← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

إنها صنعة الله، وفى ملكه.. ولكنه- سبحانه- قد ملّكهم الله إياها، وأقدرهم على تسخيرها، والانتفاع بها.. «وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ» أي أنه لولا أن ذللها الله لهم، وجعلها فى خدمتهم، لما قدروا عليها، ولما أمسكوا بها.. إذ كانت أقوى قوّة منهم.. ولو شاء الله لجعلها فى طبائع الحيوانات المفترسة، التي لا تألف الناس، ولا يألفها الناس.. فلا يكون لهم منها نفع أبدا.. «وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ» - أي أن فى هذه الأنعام منافع كثيرة لهم.. يركبونها، ويحملون عليها أمتعتهم، ويأكلون لحومها، ويشربون ألبانها، ويتخذون من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها أثاثا ومتاعا.. أفلا يشكرون الله على ذلك؟ قوله تعالى: «وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ» . هو عطف حدث على حدث.. وبين الحدثين تغاير كبير، وتفاوت بعيد، والشأن بين المتعاطفين أن يتقاربا، ويتجاوبا.. ولكن فى هذا العطف فضح لضلال المشركين، وانحرافهم هذا الانحراف الحادّ، عن الطريق السوىّ.. حيث يقابلون الإحسان بالكفران. فالله يفضل عليهم بهذه النعم، خلقا، وتسخيرا، وتذليلا.. وهم يكفرون به، ويحادّونه، ويتخذون من دونه آلهة.. فما أبعد ما بين الإحسان والكفران!. وقوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ» بيان للغاية التي يقصد إليها المشركون من اتخاذ هذه الآلهة من دون الله.. إنهم يرجون من وراء ذلك الاستعانة

стр. 4762

بها على ما يغلبهم من شئون الحياة، وما يلقاهم على طريقها من عقبات.. وهيهات.. ضعف الطالب والمطلوب..! قوله تعالى: «لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ» . هو ردّ على معتقد المشركين فى آلهتهم.. فهؤلاء الآلهة الذين اتخذوهم من دون الله معبودين لهم، يرجون منهم نصرا- هؤلاء الآلهة لا يستطيعون لهم نصرا، بل وأكثر من هذا، فإن آلهتهم هذه، محتاجة إلى من يحرسها، ويدفع عنها يد المعتدين.. وهؤلاء المشركون هم أنفسهم، جند محضرون، يقومون على حماية هذه الآلهة، وحراستها، وحراسة ما تزيّن من به حلىّ، وما يلقى عليها من ملابس.. - فقوله تعالى: «وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ» - الضمير «هم» يعود إلى المشركين، وفى قوله تعالى: «مُحْضَرُونَ» - إشارة إلى أن هناك قوى مسلطة على هؤلاء المشركين، تجعل منهم جندا لخدمة هذه الآلهة.. وهذه القوى هى تلك المشاعر المتولدة من معتقدهم الفاسد، وتصورهم المريض، حيث تسوقهم هذه المشاعر الضالة، سوقا، إلى التزلّف لهذه الدّمى، والولاء الأعمى لها.. «فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ.. إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ» . هو عزاء كريم، للنبى الكريم، من ربّ كريم، مما يرميه به قومه من يذىء القول وساقطه.. «فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ» هذا الذي يقولونه عنك، من أنك كاذب، وشاعر، ومجنون، ولا يحزنك ما يقولونه فى آلهتهم، وأنها شفعاء لهم من دون الله..

стр. 4763

- وفى قوله تعالى: «إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ» .. تهديد للمشركين، ووعيد لهم بالحساب الشديد، والعذاب الأليم، فالله سبحانه يعلم ما يسرون وما يعلنون، من كفر، وضلال، وبهتان، وهو سبحانه محاسبهم ومجازيهم عليه.. قوله تعالى: «أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ» . هو مراجعة لهؤلاء المشركين، وتنبيه لهم من هذه الغفلة المستولية عليهم.. وفى هذا الاستفهام التقريرى الموجه إلى الإنسان على إطلاقه- دعوة إلى كل إنسان أن ينظر فى نفسه، وأن يمد بصره، إلى نقطة الابتداء فى حياته، ثم ليسير مع نقطة الابتداء هذه فى الطريق الذي سلكه، حتى صار هذا الإنسان، الذي يجادل، ويخاصم، ويقف من الله موقف المحادّ المحارب!. ألم يكن هذا الإنسان نطفة؟ .. إنه لو نظر الإنسان فيها لأنكر نفسه، وما وقع فى تصوره أنه كان جرثومة من آلاف الجراثيم السابحة فى هذه النطفة.. وأين تلك النطفة أو هذه الجرثومة العالقة بالنطفة- أين هى من هذا الإنسان، الذي أبدعته يد القدرة هذا الإبداع العظيم الحكيم؟ ألا ما أضأل شأن الإنسان، وما أعظمه! ما أضأله نطفة، وما أعظمه رجلا.. ما أضأله ضالا ضائعا، كضلال هذه النطفة وضياعها.. وما أعظمه إنسانا رشيدا، عاقلا مؤمنا، فى ثوب الإنسانية الرشيدة العاقلة المؤمنة!. قوله تعالى: «وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» .

стр. 4764

هو عطف حدث على حدث، عطف خلق الله سبحانه الإنسان من نطفة، ثم قيام إنسان من هذه النطفة يجادل الله، ويختصمه، ويضرب له الأمثال، احتجاجا وحجة!. ففاعل الفعل «ضرب» يعود إلى هذا الإنسان الخصيم المبين، الذي تولد من النطفة!. إنه لم يقف عند هذه الدعوة التي دعاه الله بها إلى أن ينظر فى خلقه، وأن يعرف من أين جاء، وكيف كان، ثم كيف صار- لم يقف عند هذه الدعوة، بل أقبل يحاجّ الله ويجادله، ويضرب الأمثال له.. «إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» (٣٤: إبراهيم) .. والمثل الذي ضربه هذا الكافر، ليدلل به على معتقده الفاسد، فى إنكار البعث- هذا المثل، هو أنه نظر فى هذه العظام البالية التي يراها فى قبور الموتى، ثم اتخذ منها معرضا يعرضه على الناس، ويسألهم هذا السؤال الإنكارى الساخر: «مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» ؟ أهذه العظام التي أبلاها البلى تعود ثانية كما كانت، ويتشكل منها أصحابها الذين كانوا يحيون بها فى الحياة؟ أهذا معقول؟ إن محمدا يقول هذا..فماذا تقولون أنتم أيها الناس فيمن يقول هذا القول؟ ألا ترجمونه؟ ألا تسخرون من جنونه؟. وقوله تعالى: «وَنَسِيَ خَلْقَهُ» جملة حالية، أي أن هذا الكافر ضرب هذا المثل ناسيا خلقه، ولو ذكر خلقه وكيف كان بدؤه، ثم كيف صار- لرأى بعينيه- قبل أن يرى بعقله- إن كان له عقل- أن هذه النطفة التي أقامت منه هذا الإنسان الخصيم المبين، هى أقل من العظام شأنا، وأبعد منها عن مظنّة الحياة. إذ كانت النطفة لا تعدو- فى مرأى العين- أن تكون نقطة ماء قذرة

