Полный текст (6 903 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
إنه يتمنّى لقومه أن ينالوا هذا الخير الذي ناله، بإيمانه بربه، وأن يعلموا ما أعد الله للمؤمنين من مغفرة وإكرام.. وأنّى لهم أن يعلموا هذا الغيب؟
وأنّى لهم أن يؤمنوا به، وقد أنكروا ما لمسوه بحواسهم، وكذبوا ما رأوه بأعينهم؟ ..
هذا هو المثل، وتلك هى مواقف الشخصيات والأحداث فيه..
وعلى ضوء هذا المثل يرى المشركون الضالون، إلى أين يسير بهم كفرهم وضلالهم، وإلى أين ينتهى الإيمان بالمؤمنين الذين استجابوا لرسول الله، واستقاموا على الطريق الذي يدعوهم إليه!.
والصورة التي يصورها المثل واضحة مشرقة، لا ينقصها أن يفتقد اسم القرية فيها، ولا أن تغيب أسماء الرسل ومشخصاتهم.. إنها مستغنية عن كل هذا..
وإذا كان لا بد من التطلع إلى ما وراء هذه الصورة، والنظر إلى موقع القرية من هذا العالم، وإلى أشخاص الرسل من بين رسل الله- إذا كان لا بد من ذلك، فليكن النظر مقصورا على كتاب الله، وليكن التطلع محجوزا فى هذه الحدود.. لا يتجاوزها..
وننظر فى القرآن الكريم فنرى:
أولا: أن القرآن الكريم، لم يتحدث عن رسولين حملا رسالة واحدة، إلى جهة واحدة، غير موسى وهرون..
وثانيا: أن هذين الرسولين الكريمين، قد حملا رسالتهما إلى فرعون..
وثالثا: أنه قد قام من قوم فرعون رجل مؤمن، خرج على سلطان فرعون، وعلى ما كان عليه قومه من متابعة فرعون فى كفره وضلاله.
стр. 4727
ورابعا: أن القرآن الكريم، يعقد الصلة فى أكثر من موضع منه، بين فرعون، وبين هؤلاء المشركين من قريش..
فإذا نظرنا إلى المثل على ضوء هذه الإشارات المضيئة من القرآن الكريم، نجد:
أولا: أن قوله تعالى: «إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما» يقبل التأويل، على أن الرسولين، هما موسى، وهرون، كما يقول تعالى: «اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى» (٤٣: طه) ..
وثانيا: أن قوله تعالى: «فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ» يقابله فى قصة موسى وهرون مع فرعون، حديث عظيم فى القرآن العظيم، عن رجل لم يكشف القرآن عن اسمه، وإنما أشار إلى أنه من آل فرعون.. أي خاصته، وذوى قرابته..
فهو إنسان ذو شأن فى المجتمع الفرعوني.. ومع هذا لم يكشف القرآن عن اسمه.. إذ ما جدوى الاسم، فى مقام الوزن للقيم الإنسانية فى الناس؟ إن المعتبر هنا هو الصفة لا الموصوف، وذات المسمّى لا الاسم..
يقول القرآن الكريم، عن هذا الرجل المؤمن: «وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
стр. 4728
وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ... »
(٢٨- ٣٤: المؤمن) .
ثم تمضى الآيات، فتذكر دعوة هذا الداعي إلى الله.. فيقول سبحانه:
«وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ» (٣٨- ٤٥: المؤمن) ..
هذه دعوة رجل صاحب رسالة.. إنها إن لم تكن على يد رسول، فهى رسالة رسول، وحقّ لصاحبها أن يدخل فى زمرة الرسل.. وهذا هو السر فى التعبير القرآنى: «فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ» أي فعززنا الرسولين بثالث، وهذا يمكن أن يحمل- وهو فى إطلاقه كهذا- على محملين، فيقدّر برسول ثالث، أو معين ثالث، بعد المعين الثاني، الذي كان معينا للرسول الأول، فهو تعزيز بعد تعزيز.. ولقد عزّز موسى بهارون، وكان هذا الرجل المؤمن تعزيزا لهما..
بقيت مسألة تحتاج إلى نظر.. وهى أن المثل ذكر مع الرسل الثلاثة، رجلا، كانت له دعوة إلى الله كدعوة هؤلاء الرسل، وأنه جاء من أقصى
стр. 4729
المدينة، وهى القرية التي جاء ذكرها فى أول المثل.. وهذا الرجل يكاد يكون صورة مطابقة لمؤمن آل فرعون، الذي قلنا عنه إنه رسول، أو حوارىّ رسول. فمن هو هذا الرجل؟ وهل له مكان فى قصة موسى مع فرعون؟.
ونعم، فإننا نجد فى قصة موسى مع فرعون، رجلا آخر، جاء من أقصى المدينة، يسعى.. ولكنه فى هذه القصة لم يكشف عن دعوة له إلى الله، وإنما جاء ناصحا لموسى، هاتفا به أن يخرج من المدينة، فإن الملأ يأتمرون به ليقتلوه، كما يقول تعالى فى سورة القصص: «وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ» (آية ٢٠) .
ولم تكن للرجل دعوة إلى الله هنا، لأن موسى لم يكن قد أرسل بعد..
وربما كان الرجل مؤمنا بالله، يدين بالتوحيد عن طريق اليهودية، أو عن طريق النظر الحرّ.. وعلى أىّ فهو على غير دين فرعون.. وقد ظل الرجل على إيمانه إلى أن بعث الله موسى رسولا، فلما جاء موسى يدعو فرعون إلى الله، وعرض بين يديه تلك المعجزات، ازداد الرجل إيمانا، فأصبح داعية إلى الله، يدعو قومه إلى الإيمان بالله..
وعلى هذا، فإننا نجد فى القصة والمثل رجلين:
أحدهما، وهو المؤمن الذي من آل فرعون. والذي وقف مع موسى وهرون موقف الداعية إلى الله، وأنه كان على إيمان بالله، ولكنه كان يكتم إيمانه خوفا من فرعون، فلما رأى أن فرعون يدبّر لقتل موسى، فزع لهذا الأمر، وأعلن إيمانه، ووقف مع موسى وهرون، يحاجّ فرعون، ويجادله، إذ كان- مع إيمانه- ذا جاء وسلطان.. إنه من آل فرعون! ..
стр. 4730
أما الرجل الآخر، فهو الذي جاء إلى موسى، قبل الرسالة، وحذّره مما يدبر له القوم، ونصح له بالفرار من المدينة..
وبهذا نرى أن أحد الرجلين، خلّص موسى من القتل بعد الرسالة، على حين أن الآخر قد خلّصه من القتل أيضا، ولكن قبل الرسالة..
ومسألة أخرى، تحتاج إلى نظر أيضا..
إذا كان هذان الرجلان هما المشار إليهما فى المثل المضروب، فى سورة «يس» باعتبار أن الرجل الذي من آل فرعون هو الرسول، أو حوارىّ الرسول، وأن الآخر هو الذي جاء من أقصى المدينة، وقال: يا قوم «اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ الآيات» - إذ كان ذلك كذلك، فلم نوه القرآن الكريم فى المثل المضروب بالرجل الآخر، ولم يذكر شيئا عن موقف الرجل الأول، الذي هو من آل فرعون، والذي قلنا إنه هو الذي عزّز به الرسولان الكريمان؟:
والجواب على هذا- والله أعلم- من وجهين:
فأولا: أنه بحسب مؤمن آل فرعون تنويها، أن يضاف إلى الرسولين الكريمين، وأن يكون له المكان الثالث معهما.. فقد رفع إلى درجة رسول.
