Полный текст (6 903 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
وإنه لا خشية إلا عن معرفة الذّات التي تخشى، ويخشى سلطانها، ويخاف بأسها.
وإنه لا معرفة إلا عن نظر، وتفكر، وتدبر..
فمن كان أكثر معرفة لله، وعلما بما له من صفات الكمال والجلال- كان أكثر خشية لله، وتوقّيا لحرماته..
وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ» أي أنه مع ما لله من عزة وقوة وسلطان، فإنه سبحانه، غفور، يلقى أهل الإساءة بالمغفرة، إذا سألوا هم مغفرته، وطلبوا عفوه، والتمسوا رضاه.
الآيات: (٢٩- ٣٧) [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٢٩ الى ٣٧]
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣)
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)
стр. 4692
التفسير قوله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ» ..
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآية السابقة، أشارت إلى العلم، وإلى ما للعلماء من مقام عند الله، وما فى قلوبهم من خشية له، وذلك بما علموا من دلائل قدرته بالنظر فى آياته الكونية، نظرا عاقلا، مدركا، متفحصا. ملأ قلوبهم خشية لله، ومراقبة له، ومجانبة لحرماته..
وهنا- فى هذه الآية- دعوة إلى النظر فى آيات الله القرآنية، وما يقع للعقل منها من علم بالله سبحانه، وبما له- سبحانه- من علم، وحكمة، وقدرة..
ففى هذه الآيات القرآنية، معجزات، يرى فيها الذين يتلونها تلاوة مبصرة، وشواهد ناطقة تشهد بما لله من كمال وجلال، تماما كما يرى الراءون لآيات الله المادية المعجزة..
стр. 4693
فقوله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ» دعوة إلى التلاوة المتدبرة الفاقهة، التي تحصّل علما وحكمة، وهى التي تملأ القلوب إجلالا وخشية لله.
«وَأَقامُوا الصَّلاةَ» .. الجملة هنا حالية من فاعل يتلون، أي يتلون كتاب الله، أي يخشون الله، وقد أقاموا الصلاة، فى ظل من هذه الخشية، وفى استصحاب لها..
فالآية هنا مثل قوله تعالى: «إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ» (١٨: فاطر) .
«وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً» معطوف على «وَأَقامُوا الصَّلاةَ» أي وأنفقوا مما رزقهم الله سرّا وجهرا، فى ظل من خشية الله كذلك، وفى استصحاب لتلك الخشية..
«يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ» .. خبر إن.. أي أن هؤلاء الذين يتلون كتاب الله، تلاوة تملأ قلوبهم خشية لله، ثم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة- وهم على خشية من الله- هؤلاء يرجون تجارة رائجة، رابحة لن تبور..
بل إنها تجد من يشتريها منهم، ويضاعف لهم الثمن فيها.. وإنه الله هو الذي يشترى منهم هذه البضاعة، ويضاعف لهم الثمن عليها..
قوله تعالى:
«لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.. إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ» .
هو تعليل لنفى البوار عن تجارة هؤلاء العاملين، إنها تجارة يتقبلها
стр. 4694
الله منهم «لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ» أي ليعطيهم أجر ما عملوا كاملا وافيا غير منقوص، بل وأكثر من هذا، فإن الله سيزيدهم، ويضاعف لهم الأجر، فضلا وكرما وإحسانا منه.. «إِنَّهُ غَفُورٌ» يتجاوز عن سيئاتهم، «شكور» يقابل القليل من الإحسان بالجزيل من العطاء..
قوله تعالى:
«وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ.. إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ» .
هو إلفات إلى هذا الكتاب، الذي دعت الآية السابقة إلى تلاوته..
وأنه هو الحق، المصدق لما بين يديه من الكتب السابقة..
- وقوله تعالى: «مِنَ الْكِتابِ» من للتبعيض، وهذا يعنى أن ما كان قد نزل من القرآن الكريم، لم يكن كل القرآن، بل بعضه.. وهذا هو الواقع، فإن السورة مكية.. وهذا يعنى أن القرآن المدني لم يكن قد نزل منه شىء بعد..
- وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ» .. أي إنه سبحانه عالم بما يصلح أمر العباد، بصير بهم، فينزّل عليهم من آياته، فى كل زمن ما يناسبهم، ويتفق وعقولهم..
قوله تعالى:
«ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ» ..
الكتاب هنا، هو القرآن الكريم..
стр. 4695
والذين أورثهم الله هذا الكتاب هم المؤمنون به، فى كل زمن، ومن كل أمة.. فهم الوارثون لهذا الكتاب، المنتفعون بما فيه من خير، انتفاع الوارث بما يرث.. والآية الكريمة تنويه بهذه الأمة الإسلامية، ورفع لقدرها، وحسبها أن تكون المصطفاة من عباد الله، لتلقّى هذا الكتاب، وجعله ميراثا دائما، يأخذه الأبناء عن الآباء إلى يوم الدين..
ففى العطف بحرف «ثم» إشارة إلى أن ما أوحى إلى النبي حتى نزول هذه الآية، لم يكن إلا بعضا من الكتاب.. وأن ميراث المسلمين لهذا الكتاب لم يأت بعد، لأن الكتاب لم يتم نزوله، وسيتم ذلك بعد بضع سنوات. ولهذا جاء العطف بثم ليفيد هذا التراخي فى الزمن، بين نزول هذه الآية وبين تمام نزول القرآن:
- وفى قوله تعالى: «أَوْرَثْنَا» - إشارة أخرى إلى أن هذا الكتاب، هو ميراث المسلمين على مرّ الأزمان، وأنه لهم خالصة من دون الناس، إذ كانوا هم الذين ينتفعون به، ويجنون الثمر الطيب منه.. وسمّى القرآن ميراثا، لأنه فضل من فضل الله ، لم يحصله المسلمون بكدّهم وسعيهم، وإنما وضعه الله بين أيديهم، إحسانا وفضلا.
- وفى قوله تعالى: «اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» إشارة ثالثة إلى أن هؤلاء المسلمين الذين ورثوا هذا الكتاب، هم المصطفون من عباد الله جميعا، لأنهم هم المؤمنون.
وهذا يعنى أن الذين لا يؤمنون بهذا الكتاب، ليسوا على الإيمان،. بل هم كافرون، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ»
وهذا يعنى من جبهة رابعة أن المسلمين جميعا هم الفريق المصطفى والمتخير من فريقى الناس.. إذ الناس فى الدنيا فريقان:
مؤمن، وكافر، كما يقول الله تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» (٢: التغابن) .. وهم فى الآخرة فريقان كذلك. كما يقول الله تعالى
стр. 4696
«فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ» (٧: الشورى) - وقوله تعالى: «فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ» أي أن هؤلاء المسلمين، الذين أورثهم الله الكتاب، واصطفاهم من بين عباده للإيمان به- هؤلاء ليسوا على درجة واحدة، فى إيمانهم بالله، وفى منزلتهم عنده، بل هم درجات عند الله، وإن كانوا جميعا فى مقام الاصطفاء..
إنهم فى مجموعهم، ثلاث طوائف: طائفة آمنت بالله، ولكنها لم تعمل بهدى هذا الإيمان، ولم ترتفع بأعمالها إلى مستواه، فظلمت نفسها بالوقوف عند أول درجة من درجات الكمال، وقد فتح أمامها الطريق إليه، وأقيمت لها على جوانبه معالم الهدى.. وإنه لا عذر لها فى التوقف عن السير فى هذا الطريق الآمن المطمئن، لتجنى ما وعدت به على طريقه من خيرات ومسرات..
