Полный текст (6 903 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
وتركت آثارها فوقه! ثم نظر فرأى الثعالب قد مرت به، وبالت عليه!! فلم يكن من هذا الأعرابى إلا أن ركل هذا الربّ برجله، ثم داسه بقدميه، وبصق عليه، وولاه ظهره، منصرفا عنه وهو يقول:
أربّ يبول الثّعلبان بوجهه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب
[الرسول وعموم رسالته] قوله تعالى:
«وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» .
هذه الآية، هى تزكية من الله لنبيه الكريم، الذي أمره أن يقف من المشركين هذا الموقف، ويكشف لهم عن ضلالهم، ويزيل الغشاوة التي انعقدت على أبصارهم، فلم يتبينوا طريق الهدى..
وفى قوله تعالى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ» بيان لهذا المقام العظيم، الذي لرسول الله عند ربه، وهو مقام لا يطاول، ومنزلة لا تنال.. قد انفرد بها- صلوات الله وسلامه عليه- من بين رسل الله وأنبيائه جميعا..
فهو- صلوات الله وسلامه عليه- رسول الإنسانية كلها، والشمس التي تملأ آفاقها، وتدخل كل مكان فيها.. ولهذا وصفه الله بالسراج المنير، فقال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً» (٤٥- ٤٦: الأحزاب) .
والسّراج المنير، هو الشمس، كما يقول الله تعالى: «تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً» (٦١: الفرقان) .. وقد
стр. 4622
وصف الله سبحانه الشمس بأنها سراج وهاج، فقال تعالى: «وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً» (١٢- ١٣: النبأ) .
وفى وصف الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- بالسراج المنير، دون السراج الوهاج، إشارة إلى أمرين:
أولهما: أنه صلوات الله وسلامه عليه، كالشمس فى علوّ منزلتها، وفى بسط سلطانها على الأرض كلها، فلا تغرب عنها أبدا، ولا يزايلها ضوؤها أبدا، بل إن هذا الضوء ليغمر نصف الأرض فى كل لحظة من لحظات الزمن..
وهذا يعنى أن رسالة «محمد» - صلوات الله وسلامه عليه- ستبسط سلطانها على هذه الأرض، وأنها لن تزايلها أبدا، وأن أية رقعة منها لا تخلو من شعاعة من شعاعاتها..
وثانيهما: أنّ الشمس المحمدية، شمس، وقمر معا.. الشمس فى يمينه، وهى كتاب الله وآياته، والقمر فى شماله، وهو السنة المطهرة، المستمدة من كتاب الله، والمستنيرة من أضوائه..
وعموم رسالة محمد صلوات الله وسلامه عليه، مقررة فى كتاب الله، فى أكثر من موضع، فيقول «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» (١٠٧: الأنبياء) .
ويقول سبحانه: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً» (١٥٨: الأعراف) .
فالذين يمارون فى عموم الرسالة المحمدية، أو يقفون بها عند مجتمع من المجتمعات، أو أمّة من الأمم، إنما يتأولون آيات الله على غير وجهها، ويخرجون بالكلمات الواضحة الصريحة عن مفهومها.
стр. 4623
وإذا لم تكن الرسالة المحمدية رسالة الإنسانية كلها، لم يكن ثمّة معنى لأن تكون خاتمة الرسالات، وأن يكون رسولها خاتم الرسل..
إن الرسالة الإسلامية، هى الكلمة الأخيرة.. الكلمة الحاسمة فيما بين السماء والأرض، فليس بعدها كلام.. إنها الخاتمة.
وصاحب الرسالة، هو خاتم النبيين.. ليس بعده نبى، ولا وراءه بشير ولا نذير من ربّ العالمين..
وإذا كان ذلك كذلك، فإن لنا أن نقول: إن «محمدا» هو منتخب الإنسانية كلها، وهو مجتمع كمالاتها، فى أرفع درجاتها، وأعلى منازلها..
ذلك، لأنه- صلوات الله وسلامه عليه- جاء إلى الإنسانية حين بلغت رشدها، وحين أراد الله لها أن تستقلّ بوجودها، وأن تستقيم على الطريق الذي يمليه عليها تفكيرها..
إن الإنسانية- وقت البعثة المحمدية- كانت قد جاوزت طور الصبا، وبلغت أشدها ورشدها، وأصبحت بهذا جديرة بأن تستقل بنفسها، وأن تستهدى بما أودع الله تعالى فيها من عقل، وبما حملت إليها السماء من وصايا.
كانت رسالات الرسل- ﵈ قبل البعثة المحمدية، رسالات «محلية» أشبه بالوصاية على الصغار.. يظهر الرسول فى جماعة من الجماعات، أو بيت من البيوت، يقيم لهم وجودهم المعوج، ويضىء لهم طريقهم المظلم، ثم لا يلبث أن يخلفه عليهم رسول، يخلفه رسول.. وهكذا.. حتى إذا بلغ الكتاب أجله، وأراد الله سبحانه للناس أن يستقلوا بوجودهم، وأن يفكروا لأنفسهم بأنفسهم، بعد أن بلغوا رشدهم، وأصبحوا فى عداد الرجال- جاءت
стр. 4624
رسالة الإسلام، يحملها رسولها الأمين.. محمد بن عبد الله.. رسول الله، وخاتم النبيين..
ومن هنا ندرك السر فى أن الرسالة الإسلامية، كانت رسالة «عقلية» تخاطب العقل، وتجىء لإقناعه عن طريق الحجة القائمة على البراهين الاستدلالية، التي يستقيم عليها تفكير الناس جميعا.. عامتهم وخاصتهم على السواء..
إن الرسالة الإسلامية، لم تستند إلى معجزة قاهرة، تطغى على عقول الناس، وتغتال تفكيرهم، وتشل إرادتهم، وتضعهم أمام أمر ملزم لا فكاك لهم منه..
فماذا يفعل العقل إزاء عصا موسى- ﵇ وهو يضرب بها البحر، فتنشق من بطنه طريق يبس؟ أو ماذا يقول العقل إزاء هذه العصا حين يضرب بها الحجر- أىّ حجر- فتسيل منه عيون الماء، وتتفجر ينابيعه؟ وماذا يقول العقل فى كلمة عيسى ﵇، حين ينطق بها، آمرا الأكمه، أن يبرأ، فيبرأ، وداعيا الأبرص، أن يذهب عنه البرص، فيذهب؟ بل ماذا يقول العقل فى تلك الكلمة تخرج من فم عيسى فيحيى بها الموتى؟ إنه لا مكان للعقل هنا..
إنه لا مفر له من أن يستسلم ويذعن، إن كان قد بقي معه شىء من الوعى، أو أن يعيش فى اضطراب وذهول، ووجوم!! أما الرسالة الإسلامية، فقد استندت فى محاجتها العقل، وفى إقناعه- إلى الكلمة وما فيها من عقل ومنطق..! فلم تطلب إلى الناس أكثر من أن يفكروا فى أنفسهم وبأنفسهم، وأن يستخدموا عقولهم المعطلة، وأن يوجهوا حواسهم إلى هذا الوجود، وأن ينظروا فيما خلق الله فى السموات والأرض..
ثم أن يتقبلوا- فى غير عناد- ما ينكشف لهم من آيات الله، ودلائل قدرته وعظمته.. فإنهم إن فعلوا، فقد أدوا الأمانة التي حملوها، وهى التفكير،
стр. 4625
واستخدام العقل الذي أودعه الله فيهم! وفى هذا يقول الله تعالى لنبيّه الكريم:
«قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ.. أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا» (٤٦: سبأ) .. هذا هو عنوان الرسالة الإسلامية، وهذا هو ملاك أمرها..
استخدام العقل، واحترام معطياته، وذلك بالتفكير الفردى، والجماعىّ معا، تفكيرا حرّا مطلقا من كل قيد، محررا من كل تلقيات سابقة!.
