عنده عاقل، ويشغل به قلبه وعقله؟ وماذا يجد العقل فى حجر من بين تلك الأحجار التي تسدّ الأفق من حولهم؟ وماذا يجد العقل فى شجرة من تلك الأشجار النابتة فى صدر الصحراء؟ والرؤية هنا رؤية بصرية، لا قلبية علمية، كما يرى ذلك أكثر المفسّرين، الذين يطلبون للفعل مفعولا ثانيا محذوفا، ويقدرونه هكذا:
أفرأيتم هذه المسميات بنات الله آلهة تعبدونها من دونه؟ وهذا تكلف يفسد المعنى..
فإن سؤالهم هنا عما يرونه واقعا تحت أبصارهم فى مواجهة ما رأى النبي ببصره من آيات ربّه الكبرى.. فهذه هى مواقع أبصارهم وما تراه، وهذا هو موقع بصر النبي وما رآه.. وشتان بين موقع وموقع، وبين ما يرى على تراب الأرض، وما يرى فى عالم الحقّ، ومطالع النور..!!
واللات: صخرة كانت لثقيف.. اتخذت منها صنما تعبده.
والعزّى: معبود من معبودات قريش.
ومناة: معبود من معبودات قريش أيضا..
وفى وصف «مناة» بالأخرى تشنيع عليها، وعلى ما عطفت عليه من أصنام قبلها.. إنها شرّ يضاف إلى شر، وبلاء يجتمع إلى بلاء، وسخف يلتقى مع سخف..
وليس قوله تعالى: «الأخرى» نعتا للعزّى، كما يقول بذلك أكثر المفسرين، وأن هذا الوصف أخّر رعاية للفاصلة، على تقدير: «أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى» . وذلك حسب تقدير المفسّرين، أن الأخرى إنما تجىء وصفا للثانية، لا الثالثة من هذه الدّمى المعبودات.
стр. 5742
وهذا تعليل مردود من وجوه:
فأولا: أن الفاصلة- كما قلنا- فى أكثر من مرة- لا ينظر إليها فى القرآن الكريم من وراء المعنى، فهى تبع للمعنى، وليس المعنى تبعا لها..
وثانيا: أن «الأخرى» جاءت هنا وصفا لمناة، بعد وصفها بأنها الثالثة..
فهى وصف متعيّن لها دون غيرها، وإحالته إلى غيرها تبديل لكلمات الله..
وثالثا: أن وصف مناة بالأخرى، بعد وصفها بأنها الثالثة، ليس مرادا به آخر المعبودات التي تقع تحت أبصار المشركين، بل هناك غيرها كثير.. وإنما المراد بهذا الوصف استثقال هذه المسميات، وقطع الحديث عما لم يذكر منها، وأن مناة هى آخر ما يذكر من هذه الشناعات، التي تتأذى بسماعها النفوس! إنها ثالثة الأثافىّ، أو ثالثة الهموم، وإن النفس لتضيق بهمّ واحد، فكيف بهمّ، وثان، وثالث؟
ولو كان همّا واحدا لاحتملته ولكنه همّ وثان وثالث! قوله تعالى:
«أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى؟ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى!» هو استفهام إنكارى، ينكر على المشركين ضلالهم فى أسماء هذه المسميات بعد أن أنكر عليهم المسميات ذاتها.. فهى ذاتها مسميات باطلة، والأسماء التي ركبت عليها أسماء باطلة كذلك، إذا أطلقوا عليها أسماء مؤنثة-، وجعلوها من عالم الإناث.. وهى فى حقيقتها ليست ذكورا، ولا إناثا، لأنها من عالم الجماد، الذي يقبل من الأسماء ما كان على لفظ المذكر أو المؤنث..
فلماذا اختاروا لمعبوداتهم جميعها أسماء مؤنثة؟ ولم لم يجعلوها مذكرة؟ ولم لم يجعلوا بعضها مؤنثا وبعضها مذكرا؟ إن ذلك كلّه لا يغير من حقيقتها شيئا..
стр. 5743
فالبيت من الوبر، أو الشعر، يسمّى خباء، ويسمى خيمة.. وهو هو بيت من الوبر أو الشعر..! وهكذا كل جماد، قابل لأن يوضع له لفظ مذكر أو مؤنث، للدلالة عليه، وهو فى كل حال ليس مذكرا ولا مؤنثا! وفى هذا تسفيه لأحلام هؤلاء المشركين، وأنهم يتخذون من هذه الدّمى كائنات حية يلبسونها ثوب الإناث، ويناجونها مناجاة الأطفال للّعب التي يتخذونها من الخشب ونحوه، ثم يطلقون عليها أسماء ذوات حية، ينطقونها، ويتناجون معها، كما يتناجى الأطفال مع لعبهم من عرائس، وخيل ونحوها! ومن جهة أخرى، فإن هذه الدّمى التي يتخذها المشركون آلهة يعبدونها من دون الله، هى عندهم تماثيل لبعض الملائكة، الذين هم فى اعتقادهم بنات الله، وأنهم جميعا أناس ليس فيهم ذكور أبدا..