стр. 4765

أشبه بالمخاط.. أما العظام فهى تمثل حياة كاملة، كانت تسكن فى تلك العظام- إنها عاشت فعلا حياة كاملة، وكان منها إنسان كامل، كهذا الإنسان، الذي يجادل، ويضرب الأمثال لله.. فهذه العظام، تمثل حياة لها تاريخ معروف.. أما النطفة، فلا ترى عين هذا الجهول فيها أثرا للحياة. قوله تعالى: «قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» . هو الرد المفحم على هذا السؤال الإنكارى.. «مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» ؟ إن الذي يحييها، هو الذي أنشأها أول مرة.. لقد أنشأ هذه العظام من نطفة، وألبسها الحياة، ثم أماتها.. ثم هو الذي يحييها.. إنه إعادة لشىء كان بعد أن لم يكن، وإعادة بناء الشيء، أهون- فى حسابنا- من ابتداعه، واختراعه أصلا.. وفى قوله تعالى: «وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» - إشارة إلى علم الله المحيط بكل شىء، ومن كان هذا علمه فلن يعجزه شىء.. فبالعلم استطاع الإنسان أن يحرك الجماد، وينطقه، وبالعلم استطاع أن ينقل الأصوات، وصور المرئيات من طرف الأرض إلى طرفها الآخر فى لحظة عين، أو خفقة قلب.. وبالعلم يستطيع الإنسان أن يفعل الكثير، مما تعدّ هذه الأشياء من نوافل علمه.. فكيف بعلم الله الذي وسع كل شىء؟ أيعجزه شىء؟ إن من يعجز عن أي شىء لا يستحق أن يضاف إليه العلم كله.. إذ لو كان معه العلم كله لما أعجزه شىء؟ والله : «بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (٢٩: البقرة) .. قوله تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ» . هذه بعض آيات من علم الله.. إنه سبحانه خلق الشجر، وقد امتلأ

стр. 4766

كيانه بالماء يجرى فى أصوله، وفروعه وأوراقه.. ثم جعل من طبيعة هذا الشجر أن يجفّ، وأن يقبل الاحتراق، وإذا هو فى النار، قطع من الجمر! فأين هذا الشجر الأخضر، من هذا الجمر الملتهب؟ وكما يخرج الله سبحانه النار من الماء، يخرج سبحانه الميت من الحىّ، ويخرج الحىّ من الميت.. هذه صورة من الإبداع فى الخلق، لا تحتاج فى وضوحها إلى علم، وتجربة، وإنما بحسب الإنسان- أي إنسان.. أن يقف قليلا بنظره عندها، فيرى آيات بينات، من علم الله وقدرته.. قوله تعالى: «أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ؟ بَلى. وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ» .. وصورة أخرى للدلالة على قدرة الله سبحانه.. هى هذه السموات والأرض.. من خلقها؟ إنه الله سبحانه، بإقرار الكافرين والمشركين أنفسهم.. إنهم لا يعرفون لهما خالقا غيره.. كما يقول : «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» (٢٥: لقمان) . وهنا سؤال: أليس الذي خلق السموات والأرض قادرا على أن يخلق سموات كهذه السموات وأرضا كهذه الأرض؟ وبديهية المنطق تقول: إن ذلك ممكن.. فمن صنع شيئا قادرا على أن يصنع أشياء مثله، لا شيئا واحدا. ولهذا جاء الجواب عن هذا السؤال: «بلى» أي بلى قادر.. «وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ» .. الخلّاق، الذي يزيد فى الخلق ما يشاء «العليم» الذي لا يعجزه شىء! قوله تعالى: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» .

стр. 4767

أي إنما شأنه سبحانه فى الخلق، أن يريد، فيقع ما يريد.. بلا معاناة ولا بحث.. إنه سبحانه يقول للشىء الذي يريد إيجاده «كن» فيكون كما أراد.. فبالكلمة خلق الله كل شىء.. إن الكلمة: «كن» هى مظهر إرادة الله. والموجودات هى مظاهر كلمات الله.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» (١٠٩: الكهف) . قوله تعالى: «فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» . فتسبيحا لله، وتنزيها له، وإجلالا لجلاله- سبحانه- «بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ» أي ملك كل شىء، ملكا متمكنا، مستوليا على كل ذرة فيه.. والملكوت: مبالغة فى الملك، بالاستيلاء عليه استيلاء مطلقا، يمسك بكل ذرة، وبكل ما دون الذرة منه. وفى قوله تعالى: «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» تقرير للبعث، وتأكيد له.. وأنه ما دام بيد الله ملكوت كل شىء والناس من أشياء هذا الوجود الذي هو ملك لله، فإنهم لا بد راجعون إلى الله. وإلى أين يذهب الناس بعد الموت إذا لم يرجعوا إلى الله؟ إنهم إذا لم يرجعوا إليه فليسوا إذن فى ملكه.. وليس هناك شىء غير مملوك لله، وهو «الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ» «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» . (٥٤: الأعراف)

стр. 4768

٣٧- سورة الصافّات نزولها: مكية.. باتفاق عدد آياتها: مائة واثنتان وثمانون آية.. عدد كلماتها: ثمانمائة واثنتان وستون.. كلمة عدد حروفها: ثلاثة آلاف وثمانمائة وستة وعشرون حرفا. مناسبتها لما قبلها ختمت سورة «يس» بقوله تعالى: «فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» . وبدئت سورة الصافات بهذا القسم الذي يقسم به- سبحانه- على تلك الحقيقة، وهى وحدانية الألوهية، التي هى من مقتضى ملكية الله لكلّ شىء.. فإذا كان الله هو مالك لكل شىء، كان من مقتضى هذا أن ينفرد بالألوهية، وألا يشاركه فى هذا الوجود أحد، وإلا كانت ملكينه له غير تامة.. وأما وملكيته سبحانه ملكية مطلقة لهذا الوجود، فهو- وحده سبحانه- صاحب الأمر فيه، وإليه وحده يكون ولاء كل موجود. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الآيات: (١- ١٠) [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١ الى ١٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)

стр. 4769

قوله تعالى: «وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فَالتَّالِياتِ ذِكْراً» . اختلف فى المراد بالصافات.. فقيل هم الملائكة باعتبارهم جماعات وفرقا.. وقيل هم جماعات المؤمنين، الصّافين فى الصلاة.. بمعنى أنهم قائمون صفوفا ساجية ساكنة، خاشعة فى الصلاة.. وقيل هى جماعات الطير تسبح فى جوّ السماء صافة أجنحتها، أي باسطة لها من غير حركة، وأن الزاجرات هى جماعة الملائكة التي تنزل بالمهلكات، وأن التاليات ذكرا، هن جماعات المؤمنين فى الصلاة.. وعلى هذا التأويل يكون القسم بثلاثة أصناف، لا بصنف واحد، له ثلاثة أوصاف.. والذي يقول بأن الصافات هم جماعة الملائكة، يقول كذلك إن الزاجرات، والتاليات هم جماعات الملائكة فى أحوال غير أحوالهم وهم صافّون، أو هم جماعات غير تلك الجماعة الصافة.. فالزاجرات زجرا، هى جماعات الملائكة التي تحمل نذر الهلاك إلى المكذبين بالله، والتاليات ذكرا، هى جماعات الملائكة التي تحمل إلى رسل الله آياته وكلماته.. والذي يقول إن المراد بالصافات صفّا، هم جماعة المؤمنين فى مواقف الصلاة- يقول إن الزاجرات زجرا، هنّ الآيات التي يتلوها المصلون فى صلاة الجهر، والتاليات ذكرا هن الآيات التي تتلى فى صلاة السرّ.. والذي نرجحه من هذه الآراء هو- والله أعلم- القول بأن هذه الأوصاف هى للملائكة.. وذلك:

