أهل الشرك والضلال؟ .. وفى هذا يقول الله تعالى: «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ» ، طَعامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ» (٤٣- ٤٦ الدخان) .
قوله تعالى:
«إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ» أي إنا جعلنا ذكرها والحديث عنها فى القرآن، فتنة لأهل الظلم والعناد من هؤلاء المشركين، وكانت- لو عقلوا- مزدجرا لهم، وطلبا للنجاة منها..
ولكنهم اتخذوها مادة للتفكه والسخرية، وقال قائلهم: انظروا إلى ما يحدّث به محمد!! إنه يعدنا بشجرة تنبت فى النار، وتطلع وسط اللهب! أرأيتم شجرا تقوم أصوله وفروعه فى النار، فيكون منها ريّه، ونماؤه، ويطلع فى أحشائها زهره وثمره؟ وهكذا يظلّون فى هذا اللغو من القول، غير ملتفتين إلى مالله من قدرة لا يعجزها شىء، وغير واقفين عند ما لفتهم الله إليه فى قوله تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ» ! أو ليس الذي جعل من الشجر الأخضر نارا، بقادر على أن يجعل من النار شجرا أخضر؟ أليس هذا من ذاك؟
قوله تعالى:
«إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ» .
أصل الجحيم: قراره- والطلع: الزهر الذي ينعقد عليه الثمر..
وفى تشبيه هذا الطلع برءوس الشياطين، إشارة إلى بشاعتها مظهرا، الذي ينمّ عن مخبر هو أشد منه بشاعة..
والشياطين، وإن لم يكن لها صورة حقيقية تعرف بها، إلا أن لها صورة متوهمة فى خيالات الناس وتصوراتهم، وهى صورة بشعة مخيفة.. وإذا
стр. 4797
كانت رأس الشيء هى أظهر ما فيه، وأدل شىء على حسنه أو قبحه، فقد اختير من الشياطين رءوسها التي تتجمع فيها بشاعة الشياطين وقبحها..
قوله تعالى:
«فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ» الفاء للتفريع.. أي وينبنى على وجود هذه الشجرة فى أصل الجحيم، أن يأكل منها هؤلاء المجرمون، حتى لكأنّ هذه الشجرة ما غرست ونبتت فى الجحيم، إلا ليكون منها طعامهم.
وامتلاء بطونهم منها، ليس عن شهوة أو رغبة، وإنما هو عن قهر وقسر..
إمعانا فى عذابهم، والتنكيل بهم..
قوله تعالى:
«ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ» .
الشوب: المختلط بغيره من كل شىء، ومنه الشائبة، وهى ما يعلق بالإنسان من أمور لا تليق به، والحميم: السائل الذي اشتد غليانه.
ومع كل طعام شراب.. وإذا كان طعام هؤلاء الأشقياء هو من ثمر تلك الشجرة الجهنمية، فإن شرابهم كذلك هو مما ينبع من عيون هذا الجحيم..
وفى قوله تعالى: «عَلَيْها» إشارة إلى أن مورد الحميم، هو قائم عند هذه الشجرة.. والمعنى، أن لهم عند وردهم على هذه الشجرة، وأكلهم منها، شوبا من حميم، أي أخلاطا من سوائل تغلى وتفور..
ويجوز أن يكون «على» بمعنى «فوق» أي أن لهم فوق هذا الطعام الذي طعموه من شجرة الزقوم- لهم فوق هذا، شراب من حميم، وكأن
стр. 4798
ذلك مبالغة فى إكرامهم، على سبيل السخرية والاستهزاء، والمبالغة فى النكال والعذاب؟.
قوله تعالى:
«ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ» .
أي ثم يقادون بعد أن يأكلوا ويشربوا، إلى حيث مربطهم، ومنزلهم..
فالشجرة التي يطعم منها الآثمون قائمة فى قعر جهنم، فيساق إليها هؤلاء الآثمون، حتى إذا أكلوا من ثمرها، وشربوا من الحميم الذي يجرى تحت أصولها، أعيدوا إلى حيث كانوا.. وهكذا يغدون ويروحون فى أودية جهنم! قوله تعالى:
«إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ» .
هو تعليل لما فيه هؤلاء الآثمون الخاطئون، من عذاب عظيم، وبلاء مقيم..
إنهم ضلّوا عن سواء السبيل، ولم يستمعوا إلى ما جاءهم من نذر، ولم يقبلوا ما دعوا إليه من هدى.. بل إنهم وجدوا آباءهم على ضلال، فمشوا على آثارهم، واتبعوا خطوهم، وقالوا: «إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ» (٢٢: الزخرف) .
ويهرعون: أي يسرعون من غير توقف.. إذ لم يكن لهم عقول يرجعون إليها، ويعرضون ما يعرض لهم من أمور عليها..
قوله تعالى:
«وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ» .
هو عزاء كريم للنبى الكريم، ومواساة له فى الضالين من قومه. إنهم
стр. 4799
ليسوا أول الضّالين، ولا آخرهم.. فلقد ضلّ قبلهم أكثر النّاس، وقليل هم المؤمنون «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ» (١٠٣: يوسف) .
قوله تعالى:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ» .
هو تطمين لقلب النبىّ.. وأن الله سيدفع عنه كيد هؤلاء الضالين، كما فعل بالمرسلين من قبله، إذ نجاهم والمؤمنين معهم. من كيد الكافرين، الذين أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
وفى قوله تعالى: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ» .. تهديد لهؤلاء المشركين، وجمع بينهم وبين من أهلكهم الله من المكذّبين برسل الله، على مورد الهلاك، وسوق لهم جميعا إلى عذاب الجحيم..
قوله تعالى:
«إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ» .
هو استثناء من «المنذرين» فى قوله تعالى: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ» .. أي فلقد أهلكناهم، إلا عباد الله المخلصين، والذين استجابوا لرسل الله، وأخلصوا دينهم لله.. ووقع الفعل على المنذرين جميعا، إذ كانوا هم الكثرة الغالبة الذين أهلكهم الله..
أما المؤمنون، فهم قلة قليلة مستثناة من هذا الطوفان الكبير..
والمخلص: هو من اختاره الله للهدى من بين هذا الركام، وصفّاه من شوائب الضلال الضارب بجرانه على القوم.
الآيات: (٧٥- ٩٨) [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٧٥ الى ٩٨]
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩)
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)
قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)
стр. 4800
التفسير:
قوله تعالى.
«وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ» .
فى هذه الآية والآيات التي بعدها، تفصيل لما أجملته الآيتان السابقتان عليها، وهما قوله تعالى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ» .
فهذا نوح ﵇، قد أرسله الله سبحانه، نذيرا إلى قومه، كما يقول سبحانه: «إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» (١: نوح) .
стр. 4801
ولقد أنذر نوح قومه، وبالغ فى إنذارهم، فلم يستمعوا له، ولم يقبلوا منه قولا.. فلما يئس منهم لجأ إلى ربه شاكيا: «قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً» (٥- ٧: نوح) .
فلما بلغ به اليأس مداه، دعا ربه أن يأخذهم بعاجل ذنوبهم: «وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً» (٢٦- ٢٧: نوح) .
وقد استجاب الله لنوح، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ» أي نادانا نوح مستغيثا بنا، فأجبناه.. فنعم المجيبون نحن، حيث يجد من يجيبه إلى طلبه.. ويمنحه نصرا عزيزا وفتحا مبينا.
فتباركت يا الله وتعاليت.. وخاب من طرق بابا غير بابك، ووجه وجها إلى غير وجهك!.
«وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ» .