فالعقل فى مواجهة الرسالة الإسلامية، محمول على أن يفكّر، وأن يتحرك فى جميع مجالاته، غير مقيّد بشىء، أو مشدود إلى شىء.. إن الرسالة الإسلامية لتغرى العقل إغراء على التفكير، بما تنادى به من دعوات عالية، إلى إيقاظ العقل، وبما تقدّم إليه من صور، وما تفتح له من مجالات، تدعو أكثر الناس بلادة وغباء إلى استخدام عقولهم، واستدعاء تفكيرهم: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ.. كَيْفَ خُلِقَتْ؟ وَإِلَى السَّماءِ.. كَيْفَ رُفِعَتْ؟ وَإِلَى الْجِبالِ.. كَيْفَ نُصِبَتْ؟ وَإِلَى الْأَرْضِ.. كَيْفَ سُطِحَتْ؟» (١٧- ٢٠: الغاشية) .. «أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ؟ وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ! تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ! وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ! رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً.. كَذلِكَ الْخُرُوجُ» (٦- ١١: ق) إنها دعوة إلى سياحة روحية، وعقلية، وجسدية، فى رحاب هذا الوجود، وفى استجلاء محاسنه، وملء العين والقلب من روائعه ومفاتنه.
وإنه بحسب المرء أن يصحب معه عقله فى هذه السياحة، فيهتدى إلى الحقّ، ويلتقى على طريق سواء مع محامل الدعوة الإسلامية، من عقيدة وشريعة.. فإن العقل بطبيعته- إذا خلا من آفات العناد والاستكبار- ينشد
стр. 4626
الحق، ويهتدى إليه، لأنه شرارة من نور الحق، وقبس من أقباسه!.
ذلك، على حين كان العقل قبل الرسالة الإسلامية بمغزل عن معجزات الرسل، وبمنقطع عنها، لأنها لا تستقيم على منطق العقل، ولا تدخل فى مجال التفكير، إنها أمور خارقة للعادة، لا تقع إلا على يد رسول مؤيد من عند الله، فيقع بها الإعجاز القاهر، ويقوم بها التسليم القائم على الدّهش والحيرة، والعجز.
وذلك الذي صنعته السماء، فى التدرج فى الدعوة إلى الله، هو الأسلوب الحكيم فى التربية.. فالصغير لا يحتمل عقله أحكام المنطق، ولا يخضع تفكيره لمعطيات ما بين الأسباب والمسببات من ارتباط.. وإنه لمن الخطأ وسوء التقدير، بل ومن القسوة عليه، أن يؤخذ بمنطق العقل، ويحمل على أحكامه، على حين أن الذي يصلحه ويصلح له، هو أن يخاطب بلغة الحسّ، وبمنطق المادة.. فإذا نما عقله شيئا، كان من التدبير الحكيم أن يخاطب بأسلوب المنطق العقلي والحسّى معا، وأن يزاوج له بينهما، بنسب تكثر فيها العناصر العقلية شيئا فشيئا، كلما نما عقله، واتسعت مداركه، حتى إذا بلغ مبلغ النضج والرشد، أمكن أن يكون عقله هو موضع الاعتبار فى مخاطبته ومحاسبته..
والإنسانية- فى تقديرنا- بدأت وجودها كما يبدأ كل كائن حى وجوده.. نبتة صغيرة، ثم شجيرة لا زهر فيها، ثم شجرة مزهرة.. ثم شجرة مزهرة مثمرة! وشواهد التاريخ تؤيد هذا وتشهد له.
والإنسانية فى زمن البعثة المحمدية كانت- كما قلنا- فى آخر مرحلة من مراحل سيرها نحو النضج العقلي، والكمال الإنسانى.. كانت بمثابة طفل درج فى مدارج الحياة حتى بلغ مبلغ الرجال.. وكان عليه بعد هذا أن
стр. 4627
يستوفى حظه من الحياة، وأن يأخذ مكانه فيها، غير مستند إلى شىء غير ذاته..
ودع عنك ما يقال من أن الإنسانية كانت قد ارتكست وردّت على أعقابها زمن البعثة المحمدية، وأن الشرّ كان قد استشرى بالناس، وأن الظلام قد أطبق عليهم، ولفّهم فى قطع كثيفة من الجهل والضلال، وأن معالم الحضارات التي أقامتها الإنسانية فى وادي النيل على يد الفراعنة، وفى بابل وآشور على يد الكنعانيين والآشوريين، قد ذهبت معالمها، وضلّت فى ظلمات الجهل شواهدها، ومحيت آياتها.. وأن لمعات العقل اليوناني التي سطعت فى العالم القديم قد ذهب الزمن بها، وعقمت الحياة عن أن تلد سقراط، وأفلاطون، وأرسطو.. مرة أخرى..
دع عنك كل هذا، فالدنيا بخير، والحياة ولود، لا يصيبها العقم أبدا، وهى سائرة إلى الأمام، لا ترجع إلى الوراء بحال.. إنها سنّة التطور والارتقاء.. سنة الله فى خلقه، ولن تجد لسنّة الله تبديلا.
ولا نريد أن نقف طويلا هنا، ولا أن نضرب الأمثال والشواهد لهذا.
وحسبنا أن نقول إن القرون الطويلة التي عاشتها الإنسانية، والتي تقدر بعشرات الألوف أو مئاتها من السنين- لم تمكّن لها قبل عصرنا هذا من أن تستخدم قوة البخار والكهرباء، ولم تفتح لها الطريق إلى تحطيم الذرّة، وإلى بناء المراكب الكونية، الكوكبية التي تدور فى فلك الشمس كما تدور الأقمار حولها.. بل وأكثر من هذا.. فإننا ونحن نكتب هذا الكلام يطلع علينا حدث عجب لم يكن يقع إلا فى الأحلام والخيالات، وهو وصول الإنسان إلى القمر، ووضع أقدامه عليه، يمشى فوق أديمه، ويتنقل بين ربوعه..!
стр. 4628
إن هذه الفتوحات العظيمة التي حققها العقل الإنسانى فى هذا العصر لهى الشهادة التي لا ترد، على أن الحياة الإنسانية تتجه دائما نحو الأمام، وأنها تضيف كل يوم معارف جديدة إلى معارفها السابقة، وأن رصيدها من المعرفة، يزداد مع الأيام، يوما بعد يوم! فإذا قلنا إن عصر النبوة المحمدية، كان هو العصر الذي بلغت فيه الإنسانية رشدها، وتخطت فيه مرحلة الطفولة والصبا، كان لقولنا هذا مستند من واقع عصرنا هذا الذي يعدّ امتدادا لعصر النبوة.. فإن أربعة عشر قرنا منذ البعثة المحمدية إلى يومنا هذا، لا تعدّ فى عمر الإنسانية إلا يوما من أيام حياتها، وإلا مرحلة أو بعض مرحلة من مراحل وجودها..
يتحدث الجاحظ فى رسالة «حجج النبوة» عن طبيعة الرسالة المحمدية، وأنها تتجه إلى مجتمع إنسانى يأخذ الأمور بمعيار العقل، وينظر فى أعقابها وما تؤول إليه.. فيقول:
«وكذلك وعيد «محمد» بنار الأبد، كوعيد موسى بنى إسرائيل بإلقاء الهلّاس على زرعهم، والهمّ على أفئدتهم، وتسليط الموتان على ماشيتهم وبإخراجهم من ديارهم، وأن يظفر بهم عدوّهم.
«فكان تعجيل العذاب الأدنى- أي القريب- فى استدعائهم واستحالتهم، وردعهم على ما يريد بهم، وتعديل طباعهم- كتأخير العذاب الشديد على غيرهم.. لأن الشديد المؤخّر- من العذاب- لا يزجر إلا أصحاب النظر فى العواقب، وأصحاب العقول التي تذهب فى المذاهب» .. اه..
ويريد الجاحظ أن يقول: إن دعوة محمد كانت إلى مجتمع عاقل، مدرك، ينظر فى عواقب الأمور، كما ينظر العقلاء الراشدون، وليست
стр. 4629
كذلك دعوة موسى، التي تتعامل مع مجتمع كان فى دور الطفولة والصبا، لا يأخذ من الأمور إلا جانبها الواقعي المعجل!!.
