سوادها.. وهو من ملاحة الملاح، وحسن الحسان..
والعين: جمع عيناء، ويطلق على بقر الوحش لجمال عيونه..
قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ» ..
ومما يساق إلى أهل الجنة فى الجنة، أن يكرم من أجلهم أبناؤهم وذرياتهم من المؤمنين، وذلك إذا كانوا أنزل درجة منهم فى الجنة- وفى الجنة درجات، كما فى النار دركات- وبذلك يجتمع شملهم فى الجنة، كما اجتمع شملهم فى الدنيا، وبهذا تقرّ أعينهم، ويكمل سرورهم..
وقوله تعالى: «وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ» - إشارة إلى أن هذه الذرية التي لحقت بآبائها فى الجنة، قد كانت على إيمان بالله، كإيمان آبائهم، وبهذا كانوا جميعا من أهل الجنة، وإن اختلفت فيها منازلهم، فكان جمعهم، وإلحاق الأدنى منهم بالأعلى- إحسانا من الله إليهم جميعا.. الآباء، والأبناء..
وهنا سؤال:
لماذا تلحق الأبناء بالآباء، ولا يلحق الآباء بالأبناء، إذا كانوا أنزل درجة من أبنائهم؟ ..
والجواب على هذا، أن هؤلاء الآباء، هم أبناء لآباء، وهؤلاء الآباء أبناء لآباء، وهكذا.. يتبع الأبناء آباءهم فى سلسلة تمتد من بدء الخليقة إلى نهايتها.. وهكذا يبدو أهل الجنة، وكأنهم جميعا أسرة واحدة.
стр. 5707
وقد يعترض على هذا، بأنه مخالف لما هو معروف بأن الجنة- ليست جنّة واحدة، وإنما هى جنات، وهى منازل، ولكل جنة أصحابها، ولكل منزلة أهلها..
ويدفع هذا الاعتراض:
أولا: أن أهل الجنة، أو الجنات، ليس بينهم هذه العزلة الجامدة الباردة، التي تقيم كل طائفة فى معزل عن الآخرين، بل إن أهل الجنة وإن اختلفت منازلهم، وتباينت درجاتهم، هم فى عالم واحد، مطلق، لا حدود فيه ولا قيود.. وهل تكون جنة ويكون نعيم، ثم يقام على هذه الجنة وذلك النعيم حارس؟.
وثانيا: هذا الاختلاف الذي بين درجات أهل الجنة ومنازلهم عند الله، هو اختلاف فى درجة التقبّل للنعيم، وفى مدى القدرة على التناول من هذا النعيم الذي لا ينفد أبدا.. فهناك نفوس كبيرة تستوعب نعيم الجنة كله، وتلذّ به، على حين أن هناك نفوسا صغيرة تأخذ من هذا النعيم حسوا كحسو الطير، ثم تجد فى ذلك شبعها وربّها.. إنها موائد ممدودة، عليها ما لا يبلغه الوصف من طيبات النعيم.. وإنه لا يردّ أحد عن أي لون من ألوان هذا النعيم، بل إن كل ما يطلبه المرء منه يجده حاضرا بين يديه.. ولكن هنا يختلف أهل الجنة فى قدرتهم على الأخذ من هذا النعيم، الذي بين أيديهم، فبعضهم يأخذ القليل لأنه لا شهوة له إلى أكثر من هذا القليل، على حين يكون هناك من يجدون القدرة والاشتهاء لكل ما فى الجنة من ألوان النعيم فيذوقون من كل لون، ويطعمون من كل صنف.. تماما كما نرى ذلك فى الحياة الدنيا، حيث يجلس المدعوّون إلى
стр. 5708
مائدة حافلة بألوان الطعام.. ثم تختلف حظوظهم فيما ينالون منها..
دون أن يكون هناك حائل يحول بين أىّ منهم وبين ما يشتهى..
قوله تعالى «وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ» أي وما أنقصنا شيئا من عمل هؤلاء الآباء الذي ألحقنا بهم ذريتهم، بل وفاهم الله تعالى أجرهم غير منقوص..
وكان إلحاق أبنائهم بهم، فضلا من فضل الله على الوالدين والمولودين جميعا..
والجملة: حال من الفاعل فى قوله تعالى «أَلْحَقْنا» وهو الله ..
قوله تعالى:
«وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ» .
هو مما يقدّم لأهل الجنة من طعام، وليس هو كل طعام الجنة، وإنما هناك من ألوان الطعام ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر.. وإنما اختصّ هذان الصنفان بالذّكر، لأنهما من أطيب، وأشهى ما يطعمه أهل الدنيا من طعام.. وكان من تمام النعمة فى الجنة ألا يحرم أهلها ما كان لهم من طعام مشتهى فى الدنيا، وخاصة أولئك الذين حرموا هذا الطعام فى دنياهم، وكان من مشتهياتهم فيها..
قوله تعالى:
«يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ» التنازع: هو المجاذبة للشىء بين قوتين.. وتنازع الكئوس، تجاذبها بين الجالسين فى مجلس شرابها، يتبادلونها فى شوق ورغبة ونزوع أنفسهم إليها..
стр. 5709
لا لغو فيها: أي لا تحمل هذه الكئوس فى كيانها، هذا الداء الذي يخامر العقول، ويفقدها الوعى، فتخرج من وقارها إلى هذر الكلام ولغوه.
ولا تأثيم: أي لا إثم على شاربها، فهى خمر، وهى مع ذلك حلال لشاربها..
ومن هنا ندرك السر فى تحريم الخمر، والعلّة التي من أجلها كانت إثما يسوق مرتكبه إلى ساحة الاتهام والعقاب..
فالإسكار، هو علّة تحريم الخمر، لا علّة له غيرها.. دون نظر إلى المادة التي يصنع منها..
وعلى هذا، فإن الخلاف القائم بين أصحاب المذاهب الفقهية فى تلك المباحث التي تبحث عن جواب هذا السؤال: ما هى الخمر؟ وما هى المادة التي تصنع منها؟ - إن هذا الخلاف لا محصّل له، ولا داعية للوقوف عنده، فى تقرير الحكم الشرعي للخمر.. فكل مسكر خمر، وكل مغيّب للعقل، ذاهب بوقاره، داع له إلى اللغو- هو خمر، وهو موقع على متعاطيه إثما، هو إثم شارب الخمر..
قوله تعالى:
«وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ» أي ويطوف على أهل الجنة بتلك الكئوس المترعة بالخمر، سقاة يقومون على خدمة شاربيها، وهم غلمان كاللؤلؤ المكنون، صفاء، وحسنا، وبهاء..
وهذا من تمام النعمة.. فإن الصورة التي يقدّم عليها الطعام أو الشراب من آنية توضع فيها، وأدوات تستعمل فى تناولها، وخدم يقومون بتقديمها.. كل ذلك وأشباهه، يجعل للطعام طعما يضاف إلى طعمه الذاتي، حسنا أو قبحا حسب
стр. 5710
حسن أو قبح هذه الملحقات به.. ومن هنا نجد الصحاف التي يقدم فيها الطعام لأهل الجنة صحافا من ذهب، والأكواب التي يقدم فيها الشراب قوارير من فضة.. ولهذا أيضا نجد لكئوس الخمر، وسقاتها، أوصافا يتغنىّ بها الشعراء الذين يغشون مجالس الخمر، ويتساقون كئوسها، تماما كما يتغنّون بالخمر، وأوصافها، وما فيها من جودة وعتق.. فيقول أبو نواس مثلا فى وصف الكأس:
تدار علينا الرّاح فى عسجدية حبتها بأنواع التصاوير فارس قرارتها كسرى، وفى جنباتها مهّا تدّريها بالقسيّ الفوارس فللخمر ما زرّت عليه جيوبهم والماء مادارت عليه القلانس قوله تعالى:
«وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ» .
أي ومن أحوال أهل الجنة، أنهم يتفكهون بتلك الأحاديث المسعدة، التي يذكرون بها فضل الله عليهم، وإحسانه إليهم، بإنزالهم هذا المنزل الكريم، بعد أن نجاهم من هذا البلاء، وعافاهم من ذلك العذاب الذي يصلاه أهل الجحيم من أهليهم، وإخوانهم، وأقوامهم، الذين كفروا بالله، وصدّوا عن سبيله ...