وثانيا: وبحسبه شرفا وتكريما أن تسمى فى القرآن سورة باسمه، هى سورة «المؤمن» والتي تسمى «غافر» أيضا.. وقد ذكرت فى هذه السورة رسالته كلها، والتي قلنا عنها إنها رسالة رسول..!
هذا، والله أعلم..
стр. 4731
فهرس الموضوعات
الموضوع الصفحة من أنباء الغيب ٤٧٥ الليل وما وسق ٤٩٩ فتنة الترتيب النزولى للقرآن ٦٣٢ المرأة والرجل.. فى بيت النبوة ٦٨٨ زينب.. وزواج النبي منها ٧١٥ الأمانة التي حملها الإنسان.. ما هى ٧٦١ الرسول.. وعموم الرسالة الإسلامية ٨١٢ الإيحاء النفسي.. وأسلوب الدعوة ٨٧١ القرية والمرسلون.. إليها ٩١٣ تم الجزء الثاني والعشرون، ويليه الجزءان الثالث والعشرون والرابع والعشرون إن شاء الله.؟
стр. 4732
كتب للمؤلف إعجاز القرآن.. جزءان.
قضية الألوهية.. بين الفلسفة والدين (كتابان) .
النبىّ محمد ﷺ : إنسان الإنسانية ونبىّ الأنبياء.
القضاء والقدر بين الفلسفة والدين.
السياسة المالية فى الإسلام.
عمر بن الخطاب.. الوثيقة الكاملة.
من الحقل الإسلامى: دراسات إسلامية.
الدعاء المستجاب.
فى طريق الإسلام: دراسات إسلامية.
القصص القرآنى.
محمد بن عبد الوهاب (الدعوة الوهابية) .
الخلافة والإمامة: ديانة وسياسة.
نشأة التصوف.
الأدب الصوفي فى مفهوم جديد.
التعريف بالإسلام.
المسيح فى القرآن والتوراة والإنجيل.
стр. 4733
[الجزء الثاني عشر]
[تتمة سورة يس]
الآيات: (٢٨- ٤٤) [سورة يس (٣٦) : الآيات ٢٨ الى ٤٤]
وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢)
وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤)
التفسير:
ينتهى المثل الذي ضربه الله لأصحاب القرية فى الآية السابقة على هذه الآيات- ينتهى بهذا التعقيب الذي بدأت به الآيات التي نحن بين
стр. 4734
يديها الآن، ومن هذا التعقيب يكون المنطلق الذي تنطلق فيه الآيات بعد هذا، فتواجه المشركين الذين استمعوا إلى هذا المثل، وتعرض عليهم مشاهد من قدرة الله ، ومن آثار رحمته فى خلقه، لعلهم يجدون فى هذه المشاهد، ما يفتح قلوبهم وعقولهم إلى الله، حتى يؤمنوا، ويلحقوا بركب المؤمنين، قبل أن تفلت من أيديهم تلك الفرصة السانحة، ثم لا يكون منهم إلا الحسرة والندم، ولات ساعة مندم.
قوله تعالى:
«وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ» .
هو تعقيب على قوله تعالى على لسان العبد المؤمن: «يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ» ..
إنهم لن يعلموا شيئا، ولو علموا ما آمنوا.. إنهم لا يؤمنون إلا إذا نزل عليهم ملائكة من السماء، بعد أن رفضوا الرسل، لأنهم بشر، وقالوا «ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ» .. والله سبحانه لم يرسل إلى قوم ملائكة حتى تتحقق أمنيتهم فيهم، وما كان الله مرسلا ملائكة إلى هؤلاء المشركين، الذين كانوا يقولون: «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا؟» (٢١: الفرقان) ويقولون: «مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ؟ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً» (٧: الفرقان) .
وإذن فليمت هؤلاء المشركون على شركهم، كما مات فرعون وقومه من قبلهم على كفرهم..
وهذا ما يشهر إليه قوله تعالى فى الآية التالية:
«إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ» .. إنها صيحة
стр. 4735
الموت، التي يقضى بها على النّاس، مؤمنهم، وكافرهم..
قوله تعالى:
«يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» .
يمكن أن يكون هذا نداء من الحق للحسرة، لتقع على الكافرين المكذبين برسل الله، وأن تشتمل عليهم، ليذوقوا عذاب الندم، إلى جانب العذاب الجهنمى، نعوذ بالله منهما.. وهذا ما يشير إليه سبحانه فى قوله تعالى: «لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ» (١٥٦: آل عمران) .
ويمكن أن يكون ذلك نداء تعجبيّا من الوجود كلّه، لهذه الحسرة التي تقع على الناس، استفظاعا لها، وإشفاقا منها أن تمتد ظلاله الكئيبة إلى كل موجود.
- وقوله تعالى: «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» هو على التقدير الأول، تعليل للحسرة التي ساقها الله إلى المكذبين والضالين.. وهو على التقدير الثاني، جواب لسؤال ينطق به لسان الحال، وهو: أية جناية جناها الناس حتى يساق إليهم هذا البلاء العظيم؟ فكان الجواب: «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» .
وفى وصف الناس بأنهم عباد، إشارة إلى أنهم- وهم عباد- لم يرعوا حق العبودية لله، بل كفروا بالله، وكذبوا رسله، واستهزءوا بهم.
والمراد بالعباد، هم الناس جميعا على اختلاف أوطانهم، وأزمانهم..
إنهم هكذا دأبهم وقليل منهم من يؤمن بالله، ويصدّق رسله.. أما الكثرة منهم، فهم على هذا الوصف!.
стр. 4736
قوله تعالى:
«أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ» .
الخطاب هنا للمشركين. وهو تقرير لتلك الحقيقة التي يشهدونها عيانا، وهى أن الهالكين قبلهم من الأمم السابقة، كثيرون، وقد ذهبوا وذهبت آثارهم، وأنهم لن يرجعوا مرة أخرى إلى هذه الدنيا.. فلم يشتدّ حرص هؤلاء المشركين على دنياهم تلك، التي كل ما فيها باطل وقبض الريح؟ ألا يفكرون فى حياة أخرى وراء هذه الحياة، أبقى، وأعظم؟.
قوله تعالى:
«وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ» .
«إن» هنا نافية بمعنى «ما» و «لما» بمعنى إلّا، أي ما كلّ إلا جميع محضرون لدنيا.. وهذا مثل قوله تعالى: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ» .
والمعنى، أنه إذا كانت القرون الكثيرة التي هلكت لم ترجع إلى الدنيا مرة أخرى. فإن لها رجعة إلى الله.. وحضورا بين يديه.. فكل من هلك من الناس راجع إلى الله، للمساءلة، والجزاء..
وفى قوله تعالى: «مُحْضَرُونَ» - إشارة إلى أن هناك قوة تستدعيهم للحضور بين يدى الله، وأن ذلك ليس عن اختيار منهم، ولو كان ذلك كذلك لكان للكافرين وأهل الضلال مهرب إلى عالم الفناء الأبدى، حيث يذهبون ولا يعودون، كى يفلتوا من العذاب الأليم.
وإذا كان الحديث هنا عن المجرمين، فقد كان قوله: «مُحْضَرُونَ» مناسبا لحالهم، التي هم فيها، والتي يمنون النفس بأن لارجعة إلى حياة بعد
стр. 4737
الموت، كما يقولون: «إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ» (٢٩. الأنعام) .
أما إذا كان الحديث عامّا إلى الناس جميعا، مؤمنين وكافرين، فأكثر ما يجىء الحديث عن البعث بالرجعة إلى الله، كما يقول سبحانه: «إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى»
(٨: العلق) .