وننتهى من هذه الحقيقة إلى حقيقة أخرى، وهى أن «النبىّ» الذي يجىء إلى الإنسانية فى هذا الطور من حياتها، ينبغى أن يكون أكمل الأنبياء، لأنه على قمة الإنسانية فى طورها الذي بلغت فيه رشدها، إذ كان النبىّ فى كل عصر، فى كل أمة، هو ممثل الإنسانية فى هذا العصر، وفى تلك الأمة، وهو خلاصة كل طيب وكريم ونبيل فيها.. وفى هذا يقول النبىّ صلوات الله وسلامه عليه «بعثت من خير قرون بنى آدم، قرنا فقرنا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه» ؟
وعلى هذا، فإنه إذا كانت دعوات الأنبياء رحمات وبركات على الناس فى أجيالهم وأوطانهم- فإن رسالة «محمد» صلوات الله وسلامه عليه رحمة عامة، وبركة شاملة للناس جميعا.. من كل أمة، ومن كل جنس، على مدى الأيام والدهور..
وإنها رسالة لا تخصّ أمة من الأمم، ولا تنتهى عند زمن الأزمان..
فهى ليست للعرب وحدهم، وليست لعصر النبوة وحده، فما العرب إلا لسانها وترجمانها، وما عصر النبوّة إلا مطلعها ومجلى أنوارها.. «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ.. إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ.. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.. النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ.. الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ.. وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (١٥٨:
الأعراف) .
إن الرسالة الإسلامية، تدعو الناس جميعا إليها، ورسولها ينادى الناس كلهم، بهذه الكلمة العامة الشاملة، وبهذا النداء المطلق: «يا أَيُّهَا النَّاسُ»
стр. 4630
. «يا بَنِي آدَمَ» .. «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ» .. ولم يتجه بدعوته أبدا إلى العرب وحدهم أو قريش وحدها، فلم يقل. يا أيها العرب، أو يا بنى إسماعيل، أو يا أبناء عدنان وقحطان.. كما كان ذلك شأن أنبياء الله فى رسلهم وأقوامهم، ومن أرسلوا إليهم.. فقد كان كلّ نبىّ يدعو قومه خاصة، ويقصر دعوته عليهم وحدهم.. فيقول «يا قوم» لا يتجاوزها.
. «إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.: قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ» (١، ٢: نوح) «وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً.. قالَ يا قَوْمِ..» (٨٤: هود) «وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً.. قالَ يا قَوْمِ..» (٥٠: هود) «وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً.. قالَ يا قَوْمِ..» (٦١: هود) .
«وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ.. يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ... » (٥: الصف) . «وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ» (٦: الصف) وهكذا كان كلّ نبىّ يعمل فى محيط قومه، وفى حدود دائرتهم لا يتعداها، إذ كانت تعاليم رسالته وأحكامها، مقيسة عليهم، ودواء لداء متمكن منهم، لا يكاد يصلح لغيرهم.. حتى أن المسيح- ﵇ لم يكن ليقيم معجزة من معجزاته إلا فى بنى إسرائيل وحدهم.. وحتى إنه أبى- كما تحدث الأناجيل- أن يستجيب لتوسلات المرأة الكنعانية فى أن يشفى ابنها المجنون، وردّها قائلا، «لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل»
стр. 4631
(إنجيل متى.. الإصحاح الخامس عشر) .. وليس ذلك ضنّا منه- ﵇ بالإحسان، وإنما لأنه لم يكن يريد بمعجزاته إلا إقامة الحجة على قومه، لا أن يشفى الأوجاع، ويبرىء الأمراض..
هذا عن رسل الله، ومحامل رسالاتهم..
أما خاتم النبيين.. محمد صلوات الله وسلامه عليه.. وأما رسالة الإسلام خاتم الرسالات السماوية.. فللإنسانية كلها، وللناس جميعا.. أسودهم وأحمرهم على السواء.
كالبحر يهدى للقريب جواهرا ... منه ويرسل للبعيد سحائبا
إنها رحمة عامة شاملة، من ربّ الناس إلى الناس.. والله يقول:
«وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» .. والرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول:
«أنا رحمة مهداة» !! قوله تعالى:
«وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .
أي يقول المشركون، منكرين، ساخرين: «مَتى هذَا الْوَعْدُ؟» أي متى يوم القيامة التي تعدنا به فى قولك: «قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ» ..؟
متى يكون ذلك؟. أنبئنا به.. إن كنت من الصادقين.
وقوله تعالى:
стр. 4632
«قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ» هذا هو الجواب الذي أمر الله النبي أن يلقى به المشركين، ردّا على هذا السؤال الجهول.. إنه يوم عند الله، يأتى به متى شاء، لا كما يشاء أصحاب الأهواء، وأرباب الضلالات.. فإذا حانت ساعة هذا اليوم، جاء، دون أن يتقدم ساعة أو يتأخر، ودون أن يتأخروا هم ساعة عن شهوده، أو يستقدموا.
الآيات: (٣١- ٣٣) [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣١ الى ٣٣]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)
التفسير قوله تعالى:
«وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
стр. 4633
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ» .
المراد بالذين كفروا هنا، هم المشركون من قريش، الذين تحدثت إليهم الآيات السابقة، هذا الحديث الذي انكشف لهم به وجه آلهتهم وبان لهم عجزها، وأنها لا تملك لهم ضرا ولا نفعا..
وقد انتهى هذا الحديث بتقرير تلك الحقيقة، وهى أن النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- ليس رسولا إليهم وحدهم، وإنما هو رسول إلى الناس جميعا، وأولى الناس بهذا النبىّ، وبالاستجابة له، هم قومه، الذين هم أعرف الناس به، وبآيات الله التي حملها إليهم بلسانهم.. ولكن الجهل والعناد أعماهم عن هذه الحقيقة، فلم يستجيبوا لرسول الله، ولم يفتحوا عقولهم وقلوبهم لكلمات الله وآياته، وقالوا فى إصرار وعناد: «لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» أي لا نصدق بأن هذا القرآن الذي يقرؤه محمد علينا، هو كلام الله، وإذن فنحن لا نؤمن به، ولا نؤمن بما يحمل بين يديه من أحاديث عن البعث، والحساب والجزاء.. إنهم يكذبون به شكلا وموضوعا- كما يقولون- فهو ليس من عند الله أولا، ثم إن ما يحمل من أحاديث وأخبار، لا تصدّق ثانيا، لأنها لا تعقل! فالضمير فى قوله تعالى: «بَيْنَ يَدَيْهِ» ، يعود على القرآن، وما بين يدى القرآن، هو ما يحمل بين يديه من قصص الأنبياء، وأخبار الأمم الماضية، وما حل بالكافرين والمكذبين، من عذاب وبلاء..
وهذا الذي ذهبنا إليه، من القول بأن ما بين يدى القرآن، هو أخباره وقصصه، وجدله، وحججه- هذا الذي ذهبنا إليه، هو أولى من القول الذي يذهب إليه أكثر المفسرين من أن الذي بين يدى القرآن هو التوراة والإنجيل، بمعنى أن المشركين لا يؤمنون بهذا القرآن، ولا بالتوراة والإنجيل..
стр. 4634
ذلك أن المشركين لم يدعوا إلى الإيمان بالكتب السماوية، السابقة، فهذا دور يجىء بعد الإيمان بالكتاب الذي يدعون إلى التصديق به أولا، فإذا، صدّقوا به، آمنوا بكل ما يدعوهم إليه..
ومن جهة أخرى، فإن المشركين، كانوا على اعتقاد بأن أهل الكتاب على دين سماوى صحيح، ولكنه خاص بهم وحدهم، ولهذا كان المشركون يتمنون أن يكون لهم كتاب خاص بهم مثل أهل الكتاب.. كما يقول الله سبحانه محدّثا عما يجرى فى خواطرهم: «أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ» (١٥٦- ١٥٧: الأنعام) قوله تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ» - انتقال بهؤلاء الكافرين المكذبين بآيات الله- إلى موقف الحساب والمساءلة فى لحظة خاطفة، حيث يطلع عليهم هذا الذي كذبوا به، وما تزال كلمات التكذيب على أفواههم..
ولم يجىء جواب «لو» الشرطية، بل ترك مكانه شاغرا، لنملأه التصورات المفزعة لهذا اليوم العظيم، وما يقع للمكذبين فيه من بلاء..
والتقدير: إنه لو اطلع مطلع على حال هؤلاء الظالمين، وهم موقوفون عند ربهم موقف المساءلة والحساب، لهاله الأمر، ولولّى منهم رعبا وفزعا، لما غشيهم من الكرب، وأحاط بهم من البلاء..
- وقوله تعالى: «يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ» هو جملة حالية، تكشف عن حال من أحوال هؤلاء الظالمين الموقوفين عند ربهم..