وهذه الطائفة هى طائفة العصاة من المؤمنين، أصحاب الكبائر.. وطائفة أخرى.. آمنت به كذلك، ولكنها لم تقف عند أول منزلة من منازل الإيمان، بل خطت خطوات بطيئة متمهلة.. تسير حينا، وتتوقف حينا..
ومع هذا فهى على الطريق سائرة.
وهؤلاء هم المؤمنون، الذي خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.. فأحسنوا وأساءوا، وأطاعوا وعصوا.. وهؤلاء هم وسط بين الذين ظلموا أنفسهم، والذين سبقوا بالخيرات. وهم الطائفة الثالثة من طوائف المؤمنين.. أما الطائفة الثالثة فهى طائفة أولئك الذين ساروا سيرا حثيثا على طريق الإيمان، فلم يقفوا عند إثم، ولم يسكنوا إلى كنف معصية، فسبقوا بالخيرات، وبلغوا الغاية التي يبلغها المؤمنون بإيمانهم.. وهؤلاء هم الأتقياء، والصالحون، والأبرار، وهم الذين أنعم الله عليهم، ومنحهم التوفيق، وحفظهم من الزلل على الطريق..
стр. 4697
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ» .. فهذا السبق الذي كان لهم، هو بتوفيق الله، وبفضله عليهم، وإلى هذا يشير الله سبحانه بقوله: «ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ» .. ويجوز أن تكون الإشارة هنا إلى الميراث، أو الاصطفاء فى قوله تعالى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» . فهذا وذاك فضل كبير من الله رب العالمين.
ونخلص من هذا إلى تقرير حقيقتين نراهما على ضوء هذه الآية الكريمة:
الحقيقة الأولى، هى أن المسلمين، الذين أورثهم الله القرآن الكريم، هم جميعا- المستقيم منهم والمعوج، والمطيع والعاصي- هم الفريق المصطفى المتخير من الله من بين عباد الله.. فالمسلمون فريق.. والناس جميعا فريق..
الحقيقة الثانية، وهى أن أهل هذه الملة جميعا ناجون، وأن أهل المعصية منهم إذا حبسوا على النار قليلا أو كثيرا، فإنهم من أهل الجنة. وهذا ما بشير إليه الحديث الشريف: «من قال لا إله إلا الله مؤمنا بها قلبه دخل الجنة» وفى الحديث أيضا عن رسول الله ﷺ : «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» وينبنى على هاتين الحقيقتين أمور:
أولها: أن على المسلم أن ينظر إلى نفسه، فى هذا المقام الكريم الذي وضعه الله فيه، وجعله من أهل اصطفائه، وهذا يقتضيه أن يحرص الحرص كله على أن يحتفظ بمكانه هذا، وأن يطلب منزلة أعلى، فى منازل الإيمان التي لا حدود لها، وألا يسفّ ويتدلّى، فتزلّ قدمه بعد ثبوتها..
وثانيها: أن المسلمين إنما أورثهم الله القرآن الكريم، بعد أن تخيرهم له من بين الناس.. فهم أهله، وأولى الناس به.. ولن يكونوا أهله وأولياءه إلا إذا
стр. 4698
حفظوه، وعملوا بأحكامه، وتأدبوا بآدابه.. إنه ميراثهم من فضل الله، فإذا لم يحسنوا القيام عليه، والرعاية له، أفلت من أيديهم هذا الميراث، كما يفلت الميراث من يد الوارث السفيه.. كما يقول سبحانه: «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» (٣٨: محمد) وثالثها: أن كل مسلم له نصيبه فى هذا الميراث، وهو ميراث يسع المسلمين جميعا، فردا فردا، وجماعة جماعة.. وجيلا جيلا.. يسلمه السّلف إلى الخلف..
فهو أمانة فى عنق كل إنسان، وهو أمانة فى أعناق المسلمين جميعا.. وعلى هذا فإن هذا الميراث لن يضيع أبدا.. إذ لو بقي فرد واحد من المسلمين، لكان هذا الكتاب ميراثا له ولكان أمانة فى عنقه، ولكان مطالبا بحمل الأمانة، مطالبا بأدائها..
وقدم الظالم لنفسه، لأن الذين ظلموا أنفسهم بالمعاصي هم الكثرة فى المسلمين، ثم جاء بعدهم المقتصدون، وهم أقل منهم عددا، ثم جاء السابقون بالخيرات بإذن ربهم، لأنهم قلة فى المسلمين، وصفوة صفوتهم.. وقيل إن هذا الترتيب منظور فيه إلى الأحوال التي تعترى الناس فى هذا المقام، وهى ثلاث: معصية، ثم توبة، ثم قربة.. فإذا عصى العبد فهو ظالم، فإذا تاب، فهو مقتصد، فإذا صحت توبته وكثرت مجاهدته، فهو سابق.. وقيل قدم الظالم، لئلا يبئس من رحمة الله، وأخر السابق لئلا يعجب بعمله، فتعيّن توسط المقتصد.
وقوله تعالى:
«جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ» «جَنَّاتُ عَدْنٍ» بدل من قوله تعالى: «الْفَضْلُ الْكَبِيرُ» .. فالفضل
стр. 4699
الكبير الذي يتلقاه المؤمنون من ربهم، هو «جنات عدن» أي جنات خلود، لا يخرجون منها أبدا..
وقوله تعالى: «يَدْخُلُونَها» خبر لجنات أي جنات عدن يدخلها المؤمنون.
وقوله تعالى: «يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ» .
هو حال من الفاعل فى قوله تعالى: «يَدْخُلُونَها» وهذه الحلىّ التي يلبسها المؤمنون فى جنات عدن، هى من بعض ما كانوا يشتهون فى دنياهم، أو مما كانوا يتمتعون به، ويجدون المسرّة منه.. فيكون من تمام النعمة عليهم أن ينالوا كلّ شىء كان مشتهى لهم فى دنياهم، وقصرت عنه أيديهم، أو كان متعة من متعهم فى هذه الدنيا..
وليس هذا كل نعيم أهل الجنة، بل هو شىء لا يكاد يذكر إلى ما هناك من نعيم لم تره عين، ولم تسمعه أذن، ولم يخطر على قلب بشر.. ولكنه من شهوات النفس فى دنياها، فلا نحرم منه إذا هى نزلت منزل الإحسان المطلق، والنعيم الشامل.. تماما كما يجىء إنسان من أقاصى الريف إلى مدينة كالقاهرة..
إن كل ما فى نفسه أن ينال شيئا مما كان يراود خياله، ويطرق أمله، كأن يدخل «السينما» أو يجلس فى مطعم فيأكل حتى يشبع، أو يلبس بدلة!! أو نحو هذا..
إن آماله وهو فى عيشه الضيق الضنك، لا تتسع لأكثر من هذا..
ولك فى هذا مثل تجده فى طوارق الأحلام.. إن كل إنسان يقع له فى أحلامه، ما يشتهيه فى يقظته، وتقصر عنه يده..