стр. 5711
وقوله تعالى: «إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ» هو بعض المقولات التي تتردّد فى هذا الحديث المدار بين أهل الجنة، وفيه يذكرون ما كان منهم فى الدنيا، من خشية وخوف للقاء هذا اليوم العظيم، الذي يؤمنون به، ويعرفون ما فيه من أهوال تشيب لها الولدان، كما يقول فى وصف الحال التي كان عليها المؤمنون فى الدنيا: «وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ» (٢٦- ٢٨:
المعارج) .
وقوله تعالى: «فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ» - هو تعقيب على قولهم: «إنا كنّا قبل فى أهلنا مشفقين» أي إنا كنا فى دنيانا مشفقين من عذاب ربنا فى هذا اليوم، ولكنّ الله منّ علينا بالنجاة من هذا العذاب ووقانا شرّ ذلك اليوم، كما يقول : «فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً» (١١: الإنسان) قوله تعالى:
«إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ.. إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ» هو تعقيب بعد تعقيب على قولهم: «إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ» أي وكنا ندعو الله، ونطلب النجاة من شر هذا اليوم، ومن العذاب الواقع بأهل الشقاء فيه، وقد استجاب الله لنا بفضله، وإحسانه.. «إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ» أي البارّ بعباده المؤمنين المحسنين «الرَّحِيمُ» الواسع الرحمة، لمن يطلبون رحمته، ويبتغون فضله.. فما أعظم برّه، وما أوسع رحمته..
التفسير:
قوله تعالى:
«فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ» .
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآيات السابقة، عرضت مشاهد القيامة وما يلقى المكذبون الضالّون هناك من عذاب وهوان، وما يتلقّى المؤمنون المتقون من رضوان الله، وجنات لهم فيها نعيم مقيم..
وهنا تجىء الآية الكريمة، والآيات التي بعدها، لتواجه الناس جميعا مرة أخرى، بالدعوة الإسلامية، وبرسولها الكريم الذي يدعو بها، بعد أن نقلتهم فى لمحة خاطفة إلى الدار الآخرة وأرتهم منازلهم هناك، وما يجزون به عن أعمالهم، من محسنين ومسيئين.
ولا شك أن مواجهة الناس هنا بالدعوة الإسلامية، بعد هذه المشاهد التي شهدوها من يوم القيامة- لا شك أن هذه المواجهة ستلقى الناس على حال غير الحال التي كانوا عليها من قبل، وقد رأوا النار وسعيرها، والجنة ونعيمها.
وقوله تعالى: «فذكّر» هو دعوة للنبى أن يواجه الناس بدعوته، وأن يتلو عليهم آيات ربه، وأن يؤذّن فيهم بقوله تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (١٥٨: الأعراف) .. فهذا هو موقف النبي دائما لا يتحول عنه، ولا يعدل به عن مقامه فيه، ما يلقى من أذى وضرّ، وما يسمع من سفاهة السفهاء، وجهل الجاهلين.. «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ، (٥٥:
الذاريات) .
وقوله سبحانه. «فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ» أي فما أنت
стр. 5714
بما أنعم الله به عليك بهذا الكتاب الذي بين يديك بكاهن ولا مجنون كما يتخرض بذلك المتخرصون، ويفترى المفترون، فيقولون فيك هذا القول الفاجر الآثم.. والكاهن: من يدعى التنبؤ بعلم الغيب، وبما سيقع فى مستقبل الأيام فالباء فى قوله تعالى: «بِنِعْمَةِ رَبِّكَ» - للسببية، كما فى قوله تعالى: «قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ» (١٧. القصص) .
قوله تعالى:
«أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ» .
هو إضراب عن مقولات المشركين فى النبي، بأنه شاعر، أو كاهن، وانتقال إلى مقولة أخرى يقولونها فى النبي، وهو قولهم «شاعر» .. فهم يلقون بهذه الأباطيل من غير أن يقوم عندهم دليل عليها، وإنما هى رميات طائشة عمياء، يلقون بها بلا حساب أو تقدير.. شأن من يحارب عدوّا متوهما، فيرمى بكل ما يقع ليده إلى كل اتجاه، فرارا من هذا الخطر المتوهم، سواء أصابت هذه الرميات عدوّا، أم صديقا..
وقوله تعالى: «نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ» هو أمنية من تلك الأمانى التي يعيش بها المشركون مع النبي، وتعلّة يتعللون بها، وهى أن ينتظروا به موتا يختطفه من بينهم، ويريحهم منه.. فتلك أمنية يتمنونها، ويعلقون آمالهم بها.
وقوله تعالى: «قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ» - هو ردّ على ما ينتظرون فى النبي من موت يريحهم منه.. «تربصوا» أي انتظروا: «فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ» أي منتظر لما تأتى به الأيام فىّ وفيكم.. فالأمر فى هذا على سواء بينهم وبينه، إذ للموت حكم واقع عليهم وعليه. والله يقول: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ؟» (٣٤: الأنبياء) ويقول سبحانه «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» (٣٠: الزمر) .
стр. 5715
قوله تعالى:
«أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ» .
هو استفهام يراد به تسفيه عقول هؤلاء الذين يقولون هذا القول الأحمق، الذي لا يقبله عقل، ولا ينطق به عاقل، وهو التربص والانتظار للموت الذي يتمنونه للنبى.
وفى التعبير عن معطيات عقولهم، بالأمر، وبأنها تملى عليهم هذا القول وتأمرهم به- إشارة إلى أنهم كيان منفصل عن تلك العقول، التي تفيض بالوساوس والأوهام، وأن كل ما يطرقهم من أوهام هذه العقول ووساوسها، لا يجد منهم إلا ألسنة تردد هذه الأوهام وتلك الوساوس، دون أن يكون لهم سلطان عليها، أو تحكّم فيها، وذلك على غير ما يفعل العقلاء الذين يتدبرون أمرهم بينهم، وبين خطرات نفوسهم، ووساوس عقولهم.
وقوله تعالى: «أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ» هو إضراب عليهم، وعلى عقولهم جميعا، وأنهم كيان من الطغيان، يندفع كما تندفع الحمر المستنفرة، فرّت من قسورة، لا إرادة معها، ولا اختيار لها فى الوجهة التي تأخذها فى فرارها.
قوله تعالى:
«أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ.. بَلْ لا يُؤْمِنُونَ» .
استفهام آخر، يكشف عن جريمة أخرى من جرائمهم، ويواجههم بضلالة من ضلالاتهم، وهى قولهم فى النبي: إنه افترى هذا القول الذي يحدّثهم به، ويقول لهم عنه إنه كلام الله!!.
وقوله تعالى: «بَلْ لا يُؤْمِنُونَ» - حكم عليهم بأنهم لن ينتفعوا بهذا القرآن، ولا يهتدون به، ولا يكونون فى المؤمنين أبدا.. وهذا حكم واقع
стр. 5716
على أولئك الذين أدركهم الإسلام من المشركين، ومانوا على شركهم، محادّين لله ورسوله.. ومنهم قتلى بدر، الذين بلغوا سبعين قتيلا..!. وهذا من أنباء الغيب التي حملت آيات الله كثيرا منها.
قوله تعالى:
«فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ» .
هو ردّ متحدّ لهؤلاء المشركين، الذين يتهمون النبي بالكذب والتقوّل على الله، وذلك بأن يأتوا بحديث مفترى، مثل هذا القرآن، إن كانوا صادقين فى دعواهم تلك.. فإن يفعلوا- ولن يفعلوا- فذلك هو مقطع القول بينهم وبين النبي.
قوله تعالى:
«أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ» .
هو انتقال بالقضية التي تتصل بالقرآن، وبمقولاتهم فيه، بعد أن دعاهم إلى التحدّى فلم يقوموا له- انتقال إلى ميدان آخر من ميادين المحاجّة.. فليدعوا هذا القرآن، وليدعوا ما يحدّثهم به النبي منه.. ثم لينظروا فى أنفسهم، وليجيبوا على هذا السؤال: أخلقوا من غير شىء؟ فمن أين إذن جاءوا إلى هذه الدنيا؟
ومن صوّرهم على تلك الصورة التي هم فيها؟ أخلقوا هم أنفسهم؟ أصوروا هذه النّطف التي بدأت بها مسيرتهم فى الحياة فى أرحام أمهاتهم؟ إنه لا جواب إلا الصمت المطبق والوجوم الحائر! قوله تعالى:
«أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.. بَلْ لا يُوقِنُونَ» .