ورجع القول: ترديده، مثل رجع الصّدى..
وعبّر بالفعل «يرجع» اللازم، بدلا من يرجع، المتعدى لمفعوله- ليتضمّن
стр. 4635
الفعل معنى الإلقاء، والترامي والتراشق بالشيء نفسه.. فكأنهم يترامون بهذا القول، ويرجم به بعضهم بعضا..
وقوله تعالى: «يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ» - بيان للقول الذي يترامون به، والتهم التي يلقى بها بعضهم على بعض.. وقد بدأ المستضعفون بإلقاء اللائمة على رؤسائهم، وسادتهم، الذين تولوا قيادة الحملة الضالة، ضد دعوة الحق والهدى، فجندوا هؤلاء الضعفاء، وقادوهم إلى المعركة، فكانوا فى الهالكين- بدأ المستضعفون بالرمي بالتهم، لأنهم هم المجنىّ عليهم من سادتهم ورؤسائهم..
- وفى قولهم: «لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ» إشارة إلى أن الإيمان فطرة مركوزة فى الإنسان، وأنه لو ترك الإنسان وشأنه دون أن تدخل عليه مؤثرات من الخارج، تفسد عليه فطرته، وتشوش عليه رأيه- لامن بالله، عن طريق النظر العقلي، ولاستجاب لدعوة الهدى من غير تردد.
قوله تعالى:
«قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ.. بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ» وألقى الكبراء القول إلى أتباعهم، وردّوا التهمة التي اتهموهم بها، وأنكروا أنهم كانوا سببا فى صدّهم عن الهدى: «أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ؟» إنا لم نقسركم على شىء، ولم نكرهكم على ما دعوناكم إليه..
وقد صدق هؤلاء المستكبرون، وكذبوا فى آن معا..
صدقوا، لأنهم لم يكن فى وسعهم أن يردّوا هؤلاء المستضعفين عن
стр. 4636
الإيمان، لو أنهم رغبوا فى الإيمان.. لأن الإيمان معتقد يقوم فى القلب، قبل أن يكون عملا يظهر على الجوارح.. فلو اعتقد هؤلاء المستضعفون الإيمان فى قلوبهم، لما كانت هناك قوة فى الأرض تستطيع أن تنزعه منهم..
ومن قبل قال الشيطان لأتباعه: «وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي.. فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ» (٢٢: إبراهيم) وكذب هؤلاء المستكبرون، لأنهم كانوا دعوة من دعوات الضلال، وقوة من قوى الشرّ، تزين للناس الضلال وتغريهم به، وتعمل على جذبهم إليه، وضمهم إلى جبهته.. بما لهم من جاه وسلطان..
وفى قولهم: «بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ» . إشارة إلى ما فى طبائع هؤلاء المستضعفين من فساد، وأنهم بطبيعتهم منجذبون إلى الضلال، منصرفون عن الهدى.. فلو أنهم تركوا وشأنهم ما استجابوا للإيمان، وما قبلوه، فلما لاحت لهم دعوة الضلال من الضالين- استجابوا لها بطبيعتهم، وانجذبوا نحوها، كما ينجذب الفراش إلى النار.
قوله تعالى:
«وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ» .
لم يجد المستضعفون مقنعا فيما ردّ به سادتهم عليهم.. وحقّا إنهم لم يقسروهم قسرا على الكفر، ولكنهم أغروهم به إغراء، بما يملكون من وسائل الإغراء، وفى أيديهم المال، والجاه والسلطان، وكلها قوى ذات سلطان على الناس! - وقوله تعالى: «وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ» .. أي وحين طلع
стр. 4637
عليهم العذاب، وجموا كلّهم وخرسوا، ولم ينبس أحد منهم جميعا ببنت شفة، وانجبست الكلمات فى صدورهم، وقد كان فيها متنفس لهم، وأمل يتعلقون به..
الضعفاء ليلقوا بالتهمة كلها على كبرائهم، والكبراء ليدفعوا هذه التهمة عنهم، وحسبهم جنايتهم على أنفسهم.. وهكذا ازدرد الجميع هذه الكلمات التي كانوا يلوكونها فى أفواههم، ثم يرمى بها بعضهم بعضا، فأصبحت سهاما يرمى بها كل منهم فى داخل نفسه، فتدمى القلوب، وتفرى الأكباد!
الآيات: (٣٤- ٣٩) [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٩]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨)
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)
التفسير قوله تعالى:
«وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ»
стр. 4638
المترف: هو من أبطرته النعمة حتى خرجت به عن حد الاعتدال، وأفسدته، وقتلت فيه معانى الإنسانية.. والمترفون هم آفة المجتمع فى كل أمة، وفى كل جيل، إذ فيهم ينشأ الفسق، والمجون، وكل ما من شأنه أن يغذى العواطف الخسيسة، ويوقفا الغرائز البهيمية، على حساب المطالب الروحية والعقلية..
فليس الغنى فى ذاته- كما يبدو- هو الذي يفسد الأخلاق، وإنما شأنه فى هذا شأن الفقر، قد يفسد، وقد يصلح.. إنه خير وشر.. وداء ودواء..
فمن أحسن سياسة المال، وعرف قدره، والمكان الذي يوضع فيه- صلح به أمره، واستقام به شأنه.. ومن اتخذ من المال وسيلة يصطاد بها ما توسوس به نفسه، وما يدعوه إليه هواه- فسد كيانه، وتهدم بنيانه، وتحول إلى كومة متضخمة من الشحم واللحم. تهب منها كل ربح خبيثة، تفسد المجتمع وتزعجه! وحين تنجم دعوة من دعوات الخير، يكون المترفون هم أول من يلقونها بالنكير، ويرجمونها بكل ما يقدرون عليه.. وما جاء رسول من رسل الله يدعو قومه إلى الهدى، حتى يتصدى له المترفون من قومه، يعلنون الحرب عليه، ويجمعون الجموع للوقوف معهم فى وجهه.. والله يقول:
«وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً»
قوله تعالى:
«وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ» .. هذا هو ردّ المترفين على كل دعوة إلى الإيمان بالله، وتلك هى حجتهم عند أنفسهم وعند الناس.. إنهم بما يملكون من كثرة فى الأموال، وما عندهم من كثرة فى الأولاد والرجال، لن يكونوا تابعين لغيرهم، ولن يجعلوا لأحد كلمة عندهم، حتى ولو كان
стр. 4639
رسولا من رسل الله، يدعوهم إلى الله، ويكشف لهم معالم الطريق إلى الحق والهدى!! إنهم أكثر أموالا وأولادا من هذا الرسول، فكيف يقوم فيهم مقام الناصح ذى الرأى والسلطان.. «ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ» (٢٤: المؤمنون) وكيف يتفضل إنسان على من كان أكثر منه مالا وولدا؟
- وفى قولهم: «وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ» إشارة إلى أنهم بما لهم من كثرة فى المال والأولاد، لن ينزلوا عن مقام السيادة لأحد، ثم إنهم إذا عذّب غيرهم من الفقراء والمستضعفين لن يعذبوا هم.. فإن الله ما أعطاهم هذا الوفر فى المال والكثرة فى الأولاد، إلا لأنهم أهل للكرامة، وموضع للفضل عنده، وكما كانوا فى الدنيا فى هذا المقام بين الناس، فهم فى الآخرة- إن كانت هناك عندهم آخرة- فى هذا الموضع أيضا، حيث يعذب الفقراء والمستضعفون، أما هم فلن يعذّبوا، بل ينزلوا منازل الإكرام والإعزاز.. ذلك ظنهم بأنفسهم.. وفى هذا يقول الله تعالى على لسان واحد منهم. «وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى» (٥٠: فصلت) ويقول سبحانه على لسان صاحب الجنتين. «وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً» (٣٦: الكهف) قوله تعالى:
«قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» .
هو ردّ على هذا الفهم المغلوط الفاسد الذي فهمه المترفون، لما لله فى عباده من بسط الرزق أو قبضه.. فليس بسط الرزق أو قبضه من الله ، يحسب منازل الناس عنده، وإنما منازل الناس عند الله بأعمالهم الصالحة،
стр. 4640
وبتزكية أنفسهم، وتطهيرها من خبائث الكفر والضلال.. أما بسط الرزق وقبضه فهو ابتلاء من الله، فيبتلى سبحانه من يشاء بالبسط، ويبتلى من شاء بالقبض، مؤمنا كان أو كافرا، محسنا أو مسيئا.. «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» ..