معطوف على قوله تعالى: «وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ» أي دعانا نوح، فاستجبنا له، «وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ» أي من البلاء العظيم، الذي أخذ الظالمين، وهو الطوفان!.
«وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ» .
وإذ كان المؤمنون هم أهله، وهم الذين نجوا من هذا الطوفان، فقد كان منهم ذريته التي بقي بها نسله، جيلا بعد جيل..
стр. 4802
«وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ» .
أي وتركنا عليه ثناء طيبا، باقيا فى الأجيال من بعده..
«سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ» .
هو سلام من الله على نوح فى مجتمعات الإنسانية كلها، يردده كل مؤمن بالله، وبرسل الله..
«إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ» .
أي بمثل هذا الجزاء الحسن نجزى أهل الإحسان من عبادنا، الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات..
«ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ» .
أي بعد أن نجينا نوحا ومن معه، أغرقنا الذين حق عليهم القول منّا..
وقدّم نجاة نوح ومن معه، إظهارا للعناية به وبالمؤمنين.. إذ المطلوب أولا هو نجاتهم من هذا الكرب العظم..
هذا، والطوفان الذي أهلك به قوم نوح، ليس طوفانا عامّا شمل الدنيا كلها، وغطى وجه الأرض، كما يذهب إلى ذلك أكثر المفسرين..
وإنما هو- كما قلنا- طوفان إقليمى محدود.. وقد عرضنا لهذا الأمر بالتفصيل فى سورة «هود» ..
وهذا إبراهيم- ﵇ يجىء منذرا قومه..
فيقول سبحانه:
«وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ» .
أي أن من شيعة نوح وأنصاره، والقائمين على دعوته من بعده، إبراهيم
стр. 4803
وشيعة المرء، أولياؤه وأنصاره..
وحسب إبراهيم- ﵇ من شيعة نوح، لأنه كان على الإيمان، بفطرته، فلم تستحب فطرته لعبادة صنم.. فكأنه بهذا كان ممن آمن مع نوح، وركب معه السفينة، وكان من الناجين.. ثم إن إبراهيم قد اعتزل قومه، وتركهم لضلالهم يتخبطون فيه حتى يهلكوا، كما فعل نوح باعتزاله قومه بركوب السفينة تاركا إياهم للبلاء الذي حلّ بهم.. ولهذا كان إبراهيم أمة وحده، كما يقول الله تعالى: «إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (١٢٠: النحل) .
«إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» .
أي أن إبراهيم كان على نهج نوح وطريقته، حين جاء ربه، أي أقبل على ربه «بقلب سليم» أي قلب قد سلم من آفات الشرك والضلال، فلم تعلق بفطرته شائبة، بل ظل على الفطرة التي فطره الله عليها، لم يدخل عليها شىء من غبار الشّرك، الذي كان يسدّ وجه الأرض..
«إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ» - بدل من قول الله تعالى:
«إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» .. أي أن إبراهيم كان شبيها بنوح، حين قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون؟ أي منكرا عليهم تلك المعبودات التي يعبدونها من دون الله.. فهو ونوح على طريق سواء..
«أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ» .
الإفك: الباطل والمفترى من الأمور..
وآلهة: بدل من «إفكا» ..
стр. 4804
والاستفهام إنكارى، أي أتطلبون آلهة من واردات الإفك والافتراء، بدلا من الله رب العالمين؟ أليس ذلك سفها وجهلا، وكفرا؟.
«فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ» .
أي فما معتقدكم فى رب العالمين؟ وما تصوركم له؟ وما حسابه عندكم؟
أهو واحد من آلهتكم تلك؟ أم هو على هيئة ملك أو أمير، أو سيد من ساداتكم؟ ..
«وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ» .
(٢٣: فصلت) .
فالله : «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (١٠٣: الأنعام) .. إن الله- سبحانه- هو مبدع هذا الوجود، وهو القائم عليه، وبيده ملكوت كل شىء.. فكيف تعبدون إلها غيره؟ وكيف ترضون لعقولكم أن تقبل هذه الأحجار آلهة، تتعامل معها، وتتخاضع بين يديها، وتجعلها شريكة لله فى الملك والتدبير؟.
«فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ» .
النظرة التي نظرها إبراهيم فى النجوم، هى، ما أشار إليه سبحانه فى قوله تعالى: «وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ
стр. 4805
وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.. حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
(٧٥- ٧٩: الأنعام) .
وسقم إبراهيم هنا، هو سقم نفسى، لما اعتراه من حيرة خلال تلك التجربة التي عاناها مع هذه الكواكب، التي ظل يرصدها ليلة بعد ليلة، ويرعى مسيرتها، ويتأمل وجهها مشرقة وغاربة.. فإذا أشرق واحد منها لقيه حفيّا به، راجيا أن يكون الوجه الذي يرى فيه ربه الذي يعبده، ثم إذا رآه يغرب خاب ظنه فيه، فنفض يديه منه، كما ينفض المرء يديه من ميت دفنه فى التراب.. وهكذا ظل إبراهيم يستقبل وجوه الكواكب، كوكبا كوكبا، ويدفنها واحدا واحدا، وهكذا أيقن- بفطرته، وتجربته- أن إلهه ليس من عالم المنظور فى الأرض أو فى السماء.. إنه- سبحانه- القوة القائمة على هذا الوجود، والسلطان المتصرف فيه، والإله الذي لا يتحول ولا يتبدل، ولا يقع فى حدود النظر.
وهذه النظرة التي نظر بها إبراهيم إلى النجوم هنا، غير تلك النظرة التي جاء ذكرها فى الآيات السابقة، والتي كانت نظرة متسائلة متطلعة، سأل فيها النجم والقمر والشمس، وإنما كانت نظرته هنا نظرة مذكرة له بما كان منه وهو فى سبيل البحث عن الله، قبل أن تأتيه الرسالة، وكأنه يدعو بهذه النظرة قومه إلى أن يسلكوا الطريق الذي سلك، وأن يهتدوا إلى الله بعقولهم كما اهتدى، إن كانوا يستنكفون من اتباعه، والأخذ بما يدعوهم إليه.. ولكن لم تكن لهم عقول تعقل، ولا آذان تسمع.. فولّوا عنه مدبرين.
وقد أقام أكثر المفسرين تأويلهم، لقوله تعالى: «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ» على أن ذلك النظر كان فى مواجهة قومه، وفى معرض
стр. 4806
حديثه إليهم حين جاء يدعوهم إلى عبادة الله، وترك ما يعبدون من أصنام..
والذي أقام المفسرين على هذا الرأى- فى نظرنا- هو هذا العطف بالفاءات، المتلاحقة.. «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ. فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ. فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ. فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ» .. ولأن فاء العطف تفيد الترتيب والتعقيب- هكذا يقول النحاة- فقد جعلوا هذه الأحداث، حدثا واحدا، يضمها مجلس واحد، ويحتويها ظرف واحد من الزمان، لا تتخلله أحداث!.
ولو نظر المفسرون إلى أبعد من مقررات القواعد النحوية الضيقة، لرأوا أن بين الحدث والحدث هنا أزمانا ممتدة، قد تكون أياما، وقد تكون سنين.. فالتعقيب هنا ليس هو التعقيب الفوري، ولو كان ذلك لكانت رؤية إبراهيم للنجم، وللقمر، وللشمس، فى ليلة واحدة، مع أن هذا غير وارد ولا معقول.. فقد يكون إبراهيم رأى النجم، ورصد تحركاته ليالى كثيرة، ثم تركه وصحب القمر أياما وشهورا.. وكذلك الشمس.. حتى وصل إلى هذا الحكم الذي قضى به فى شأنها جميعا..