وإذا لم يكن لهم أن يقولو إنهم خلقو أنفسهم، فهل لهم أن يقولوا إنهم
стр. 5717
خلقوا السموات والأرض؟ ذلك أبعد وأغرب..!
وقوله تعالى: «بَلْ لا يُوقِنُونَ» - هو استدراك على سؤال يرد على قوله تعالى:
«أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؟» وهذا السؤال هو: وهل ينكر المشركون أن الله هو الذي خلق السموات والأرض؟ وكيف والله يقول عنهم: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ» (٩: الزخرف) فكيف يسألون هنا هذا السؤال الذي فيه اتهام لهم بالقول بأن للسموات والأرض خالقا غير الله؟ فكان قوله تعالى: «بَلْ لا يُوقِنُونَ» دافعا لهذا الذي يقع فى الوهم من تعارض بين سؤالهم سؤال المتهم، فى قوله تعالى: «أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» وبين إقرارهم بما يدفع هذه التهمة عنهم فى قوله تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» .
(٢٥: لقمان) وذلك أن قوله تعالى: «بَلْ لا يُوقِنُونَ» يكشف عن حقيقة إقرارهم بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض.. فهو إقرار لا يقوم على استدلال وبحث، ونظر.. ومن ثمّ فلا يقع منهم موقع اليقين.. فلم يكن إقرارهم بما أقروا به، إلّا عن قهر واضطرار، إذ لم يجدوا بدّا من التسليم بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض! أمّا هذا الخالق، وقدرته، وعلمه وحكمته وسلطانه، فلم يكن له مفهوم واضح يقوم على إدراك سليم عندهم.. ولو كان هذا الإقرار قائما على إدراك صحيح، وفهم سليم، لكانوا مؤمنين به، مصدقين لرسوله، مؤمنين بآيات الله التي بين يديه.. وهكذا كل قول لا يقوم على علم لا يبعث فى صاحبه يقينا بمفهوم هذا القول، ولا يحدث فى نفسه أثرا يثير وجدانه، ويحرك مشاعره، ويؤثر فى منازعه.. فهذا هو كلام الله، يمسك بالحقائق من أطرافها جميعا: «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (٨٢: النساء) .
стр. 5718
قوله تعالى:
«أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ» .
سؤال آخر، يسأله المشركون، وهم فى موقف الاتهام بالشرك بالله، وضلالهم الطريق إليه..
والسؤال هنا عمّا يمكن أن يكون لهم من دعوى يدّعونها فيما بين يدى الله من خزائن ملكه، ومن تصرّفه فيما تضم هذه الخزائن من منن وعطايا، ومن رحمة وإحسان.
أعندهم مفاتح هذه الخزائن؟ أهم المسيطرون عليها، المتصرفون فيها؟ وإذا لم يكن لهم شىء من هذا، فلم إذن ينكرون على الله أن يمنّ بفضله على من يشاء من عباده؟ ولم إذن ينكرون أن يكون لله سبحانه الخترة فى اصطفاء من يصطفى من خلقه للسفارة بينه وبين الناس؟ ولم يقولون هذا القول المنكر فى النبي.. «أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا؟ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ» ؟ (٢٥: القمر) وكيف تبلغ بهم الجرأة أن يقولوا: «لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ؟» وقد رد الله سبحانه قولهم هذا بقوله: «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ؟» (٣١، ٣٢ الزخرف) .
قوله تعالى:
«أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ» .
وسؤال اتهام أيضا.. يقال لهم فيه: من أين جئنم بهذه المقولات الباطلة التي تقيمون منها دينا تدينون به، فتجعلون من الملائكة، والجنّ، والنجوم، والكواكب- آلهة تعبدونها من دون الله؟ أمعكم بهذا كتاب من عند الله؟
أم كان لكم سلم وصل بينكم وبين الملأ الأعلى، فتلقّيتم منه هذه المقولات التي
стр. 5719
تقولونها؟ إن يكن أحد منكم فعل هذا، فليأت بحجة بين يدى دعواه تلك، وإلّا فهو الكاذب المفترى.. أما من يقول لكم هذا كلام الله أتلوه عليكم، وهذه رسالته أبلغكم إياها، ثم يقدم لكم مع قوله هذا، الدليل الناطق، والحجة الدامغة، فهو الصادق الأمين: «وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ» (١١٧: المؤمنون) .
قوله تعالى:
«أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ؟» .
وهذا سؤال اتّهام كذلك، لهؤلاء المشركين:
إذا كان قد صحّ لديكم أن الملائكة بنات الله، وأنكم إنما تعبدون بنات الله تقربا إلى الله، ليكونوا شفعاء لكم عنده- فهل نسبتكم البنات إلى الله، مما يتفق مع منطقكم الذي تعيشون به، والذي تقيمون فيه البنات عندكم على ميزان شائل، تخفّ به كفتهم إزاء كفة البنين، بل إنه لا يكاد يقام لهم ميزان أصلا عند كثير منكم؟ أفلا كان يقضى عليكم منطقكم هذا- إذا كنتم تريدون لله توقيرا- أن تجعلوا الملائكة- وقد نسبتموهم إلى الله نسبة بنوة- ذكورا لا أناثا، وبنين، لا بنات؟ وفى هذا يقول سبحانه: «وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى.. لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ» (٦٢: النحل) .
قوله تعالى:
«أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ» ؟
وتهمة أخرى يسألون جوابهم عنها:
ماذا يضيرهم من هذه الدعوة التي يدعوهم الرسول إليها؟ وماذا
стр. 5720
يضارّون به من هذه الرحمة المرسلة إليهم؟ أيسألهم الرسول على ذلك أجرا يثقل به كاهلهم، ويجوز على ما فى أيديهم من مال أو متاع؟ إنه لا جواب..
فما سألهم الرسول شيئا من حطام الدنيا، ولا أقام نفسه سلطانا عليهم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ» (٨٦- ٨٧ ص) ..
قوله تعالى:
«أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ» ؟.
أي أعندهم علم من الغيب، فهم يخرجون منه هذه المقولات التي يقولونها، ويجعلون منها دينا يردّون به دين الله الذي يدعوهم الرسول إليه؟
ولا جواب أيضا..
«أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً؟ كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً» (٧٧- ٨٠: مريم) .
قوله تعالى:
«أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً؟ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ» ..
أي أيريدون بهذا الخلاف على النبي، والتولّى عنه، والتصدي لدعوته- أيريدون بهذا كيدا للنبى، وإساءة إليه؟ إنهم بهذا إنما يكيدون لأنفسهم، ويحرمونها هذا الخير الكثير الممدود إليهم، وإنهم بهذا لهم الخاسرون فى الدنيا والآخرة جميعا..
قوله تعالى:
«أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ؟ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ» ..
стр. 5721
وإنهم إذا انصرفوا عن دعوة هذا النبي، وعبدوا إلها غير الله الذي يدعوهم إلى عبادته- أهناك إله آخر غير الله يولّون وجوههم إليه؟ سبحان الله، وتعالى، وتنزه، عما يشركون به من آلهة..
قوله تعالى:
«وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ» ..
هو تهديد لهؤلاء المشركين، ببلاء ينزل عليهم من السماء، التي افتروا عليها، وكذّبوا بآيات الله المنزلة عليهم منها.. فإن السماء التي تتنزل بالهدى والرحمة، يمكن أن تتنزل كذلك بالرجوم والصواعق والمهلكات..
وإنه كما ضل هؤلاء المشركون عن آيات الله، فلم يتبينوا وجه الحق المبين فيها، وحسبوا ما فيها من خير وهدى، أنه شر وبلاء- كذلك اختلط عليهم الأمر فى هذا البلاء النازل عليهم من السماء، فحسبوه خيرا وظنوه رحمة هاطلة، وغيثا مدرارا.. وهكذا تتحول الحقائق عندهم إلى نقائضها..
فالخير يرونه شرا، والشر يحسبونه خيرا.. «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ» (٤١:
المائدة) ..