قوله تعالى:
«وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ..»
هو ردّ آخر على ادعاء هؤلاء المترفين، بأن أموالهم وأولادهم هى التي تقربهم من الله، وتدنيهم من مرضاته.. وكلّا فإن الأموال والأولاد لا تقرب من الله إلا بقدر ما يكون لأصحاب الأموال والأولاد من إيمان بالله، وإحسان فى العمل.. فهؤلاء حقا لهم جزاء الضعف، أي جزاء مضاعفا، بما نعموا به فى الدنيا من جاء وسلطان، وبما قدموا للآخرة من عمل صالح يلقونه عند الله، فيجزون به الجزاء الأوفى، فى جنات النعيم..
قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ» أي والذين يتخذون من أموالهم وأولادهم وجاههم وسلطانهم، أسلحة يحاربون بها الله، ويسعون لإعجاز الناس عن أن يتصلوا بآياته، أو لآيات الله أن تتصل بالناس.. «فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ» أي يجاء بهم من حيث كانوا إلى حيث يلقون فى جهنم، ويصلون العذاب الأليم فيها.
قوله تعالى:
«قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ.. وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ»
стр. 4641
أعيد النظم القرآنى: «قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ... الآية» ..
وذلك فى مقام غير المقام السابق.. فهناك كان المقام الداعي إلى ذلك، هو الكشف عن تلك الحقيقة التي جهلها أو تجاهلها المترفون، وهى أن بسط الرزق وقبضه هو ابتلاء من الله، وليس مقدّرا على منازل الفضل والرضوان من الله.
وهنا فى هذه الآية- بعد أن تقررت هذه الحقيقة- كان المقام مقام دعوة إلى البذل والإنفاق من هذا المال، لأنه من فضل الله.. وإذ كان الله سبحانه هو الذي يعطى، فلا خوف من الإنفاق، لأنه إنفاق فى سبيل الله، وهو بمنزلة القرض لله، ولن يضيع ما اقترضه الله، بل يعود إلى صاحبه مضاعفا: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً» (٢٤٥: البقرة) وهنا زيادة فى النظم وهى كلمة «عباده» وفيها إشارة إلى أن المدعوين إلى الإنفاق من أموالهم، والتي سيخلفها الله لهم، هم عباده، المؤمنون به..
الآيات: (٤٠- ٤٥) [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٤٠ الى ٤٥]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥)
стр. 4642
التفسير:
قوله تعالى:
«وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ» هو مساءلة فى الآخرة، ومواجهة بين عبدة الملائكة من المشركين، وبين عابديهم، الذين يقولون عنهم، إنهم بنات الله..
وقوله تعالى:
«قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ.. بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ» هذا جواب الملائكة.. إنهم ينزهون الله تعالى عن أن يتخذوا لهم وليا ونصيرا غيره.. إنهم لا يلتفتون إلى هؤلاء الأتباع، الذين عبدوهم على غير دعوة منهم إليهم.. إنهم فى غنى عنهم وعن عبادتهم.. فهم على ولاء مطلق لله.. فهو سبحانه وليهم، ومعتصمهم..
- وقوله تعالى: «بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ» - إشارة إلى ما يعبد هؤلاء المشركون من قوى غيبية خفية ومن تلك القوى، إلى جانب ما يعبدون من ملائكة، الجن.. كما يقول سبحانه: «وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً» (٦: الجن) .
قوله تعالى:
«فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ» .
стр. 4643
أي فى هذا اليوم- يوم القيامة- لا يملك بعضكم لبعض- من عابدين ومعبودين- نفعا ولا ضرا، حيث تجزى كل نفس بما كسبت.. وليس للظالمين فى هذا اليوم من ولىّ ولا شفيع، بل يدعون إلى نار جهنم، ويلقون فيها، ثم يقال لهم: «ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ» وفى هذا القول إيلام لهم، فوق ما هم فيه من آلام، ومضاعفة للحسرة التي تملأ قلوبهم، على ما فاتهم من إيمان بالله فى دنياهم..
قوله تعالى:
«وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» ..
تعود هذه الآية بالمشركين إلى الدنيا مرة أخرى، بعد أن دعتهم الآيات السابقة إلى موقف الحساب والمساءلة، وذلك- كما قلنا فى أكثر من موضع- لتلتقى بهم الدعوة بعد هذه المشاعر التي دخلت عليهم من مشاهد هذا اليوم العظيم..
والآية هنا، تحدّث عن موقفهم مع آيات الله، ومقولاتهم فيها، بعد أن يتلوها الرسول عليهم..
إنها آيات بينات، تنطق بالحق المبين، بحيث يبدو للناظر إليها من أي جانب، ما يحدّث بأنها كلمات الله.. ومع هذا فإنهم يأبون أن يصدقوا ما يقع فى قلوبهم وعقولهم منها، ويحملهم الكبر والعناد على التكذيب، والبهت، والاتهام للرسول الذي يحملها إليهم..
وهذه المقولات التي يقولها المشركون فى آيات الله، هى مضمون ما تجمّع
стр. 4644
من مقولات كثيرة، قالوها فى القرآن الكريم، وفى الرسول الذي جاءهم به..
- «قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ» .. وهم بهذا القول يستثيرون حمية الجاهلية فى صدور الجاهلين، بالحرص على موروثات الآباء، وما خلّفوا لهم من عادات وتقاليد، ومراسم..
- «وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً» .. وهم بهذا القول يزكّون القول الأول، ويثبّتون دعائمه فى القلوب.. حيث أن الذي يدعون إليه، ويرادون على إحلاله محل ما يعبدون، وما كان يعبد آباؤهم- هو محض افتراء وزور..
فكيف يتركون ما هم عليه من حق إلى هذا الضلال المفترى؟ هكذا زيّن لهم الضلال الجاثم على قلوبهم..!
- «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» .. وبهذا القول يردّون على من وقع فى نفوسهم شىء من آيات الله، وتفتحت لها عقولهم وقلوبهم.. إنه سحر.. يخدع الناس، ويضللهم، ويريهم الأمور على على غير ما هى عليه..!!
قوله تعالى:
«وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ» ..
أي أن هؤلاء المغرورين المفتونين بأموالهم وأولادهم، المكذبين بآيات الله كبرا وبطرا- هؤلاء لم يكونوا أهل علم كما كان شأن كثير غيرهم من الأمم، ولم يأتهم رسول من عند الله قبل هذا الرسول.. فهم- والأمر كذلك- فى فقر عقلىّ وروحى، وهم لهذا أشد الناس حاجة إلى هذا الخير الذي ساقه الله إليهم، على يد رسول كريم منهم..
стр. 4645
أما كثرة المال والأولاد، وفتنتهم بهما، وظنهم أنهم فى عصمة بما فى أيديهم من أموال وأولاد، من أىّ بلاء فى الدنيا، أو عذاب فى الآخرة، حتى لقد قالوا: «نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ» - أما هذه الكثرة فى الأموال والأولاد، فهى شىء قليل لا يكاد يذكر إلى جانب ما كان لغيرهم من الأمم السابقة من وفرة فى المال وكثرة فى الرجال، ومع هذا فلم يغن عنهم ذلك من الله شيئا، بل إنهم حين كفروا بالله، وكذبوا رسله، أخذهم الله بذنوبهم، وأرسل عليهم الصواعق والمهلكات، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم.. فأين هم من قوم عاد، وقوم ثمود وما كان لهم من قوة وبأس، وجاه وسلطان؟ وأين هم من فرعون، وما ملك من بلاد وعباد؟ وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى الآية التالية، متوعدا هؤلاء المشركين ومهددا لهم بالعذاب الأليم..
«وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ» .
أي لقد كذب الذين من قبل هؤلاء المشركين، كفرعون، وعاد، وثمود- كذبوا رسل الله، وكانوا على جانب عظيم من الغنى والسلطان، حتى أن هؤلاء المشركين المفتونين بما أوتوا، لم يكن لهم معشار- أي عشر- ما لهؤلاء الذين سبقوهم.. وقد أهلكهم الله بذنوبهم، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا.. فهل تغنى هذه الأموال والأولاد- وهى قليلة، وإن حسبوها كثيرة- هل تغنى عنهم من عذاب الله من شىء؟
وهل ترد عنهم بأس الله إذا جاءهم؟ لو كان ذلك لهم، لكان غيرهم، ممن هم أكثر أموالا وأولادا، أولى! ..
