنا وبإحساننا.. «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» (٥٣: الأنفال) والمجازاة غير الابتلاء.. فالمجازاة عقاب على ذنب اقترف، والابتلاه امتحان واختبار.. فقد يبتلى الله المحسنين بالضر، كما يبتلى المسيئين بالنفع..
ولهذا جاء التعبير القرآنى هنا: «وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ» أي لا نعاقب إلا من يستحق العقاب من أهل الكفر والضلال.. فلا اعتراض إذن لما يصاب به أهل الإحسان فى أموالهم أو أنفسهم، فذلك ابتلاء من الله لهم، وامتحان لإيمانهم، يزدادون به درجة فى مقام الإحسان، إذا هم صبروا على هذا الابتلاء..
وليس ذلك الابتلاء من باب المجازاة لهم على ذنب اقترفوه..
стр. 4609
قوله تعالى:
«وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ.. سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ» ..
الحديث فى هذه الآية عن أهل سبأ أيضا، وعما كان الله قد ألبسهم إياه من نعم.. فهو معطوف على قوله تعالى: «كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ» على تقدير قلنا لهم: كلوا من رزق ربكم واشكروا له..
أي قلنا لهم ذلك، وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ...
والقرى التي بارك الله فيها، هى قرى أرض الشام، التي كان يرحل إليها أهل سبأ، ويتجرون معها، وسميت قرى مباركة، لأنها فى الأرض المباركة، المقدسة، كما يقول الله تعالى على لسان موسى: «يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ» والقرى الظاهرة، التي كانت بينهم وبين القرى المباركة، هى ما كان يلقاهم على طريقهم من اليمن إلى الشام، من منازل، وقرى، حيث يجدون فيها الأمن والراحة..
وقوله تعالى «وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ» أي جعلناها صالحة للسير فيها، والتنقل بينها، كما فى قوله تعالى: «وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ» أي اضبطه، وأحكم أمره..
وقوله تعالى: «سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ» إشارة إلى هذه النعمة التي يجدها القوم على طريق تجارتهم إلى الشام، حيث يسيرون فى هذه القرى تلك المنازل ليالى وأياما، فى أمن وسلام، لا يعترضهم فى طريقهم ما يخيفهم، أو يفزعهم..
وهذه نعمة من النعم العظيمة، لا يدرك مداها إلا من عاش فى تلك المواطن
стр. 4610
فى هذه الأيام، حيث كان الانتقال من مكان إلى مكان، محفوفا بالمخاطر والأهوال، منذرا بالوبال والهلاك.. ولهذا امتن الله على قريش بأن آمنهم فى أسفارهم فى رحلتى الشتاء والصيف، فقال تعالى: «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» فماذا كان من القوم إزاء هذه النعمة أيضا؟
لقد كفروا بها، وتنكروا لها، كما كفروا وتنكروا للخصب والرخاء، والخبر الكثير الذي أخرجته أرضهم.. فقال تعالى على لسانهم:
«فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» .
لقد بطر القوم معيشتهم، فتنكبوا عن هذا الطريق الآمن المطمئن، والتمسوا طرقا أخرى إلى جهات بعيدة غير تلك الجهة التي ألفوها، وتبادلوا المنافع مع أهلها.. واستبدّ بهم الغرور، وأغراهم الطمع، فركبوا الأهوال ولمخاطر، لا لحاجة إلّا أن يرضوا هذا الغرور الذي ركبهم، إلا ليغذّوا مشاعر الاستعلاء التي استولت عليهم- فكان أن بدد الله شملهم، وبعثرهم فى الأرض، ومزقهم كل ممزق.. فأصبحوا أحاديث على ألسنة الناس، لما وقع بهم من بلاه، وما حل بديارهم من خراب..
وليس الذي ذهبنا إليه فى تأويل قوله تعالى: «فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا» من أنهم ركبوا الأهوال والمخاطر- ليس هذا بالذي يحظر على الناس أن تنزع بهم هممهم إلى أبعد مما هم فيه، وإلى أن يتقلبوا فى كل وجه من وجوه الحياة..
فهذا شىء، والذي كان من القوم شىء آخر.. إنهم خرجوا عماهم فيه بطرا
стр. 4611
واستعلاء، وكانوا أشبه بفرعون حين قال: «يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى» .. إنه يحارب بهذا البناء ربّ الأرباب، وهذا هو الذي جعل بناءه وبالا ونكالا عليه، ولو النمس من هذا البناء أن يرصد الكواكب والنجوم، مثلا أو أن يتخذه مسكنا له يشهد منه عظمة الله، ويرى منه فضل الله عليه- لكان ذلك عملا مبرورا مباركا..