стр. 4770

أولا: أن الله سبحانه ذكر فى أول سورة «فاطر» قوله: «الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ» .. وفى هذا إشارة إلى أن الملائكة يصفّون كما تصف الطير بأجنحتها. وثانيا: أن الله سبحانه ذكر فى آخر هذه السورة «الصافات» قول الملائكة: «وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ» . (١٦٥- ١٦٦) والقرآن الكريم يفسر بعضه بعضا، وتقوم دلالات بعض آياته شواهد على بعض.. فالصافات صفّا، جماعات الملائكة، الذين يصفون أجنحتهم فى ولاء وخشوع دائم، وفى عبادة متصلة لله رب العالمين.. والزاجرات زجرا.. جماعات من الملائكة، يسلطهم الله على أعدائه فى الدنيا والآخرة، يرجمونهم بالمهلكات.. والتاليات ذكرا، جماعات من الملائكة، هم حملة كلمات الله إلى عباده.. يتلونها على رسله، لينذروا بها أقوامهم.. قوله تعالى: «إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ» .. هو جواب القسم، «والصافات» ، وهو يقرر هذه الحقيقة ويؤكدها،.. تلك الحقيقة التي يشهد بها كل موجود، وهى أن إله الموجودات جميعها، إله واحد، هو الذي أوجدها، وهو الذي قام بسلطانه عليها.. قوله تعالى: «رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ» . فهذا الإله الواحد، هو رب السموات والأرض، وما بين السموات

стр. 4771

والأرض، وما فى السموات والأرض.. إنه ربّ كلّ شىء وبيده ملكوت كل شىء، وله الحكم، وإليه يرجع الأمر كله.. وهو رب المشارق.. والمشارق، يمكن أن يكون معناها، المنازل التي تنزلها الشمس فى شروقها.. فهى تطلع كل يوم من مطلع غير الذي طلعت منه، على مدار السنة.. وكذلك الشأن فى مغربها.. كما هو معروف فى علم الفلك، وكما هو ظاهر للعين من مطلع الشمس ومشرقها فى الفصول الأربعة، وفى فصلى الصيف والشتاء بخاصة.. ويمكن أن تكون المشارق، والمغارب مشارق الأرض ومغاربها، أي جهة الشرق والغرب فيها،. ويكون المراد بذلك، هو لفت الأنظار إلى اتساع آفاق الأرض، وأنه كلما اتجه الإنسان فى هذين الاتجاهين- الشرق والغرب- وجد مشارق ومغارب، وقد أصبح الشرق اليوم- فى التقسيم السياسى والجغرافى للعالم- شرقا أدنى، وشرقا أوسط، وشرقا أقصى.. وإلى هذا المعنى- وهو اتساع آفاق الأرض- يشير قوله تعالى: «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها» (١٣٧: الأعراف) . وقد جاء فى القرآن الكريم: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ» (١٧: الرحمن) وجاء فى القرآن الكريم كذلك: «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» (٩: المزمل) .. وعلى كلا المعنيين يمكن أن يحمل تأويل كل من الآيتين.. وهذا ظاهر.. واختص المشارق بالذكر، لأنها هى مطلع النور، ومن الشرق تطلع الشمس، التي هى مصدر النور، والدفء والحياة!. قوله تعالى: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ» .

стр. 4772

الكواكب: بدل من زينة.. والتقدير إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب.. والكواكب، جمع كوكب.. والكواكب غير النجوم فى اصطلاح علماء الفلك.. إذ أن الكواكب متحركة تدور حول النجوم، على حين أن النجوم ثابتة تدور حول نفسها.. وكل نجم له مجموعة كواكب تدور حوله.. كالشمس، والكواكب السيارة التي تدور حولها، ومنها الأرض والقمر، والمشرق وزحل، والمريخ، وعطارد، والزهرة.. والسماء الدنيا، هى أقرب السموات إلينا، وأدناها من عالمنا الأرضى، وهى هذه السماء التي تطل علينا منها الشمس، والقمر، والنجوم.. وهناك سموات أخرى فوق هذه السماء، لم يبلغها علمنا، ولا تصل إليها أدوات الرصد التي نرصد بها ما فى السماء الدنيا من كواكب ونجوم.. وأن هذه السماء الدنيا، وما فيها من نجوم يصل ضوءها إلى الأرض فى أكثر من مليون سنة ضوئية- هذه السماء وما فيها من نجوم وكواكب، ليست إلا سطرا فى كتاب الوجود الذي لا نهاية له.. فما أعظم قدرة الخالق، وما أروع ما أبدع وصور..! وما أضأل شأن هذا الإنسان، وما أصغر قدره إلى هذه الوجود العظيم، الذي لا يعدو أن يكون هذا الإنسان فيه، هباءة سابحة فى الهواء، لا تراها عين، ولا تمسك بها يد.. لقد طارت الإنسانية طربا، واهتزت زهوا وغرورا، أن وصلت بمراكبها إلى القمر، وأن مشت بأقدامها فوقه!!. وما القمر هذا؟ وما مكانه فى هذا الوجود؟ إنه ليس إلا ذرة من رمل فى السماء الدنيا! فكيف بالقمر هذا فى مواجهة الوجود كله، وسمواته جميعها؟ إن الإنسان لم يقطع من صفحة السماء الدنيا، فى رحلته هذه إلى القمر، إلا كما تقطع النملة رحلة العمر، من جذر شجرة إلى ورقة من أوراقها! إنه انتصار للنملة

стр. 4773

لا شك، ولكنه نصر محسوب بحسابها، مقدور بقدرها.. قوله تعالى: «وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ» - معطوف على قوله تعالى زينا، أي زيناها بالكواكب وحفظناها حفظا من كل شيطان مارد. والمارد، والمريد، هو المجرد من كل خير.. وشجرة مرداء، لا ورق ولا ثمر عليها.. قوله تعالى: «لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ» . أي إن هؤلاء الشياطين المردة، وقد حفظت السماء من أن يقربوا منها، أو يطوفوا بها- لا يستطيعون أن يصغوا إلى الملأ الأعلى، وما يجرى فيه، فإذا حاولوا ذلك قذفوا من كل جانب بالشهب، ورموا من كل مكان بالرجوم، فيرجعون مدحورين مقهورين، لم يحصلوا على شىء.. «وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ» أي خالص وتام، كما فى قوله تعالى: «وَلَهُ الدِّينُ واصِباً» (٢٥: النحل) . قوله تعالى: «إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ» - هو استثناء من الفاعل فى قوله تعالى «لا يَسَّمَّعُونَ» .. أي إن هؤلاء الشياطين لا يسمعون إلى الملأ الأعلى إلا خطفا من بعضهم، ممن يلقى بنفسه منهم فى سبيل ذلك إلى التهلكة، حيث يرمى بشهاب راصد لكل من حام حول هذا الحمى..