وفى عالم الأحلام متسع لكل شىء.. ومع هذا فإن المحروم من الشيء لا يكاد يحلم إلّا به، وإن كان عند غيره تافها لا يلتفت إليه فى يقظة أو منام.. وفى المثل:
«الجوعان يحلم بالرغيف!» فمخطىء أولئك الذين يتهمون الإسلام من هذا الجانب، ويحقرون
стр. 4700
الجنة التي وعد الله المتقين بها، ويقولون إنها جنّة حسيّة، تستجيب لشهوات الجسد، أكثر من استجابتها لمطالب الروح.. ثم إنها من جهة أخرى جنّة تافهة، لا تستحق أنه يعمل لها الإنسان فى دنياه هذا العمل الشاق الطويل، كى يلبس حريرا، أو يحلّى بذهب أو لؤلؤ، أو يشرب من نهر خمر، أو لبن، أو عسل، أو ينال من لحم طير أو نحوه.. إن ذلك كله موجود فى الدنيا، بل هو أقلّ ما يوجد فيها.. هكذا.. يقولون! ويردّ على هذا من وجوه..
فأولا: ليس هذا هو كلّ نعيم الجنة التي وعد به المتقون، وإنما هو- كما قلنا- شىء قليل قليل إلى كثير كثير، لا حصر له، مما لم تره عين فى هذه الدنيا، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر..
وثانيا: أن هذا الذي يساق إلى أهل الجنة من نعيم الدنيا، ليس فرضا عليهم، وإلزاما لهم، بل هو استجابة لمطلب كان لهم فى الدنيا، وعزّ عليهم الحصول عليه.. وأنه لكى تتم سعادتهم، ولكى يدركوا أن ما فاتهم فى دنياهم لم يكن إلا شيئا تافها إلى هذا النعيم الذي أعدّه الله لهم- كان وضع هذا المتاع الدنيوي بين أيديهم، إزاء ما فى الجنة من نعيم.
وثالثا: ليس هذا النعيم جسديّا، بل إن الرّوح لتجد راحتها وسعادتها فى حصولها على ما حرمت منه، ولو كان أمرا ماديا فى ذاته.. كما يقع ذلك للروح فى عالم الأحلام.. إن ما يقع فى الأحلام من أمور تستجيب لرغبة الإنسان، هى مما يسعد نفسه، ويرضى مشاعره..
قوله تعالى:
«وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ»
стр. 4701
بهذا الحمد الخالص المطلق، يستقبل أهل الجنة هذا النعيم الذي هم فيه..
فهم يحمدون الله مع كل نعمة تطلع عليهم من نعيم الجنة التي لا ينقطع نعيمها لحظة.. لقد أذهب الله عنهم فى هذا المقام الكريم «الحزن» الذي كان قد وقع فى نفوسهم لما فاتهم من متاع الدنيا، ولما ابتلوا به فيها من مصائب وفتن.. ولقد غفر الله لهم ما كان منهم من ذنب، وما فعلوه من منكر، وستره عنهم، فلم يروه، حتى لا يسوءهم وجهه، وهم فى رضوان الله، وفى رحاب فضله وإحسانه، وشكر لهم الله القليل من صالح أعمالهم فجزاهم عليه هذا الجزاء العظيم.
قوله تعالى:
«الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ» ..
النّصب: التّعب من العمل والجهد.. واللغوب: الإعياء والفتور..
أي وإنهم ليحمدون الله سبحانه، أن أنزلهم هذه الدار الكريمة الطيبة من فضله، والتي لا يتحولون عنها أبدا، والتي لا يمسهم فيها تعب أبدا، ولا ينالهم أدنى عناء أو مشقة.. لأنهم ينالون ما شاءوا من نعيم. وينعمون بما اشتهوا من طيبات، دون أن يبذلوا لذلك جهدا، أو يعملوا له عملا..
قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ» أما أهل الكفر والضلال، فإن لهم دارا غير هذه الدار، وحياة غير تلك الحياة.. إن دارهم هى النّار، وحياتهم فيها عذاب لا ينقضى، ولا
стр. 4702
ينقطع.. ولا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها، فهم أحياء فى عذاب أليم دائم.. وإنها لحياة، يتمنى أصحابها الموت ولا يجدونه، كما يقول الله تعالى:
«الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى» (١٢- ١٣ الأعلى) وهذا ما يشير إليه المتنبي بقوله:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
وقوله تعالى: «كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ» أي بمثل هذا الجزاء من العذاب الأليم، وتلك الحياة المشئومة النكدة، نجزى كل كفور، أي شديد الكفر، غليظ الضلال.
قوله تعالى:
«وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ؟ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ» .
الاصطراخ: التنادى بطلب الغوث من أمر مفظع.. والصارخ هو من يستصرخ غيره، ويدعوه إلى نجدته.. كما يقول الشاعر..
إنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب
فهذه حال أهل النار.. صراخ، واستصراخ لطلب الغوث والنجدة..
يقولون: «رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ» .. ولا يلقون لهذا الاستصراخ إلا الردع والزجر.. «اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ» (١٠٨: المؤمنون) ..
стр. 4703
وقوله تعالى: «أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ» ؟.
هذا ما يجيبهم به لسان الحال. لقد عمروا فى الدنيا عمرا طويلا، يتسع لأن يتذكر فيه من تذكر، وأن يتعرف إلى ربه، ويؤمن به، ويعمل صالحا يرضاه له.
وقوله تعالى: «وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ» .. إشارة إلى أنه مع العمر الذي عاشوه فى الدنيا، ومع ما معهم من عقول، لو استعملوها لاهتدوا بها، ولعرفوا الطريق إلى الله- مع هذا فقد بعث الله فيهم رسولا ينذرهم بين يدى هذا العذاب الأليم، فما استمعوا له، ولا التفتوا إليه..
وقوله تعالى: «فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ» - هو تعقيب على هذا اللوم الزاجر، الذي أجيبوا به على استصراخهم.. فما لهم إلا هذا العذاب، وما لهم هنا من نصير، يستجيب لهم، ويخلصهم مما هم فيه
الآيات: (٣٨- ٤١) [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٣٨ الى ٤١]
إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١)
стр. 4704
التفسير تعود هذه الآيات بالمشركين والكافرين، من عذاب جهنم، الذي ساقتهم إليه، الآيات السابقة، فتلقاهم بهذا الحديث الذي يكشف عن علم الله وقدرته، وأنه وحده- سبحانه- العالم بكل شىء، المالك لكل شىء، القائم على كل شىء..
وقوله تعالى:
«إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ»
- هو تقرير للحقيقة، التي غايت عن أهل الشرك والضلال، وهى أن الله سبحانه هو الإله الذي ينبغى أن يعبد.. إنه يعلم كل غائبة فى السموات أو فى الأرض، وإنه يعلم ما تنطوى عليه الصدور، وما تكنّه الضمائر.. ومن كان هذا شأنه، كان سلطانه قائما على كل شىء، وكانت عبادته وحده واجبة على كل مخلوق..
وقوله تعالى:
«هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً» أي أنه سبحانه قد أعلى قدر الإنسان، ورفع منزلته، وجعله خليفة فى الأرض.. وكان مقتضى هذا أن يحتفظ الإنسان بهذا المقام الكريم، وأن يعرف لله فضله عليه، وإحسانه إليه، وأن يذكر أنه خليفة لله، وأنه بهذه الخلافة يعمل فى الأرض التي هى ملك لله.. فكيف يسوغ له أن يخرج عن
стр. 4705
سلطان الله، وأن يجعل ولاءه لغير الله، مما على الأرض من كائنات، يعبدها، ويتخذها آلهة له من دونه؟.