وهؤلاء القوم، لو كان مقصدهم من الضرب فى وجه الأرض، السعى فى طلب الرزق، وإقامة حياة قائمة على العدل والإحسان، لبارك الله عليهم سعيهم، ولحمد مسيرتهم.. ولكنهم كانوا يركبون شيطانا مريدا، يدفع بهم دفعا إلى الكفر بالله، وإلى السعى فى الأرض فسادا.
وليس بالذي يشفع لهم، هذا القول الذي استفتحوا به ما طلبوا، حين قالوا «ربنا» فهذا قولهم بألسنتهم، ولو كان لهذا القول مكان فى قلوبهم لكانوا مؤمنين بالله حقا، ولما كان منهم هذا الفساد، وهذا الضلال الذي هم فيه.
ولقد قالها إبليس من قبلهم، وهو فى موقف التحدّى لله، والإصرار على الإثم العظيم، فقال: «رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فيهم: «وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» .
فلقد انقادوا لإبليس، وأسلموا زمامهم له، وصدّق عليهم ظنه الذي ظنه فى أبناء آدم، حين قال: «رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» (٣٩- ٤٠: الحجر) .. فلقد استجاب هؤلاء المغوون لإبليس، وصدّفوا ظنه فيهم.. إلا فريقا قليلا من المؤمنين منهم، الذين ثبتوا على إيمانهم، ولم يجد إبليس سبيلا يدخل على إيمانهم منه، بالغواية والإضلال..
стр. 4612
وقوله تعالى:
«وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ» .
أي أنه لم يكن لإبليس سلطان قاهر على هؤلاء الذين دعاهم فاستجابوا له، وقد كان أمرهم بأيديهم، إن شاءوا عصوه، وإن شاءوا اتبعوه.. وفى الفريق الذين عصوه، وثبتوا على إيمانهم، شاهد على هذا.. إن إبليس وما معه من مغريات ومغويات، ليس إلا بعض ما يبتلى الله به عباده من نقم.. ثم إن للناس- مع هذا- شأنهم فيما ابتلوا به.. وفى هذا الابتلاء تنكشف أحوال الناس، ويميز الله الخبيث من الطيب.. ثم إنه- بعد هذا كله، وقبل هذا كله- لا يقع شىء إلا بإرادة الله ، وما قضى به فى خلقه «وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ» فكل شىء بيده وتحت سلطانه.. لا يملك أحد معه من الأمر شيئا.
والمراد بعلم الله هنا، هو علم ما وقع بعد أن يقع، وهو سبحانه، عالم به أزلا، ولكن لا يحاسب عليه إلا بعد أن يقع، ويصبح من كسب العباد..
واختصاص العلم هنا بالإيمان بالآخرة، أو الشك فيها، لأن الإيمان بالآخرة، وبالبعث والحساب والجزاء، هو ملاك الإيمان بالله، وبآيات الله، ويرسل الله.. فليس مؤمنا بالله، ولا بآيات الله ولا يرسل الله، إلا من كان مؤمنا باليوم الآخر..
الآيات: (٢٢- ٣٠) [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٢٢ الى ٣٠]
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)
قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)
стр. 4613
التفسير فى هذه الآيات، التفات إلى هؤلاء المشركين، وكشف لهم عما هم فيه من ضلال، بعد أن تحدّثت إليهم الآيات السابقة عن مواقف الناس من الإيمان بالله.. فأرتهم فى داود وسليمان، صورة من صور الإيمان الوثيق، الذي لم تفسده نعم الله، ولم تغير من مكانه فى قلوب أهله.. كما أرتهم فى أهل سبأ، كفرهم بالله، ومحادتهم له، بما مكن الله لهم فى الأرض، وبما وسّع لهم فى الرزق..
وهؤلاء المشركون من أهل مكة، هم أشبه الناس حالا بأهل سبأ..
لقد أقامهم الله فى مكان أمين، وسط هذه الحياة المضطربة من حولهم، كما يقول : «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ» (٦٧: العنكبوت) وكما يقول سبحانه: «وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ
стр. 4614
نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ»
(٥٧: القصص) ..