وقوله تعالى: «أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى؟» هو سؤال يكشف عن سفه هؤلاء المشركين وحمقهم، حتى فى مجال هذا العبث الذي هم فيه.. إذ كيف يسوّغ لهم هذا البعث أن يتخذوا من الجماد صورا للملائكة؟ ثم يجعلون الملائكة بنات ينسبون بنوتها إلى الله، ثم يعبدونها تقربا إليه بها؟ أما كان الأولى بهم- وهم فى مقام التقريب إلى الله- أن يجعلوا ما ينسبون له من ذرية- أن يكون من الذكور، الذين هم عندهم فى مقام الحب والإعزاز، لا من الإناث الذين يسوءهم أن يولد منهن مولودة لأحد منهم؟. «وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ» سفها، وضلالا..
وقوله تعالى: «تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى» - هو تعقيب على قوله تعالى:
«أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى» .. وهو حكم واقع على فعلهم هذا فى نسبة البنات إلى الله، على حين يجعلون الذكور مطلبا لهم، ومبتغّى يبتغونه.. وهذا جور
стр. 5744
فى القسمة بينهم وبين الله، حتى فى حكم هذا المنطق الضالّ الذي يملى عليهم هذه التصورات الفاسدة.. أفلا يجعلون الله مساويا لهم، فيكون له من الذرية- حسب منطقهم- بنين وبنات، كما أن لهم بنين وبنات؟ والله يقول: «أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً؟ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً» (٤٠: الإسراء) .
والقسمة الضيزى: هى القسمة الجائرة، التي تنقلب فيها موازين العدل رأسا على عقب.
وكلمة «ضيزى» فى غنّى عن تفسير مدلولها، فهى فى بنائها وتركيبها من هذه الحروف الثقيلة، المتنافرة التي تجمع بين الضاد والزاى- تحكى عن صورة من الخلط والتخبط والجمع بين المتضادات، والمتنافرات، مما لا يقع إلا من المجانين والصرعى..!
قوله تعالى:
«إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ» .
أي هذه المعبودات التي تطلقون عليها هذه الأسماء، ليست إلا مجرد أسماء ليس وراءها شىء يمكن أن ينتفع به، وأن هذه الأسماء هى من ضلالات آبائكم، وقد ورثتموها عنهم، كما ورثتم جهلهم وسفههم.
قوله تعالى:
«إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى» .
أي ما يتبع هؤلاء المشركون إلا ما تفيض به ظنونهم الفاسدة، وما تمليه عليهم أهواء أنفسهم المريضة.
وفى قوله تعالى: «وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى» تسفيه، وتنديد بهؤلاء المشركين
стр. 5745
الذين يتبعون الظنون الباطلة، والأهواء الفاسدة، ويتخبطون فى عمّى وضلال، فى الحال التي يقوم فيها بين أيديهم آيات بينات من ربهم، لو استقاموا عليها لاهتدوا ورشدوا.. إن الضالّ، له عذره إذا ضل، وليس بين يديه معلم من معالم الهدى أما أن يضل، وكل معالم الهدى بين يديه، فهو الملوم المذموم بكل منطق وبكل لسان!! قوله تعالى:
«أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى؟ فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى» .
المراد بالاستفهام هنا النفي. أي أنه ليس للإنسان أن ينال كل ما تمنّيه به نفسه، ويدعوه إليه هواه.. وخاصة إذا كانت هذه الأمانى صادرة من عقول سقيمة، ونفوس مريضة، كتلك العقول، وهذه النفوس، التي يعيش بها هؤلاء المشركون.
فالمراد بالإنسان هنا، هو ذلك الإنسان الذي يقيم حياته على أوهام، وضلالات، ثم ينتظر الخير من وراء هذه الأوهام وتلك الضلالات.
وقوله تعالى: «فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى» - إشارة إلى أن الإنسان- أىّ إنسان- لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا، فى الدنيا، أو الآخرة.. فالله يملك الأمر كله، لا شريك له.. وأن من أراد أن ينال الخير فى الدنيا والآخرة، فليطلب ذلك من الله ، وليسع إلى مرضاته، والقرب منه، بما ينزل عليه من آياته، وما يقدّم إليه بين يدى رسله من هدى ونور..