وقوله تعالى: «فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ» أي فمن خرج على استخلاف الله إياه، وكفر به، فعليه كفره، وسيلقى الجزاء الذي يستحقه وقوله تعالى: «وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً» أي أن هذا الكفر الذي لبسه الكافرون بعد أن خلعوا نعمة الخلافة التي ألبسهم الله إياها، لا يزيدهم عند ربهم إلا، بغضا، وبعدا من رحمته، حيث ينزع عنهم ثوب الكرامة الذي خلعه عليهم، ويلبسهم الذلة والمهانة، ويلقى بهم فى جهنم مذمومين مدحورين ...
وقوله تعالى: «وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً» أي لا يزيدهم هذا الكفر الذي لبسوه إلا كفرا وضلالا، فهم مع هذا الكفر فى كفر ينمو على الأيام.. فهم يزدادون كل يوم مع هذا الكفر، خسرانا، حيث تخف موازينهم يوما بعد يوم.. إنهم يحملون فى كيانهم داء خبيثا، هو الكفر يمتص ماء الحياة منهم، قطرة قطرة، حتى يتحولوا إلى أعواد من الحطب لا نصلح إلّا وقودا للنار! قوله تعالى:
«قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ؟ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ؟ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ؟ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً» أسئلة مطلوب من المشركين أن يوردوها على عقولهم- إن كانت لهم عقول- ثم ليجيبوا عليها، إن كانوا يجدون لها جوابا..
стр. 4706
«قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ» ؟
أي أنظرتم فى وجه هؤلاء الشركاء الذين تعبدونهم من دون الله؟
وهل عرفتم ما هم عليه؟.
- «ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ؟» أي أخلقوا شيئا مما ترون على هذه الأرض من مخلوقات؟ هل خلقوا ذبابة؟
- «أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ؟» وإذا لم يكونوا قد خلقوا شيئا مما هو على الأرض، فهل لهم شىء مما فى السموات؟ ذلك بعيد.. فإن من عجز عن أن يخلق أدنى المخلوقات فى الأرض، لهو أعجز من أن يكون له أي شىء فى السموات..
- «أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ» .
سؤال إلى المشركين عن ذات أنفسهم هم.. وهو أنهم إذا لم يجدوا لهذا الذي سئلوا عنه فى شأن آلهتهم، جوابا يقبله العقل، بأن لهم شيئا فى هذا الوجود فى أرضه وسماواته- إذا لم يجدوا فى أنفسهم ما يحدّث عن آلهتهم تلك بأن لها شيئا أو شأنا فى الملك- فهل أخذوا هذا الذي أضافوه إلى آلهتهم عن كتاب من عند الله، فهم لهذا على بينة وعلم فى شأن آلهتهم، مما علموه من هذا الكتاب؟ ذلك ما لم يكن!.
فإذا كان العقل يأبى أن يضيف إلى آلهتهم شيئا، أو يجعل لهم شأنا فى هذا الوجود، وإذا لم يكن بأيدى هؤلاء المشركين كتاب من عند الله، أقامهم على هذا الرأى السقيم الباطل الذي رأوه فى آلهتهم، فلم يبق إذن شىء يصل بين هؤلاء المشركين وآلهتهم، إلا ما تلقوه من ضلالات الضالين وأهواء ذوى الأهواء منهم.. «بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً» ..
إن هذا الذي هم فيه من ضلال مع هذه المعبودات التي يعبدونها، هو من
стр. 4707
وحي بعضهم إلى بعض بالباطل، ومن تزيين بعضهم لبعض بالخداع والغرور..
وفى الحديث عنهم بضمير الغائب، إعراض عنهم وإنزالهم منزلة الغائب، إذ لم يكونوا أهلا لأن يخاطبوا. وقد استرخصوا عقولهم، واستخفّوا بها..
قوله تعالى:
«إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ.. إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً» - هو تهديد لهؤلاء المشركين، بأن يسقط الله عليهم السماء، أو يخسف بهم الأرض.. فهو سبحانه الذي يمسكهما بموضعيهما اللذين هما فيهما..
«وإن» فى قوله تعالى «إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ» - نافية، بمعنى ما، أي إن زالتا ما أمسكهما أحد من بعد الله، لو رفع يده عنهما..
- وقوله تعالى: «إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً» - إشارة إلى أن الله سبحانه قد وسع بحلمه الناس، ولم يأخذهم بظلمهم، ولولا هذا لأهلكهم، وأفسد عليهم حياتهم، وهو سبحانه مع حلمه، غفور، ينتظر رجعة الظالمين إليه، فيقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم..
الآيات: (٤٢- ٤٥) [سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٤٢ الى ٤٥]
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥)
стр. 4708
التفسير:
قوله تعالى:
«وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً» ..
أي أن هؤلاء المشركين، الذين استرخصوا عقولهم، واتبعوا أهواءهم، كانوا يقسمون بأعظم الأيمان عندهم وآكدها، - قبل أن يأتيهم النبي- «لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ» أي رسول، كما جاء إلى الأمم السابقة رسل- «لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ» أي ليكونن أهدى من إحدى هذه الأمم، وهم بنو إسرائيل، إذ كانوا يتمثلون فيهم العلم، والدّين، لما كان بين أيديهم من كتاب، وما بينهم من علماء..
ولم يصرح القرآن ببني إسرائيل، مع أن المشركين لا يعنون غيرهم، وذلك- والله أعلم- للاستصغار بشأنهم، وأنهم ليسوا المثل الذي يحتذى به فى الاستقامة والهدى..
стр. 4709
وجهد الإيمان: أغلظها، وأشدها..
والاقتصار على وصف الرسول بأنه «نذير» إشارة إلى أن الإنذار هو أول ما يتلقاه الأقوام من رسلهم، إذ كان الرسل إنما يبعثون فى أقوامهم، حين يكثر الفساد فيهم، وتختلط معالم الدين الصحيح فى قلوبهم وعقولهم.. فيكون أول ما يلقى به الرسول قومه هو الإلفات إلى هذا الضلال الذي هم فيه، وتحذيرهم منه، وإنذارهم سوء عاقبته.
- وقوله تعالى: «فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً» - أي لما جاء الرسول الذي كانوا يتمنون الهدى عليه يديه، لم يزدهم إلا نفورا عن الحق، وإعراضا عن الهدى..
قوله تعالى:
«اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا» .
- «اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ» هو بدل من قوله تعالى:
«إِلَّا نُفُوراً» أي لم يزدهم إرسال الرسول إليهم إلا نفورا عن الحق، وإلا استكبارا فى الأرض، واستعلاء على العباد، وإلا الإمعان فى تدبير المكر السيّء للرسول، وتبييت الشر له وللمسلمين..
- وقوله تعالى: «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» أي لا يقع المكر السيّء الذي مكروه إلا بهم.. إنهم يحفرون الحفرة التي سيقعون فيها، ويفتلون الحبل الذي يشنقون به..
стр. 4710
وقوله تعالى:
- «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ» - أي فهل ينتظرون إلا أن يؤخذوا بما أخذ به الأولون الذي كذبوا رسل الله، من بلاء وهلاك؟ ..
- وقوله تعالى: «فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا» ..
أي أن سنة الله قائمة على طريق مستقيم لا ينحرف أبدا.. وهى سنة مطردة، لا تتبدل اتجاها باتجاه، ولا تتحول من حال إلى حال..
وسنة الله، هو هذا النظام الذي أقام عليه الوجود، وربط المسببات بأسبابها..
ومن سنة الله فى الظالمين أن يأخذهم بظلمهم، كما أن من سنته فى المحسنين أن يجزيهم بإحسانهم..
قوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً» ..
هو دعوة إلى هؤلاء المشركين الضالين أن يسيروا فى الأرض، وأن ينظروا بأعينهم سنة الله التي لا تتبدل، ولا تتحول.. إنهم سيرون أقواما كانوا قبلهم، وكانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا، فأخذهم الله بذنوبهم، وقلب عليهم دورهم..
«وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ» أي وما كان لقوة هؤلاء وبأسهم أن تردّ عنهم بأس لله إذا جاءهم.. فماذا يعصم هؤلاء
стр. 4711
للمشركين من بأس الله، وقد ساروا مسيرة الهالكين من قبلهم؟ إنهم هالكون لا محالة.. إن الله يعلم ما هم عليه، لا تخفى عليه- سبحانه- خافية من أمرهم، وهو قادر على إهلاكهم..
ولقد أتوا الجرم الذي يوجب الهلاك، وهم فى قبضة الله. وعلمه يكشف عن كل ما اقترفوا.. ولم يبق إلا إمضاء العقوبة فيهم.. فلينظروا، وسيرون عاقبة أمرهم!.
قوله تعالى:
«وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً» ..
هو جواب على سؤال يقع فى نفوس المشركين، عند سماعهم التهديد الذي حملته إليهم الآية السابقة، وهو: أين هو العذاب الذي نهدّد به؟ ..
فكان قوله تعالى: «وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ» - جوابا على مثل هذا السؤال.. وهو أن الله سبحانه لو يؤاخذ الناس فى الدنيا بذنوب المذنبين منهم، وما يحاربون به الله سبحانه، من كفر، وإلحاد، ومجاهرة بالمعاصي- لو يؤاخذهم بهذا، ما ترك على ظهر هذه الأرض، من دابة.. فإن ذنوب المذنبين- لجسامتها، وشناعتها- لا يغسل دنسها ورجسها إلا طوفان من العذاب، يأتى على كل حياة قائمة على هذه الأرض..
«وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» أي لكن يؤخر حساب الناس إلى أجل مسمى، وهو يوم القيامة..
стр. 4712
«فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً» أي إذا استوفوا آجالهم فى الدنيا، وصاروا إلى الدار الآخرة، كانوا بمنازلهم عند الله.. فالكافرون والمشركون، وأهل الضلال، فى نار جهنم.. وأهل الإيمان والتقوى فى نعيم الجنات.. «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً» يفرق بين الأشرار والأخيار، ويميز الخبيث من الطيب كما يقول سبحانه: «لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ» (٣٧: الأنفال) .
стр. 4713
٣٦- سورة يس
نزولها: مكية.
عدد آياتها: ثلاث وثمانون آية.
عدد كلماتها: سبعمائة وتسع وعشرون.
عدد حروفها: ثلاثة آلاف.
مناسبتها لما قبلها جاء فى الآيات التي ختمت بها سورة «فاطر» السابقة قوله تعالى:
«وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً» ثم جاءت الآيات الثلاث التي تلت هذه الآية والتي ختمت بها السورة- تعقيبا على تلك الآية، وبيانا لموقف المشركين من هذا القسم الذي أقسموه..
وقد بدئت سورة «يس» بالقسم بالقرآن الكريم، الذي جاءهم النبىّ الكريم به، ثم وقوع هذا القسم على الإخبار بأن محمدا هو رسول الله، وأنه على صراط مستقيم، وأن تكذيب المشركين له، ورفضهم لدعوته، لم يكن إلا عن ضلال وعمى، وإلا عن استكبار وحسد.. لقد كانوا يتمنون أن يبعث الله فيهم رسولا، وأن يأتيهم بكتاب، مثل كتب أهل الكتاب، وها هو ذا الرسول، والكتاب.. فماذا هم فاعلون؟ ستكشف الأيام عن جواب هذا السؤال..
стр. 4714
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٢) [سورة يس (٣٦) : الآيات ١ الى ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)
وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)
التفسير:
قوله تعالى:
«يس» .. اختلف فى تأويلها، فقيل فيها كل ما قيل فى الحروف التي بدئت بها بعض سور القرآن.. وقيل إنها اسم للنبىّ ﷺ .. ولا نقول إلا أنها من المتشابه، الذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم!.
قوله تعالى:
«وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .
هو قسم بالقرآن الحكيم، وفى هذا القسم تشريف لمقامه، وتأكيد وتنويه
стр. 4715
بمنزلته.. وكيف لا يكون فى قمة التشريف والتكريم، وهو آيات الله، وكلمات الله؟
وفى وصف القرآن بالحكمة هنا، إلفات لما اشتمل عليه من فرائد الحكمة، التي هى مورد العقول، ومطلب الحكماء.. وأن الذي ينظر فى آيات الله ينبغى أن ينظر فيها بعقل متفتح، وبصيرة متطلعة، وقلب مشوق، حتى يظفر ببعض ما يتحدث به هذا القرآن الحكيم، فإنه لا ينتفع بحكمة الحكيم، إلا من كان ذا حكمة وبصيرة..
- وقوله تعالى: «إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» خطاب للنبىّ، وتوكيد للصفة التي له عند الله. وأنه من المرسلين، الذين اصطفاهم الله لرسالته إلى عباده.
- وقوله تعالى: «عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .. هو خبرثان، عن النبىّ، وأنه قائم على صراط مستقيم، من اتبعه فقد اهتدى، ومن اتخذ سبيلا غير سبيله فقد ضلّ وهلك.
قوله تعالى:
«تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ» «تنزيل» منصوب على المصدر، أي إنك لمن المرسلين.. وإنك على صراط مستقيم، نزّل «تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ» .. ويكون المراد بالصراط المستقيم هنا هو القرآن الكريم، كما يقول الله تعالى: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ» (١٥٣: الأنعام) ويكون قوله تعالى: «تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ» جملة وقعت صفة.
قوله تعالى:
«لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ» .
أي إنك من المرسلين، وإنك على صراط مستقيم بهذا الكتاب المنزل من العزيز الرحيم: «لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ» .. فهذا الحشد العظيم من
стр. 4716
الصفات العظيمة للنبىّ، هو وإن كانت تكريما للنبىّ، وامتنانا عليه بإحسان ربّه إليه- هو أيضا تكريم لهؤلاء الجاهليين، وامتنان بفضل الله عليهم، إذ بعث فيهم خير رسله، وخاتم أنبيائه، ومجتمع كتبه.. وفى هذا حثّ لهم على أن يقبلوا على هذا الخير الكثير المرسل إليهم، وأن يأخذوا حظهم منه.
- وفى قوله تعالى: «ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ» .. إشارة إلى أنهم لم يبعث فيهم رسول قبله.. أما رسالة إسماعيل ﵇، فهى رسالة كانت مقصورة على أهله، كما يقول تعالى: «وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ» (٥٥: مريم) وإذا كان لهذه الرسالة أثر، فقد اندثر، وعفّى عليه الزمن وسط ظلام الجاهلية وضلالها.
- وفى قوله تعالى: «فَهُمْ غافِلُونَ» .. إشارة أخرى إلى ما كان عليه القوم من جهل وغفلة، فكانوا بهذا فى أشد الحاجة إلى من يعالج هذا الداء المتمكن فيهم.
قوله تعالى:
«لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» هذا حكم قاطع على هؤلاء المشركين، وهم فى لقاءاتهم الأولى مع الدعوة..
«لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ» والقول الذي حق على أكثرهم هو الحكم الذي قضى الله به فى سابق علمه، على الكثرة من هؤلاء المشركين، من أنهم لا يؤمنون، ولا ينزعون عنهم الشرك الذي لبسوه.. «فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» لسابق قضاء الله فيهم..
وقد صدق ما أخبر به القرآن، ووقع كما أخبر به.. فإن أكثر هؤلاء المشركين الذين شهدوا مطالع الدعوة الإسلامية، لم يدخلوا فى الإسلام، فإنه
стр. 4717
خلال ثلاث وعشرين سنة- وهى مدة الرسالة الإسلامية- مات كثير من هؤلاء المشركين على شركه، ومن لم يمت منهم على فراش الموت مات قتيلا فى ميدان القتال مع المسلمين.. ومن امتدّ به الأجل وأدرك الفتح، ودخل فى دين الله مع الداخلين- ظل ممسكا بشركه فى صدره، حتى مات عليه، أو مات فى حروب الردّة مع المرتدّين..
أما لماذا حقّ القول عليهم؟ فهذا سؤال لا يسأله مؤمن بالله.. إنه اعتراض على مشيئة الخالق فيما خلق! «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.. تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» (٥٤: الأعراف) .
قوله تعالى:
«إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ» هو بيان للأسباب التي أقامها الله سبحانه، لتصرف فى هؤلاء المشركين عن الحق، وتمسك بهم على الشرك والضلال..
لقد جعل الله «فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا» أي أطواقا من حديد، أشبه بالقلادة، تطوق بها أعناقهم..
«فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ» - أي وهذه الأغلال أو القلائد تشتمل على العنق كله، حتى لتصل إلى الأذقان..
«فَهُمْ مُقْمَحُونَ» أي مشدود والرءوس إلى أعلى.. فهم لا يستطيعون أن يحركوا رءوسهم يمينا أو شمالا، أو إلى تحت أو فوق..
والصورة التي تبدو ممن طوّق بهذا الطوق، أنه تمثال جامد، وأنه لا يستطيع أن يرى غير الطريق القائم بين يديه، أما ما حوله، عن يمين وشمال، فلا يرى منه شيئا
стр. 4718
والطريق الذي بين يدى هؤلاء المشركين الذين حق عليهم القول، هو طريق الضلال.. وإذن فلا طريق لهم غيره..
والأغلال التي جعلها الله فى أعناق هؤلاء المشركين، هى أغلال معنوية.
فإن الذي ينظر إليهم، وهم ماضون على طريق الشرك، لا يلتفتون إلى هذا النور الذي عن يمينهم وعن شمالهم، ومن أمامهم ومن خلفهم- يخيّل إليه أن فى أعناق القوم أطواقا من حديد، قد شلت حركة رءوسهم، فلم يقدروا على إلفاتها يمينا أو شمالا..
قوله تعالى:
«وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» هو من تمام الصورة التي جعل الله المشركين عليها، حتى لا يهتدوا حين جاءهم الهدى، لما سبق من قضاء الله فيهم فهم- بالأغلال التي فى أعناقهم- مقمحون، قد دفعت رءوسهم إلى أعلى، بحكم المخنقة التي فى أعناقهم.. وهم فى هذا الوضع لا يستطيعون التفاتا يمينا أو شمالا، ولكنهم مع ذلك يستطيعون أن يروا ما أمامهم، وأن يستدبروا ليروا ما خلفهم..
- وفى قوله تعالى: «وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا» هو سدّ لهذين المنفذين اللذين يمكنانهما من الرؤية من أمام ومن خلف.. وأما وقد جعل الله- سبحانه- سدّا من بين أيديهم أي من أمامهم، وسدّا من خلفهم، فقد أحكم سد المنافذ عليهم من جميع الجهات، وأصبحوا وقد أغلقت عليهم منافذ النظر إلى العالم الخارجي، وصاروا محصورين فى عالمهم الذي لا شىء
стр. 4719
فيه غير الضلال والظلام.. فيمينهم وشمالهم مغلق عليهم أبدا بحكم هذا الطوق الذي طوقوا به.. وأمامهم وخلفهم.. مسدودان.. فإذا أداروا وجوههم إلى أي اتجاه، لم يتغير حالهم، ولم يرتفع عنهم سد من هذه السدود المضروبة عليهم، حيث يلازمهم هذان السدان المضروبان عليهم من أمام ومن خلف.. فعلى أي اتجاه يكونون، يكون السدان من خلفهم ومن أمامهم.. أما عن أيمانهم وعن شمائلهم، فالطوق قائم بوظيفته فيهم فى كل حال..
وهذه الصورة إعجاز من إعجاز القرآن، فى تجسيد المعاني، وفى بعث الحياة، والحركة فى الجمادات والساكنات.. حيث نرى الكافر هنا وقد أدخل فى سجن محكم، مطبق عليه، لا يرى منه النور أبدا.
- وفى قوله تعالى: «فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» إشارة إلى ما يقع لهؤلاء المشركين من هذه الآيات التي سلطها الله عليهم، من الأغلال والسدود، فلقد أقامت هذه الآفات غشاوة على عيونهم، فهم لا يبصرون.. وكيف يبصر من عاش فى هذه الحدود التي لا تتجاوز محيط جسده؟ وماذا يبصر لو كان له أن يبصر؟.
قوله تعالى:
«وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» وهذا ما يقضى به الوضع الذي عليه هؤلاء المشركون.. إنهم لن يتحولوا عن حالهم التي هم فيها، فلقد جمدوا على حالتهم تلك، كما تحنط الموتى فى توابيتها «وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ» (١٠١ يونس) .. وإذا فلا يقف النبي كثيرا عن هؤلاء المشركين الذين وقفوا من الدعوة هذا الموقف المحادّ لها، المتربص بها..
قوله تعالى:
«إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ» أي إنما تنفع النذر، والعظات، من استمع إلى آيات الله، فاتبعها، وآمن
стр. 4720
بها، وخاف ربه، وعمل ليوم القيامة، مصدّقا بما وعد به، وإن لم يره..
وعلى هذا، فليوجه النبي وجهه كله إلى المؤمنين، وليعطهم جهده كله، ففى هذا الميدان يثمر عمله، ويقع موقعه من أهله..
وفى قصر الإنذار على من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب- فى هذا إشارة إلى الاستعداد الفطري للإيمان عند هؤلاء المنذرين، وأنهم بفطرتهم السليمة كانوا والإيمان الذي يدعون إليه على موعد، بل إنهم فى انتظار له، وشوق إليه، قبل أن يطلع عليهم..
وفى جعل الخشية، للرحمن، إشارة إلى أنها خشية إجلال وتعظيم،.. خشية حب وتوقير، لا خشية جبروت وقهر.. إنها خشية «الرحمن» الذي وسعت رحمته كل شىء..
وقوله تعالى: «فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ» .. هو ما يلقى به النبي هؤلاء المؤمنين الذين استجابوا له بمجرد أن دعاهم إلى الله..
قوله تعالى:
«إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ» هو عرض لبعض مظاهر قدرة الله، وهى من الغيب الذي آمن به المؤمنون، والذي كان مضلّة للمشركين، وهو الحياة بعد الموت.
والحساب والجزاء..
وفى هذا التقرير يتأكد للمؤمنين إيمانهم بهذا الغيب، وتزداد خشيتهم لله..