قوله تعالى:
«فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ» .
ليس التولّي هنا، بعد نظرة إبراهيم نظرته فى النجوم- كما يذهب إلى ذلك أكثر المفسرين- وإنما كان توليهم عنه هو نهاية المطاف فى دعوته لهم، ومحاجّتهم له.. فقد انتهى الأمر بينه وبين قومه إلى اليأس منهم أن يؤمنوا، وإلى اليأس منه أن يعبد ما يعبدون.. «فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ» .
стр. 4807
قوله تعالى:
«فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ؟ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ؟» .
أي تسلل إلى آلهتهم، ودخل عليها بيتها المعدّ لها، من غير أن يراه أحد.. ثم رأى بين يدى تلك الآلهة كثيرا من صنوف المأكولات والمشروبات، وألوان الهدايا التي كان يتقرب بها القوم إليها، فقال ساخرا هازئا: «أَلا تَأْكُلُونَ» ؟ فلما لم يسمع جوابا قال متابعا سخريته:
«ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ» ؟
قوله تعالى:
«فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ» .
أي فنزل عليهم يضربهم بيده اليمنى، ويحطمهم حطما «فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً.. إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ» (٥٨: الأنبياء) .
والتعبير بقوله تعالى «فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً» بدلا من: فأقبل عليهم ضربا للإشارة إلى أنه كان يفعل ما يفعل فى حذر، وفى غير جلبة، حتى لا يحدث صوتا يكشف للقوم عما يجرى هنا!.
فالروغ، والرّوغان، ضرب من العمل، فى ذكاء وحذر.
وقوله: «بِالْيَمِينِ» إشارة إلى الإرادة القوية التي كان يعمل بها فى تحطيم هذه الأصنام، إذ كانت اليد اليمنى هى القوة العاملة فى تنفيذ هذه الإرادة.
قوله تعالى:
«فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ» .
стр. 4808
أي حين رأى القوم ما حل بآلهتهم، ووقع ما وقع من اضطراب وبلبلة، وانتهى الأمر بينهم إلى أن إبراهيم هو الذي فعل هذه الفعلة بآلهتهم- أقبلوا إليه مسرعين، فى خفة وطيش، ليمسكوا به، وليحاسبوه الحساب العسير على هذا الجرم العظيم! ..
والزفيف: هو الصوت الذي تحدثه النعامة بجناحيها، حين تنطلق مسرعة من وجه خطر يتهددها، فتزّف بجناحيها..
وفى وصف القوم بهذا، تشبيه لهم بالنعامة فى جبنها الذي يطير معه صوابها، حين ترى، أو تتوهم أنها ترى، خطرا، فتنطلق إلى حيث ترمى بها أرجلها، لا إلى حيث يدعوها عقلها، إذ كانت ولا عقل لها، ولا حيلة عندها، حتى إذا دهمها الخطر، دفنت رأسها فى الرمل، وكأنها بذلك قد دخلت مأمنها!! وهكذا القوم فى تصريف أمورهم.. إنهم نعام طائش لا عقل لهم، ولا تدبير عندهم..
قوله تعالى:
«قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ؟» .
وقد كان لقاء القوم لإبراهيم، لقاء عاصفا مزمجرا، كثرت فيه الرميات بالوعيد والتهديد.. وقد ضرب القرآن الكريم هنا صفحا عن كل ما حدث، إذ كان لهذه القصة حديث فى غير موضع منه.. واكتفى القرآن هنا بالإمساك بكلمة الفصل فى هذه القضية:
«أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ؟» .
فهذه هى القضية.. وهذا هو السؤال الذي يحسم الأمر فيها..
стр. 4809
قوله تعالى:
«وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ» ..
أي أن الله خلقكم وخلق الذي تعملون من أصنام وغيرها..
كيف تعبدون ما تنحتون بأيديكم؟ أليس هذا الذي تنحتونه هو من مخلوقات الله؟.
إن هذه الأصنام التي تخلقونها بأيديكم هى من مادة خلقها الله قبل أن تخلقوها.. فكيف تعبدون ما تخلقون؟ أيعبد الخالق ما خلق؟ هذا وضع مقلوب!.
هذا، وقد كثر الخلاف فى تأويل هذه الآية بين المعتزلة والجبرية، وأهل السنة، على اعتبار أن «ما» هنا مصدرية، وعلى هذا يكون المعنى أن الله خلقهم، وخلق أعمالهم..
وقد ترتب على هذا أن قال الجبرية- إن الله خالق أفعال العباد، والله سبحانه لا يخلق القبيح، وعلى هذا فالأفعال كلّها حسنة، ليس فيها قبيح..
وتعددت فى هذا مذاهبهم، واختلفت مقولاتهم..
وقد أنكر المعتزلة هذا التأويل للآية، واعتبروا «ما» موصولة لا مصدرية، وقالوا إن العبد خالق أفعاله، الحسن منها والقبيح.. ففى الأفعال الحسن والقبيح، ومن ينكر هذا فإنما يكابر فى بدهيات الأمور..
وقال «الأشعري» - من أهل السنة، وممثل رأيهم هنا: إن العبد مكتسب أفعاله، والله خالقها!! ..
وهذه قضية استنفدت جهد العلماء.. وليس هنا مجال عرضها، وقد
стр. 4810
عرضنا جانبا من هذه القضية فى مبحث خاص من هذا التفسير تحت عنوان:
«مشيئة الله ومشيئة الإنسان» - كما عرضنا هذه القضية بالتفصيل فى كتابنا.
«القضاء والقدر» ..
وبقي أن نقول إن «ما» فى هذه الآية موصولة لا مصدرية، لأنها لو كانت مصدرية لكان قول إبراهيم لقومه: «وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ» - لكان قوله ذلك حجة عليه لا له..
قوله تعالى:
«قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ» ..
هذا هو الحكم الذي انتهى إليه رأى القوم فى إبراهيم، وهو أن يموت حرقا بالنار، جزاء له على ما فعل بآلهتهم، فليس لمن يفعل هذا إلا أن يلقى هذا العذاب الأليم.. إن إبراهيم كان يحذّرهم نار الآخرة التي يعذب بها الله سبحانه الذين يعبدون هذه الأصنام..
وهاهى ذى الأصنام تعذّب بالنار من يعبد غيرها!! أليست آلهة؟ وأليس للإله أن يعذّب بالنار من يكفر به، ويتعدّى حدوده؟ ..
قوله تعالى:
«فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ» ..
أي أرادوا أن يكيدوا لإبراهيم، وأن يأخذوه بهذا العذاب، فنجى الله إبراهيم من النار- كما نجى نوحا من الطوفان- وجعلهم هم الأسفلين، كما جعل قوم نوح فى قرار الطوفان، وجعل نوحا فوق الطوفان بسفينته..
стр. 4811
الآيات: (٩٩- ١١٣) [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٩٩ الى ١١٣]
وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)
وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨)
سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ» .
لقد نجّى الله إبراهيم من النار، وأغرق قومه فى لجج الكفر والضلال، فتركهم إبراهيم يتخبطون فى هذا البحر اللجّى من الضلال، وقال: «إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ» أي إنى متجه إلى ربى، معتزل إياكم، متخذ دارا غير داركم، وموطنا غير موطنكم.. ولا أدرى إلى أين سأذهب.. ولكنى موقن أن الله سيهدينى إلى خير دار، وأطيب مقام، هذا هو ظنى بربي الذي أعبده وأسلم أمرى له..