إنهم إذ ينظرون إلى أهل سبأ، وإلى ما حلّ بهم، وإلى هذا الخراب الشامل الذي يطلّ عليهم من مساكنهم التي يمرون بها فى رحلة الشتاء- ليجدون فى هذا الحديث إشارة إليهم، وتعريضا بهم، وتهديدا لهم، أن يحلّ بهم ما حل بإخوان لهم من قبل..
ولهذا جاءت آيات الله، تلقاهم، وهم متلبسون بتلك المشاعر، التي دخلت عليهم من هذا الحديث عن سبأ وأهلها..
وفى قوله تعالى: «قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ.. لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ» ..
فى هذا استدعاء للمشركين- وهم مشغولون بآلهتهم تلك عن الله- أن يستعينوا بمعبوداتهم هذه، وأن يستنجدوا بها، لتدفع عنهم بأس الله الذي يوشك أن يحلّ بهم، كما حل بأهل سبأ..
وها هم أولاء، ينظرون إلى معبوداتهم نظرا مجدّدا، إثر هذه الدعوة..
فماذا رأو منهما؟ إنهم لم يجدوا إلا أشباحا هامدة لا يجىء منها شىء أبدا..
من خير أو شر. «لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ» .
هذا ما ينطق به الواقع، وما يتحدث به إليهم لسان الحال عن آلهتهم..
«وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ» .. أي أنه ليس لهذه الآلهة ملك خالص مما فى السموات والأرض، ولو كان مثقال ذرة، كما أنه ليس لهم- ولو على سبيل الشركة- ما يعدل مثقال ذرة أيضا! وكما أنهم لا يملكون شيئا مما
стр. 4615
فى السموات والأرض ملكا خالصا، أو مشتركا، فكذلك لا يستعان بهم فى القيام على أي أمر، مما يقضى به الله فى السموات والأرض. «وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ» .. والظهير: هو المعين الذي يسند ظهر من يستعين به.. فهم ليسوا شركاء لله، ولا أعوانا له، وإنما هم عبيد مسخرون لجلاله وقدرته..
فهؤلاء الآلهة معزولون عزلا مطلقا، عن كل شىء فى هذا الوجود..
لا ملك لهم فيه، ولو كان مثقال ذرة، ولا تصريف لهم فيما لا يملكون، على أي وجه من الوجوه..
قوله تعالى:
«وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.. حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» ..
وقد يكون الإنسان ولا يملك شيئا، ولا يتصرف فى شىء، ثم يكون له مع هذا رجاء مقبول، أو شفاعة مستجابة، عند صاحب الملك. ولكن هؤلاء الآلهة لا يملكون شيئا، ولا يستعان بهم فى تصريف شىء، ولا يقبل منهم شفاعة فى أحد.. فماذا يرجى منهم؟ وبأى متعلق يتعلّق المشركون به منهم؟
إنه السفه، والضلال، والخسران المبين!!.
ومعنى نفع الشفاعة هنا، قبولها، والإذن لصاحبها بها..
وقوله تعالى: «حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» .
التفزيع عن القلوب، إزالة الفزع عنها، فهو تفزيع لهذا الفزع، وإجلاؤه من مكانه.. والذين فزع عن قلوبهم الفزع هم- والله أعلم- أصحاب الجنة، حيث يدفع الله عنهم الفزع الأكبر الذي يغشى الناس يوم القيامة، وهم
стр. 4616
الذين أذن لهم بالشفاعة من الله يوم القيامة، وقد عاد الضمير على الاسم الموصول جمعا، بعد أن عاد عليه مفردا، وذلك لأن الإذن بالشفاعة يكون لكل من يؤذن له على حدة.. ثم يتعدد أفراد المأذون لهم، فيكونون جمعا.. فهم أفراد فى أخذ الإذن، وجمع فى العدد المأذون له..
والمأذون لهم بالشفاعة، هم الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- فقد أكرمهم الله بقبول الشفاعة فيمن ارتضى الله لهم الشفاعة فيه من أقوامهم، كما يقول سبحانه: «عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ» (٢٦- ٢٨: الأنبياء) .
ومعنى الآية الكريمة: أن شفاعة المكرمين من عباد الله فيمن ارتضى شفاعتهم له، لا ينالها المشفوع لهم إلا بعد أن يتلقى هؤلاء الشفعاء الكرامة من ربهم، ويخلع عليهم الأمن فى هذا اليوم، ويدفع الفزع عن قلوبهم.. فهو يوم عظيم، تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها..