وكما يقول سبحانه: «كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ» (٩٣: الأنبياء) .. والرجوع هنا، هو عودة إلى المبدأ الذي بدأت منه رحلة الحياة.. حيث كانت الحياة من عند الله، ثم رجعت إليه..
قوله تعالى:
«وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ» .
وهذا شاهد يشهد للمكذبين بالبعث، بأنه أمر ممكن، وإن إنكارهم له يقوم على فهم خاطئ لقدرة الله.. فلو أنهم نظروا إلى هذه الأرض الميتة، وكيف يحيى الله مواتها، ويبعث فيها الحياة، ويخرج من أحشائها صورا لا حصر لها من الكائنات الحية- لو نظروا إلى هذا لرأوا أن بعث الأجساد الهامدة لا يختلف فى شىء، عن بعث الحياة فى الأرض الجديب.
وقوله تعالى: «وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ» مبتدأ وخبر، وقدم الخبر «آية» على المبتدأ «الأرض» للإلفات إليه، لأنه الآية المراد النظر فى وجهها، وأصل النظم:
«والأرض الميتة آية لهم» وقوله تعالى: «أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ» هو بدل من الأرض الميتة.. وهو بيان لها، يكشف عما فى كيان هذه الآية التي تخرج من الأرض.. والحبّ، هو ما يخرج من نبات البرّ، والشعير والأرز، ونحوها..
стр. 4738
قوله تعالى:
«وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ» خصت جنات النخيل والأعناب من بين أنواع الفاكهة بالذكر، لأن هاتين الشجرتين- النخلة، والكرمة- غاية ما يبلغه النبات من كمال فى سلّم الترقّي..
فهما على قمة العالم النباتي، وما تحتهما تبع لهما.. وإلى هذا يشير الحديث الشريف:
«أكرموا عماتكم النخل، فإنهن خلقن من طينة آدم» - وهذا يعنى أن النخل قد أشرف من قمة عالم النبات على عالم الحيوان، وكاد يلامس هذا العالم، ويحسب من أفراده.. وقدم النخيل على الأعناب، لأنه أرقى درجة منه..
قوله تعالى:
«لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ» يمكن أن تكون اللام فى قوله تعالى: «لِيَأْكُلُوا» للتعليل، أي أحيينا الأرض، وأنبتنا فيها جنات من نخيل وأعناب، ليكون ذلك نعمة من نعمنا عليهم، لحفظ حياتهم، بالأكل من ثمرات هذه الجنات..
ويمكن أن تكون اللام للأمر، وفى هذا الأمر دعوة لهم إلى الأكل من تلك المائدة التي مدها الله للعباد، وجعل عليها ما تشتهى الأنفس من طيبات- وفى هذا الأمر إلفات لهم إلى هذا الإحسان، وذلك الفضل من الله، وإلى ما ينبغى لله من شكر وحمد، وهذا مثل قوله تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ.. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى» (٥٣- ٥٤: طه) والضمير فى ثمره، يعود إلى النخيل، لأنه المقدم رتبة على العنب، وهو
стр. 4739
أكثر أنواعا وألوانا منه، فلا يعدو أن يكون العنب لونا من ألوان الثمر- وقوله تعالى: «وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ» يمكن أن تكون الجملة معطوفة على قوله تعالى: «مِنْ ثَمَرِهِ» أي ليأكلوا من ثمره من غير صنعة، وليأكلوا ما عملته أيديهم من هذا الثمر، وصنعته..
ويمكن أن تكون الجملة حالية، والواو واو الحال، وما نافية.. ويكون المعنى، ليأكلوا من ثمر هذا الشجر، والحال أنه لم تعمله أيديهم، ولم يكن فى قدرتهم أن يخرجوا شجرة منه، أو أن يصنعوا ثمرة من هذا الشجر.
- وقوله تعالى: «أَفَلا يَشْكُرُونَ» حثّ لهم على الشكر، وإنكار لموقفهم من هذه النعم موقف الجاحد المنكر للمنعم بها..
قوله تعالى:
«سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ» هو تسبيح بحمد الله، وتنزيه له عن الشريك والولد، وتمجيد لجلاله وقدرته.. وهذا التسبيح والحمد، بلسان الوجود كله. وأنه إذا خرست ألسنة الضالين والمكذبين أن يسبحوا بحمد الله، وأن ينزهوه ويمجدوه، فإن الوجود كلّه لسان تسبيح، وتنزيه، وتمجيد لله رب العالمين: «الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ» فالمخلوقات كلها من أزواج، هى الذكر والأنثى.. كما فى عالم الأحياء من حيوان، ونبات، وهى الشيء ومقابله، كما فى عالم المعاني. كالصدق والكذب، والحق والباطل، والإيمان والكفر، والضلال والهدى.. وقد تحدثنا عن ذلك فى غير موضع من قبل.
стр. 4740
قوله تعالى:
«وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ» أي والليل آية لهم.. وقوله تعالى: «نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ» جملة حاليّة من الليل..
وسلخ النهار من الليل، كشطه عنه، وإزالة القشرة النورانية التي تكسوه، كما يكسو الجلد الحيوان.. فإذا سلخت هذه القشرة النورانية عن كيان الكائنات، سادها الظلام..
وفى قوله تعالى: «نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ» - إشارة إلى حركة انسحاب النور، بحركة الأرض، ودورانها حول الشمس، فينسلخ النور شيئا فشيئا عن الأماكن التي تطلع عليها الشمس، وذلك كما يسلخ الجلد عن الحيوان، شيئا فشيئا.. لا دفعة واحدة..
وفى قوله تعالى: «فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ» - إشارة إلى أن كل إنسان يكتسى من النور حلة، فإذا سلخت عنه صار جسما معتما مظلما، وأصبح قطعة من هذا الظلام، تجتمع قطعه بعضها إلى بعض، فإذا هى الليل..
قوله تعالى:
«وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» أي وآية لهم الشمس.. فهذه الشمس تسير فى مدار محدود لها، وتتحرك فى فلك لا تتعداه ولا تخرج عنه.. وذلك بتقدير «العزيز» ذى العزة والسلطان «العليم» الذي تجرى أحكامه ومقاديره بعلم نافذ إلى كل شىء، متمكن من كل كبيرة وصغيرة فى هذا الوجود.
وجريان الشمس، هو حركتها فى فلكها المرسوم لها. وهى تقطع دورة هذا الفلك فى سنة كاملة، وفى سرعة مذهلة.
стр. 4741
قوله تعالى:
«وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» أي أن القمر يأخذ كل ليلة منزلا من الأرض، على مدى شهر قمرى، ففى أوسط منازله يبدو قمرا منيرا، يغمر نور الشمس وجهه كله المواجه للأرض، المتوسطة بينه وبين الشمس، فيرى بدرا كاملا، ثم يرجع إلى الوراء منزلة كل ليلة، وذلك لبطء دورانه عن دوران الأرض، فيقلّ مع كل ليلة أو منزلة، الوجه المقابل منه للشمس، ويظل يتناقص شيئا فشيئا مدة نصف شهر قمرى، حتى يكون وجهه المواجه للأرض متوسطا بين الأرض والشمس، وهنا يكون وجهه المواجه للشمس مضيئا بضوئها، على حين يكون وجهه المواجه للأرض معتما، فإذا نزل منزلته فى آخر ليلة لم ير من وجهه شىء، وسمى محاقا، لأن نوره الذي كان يبدو منه قد محق.. ثم يبدأ يولد من جديد.. فإذا كانت الليلة الأولى أو المنزلة الأولى لمولده، لم ير منه إلا قوس صغير، أشبه بقلامة الظّفر، ويسمى هلالا، غائرا فى الشفق، فيختلط الضوء القليل الذي يبدو منه بحمرة الشفق، فيكون له تلك الصورة التي صورها له القرآن الكريم أدق تصوير وأروعه، حين شبهه بالعرجون القديم..