стр. 4812
«رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ» وهنا يجد إبراهيم نفسه وحده، بعيدا عن الأهل والوطن.. وقد خلا قلبه من الاشتغال بأمر قومه، فالتفت إلى نفسه، ووجد أن لا ولد له، يؤنسه فى وحدته، ويشد ظهره فى غربته، فسأل ربه أن يرزقه ولدا صالحا، تقربه عينه حين يراه مؤمنا بربه، لا تختلف بينه وبينه السبل، كما اختلفت من قبل بينه وبين أبيه، هو.
«فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ» واستجاب الله لإبراهيم دعاءه، وجاءته البشرى من الله سبحانه بهذا الولد الذي طلبه، وأنه «غلام حليم» .. رزين العقل، راجح الرأى، يستدل بعقله على مواقع الحق فى كل أمر يعرض.. وحسب المرء- كمالا، وصلاحا- أن يكون معه عقل سليم، وإدراك صحيح.. والحلم ضد الجهل..
قال الشاعر.
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنّا إذا ما نجهل
والجهل من واردات العقل السقيم، والإدراك القاصر.
هذا، ولم يرد فى القرآن الكريم أن وصف الله أحدا بالحلم غير إبراهيم، وهذا الولد الذي بشر به، وهو إسماعيل ﵇.. فقال تعالى: «إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ» (٧٥: هود) وهذا يعنى أن هذا الغلام، هو على صورة أبيه إبراهيم، فى كمال عقله، وسلامة إدراكه.
«فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى؟ قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ»
стр. 4813
قيل إن إبراهيم- ﵇ حين تلقى هذه البشرى من ربه، رأى أن يكون شكره لله، على هذا الإحسان، وهذا اللطف، بالمبادرة بالاستجابة لما طلب- رأى أن يكون شكره لله أن يقدم هذا الولد قربانا لله.. وكانت تلك عادة أهل هذا الزمن، فى المبالغة فى التقرب إلى الله..
فلما رزق إبراهيم إسماعيل، وهو على نية التقرب به إلى ربه، متى بلغ مبلغ الرجال- رأى فى منامه وهو على تلك النية التي لم يحدد لها يوما معينا- رأى فى منامه أن يذبح هذا الابن، وكان قد بلغ معه السعى، أي صار قادرا على أن يعمل مع أبيه، وأن يسعى له فى بعض حاجاته.. فعرف إبراهيم من هذه الرؤيا أنها تذكير من الله سبحانه بالوفاء بما نذر، وأن يوم الوفاء قد جاء.. فكان هذا الحديث الذي جرى بين الأب وابنه..
«يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ.. فَانْظُرْ ماذا تَرى؟» إن الأمر أمر الله.. وإن لك فى هذا الأمر مثل الذي لى.. فإن رأيت أن تطيع أمر الله أطعت أنا أمر الله فيك، فما ذبحك بيدي بأقل ابتلاء لى من ابتلائك! فهل أنت مطيع لأمر الله؟ إن الأمر إليك فى هذا.. «فَانْظُرْ ماذا تَرى!» ؟
وماذا يرى الولد- وهو صورة من أبيه- إلا الامتثال لأمر الله، والطاعة المطلقة لحكمه فيه..؟
«قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ. سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ» إنه جواب المؤمن بالله، إيمانا لا يرى معه لنفسه حقّا إلى جانب ما لله فيه من حق.. إنه كلّه ملك لله، وللمالك أن يتصرف كما يشاء فيما ملك..
стр. 4814
قيل: إن قول إسماعيل حين قرن مشيئة لله بما سيكون عليه من صبر مضاف إلى صبر الصابرين- قد كان سببا فى أن وفّاه الله جزاء الصابرين كاملا، فنجاه من هذا البلاء، وفداه بالذبح العظيم، على حين أن موسى ﵇، إذ قرن مشيئة الله بما وعد به العبد الصالح من الصبر، وخص بهذا الصبر نفسه فقال:
«سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً» - لم يعط الصبر الذي ينال به ما طلب من صاحبه، من علم، بل تفرقت بينهما سبل بعد ثلاث مراحل على هذا الطريق الذي سلكاه معا..
قوله تعالى:
«فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» أسلما: أي استسلما لأمر الله، ورضيا حكمه فيهما.
تلّه للجبين: أي طرحه على التلّ: والتلّ: المكان المرتفع، كهضبة أو نحوها.. والجبين. الجبهة.. والمعنى: أنه لما أن امتثل الولد ما دعاه إليه أبوه، وأسلما أمرهما إلى الله، وأسلم وجه ابنه للتلّ، أي وضع وجهه عليه، حتى لا يرى بعينيه عملية ذبحه، ناداه ربّه: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا- لما حدث كلّ هذا، قبلنا نذره، وتقبلنا قربانه، وجزيناه الجزاء الأوفى.. «إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» - أي فمثل هذا الجزاء العظيم نجزى أهل الإحسان..
فجواب «لمّا» فى قوله تعالى: «فَلَمَّا أَسْلَما» محذوف، دلّ عليه قوله تعالى «إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» ..
وعلى هذا يكون قوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا» واقعا فى حيّز «لمّا» وهذا الذي ذهبنا إليه يخالف الرأى الذي عليه المفسرون، وهو أن جواب «لمّا» واقع تقديرا بعد «أسلما» .. ويكون قوله تعالى: «وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ»
стр. 4815
كلام مستأنف، وما بعده معطوف عليه.. أو أن الجواب هو قوله تعالى:
«وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا» وأن «الواو» زائدة!! قوله تعالى:
«إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ» هو تعقيب على هذا الحدث العظيم، وعلى هذا الامتحان الذي امتحن الله به عبدين من عباده المؤمنين..
وفى هذا التعقيب تنويه من الله بهذين النبيين الكريمين، وبوثاقة إيمانهما، وأنهما كانا أهلا لهذا الامتحان العظيم..
قوله تعالى:
«وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» الفداء: هو افتداء شىء بشىء، وإحلاله محلّه فى مقام البذل، والإحسان..
وفى هذا يقول النابغة الذبياني
مهلا فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمّر من مال ومن ولد
والذبح: ما يذبح من الحيوان..
ومن الجزاء الحسن الذي جازى الله به إبراهيم، أنه سبحانه تقبل قربانه إلى الله بولده، دون أن يصاب هذا الولد بسوء.. ثم ضاعف هذا الإحسان بعد أن تولى سبحانه فداء هذا الولد بهذا الذبح العظيم الذي قدمه لإبراهيم.. فإبراهيم أراد أن يقدم قربانا لله، فقدم الله سبحانه له قربانا من فضله وإحسانه. وهذا ما يشير إليه وصف الذبح بأنه عظيم.. لأنه مقدّم من عند الله الذي تقدم إليه القربات!! فما أعظم هذا الإحسان، وما أكرم هذا العطاء، الذي لا يستقلّ بحمده الوجود كله!
стр. 4816
وليس الشأن فى هذا الذّبح، أكان كبشا نزل من الجنة، أو أخذ من الأرض.. وإنما الشأن فى أنه كان رمزا لرضا الله، وتبادله الإحسان مع خليله إبراهيم.
قوله تعالى:
«وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ» .
ومن إحسان الله تعالى على خليله إبراهيم، أن جعل له ذكرا باقيا بعده إلى يوم الدين، وجعل فى ذريته النبوة والكتاب..
قوله تعالى:
«سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ» ..
هو سلام من الله عليه، وسلام من المؤمنين بالله، على من سلّم لله عليه..
وهذا من الذكر الحسن، الباقي على الزمن،. فعلى لسان كل مؤمن، ثناء وسلام على إبراهيم إلى يوم الدين..
قوله تعالى:
«كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» .