стр. 4774

ويسّمّعون: أصله يتسمعون.. وقد ضمن معنى الفعل يصغون أو يدنون، ولهذا عدّى بحرف الجر «إلى» .. أي لا يستطيعون أن يتسمعوا إلى الملأ الأعلى، وهم فى إصغاء شديد حالة التسمع. والآية الكريمة، ترد على المشركين معتقدهم الفاسد، فى أن الشياطين يعلمون الغيب، وأنهم يتلقون ذلك باتصالهم بالملأ الأعلى، واستماعهم إلى ما يدور بين الملائكة هناك، مما يتصل بالعالم الأرضى، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً» .. (٦: الجن) .. والحديث عن الجن والشياطين، وإن كان ينكره الماديون، ويعدّونه ضربا من الخرافات، قد أصبح اليوم من مقررات العلم الذي يقوم على التجربة والاختبار، حتى إن كثيرا من الماديين الذين كانو ينكرون عالم «الروح» لم يجدوا أمام الشواهد الكثيرة الملموسة، إلا أن يعترفوا به.. ولسوف يكشف العلم لهم يوما أن الجن والشياطين، هى من تلك الأرواح التي تسكن هذا العالم الأرضى، وتعيش مع الإنسان فيه.. فهذا مما تحدث به القرآن، وما حديث القرآن إلا الحقّ المطلق، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. الآيات: (١١- ٢٦) [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ١١ الى ٢٦] فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)

стр. 4775

التفسير: قوله تعالى: «فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ» . الحديث هنا إلى المشركين.. والحديث إليهم هو لطلب الجواب منهم على هذا السؤال، وهو: أهم أشد خلقا أم من خلق الله فى السموات والأرض، من ملائكة وإنس وجن وشياطين؟ إنهم قد اتخذوا الشياطين أولياء، ينصرونهم من دون الله، كما اتخذوا الملائكة شفعاء لهم عند الله.. وهذا يعنى أنهم يضعون أنفسهم فى منزلة التابع للسيد، والعبد للرب.. وهؤلاء المخلوقون، من جن وملائكة، هم عبيد لله، وقد خلقهم، وإنّ من يخرج منهم عن واجب الولاء والعبودية، يلقى عذابا ونكالا فى الدنيا والآخرة، كما فعل ذلك بالجن الذين أرادوا التسمّع إلى الملأ الأعلى، فرماهم الله بالصواعق المهلكة، وأعد لهم فى الآخرة عذابا أليما.. وإذن فهؤلاء المشركون ليسوا أشدّ من الجن بأسا، ولا أقوى قوة، وإنه ليس يعصمهم عاصم من بأس الله إن جاءهم..

стр. 4776

- وفى قوله تعالى «فاستفتهم» بدلا من «فاسألهم» - إشارة إلى أن الأمر الذي يسألون فيه ليس امتحانا لهم.. وإنما هو مجرد طلب الرأى فيه، وكأنه أمر لا شأن لهم به، وفى هذا دعوة لهم إلى أن يقولوا الحق فيما يستفتون فيه، وألا يميلوا مع هواهم، إذ لا مصلحة لهم- فى ظاهر الأمر- فى أن يقولوا غير الحق، فى أمر لا شأن لهم فيه..! وهذا إعجاز من إعجاز القرآن، فى الإمساك بمقود الضالين المتكبرين المعاندين، بهذا الأسلوب الحكيم، الذي يستأنس نفار هذه النفوس الوحشية!. - وقوله تعالى: «إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ» .. الطين اللازب، هو اللزج، وهو الزبد الذي يتكون على شواطىء البحار والأنهار.. فهذه هى مادة خلق الإنسان.. حيث تطوّر هذا الطين وتنقل فى أطوار كثيرة، ومراحل شتى.. من النبات، إلى الحيوان، إلى الإنسان.. وقد أشرنا إلى هذا فى مبحث خاص، من الكتاب الأول فى هذا التفسير «سورة البقرة» أما الجن، فقد خلق من النار.. والنار- فى ظاهر الأمر- أفوى من الطين قوة، وأشد أثرا.. قوله تعالى: «بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ» . الخطاب للنبىّ ﷺ ، الذي استفتاهم- كما أمره الله سبحانه- بقوله: «فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً» .. وعجب النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- هو من أن يستفتى قوما

стр. 4777

لا يؤمنون بالله، ولا يستمعون لرسوله.. فكيف يستفتيهم؟ وكيف يتلقّى كلمة الحق منهم، وهم لم يقولوا الحق أبدا؟. وعجب النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- ليس إنكارا- وحاشاه- لأمر ربه، وإنما هى مشاعر تقع فى نفسه- صلوات الله وسلامه عليه- من هذا الموقف الذي يلقى فيه المشركين مستفتيا.. إنه أمر عجيب.. ولكنه أمر الله! .. - وقوله تعالى: «ويسخرون» .. هو معطوف على قوله تعالى: «عجبت» . فقد كان من النبي- صلوات الله وسلامه عليه- من هذا الموقف، عجب، وكان من المشركين سخرية!! إن هؤلاء الضالين، وقد دعوا إلى أن يجلسوا مجلس الفتيا، وهم ليسوا أهلا لها، حتى لقد عجب النبىّ من أن يدعى المشركون إلى هذا المقام- هؤلاء الضالون لم يقبلوا هذه الكرامة، وأبوا إلا أن يكونوا فى ملعب الصبيان يصخبون، ويسخرون! - وقوله تعالى: «وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ» معطوف على قوله تعالى «ويسخرون» أي ومن صفات المشركين وأحوالهم، أنهم إذا جاءهم من يذكرهم بما هم فيه من ضلال، لا يتذكرون، ولا يقبلون نصحا.. - وقوله تعالى: «وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ» ومن صفاتهم كذلك أنهم إذا رأوا آية من آيات الله الكونية، أو سمعوا آية من آياته القرآنية، «يستسخرون» أي يبالغون فى السخرية، ويستكثرون منها، ويجتمعون جماعات على مجالسها.. وفى قوله تعالى: «وَإِذا رَأَوْا آيَةً» - إشارة إلى تلك الآيات التي عرضتها

стр. 4778

الآيات السابقة.. مثل قوله تعالى: «رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ.. إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ.. وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ.. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ.. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ» .. فهذه كلها آيات كونية، يرى فيها ذوو الأبصار دلائل ناطقة بقدرة الله، وبسطة سلطانه.. ولكن المشركين يتخذون منها مادة للهزء والاستسخار!. قوله تعالى: «وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» .. الإشارة هنا إلى أمر البعث، وما حدّثوا به من منكر القول فى هذا المثل الذي ضربوه بقولهم: «مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ» .. فالحديث عن البعث متصل لم ينقطع بين سورتى يس، والصافات.. ويجوز أن تكون الإشارة إلى مقول قولهم فى الآية التالية.. وهم هنا ينفون نفيا قاطعا أن يكون هناك بعث، فإن كان فهو من شىء لا واقع له، وإنما هو من حيل السّحر، وألاعيب السّحرة! «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ..» قوله تعالى: «أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ؟» . استفهام إنكارى لأن تعود الحياة مرة أخرى إلى الأموات.. إذ كيف ترجع هذه الأجسام التي صارت ترابا، أو تلك التي ما تزال عظاما- كيف ترجع إليها الحياة مرة أخرى؟ كيف هذا، والإنسان إذا فسد عضو من أعضائه وهو حىّ- لا يمكن إصلاحه.. فكيف بهذه الأعضاء- وهى الإنسان

стр. 4779

كلّه- وقد صارت ترابا، وعظاما؟ أيقوم منها هذا الإنسان إلى الحياة مرة أخرى؟. وقوله تعالى: «أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ» ! أي وهل إذا صحّ- فرضا- أن يبعث الموتى الذين ماتوا من إخوانهم، أو أبنائهم، أو آبائهم الأقربين، أيصح- ولو فرضا- أن يبعث آباؤهم الأولون الذين ماتوا منذ مئات السنين؟ أهذا مما يعقل؟. قوله تعالى: «قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ» .. هو جواب على أسئلتهم تلك المكذبة، المنكرة.. إنه تحدّ لهذا الإنكار، وإهدار له.. ولهذا كان الجواب «نعم» وكأنه جواب عن سؤال يريد به صاحبه أن يعرف الحقيقة، وينشد المعرفة.. وقوله تعالى: «وَأَنْتُمْ داخِرُونَ» جملة حالية من نائب فاعل فعل محذوف، تقديره: نعم، تبعثون.. «وَأَنْتُمْ داخِرُونَ» أي صاغرون، مقهورون، لا تملكون من أمركم شيئا.. قوله تعالى: «فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ» . الزجرة: الصيحة المفزعة.. وهى صوت البعث الذي يفزع له أهل الكفر والشرك، الذين كانوا ينكرون البعث. وقوله تعالى: «فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ» .. إذا للمفاجأة، وهى تدل على وقوع الحدث فجأة وعلى غير انتظار وتوقّع له.