والعرجون، هو عذق النخلة، الذي يحمل النمر، ومنه تتدلى عناقيد النمر، ولونه أصفر، فإذا جفّ، وطال عليه الزمن تقوس شكله وصار لونه ضاربا إلى الحمرة الداكنة.. وهذه التحركات والتغيرات التي تظهر على وجه القمر ليلة بعد ليلة، جديرة بأن تستثير التفكير والتأمل، وأن تدعو العقل إلى النظر فيما وراء هذه المنظر الظاهر للقمر، إلى وضعه فى المجموعة الشمسية، وإلى صلته بالأرض، وإلى إمكان الوصول إليه، ولو على سبيل الفرض أولا، ثم اتخاذ الأسباب التي يمكن تحقيق هذا الفرض بها.. إن الملاحظة للشىء، هى الطريق الطبيعي
стр. 4742
للكشف عن حقيقته.. وليس مثل هذا العرض الذي عرضه القرآن الكريم للقمر داعية إلى الملاحظة والتأمل، لو أن ذلك وجد همما متطلعة، وعزائم جادة..!!
قوله تعالى:
«لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» أي أن من قدرة الله ، ومن إحكام علمه، أن أجرى هذه العوالم بعلمه، وسخّرها بقدرته، وأقامها على نظام محكم، وأجراها فى مجار لا تتعداها.. فلا يصطدم بعضها ببعض، ولا يأخذ بعضها من بعض وضعا غير الذي أقامه الله فيه.. فلا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر. فهى مع سرعتها المذهلة، التي تبلغ ألوف المرّات بالنسبة لسرعة القمر فإنها لا تدركه..
فهى لها فلك تدور فيه، كما للقمر فلكه الذي يدور فيه..
وكما أن الشمس لا تدرك القمر، كذلك الليل لا يسبق النهار، إنهما يجريان بحيث يتبع أحدهما الآخر، دون أن يسبقه.. «وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» ،.
وجعل الليل وراء النهار، لأن النهار أسبق من الليل هى دورة الأرض حول نفسها من الغرب إلى الشرق.. فالأرض فى دورانها حول نفسها من الغرب إلى الشرق، إنما تجرى نحو النور، ومن وراء النور الظلام.. فالنور دائما أمام الظلام، وهما معا فى حركة وجريان. فالآية الكريمة تشير إلى حركة الأرض وإلى دورانها حول نفسها من الغرب إلى الشرق..
واستعمل مع هذه العوالم ضمير العقلاء- إشارة إلى هذا النظام المحكم
стр. 4743
الممسك بها، والذي يقيمها على طريق مستقيم، كما يقيم العقل السليم صاحبه على طريق مستقيم..
قوله تعالى:
«وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ» .
أي ومن آياتنا التي نعرضها على هؤلاء المشركين، والتي تحمل إليهم الدلائل على قدرتنا، وإحساننا- أننا «حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ» .
والفلك. يطلق على الواحد والجمع من السفن، قال تعالى: «فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا» . فهى هنا سفينة واحدة، وقال تعالى: «حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ.» وهى هنا جمع.. والمراد بها فى الآية الجمع كذلك، لأنه وصف بمذكر، وهو قوله تعالى: «الْمَشْحُونِ» ، وعاد عليها الضمير كذلك مذكرا فى قوله تعالى: «وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ» ..
فعومل بهذا معاملة الجنس.. والمشحون: الممتلئ..
والمراد بالذرية: الأبناء، وهى، تجمع على ذرارى، وذريات، وأصلها من الذرء، وهو إظهار الشيء، يقال ذرأ الله الخلق، أي أوجد أشخاصهم، والذرأة بياض الشعر.. وفى الإشارة إلى حمل ذرياتهم دون حمل آبائهم إلفات إلى ما تحمل الفلك لهم من فلذات أكباد، ونفائس أموال وأمتعة، فتحفظها، وتصل بها إلى غايتها.. وفى هذا ما يريهم فضل الله عليهم، وإحسانه بهم، فقد لا يرى الإنسان فضل النعمة، ولا يقدرها قدرها إذا هى لبسته هو، فإذا رآها فى غيره عرف لها قدرها، وذكر فضلها..
стр. 4744
قوله تعالى:
«وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ» معطوف على قوله تعالى: «حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ» أي وآية لهم أنا خلقنا لهم من مثل هذا الفلك، مراكب يركبونها فى البر، وهى الإبل التي تسمى سفائن الصحراء، والخيل، والبغال والحمير، وغيرها مما يركب، ويحمل عليه..
قوله تعالى:
«وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ..»
أي أنه إذا كان من قدرة الله أن سخّر الفلك لتجرى فى البحر بأمره، فلا يغرق راكبوهم فإن من قدرته سبحانه أن يغرق هذه السفن، بمن فيها من أولاد وأموال، فلا يجدون من يسمع لهم صراخا، أو يستجيب لهم، أو يقدر على إنقاذهم إن سمع واستجاب.. فهم هلكى لا محالة، إلّا أن تتداركهم رحمة الله، وإلا أن تكون لهم بقية من أجل..
فقوله تعالى: «إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ» استثناء من قوله تعالى:
«فَلا صَرِيخَ لَهُمْ» أي لا ينقذهم منقذ أبدا إلا رحمة الله، وما لهم من أجل لم ينته بعد..
الآيات: (٤٥- ٥٤) [سورة يس (٣٦) : الآيات ٤٥ الى ٥٤]
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)
فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)
стр. 4745
التفسير:
قوله تعالى:
«وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» .
لا تزال الآيات الكريمة، تلقى المشركين بالوعيد والتهديد، بعد أن عرضت عليهم من مشاهد قدرة الله ما فيه عبرة لمعتبر، ولكنهم ذوو أعين لا تبصر، وآذان لا تسمع، وقلوب لا تلين..
فإذا دعوا إلى أن يتقوا الله فيما بين أيديهم من نعم، يستقبلونها من الله، وما خلفهم من نعم أفاضها الله عليهم، لعلهم ينالون رحمة الله، ويدخلون فى عباده المتقين- إذا قيل لهم هذا القول، لم يقفوا عنده، ولم يلتفتوا إليه،
стр. 4746
ومضوا على ما هم عليه من كفر بنعم الله ومحادّة له..
وجاء القول بصيغة البناء للمجهول «قِيلَ» ، للإشارة إلى أنهم لا يقبلون هذا القول الذي يدعوهم إلى تقوى الله، لا لأن رسول الله هو الذي يدعوهم إليه، وإنما لأن طبيعتهم لا تقبله، من أية جهة تأتهم به، ومن أي إنسان يدعوهم إليه..
وحذف جواب الشرط «إذا» لدلالة حالهم عليه.. فهم على إعراض أبدا عن كل خير، وحق، وإحسان..
وقوله تعالى:
«وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ» .
هو مما يشير إلى جواب الشرط فى الآية السابقة.. فهو حكم عليهم بأنهم لا يلتقون بآية من آيات ربهم، إلا أعرضوا عنها، مكذبين بها، ساخرين منها..
قوله تعالى:
«وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .
وهذه آية من آيات الله، تدعوهم إلى خير، وإلى بر وإحسان، بأن ينفقوا مما رزقهم الله- فماذا كان جوابهم على هذه الدعوة من صاحب الأمر، وصاحب الرزق؟. كان جوابهم هو:
- «قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ؟ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ..
وهذا جواب خبيث ماكر، يكشف عن كفر غليظ..
стр. 4747
إنهم فى سبيل الغلب بالمماحكة والجدل، يؤمنون بالله، ويؤمنون بمشيئته فى خلقه، وبتصريفه المطلق لكل أمر.. فيقولون ردّا على قول الله أو الرسول أو المؤمنين لهم: «أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ» - يقولون: «أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ؟» إن تلك هى مشيئة الله فى هؤلاء الجياع الذين ندعى إلى إطعامهم..
إن الله أراد لهم أن يجوعوا، ولو أراد أن يطعمهم لأطعمهم.. فإنه قادر، وخزئنه لا تنفد!! فلم يدعوننا نحن إلى إطعامهم، وهو القادر، ونحن العاجزون، وهو الغنى ونحن الفقراء؟ إن أنتم أيها المؤمنون «إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ! لا تعرفون الله، ولا تقدرونه قدره!!.
وهذا الرد من المشركين، هو ردّ من خذله الله، وأضله على علم.. فهم إذ يدعون إلى الإيمان بالله، لا يسمعون، ولا يعقلون.. وهم إذا دعوا إلى ما تقتضيه دواعى المروءة الإنسانية، من الإحسان إلى إخوانهم الفقراء، يقيمون من الله، ومن علمه وقدرته حجة كيدية، يبطلون بها الدعوة التي يدعون إليها..
ولو أنهم كانوا مؤمنين بالله، معترفين بمشيئته فى خلقه، لاستجابوا لما يدعوهم الله إليه، من الإنفاق فى سبيل الله..
وفى الإظهار بدل الإضمار فى قوله تعالى: «قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا» بدلا من قالوا- كشف عن الوصف الذي هو ملتصق بهم، وهو الكفر..
قوله تعالى:
«وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .
الوعد: هو يوم القيامة، الذي يعدهم الرسول به، ويدعوهم إلى الاستعداد للقائه.
وسؤال المشركين عن موعد هذا اليوم، هو على سبيل التكذيب به،
стр. 4748
والإنكار له.. لا سؤال الذي جهل، ويريد أن يعرف.. ولهذا فهم يعقبون على هذا السؤال بقولهم: «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .. وقولهم هذا للنبى والمؤمنين معه.. هو قول الشاك فى صدق من يسأله، بل هو قول من يتهم وينكر.
قوله تعالى:
«ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ» أي ما ينظر هؤلاء المشركون المكذبون بيوم القيامة، إلّا صيحة واحدة تطلع عليهم من حيث لا يحتسبون، فتأخذهم وهم فى هذا الجدل والاختصام فيما يشغلهم من أمور دنياهم، وفيما يختصمون فيه مع المؤمنين فى أمر هذا اليوم..
والصيحة هى صيحة الموت العام، أو الخاص..
قوله تعالى «فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ» .
أي أن هذه الصيحة التي تنزل بهم، إنما تأتيهم بغتة، فلا تدع لهم سبيلا إلى أن يتصرفوا قى شىء مما فى أيديهم، أو أن يوصوا بشىء منه إلى من يودون إيثاره بشىء مما كانوا يحرصون عليه، وقد أوشك أن يفلت من أيديهم، كما لا يستطيعون أن يرجعوا إلى أهلهم وأموالهم بعد موتهم.. أو أنهم لا يستطيعون أن يرجعوا إلى أموالهم وأهليهم، إذا جاءهم الموت، وهم فى مكان بعيد عنهم.. إن الموت لا ينتظر هم لحظة واحدة، إذا جاء أجلهم..
قوله تعالى:
«وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ» .
وإذا كان هؤلاء المقبورون من المشركين، لا يرجعون إلى أهليهم،
стр. 4749
فإنهم سيرجعون إلى الله، وسيلقون جزاء ما كانوا يعملون.. فكما ماتوا بصيحة واحدة، فإنهم سيبعثون كذلك بنفخة واحدة.
والصور: هو قرن ينفخ فيه، فيحدث صوتا عاليا..
والأجداث: جمع جدث، وهو القبر.
وينسلون: أي يخرجون مسرعين من القبور.
قوله تعالى:
«قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؟ هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ» .
وتأخذ المفاجأة المشركين والكافرين، لأنهم كانوا لا يتوقعون نشورا، فيفزعهم هذا البعث، ويتنادون بالويل.. لأنهم لا يدرون ماذا يراد بهم فى هذا العالم الجديد الذي أخذوا إليه؟ ويأخذهم العجب من تلك اليقظة التي أخرجتهم من هذا النوم الطويل.. «مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا» ؟ ويجيئهم الجواب: «هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ» .. هذا ما كنتم به تكذبون! قوله تعالى.
«إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ» .
«صيحة» خبر كان منصوب، واسمها ضمير يعود على الصيحة فى قوله تعالى: «ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ» .. أي ما كانت الصيحة إلا صيحة واحدة، أخرجتهم من قبورهم، ثم جمعتهم فى المحشر بين يدى الله..
стр. 4750
قوله تعالى:
«فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» أي ففى هذا اليوم، يلقى كل إنسان جزاء ما عمل، فلا تظلم نفس شيئا، فالمسىء لا يلقى من الجزاء إلا بقدر إساءته، والمحسن لا يبخس من إحسانه شىء، بل يوفّاه مضاعفا..
الآيات: (٥٥- ٧٠) [سورة يس (٣٦) : الآيات ٥٥ الى ٧٠]
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠)
стр. 4751
التفسير:
قوله تعالى:
«إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ» هذا ما يلقّاه المؤمنون فى هذا اليوم الذي يساق فيه المشركون إلى موقف الحساب والجزاء.. وهذا الخبر هو تشويق للمؤمنين إلى هذا الجزاء الكريم الذي وعدوا به من ربّهم.. ثم هو فى الوقت نفسه عزل للكافرين عن هذا المقام، ومضاعفة للحسرة فى قلوبهم.. وسمى أهل الجنة أصحابها، تمكينا لهم منها، وإطلاقا لأيديهم بالتصرف فى كل شىء فيها، شأنهم فى هذا شأن المالك فيما ملك.. فضلا من الله وإحسانا.
وشغل أصحاب الجنة فى الجنة، هو ما يلقّون من ألوان النعيم، حيث يشغل هذا النعيم كل لحظة من حياتهم، إذ يجيئهم ألوانا وصنوفا، فإذا هم فى أحوال متغايرة متشابهة معا.. متغايرة فى صورها وآثارها، متشابهة فى إسعاد النفوس ونعيمها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً» (٢٥: البقرة) وفاكهون: أي منعّمون بما يساق إليهم من ألوان النعيم، وأصله من الفاكهة، إذ كانت من طيبات المطاعم.. ومنه الفكاهة، وهى التخير من طرف الكلام وملحه.
وقوله تعالى: «هُمْ وَأَزْواجُهُمْ» .. إشارة إلى أن أهل الجنة يجدون نعيما خاصا، فى صور من الحياة التي كانوا يحيؤنها فى دنياهم، ومن هذه
стр. 4752
الصور، هذا الإلف الذي يجمع بين الزوج وزوجه، وبين الوالدين وأولادهم.. فهذه رغيبة من رغائب الناس فى الحياة، يسعد بها من وجدها فى زوجه وولده، ويشتهيها من حرمها، فلم يجد الزوج الموافقة، ولا الولد الذي يسعد به.. فإذا كانت الآخرة، كان من مطالب أهل الجنة أن يستعيدوا ما كانوا يجيدون من نعيم فى دنياهم، وأن ينالوا ما كانوا يشتهونه ولا يجدون سبيلا إليه.. وهذا- كما قلنا غير مرة- هو التأويل لهذا النعيم الحسى، ولهذه الصور الدنيوية من ذلك النعيم، الذي يدخل على أصحاب الجنة مع نعيم الجنة..