وهذا هو السر- والله أعلم- فى الحرف «حتى» الذي يشير إلى غاية بعده، هى الغاية لابتداء قبلها.. أي أن أهل المحشر يظلون موقوفين، حتى يخلص إليهم الرسل، وهنا يسأل كل رسول قومه: «ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟» فيقولون جميعا: من مؤمنين وكافرين: «قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» .. ففى هذا اليوم ينكشف وجه الحق، ويرى أهل الضلال أنهم كانوا على غير طريق الهدى، وأن ما كانوا فيه هو الباطل، وأن ما كان يدعوهم إليه رسلهم هو الحق..
هذا، ويمكن أن يكون للآية الكريمة مفهوم آخر.. وهو أن الضمير فى قوله تعالى: «حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ» يعود على المشركين، المخاطبين
стр. 4617
فى الآية، فى قوله تعالى: «قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ» .. أي أن المشركين حين سمعوا هذا القول، وما وصفت به آلهتهم من أنها لا تملك مثقال ذرّة فى السموات ولا فى الأرض، وليس لهم فيهما شرك، ولا تصريف، كما أنهم لا يملكون لهم شفاعة، كما كانوا يظنون ويقولون فيهم: «هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ» - حين سمعوا هذا، فزعوا له، وهالهم الأمر، وركبتهم حال من الاضطراب والخوف من أن يصيبهم شىء من آلهتهم وقد استمعوا إلى هذا الحديث فيهم، حتى لقد عجزت ألسنتهم عن أن تنطق بشىء..
ثم ظلوا هكذا- لا ينطقون.. حتى إذا زايلتهم تلك الحالة، وفزع عنهم الفزع، بوارد من واردات الحميّة.. نطقوا، وقالوا للنبىّ، وللمؤمنين، ردّا على هذا القول الذي سمعوه، وإنكارا له، وتجاهلا لما سمعوه: «ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟» .. وكان جواب النبىّ والمؤمنين بلسان الحال، أو المقال، أو هما معا: «قالُوا الْحَقَّ.. وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» .. فهذا هو قول ربّنا، وهذا هو ربّنا الذي نعبده.
وهذا الفهم هو أقرب عندنا، إلى القلب، وأرضى للنفس..
والله أعلم..
قوله تعالى:
«قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» سؤال آخر للمشركين، يوازنون فيه بين العلىّ الكبير، الذي يؤمن به المؤمنون، وبين آلهتهم التي أقاموها حجازا بينهم وبين الله، حتى لقد عموا عن النظر إليه، وحتى لقد أبت عليهم ألسنتهم أن ينطقوا به، وأن يضيفوا أنفسهم إليه، فقالوا للنبىّ والمؤمنين:
«ماذا قال ربكم؟» ولم يقولوا ربّنا..
стр. 4618
وفى هذا السؤال: يطالب المشركون بالكشف عمن يرزقهم، مما ينزل من السماء من ماء، وما يخرج من الأرض من نبات؟ أو من يرزقهم من أهل السموات من ملائكة، أو من أهل الأرض من آدميين وأشباههم؟
ولا جواب إلا هذا الجواب: «الله» .. فهو وحده المالك لكل شىء، المتصرف فى كل شىء، لا يملك أحد معه مثقال ذرة فى السموات أو فى الأرض..
وفى النطق عنهم بالجواب، إلزام لهم به طائعين أو مكرهين.. لأنه لا جواب غيره.. قبلوه، أو ردّوه..
وقوله تعالى: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» إشارة إلى أن الأمر- أىّ أمر- لا يعدو أن يكون حقّا أو باطلا، هدى أو ضلالا..
وقد قال النبىّ والمؤمنون معه، قولهم فى الله، وقال المشركون قولهم..
وإذا كان كلّ على طريق، فإن المقطوع به أن يكون أحد الفريقين على طريق الهدى، والآخر على طريق الضلال.. ولا يجتمعان..
وأصل النظم هكذا: «نحن أو أنتم على هدى.. ونحن أو أنتم فى ضلال مبين» .. أي أنه إذا نظر إلينا على طريق الحق لم يكن فيه إلا أحدنا، وإذا نظر إلينا على طريق الباطل، لم يكن فيه إلا أحدنا.. كذلك..
فريقان مختلفان.. مهتدون، وضالون..
وطريقان مختلفان.. هدى، وضلال..