- وقوله تعالى: «وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا» أي نحصى على الموتى ما قدموا بين أيديهم من أعمال لهذا اليوم، من حسن أو سيىء، ونسجلها فى كتاب لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها..
стр. 4721
- وقوله تعالى «وَآثارَهُمْ» معطوف على «ما» الموصولة، وهى مفعول به لنكتب- أي نكتب ما قدموا ونكتب آثارهم، أي ما خلفوه وراءهم من آثار صالحة أو فاسدة..
والآثار هنا، هى ما يبقى للأموات فى الحياة بعد موتهم من آثار فى الناس، فتكون منارات هدى، أو سبل ضلال.. وفى هذا يقول الرسول الكريم: «ومن سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» .
والإمام المبين، هو اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب..
الآيات: (١٣- ٢٧) [سورة يس (٣٦) : الآيات ١٣ الى ٢٧]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧)
قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)
أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)
стр. 4722
التفسير:
مناسبة ضرب هذا المثل هنا، هو أن الآيات السابقة كشفت عن الطبيعة الإنسانية، وأن الناس على طبيعتين: أصحاب طبيعة متأبيّة على الخير، مغلقة الحواسّ عنه، لا يستجيبون له مهما جىء إليهم به من شتى الوسائل.. وأصحاب طبيعة أخرى مهيأة للإيمان، مستعدة له، متشوفة إليه، لا تكاد تهبّ عليهم نسمة من أنسامه العطرة، حتى يتنفسوا أنفاسه، ويملئوا صدورهم به..
وفى هذا المثل، عرض للناس فى طبيعتيهم هاتين معا..
قوله تعالى:
«وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ» ..
[القرية.. والمرسلون إليها] المفسّرون على إجماع بأن هذه القرية، هى «أنطاكية» .. وعلى إجماع كذلك بأن هؤلاء الرسل، هم من حواريى المسيح، ورسله الذين بعثهم لينشروا الدعوة فى الناس..
وهذا التأويل للقرية وللرسل، لا يقوم له شاهد من القرآن الكريم، ولا تدل عليه إشارة من إشاراته القريبة أو البعيدة.. وإنما هو من واردات أهل الكتاب، وأخبارهم. والخبر هنا وارد من المسيحية، وينسب إلى وهب
стр. 4723
ابن منبّه، الذي تلقاه من المسيحية، مما يعرف عند المسيحيين بأعمال الرسل، الملحقة بالأناجيل..
فهذا التأويل- فى نظرنا- لا يعوّل عليه، ما دام غير مستند إلى دليل من القرآن الكريم ذاته.. فالقرآن الكريم- فى رأينا- يفسر بعضه بعضا، وهو كما وصفه الحق فى قوله: «وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ» (٨٩: النحل) فكيف لا يكون تبيانا لما فيه؟.
وندع القرية واسمها، والرسل والصفة التي لهم- ندع هذا الآن، ونعرض المثل على أن القرية واحدة من القرى المبثوثة فى هذه الدنيا، وأن الرسل، هم بعض رسل الله إلى عباده..
فهذه قرية، قد جاءها رسل، مبعوثون من عند الله، وقد دعوا أصحابها إلى الإيمان، فلم يلقوا منهم إلّا الصد اللئيم، والقول القبيح..
أرسل الله سبحانه إليهم رسولين معا.. فكذبوهما.. «إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ» أي أمدهما الله برسول ثالث، يقوّيهما، ويشد أزرهما.. فلم يزدهم ذلك إلا عنادا، وإصرارا على الكفر والضلال:
«إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا، وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ.. إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ» ..
ولم يكن للرسل بين يدى هذا القول المنكر، إلا أن يقولوا ما حكاه القرآن عنهم:
الُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ»
..
ويجىء ردّ القوم على الرسل، زاجرا مهددا:
стр. 4724
«قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ» ..
ويلقى الرسل هذا الرد الفاجر، بملاطفة، ووداعة:
«قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ..!» أي شؤمكم معكم، ومستقرّ فى كيانكم الفاسد، الذي يمسك عليكم هذا الداء الذي أنتم فيه.. وليس هو شؤما واردا عليكم من خارج، فإن ما معكم من الشؤم لا يحتاج إلى مزيد..
- «أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ؟» ألأن ذكرتم بما أنتم فيه من غفلة، وما أنتم عليه من ضلال، ترموننا بهذا الاتهام الكاذب الفاجر؟.
- «بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ» - أي متجاوزون الحد فى الضلال..
وينتهى موقف الرسل مع أصحاب القرية إلى هذا الطريق المسدود..
ثم لا يلبث أن يجىء صوت العقل، من واحد من أهل القرية، فيكسر هذا الحائط، ويدخل على القوم منه، ويأخذ موقفه مع الرسل، داعيا إلى الله..
«وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ» .. فأى دعوة أولى من هذه الدعوة، بالقبول لها، والاحتفاء بأهلها؟ إنها دعوة من أهل الهدى، الذين لا يسألون أجرا على هذا الهدى الذي، يقدمونه ويدعون إليه..
فلم التمنّع والإعراض عن خير يبذل بلا ثمن؟ ذلك لا يكون إلا عن سفه وجهل معا..
ثم يعرض هذا الوافد الجديد، نفسه عليهم، فى الزىّ الجديد الذي تزيّا، والخير الموفور الذي بين يديه من تلك الدعوة..
стр. 4725
«وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؟ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ؟ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .
أسئلة إنكارية، ينكر بها الرجل على نفسه ألا يكون فى العابدين لله، الذي فطره، والذي إليه موعده ولقاؤه مع الناس، يوم الحشر، إنه لا بد أن يكون له إله يعبده.. أفيترك عبادة من خلقه ورزقه، والذي يميته ثم يحييه..
ويعبد آلهة من دون الله، إن يرده الله بضر لا تغنى عنه هذه الآلهة شيئا، ولا تمد يدها لإنقاذه مما يريده الله به من ضر؟ «إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» !! وأي ضلال بعد هذا الضلال، الذي يدع فيه الإنسان حبل النجاة الممدود إليه، ثم يتعلق بأمواج البحر الصاخبة، وتيارانه المتدافعة؟.
«إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ» . وهكذا يقولها صريحة مدويّة فى وجه القوم.. إنها هى كلمة النجاة، وحسبه أن يمسك بها، وليكن ما يكون..!
وألا فليسمعوها عالية مدوية متحدية.. إنها كلمة الحق التي يجب أن ترتفع فوق كل كلمة، وتعلو على كل نداء.
«قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ» - هذا هو الجواب الذي تلقاه الرجل المؤمن، ردّا على إقراره بالإيمان بربه.. وهو الجزاء الذي يلقاه كل مؤمن صادق الإيمان..
والقول الذي قيل لهذا المؤمن، إما أن يكون فى الحياة الدنيا، بوحي من الله ، وإما أن يكون ذلك بعد الموت، حيث يعلم المرء مكانه من الجنة أو النار فيقال له يومئذ: «ادخل الجنة» فهى الدار التي أعدّها الله لك.
«قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ» !
стр. 4726
إنه يتمنّى لقومه أن ينالوا هذا الخير الذي ناله، بإيمانه بربه، وأن يعلموا ما أعد الله للمؤمنين من مغفرة وإكرام.. وأنّى لهم أن يعلموا هذا الغيب؟
وأنّى لهم أن يؤمنوا به، وقد أنكروا ما لمسوه بحواسهم، وكذبوا ما رأوه بأعينهم؟ ..