أي بمثل هذا الجزاء الحسن، وهو الذكر المتجدد بالثناء، نجزى المحسنين من عبادنا، فنبقى لهم فى الناس ذكرا طيبا، ونجعل فيهم الأسوة الحسنة لكل من يريد الإحسان..
قوله تعالى:
«إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ» ..
هو تعليل لهذا الإحسان العظيم الذي أفاضه على خليله،
стр. 4817
وأن الإيمان بالله، هو الذي سلك به هذا المسلك، ورفعه إلى هذا المقام..
وأن من أراد أن يكون فى عباد الله المحسنين، فليكن أولا من عباد الله المؤمنين.. فإنه لا إحسان إلا على أساس متين من الإيمان..
قوله تعالى:
«وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» ..
أي ومن الجزاء الحسن كذلك لإبراهيم أن بشره الله سبحانه بولد آخر إلى جانب هذا الولد، الذي أراد ذبحه وتقديمه قربانا لله..
قوله تعالى:
«وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ» ..
أي وجعلنا البركة مشتملة عليه وعلى إسحق، وذلك بتكثير نسلهما، وجعل النبوة والكتاب فى ذريتهما..
وفى قوله تعالى: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ» إشارة إلى أن هذه البركة- لا تنال ذريتهما جميعا.. بل ينالها من أراد الله به الخير والإحسان من ذريتهما.. فمن ذريتهما سيكون المؤمن المحسن، ومن ذريتهما سيكون الكافر الظالم.. وهذا ما يشير إليه وصف الظلم بأنه مبين.. إذ أنه لا ظلم أعظم من الكفر والشرك بالله، كما يقول سبحانه:
«إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» «١٣: لقمان» .
وقد يسأل سائل: لماذا لم تكن هذه البركة عامة شاملة فى ذرية هذين النبيين المباركين، إلى يوم الدين؟ ..
والجواب: أن ذلك- لو كان- لرفع التكليف عن كل من ولد
стр. 4818
لهذين النبيين، وعمن ولد لذريتهما، وذرية ذريتهما.. إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها..
وهذا ما لا يدخل على حكمة الله، فيما قضى به فى عباده من ابتلاء.
ليميز الله الخبيث من الطيب.
وهكذا خرج إبراهيم من هذا الابتلاء بهذا الفيض الغدق من فضل الله وإحسانه..
فأولا: حفظ الله سبحانه له ابنه، وعافاه من الذبح..: «يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا» ..
وثانيا: قدم الله سبحانه له قربانا..: «وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» ..
وثالثا: أبقى الله سبحانه له ذكرا حسنا، فى المؤمنين إلى يوم الدين:
«وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ» ..
ورابعا: جعل الله سبحانه الدعاء له بالصلاة والسلام، قربانا يتقرب به المؤمنون إلى الله: «سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ» .
وخامسا: وهب الله له ولدا آخر إلى هذا الولد الذي لم يكن له غيره: «وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» .
وسادسا: بارك الله سبحانه على إبراهيم، وبارك على إسحق تكريما لأبيه وإحسانا إليه..
[من الذبيح؟ إسماعيل أم إسحق؟] وهنا أمر نحب أن نقف عنده، وهو: من الذبيح؟ إسماعيل.. أم إسحق؟ وهو أمر ما كان يجوز أن نثير حوله جدلا، إذ كان- فى
стр. 4819
رأينا- أوضح من أن يجادل فيه، وهو أن الذبيح- على يقين- هو إسماعيل ﵇.
ولكن أصابع اليهود قد لعبت فى هذا النسج المحكم، ونسجت حوله خيوطا من الكذب والتضليل، كان لها تأثير فى تفكير بعض المسلمين، الذين لهم مقامهم فى المسلمين، ومكانتهم فى الإسلام، حتى لقد وقف بعضهم موقف الشكّ والتوقف.. وحتى لقد تجاوز بعضهم هذا، فرجّح القول بأن الذبيح هو «إسحاق» لا «إسماعيل» !!.
ونحبّ أن ننبّه هنا إلى أننا لا نفاضل بين هذين النبيين الكريمين..
فكلاهما، فى مقامه العظيم عند الله، وفى مكانه المكين من قلوب المسلمين جميعا.. فالمسلمون جميعا يختمون كل صلاة بهذا الدعاء: «اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» .. وإسماعيل وإسحاق- ﵉ هما رأس آل إبراهيم، وفرعا شجرتها المباركة.
وإنما الذي يدعونا إلى هذا، هو حمل الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر هذا الحديث، على غير ما ينطلق به مدلول ألفاظها، حتى تستجيب للقول الذي دسه اليهود على المسلمين، بأن إسحق هو الذبيح.. وهذا- فى رأينا- عدوان على القرآن الكريم، يبلغ حد التبديل، وتحريف الكلم عن مواضعه! وقبل أن ننظر فى آيات الله التي تحدث بهذا الحديث، يحسن أن نكشف عن وجه «اليهود» فى هذا المقام، وعن المدخل الذي دخلوا على المسلمين منه..
وقبل أن نواجه اليهود بهذه الفرية التي افتروها، بحسن كذلك أن نذكر ما لليهود من جرأة على الكتاب الذي فى أيديهم، وعلى العبث به، وإلقاء أهوائهم وضلالاتهم عليه، دون تحرج أو تأثم.. وفى هذا يقول الله سبحانه
стр. 4820
وتعالى فيهم: «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» (٧٩: البقرة) ويقول سبحانه فيهم أيضا: «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ، تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً» (٩١: الأنعام) فاليهود- كما وصفهم القرآن- قد بدلوا كثيرا وحرفوا كثيرا فى التوراة، ولم يحترموا كلمة الله، ولم يقفوا عند منطوقها أو مفهومها.. وقد كادوا للإسلام بهذا كثيرا، ورفعوا من التوراة كل ما كان فيها من دلائل وإشارات على بعثة النبي العربي، كما رفعوا منها كثيرا من الأحكام التي جاء الإسلام يدينهم بها كما جاءت فى شريعتهم.. ولم يقفوا عند هذا فى الكيد للإسلام.. بل راحوا يدسون على المسلمين أحاديث ينسبونها إلى رسول الله ﷺ ، ويقيمون لها سندا ينتظم فى سلسلته عددا من الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، وخاصة من كثرت روايات الحديث عنهم كأبى هريرة وابن عباس- رضى الله عنهما- وغيرهما.
وأكثر من هذا، فإن بعضا من اليهود دخل الإسلام، لا عن عقيدة، ولكن ليكيد له.. وقد كشف بعضهم عن ظاهر، انخدع به المسلمون، بما رأوا فيهم من مظاهر الاستقامة، والزهد، والغيرة على الدين، حتى اطمأنوا إليهم، وقبلوا كل ما يأتى من جهتهم..