وأهل الهدى على طريق الهدى، وأهل الضلال على طريق الضلال..
أما أين طريق الهدى ومن هم أهله؟ وأين طريق الضلال ومن هم
стр. 4619
أصحابه؟ فتلك هى القضية، والحكم فيها لا يحتاج إلّا إلى نظرة هنا، ونظرة هناك، وعندئذ يتبين الرشد من الغىّ، والضلال من الهدى! قوله تعالى:
«قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ» .
أي أن كلّ إنسان يحمل مسئوليته، وعليه أن يتحرّى الخير لنفسه، ويطلب لها السلامة والنجاة.. فلا يسأل إنسان عن جناية إنسان، ولا يحمل عنه وزره.. بل كل إنسان وما حمل.. «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» (١٨: فاطر) ..
وفى التعبير عن جانب النبي والمؤمنين بقولهم: «أَجْرَمْنا» وعن جانب المشركين بالعمل: «تعملون» وكان مقتضى النظم أن يجىء «أجرمتم أو تجرمون، بدلا من تعملون، أو أن يجىء: عملنا أو نعمل، بدلا من أجرمنا- فى هذا التعبير القرآنى محاسنة للمشركين، ورفق بهم، وإطفاء لحمية الجاهلية التي تعمّى عليهم السبيل إلى الهدى، وهذا هو الأسلوب الحكيم فى مخاطبة الجاهلين، وهو أسلوب الدعوة الإسلامية والصميم من رسالة رسولها.. كما يقول لنبيه الكريم: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (١٢٥: النحل) ..
قوله تعالى:
«قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ» .
وإذ عجز المشركون عن أن يتبينوا من المحقّ ومن المبطل، ومن هم أهل الهدى ومن هم أصحاب الضلال، فى هذه الخصومة فى الله، القائمة بينهم
стр. 4620
وبين النبىّ وأصحابه- إذ عجزوا عن أن يحكموا فى هذه القضية فى الدنيا، فإن القضية ستحال إلى الآخرة، وسيفصل فيها أحكم الحاكمين، يوم يجمع الله الناس جميعا.. «قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا» يوم القيامة «ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ» أي يحكم بيننا بالحق.. «وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ» أي الحكم العدل، الذي يحكم عن علم محيط بكل شىء.
قوله تعالى:
«قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ.. كَلَّا.. بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» بعد هذه الدعوة الحكيمة الرفيقة، التي لانت- أو ينبغى أن تلين لها- القلوب من المشركين- كانت المواجهة مرة أخرى بين المشركين ومعبوداتهم، ليعيدوا النظر إليها، بعد هذا البيان المبين من آيات الله..
وقوله تعالى: «أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ» أي أين هم هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله؟. وماذا ترون فيهم إذا نظرتم إليهم؟ أترون غير خشب مسندة، وأحجار منصوبة؟ أهذه الدمى يصح أن تلحق بالله، وتضاف إليه، وتحسب شركاء له؟ «كلا» فما يقبل هذا منطق، ولا يستسيغه عقل..
«بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» الذي عزّ فحكم، فلا يشاركه أحد فى ملكه، ولا يدخل معه أحد فى تدبيره..
هذا هو الإله الذي يجب أن يعبد.. أما من لا يستقلّ بسلطان هذا الوجود، ولا بالقيام عليه، فلا يصح أن يكون إلها.. فكيف بمن لا يملك مثقال ذرة؟
وكيف بمن كان دمية، لا تدفع عن نفسها لطمة يد، أو ركلة رجل؟.
لقد رأى بعض الأعراب ربّا من هذه الأرباب، وقد وقعت الطير على رأسه
стр. 4621
وتركت آثارها فوقه! ثم نظر فرأى الثعالب قد مرت به، وبالت عليه!! فلم يكن من هذا الأعرابى إلا أن ركل هذا الربّ برجله، ثم داسه بقدميه، وبصق عليه، وولاه ظهره، منصرفا عنه وهو يقول:
أربّ يبول الثّعلبان بوجهه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب
[الرسول وعموم رسالته] قوله تعالى:
«وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» .
هذه الآية، هى تزكية من الله لنبيه الكريم، الذي أمره أن يقف من المشركين هذا الموقف، ويكشف لهم عن ضلالهم، ويزيل الغشاوة التي انعقدت على أبصارهم، فلم يتبينوا طريق الهدى..