стр. 4780

وقوله تعالى: «ينظرون» - كناية عن يقظتهم، وتنبههم لما حولهم، حين يدعون من قبورهم.. قوله تعالى: «وَقالُوا يا وَيْلَنا.. هذا يَوْمُ الدِّينِ هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ» .. وإنهم إذ يقومون من مرقدهم، وتأخذهم هذه المفاجأة غير المنتظرة- لا يجدون إلا صرخات الوبل، تقطع سكون هذا الصمت الرهيب، الذي اشتمل عليهم.. «يا ويلنا» أي يا هلاكنا وضياعنا!!. وقوله تعالى: «هذا يَوْمُ الدِّينِ» هو الخبر الذي يطلع عليهم، وهم ينادون بالويل، ولا يدرون أين هم، ولا ماذا يراد بهم؟ .. إنه يوم الدين، يوم الحساب والجزاء.. إنه يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون!. قوله تعالى: «احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.. فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ» . إنه أمر إلى الملائكة، أن يسوقوا هؤلاء المشركين إلى المحشر، وأن يحشروا معهم أزواجهم الذين كانوا على شاكلتهم، وأن يحشروا كذلك معهم ما كانوا يعبدون من دون الله.. ثم ليتجهوا بهم جميعا إلى الطريق المؤدى إلى الجحيم.. وفى قوله تعالى: «فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ» - إشارة إلى أنهم وقد أبوا أن يقبلوا الهدى إلى الحق، والخير، فى الدنيا، فإنهم سيقبلون الهدى

стр. 4781

فى الآخرة، ولكنه الهدى إلى عذاب الجحيم.. حيث يسوقهم الملائكة سوقا إلى هذا المورد الوبيل.. قوله تعالى: «وَقِفُوهُمْ.. إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ» .. أي احبسوهم هناك على طريق الجحيم، قبل أن تفتح لهم أبواب جهنم، ويلقوا فيها.. إذ لا بد قبل ذلك أن يحاسبوا، وأن يسألوا عما أجرموا.. وهو حساب عسير.. لا يقلّ هولا عن عذاب الجحيم.. قوله تعالى: «ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ؟» .. ومما يسأله هؤلاء الظالمون يومئذ، إذلالا لهم، واستهزاء بهم- هذا السؤال: «ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ؟» أي ما بالكم هكذا مستسلمين، لا ينصر بعضكم بعضا، ولا يستنصر بعضكم ببعض؟ أين آلهتكم الذين كنتم تعبدون من دون الله؟ أين شفاعة الشافعين منهم؟. قوله تعالى: «بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ» .. ولا يجد الظالمون جوابا.. إنهم جميعا- العابدين والمعبودين- مستسلمون.. صاغرون.. أذلاء.. لا يملكون شيئا.. الآيات: (٢٧- ٣٩) [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٢٧ الى ٣٩] وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)

стр. 4782

التفسير: قوله تعالى: «وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ» . هو من حديث أهل الضلال والكفر فيما بينهم، وهو حديث ملاحاة وتجريم، واتهام.. إنها حرب كلامية، يرمى بها الظالمون بعضهم بعضا، ويخدش بها بعضهم وجه بعض.. قوله تعالى: «قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ» . هو بدل من قوله تعالى: «يَتَساءَلُونَ» .. فهذا بعض تساؤلهم.. والقائلون هنا، هم الأتباع، الذين استجابوا لإغواء من أغواهم وأضلّهم من الضالين الغاوين.. - وقولهم: «إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ» - إشارة إلى أن قادتهم

стр. 4783

هؤلاء، كانوا يأتونهم من جهة اليمين، أي من جهة الهدى، فيحولون بينهم وبين سلوك هذا الطريق، ويدفعون بهم إلى طرق الضلال.. ومثل هذا قوله تعالى، على لسان إبليس- لعنه الله-: «ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ» (١٧: الأعراف) ويجوز أن يكون الإتيان عن اليمين، كناية عن جهة النصح والإرشاد، حيث كانت جهة اليمين جهة اليمن والاستبشار، ولكنه نصح إلى ضلال، وإرشاد إلى هلاك. قوله تعالى: «قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ» . هو ردّ المتبوعين على تابعيهم.. وفيه دفع لهذا الاتهام الذي اتهموهم به.. «لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» ، أي لم نجدكم مؤمنين حتى صرفناكم عن الإيمان.. ثم إننا لم نحملكم حملا على الكفر، ولم نقهركم عليه بسلطان لنا عليكم.. فإنه لا سلطان لأحد على القلوب والضمائر، حيث هى مستقرّ الإيمان، ومستودعه.. بل إنكم كنتم منحرفين بطبيعتكم عن طريق الحق، وأهل بغى، وعدوان، وطغيان.. قوله تعالى: «فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ» . أي وجب علينا قضاء ربنا فينا أن نكون من أصحاب النار، وأن نذوق عذابها. فهذا حكم الله علينا، وإرادته فينا.. وإنه لا مفرّ لنا من هذا المصير..

стр. 4784

فإذا كنا أغويناكم، ودفعنا بكم إلى الضلال، فإننا أهل غواية وضلال، وذلك ليحقّ علينا قول ربنا، وتنفذ فينا مشيئته.. وإنهم بهذا ليقولون حقا.. فقد انكشف لهم قضاء الله فيهم، وما صار إليه أمرهم.. فالتسليم بالقدر بعد وقوع الأمر.. هو حقّ، وهو إيمان.. وأما تعليق الأمور على القدر قبل أن يقع المقدور، فهو ضلال، ومكر بالله.. كما يقول المشركون: «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا» (٣٥: النحل) . إنهم هنا ضالون زائغون.. إن عليهم أن يطلبوا ما يرونه حقا وخيرا، وأن يعملوا له.. فإن كان الله قد أراد لهم الخير، التقت إرادتهم مع إرادة الله، وتحقق لهم ما أرادوا.. وإن لم يكن الله قد أراد بهم خيرا، نفذت إرادة الله فيهم، وبطلت إرادتهم.. وهذا موقف غير موقف من يركب الشرّ بإرادته، ثم يقول: لو أراد الله بي الخير لفعل.. فهذا حق، وباطل معا!! وقد عرضنا لهذه القضية فى مبحث خاص.. من هذا التفسير «١» ، وفى كتابنا: «القضاء والقدر» . قوله تعالى: «فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ» .. أي إن هذه الملاحاة التي تدور بين أهل الضلال، لا تغنى عنهم شيئا..