والكشف: - كما يقول الراغب- جمع كسفة، وهى القطعة من السحاب أو القطن، ونحو ذلك من الأجسام المتخلخلة.
والمركوم: أي المتراكم، والركام ما يلقى بعضه على بعض..
قوله تعالى:
«فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ» ..
стр. 5722
وماذا يفعل بأهل الضلال غير أن يتركوا لضلالهم، ولما يؤدّى بهم إليه هذا الضلال من هلاك، مبير وبلاء عظيم، بعد أن جاءتهم النذر، وعرضت عليهم المثلاث، وقامت بين أيديهم الحجج؟ فليتركوا وما تمليه عليهم عقولهم الفاسدة، وأهوؤهم المهلكة..
واليوم الذي يصعقون فيه، هو يوم القيامة، حيث تأخذهم صواعقه، وتغشاهم النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم..
قوله تعالى:
«يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ» .
أي فى هذا اليوم الذي ينتظرهم بالصواعق والعذاب الأليم- فى هذا اليوم، لا يجدون من هذا الكيد الذي يكيدونه للنبى شيئا ينتفعون به، بل إنه سيكون عليهم حسرة ووبالا، حيث لا ناصر لهم ينصرهم من بأس الله، ويدفع عنهم العذاب المحيط بهم.
قوله تعالى:
«وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ..
هو وعيد لتلك الطّغمة الظالمة الطاغية من هؤلاء المشركين، والذين تولّوا كبر هذا الموقف، الآثم، الذي يقفه المشركون من النبي، ومن آيات الله، التي يتلوها عليهم- فهؤلاء الظالمون الطّاغون، لهم- فوق العذاب الراصد لهم فى الآخرة- عذاب معجّل فى هذه الدنيا، هو ما يلقاهم فى يوم بدر وغيره، من قتل، ومن خزى، ومن حسرة تتقطع
стр. 5723
لها أكبادهم، حين يرون دين الله وقد علت رايته، وعزّ سلطانه..
وفى قوله تعالى: «وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» - إشارة إلى أن أكثر هؤلاء المشركين الظالمين الطاغين، لا يعلمون هذا من أمر دين الله، وأنه ذو سلطان غالب، أمّا قليل منهم، فقد كان يعلم هذه الحقيقة، ويتوقع هزيمة الشرك، وخزى المشركين، ولكنه كان يمسك بشركه، أنفة، وحميّة واستعلاء..
قوله تعالى:
«وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ» ..
بهذه الآية تختم السورة، داعية النبي إلى أن يصبر على عناد قومه، وما يسوقون من كيد له.. فهذا موقف أراده الله وقضى به، ليبتلى به ما فى الصدور، وليمحّص ما فى القلوب، وليجزى المؤمنين منه جزاء حسنا..
واللام فى قوله تعالى: «لِحُكْمِ رَبِّكَ» هى لام العاقبة، أي اصبر إلى أن يحكم الله بينك وبين قومك، وإنه لحكم ينتصر فيه الحق على الباطل، وتعلو فيه كلمة المحقّين على المبطلين..
وقوله تعالى «فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا» تطمين لقلب النبي الكريم، وأنه ملحوظ بعين الله ، محفوف بعنايته.. ترعاه عين الله وتحرسه.
وقوله تعالى: «وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ» دعوة للنبى أن يذكر ربه، ويسبح بحمده على هذه الرعاية الربانية التي يفيضها الله
стр. 5724
سبحانه وتعالى عليه.. والمراد بقوله تعالى: «حِينَ تَقُومُ» أي حين تقوم مقامك بين الناس فى الحياة، وذلك من أول النهار- إلى آخره..
وبقوله تعالى: «وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ» أي ومن بعض الليل، فسبح بحمد ربك.. وبقوله: «وَإِدْبارَ النُّجُومِ» أي مطلع الفجر، بعد أن يغلب ضوءه أضواء النجوم، فتولى النجوم أدبارها، منهزمة أمام هذا الضوء الذي يغزوها بجيشه الزاحف الذي لا يهزم..
هذا، ويدخل فى هذا التسبيح بحمد الله فى تلك الأوقات- الصلوات الخمس المفروضة.. فيدخل فى قوله تعالى: «حِينَ تَقُومُ» صلاة النهار، وهى الظهر والعصر، وفى قوله تعالى: «وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ» - صلاة المغرب والعشاء وفى قوله تعالى: «وَإِدْبارَ النُّجُومِ» صلاة الصبح..
стр. 5725
٥٣- سورة النجم
نزولها: مكية باتفاق..
عدد آياتها: اثنتان وستون آية..
عدد كلماتها: ثلاثمائة وستون كلمة..
عدد حروفها: ألف وأربعمائة وخمسون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
كانت سورة الطور مواجهة صريحة بالاتهام للمشركين، بمفترياتهم على رسول الله ﷺ ، وبمقولاتهم الآثمة فيه، وبأنه شاعر يتربصون به ريب المنون، وأنهم لهذا لا يقبلون ما يدعوهم إليه من هدى، يطالعهم به فى آيات الله التي يتلوها عليهم، وأنهم لهذا أيضا، متمسكون بما معهم من أباطيل وضلالات يدينون بها، ويقيمون حياتهم الروحية عليها..
وقد ووجهوا بهذه الضلالات، وضبطوا متلبسين بها، وسئلوا عن المصدر الذي تلقوها منه- فلم يكن لهم هناك جواب إلا الحيرة والوجوم..
وجاءت سورة النجم تعقيبا على هذا الموقف الذي جمد فيه المشركون، وخرسوا أمام هذه التهم التي تلبسوا بها، وفى أعينهم نظرات زائغة..
يرمون بها هنا وهناك ليجدوا مخرجا من هذا المأزق الحرج الذي هم فيه..
وفى هذا التعقيب يعرض على المشركين الوجه الذي ينبغى أن يسلكوه، إن هم أرادوا الخروج من هذه الحيرة التي لبستهم..
ومن جهة أخرى، فإن سورة الطور، قد ختمت بقوله تعالى: «وَمِنَ
стр. 5726
اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ»
على حين بدئت سورة النجم بالقسم بواحد من هذه النجوم، التي أدبرت مع ضوء الصبح الوليد.. فكان هناك أكثر من مناسبة جمعت بين السورتين..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٨) [سورة النجم (٥٣) : الآيات ١ الى ١٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤)
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩)
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤)
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى» ..
стр. 5727
الواو: للقسم..
والنجم: مقسم به من الله :
والواقع عليه القسم، هو قوله تعالى: «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى..
الآيات» ..
وقد اختلف فى المراد بالنجم، فقيل هو ما ينزل من القرآن منجّما، وقيل هو الرسول، وقيل هو جنس النجم، الشامل لجميع نجوم السماء، وقيل هو الشعرى اليمانية..
واختلف كذلك فى معنى «هوى» فقيل بمعنى سقط، رجوما للشياطين، أو تناثر، وذلك يوم القيامة، وقيل «هوى» بمعنى غرب، أو بمعنى طلع ...
والذي نراه- والله أعلم- أن المراد بالنجم هو النجم القطبي، الذي يهتدى به السائرون ليلا فى البرّ، وفى البحر، وهو يأخذ دائما اتجاه الشمال.. وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: «وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦: النحل) .. فهذا النجم- والله أعلم- هو النجم الذي أقسم الله به..
والذي نراه- والله أعلم- فى قوله تعالى: «هَوى» أن معناه، أفل، واختفى، فى ضوء الصبح المشرق.. وهو المناسب لقوله تعالى فى آخر سورة «الطور» : «وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ، وَإِدْبارَ النُّجُومِ» .
واختصاص هذا النجم من بين نجوم السماء، بالذكر، لأنه من أضوأ نجوم السماء، ومن أكثرها صلة بحياة الناس، وهداية لهم فى السير، فى ظلمات البر والبحر..
стр. 5728
وفى القسم بالنجم فى حال هوّيه، وأفوله، ووقوع هذا القسم على النبي وأنه ما ضلّ وما غوى، كما يرى ذلك المشركون الضالون- فى هذا إشارة إلى أمور:
أولها: أن ظهور النبي- صلوات الله وسلامه عليه- كان فى ظلمة ليل بهيم، أطبق على العالم كله، وأناخ بكلكله على الجزيرة العربية وأهلها، وأن ظهوره هذا، كان أشبه بالنجم القطبي، الذي يرى منه المدلجون فى الليل هاديا، إذا هم رفعوا رءوسهم إلى السماء، ومدوّا أبصارهم إليه..