وفى قوله تعالى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ» بيان لهذا المقام العظيم، الذي لرسول الله عند ربه، وهو مقام لا يطاول، ومنزلة لا تنال.. قد انفرد بها- صلوات الله وسلامه عليه- من بين رسل الله وأنبيائه جميعا..
فهو- صلوات الله وسلامه عليه- رسول الإنسانية كلها، والشمس التي تملأ آفاقها، وتدخل كل مكان فيها.. ولهذا وصفه الله بالسراج المنير، فقال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً» (٤٥- ٤٦: الأحزاب) .
والسّراج المنير، هو الشمس، كما يقول الله تعالى: «تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً» (٦١: الفرقان) .. وقد
стр. 4622
وصف الله سبحانه الشمس بأنها سراج وهاج، فقال تعالى: «وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً» (١٢- ١٣: النبأ) .
وفى وصف الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- بالسراج المنير، دون السراج الوهاج، إشارة إلى أمرين:
أولهما: أنه صلوات الله وسلامه عليه، كالشمس فى علوّ منزلتها، وفى بسط سلطانها على الأرض كلها، فلا تغرب عنها أبدا، ولا يزايلها ضوؤها أبدا، بل إن هذا الضوء ليغمر نصف الأرض فى كل لحظة من لحظات الزمن..
وهذا يعنى أن رسالة «محمد» - صلوات الله وسلامه عليه- ستبسط سلطانها على هذه الأرض، وأنها لن تزايلها أبدا، وأن أية رقعة منها لا تخلو من شعاعة من شعاعاتها..
وثانيهما: أنّ الشمس المحمدية، شمس، وقمر معا.. الشمس فى يمينه، وهى كتاب الله وآياته، والقمر فى شماله، وهو السنة المطهرة، المستمدة من كتاب الله، والمستنيرة من أضوائه..
وعموم رسالة محمد صلوات الله وسلامه عليه، مقررة فى كتاب الله، فى أكثر من موضع، فيقول «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» (١٠٧: الأنبياء) .
ويقول سبحانه: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً» (١٥٨: الأعراف) .
فالذين يمارون فى عموم الرسالة المحمدية، أو يقفون بها عند مجتمع من المجتمعات، أو أمّة من الأمم، إنما يتأولون آيات الله على غير وجهها، ويخرجون بالكلمات الواضحة الصريحة عن مفهومها.
стр. 4623
وإذا لم تكن الرسالة المحمدية رسالة الإنسانية كلها، لم يكن ثمّة معنى لأن تكون خاتمة الرسالات، وأن يكون رسولها خاتم الرسل..
إن الرسالة الإسلامية، هى الكلمة الأخيرة.. الكلمة الحاسمة فيما بين السماء والأرض، فليس بعدها كلام.. إنها الخاتمة.
وصاحب الرسالة، هو خاتم النبيين.. ليس بعده نبى، ولا وراءه بشير ولا نذير من ربّ العالمين..
وإذا كان ذلك كذلك، فإن لنا أن نقول: إن «محمدا» هو منتخب الإنسانية كلها، وهو مجتمع كمالاتها، فى أرفع درجاتها، وأعلى منازلها..
ذلك، لأنه- صلوات الله وسلامه عليه- جاء إلى الإنسانية حين بلغت رشدها، وحين أراد الله لها أن تستقلّ بوجودها، وأن تستقيم على الطريق الذي يمليه عليها تفكيرها..
إن الإنسانية- وقت البعثة المحمدية- كانت قد جاوزت طور الصبا، وبلغت أشدها ورشدها، وأصبحت بهذا جديرة بأن تستقل بنفسها، وأن تستهدى بما أودع الله تعالى فيها من عقل، وبما حملت إليها السماء من وصايا.
كانت رسالات الرسل- ﵈ قبل البعثة المحمدية، رسالات «محلية» أشبه بالوصاية على الصغار.. يظهر الرسول فى جماعة من الجماعات، أو بيت من البيوت، يقيم لهم وجودهم المعوج، ويضىء لهم طريقهم المظلم، ثم لا يلبث أن يخلفه عليهم رسول، يخلفه رسول.. وهكذا.. حتى إذا بلغ الكتاب أجله، وأراد الله سبحانه للناس أن يستقلوا بوجودهم، وأن يفكروا لأنفسهم بأنفسهم، بعد أن بلغوا رشدهم، وأصبحوا فى عداد الرجال- جاءت
стр. 4624
رسالة الإسلام، يحملها رسولها الأمين.. محمد بن عبد الله.. رسول الله، وخاتم النبيين..