وحسبنا أن نذكر هنا بولس «الرسول» الذي كان من أشد اليهود عداوة للمسيح- ﵇ وملاحقة له بالأذى، هو وأتباعه.. ثم رأى أن يكيد للمسيحية كيدا أبلغ من هذا، فدخل فى دين المسيحية، ثم ما لبث أن أخذ مكان القيادة فيها، وأصبح الداعية الأول بعد المسيح.. وبهذا أمكنه أن يحدث ما أحدث فى المسيحية من تثليث، لم يكن أحد من أتباع المسيح وحوارييه
стр. 4821
يعرف شيئا عنه.. حتى أن الأناجيل الأربعة المعتمدة الآن- على رغم ما حدث فيها من تحريف- لم تجىء فيها إشارة واحدة إلى ألوهية المسيح، وإلى جعله أحد الأقانيم الثلاثة: الأب والابن وروح القدس.. «١»
نقول هذا لنقيم منه شاهدا على أن هذا النص الذي جاء فى التوراة عن أن إسحق هو الذبيح- هذا النص هو من مفتريات اليهود على الله، ومن تبديلهم لكلمات الله.. ومثل كل مجرم، فى أنه لا بد أن يترك على جريمته أثرا ينمّ عنه، وشاهدا يشهد عليه، مهما اجتهد فى أخذ الحذر والحيطة، ومهما بلغ من مكر وخبث ودهاء، فقد ترك اليهود على هذا النص الذي حرفوه، ما يشير بأكثر من إصبع، وينطق بأكثر من فم، بأنهم كاذبون مفترون! تقول التوراة التي فى أيدى اليهود (فى الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التكوين) : «وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم. فقال له:
«يا إبراهيم، فقال هأنذا.. فقال: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق، واذهب إلى أرض المريّا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال التي أقول لك..»
والتلفيق واضح فى هذا النص، لا يحتاج الكشف عن زيفه إلى اجتهاد، إذ يكاد يكون الحكم على زيفه نصّا منطوقا.. وإنه لا اجتهاد مع النص..
فإذا كان إسحق هو الابن الوحيد لإبراهيم، فلا داعى لأن يحدّده الله له بالاسم، فيقول له: ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق.. وكان يكفى أن يقال له:
ابنك، أو وحيدك، أو إسحق..
ومن جهة أخرى، فإن التوراة تذكر أنه قد ولد لإبراهيم ابن من زوجه هاجر، اسمه إسماعيل، وأنه ولد قبل إسحق بأربعة عشر عاما.. فكيف
стр. 4822
يكون إسحق الابن الوحيد لإبراهيم؟ وهل إسماعيل ليس ابنا لإبراهيم حتى يكون إسحق هو الابن الوحيد له؟ ولو قالت التوراة هذا لما كان هناك تضارب فى أقوالها.. ولكن التوراة تقول عن إسماعيل إنه ابن إبراهيم..
تقول التوراة: «فولدت هاجر لأبرام (إبراهيم) ابنا، ودعا أبرام اسم ابنه الذي ولدته هاجر إسماعيل» (الإصحاح السادس عشر من سفر التكوين) .
وإذا كنا نعذر اليهود فى هذا التقوّل على الله، إذ كان ذلك طبيعة فيهم وشأنا غالبا عليهم، وإذ كانوا إنما يبغون بهذا مصلحة خاصة لهم، وكيدا للإسلام، وتلبيسا على المسلمين.. وإذا كنا نعذر العلماء والدارسين من غير المسلمين، أن يأخذوا بما فى التوراة، مما يخالف القرآن الكريم، وأن يرجحوا نصوصها على نصوص القرآن- فإننا لا نجد وجها للعذر فيما كان من بعض المسلمين- وفيهم العلماء الأعلام- من التوقف فى نصوص القرآن، إزاء هذا النصّ الذي جاءت به التوراة، أو الأخذ به، وإقامة تأويل الآيات القرآنية عليه.. إن ذلك- كما قلنا- يكاد يكون تبديلا لآيات الله، وتحريفا للكلم عن مواضعه..
ومن عجب أن نجد عالما فقيها مفسّرا كالإمام ابن جرير الطبري، يرجّح القول بأن إسحق هو الذبيح.. ومن عجب أيضا أن نجد عالما جليلا، كابن عياض، يذهب إلى هذا المذهب ويقول به، فى كتابه: «الشفا فى التعريف بحقوق المصطفى» .. ومن عجب- ولا عجب- أن نرى رجلا كالجاحظ يجعل هذه المقولة من المسلّمات عنده، فيتحدث فى كتابه البيان والتبيين، عن إسحق، ويضيف إليه تلك الصفة، وهى أنه الذبيح..
وأكثر من هذا، فإن هناك أحاديث كثيرة تنسب إلى أصحاب رسول الله كابن عباس، وابن مسعود وأبى هريرة وغيرهم، وفيها أن إسحق هو الذبيح..
стр. 4823
وفى تفسير ابن كثير مقولات كثيرة فى هذا المقام، تضاف إلى صحابة رسول الله، لتقع من النفوس موقع القبول والتسليم.. وقد فضحها ابن كثير رضى الله عنه، وكشف عن المصدر الذي جاءت منه.. يقول ابن كثير:
«وهذه الأقوال- والله أعلم- كلها مأخوذة عن «كعب الأحبار» فإنه لما أسلم فى الدولة العمريّة، جعل يحدث عمر رضى الله عنه، عن كتبه قديما، فربما استمع له عمر، فترخص الناس فى استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه، غثها وسمينها، وليس لهذه الأمة- والله أعلم- حاجة إلى حرف واحد مما عنده» .
ولا نجد حجة أبلغ ولا أقوى من تلك الحجج الدامغة التي قدمها الإمام ابن تيمية- نضر الله وجهه- فى دفع تلك الفرية، وفضح هذه الدسيسة التي دسها اليهود على هذه الحادثة..
ولا يستمدّ ابن تيمية حججه من نصوص الكتاب الكريم وحده، إذ أن الذين لا يدينون بالإسلام، لا يأخذون أنفسهم بنصوص كتابه، ولهذا يعمد ابن تيمية إلى الواقع التأريخي لإبراهيم وذريته، وللظروف التي عاش فيها مع زوجيه- سارة وهاجر- ومع ولديه- إسماعيل وإسحق..
ويقيم على ذلك شواهد من التوراة نفسها، ثم يعمد إلى هذا النصّ الذي تصرح فيه التوراة بأن إسحق هو الذبيح فيكشف عن زيفه وباطله..
يقول ابن تيمية ﵀.
«وهذا القول- أي القول بأن إسحق هو الذبيح- متلقّى من أهل الكتاب (يعنى اليهود) مع أنه باطل بنصّ كتابهم: فإن فيه: «إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه، بكره» ولا يشكّ أهل الكتاب مع المسلمين أن «إسماعيل» هو بكر أولاده.
стр. 4824
«والذي غرّ أصحاب هذا القول- أي القول بان الذبيح هو إسحق- أن فى التوراة التي بأيديهم: «ادع ابنك إسحاق» .. وهذه زيادة من تحريفهم وكذبهم، لأنها تناقض قوله: «ادع ابنك ووحيدك» .
«ولكن اليهود حسدت بنى إسماعيل على هذا الشرف، وأحبّوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويختاروه لأنفسهم دون العرب، وأبى الله أن يجعل هذا إلّا لأهله..
ثم يمضى ابن تيمية فيقول:
«وكيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحق، والله تعالى، قد بشّر أم إسحق به، وبابنه يعقوب.. فقال تعالى عن الملائكة، إنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: «لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ» (٧٠- ٧١: هود) فمحال أن يبشرها الله بأن يكون لها ولد، ثم يأمر بذبحه؟ .. ولا ريب أن يعقوب ﵇ داخل فى البشارة، فتتناول البشارة إسحق، ويعقوب فى لفظ واحد، وهذا ظاهر الكلام وسياقه..» ؟
يريد ابن تيمية أن يقول هنا، إن البشرى التي تلقتها سارة فى مواجهة إبراهيم، كانت بأن يولد لها ولد، هو إسحق، وأن يولد لإسحق ولد هو يعقوب.. وهذا يقطع بأن إسحق لن يموت حتى يولد له يعقوب.. وهذا يقطع أيضا بألا يكون إسحق هو القربان الذي يتقرب به إبراهيم إلى ربّه..