стр. 4785

فهم جميعا مشتركون فى هذا العذاب المحيط بهم.. وهذا جزاء كل من أجرم، وكفر بالله، وضلّ عن سواء السبيل.. قوله تعالى: «إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ. وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ» .. أي إن هؤلاء المجرمين الذي نعذبهم هذا العذاب الأليم- إنما نفعل بهم هذا، لأنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان بالله، وإلى أن يعبدوه وحده، أبوا أن يستجيبوا لهذا الداعي الذين يدعوهم، واستكبروا أن يتلقوا كلمة التوحيد منه.. ويقولون، أنتبع هذا الشاعر المجنون، ونترك آلهتنا؟. قوله تعالى: «بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ» - هو إضراب على اتهامهم للنبىّ الكريم بأنه شاعر ومجنون.. إنه ليس بشاعر ولا مجنون، بل جاءهم بالحق من ربّهم وصدّق المرسلين الذين أرسلوا من قبله، إذ دعا إلى توحيد الله، كما كان ذلك دعوة كل رسول من رسل الله.. وفى وصف الرسول الكريم، بأنه مصدّق للمرسلين، إشارة إلى أنه صلوات الله وسلامه عليه- الشاهد الأمين، الذي يشهد لهم على الزمن، بصدق ما جاءوا به، فهو المجدد لدعوتهم، المصحح لما دخل عليها من شبهات وضلالات من أهلها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً» (٤٥- ٤٦: الأحزاب) .. وكما هو- صلوات الله وسلامه عليه- مصدق للرسل، فإن القرآن الذي تلقاه وحيا من ربه، مصدق للتوراة والإنجيل، كما يقول سبحانه:

стр. 4786

«وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» (٤٨: المائدة) .. وهكذا كل رسول، مصدق للرسل الذين سبقوه.. وما معه من كتاب، هو مصدّق لما نزل عليهم من كتب، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ» (٦: الصف) . وإذا كان الرسول الكريم، هو خاتم الرسل، وكتابه جامعة الكتب، فهو بهذا مصدّق لإخوانه الرسل من قبله، وكتابه مصدق لما نزل عليهم من كتب. قوله تعالى: «إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» . هو خطاب للمشركين، الذين شهدوا- وهم فى هذه الدنيا- مشاهد الآخرة، ثم ووجهوا بما كانوا يقولون فى الرسول الكريم: «أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ» . وهذا الخبر المؤكد، هو وعيد لهم بالعذاب الأليم، الذي سيلقونه يوم القيامة فعلا.. وهذا العذاب الأليم، هو الجزاء العادل، لما كانوا يعملون.. ليس فيه عدوان عليهم، ولا ظلم لهم، وإن كان أليما، بالغ الغاية فى الإيلام.. الآيات: (٤٠- ٦١) [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٤٠ الى ٦١] إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)

стр. 4787

التفسير: بعد أن عرضت الآيات السابقة، موقف الحساب، والمساءلة لأهل الكفر والضلال، وسوقهم إلى الجحيم، وتجرعهم غصص العذاب- جاءت هذه الآيات لتعرض أصحاب الجنة، أهل الإيمان والعمل الصالح، وما يلقون من نعيم ورضوان.. قوله تعالى: «إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ» - هو استثناء من الاسم الموصول فى قوله تعالى:

стр. 4788

«وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .. ويكون الضمير فى تجزون للناس جميعا.. أي ما يجزى الناس إلا بما كان لهم من عمل، إلا عباد الله المخلصين، فإنهم يجزون أضعاف ما عملوا، فيقبل الله منهم حسناتهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، فضلا منه وإحسانا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا» (٣٧ سبأ) .. أما أصحاب النار، فإنهم يجزون بما عملوا.. كيلا بكيل. ومثقالا بمثقال.. والمخلصون من عباد الله، هم الذين أخلصوا دينهم لله، فلم يشركوا به شيئا، ولم يجعلوا ولاءهم لغيره.. قوله تعالى: «أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» هو بعض ما يجزى به عباد الله المخلصون: «لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ» أي معدّ وحاضر لهم.. «فَواكِهُ» .. هى بعض هذا الرزق.. وخصّت بالذكر، لأنها مما يتفكه به بعد الطعام، إذ هى مما يناله المترفون فى حياتهم، بعد أن يأخذوا حاجتهم من الطعام.. «وَهُمْ مُكْرَمُونَ» أي أنهم ينالون هذا الرزق، وهم فى موضع الاحتفاء والتكريم.. «فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ» متعلق بمكرمون.. أي أن منزل إكرامهم والاحتفاء بهم، هو جنات النعيم.. «عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» حال أخرى من أحوالهم، وهم فى هذا المنزل الكريم.. إنهم على سرر، يواجه فيها بعضهم بعضا، ويأنس بعضهم إلى بعض، كما يقول سبحانه: «عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٥- ١٦ الواقعة) . والسّرر: جمع سرير، والسّرير، المقعد المنضّد.. وقوله تعالى:

стр. 4789

«يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ» .. أي ومما يطرف به أصحاب الجنة، أنّه يطوف عليهم السّقاة بكئوس صافية الأديم، كأنها الماء يتفجر من «معين» أي من عيون.. والطائفون، هم غلمان مخلدون، كما يقول سبحانه: «يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ» (١٦- ١٧ الواقعة) .. - وقوله تعالى: «بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ» وصفان للكأس، فهى بيضاء صافية، وهى ببياضها وصفائها، تلذّ الناظر إليها، وتملأ عينه بهجة وحبورا. وقوله تعالى: «لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ» أي ليس فى الشراب الذي تحمله هذه الكأس، مما يغتال العقول، ويذهب بصوابها، كما تفعل الخمر برأس شاربها.. «وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ» أي لا يصدّون عنها، ولا يزهدون فيها، لأنها لا تستنزف لذتهم منها، بل تظلّ هكذا لذة دائمة موصولة.. وقد جاء فى قوله تعالى: «لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ» (١٩: الواقعة) جاء بكسر الزاى، بنسبة الفعل إليهم، على حين جاء فى الآية السابقة بفتح الزاى «ينزفون» بنسبة الفعل المسلّط عليهم إلى غيرهم.. وذلك ليجمع بين صفتهم، وصفة الخمر التي يشربونها.. فهى من شأنها أن تمسك شاربها عليها، لطيبها وحسنها، ولذتها.. وهم- بما أودع الله فيهم من قوّى- يتقبلون هذا النعيم، فلا يزهدون فيه أبدا.. قوله تعالى: «وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ» . أي وعند أصحاب الجنة، وبين أيديهم، فتيات «قاصِراتُ الطَّرْفِ» .. والطرف، هى العين، وقصر الطرف، كسره، حياء وخفرا.. وهذا كناية