والنكير: الإنكار للأمر.. وإنكار الله للمنكر، يستتبع عقابه وعذابه لمن وقع منه المنكر..
стр. 4646
الآيات: (٤٦- ٥٤) [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٤٦ الى ٥٤]
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)
التفسير:
قوله تعالى:
«قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا.. ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» .
بعد هذا التهديد الذي أنذر به المشركون من أن يحل بهم ما حل بالظالمين المكذبين قبلهم- جاءت آيات الله تدعوهم إلى ما هو خير لهم، وتفتح لهم الطريق إلى النجاة والخلاص..
стр. 4647
والآية الكريمة، تكشف عن أسلوب الدعوة الإسلامية، القائم على مواجهة العقل، ودعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، وإعطائه حقه فى طلب الدليل المقنع، والبرهان الواضح، ثم الاعتراف له بما يقضى به، بعد النظر السليم، المجرد من الهوى، المبرأ من التحدي والعناد..! فهذه هى رسالة الإسلام فى الإنسانية.. إنها تريد أولا وقبل كل شىء، أن تحرر العقل من العادات الفاسدة، والمعتقدات الباطلة، التي استولت عليه، وشلّت إرادة التفكير فيه..
فإذا تحرر العقل من هذه الآفات، وتخلص من تلك القيود، فقد كسب نصف المعركة فى صراعه مع الباطل، ثم كان عليه بعد هذا أن يكسب النصف الآخر، حتى يتلخص من الضلال، ويخرج من عالم الظلام إلى عالم الهدى والنور.. وهو أن يدير عقله على هذا الوجود، وأن ينظر فيه بعقله المتحرر هذا.. فإنه إن فعل، فلابد أن يهتدى إلى الله، ويتعرف إليه، ويؤمن به..
- فقوله تعالى: «قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ» أي إنما أنصح لكم بنصيحة واحدة، لا شىء غيرها.. إنها مجرد نصح، لا إلزام فيه، فإن قبلتم فذلك لكم، وهو حظكم، وإن لم تقبلوا فأنتم وشأنكم..
- والعظة الواحدة، هى: «أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا» .
والقيام لله، هو القصد، والتوجه إليه، وذلك بطلب البحث عنه بحثا جادّا.. فإن الإنسان الذي يريد أن يتخذ له معبودا يعبده، يجب أن يتعرف إليه، وأن يتحقق من آثاره وأفعاله، وما له من سلطان فى هذا الوجود..
ثم لا يقبل المعبود حتى يراه المالك لكل شىء، المنصرف فى كل شىء، والقيام لله مثنى وفرادى، هو أن يكون التفكير فى الله، حديثا إلى النفس أولا، بما يقع فيها من خواطر عن الله.. ثم مراجعة هذه الخواطر مع شخص آخر، يراه الإنسان صاحب نظر ورأى، حتى يستقيم له من تلك
стр. 4648
المراجعة، وتقليب الرأى بينه وبين صاحبه هذا- مفهوم لذات الله، وحتى يجتمع له تصور لعظمته وجلاله وقدرته، ثم تكون المرحلة الثالثة والأخيرة، وهى الرجوع إلى نفسه، وعرض هذا المفهوم وذلك التصور على عقله، حتى يهتدى إلى الرأى الذي يطمئن إليه، والتصور الذي يستريج له..
هذه هى مراحل التفكير، فى أي أمر ذى شأن بعرض للإنسان..
ففى المرحلة الأولى تظهر الفكرة فى صورة خاطرة أو وساوسة، يلوح فى سماء العقل، ويضطرب فى مخيلته..
ومثل هذا الخاطر أو الوسواس، يعيش قلقا مضطربا، لا يجد له مستقرا فى العقل، حتى يجد الأرض الصلبة التي يقف عليها.. وهنا تجىء المرحلة الثانية..
وفى المرحلة الثانية هذه، يبحث العقل عن عقل آخر يأنس به، ويقابل ما عنده من خواطر ووساوس بخواطره ووساوسه..
وفى هذا اللقاء بين العقلين، يكثر الأخذ والرد، والقبول والرفض، ثم ينجلى هذا المخض عن زبدة، هى الشرارة التي تنقدح من اللقاء بين العقلين، والتي تضىء بها جوانب النفس، وينكشف على ضوئها وجه الرأى فى الأمر المتداول بينهما.. وينتهى هذا الحوار، أو هذا اللقاء بين العقول، وقد ذهب كل واحد منها بما حصل عليه، من شك أو يقين.. وعندئذ يجد العقل أن ما حصل عليه ليس خالصا له، وإنما هو- على صورتى الشك واليقين- قسمة بينه وبين العقل الذي جرى معه هذا الشوط للوصول إلى تلك الغاية..
وهنا تجىء المرحلة الثالثة، التي يسوى فيها العقل حساب الأمر الذي بين يديه، على الوجه الذي يراه هو، مستقلا عن أي عون خارجى..
стр. 4649
وفى المرحلة الثالثة هذه، يخلو العقل بنفسه، ما شاء له أن يخلو، فيعيد عرض الأمر فى هدوء، ويقلب وجوهه فى سعة من الوقت، وحرية من العمل..
وقد يظل هكذا زمنا يبلغ عمر الإنسان كله، دون أن يصل إلى الرأى الذي يطمئن إليه، وقد تطلع عليه شمس الحقيقة فى لحظة خاطفة، وعلى غير انتظار! هذا، ويلاحظ- وهذا إعجاز من إعجاز القرآن الكريم- أن الآية الكريمة، لم تذكر المرحلة الأولى وبدأت بالمرحلة الثانية، وهى لقاء عقل الإنسان بعقل غيره، ومقابلة تفكيره بتفكير غيره وذلك، أن المرحلة الأولى، هى مرحلة مشتركة فى الناس جميعا، فإن أي إنسان عاقل، لا يمكن أبدا أن تخلو نفسه من خواطر، ووساوس، عن التفكير فى «الإله» .. أما الذي هو غير واقع فى الناس جميعا، فهو عرض هذه الخواطر والوساوس على عقول الآخرين..
فهناك كثير من الناس يعيشون مع ما يطرقهم من خواطر ووساوس، دون أن يعرضوها على أحد، بل يمسكون بها فى صدورهم حتى يموتوا بها، تماما كما يمسك بعض المرضى، بأمراضهم، دون أن يطبّوا لها، وأن يعرضوها على أهل الذكر والمعرفة بأدواء الأجسام وعللها..
كما يلاحظ- وهذا إعجاز من إعجاز القرآن الكريم أيضا- أن الآية الكريمة حصرت التفكير فى دائرة الفرد نفسه، ثم لم تتجاوز به أكثر من فرد وفرد.. وهذا يعنى أن العقل إنما يكون فى أحسن حالاته، حين يفكر وحده، أي حين ينفرد بالتفكير فيما تجمّع لديه من حصيلة من الأفكار والآراء، يردّها إلى نفسه، ويقلبها بين يديه.. فهذا الذي يحقق للعقل ذاتيته، ويعطيه وجوده، ويمكن له من سلطانه.. فإذا كان ولا بد من مشاركة أحد، فليكن ذلك فى أضيق الحدود، ومع عقل آخر، هو أشبه بالمرآة التي يرى فيها الإنسان ذاته.. أما التفكير الجماعى، وخاصة فى أمر يتصل بالضمير، كالإيمان بالله واليوم الآخر، فإنه يشوش على العقل،
стр. 4650
ويحجب عنه الرؤية الصحيحة لما هو ناظر إليه..
وقد كشف علم النفس، عن أن هناك عقلين، عقلا فرديا، وعقلا جماعيا، وأن العقل الجماعى، قد يقنع الإنسان بما لم يكن محلّ إقناع فى تفكيره الفردى.. وهذا إن صحّ فى الأمور العارضة، فإنه لا يصحّ فى أمر العقيدة، التي هى أمر شخصى محض..
- وقوله تعالى: «ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ، إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» .