وثانيها: أن هذا النجم السماوي البشرى، المثل فى النبي، والنور الذي معه- لم يهتد به، فى الدور المكىّ من الدعوة، وإلى وقت نزول هذه السورة- إلا أعداد قليلة من الناس، هم الذين رفعوا رءوسهم إليه، وطلبو الهدى منه.. أما الكثيرة الكثيرة من المشركين، فقد كانوا فى نوم عميق، تطرقهم فيه رؤى الأوهام، وأضغاث الأحلام!! وأن هذا النجم الهادي يوشك أن يغرب عن أفقهم، ويفوتهم الاهتداء به، والتعرف على الوجه الصحيح الذي يسلكونه على درب الحياة.
وثالثها: أن هذا النجم القطبي- وإن غاب عن الأعين- فإنه فى حقيقته قائم فى مقامه العالي، حيث هو.. هكذا يراه أهل العلم.. وكذلك الرسول صلوات الله وسلامه عليه- وإن غاب شخصه عن أعين الناس، فإنه قائم فى مقامه المكين، من قلوب المؤمنين أبدا الدهر.
ورابعها: أن النبي الكريم، وإن ظهر فى أول أمره نجما، لا تكتحل بضوئه إلا العيون التي تطلبه، فإن أمره بعد هذا سيعظم، ويتحول إلى صبح مشرق، يملأ العيون، وينعش النفوس، ويوقظ الأحياء.. ثم لا يلبث هذا النبي أن يطلع شمسا ينفذ شعاعها إلى الكائنات، فيلبس المؤمنون به، المتعرضون
стр. 5729
لضوئه، حللا من النور، والجلال، على حين تنجحر من ضوئه الهوام والحشرات، وتقتل تحت ضربات أشعته «الفيروسات» والجراثيم..
وخامسها: أن هؤلاء المشركين، الذين لم يهتدوا بضوء النبي «نجما» ثم لم ينتظموا فى ركبه «صبحا» ثم لم يستقبلوا ضوءه «شمسا» - هؤلاء المشركون لن يكون مصيرهم إلا كمصير هذه الجراثيم، تموت تحت ضربات الشمس.
أو كهذه الهوام والحشرات، لا يرى لها وجه ما دام هذا الضوء قائما..
وقد كان، فإن كثيرا من المشركين الذين عاصروا النبوة ماتوا ميتة الجراثيم، وكثير منهم انجحر بين أربعة جدران من بيته إلى أن مات حسرة وكمدا، دون أن يشعر به أحد! وقوله تعالى: «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى» - هو المقسم عليه من رب العزّة جلّ وعلا، وهو تبرئة لمقام النبىّ الكريم أن يكون بمظنة سوء، أو بموضع تهمة، فهو صلوات الله وسلامه عليه، كما شاء له ربه أن يكون، وكما عرف ذلك منه قومه معرفة عيان وابتلاء- هو الصادق الأمين، الذي لم تجرب عليه كذبة قط ولم يعرف عنه- ولو على سبيل الكذب والافتراء عليه- أنه خان أمانة، أو أخلف وعدا، أو نقض عهدا، ولهذا كان عند قومه يدعى الصادق الأمين..
والضلال: ضد الهدى، ويكون غالبا عن جهل..
والغىّ، ضد الرشاد، ويكون غالبا عن اتباع الهوى.. وفى مخاطبة قريش بقوله تعالى: «صاحِبُكُمْ» - إشارة إلى تلك الصحبة الطويلة التي صحب فيها النبىّ قومه قبل البعثة، وإلى ما عرفوا منه خلال تلك الصحبة من أمانة، وصدق، واستقامة، ونبل، وسداد رأى، ورجاحة عقل، حتى نزل من قلوبهم جميعا منزلة الصاحب من قلب صاحبه.. فكيف تتبدل حالهم معه، بعد أن جاوز الأربعين؟ وكيف ينكرون عليه ما جاءهم به دون أن ينظروا فيه بعقولهم،
стр. 5730
ويقفوا طويلا عنده، قبل المسارعة بهذا الاتهام من غير تدبر أو نظر؟ ..
وقد كان يمكن أن يكون لهذا الإنكار الذي استقبلوا به دعوة النبي- وجه من العذر، لو كان النبي طارئا عليهم، غير معروف لهم، أو كان موضع تهمة عندهم من قبل.. وأما وللنبى فيهم مقام كريم، ومعاشرة طويلة، قائمة على الإكبار والإجلال والتعظيم- فإن المبادأة بهذا الاتهام مما لا يستقيم على منطق أبدا، ولا يقوم له وجه من العذر بحال أبدا..
وقوله تعالى: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى» - هو معطوف على المقسم عليه، وهو قوله تعالى: «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى» - أي وما ينطق بما نطق به، عن هوى يترضّى به شهوة من شهوات النفس، أو يتصيد به مطلبا من مطالب الحياة.
وقوله تعالى: «إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى» .. أي ما هذا الذي ينطق به صاحبكم هذا، إلا وحي يوحى إليه من ربه، وليس عن هوى متسلط عليه من أهواء النفس.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ» (١٦: يونس) ..
وقوله تعالى: «عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى..»
الضمير فى «علمه» بعود إلى جبريل ﵇ أمين الوحى، وسفير السماء إليه، برسالة ربه، وبكلماته.. وأنه هو الذي أوحى إلى الرسول بهذا العلم الذي تنكرون على «محمد» ما يتلوه عليكم منه..
ومن صفات جبريل- ﵇ أنه «شديد القوى» أي قوىّ أمين
стр. 5731
حافظ لما يحمل من رسالات الله إلى رسله، كما يقول سبحانه:
«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» (١٩- ٢١: التكوير) ..
ومن صفات جبريل كذلك أنه «ذو مرّة» أي جلد وصبر، وقدرة على حمل هذه الأمانة التي كلّف بحملها.. وإنها لأمانة ثقيلة أبت السماء والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها.
وقوله تعالى: «فاستوى» - الفاء هنا للتفريع.. أي أن جبريل بهذه الصفات التي أقام الله خلقه عليها، قد «استوى» أي استوفى الصفات التي تؤهله لهذه الوظيفة، والتي تمكنه من القيام بها على الوجه الأكمل..
وقوله تعالى: «وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى» - هو معطوف على ما قبله، وهو صفة من صفات جبريل، ﵇، تشير إلى العالم العلوي، الذي يعيش فيه.. أي أنه ملك سماوى، وليس من هذا العالم الأرضى..
وهذا الذي ذهبنا إليه، فى تأويل هذه الآيات الثلاث، أولى- فى رأينا- مما ذهب إليه المفسرون من جعل قوله تعالى:
«وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى» جملة حالية، من الفاعل فى قوله تعالى:
«فاستوى» بمعنى «فاستوى» أي جبريل حالة كونه «بِالْأُفُقِ الْأَعْلى» أي أنه عرض نفسه وهو بالأفق الأعلى، فى صورته التي خلقه الله عليها، لا فى تلك الصور التي يمكن أن يتشكل فيها، حسب مقتضيات الأحوال، كأن يكون فى صورة بشرية، من تلك الصور التي كان يلقى بها النبي فى بعض الأحيان..
ويذهب المفسرون فى هذا إلى أن تلك الصورة الذاتية لجبريل، إنما كانت له عند ما جاء إلى النبي- صلوات الله وسلامه عليه- فى مفتتح الرسالة فى غار «ثور» الذي كان يتعبد فيه، قبل البعثة وأن جبريل- ﵇ لقيه
стр. 5732
يومئذ فى صورته الكاملة التي له، والتي ظهر فيها- كما يقول المفسرون- بستمائة جناح له، الأمر الذي كان داعية إلى هذا الفزع والاضطراب الذي ملأ كيان النبي يومئذ..!
وهذا الذي ذهب إليه المفسرون، على ما فيه من تكلف ظاهر فى التأويل- هو- من جهة أخرى- بعيد عن منطق الحكمة فى اتصال النبي بالسماء، حيث يطلع عليه منها فى أول لقاء معها، هذا الهول المفزع الذي لا يمكن أن يكون أبدا مدخلا حكيما إلى قيام صلة وثيقة بين السماء وبين النبي المتلقى لرسالة السماء منها..