стр. 4790

عن صغرهن، وأنهن لم يلقين الرجال، ولم يتصلن بهم.. «لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ» . (٥٦: الرحمن) والعين، جمع عيناء، وهى واسعة العينين، فى كمال وجمال.. وفى هذا احتراس مما قد يفهم من وصفهن بأنهن قاصرات الطرف، أن هذا القصر عن داء بهذه العيون، وأن خلقتها هكذا مغلقة، أو متكسرة.. وكلّا، فإنها فى حقيقها عيناء.. ولكنه الحياء، والخفر، قد أمسكا بها عن أن تمتلىء بالنظر الحادّ، إلى الرجال!. - وقوله تعالى: «كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ» وصف لألوانهن، وأنهن بيضاوات، كأنهن البيض المكنون، أي المحفوظ من الشمس، والغبار.. تحت أجنحة الطير.. فهو باق على بياضه ونقائه.. وفى تشبيه لون بشرة المرأة بالبيض المكنون، إعجاز من إعجاز القرآن فى دقة الوصف، وصدقه.. فالبيض المكنون تحت أجنحة الطير، يضم فى كيانه حياة يغتذى منها قشر البيض نفسه، كما تغتذى بشرة الجلد فى جسد الكائن الحىّ.. ثم إن هذا البيض يحمل فى كيانه الحياة فى مطلع نموها، واكتمالها.. فهى إذن ليست حياة مولية، وإنما هى حياة مقبلة، كتلك الحياة التي فى كيان هؤلاء الفتيات من حور الجنة.. فالقشرة التي تحتوى البيضة، تشير إلى ما فى كيانها من حيوية متدفقة.. تماما كتلك البشرة التي تحتوى جسد الشباب المتدفق حياة وقوة!. قوله تعالى «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ» . الفاء فى «فأقبل» للسببية، أي أنهم وقد جلسوا على سررهم، متقابلين،

стр. 4791

وطعموا ما اشتهوا من طعام، وشربوا ما طاف عليهم من كئوس الشراب- لم تبق عندهم إلا لذة الحديث، فأقبل بعضهم على بعض، يتساءلون، ويتسامرون.. وكما أقبل أصحاب النار بعضهم على بعض يتساءلون، كذلك أقبل أصحاب الجنة بعضهم على بعض يتساءلون.. ولكن شتان بين تساؤل وتساؤل، وحديث وحديث.. إنه هناك- كما رأينا- كان اختصاما، وكان اتهاما، وكان تراميا بالشناعات واللعنات..! أما هنا، فهو حديث الأحبّاء الأصفياء.. يتساقون به كئوس المودة والإخاء.. قوله تعالى: «قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ: إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ» . وهذا من بعض ما يتحدث به أهل الجنة بعضهم إلى بعض.. فقال أحدهم: إنى كان لى فى الدنيا قرين.. أي صاحب قد جمعتنا الصحبة فى قرن واحد. ويصغى أهل المجلس إلى هذا الحديث، وما كان من شأن هذا الصاحب مع صاحبهم هذا!. «يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ» .. أي أن هذا الصاحب، كان مما يحدّث به صاحبهم هذا، أن يشككه فى أمر البعث، وأن يكشف له عن استحالته بما يضرب له من أمثال، فى هذه العظام البالية، وهذا التراب الذي صارت، إليه العظام، وأن لبسها الحياة بعد

стр. 4792

هذا، أمر لا يصدقه عقل، ولا يقبله عاقل..!! إنه كان يراود صاحبه على أن يترك هذا المعتقد الذي يعتقده فى البعث، والحساب والجزاء، ويقول له ما كان يتردد على ألسنة أهل الشرك: حياة، ثم موت، ثم بعث؟ ... حديث خرافة يا أمّ عمرو! فهذا الاستفهام الذي كان يلقى به هذا المشرك إلى صاحبهم هذا- هو استفهام المنكر، الساخر.. وقوله: «أَإِنَّا لَمَدِينُونَ» أي أإنا لمحاسبون، والدينونة، هى الحساب. أي أنحيا بعد أن نصير ترابا وعظاما، ثم نحاسب، وندان، ونعذب فى النار كما يقول «محمد» بهذا؟. وطبيعى أن صاحبهم هذا لم يستجب لهذا الضلال، ولم ينخدع لصاحبه المشرك.. ولهذا كان معهم فى هذا المنزل الكريم.. وطبيعى أيضا أن صاحبه قد أخذ طريقه إلى جهنم.. «قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ» . أي هل أنتم أيها الصحاب الكرام، ناظرون إلى أين استقر المقام بصاحبى هذا؟ إنه هناك فى جهنم! ها هو ذا فانظروا إليه، وإلى ما هو فيه!! «فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ.. وألقى بنظرة إلى حيث النار وأهلها.. فرأى صاحبه فى «سَواءِ الْجَحِيمِ» أي وسط الجحيم، يأخذ مكانا متمكنا منها.. فلقد كان داعية من دعاة السوء، ورأسا من رءوس الكفر..

стр. 4793

«قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ» .. ولا يجد صاحبهم ما يقوله لصاحبه، إلا أن يتبرأ منه فى الآخرة، كما تبرأ منه فى الدنيا.. إنه ينظر إليه غير راحم، إذ كان- لولا رحمة الله به، وإحسانه إليه- لو اتبعه، وأخذ طريقه معه، أن يكون قرينه فى هذا البلاء الذي يعانيه، وهذا العذاب الذي يكتوى بناره!. «أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ» . وإنه، وقد أمسك بهذا النعيم العظيم، الذي يخيل إليه- من عظمته، وطيبه- أنه فى حلم يخشى أن يستيقظ منه إنه ليسأل أصحابه هذا السؤال الذي يريد أن يعرف به، هل هو فى حقيقة أم فى حلم: «أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ؟» أحقا لا نموت بعد هذا ولا نفارق هذا النعيم الذي نحن فيه؟ إنه ليعلم هذا يقينا، ولكن يريد علما يثبّت علمه، ويقينا يؤكد يقينه.. وفى قوله: «إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى» هو استثناء داخل فى عموم المستفهم عنه، وهو الموت.. أي أفما نموت إلا هذه الموتة الأولى التي بعثنا منها؟ ألا يكون بعد هذا البعث موت.. ثم بعث..؟ ثم إذا كانت هذه الموتة هى آخر موتة، وكان هذا البعث آخر بعث- فهل نظلّ على حالنا هذه من النعيم الذي نحن فيه؟ ألا تتغير بنا الأحوال، كما كان شأننا فى الحياة الدنيا؟ ألا يمكن أن تتبدل حالنا، فنعذب كما يعذّب هؤلاء المعذّبون فى النار؟ إن هذا كلّه يكشف عن أمرين: أولهما: ما يجد أصحاب الجنّة من نعيم عظيم، لم يقع فى تصوراتهم، ولم يطف بخيالهم.. فهم يحرصون عليه أشدّ الحرص، ويتمنّون الخلود فيه، وقد

стр. 4794

وعدهم الله الخلود فى جنات النعيم.. كما يقول سبحانه: «خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا» . وثانيهما: ما يراه أصحاب الجنة أيضا، من هذا العذاب الذي يلقاه أصحاب النار. فهم لهذا يفزعون منه، ويخشون أن يكون لهم نصيب منه.. وقد أمّنهم الله شرّ هذه الخواطر المزعجة.. فكانت تحيتهم من الملائكة دائمة موصولة، بقولهم: «سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ» (٧٣ الزمر) .. «وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» (٢٣- ٢٤: الرعد) . قوله تعالى: «إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» . هو الجواب الذي يجيب به هذا المتحدث إلى أصحابه، على ما كان يسألهم هو عنه فى قوله: «أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ، إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ» ؟ إنه تجاهل العارف لما يعرف، ليزداد يقينا بما عرف، واستيقانا منه.. ولهذا فهو يسأل، وهو يجيب: «إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» .. فأى فوز أعظم من الظفر برضا الله، والخلود فى جنّاته؟ جعلنا الله من أهل الفوز برضاه، والخلود فى جنات النعيم.. قوله تعالى: «لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ» . هو تعقيب على هذا الحديث الذي كان بين أصحاب الجنة، وما تكشف