هذا هو الحكم الذي يصل إليه العقل، إذا جرى على هذا الأسلوب الذي دعى إليه، من التفكير فى هذا الأمر الذي يدعو الرسول إليه، تفكيرا قائما على البحث الجادّ، والرغبة الصادقة فى الكشف عن الحقيقة.. إنه لو أخذ الإنسان- أي إنسان- بتلك العظة التي دعا القرآن إليها، وهى أن يقوم لله مفكرا وحده، أو مع غيره- لوصل إلى تلك الحقيقة، وهى أن هذا الرسول ليس به جنّة، وأن ما يدعو إليه هو الحقّ.. وأنه رسول الله، ونذير لهم بين يدى عذاب شديد، هو عذاب يوم القيامة..
قوله تعالى:
«قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ.. إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ.. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» وهذه مادة من مواد التفكير، فى سبيل البحث عن الحقيقة التي يدعو إليها الرسول عقل ذوى العقل، فهذه المادة مما تعين على الكشف عن الحقيقة والتهدّى إليها.. وتلك المادة هى أن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه.. لم يطلب أجرا من أحد على ما يدعو إليه، وأنه لم يطلب بذلك
стр. 4651
جاها أو سلطانا: «ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ» ! حتى أكون بموضع تهمة، بأننى إنما أدعو إلى ما أدعو إليه، ابتغاء كسب مادىّ لذات نفسى.. إنها دعوة بريئة من كل غرض شخصى، خالصة من كل مئونة تحملونها من أجلها..
فماذا يحجزكم عنها، أو يحملكم على التصدّى لها، والوقوف فى وجهها؟
- وقوله تعالى: «فَهُوَ لَكُمْ.. إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ» أي إن يكن هناك أجر وخير فى هذه الدعوة، فهو لكم.. أمّا أنا، فإن أجرى على الله..
فأنا أحمل رسالته إليكم خالصة، ولا آخذ منكم على هذا الحمل أجرا، وإنما أجرى على الذي حملنى رسالته..
ويجوز أن يكون الضمير «هو» فى قوله تعالى: «فَهُوَ لَكُمْ» عائدا إلى القرآن الكريم، الذي يدعوهم الرسول الكريم إلى الاستماع إليه، والنظر فيه، ثم الإيمان بما يدعوهم إليه من عقيدة وشريعة.. والقرآن وإن لم يجر له ذكر فى الآية، فهو- فى الحقيقة- المواجه للقوم، والمتحدث إليهم..
وعلى هذا يكون «ما» فى قوله تعالى: «قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ» حرف نفى، بمعنى أننى لم أسألكم أجرا على هذا الكتاب الذي أتلوه عليكم، فهذا الكتاب هو كتابكم، إنه لكم، هدى ورحمة من عند الله.. فكيف أطلب أجرا منكم على أمر هو لكم.؟ إنه لا أجر لى عندكم، إنما أجرى على الله.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ» ! وقوله سبحانه: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» (٤٤: النحل) .. فالكتاب منزل إلى الناس، والرسول ﵊ هو المتلقى لهذا الكتاب من ربه، وهو الحامل لهذه الأمانة، المطلوب منه أداؤها إلى أهلها، وهم الناس جميعا..
وقوله تعالى: «وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» .. أي قائم على كل شىء،
стр. 4652
يراه رؤية شهود، فيعلم كل شىء علما كاشفا.. يعلم ما أنا عليه من قيامى برسالة ربى إليكم، ويعلم ما يكون منكم من قبول لهذه الرسالة، أو ردّها، وسيجزى كلّا بما عمل..
قوله تعالى:
«قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» .
والمراد بالقذف بالحق: رمى الباطل بالحق، حتى يصرعه.. فالقذف، هو الرمي الشديد، كما يقذف بالحجر أو نحوه، ليصيب مقتلا من عدوّ..
وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ.. فَإِذا هُوَ زاهِقٌ» (١٨: الأنبياء) ..
وقوله تعالى: «عَلَّامُ الْغُيُوبِ» بدل من قوله تعالى: «يَقْذِفُ بِالْحَقِّ» .. أي أنه سبحانه لا يقذف بالحق هكذا خبط عشواء، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.. إنه يقذف به عن علم، فيقع حيث يشاء، وحيث يصيب الباطل فى مقاتله..
قوله تعالى:
«قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ» هو تعقيب على الآية السابقة، التي قررت أن الله لا ينزّل إلا ما هو حقّ، ولا يرمى إلا بما هو حقّ..
وها هو ذا الحقّ قد جاء فى هذه الدعوة التي يحملها الرسول الكريم فى آيات الله المطهرة.. وإنها لحق قذف به هذا الباطل الذي يعيش فى مجتمع الجاهليين.. وليس بعد هذا القذف إلا أن يلقى الباطل مصرعه، وتختفى أشباح الضلال، وأشياعه..
стр. 4653
فقوله تعالى: «وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ» .. إشارة إلى أن الباطل قد أصيب فى مقاتله، وأنه لن تقوم له بعد اليوم قائمة، ولن يكون له بعد اليوم صوت يسمع.. فالمراد بنفي البدء والإعادة لازمها، وهو عدم التأثير،. أي أنه الباطل يفقد كل آثاره وأفعاله، بعد أن يقذف بالحق، كما يقول سبحانه:
«بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ» (١٨: الأنبياء) قوله تعالى:
«قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» وهذا الحقّ الذي جاء، إن ضللت عنه، ولم أتبع هديه- فإنما عاقبة هذا الضلال واقعة علىّ.. وإن اهتديت بهذا الهدى، واستقمت على طريقه، ففى هذا النجاة لى، والغنيمة التي أغتنمها منه..
وفى قوله تعالى: «فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي» - إشارة إلى أن هدى القرآن هو الهدى، وأنه لا هدى إلا منه، وأن من التمس الهدى فى غيره ضلّ، وخاب وخسر..
وفى هذا إشارة أيضا إلى أن مصدر الهدى، هو الله ، وأنه من هذا الهدى الإلهى، يهتدى النبىّ، ويهتدى المهتدون.. فالنبىّ- وهو رسول الله- إنما يلتمس الهدى من هذا القرآن، الذي هو حقّ للناس جميعا، ليس للنبىّ فيه، إلا ما للناس جميعا.. ومن هنا، فإنه لا حقّ له- صلوات الله وسلامه عليه- فى أن يطلب أجرا على شىء هو مشاع فى الناس، كالنور، والهواء، والماء.. وفى هذا أيضا دعوة إلى من يجدون فى أنفسهم أنفة أو كبرا أن يأخذوا من القرآن حظهم من الهدى إذ كان النبىّ هو الذي يحمله، ويدعو إليه- فى هذا دعوة لهم أن يتخففوا من هذا الشعور، وأن ينظروا إلى القرآن
стр. 4654
باعتبار المصدر الذي جاء منه، وأنه من عند الله، وليس من عند محمد، وأن محمدا يأخذ حظّه من هدى الله هذا، فليأخذواهم حظهم كذلك- فى غير حرج، وليرتووا من هذا النبع العذب، وألا يهلكوا أنفسهم، بسبب أن كان القائم على هذا النبع رجلا منهم! وقوله تعالى: «إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» أي ليس الله بعيدا عن هذا الهدى الذي يدعوهم إليه رسول الله.. إنه قريب منهم، سميع لهمسات شفاههم، وخفقات قلوبهم.. إنه سبحانه، أقرب إليهم، وإلى هذا الهدى من رسول الله، وأنهم إذا جاءوا إلى هذا الهدى وجدوا الله عنده.. فما لهم لا يتلقون الهدى من الله، إن أنفوا أن يتلقوه من رسول الله؟
إن فى هذه الحجة إلزاما لهم، وقطعا لكل عذر يعتذرون به.. ويبقى للرسول مع هذا مقامه من ربه، ومكانه من الدعوة إلى الله..!
قوله تعالى:
«وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ» هو سوق لهؤلاء الضالين الذين أمسكوا بضلالهم، ولم يقبلوا هذا الهدى المعروض عليهم فى شتى صور العرض- هو سوق لهم إلى المصير المشئوم الذي ينتظرهم..
والصورة التي يراها هؤلاء الضالون لأنفسهم هنا والتي يراها الناس لهم، هى أنهم فى ساحة المحاكمة، يوم القيامة، وقد استولى عليهم الفزع من هذا الهول المحيط بهم، وهذا البلاء المشتمل عليهم، وقد أحيط بهم من كل مكان، فلا فوت ولا مهرب لهم..