فتعالت حكمة الله عن هذا، علوا كبيرا..
ولعل الأقرب والأوفق، فى هذا المقام، أن يجىء جبريل إلى النبي فى أول لقاء له معه، فى صورة بشرية، أو أقرب إلى البشرية.. فهكذا يقتضى المنهج الحكيم، فى التربية والتعليم، وذلك بالتدرج من السهل إلى الصعب. وهكذا جاءت ملائكة السماء إلى إبراهيم كما يقول سبحانه: «هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ» فقد جاءوا إليه فى صورة بشرية كاملة.. كما جاءوا إلى لوط فى تلك الصورة البشرية نفسها، إذ يقول عنهم مخاطبا قومه..
«إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي.. فَلا تَفْضَحُونِ» (٦٨: الحجر) ..
وهكذا جاء رسول السماء إلى «مريم» كما يقول: «فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا»
.. (١٧: مريم) وأحسب أن الذي حمل المفسرين على هذا التأويل المتكلّف، هو رأيهم فى فواصل الآيات القرآنية، وأنها قد نجىء لمراعاة النظم..
ولو أنهم، نظروا إلى الإعجاز القرآنى، الذي لا تحكمه ضرورة «القافية» التي قد تحكم الشعر- لو أنهم نظروا إلى هذا، لجعلوا قوله تعالى: «فاستوى» - هو فاصلة الآية، التي يقتضيها المعنى ويتم بها، ولكان الوقوف عندها
стр. 5733
مستوفيا المعنى المراد، ولما جعلوا الآية التي بعدها تتمة لها، وإنما هى كلام مستأنف، يخبر به عن المكان الذي يكون فيه جبريل، وهو الأفق الأعلى..
قوله تعالى:
«ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى» ..
الحديث هنا عن جبريل- ﵇ وهو يحمل كلمات الله، إلى رسول الله.. إنه «دنا» أي قرب من النبي، «فتدلّى» أي قرب أكثر فأكثر، شيئا فشيئا، فى لطف، ورفق.. فهو إذ يأخذ طريقه إلى النبي، ينطلق انطلاقا بكل قوته، حتى إذا دنا من النبىّ، تخفّف من سرعته شيئا فشيئا، حتى يلتقى به، ويكون منه «قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى» .. فيصافحه فى رفق ولطف، شأن الطائر حين يهوى من الجو إلى الأرض فى سرعة خاطفة، فإذا دنا من الأرض خفف من سرعته شيئا فشيئا حتى يلامس سطحها..
وقاب القوس: المسافة ما بين مقبض القوس ووتره، وذلك حين يشدّ القوس لإطلاق السهام منه، فيكون أشبه بنصف دائرة..
وهذا- والله أعلم- هو السر فى تشبيه التقاء جبريل بالنبي، حيث يكون كل منهما أشبه بقوس مشدود مهيّا للرماية، يقف كل منهما فى مواجهة صاحبه، مشدودا إليه، حتى يتماسا عند نهاية القاب، الذي يبدأ من مركز الدائرة إلى محيطها.
ومن جهة أخرى.. فإن القوس، فى حال شدّة، يكون متوترا واقعا تحت قوة مؤثرة، تشده شداّ عنيفا.. وكذلك شأن كلّ من جبريل،
стр. 5734
والنبي فى حال التقائهما.. إنهما يتجاذبان جذبا قويا.. فجبريل يجذب نفسه إلى حال بشريّة، والنبي يجذب نفسه إلى جهة الملائكة.
وهكذا يظلان يتجاذبان، وقتا معا، حتى يتماسا، كما يتماس وترا القوسين المشدودين، المواجه كل منهما للآخر، وهنا يتم اللقاء والتجاوب بينهما..
والعطف بالحرف: «أو» فى قوله تعالى: «فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى» - ليس للشكّ فى الحكم الواقع على ما بين القوسين من قرب وتلاحم، وإنما هو لتأكيد هذا القرب، وأنه بالنسبة لمن يرونه تختلف عليهم رؤيته، فيراه بعضهم قاب قوسين، ويراه بعضهم أدنى وأقرب من ذلك..
وفى قوله تعالى: «فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى»
إشارة إلى ما يقع فى هذا اللقاء بين جبريل والنبي، وهو أن جبريل يوحى إلى النبىّ، ما أمره الله بوحيه إليه من آيات الله وكلماته..
وفى قوله تعالى: «عبده» بإضافة النبي الكريم- بصفة العبودية إلى ربه- فى هذا تكريم للنبى الكريم، وإضافة له إلى رب العالمين، الذي ربّاه، وأحسن إليه، وعلمه ما لم يكن يعلم..
وفى قوله تعالى: «ما أَوْحى»
بتجهيل هذا الذي أوحى إلى النبي- تفخيم لهذا الموحى به، وأنه مما يجلّ عن الوصف، ومما لا تحصره الأوصاف.. فقل فيه ما تشاء من أوصاف الكمال والجلال، فإنك لن تبالغ صفته..
стр. 5735
قوله تعالى:
«ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى» .
أي ما كذب «الفؤاد» أي القلب، فيما رأى وعاين، مما يتلقى من آيات الله.. وفى التعبير عن العلم الذي وقع فى قلب النبي من هذا الذي ألقاه جبريل إليه- فى التعبير عن هذا العلم، بالرؤية- إشارة إلى أنه علم «محقق» يراه القلب، فى جلاء ووضوح، أشبه بما ترى العين الباصرة من مبصرات.. وهذا التلقّى عن طريق «الفؤاد» أي القلب- هو ما يشير إليه قوله تعالى: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» (١٩٣- ١٩٥:
الشعراء) .
والذي نزل به الروح الأمين «جبريل» على النبي، هو كلمات الله، وأنها نزلت بلسان عربى مبين، ولم تنزل معانىّ مجردة، صاغها النبي صياغة باللغة العربية كما يتخرص بذلك المتخرصون، الذين يقولون إن القرآن قسمة مشتركة بين الوحى وبين النبي.. فالموحى به إلى النبي هو المعنى الذي يقع فى قلب النبي، وأما اللفظ الذي يتشكل فيه هذا المعنى، فهى من النبي.. وهذا ما يكذّبه قوله تعالى: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» فقوله تعالى: «بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» متعلق بقوله تعالى «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ» - أي نزل به بلسان عربىّ مبين وقد عقدنا لذلك مبحثا خالصا فى هذا التفسير، تحت عنوان: كلمات الله وكيف تلقاها النبي «١» .
قوله تعالى:
«أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى» .
стр. 5736
المماراة، المجادلة، والبهت، والتكذيب.
والآية تحمل استفهاما إنكاريّا، ينكر على المشركين مماراتهم للنبى، وجدلهم له، فيما رأى من آيات ربه مما لم يروه.. إنه شاهد وهم غائبون، وهو مبصر، وهم لا يبصرون.. فكيف يجادل الغائب فيما يخبر به الشاهد؟ وكيف يكون للأعمى حجة يحاجّ بها ما يراه المبصر؟
[المعراج.. وما يقال فيه] قوله تعالى:
«وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى» .
هو تعقيب على مماراة المشركين للنبى وتكذيبهم له، لما يتلوه عليهم، ويقول لهم عنه، إنه كلمات الله، وآياته، تلقاها وحيا من ربه، على لسان أمين الوحى، ورسول السماء، جبريل، ﵇.
وإنهم إذ يمارون فى أن تتدلىّ ملائكة السماء إلى الأرض، وأن تخالط إنسانا من الناس، وتلقى إليه بكلمات الله- إنهم إذ يمارون فى هذا ويستكثرونه، ألا فليسمعوا ما هو أغرب وأعجب!! إن هذا النبي الذي يستكثرون عليه أن يكون على صلة بالسماء، وأن يتنزل عليه ملك من عند الله- هذا النبي هو الذي قد دعى إلى السماء، وهو الذي أصعد إلى الملأ الأعلى، فى موكب عظيم، تحفّ به الملائكة، ويحدو ركبه الأمين جبريل، وأنه مازال يصعد بركبه المبارك الميمون المهيب، حتى بلغ سدرة المنتهى، وهو غاية ما تنتهى إليه الطاقة البشرية، فى أعلى منازلها.