وهذا مثل قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» (٢١: الطور) فالمراد بالأزواج هنا، الزوجات المؤمنات اللاتي أدخلن الجنة، فيكون من تمام النعمة عليهن وعلى أزواجهن، أن يجتمع بعضهم إلى بعض.
وقوله تعالى: «فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ» - هو صور من صور النعيم الدنيوي، وكان كثير من أصحاب الجنة يتطلعون إليه فى دنياهم، ولا يجدونه..
وقوله تعالى: «لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ..» أي لأصحاب الجنة فاكهة» ..
وأطلقت الفاكهة من غير تحديد، لتشمل كل فاكهة، فيتخيرون منها ما يشاءون، كما يقول سبحانه: «وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ» (٢: الواقعة) وقوله تعالى: «وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ» أي لهم ما يشاءون، وما يطلبون، غير ما يقدّم إليهم من غير طلب..
وقوله تعالى: «سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ» بدل من الاسم الموصول «ما» فى قوله تعالى: «وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ» أي ولهم سلام.. وهذا السلام يقال لهم قولا من رب رحيم، أي يسلم عليهم الرحمن به، فيقول ﷻ لأصحاب
стр. 4753
الجنة «سَلامٌ عليكم» .. وهذا هو غاية نعيم أصحاب الجنة وأطيب طعومها الطيبة عندهم..
قوله تعالى:
«وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ» أي انعزلوا، وخذوا مكانا خاصا بكم، حيث تتميزون به، وتعرفون فيه.. وهذا زجر للكافرين، وردع لهم أن يكونوا بمحضر من هذا المقام الكريم الذي ينزله أصحاب الجنة، أو أن يروه بأعينهم..
قوله تعالى:
«أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ.. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» .
العهد هنا، هو ما كان من الله من تحذير من الشيطان وأعوانه، كما يقول سبحانه على يد الرسل «يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ» (٢٧: الأعراف) وكما يقول جلّ شأنه: «إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ» (٦: فاطر) وعبادة الشيطان، هى اتّباعه فيما يدعو إليه، وهو لا يدعو إلا إلى ضلال، وشرك، وكفر..
والاستفهام فى الآية للتقرير.. الذي يثير مشاعر الندم والحسرة..
قوله تعالى:
«وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» هو معطوف على قوله تعالى: «أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ» .. أي «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي» ؟ .. فالعهد الذي أخذه
стр. 4754
الله على أبناء آدم جميعا، هو أن يتجنبوا عبادة الشيطان، وأن يحذروا الاستجابة له فيما يدعوهم إليه، وأن يعبدوا الله وحده.. فهذا هو الصراط المستقيم.. فمن لم يعبد الله، فقد ضل وهلك..
قوله تعالى:
«وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ» الجبلّ، والجبلة: الخلق والآية تلفت العقول إلى هذه الآثار السيئة التي تركها الشيطان فيمن عصوا الله، ونقضوا العهد، واتبعوا خطوات الشيطان.. لقد ألقى بهم الشيطان فى بلاء عظيم، وأوردهم موارد الهلاك.. فإذا لم ير بعض الغافلين أن يستجيبوا لما دعاهم الله إليه من اجتناب الشيطان، والحذر منه- أفلم يكن لهم فيما رأوا من آثاره فى أتباعه وأوليائه، ما يدعوهم إلى اجتنابه، ومحاذرته؟
- وفى قوله تعالى: «أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ؟» هو عود باللائمة والتوبيخ لهؤلاء الذين لا تزال أيديهم ممسكة بيد الشيطان، وهم يمشون على أشلاء صرعاه منهم! قوله تعالى:
«هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» ..
لقد نقض المشركون عهد الله، وخرجوا عن أمره.. ولكن الله سبحانه لم ينقض عهده معهم، وهو أنهم إذا نقضوا عهده، وخرجوا عن أمره، كانت النار موعدهم.. كما يقول سبحانه: «النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (٧٢: الحج) قوله تعالى:
«اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ»
стр. 4755
أي اصطلوا بها، وذوقوا عذابها، بسبب كفركم وضلالكم..
وفى هذا الأمر الذي يلقى إليهم وهم يتقلبون على جمر جهنم مضاعفة للعذاب ومزيد منه، إن كان وراءه مزيد! قوله تعالى:
«الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» أي فى هذا اليوم يختم الله على أفواه أهل الضلال، فلا ينطقون.. وفى هذا زجر لهم، وكبت للكلمات التي كانت ستنطلق من أفواههم، ليعتذروا بها إلى الله، وليتبرءوا بها من أنفسهم، وما جنته أيديهم، أو يحاولوا بها إلقاء التهمة على غيرهم.. وفى كل هذا مجال للتنفس عنهم.. وكلّا، فإنه لا متنفس لهم، ولو بالكلمة!! ومما يضاعف فى إيلامهم وحسرتهم أن يقوم الشهود عليهم بإثبات جريمتهم- من أنفسهم، فتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم.. إنهم شهود أربعة، تتم بهم الشهادة على مرتكبى الكبائر..
ولا نسأل كيف تتكلم هذه الجوارح.. إنها تنطق للخالق الذي خلقها..
وفى هذا يقول الله تعالى: «وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ (١٩- ٢١:
فصلت) .
فليست الأيدى والأرجل وحدها هى التي تنطق وتشهد على أصحابها، بل إن كل جارحة فيهم تشهد عليهم بما كان منها، حتى ألسنتهم تلك التي
стр. 4756
ختم الله عليها.. إنها ستنطق ولكن بعد أن تشهد الجوارح كلها، فلا يكون لهم حجة تنطق بها الألسنة.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» (٢٤: النور) قوله تعالى:
«وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» أي لو شاء الله لطمس على أعين هؤلاء المشركين، وهم فى هذه الدنيا، وأنزل بهم هذا العقاب الرادع، فأسرعوا إلى الإيمان، واستبقوا إليه، تحت ضغط هذا النذير، ولكن الله سبحانه لم يشأ هذا بهم، ولم يلجئهم إلى الإيمان اضطرارا..
فقوله تعالى: «فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ» سبب للطمس على أعينهم، والفاء للسببية..
وقوله تعالى: «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» أي فكيف يبصرون، إذا طمس الله على عيونهم؟ إن هذه الإبصار نعمة جليلة من نعم الله، وقد أبقاها الله لهم فلم يطمس عليها.. أفلا يرعون هذه النعمة المهددة بالطمس؟ ثم ألا ينظرون بها، ويهتدون إلى الإيمان ويستبقون بها إلى صراط الله المستقيم؟
قوله تعالى.
«وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ» أي لو شاء الله كذلك، لمسخهم على مكانتهم التي هم فيها من الضلال والعناد، هو لم يدخل على مشاعرهم شيئا من الإيمان، ولأمسك بهم على الكفر فما استطاعوا «مضيّا» أي اتجاها إلى الإيمان، ولا رجوعا عما هم عليه من طرق الضلال..
стр. 4757
ولكنه ، لم يشأ ذلك فيهم، وترك لهم مجال النظر، والاختيار، والتحرك من الكفر إلى الإيمان، إن شاءوا.. فمشيئتهم مطلقة عاملة، غير معطلة، وبهذا لا تكون لهم على الله حجة.