وجواب الشرط للحرف «لو» محذوف، للدلالة على أنه لا يحيط به
стр. 4655
الوصف.. ومن صور الجواب، التي تقع فى التصور أن الذي يراهم فى تلك الحال، يرى أهوالا يموج فيها القوم، لا يستطيع الناظر أن ينظر إليها، وبملأ عينيه منها.. إنها شىء مخيف.. مفزع.. فظيع! والمكان القريب الذي أخذوا منه، هو دنياهم التي كانوا فيها.. وهى- أيّا كانوا منها- قريبة إلى الله، فكل شىء فى الوجود قبضته يده! قوله تعالى:
«وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ» .
هو معطوف على قوله تعالى: «وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ» .. أي أنهم فى هذه الحال، يقولون «آمنا به» أي بالقرآن، أو بالرسول وبما جاء به..
- وقوله تعالى: «وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ» «أنّى» بمعنى كيف. وهو استفهام يراد به الاستبعاد..
والتناوش: التناول خطفا بأطراف الأصابع، حيث تقصر اليد عن تناول الشيء، فتلمسه، ولا تتمكن منه، فتكثر لذلك حركة اليد، قبضا وبسطا..
والمعنى أنهم إذ يقولون آمنا بالله، وبكتابه، يتعلقون بآمال كاذبة، ويمسكون بخيط من الوهم.. فقد بعدت بينهم وبين مطلبهم الشقة.. إنهم فى عالم غير هذا العالم الذي كان ينفعهم فيه هذا القول.. وإنه لمحال أن يعودوا إلى هذا العالم.. إنه مكان بعيد عنهم.. إنه الدنيا.. وهم فى الآخرة.. وما أبعد المسافة بين الدنيا والآخرة بالنسبة لهم!! وفى التعبير بالتناوش، عن الأمل الذي يراودهم فى هذا الموقف، بإعلان الإيمان- إعجاز من إعجاز القرآن، فى صدق الأداء، وروعته، ودقته.. فالأمل الذي يتعلقون به، لا يمسكون منه بشىء.. إنه لا يكاد يظهر حتى يختفى، ثم يظهر
стр. 4656
ويختفى، وهم يجرون وراءه حتى تتقطع أنفاسهم دونه، وفى هذا مضاعفة للعذاب الذي هم فيه.. «كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ» (١٤: الرعد) ..
إنهم يمدون أيديهم وهم فى الآخرة، ليتناولوا هذا الأمل الذي فاتهم فى فى الدنيا، ويناوشونه مناوشة من بعيد، ولا تمسك أيديهم بشىء منه.
قوله تعالى:
«وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ» ..
الواو، واو الحال، والجملة بعده حال من الكافرين، الذين قالوا آمنا به..
أي أنهم قالوا هذا القول عن القرآن فى الآخرة، وقد كفروا به فى الدنيا، وقد كانوا يقذفون بالغيب وهو ما يحدثهم به القرآن عن البعث فى الآخرة والحساب، والجزاء، وكلها غيب.. فلم يقبلوا هذا، وقذفوا به، ورموه، وهم فى مكان بعيد أي فى الدنيا.. وهم الآن فى الآخرة، فكيف لهم أن يلحقوا بهذا الذي قذفوه، ويمسكوا به؟.
قوله تعالى:
«وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ.. كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ.. إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ» .
حيل بينهم وبين ما يشتهون: أي حجز بينهم وبينه.. فلا سبيل لهم إليه..
والذي يشتهونه، هو العودة إلى الدنيا، وأخذ ما فاتهم، واسترداد
стр. 4657
ما ضاع منهم فيها، من الإيمان بالله واليوم الآخر..
والأشياع: هم الأولياء، والأنصار.. وهم هنا من كان على شاكلة هؤلاء الكافرين من القرون الغابرة، والأمم الماضية، أو من جاء بعدهم ممن كانوا على الكفر فى الدنيا..
والمعنى أنه قد حيل بين هؤلاء المشركين، وبين ما كانوا يتمنونه، ويطمعون فيه من العودة إلى الدنيا، وإصلاح ما أفسدوا من أمرهم، كما حيل بين كل كافر وبين هذه الشهوة التي يشتهيها فى الآخرة.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى على لسان أهل الكفر والضلال فى الآخرة: «يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (٢٧: الأنعام) .
- وقوله تعالى: «إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ» - وصف لما كان عليه أهل الكفر والضلال فى الدنيا، وأنهم كانوا فى شك مريب من أمر الآخرة أي فى شك يقوم من ورائه شك. فلا يخرج بهم الشك إلا إلى شك، فلم يكن يقع منهم أبدا الايمان بالله، ولو ردوا إلى الدنيا- بما هم عليه من طباع- لعادوا إلى ما نهوا عنه..
стр. 4658
٣٥- سورة فاطر
نزولها: مكية عدد آياتها: خمس وأربعون آية..
عدد كلماتها: سبعمائة وسبعون..
عدد حروفها: ثلاثة آلاف ومائة وثلاثة وثلاثون.
مناسبتها لما قبلها بدأت سورة «سبأ» السابقة بالحمد لله، والثناء عليه، وإضافة ما فى السموات وما فى الأرض إليه ، ثم ختمت بعرض الكافرين على جهنّم وما يلقاهم من ضنك وبلاء هناك، وما يتمنونه من العودة إلى الحياة الدنيا، وأن ذلك ما لا يكون أبدا، وأنهم لو ردّوا لما آمنوا، لأنهم يحملون طباعا لا تتعامل إلا مع الضلال والكفر.
وقد بدئت سورة «فاطر» هذه بحمد الله أيضا، والثناء عليه، وإضافة الوجود إليه إضافة إيجاد وخلق، بعد أن أضافته إليه سورة سبأ، إضافة ملك وتصريف..
ثم كان هذا الحمد ردّا على كفر الكافرين وشكّهم، وما جرّهم إليه هذا الكفر والشك من بلاء ونكال، فهو حمد من المؤمنين إذ عافاهم الله مما يلقى أهل النار من عذاب أليم.
стр. 4659
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٧) [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)
التفسير:
قوله تعالى:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .
فاطر السموات والأرض: أي مبدعهما، وخالقهما، على أتم نظام وأكمله.
ومنه الفطرة، وهى ما ركّب الله فى الإنسان من غرائز وميول، يولد بها الإنسان، كصفحة بيضاء نقية..
стр. 4660
والجعل: إضافة على أصل الخلق، وهو العمل الوظيفى للمخلوق، حسب طبيعته.. كما يقول سبحانه: «جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً» (٥: يونس) ..
وقد شرحنا هذا المعنى فى مواضع أخرى..
فالحمد لله، من ذاته، ومن المخلوقات لذات الخالق، حمدا على الخلق والإيجاد، وعلى ما أمد به ما خلق، من أسباب البقاء، وعلى أن جعل الملائكة رسلا إلى الناس، تحمل إليهم رسالات السماء، بالهدى والنور، وتستغفر للمؤمنين بالله، وتصلى على رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه..
- وقوله تعالى: «مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ» صفة للأجنحة، وتدل هذه الصيغ على كثره المعدود، وأن الملائكة ذوو أجنحة، وأنهم فى ذلك ثلاثة أصناف، صنف له جناحان، وصنف له ثلاثة أجنحة، وثالث له أربعة أجنحة.. وهذه الأجنحة من نور، تتشكل من هذه الأنوار اللطيفة كما تتشكل صور الأشياء من عالم المادة..
وقوله تعالى «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ» هو ردّ على من يتصور أن ذوات الأجنحة لا تكون إلا بجناحين، وأن الثلاثة لا يقوم بها نظام الطائر، كما أن الأربعة هى بمنزلة الجناحين.. وهذا فى تقدير الخلق، ولكن الخلاق العظيم المبدع، يخلق ما يشاء، ويزيد فى الخلق ما يشاء.. «إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» فإذا جعل لطائر، ثلاثة أجنحة، أو أربعة، أو ما شاء الله من أجنحة، كان ذلك بتقدير، وعلم، وحكمة.. «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» (٧: السجدة) قوله تعالى:
«ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» أي إن القدرة كلّها بيد الله وحده، لا يملك أحد شيئا بقدر به على أن
следующие страницы →