إذ لا بد- بحكم هذه البشرى- أن يعيش حتى يبلغ مبلغ الرجال، ويتزوج، ويولد له.. فى حين أن الذي يذبح- عادة- يكون غلاما حدثا.. وهذا ما كان فى شأن الولد الذي قدمه إبراهيم للذبح، كما يقول الله تعالى: «فَلَمَّا
стр. 4825
بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ»
.. وهذا يكون فى سن لا تتجاوز العاشرة..
ثم يقول ابن تيمية:
«ويقال أيضا: إن الله سبحانه لمّا ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح فى سورة الصافات قال: «فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ..» ثم قال تعالى: «وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» .. فهذه بشارة من الله تعالى، له، شكرا على صبره على ما أمر به.. وهذا ظاهر جدا فى أن المبشر به غير الأول، بل هو كالنصّ فيه..
«فإن قيل: فالبشارة الثانية وقعت على نبوته.. لمّا صبر الأب على ما أمر به وأسلم الولد لأمر ربه، جازاه الله على ذلك بأن أعطاه النبوّة- قيل: البشارة وقعت على المجموع، على ذاته ووجوده، وأن يكون نبيا، ولهذا نصب «نبيا» على الحال المقدر، أي مقدرا نبوّته، فلا يمكن إخراج البشارة من أن تقع على الأصل، ثم تخصّ بالحال الجارية مجرى الفضيلة.. هذا محال من الكلام.. بل إذا وقعت البشارة على نبوته، فوقوعها على وجوده أولى وأحرى..» .
ثم يمضى ابن تيمية فيقول:
«وأيضا فإن الله ، سمّى الذبيح حليما.. يشير إلى قوله تعالى: «فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ» لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح، طاعة لربه.. ولما ذكر إسحق سماه «عليما» .. فقال تعالى: «وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ» (٢٨: الذاريات) .
стр. 4826
«وأيضا.. فإنهما.. أي إبراهيم وسارة.. بشرا به (يعنى إسحق) على الكبر، واليأس من الولد وهذا بخلاف إسماعيل، فإنه ولد قبل ذلك (كما تصرح بذلك التوراة) ..
هذا بعض ما ساقه ابن تيمية من أدلة على أن إسماعيل هو الذبيح.. وإذا كان لنا أن نضيف إلى هذا شيئا، وهو مستغن بذاته عن كل إضافة..
فإنا نقول:
أولا: إن الله سبحانه ذكر عن إسماعيل قوله: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ، وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا» (٥٤: مريم) .
وصدق الوعد، هو صفة كاشفة لما كان من إمضاء إسماعيل ما وعد به أباه فى قوله: «يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ.. سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ» وقد وجده كما وعد، لم تختلج فيه خالجة تردّد، أو رجوع عن هذا الوعد.
بل مضى به إلى غابتة صابرا، مستسلما لأمر الله، منقادا ليد أبيه، حتى أضجعه مضجع الذّبح، وبدأ يجرى السكّين على رقبته! وقد تكرر فى القرآن وصف إسماعيل بالصير، وجمعه مع الكرام الصابرين من رسل الله، فقال تعالى: «وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ» (٨٢- ٨٥: الأنبياء) هذا، على حين لم يجر القرآن ذكرا خاصا لإسحق، وإنما كان دائما فى سباق الحديث عن ذريّة أبيه من الأنبياء..
فاختصاص إسماعيل بهذا الذكر المنفرد، ووصفه بتلك الصفة التي هى من
стр. 4827
ألزم الصفات لمن يدخل فى هذا الامتحان، ويخرج منه سليما معافى- يقطع بأنه الذبيح.
وثانيا: إسماعيل- ﵇ كان بكر إبراهيم، يشهد بذلك التاريخ، وتحدث به التوراة.. والعادة التي كانت جارية فى التضحية بالأبناء، وتقديمهم قربانا لله- هى أن يكون الولد البكر، هو القربان الذي يتقرب به إلى الله.. ولهذا أضاف اليهود بأيديهم الآثمة وصف «البكر» إلى إسحق مع أنه لم يكن بكرا، وذلك ليسوّدوا وجه الباطل بهذه الفعلة البلهاء، التي كشفت عن زيفهم، إذ ما كان لهم أن يقولوا: إن إسحق هو الذبيح، حتى يكون بكر أبيه، وتلك هى عادتهم التي جروا عليها فى التضحية بالأبناء، كما تحدث بذلك التوراة فى مواضع كثيرة منها.. حيث كان الولد البكر هو المتخير للتضحية، والمنذور للقربان، كما كان الولد البكر، هو الوارث لكل ما كان لأبيه..
وثالثا: أن إسماعيل، كان دعوة مستجابة من الله سبحانه لأبيه إبراهيم، إذ قال: «رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ» فكان أن بشره الله سبحانه بقوله «فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ» .
أما إسحق، فقد كان بشرى غير منتظرة، بشر الله بها امرأة إبراهيم، على يأس من أن يكون لها ولد، إذ يقول الله تعالى: «وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً» (٧١- ٧٢: هود) .
وهذا يعنى أنه لو أراد إبراهيم أن يقدم ابنا من أبنائه قربانا لله، لكان الحقّ يقتضيه أن يقدم الولد الذي طلبه، واستجاب الله له فيه، لا أن يقدم
стр. 4828
الابن الذي وهب الله إياه امرأته.. إن ذلك مما يدخل الضيم على هذه الهبة العظيمة من الله، الواهب المنان.
ولا يعترض على هذا، بأن القرآن الكريم قد ذكر أن الله سبحانه بشر إبراهيم بإسحاق فى قوله تعالى: «وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» .. فإنه إذ كانت البشرى لامرأته بالولد، فإنها فى الوقت نفسه بشرى له.. وخصّت هى بالبشرى، إذ كانت ولا ولد لها، على حين كان لإبراهيم ولد من امرأته «هاجر» وهو إسماعيل..
الآيات: (١١٤- ١٣٢) [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١٤ الى ١٣٢]
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)
وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)
إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)
стр. 4829
التفسير:
قوله تعالى:
«وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ» .
هو استئناف لقصة أخرى من قصص أنبياء الله، وما أفاض عليهم الله ، من جزيل عطاياه، وسابغ أفضاله.. وقد ذكرت الآيات السابقة قصة نوح وإبراهيم..
وهنا فى هذه الآيات تذكر قصة موسى وهرون، ثم قصة إلياس، كما سنرى..
والمنّ: فى الأصل تذكير المحسن للمحسن إليه بالإحسان، فى شىء من الاستعلاء، الذي يجرح العواطف ويؤذى الشعور. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (١٧: الحجرات) .
ومنّ الله على عباده بتذكيرهم بنعمه وإحسانه إليهم- ليس فيه شىء مما يكون بين الناس والناس من منّ.. بل هو الشرف الذي لا ينال، والعزة التي لا تطاول، أن يكون الإنسان بموضع الإحسان من ربه..
إنه إحسان من مالك الإحسان، وفضل من رب الفضل، وجود من صاحب الجود.. فمن أصابه شىء من عطاء ربه وإحسانه، فهو تاج شرف يزين به جبينه، وثوب فخار وعزة يمشى به فى الناس..