стр. 4795

منه من هذا المقام الكريم، وهذا المنزل الطيب الذي ينزله المؤمنون بالله واليوم الآخر.. فلمثل هذا المقام يسعى الساعون، ولمثل هذا المنزل يعمل العاملون.. وكل سعى إلى غير هذا المقام، هو سعى باطل، وكل عمل لغير هذا المنزل هو عمل لا يعقب إلا الحسرة والندامة.. الآيات: (٦٢- ٧٤) [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٦٢ الى ٧٤] أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) التفسير: قوله تعالى: «أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ» .؟ هو خطاب للمشركين، وأهل الكفر والضلال.. والمشار إليه هو هذا النعيم الذي ينعم فيه أصحاب الجنة.. أي أىّ خير: أهذا المنزل الكريم، والنعيم العظيم الذي يلقاه أهل الجنة.. أم شجرة الزّقوم هذه، التي هى طعام

стр. 4796

أهل الشرك والضلال؟ .. وفى هذا يقول الله تعالى: «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ» ، طَعامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ» (٤٣- ٤٦ الدخان) . قوله تعالى: «إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ» أي إنا جعلنا ذكرها والحديث عنها فى القرآن، فتنة لأهل الظلم والعناد من هؤلاء المشركين، وكانت- لو عقلوا- مزدجرا لهم، وطلبا للنجاة منها.. ولكنهم اتخذوها مادة للتفكه والسخرية، وقال قائلهم: انظروا إلى ما يحدّث به محمد!! إنه يعدنا بشجرة تنبت فى النار، وتطلع وسط اللهب! أرأيتم شجرا تقوم أصوله وفروعه فى النار، فيكون منها ريّه، ونماؤه، ويطلع فى أحشائها زهره وثمره؟ وهكذا يظلّون فى هذا اللغو من القول، غير ملتفتين إلى مالله من قدرة لا يعجزها شىء، وغير واقفين عند ما لفتهم الله إليه فى قوله تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ» ! أو ليس الذي جعل من الشجر الأخضر نارا، بقادر على أن يجعل من النار شجرا أخضر؟ أليس هذا من ذاك؟ قوله تعالى: «إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ» . أصل الجحيم: قراره- والطلع: الزهر الذي ينعقد عليه الثمر.. وفى تشبيه هذا الطلع برءوس الشياطين، إشارة إلى بشاعتها مظهرا، الذي ينمّ عن مخبر هو أشد منه بشاعة.. والشياطين، وإن لم يكن لها صورة حقيقية تعرف بها، إلا أن لها صورة متوهمة فى خيالات الناس وتصوراتهم، وهى صورة بشعة مخيفة.. وإذا

стр. 4797

كانت رأس الشيء هى أظهر ما فيه، وأدل شىء على حسنه أو قبحه، فقد اختير من الشياطين رءوسها التي تتجمع فيها بشاعة الشياطين وقبحها.. قوله تعالى: «فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ» الفاء للتفريع.. أي وينبنى على وجود هذه الشجرة فى أصل الجحيم، أن يأكل منها هؤلاء المجرمون، حتى لكأنّ هذه الشجرة ما غرست ونبتت فى الجحيم، إلا ليكون منها طعامهم. وامتلاء بطونهم منها، ليس عن شهوة أو رغبة، وإنما هو عن قهر وقسر.. إمعانا فى عذابهم، والتنكيل بهم.. قوله تعالى: «ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ» . الشوب: المختلط بغيره من كل شىء، ومنه الشائبة، وهى ما يعلق بالإنسان من أمور لا تليق به، والحميم: السائل الذي اشتد غليانه. ومع كل طعام شراب.. وإذا كان طعام هؤلاء الأشقياء هو من ثمر تلك الشجرة الجهنمية، فإن شرابهم كذلك هو مما ينبع من عيون هذا الجحيم.. وفى قوله تعالى: «عَلَيْها» إشارة إلى أن مورد الحميم، هو قائم عند هذه الشجرة.. والمعنى، أن لهم عند وردهم على هذه الشجرة، وأكلهم منها، شوبا من حميم، أي أخلاطا من سوائل تغلى وتفور.. ويجوز أن يكون «على» بمعنى «فوق» أي أن لهم فوق هذا الطعام الذي طعموه من شجرة الزقوم- لهم فوق هذا، شراب من حميم، وكأن

стр. 4798

ذلك مبالغة فى إكرامهم، على سبيل السخرية والاستهزاء، والمبالغة فى النكال والعذاب؟. قوله تعالى: «ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ» . أي ثم يقادون بعد أن يأكلوا ويشربوا، إلى حيث مربطهم، ومنزلهم.. فالشجرة التي يطعم منها الآثمون قائمة فى قعر جهنم، فيساق إليها هؤلاء الآثمون، حتى إذا أكلوا من ثمرها، وشربوا من الحميم الذي يجرى تحت أصولها، أعيدوا إلى حيث كانوا.. وهكذا يغدون ويروحون فى أودية جهنم! قوله تعالى: «إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ» . هو تعليل لما فيه هؤلاء الآثمون الخاطئون، من عذاب عظيم، وبلاء مقيم.. إنهم ضلّوا عن سواء السبيل، ولم يستمعوا إلى ما جاءهم من نذر، ولم يقبلوا ما دعوا إليه من هدى.. بل إنهم وجدوا آباءهم على ضلال، فمشوا على آثارهم، واتبعوا خطوهم، وقالوا: «إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ» (٢٢: الزخرف) . ويهرعون: أي يسرعون من غير توقف.. إذ لم يكن لهم عقول يرجعون إليها، ويعرضون ما يعرض لهم من أمور عليها.. قوله تعالى: «وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ» . هو عزاء كريم للنبى الكريم، ومواساة له فى الضالين من قومه. إنهم

стр. 4799

ليسوا أول الضّالين، ولا آخرهم.. فلقد ضلّ قبلهم أكثر النّاس، وقليل هم المؤمنون «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ» (١٠٣: يوسف) . قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ» . هو تطمين لقلب النبىّ.. وأن الله سيدفع عنه كيد هؤلاء الضالين، كما فعل بالمرسلين من قبله، إذ نجاهم والمؤمنين معهم. من كيد الكافرين، الذين أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. وفى قوله تعالى: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ» .. تهديد لهؤلاء المشركين، وجمع بينهم وبين من أهلكهم الله من المكذّبين برسل الله، على مورد الهلاك، وسوق لهم جميعا إلى عذاب الجحيم.. قوله تعالى: «إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ» . هو استثناء من «المنذرين» فى قوله تعالى: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ» .. أي فلقد أهلكناهم، إلا عباد الله المخلصين، والذين استجابوا لرسل الله، وأخلصوا دينهم لله.. ووقع الفعل على المنذرين جميعا، إذ كانوا هم الكثرة الغالبة الذين أهلكهم الله.. أما المؤمنون، فهم قلة قليلة مستثناة من هذا الطوفان الكبير.. والمخلص: هو من اختاره الله للهدى من بين هذا الركام، وصفّاه من شوائب الضلال الضارب بجرانه على القوم. الآيات: (٧٥- ٩٨) [سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٧٥ الى ٩٨] وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)

стр. 4800

التفسير: قوله تعالى. «وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ» . فى هذه الآية والآيات التي بعدها، تفصيل لما أجملته الآيتان السابقتان عليها، وهما قوله تعالى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ» . فهذا نوح ﵇، قد أرسله الله سبحانه، نذيرا إلى قومه، كما يقول سبحانه: «إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» (١: نوح) .
следующие страницы →