وهذا يعنى أن الخطاب هنا- وهو لجماعة المشركين- يشير إلى أن فيهم من سيتحولون من حالهم تلك، ويخرجون من هذا الظلام، ويلحقون بالمؤمنين، ويدخلون فى دين الله.. فالفرصة لا تزال فى أيديهم، لن تفلت منهم بعد..
وإن السعيد منهم من سبق، وأخذ مكانه على طريق الإيمان، قبل أن تفلت الفرصة من يده قوله تعالى:
«وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ.. أَفَلا يَعْقِلُونَ» مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآيتين السابقتين، حملتا مع هذا التهديد الذي حملته إلى المشركين، دعوة إلى المبادرة إلى الإيمان بالله، واستباق الزمن قبل أن يفوت الأوان..
وهنا فى هذه الآية، دعوة أخرى إلى المبادرة واستباق الزمن.. حيث أنه كلما طال الزمن بهم لم يزدهم طول الزمن إلا نقصا فى الخلق، وإلا ضعفا فى التفكير، حيث يأخذ الإنسان عند مرحلة من مراحل العمر فى العودة إلى الوراء، وفى الانحدار شيئا فشيئا، حتى يعود كما بدأ، طفلا فى مشاعره، وخيالاته، وصور تفكيره..
فالزمن بالنسبة لهؤلاء المشركين، ليس فى صالحهم، وأنهم وقد بلغوا مرحلة الرجولة الكاملة، لا ينتظرون إلا أن ينقصوا لا أن يزدادوا، وعيا وإدراكا، وأنهم إذا لم تهدهم عقولهم إلى الإيمان بهذا الكتاب الذي بين أيديهم فلن يهتدوا بعد هذا أبدا، بل سيزدادون ضلالا إلى ضلال، وعمى إلى عمى..
стр. 4758
- وفى قوله تعالى: «أَفَلا يَعْقِلُونَ» حثّ لهم على استعمال عقولهم تلك، التي هى معهم الآن، ثم إذا هى- بعد أن يمتد العمر بهم- وقد تخلت عنهم! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً» (٧٠: النحل) .
قوله تعالى:
«وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ» ..
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أيضا، هو أنه وقد حملت الآيات الثلاث قبلها دعوة إلى المشركين أن يستبقوا الإيمان بالله، وأن يبادروا باستعمال عقولهم والنظر بها إلى آيات الله قبل أن تذهب هذه العقول مع الزمن- فقد جاءت تلك الآية تلقاهم برسول الله، وبكتاب الله الذي معه، ليكون لمن انتفع بهذه الدعوة معاودة نظر إلى رسول الله، وإلى كتاب الله.. فالضمير فى قوله تعالى:
«وَما عَلَّمْناهُ» يعود إلى الرسول الكريم، وهو وإن لم يجر له ذكر فى الآيات السابقة، فإنه مذكور ضمنا فى كل آية من آيات الكتاب، إذ كانت منزلة عليه..
فهذا رسول الله.. ليس بشاعر كما يقولون.. إنه لم يؤثر عنه شعر، ولم يكن- كما عرفوا منه- من بين شعرائهم.. فهذه تهمة ظالمة، يجب أن يبرئوا النبىّ منها، وأن يلقوه من جديد على أنه ليس بشاعر.
وهذا كتاب الله الذي بين يديه.. ليس من واردات الشعر- كما يزعمون زورا وبهتانا- بل هو «ذكر» يجد الناس من آياته وكلماته، ما يذكّرهم بإنسانيتهم، وبما ضيعوا من عقولهم فى التعامل مع الجهالات والضلالات، على خلاف الشعر، فإنه- فى غالبه- استرضاء للعواطف
стр. 4759
وتغطية على مواطن الرشد من العقول.. وهذا الكتاب هو «قُرْآنٌ مُبِينٌ» أي كتاب غير مغلق على قارئه، أو سامعه من قارئ له، بل هو واضح المعنى، بيّن القصد، فلا تعمّى على قارئه أو سامعه أنباء ما به..
قوله تعالى:
«لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ» أي أن هذا الرسول الكريم، إنما ينذر بالكتاب الذي معه، «مَنْ كانَ حَيًّا» أي من كان فى الأحياء من الناس، بعقله، ومدركاته، وحواسه.. فإن من كان هذا شأنه، كان أهلا لأن ينتفع بما ينذر به.. أما من تخلى عن عقله، وملكاته ومشاعره فلا يحسب فى الأحياء، ولا ينتفع بالنذر.. بل سيظل على ما هو عليه من كفر وضلال، ويحق عليه القول، أي ينزل به العذاب، الذي توعد به الله ، أهل الكفر والضلال..
الآيات: (٧١- ٨٣) [سورة يس (٣٦) : الآيات ٧١ الى ٨٣]
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)
أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)
стр. 4760
التفسير:
قوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ» هو عرض للآيات الكونية، التي تكشف عنها الآيات القرآنية لأبصار هؤلاء المشركين، الذين دعوا إلى إعادة النظر فى كتاب الله، وإلى إخلاء مشاعرهم من القول بأنه شعر، وأن الرسول الذي جاء به من عند الله شاعر..
فهذا الكتاب الذي بين أيديهم ليس شعرا، إنه ذكر وقرآن مبين..
ومن الذكر الذي فى هذا القرآن- هذا العرض الذي تعرض فى آياته هذه المظاهر من قدرة الله، وصنعة يده..
فهذه الأنعام التي يملكها هؤلاء المشركون، والتي فيها عبرة وذكرى لمن سمع، ووعى.. من خلقها؟ ومن جعل لهم سلطانا عليها؟ ومن وضعها فى أيديهم وجعلها ملكا خالصا لهم؟ ..
ألا فلينظروا بعقولهم إلى هذه الأنعام، وليجيبوا على هذه الأسئلة التي تطلع عليهم منها..
стр. 4761
إنها صنعة الله، وفى ملكه.. ولكنه- سبحانه- قد ملّكهم الله إياها، وأقدرهم على تسخيرها، والانتفاع بها..
«وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ» أي أنه لولا أن ذللها الله لهم، وجعلها فى خدمتهم، لما قدروا عليها، ولما أمسكوا بها.. إذ كانت أقوى قوّة منهم.. ولو شاء الله لجعلها فى طبائع الحيوانات المفترسة، التي لا تألف الناس، ولا يألفها الناس.. فلا يكون لهم منها نفع أبدا..
«وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ» - أي أن فى هذه الأنعام منافع كثيرة لهم.. يركبونها، ويحملون عليها أمتعتهم، ويأكلون لحومها، ويشربون ألبانها، ويتخذون من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها أثاثا ومتاعا.. أفلا يشكرون الله على ذلك؟
قوله تعالى:
«وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ» .
هو عطف حدث على حدث.. وبين الحدثين تغاير كبير، وتفاوت بعيد، والشأن بين المتعاطفين أن يتقاربا، ويتجاوبا.. ولكن فى هذا العطف فضح لضلال المشركين، وانحرافهم هذا الانحراف الحادّ، عن الطريق السوىّ.. حيث يقابلون الإحسان بالكفران.
فالله يفضل عليهم بهذه النعم، خلقا، وتسخيرا، وتذليلا..
وهم يكفرون به، ويحادّونه، ويتخذون من دونه آلهة.. فما أبعد ما بين الإحسان والكفران!.
وقوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ» بيان للغاية التي يقصد إليها المشركون من اتخاذ هذه الآلهة من دون الله.. إنهم يرجون من وراء ذلك الاستعانة
стр. 4762
بها على ما يغلبهم من شئون الحياة، وما يلقاهم على طريقها من عقبات..
وهيهات.. ضعف الطالب والمطلوب..!
قوله تعالى:
«لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ» .
هو ردّ على معتقد المشركين فى آلهتهم.. فهؤلاء الآلهة الذين اتخذوهم من دون الله معبودين لهم، يرجون منهم نصرا- هؤلاء الآلهة لا يستطيعون لهم نصرا، بل وأكثر من هذا، فإن آلهتهم هذه، محتاجة إلى من يحرسها، ويدفع عنها يد المعتدين..
وهؤلاء المشركون هم أنفسهم، جند محضرون، يقومون على حماية هذه الآلهة، وحراستها، وحراسة ما تزيّن من به حلىّ، وما يلقى عليها من ملابس..
- فقوله تعالى: «وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ» - الضمير «هم» يعود إلى المشركين، وفى قوله تعالى: «مُحْضَرُونَ» - إشارة إلى أن هناك قوى مسلطة على هؤلاء المشركين، تجعل منهم جندا لخدمة هذه الآلهة.. وهذه القوى هى تلك المشاعر المتولدة من معتقدهم الفاسد، وتصورهم المريض، حيث تسوقهم هذه المشاعر الضالة، سوقا، إلى التزلّف لهذه الدّمى، والولاء الأعمى لها..
«فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ.. إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ» .
هو عزاء كريم، للنبى الكريم، من ربّ كريم، مما يرميه به قومه من يذىء القول وساقطه.. «فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ» هذا الذي يقولونه عنك، من أنك كاذب، وشاعر، ومجنون، ولا يحزنك ما يقولونه فى آلهتهم، وأنها شفعاء لهم من دون الله..
стр. 4763
- وفى قوله تعالى: «إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ» .. تهديد للمشركين، ووعيد لهم بالحساب الشديد، والعذاب الأليم، فالله سبحانه يعلم ما يسرون وما يعلنون، من كفر، وضلال، وبهتان، وهو سبحانه محاسبهم ومجازيهم عليه..
قوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ» .
هو مراجعة لهؤلاء المشركين، وتنبيه لهم من هذه الغفلة المستولية عليهم..
وفى هذا الاستفهام التقريرى الموجه إلى الإنسان على إطلاقه- دعوة إلى كل إنسان أن ينظر فى نفسه، وأن يمد بصره، إلى نقطة الابتداء فى حياته، ثم ليسير مع نقطة الابتداء هذه فى الطريق الذي سلكه، حتى صار هذا الإنسان، الذي يجادل، ويخاصم، ويقف من الله موقف المحادّ المحارب!.
ألم يكن هذا الإنسان نطفة؟ .. إنه لو نظر الإنسان فيها لأنكر نفسه، وما وقع فى تصوره أنه كان جرثومة من آلاف الجراثيم السابحة فى هذه النطفة..
وأين تلك النطفة أو هذه الجرثومة العالقة بالنطفة- أين هى من هذا الإنسان، الذي أبدعته يد القدرة هذا الإبداع العظيم الحكيم؟
ألا ما أضأل شأن الإنسان، وما أعظمه! ما أضأله نطفة، وما أعظمه رجلا..
ما أضأله ضالا ضائعا، كضلال هذه النطفة وضياعها..
وما أعظمه إنسانا رشيدا، عاقلا مؤمنا، فى ثوب الإنسانية الرشيدة العاقلة المؤمنة!.
قوله تعالى:
«وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» .
стр. 4764
هو عطف حدث على حدث، عطف خلق الله سبحانه الإنسان من نطفة، ثم قيام إنسان من هذه النطفة يجادل الله، ويختصمه، ويضرب له الأمثال، احتجاجا وحجة!.
ففاعل الفعل «ضرب» يعود إلى هذا الإنسان الخصيم المبين، الذي تولد من النطفة!.
إنه لم يقف عند هذه الدعوة التي دعاه الله بها إلى أن ينظر فى خلقه، وأن يعرف من أين جاء، وكيف كان، ثم كيف صار- لم يقف عند هذه الدعوة، بل أقبل يحاجّ الله ويجادله، ويضرب الأمثال له.. «إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» (٣٤: إبراهيم) ..
والمثل الذي ضربه هذا الكافر، ليدلل به على معتقده الفاسد، فى إنكار البعث- هذا المثل، هو أنه نظر فى هذه العظام البالية التي يراها فى قبور الموتى، ثم اتخذ منها معرضا يعرضه على الناس، ويسألهم هذا السؤال الإنكارى الساخر: «مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» ؟ أهذه العظام التي أبلاها البلى تعود ثانية كما كانت، ويتشكل منها أصحابها الذين كانوا يحيون بها فى الحياة؟
أهذا معقول؟ إن محمدا يقول هذا..فماذا تقولون أنتم أيها الناس فيمن يقول هذا القول؟ ألا ترجمونه؟ ألا تسخرون من جنونه؟.
وقوله تعالى: «وَنَسِيَ خَلْقَهُ» جملة حالية، أي أن هذا الكافر ضرب هذا المثل ناسيا خلقه، ولو ذكر خلقه وكيف كان بدؤه، ثم كيف صار- لرأى بعينيه- قبل أن يرى بعقله- إن كان له عقل- أن هذه النطفة التي أقامت منه هذا الإنسان الخصيم المبين، هى أقل من العظام شأنا، وأبعد منها عن مظنّة الحياة.
إذ كانت النطفة لا تعدو- فى مرأى العين- أن تكون نقطة ماء قذرة
стр. 4765
أشبه بالمخاط.. أما العظام فهى تمثل حياة كاملة، كانت تسكن فى تلك العظام- إنها عاشت فعلا حياة كاملة، وكان منها إنسان كامل، كهذا الإنسان، الذي يجادل، ويضرب الأمثال لله..
فهذه العظام، تمثل حياة لها تاريخ معروف.. أما النطفة، فلا ترى عين هذا الجهول فيها أثرا للحياة.
قوله تعالى:
«قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» .
هو الرد المفحم على هذا السؤال الإنكارى.. «مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» ؟ إن الذي يحييها، هو الذي أنشأها أول مرة.. لقد أنشأ هذه العظام من نطفة، وألبسها الحياة، ثم أماتها.. ثم هو الذي يحييها.. إنه إعادة لشىء كان بعد أن لم يكن، وإعادة بناء الشيء، أهون- فى حسابنا- من ابتداعه، واختراعه أصلا..
وفى قوله تعالى: «وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» - إشارة إلى علم الله المحيط بكل شىء، ومن كان هذا علمه فلن يعجزه شىء.. فبالعلم استطاع الإنسان أن يحرك الجماد، وينطقه، وبالعلم استطاع أن ينقل الأصوات، وصور المرئيات من طرف الأرض إلى طرفها الآخر فى لحظة عين، أو خفقة قلب.. وبالعلم يستطيع الإنسان أن يفعل الكثير، مما تعدّ هذه الأشياء من نوافل علمه..
فكيف بعلم الله الذي وسع كل شىء؟ أيعجزه شىء؟ إن من يعجز عن أي شىء لا يستحق أن يضاف إليه العلم كله.. إذ لو كان معه العلم كله لما أعجزه شىء؟ والله : «بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (٢٩: البقرة) ..
قوله تعالى:
«الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ» .
هذه بعض آيات من علم الله.. إنه سبحانه خلق الشجر، وقد امتلأ
следующие страницы →