فمن يستحى أن يمد يده إلى الله سائلا متضرعا؟
ومن يجد فى صدره حرجا- من أمير أو صغير- أن يسأل رب الأرباب، وسيد الملوك والأمراء؟
стр. 4830
روى أن لبيدا الشاعر، تلقّى من أحد الأمراء عطاء جزلا، وكان قد حرّم على نفسه أن يقول شعرا بعد أن أسلم، فقال لابنته- وكانت شاعرة- أجيبى عنى الأمير، فمدحته بقصيدة ختمتها بقولها:
فعد إنّ الكريم له معاد ... وظنى بابن أروى أن يعودا
فقال لها أبوها أحسنت يا بنية، لولا أنك سألت!! فقالت: إن الملوك لا يستحى من مسألتهم! فقال لها أبوها، وأنت فى هذا أشعر!! فالمنّ إنما يستقبح حين يكون بين الأنداد، أو المتقاربين منزلة..
أما حين يكون المنّ من عظيم لصغير، فهو تنويه به، وهو مدح له، وهو ثناء، عليه..
فقوله تعالى: «وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ» - هو تنويه بشأنهما، ورفع لقدرهما عند الله، وأنهما أهل لفضله وإحسانه..
قوله تعالى:
«وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ» .
الكرب العظيم: هو ما كان فيه بنو إسرائيل من محنة قاسية تحت يد فرعون، كما يقول سبحانه: «وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ» (٣٠- ٣١: الدخان) .
فهذا من منن الله على عبديه، موسى وهرون، وعلى قومهما، إذ نجاهما من هذا البلاء المبين، الذي كانوا فيه تحت يد فرعون.
قوله تعالى:
«وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ» ..
стр. 4831
والنصر والغلب، هو ما كان من نجاة بنى إسرائيل، وغرق فرعون..
إذ كانت هناك معركة قائمة فعلا بين الفريقين.. حيث كان موسى وبنو إسرائيل جادين فى الهرب، وكان فرعون من ورائهما بجنوده يريد اللحاق بهم.. ولو لحق بهم لأهلكهم جميعا.
قوله تعالى:
«وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ» .
المستبين: أي الواضح البين.. وهو التوراة..
وقد نسب الكتاب إلى موسى وهرون، مع أن الكتاب كتاب موسى، لأن هرون كان يبشر فى قومه بهذا الكتاب، وإن لم يكن تلقاه من ربه.!
فهو شريك فى الرسالة، وشريك فى الكتاب بهذا الاعتبار!.
قوله تعالى:
«وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ» .
هذه الآيات، تعدد النعم التي أنعم الله بها على هذين النبيين الكريمين.
وهذا هو جزاء المحسنين من عباد الله.. وقد شرحنا فى آيات سابقة المعاني التي ضمت عليها هذه الآيات..
قوله تعالى:
«وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ؟ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ» .
اختلفت أقوال المفسرين فى إلياس عليه السلام
стр. 4832
والذي لا شك فيه هو أن «إلياس» ﵇ كان معروفا عند العرب، فيما يحدثهم به اليهود عن أنبيائهم..
وإلياس، هو المذكور فى التوراة باسم إيليا بن متى.. وهو من أنبياء بنى إسرائيل، الذين سبقوا زكريا ويحيى ﵉..
وقد كان اليهود، لجفاء طبعهم، وبلادة حسهم، وكلب أنانيتهم- ينظرون إلى الله نظرا قاصرا محدودا، فيرونه إله إسرائيل، لا إله العالمين، ومن ثمّ جعلوه قائد جيوشهم، وسموه «رب الجنود» ثم تمادوا فى هذا التصور الخاطئ لجلال الله وعظمته، فتصوروه رجلا شديد البأس، مثل فرعون الذي كانوا يرون فيه أقصى ما يمكن أن يتصوروا من قوة، حتى لقد امتلأت التوراة بالحديث عن الله، بأنه «رجل حرب» . وحتى إنهم ليتحدثون إليه على لسان أنبيائهم كحديثهم مع واحد منهم..
فكانت دعوة إلياس- ﵇ إلى اليهود، هى أن يصححوا هذا الفهم القاصر الجهول، لله، وأن يقيموا وجوههم إليه على أنه ربّ العالمين! فقوله: «أَتَدْعُونَ بَعْلًا؟» إنكار عليهم أن يدعوا الله بعلا.. والبعل هو الرجل، كما فى قوله تعالى: «أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً؟ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ» (٧٢: هود) .
وقوله: «وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ» ؟
أي أتدعون الله رجلا، وتلبسونه صفات الرجال، وتتركون دعوته بالصفات اللائقة به، وهو أحسن الخالقين، ورب العالمين؟.
قوله تعالى:
«فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ» .
стр. 4833
أي أنّهم إذ لم يأخذوا بنصحه، ولم يقبلوا ما دعاهم إليه من تصحيح معتقدهم فى الله- «فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ» أي فهم لهذا سيساقون إلى الحساب والجزاء بين يدى الله يوم القيامة، وسيجزون جزاء المكذبين الضالين..
«إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ» ويستثنى من هذا الجزاء عباد الله الذين أخلصوا دينهم لله، ولم يلبسوا إيمانهم بالضلالات والأباطيل..
قوله تعالى:
«وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ. إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ» .
مضى تفسير أمثال هذه الآيات.
والياسين: هو إلياس الذي جاء ذكره فى قوله تعالى: «وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ» .
الآيات: (١٣٣- ١٤٨) [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١٣٣ الى ١٤٨]
وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)
وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)
فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)
فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)
стр. 4834
التفسير:
قوله تعالى:
«وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ» الظرف «إذ» هو قيد لنجاة لوط وأهله بسبب أنه كان من المرسلين، الذين اختارهم الله لحمل الله رسالته إلى عباده، فدخل بهذا فى الحكم الذي تضمنه قوله تعالى: «إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ» (٥١: غافر) .
وقوله تعالى: «إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ» - إشارة إلى امرأة لوط، التي كانت من الضالين، الذين لم يستجيبوا لدعوته، فأهلكها الله فيمن أهلك من قوم لوط، وقد ضربها الله مثلا لنبتة السوء تنبت فى الأرض الطيّبة، فقال تعالى فيها وفى امرأة نوح: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ» (١٠: التحريم) .
والعابرون: هم من عبروا، وهلكوا، وعلتهم غيرة التراب. وقوله تعالى:
«ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ»
- إشارة إلى قوم لوط الذين أهلكهم الله، بعد أن نجّى لوطا وأهله، إلا امرأته، التي هلكت مع الهالكين
стр. 4835
قوله تعالى:
«وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ» .
الخطاب للمشركين من قريش، وأنهم يمرون على أطلال هؤلاء القوم الهالكين، ويرون ما حل بهم من غضب الله ونقمته.. يرون ذلك فى وضح النهار، ويرونه بالليل، وذلك فى طريق تجاراتهم إلى الشام..
وفى قيد المرور بالصباح وبالليل، إشارة إلى أن آثار القوم الهالكين قائمة فى مكانها، يراها كل من يمر بها فى أي وقت.. إنها فى معرض النظر دائما..
وفى هذا تهديد لهؤلاء المشركين، أن يفعل الله بهم ما فعل بإخوان لهم من قبل، خالفوا رسولهم، وكذبوه، وتهددوه بالأذى.. فلو أنه كان لهؤلاء المشركين عقول، لكان لهم فى مصارع الظالمين عبرة ومزدجر! قوله تعالى:
«وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ» .
يونس- ﵇ هو نبى من أنبياء الله، ورسول من رسله إلى قرية من قرى الشام، اسمها «نينوى» .
وهو إذ أبق إلى الفلك المشحون، كان من المرسلين، أي لم تنزع عنه صفة الرسالة.
وأبق: أي هرب، وهروبه كان من الرسالة التي حملها إلى قومه، حيث لم يصبر طويلا على أذاهم، فسمى آبقا، أي هاربا، كما يأبق العبد من سيده. وسيد يونس، هو الله ..