والسدرة، واحدة السدر، وهو شجر النبق، وهو من أشجار البادية، دائم الخضرة، كثير الفروع، ممتدّ الظلال.
стр. 5737
واختيار شجرة السدر، للدلالة على النهاية التي لا يتجاوزها مخلوق من العالم العلوي- لأن شجر السدر شجر صحراوىّ، ينبت على حافة الصحراء، بين البادية والحاضرة، فهو بهذا أمارة من أمارات البادية التي تكاد تماسّ الحياة الحضرية، وتقف على عتبتها، دون أن تتجاوزها إلى ما وراءها.. إنها أقوى، وأقدر نبت أصيل من نبات البادية، يستطيع أن يمتد فيصل إلى مشارف العالم الحضري.
أما النخل- فإنه وإن كان من نبت الصحراء، إلا أنه لا ظلّ له، يجتمع الناس تحته.، كما هو الشأن فى شجر السّدر.
وأما العنب والرمان، ونحوها، فإنها من نبات الحضارة أصلا، ثم استجلبت إلى البادية.
وعلى هذا، فإن شجرة السدر هنا تشير- والله أعلم- إلى نقطة التقاء بين عالمين عالم «البشر» الذي تتحرك فيه البشرية جميعها، والتي تستطيع بما يمدها الله من فضله أن تصعد فى هذا العالم حتى تبلغ سدرة المنتهى، ممثلة به فى خاتم النبيين، محمد، صلوات الله وسلامه عليه، وعالم الملائكة المقربين، الذين جعل الله لهم وراء سدرة المنتهى مجالا آخر. ينطلقون فيه، ومنهم جبريل ﵇.
والضمير فى قوله تعالى: «وَلَقَدْ رَآهُ» يراد به النبي- صلوات الله وسلامه عليه- أي أن النبي رأى جبريل نزلة أخرى، وهو فى الملأ الأعلى عند سدرة المنتهى.
وفى قوله تعالى: «نَزْلَةً أُخْرى» - إشارة إلى أن جبريل- ﵇ نزل نزلة أخرى فى العالم العلوي، غير تلك النزلة التي ينزلها إلى العالم الأرضى.
وإنه التقى برسول الله عند سدرة المنتهى، التي عندها جنة المأوى.. وهذا يعنى أن جبريل ﵇ نزل من العالم العلوي، مما فوق سدرة المنتهى، حتى
стр. 5738
بلغ سدرة المنتهى.. حيث كان بينه وبين النبي لقاء فى هذا العالم العلوىّ، الذي يفيض بجلال النور، وبهائه، مما لا تدرك العقول كنهه، ولا يقع فى الخيال تصوره.
وقوله تعالى: «إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى» .
«إذ» ظرف يكشف عن الحال التي تم فيها لقاء النبي مع جبريل، ﵉، عند سدرة المنتهى، فقد غشى هذه السدرة، ما غشّاها، ولبسها من الروعة والجلال ما لبسها، مما لا تدركه العقول، ولا تناله الأفهام.
وقوله تعالى «ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى» - المراد بالبصر هنا، بصر النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأن رؤيته للحقائق التي عرضت له فى هذا المقام العظيم، كانت رؤية محققة، موثّقة، لم يدخل عليها زبغ أو انحراف، عن القصد، أو طغيان، أي مجاوزة، عن الحق، فلم تخلط حقيقة بحقيقة، بل وقع كل شىء موقعه فى عين الرسول الكريم، وفى قلبه.
وقوله تعالى: «لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» .
الضمير فى «رأى» للرسول الكريم، وأنه قد رأى فى تصعيده فى الملأ الأعلى آيات كبرى من آيات ربه، مما لم يقع لبشر غيره.
ووصف الآيات بأنها كبرى، منظور فيه إلى تقدير المخلوقات.. أما آيات الله ، فهى جميعها على وصف واحد، وأن أيّا منها هو الكمال كله، والجلال جميعه، ومثل هذا قوله تعالى لموسى- ﵇ «لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى» .
هذا ما نراه فى «المعراج» على ضوء آيات الله.. وفيها نرى أن معراج الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- إلى الملأ الأعلى، كان استكمالا لتلك الرحلة الروحية، التي أرادها الله لنبيه الكريم ليلة الإسراء، وأن النبي الكريم قطع المرحلة الأولى من الرحلة فى العالم الأرضى، بين المسجد الحرام،
стр. 5739
والمسجد الأقصى، وأن هذه الرحلة كانت أشبه بمقدّمة لما هو مقدم عليه، صلوات الله وسلامه عليه، من العروج إلى العالم العلوي، حتى إذا أنست روحه، واطمأن قلبه، أخذ طريقه إلى الملأ الأعلى مصعّدا، حتى بلغ سدرة المنتهى! وهى غاية ما يمكن أن تحتمله البشرية فى الذروة العليا من مراتب كمالها. أما تلك الإضافات، وهذه الذيول، التي تتجاوز هذا المفهوم لآيات الله، والتي تحكى عن تلك الرحلة الروحية ما تحكى من غرائب وأعاجيب- فهى فى رأينا- مما لا يعوّل عليه.
وقد عرضنا لهذا الموضوع فى بحث خاص، عند تفسيرنا لقوله تعالى:
«سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» .
فلينظر هناك «١» .
الآيات: (١٩- ٣٠) [سورة النجم (٥٣) : الآيات ١٩ الى ٣٠]
أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣)
أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨)
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠)
стр. 5740
التفسير:
قوله تعالى:
«أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى» مناسبة هذه الآية وما بعدها للآيات التي قبلها، هى أنها تعقيب عليها، وسؤال بعد سؤال، للسخرية بالمشركين، والاستخفاف بعقولهم التي تتجاوب مع هذه الدّمى التي يعبدونها من دون الله..
فلقد كانت الآية السابقة على هذه الآيات، معرضا لما لرسول الله من مقام كريم عند ربه، وأنه إذ يتلقّى رحمات السّماء وآيات الله المنزّلة عليه، على يد ملك كريم مرسل من عند الله- فإن ذلك- على جلاله وعظمته- ليس هو كلّ ماله عند ربّه من فضل وإحسان، بل إن الله سبحانه قد دعاه إلى ملكوت السموات، وأنزله فى ضيافة كرمه وإحسانه، حيث يتناول بيده عطايا ربّه، من حيث يتناولها جبريل ﵇.. وإنه قد رأى بعينه ما كان يلقيه جبريل فى قلبه من تلك الآيات..
ثم عادت الآيات لتقول للمشركين، فى سخرية واستهزاء: هذا ما رأى محمد من آيات ربه الكبرى.. فماذا رأيتم أنتم أيها الضالون المكذبون؟
«أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى؟» أفليس هذا هو كلّ ما رأيتم؟
أفليس هذا هو مبلغكم من العلم؟ ثم ما هذا الذي رأيتموه؟ أهو شىء يقف
стр. 5741
عنده عاقل، ويشغل به قلبه وعقله؟ وماذا يجد العقل فى حجر من بين تلك الأحجار التي تسدّ الأفق من حولهم؟ وماذا يجد العقل فى شجرة من تلك الأشجار النابتة فى صدر الصحراء؟ والرؤية هنا رؤية بصرية، لا قلبية علمية، كما يرى ذلك أكثر المفسّرين، الذين يطلبون للفعل مفعولا ثانيا محذوفا، ويقدرونه هكذا:
أفرأيتم هذه المسميات بنات الله آلهة تعبدونها من دونه؟ وهذا تكلف يفسد المعنى..
فإن سؤالهم هنا عما يرونه واقعا تحت أبصارهم فى مواجهة ما رأى النبي ببصره من آيات ربّه الكبرى.. فهذه هى مواقع أبصارهم وما تراه، وهذا هو موقع بصر النبي وما رآه.. وشتان بين موقع وموقع، وبين ما يرى على تراب الأرض، وما يرى فى عالم الحقّ، ومطالع النور..!!
واللات: صخرة كانت لثقيف.. اتخذت منها صنما تعبده.
والعزّى: معبود من معبودات قريش.
ومناة: معبود من معبودات قريش أيضا..