ومن هنا ندرك السر فى أن الرسالة الإسلامية، كانت رسالة «عقلية» تخاطب العقل، وتجىء لإقناعه عن طريق الحجة القائمة على البراهين الاستدلالية، التي يستقيم عليها تفكير الناس جميعا.. عامتهم وخاصتهم على السواء..
إن الرسالة الإسلامية، لم تستند إلى معجزة قاهرة، تطغى على عقول الناس، وتغتال تفكيرهم، وتشل إرادتهم، وتضعهم أمام أمر ملزم لا فكاك لهم منه..
فماذا يفعل العقل إزاء عصا موسى- ﵇ وهو يضرب بها البحر، فتنشق من بطنه طريق يبس؟ أو ماذا يقول العقل إزاء هذه العصا حين يضرب بها الحجر- أىّ حجر- فتسيل منه عيون الماء، وتتفجر ينابيعه؟ وماذا يقول العقل فى كلمة عيسى ﵇، حين ينطق بها، آمرا الأكمه، أن يبرأ، فيبرأ، وداعيا الأبرص، أن يذهب عنه البرص، فيذهب؟ بل ماذا يقول العقل فى تلك الكلمة تخرج من فم عيسى فيحيى بها الموتى؟ إنه لا مكان للعقل هنا..
إنه لا مفر له من أن يستسلم ويذعن، إن كان قد بقي معه شىء من الوعى، أو أن يعيش فى اضطراب وذهول، ووجوم!! أما الرسالة الإسلامية، فقد استندت فى محاجتها العقل، وفى إقناعه- إلى الكلمة وما فيها من عقل ومنطق..! فلم تطلب إلى الناس أكثر من أن يفكروا فى أنفسهم وبأنفسهم، وأن يستخدموا عقولهم المعطلة، وأن يوجهوا حواسهم إلى هذا الوجود، وأن ينظروا فيما خلق الله فى السموات والأرض..
ثم أن يتقبلوا- فى غير عناد- ما ينكشف لهم من آيات الله، ودلائل قدرته وعظمته.. فإنهم إن فعلوا، فقد أدوا الأمانة التي حملوها، وهى التفكير،
стр. 4625
واستخدام العقل الذي أودعه الله فيهم! وفى هذا يقول الله تعالى لنبيّه الكريم:
«قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ.. أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا» (٤٦: سبأ) .. هذا هو عنوان الرسالة الإسلامية، وهذا هو ملاك أمرها..
استخدام العقل، واحترام معطياته، وذلك بالتفكير الفردى، والجماعىّ معا، تفكيرا حرّا مطلقا من كل قيد، محررا من كل تلقيات سابقة!.
فالعقل فى مواجهة الرسالة الإسلامية، محمول على أن يفكّر، وأن يتحرك فى جميع مجالاته، غير مقيّد بشىء، أو مشدود إلى شىء.. إن الرسالة الإسلامية لتغرى العقل إغراء على التفكير، بما تنادى به من دعوات عالية، إلى إيقاظ العقل، وبما تقدّم إليه من صور، وما تفتح له من مجالات، تدعو أكثر الناس بلادة وغباء إلى استخدام عقولهم، واستدعاء تفكيرهم: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ.. كَيْفَ خُلِقَتْ؟ وَإِلَى السَّماءِ.. كَيْفَ رُفِعَتْ؟ وَإِلَى الْجِبالِ.. كَيْفَ نُصِبَتْ؟ وَإِلَى الْأَرْضِ.. كَيْفَ سُطِحَتْ؟» (١٧- ٢٠: الغاشية) .. «أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ؟ وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ! تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ! وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ! رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً.. كَذلِكَ الْخُرُوجُ» (٦- ١١: ق) إنها دعوة إلى سياحة روحية، وعقلية، وجسدية، فى رحاب هذا الوجود، وفى استجلاء محاسنه، وملء العين والقلب من روائعه ومفاتنه.
وإنه بحسب المرء أن يصحب معه عقله فى هذه السياحة، فيهتدى إلى الحقّ، ويلتقى على طريق سواء مع محامل الدعوة الإسلامية، من عقيدة وشريعة.. فإن العقل بطبيعته- إذا خلا من آفات العناد والاستكبار- ينشد
следующие страницы →