هذا هو المثل، وتلك هى مواقف الشخصيات والأحداث فيه..
وعلى ضوء هذا المثل يرى المشركون الضالون، إلى أين يسير بهم كفرهم وضلالهم، وإلى أين ينتهى الإيمان بالمؤمنين الذين استجابوا لرسول الله، واستقاموا على الطريق الذي يدعوهم إليه!.
والصورة التي يصورها المثل واضحة مشرقة، لا ينقصها أن يفتقد اسم القرية فيها، ولا أن تغيب أسماء الرسل ومشخصاتهم.. إنها مستغنية عن كل هذا..
وإذا كان لا بد من التطلع إلى ما وراء هذه الصورة، والنظر إلى موقع القرية من هذا العالم، وإلى أشخاص الرسل من بين رسل الله- إذا كان لا بد من ذلك، فليكن النظر مقصورا على كتاب الله، وليكن التطلع محجوزا فى هذه الحدود.. لا يتجاوزها..
وننظر فى القرآن الكريم فنرى:
أولا: أن القرآن الكريم، لم يتحدث عن رسولين حملا رسالة واحدة، إلى جهة واحدة، غير موسى وهرون..
وثانيا: أن هذين الرسولين الكريمين، قد حملا رسالتهما إلى فرعون..
وثالثا: أنه قد قام من قوم فرعون رجل مؤمن، خرج على سلطان فرعون، وعلى ما كان عليه قومه من متابعة فرعون فى كفره وضلاله.
стр. 4727
ورابعا: أن القرآن الكريم، يعقد الصلة فى أكثر من موضع منه، بين فرعون، وبين هؤلاء المشركين من قريش..
فإذا نظرنا إلى المثل على ضوء هذه الإشارات المضيئة من القرآن الكريم، نجد:
أولا: أن قوله تعالى: «إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما» يقبل التأويل، على أن الرسولين، هما موسى، وهرون، كما يقول تعالى: «اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى» (٤٣: طه) ..
وثانيا: أن قوله تعالى: «فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ» يقابله فى قصة موسى وهرون مع فرعون، حديث عظيم فى القرآن العظيم، عن رجل لم يكشف القرآن عن اسمه، وإنما أشار إلى أنه من آل فرعون.. أي خاصته، وذوى قرابته..
فهو إنسان ذو شأن فى المجتمع الفرعوني.. ومع هذا لم يكشف القرآن عن اسمه.. إذ ما جدوى الاسم، فى مقام الوزن للقيم الإنسانية فى الناس؟ إن المعتبر هنا هو الصفة لا الموصوف، وذات المسمّى لا الاسم..
يقول القرآن الكريم، عن هذا الرجل المؤمن: «وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
стр. 4728
وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ... »
(٢٨- ٣٤: المؤمن) .
ثم تمضى الآيات، فتذكر دعوة هذا الداعي إلى الله.. فيقول سبحانه:
«وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ» (٣٨- ٤٥: المؤمن) ..
هذه دعوة رجل صاحب رسالة.. إنها إن لم تكن على يد رسول، فهى رسالة رسول، وحقّ لصاحبها أن يدخل فى زمرة الرسل.. وهذا هو السر فى التعبير القرآنى: «فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ» أي فعززنا الرسولين بثالث، وهذا يمكن أن يحمل- وهو فى إطلاقه كهذا- على محملين، فيقدّر برسول ثالث، أو معين ثالث، بعد المعين الثاني، الذي كان معينا للرسول الأول، فهو تعزيز بعد تعزيز.. ولقد عزّز موسى بهارون، وكان هذا الرجل المؤمن تعزيزا لهما..
بقيت مسألة تحتاج إلى نظر.. وهى أن المثل ذكر مع الرسل الثلاثة، رجلا، كانت له دعوة إلى الله كدعوة هؤلاء الرسل، وأنه جاء من أقصى
стр. 4729
المدينة، وهى القرية التي جاء ذكرها فى أول المثل.. وهذا الرجل يكاد يكون صورة مطابقة لمؤمن آل فرعون، الذي قلنا عنه إنه رسول، أو حوارىّ رسول. فمن هو هذا الرجل؟ وهل له مكان فى قصة موسى مع فرعون؟.
ونعم، فإننا نجد فى قصة موسى مع فرعون، رجلا آخر، جاء من أقصى المدينة، يسعى.. ولكنه فى هذه القصة لم يكشف عن دعوة له إلى الله، وإنما جاء ناصحا لموسى، هاتفا به أن يخرج من المدينة، فإن الملأ يأتمرون به ليقتلوه، كما يقول تعالى فى سورة القصص: «وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ» (آية ٢٠) .
ولم تكن للرجل دعوة إلى الله هنا، لأن موسى لم يكن قد أرسل بعد..
وربما كان الرجل مؤمنا بالله، يدين بالتوحيد عن طريق اليهودية، أو عن طريق النظر الحرّ.. وعلى أىّ فهو على غير دين فرعون.. وقد ظل الرجل على إيمانه إلى أن بعث الله موسى رسولا، فلما جاء موسى يدعو فرعون إلى الله، وعرض بين يديه تلك المعجزات، ازداد الرجل إيمانا، فأصبح داعية إلى الله، يدعو قومه إلى الإيمان بالله..
وعلى هذا، فإننا نجد فى القصة والمثل رجلين:
أحدهما، وهو المؤمن الذي من آل فرعون. والذي وقف مع موسى وهرون موقف الداعية إلى الله، وأنه كان على إيمان بالله، ولكنه كان يكتم إيمانه خوفا من فرعون، فلما رأى أن فرعون يدبّر لقتل موسى، فزع لهذا الأمر، وأعلن إيمانه، ووقف مع موسى وهرون، يحاجّ فرعون، ويجادله، إذ كان- مع إيمانه- ذا جاء وسلطان.. إنه من آل فرعون! ..
стр. 4730
أما الرجل الآخر، فهو الذي جاء إلى موسى، قبل الرسالة، وحذّره مما يدبر له القوم، ونصح له بالفرار من المدينة..
وبهذا نرى أن أحد الرجلين، خلّص موسى من القتل بعد الرسالة، على حين أن الآخر قد خلّصه من القتل أيضا، ولكن قبل الرسالة..
ومسألة أخرى، تحتاج إلى نظر أيضا..
إذا كان هذان الرجلان هما المشار إليهما فى المثل المضروب، فى سورة «يس» باعتبار أن الرجل الذي من آل فرعون هو الرسول، أو حوارىّ الرسول، وأن الآخر هو الذي جاء من أقصى المدينة، وقال: يا قوم «اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ الآيات» - إذ كان ذلك كذلك، فلم نوه القرآن الكريم فى المثل المضروب بالرجل الآخر، ولم يذكر شيئا عن موقف الرجل الأول، الذي هو من آل فرعون، والذي قلنا إنه هو الذي عزّز به الرسولان الكريمان؟:
والجواب على هذا- والله أعلم- من وجهين:
فأولا: أنه بحسب مؤمن آل فرعون تنويها، أن يضاف إلى الرسولين الكريمين، وأن يكون له المكان الثالث معهما.. فقد رفع إلى درجة رسول.
وثانيا: وبحسبه شرفا وتكريما أن تسمى فى القرآن سورة باسمه، هى سورة «المؤمن» والتي تسمى «غافر» أيضا.. وقد ذكرت فى هذه السورة رسالته كلها، والتي قلنا عنها إنها رسالة رسول..!
هذا، والله أعلم..
следующие страницы →