فذلك وحده، هو السبيل إلى تحصيل الخير والفوز به.
وقدمت الآخرة على الأولى، لأنها هى الأولى، بابتغاء الخير فيها، والعمل لها، وعقد الآمال عليها، وتعليق الأمانىّ بها.
стр. 5746
قوله تعالى:
«وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى» .
أي أنه إذا كان المشركون يتعلقون بالملائكة، ويعبدونهم من دون الله، ويرجون منهم الشفاعة لهم عند الله، فإن ذلك لا يغنيهم من الله من شىء..
إذ كان الملائكة أنفسهم هم تحت سلطان الله، لا ينالون شيئا إلا بما يأذن الله لهم به. إنهم ومن يعبدونهم سواء فى العجز عن التصرف فى شىء من ملك الله.. وإنه لضلال بعيد أن يطلب الخير ممن لا يملكه، ولا يطلب من مالك الملك ذى الجلال والإكرام.
«وكم» فى قوله تعالى: «وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ» - خبرية، يراد بها الكثير..
والسؤال هنا، هو: إذا كان قد انتفى عن كثير من الملائكة أن يشفعوا إلا لمن أذن له الرحمن منهم فى الشفاعة، ورضى شفاعته فيمن شفع له، فهل هذا يعنى أن بعضا من الملائكة غير هذا الكثير- تغنى شفاعته من غير إذن من ربه؟
والجواب على هذا- والله أعلم- أن المراد بالخبر هنا، هو ردّ على معتقد المشركين، فى شفاعة هذه المعبودات التي خلعوا عليها أسماء، اخترعوها لها من أهوائهم، وجعلوها بهذا بنات الله، وأنها تشفع لهم عند الله، كما يقول على لسانهم: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» (٣: الزمر) وكما يقول جل شأنه: «وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ» (١٨ يونس) .. فأخبر سبحانه فى هذه الآية، بأن الملائكة الحقيقين فى السماء، لا هذه الدمى التي يمثلون
стр. 5747
بها الملائكة- هؤلاء الملائكة لا يملكون الشفاعة إلا بإذن من الله.. فكيف يكون لهذه الدعوى- التي تلبس زورا صفة الملائكة- كيف يكون لها أن تشفع عند الله؟
ومن جهة أخرى، فإن هذا الاستثناء يعنى أن كثيرا من الملائكة لا يؤذن لهم بالشفاعة، وأما الملائكة الذين تقبل شفاعتهم، فهم الذين يأذن الله لهم بذلك، ويقبل منهم قولهم فيمن شفعوا لهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً» (٣٨: النبأ) .
قوله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى» هو تشنيع على هؤلاء المشركين، الذين يطلقون على الملائكة أسماء مؤنثة، باعتبار أنهم أناث، وأنهم بنات الله!.
وفى قوله تعالى: «لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ» - إشارة إلى أن آفة المشركين إنما هى فى إنكارهم للبعث، ولما بعد البعث من الحياة الآخرة، وهذا ما دعاهم إلى إنكار رسالة الرسول فيهم، والتي من محاملها الإيمان باليوم الآخر، بعد الإيمان بالله.. فهؤلاء المشركون مستعدون لأن يؤمنوا بالله، ولكن على شريطة ألا يكون الإيمان بالله مستدعيا الإيمان باليوم الآخر.. والإيمان كلّ لا يتجزأ..
فمن آمن بالله، وكفر باليوم الآخر، وبرسل الله، فهو على غير الإيمان الصحيح المقبول..
قوله تعالى:
«وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» .
أي ما لهم بهذا القول الذي يقولونه فى الملائكة، من علم قائم على الحق، أو
стр. 5748
وارد من موارده.. وإنما هو عن ظنون وأوهام، وإن الظن إذا لم ينته بصاحبه إلى اليقين، هو ضلال مبين «لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» أي لا يقوم مقام الحق فى أي موقع من مواقعه، ولا يمسك الممسك به إلا بقبض من ريح!.
قوله تعالى:
«فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا» .
هو استخفاف بهؤلاء المشركين المعاندين، وأنهم ليسوا أهلا لأن يرص عليهم، ويبالغ فى الطلب لخلاصهم.. فليتركوا ليد الهلاك والضياع..
فذلك هو جزاء الظالمين.. إنهم أعرضوا عن ذكر الله، وردّوا اليد المبسوطة لهم بالهدى، وأبوا أن يؤمنوا بالآخرة، وأن يعملوا لها، وجعلوا الحياة الدنيا هى كل حياتهم، فأغرقوا أنفسهم فيها، واستهلكوا وجودهم فى السعى لها..