وفى وصف «مناة» بالأخرى تشنيع عليها، وعلى ما عطفت عليه من أصنام قبلها.. إنها شرّ يضاف إلى شر، وبلاء يجتمع إلى بلاء، وسخف يلتقى مع سخف..
وليس قوله تعالى: «الأخرى» نعتا للعزّى، كما يقول بذلك أكثر المفسرين، وأن هذا الوصف أخّر رعاية للفاصلة، على تقدير: «أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى» . وذلك حسب تقدير المفسّرين، أن الأخرى إنما تجىء وصفا للثانية، لا الثالثة من هذه الدّمى المعبودات.
стр. 5742
وهذا تعليل مردود من وجوه:
فأولا: أن الفاصلة- كما قلنا- فى أكثر من مرة- لا ينظر إليها فى القرآن الكريم من وراء المعنى، فهى تبع للمعنى، وليس المعنى تبعا لها..
وثانيا: أن «الأخرى» جاءت هنا وصفا لمناة، بعد وصفها بأنها الثالثة..
فهى وصف متعيّن لها دون غيرها، وإحالته إلى غيرها تبديل لكلمات الله..
وثالثا: أن وصف مناة بالأخرى، بعد وصفها بأنها الثالثة، ليس مرادا به آخر المعبودات التي تقع تحت أبصار المشركين، بل هناك غيرها كثير.. وإنما المراد بهذا الوصف استثقال هذه المسميات، وقطع الحديث عما لم يذكر منها، وأن مناة هى آخر ما يذكر من هذه الشناعات، التي تتأذى بسماعها النفوس! إنها ثالثة الأثافىّ، أو ثالثة الهموم، وإن النفس لتضيق بهمّ واحد، فكيف بهمّ، وثان، وثالث؟
ولو كان همّا واحدا لاحتملته ولكنه همّ وثان وثالث! قوله تعالى:
«أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى؟ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى!» هو استفهام إنكارى، ينكر على المشركين ضلالهم فى أسماء هذه المسميات بعد أن أنكر عليهم المسميات ذاتها.. فهى ذاتها مسميات باطلة، والأسماء التي ركبت عليها أسماء باطلة كذلك، إذا أطلقوا عليها أسماء مؤنثة-، وجعلوها من عالم الإناث.. وهى فى حقيقتها ليست ذكورا، ولا إناثا، لأنها من عالم الجماد، الذي يقبل من الأسماء ما كان على لفظ المذكر أو المؤنث..
فلماذا اختاروا لمعبوداتهم جميعها أسماء مؤنثة؟ ولم لم يجعلوها مذكرة؟ ولم لم يجعلوا بعضها مؤنثا وبعضها مذكرا؟ إن ذلك كلّه لا يغير من حقيقتها شيئا..
стр. 5743
فالبيت من الوبر، أو الشعر، يسمّى خباء، ويسمى خيمة.. وهو هو بيت من الوبر أو الشعر..! وهكذا كل جماد، قابل لأن يوضع له لفظ مذكر أو مؤنث، للدلالة عليه، وهو فى كل حال ليس مذكرا ولا مؤنثا! وفى هذا تسفيه لأحلام هؤلاء المشركين، وأنهم يتخذون من هذه الدّمى كائنات حية يلبسونها ثوب الإناث، ويناجونها مناجاة الأطفال للّعب التي يتخذونها من الخشب ونحوه، ثم يطلقون عليها أسماء ذوات حية، ينطقونها، ويتناجون معها، كما يتناجى الأطفال مع لعبهم من عرائس، وخيل ونحوها! ومن جهة أخرى، فإن هذه الدّمى التي يتخذها المشركون آلهة يعبدونها من دون الله، هى عندهم تماثيل لبعض الملائكة، الذين هم فى اعتقادهم بنات الله، وأنهم جميعا أناس ليس فيهم ذكور أبدا..
وقوله تعالى: «أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى؟» هو سؤال يكشف عن سفه هؤلاء المشركين وحمقهم، حتى فى مجال هذا العبث الذي هم فيه.. إذ كيف يسوّغ لهم هذا البعث أن يتخذوا من الجماد صورا للملائكة؟ ثم يجعلون الملائكة بنات ينسبون بنوتها إلى الله، ثم يعبدونها تقربا إليه بها؟ أما كان الأولى بهم- وهم فى مقام التقريب إلى الله- أن يجعلوا ما ينسبون له من ذرية- أن يكون من الذكور، الذين هم عندهم فى مقام الحب والإعزاز، لا من الإناث الذين يسوءهم أن يولد منهن مولودة لأحد منهم؟. «وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ» سفها، وضلالا..
وقوله تعالى: «تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى» - هو تعقيب على قوله تعالى:
«أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى» .. وهو حكم واقع على فعلهم هذا فى نسبة البنات إلى الله، على حين يجعلون الذكور مطلبا لهم، ومبتغّى يبتغونه.. وهذا جور
стр. 5744
فى القسمة بينهم وبين الله، حتى فى حكم هذا المنطق الضالّ الذي يملى عليهم هذه التصورات الفاسدة.. أفلا يجعلون الله مساويا لهم، فيكون له من الذرية- حسب منطقهم- بنين وبنات، كما أن لهم بنين وبنات؟ والله يقول: «أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً؟ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً» (٤٠: الإسراء) .
والقسمة الضيزى: هى القسمة الجائرة، التي تنقلب فيها موازين العدل رأسا على عقب.
وكلمة «ضيزى» فى غنّى عن تفسير مدلولها، فهى فى بنائها وتركيبها من هذه الحروف الثقيلة، المتنافرة التي تجمع بين الضاد والزاى- تحكى عن صورة من الخلط والتخبط والجمع بين المتضادات، والمتنافرات، مما لا يقع إلا من المجانين والصرعى..!
قوله تعالى:
«إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ» .
أي هذه المعبودات التي تطلقون عليها هذه الأسماء، ليست إلا مجرد أسماء ليس وراءها شىء يمكن أن ينتفع به، وأن هذه الأسماء هى من ضلالات آبائكم، وقد ورثتموها عنهم، كما ورثتم جهلهم وسفههم.
قوله تعالى:
«إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى» .
أي ما يتبع هؤلاء المشركون إلا ما تفيض به ظنونهم الفاسدة، وما تمليه عليهم أهواء أنفسهم المريضة.
وفى قوله تعالى: «وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى» تسفيه، وتنديد بهؤلاء المشركين
стр. 5745
الذين يتبعون الظنون الباطلة، والأهواء الفاسدة، ويتخبطون فى عمّى وضلال، فى الحال التي يقوم فيها بين أيديهم آيات بينات من ربهم، لو استقاموا عليها لاهتدوا ورشدوا.. إن الضالّ، له عذره إذا ضل، وليس بين يديه معلم من معالم الهدى أما أن يضل، وكل معالم الهدى بين يديه، فهو الملوم المذموم بكل منطق وبكل لسان!! قوله تعالى:
«أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى؟ فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى» .
المراد بالاستفهام هنا النفي. أي أنه ليس للإنسان أن ينال كل ما تمنّيه به نفسه، ويدعوه إليه هواه.. وخاصة إذا كانت هذه الأمانى صادرة من عقول سقيمة، ونفوس مريضة، كتلك العقول، وهذه النفوس، التي يعيش بها هؤلاء المشركون.
فالمراد بالإنسان هنا، هو ذلك الإنسان الذي يقيم حياته على أوهام، وضلالات، ثم ينتظر الخير من وراء هذه الأوهام وتلك الضلالات.
وقوله تعالى: «فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى» - إشارة إلى أن الإنسان- أىّ إنسان- لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا، فى الدنيا، أو الآخرة.. فالله يملك الأمر كله، لا شريك له.. وأن من أراد أن ينال الخير فى الدنيا والآخرة، فليطلب ذلك من الله ، وليسع إلى مرضاته، والقرب منه، بما ينزل عليه من آياته، وما يقدّم إليه بين يدى رسله من هدى ونور..
فذلك وحده، هو السبيل إلى تحصيل الخير والفوز به.
وقدمت الآخرة على الأولى، لأنها هى الأولى، بابتغاء الخير فيها، والعمل لها، وعقد الآمال عليها، وتعليق الأمانىّ بها.