قوله تعالى:
«ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ.. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى» .
أي ذلك الذي يعيش فيه المشركون، من إعراض عن ذكر الله، وعن الخشية من لقائه يوم القيامة، واستفراغ وجودهم كله فى الحياة الدنيا- هو غاية علمهم الذي حصّلوه بعقولهم الفاسدة.. فهم إنما كان همّهم كله منصرفا إلى الحياة الدنيا، فوجهوا عقولهم إليها، وحصلوا من العلم ما يصلهم بهذه الحياة، ويمكن لهم فيها.. وهو علم تافه، يمسك بالقشور من حقائق الأشياء، ولا ينفذ إلى صميمها، ولبابها.. ولو أن علمهم بالحياة الدنيا، كان علما قائما على فهم صحيح، وإدراك سليم، لكان لهم من هذا العلم سبيل إلى الإيمان بالله، واليوم الآخر.. «يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ» (٧: الروم) ..
стр. 5749
وقوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى» ..
هو تهديد للمشركين، الذين يحسبون أنهم لن يبعثوا، ولن يحاسبوا، وأنه ليس هناك معقب على ما تمليه عليهم أهواؤهم من ضلالات.. وكلّا، فإن الله يعلم ما فى السموات والأرض، لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء.. «وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (١١١: هود) ..
الآيات: (٣١- ٥٥) [سورة النجم (٥٣) : الآيات ٣١ الى ٥٥]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥)
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠)
ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥)
مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠)
وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥)
стр. 5750
التفسير:
قوله تعالى:
«وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» ..
هو تأكيد لمعنى ما تضمنه قوله تعالى فى الآية السابقة،: «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى» أي أن علم الله علم محيط بكل شىء، وليس مقصورا على علم ما يقع من الناس، من ضلال أو هدى، بل إن له سبحانه ما فى السموات وما فى الأرض..
لا شريك له فيهما، وإذ كان هذا شأنه سبحانه، فهو عالم علما محيطا بكل شىء: «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (١٤: الملك) وقوله تعالى: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» - هو تعليل يكشف عن الحكمة فى علم الله بمن
стр. 5751
ضلّ عن سبيله، ومن اهتدى.. فليس هذا العلم لمجرد العلم، بل هو علم وراءه عمل، هو مجازاة كل عامل بما عمل، وبما كشف هذا العلم عما عمل.. وهو مثل قوله تعالى: «وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» (٤- ٥: الفتح) .
وفى اختلاف النظم بين قوله تعالى: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا» ، وقوله تعالى: «وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» والذي كان من مقتضى ظاهر النظم أن يقال: ليجزى الذين أساءوا بالسوأى، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى- فى هذا إشارة إلى أن مجازاة الذين أساءوا بالسوأى، ليست حتما مقضيّا فى كل حال، بل إن رحمة الله قد تنال هؤلاء المسيئين، فيعفو الله عن سيئاتهم كلها أو بعضها، كما يقول سبحانه: «وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» (٣: الشورى) .. وكما يقول جل شأنه: «وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ» (٤٥: فاطر) ..
فالمسيئون فى معرض رحمة الله، إن شاء رحمهم وعفا عنهم، وإن شاء أخذهم بذنوبهم، أو ببعض ذنوبهم.
وأما فى مقام الإحسان، فالأمر مختلف.. فإن المحسنين هم فى مواجهة رحمة الله وفى التعرض لها، من باب أولى.. وهم لهذا مجزيون بإحسانهم، بل وبمضاعفة هذا الإحسان.. فذلك مما تقضى به رحمة الله، ويوجبه عدله..
стр. 5752
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» (٥٦: يوسف) . وقوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» (٢٦: يونس) ..
[الّلمم.. والمعفوّ منه]
قوله تعالى:
«الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ.. هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى» ..
هو بدل من قوله تعالى: «وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» .. وهذا هو أشبه بعطف البيان،. إذ أنه لا يستحق الذين أحسنوا هذا الوصف بالإحسان، إلا إذا كانوا ممن يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلّا اللمم، وإلا فهم من الذين أساءوا، وليس لهم مدخل إلى الذين أحسنوا، إذ أنه لا يجتمع الإحسان مع مقارفة الكبائر، وإتيان الفواحش..
وكبائر الإثم، أشنعها، وأفظعها، وعلى رأسها الكفر بالله، والشرك به..
والفواحش، هى المنكرات، وعلى رأسها الزنى، فهو فاحشة الفواحش..
واللمم: هو الإلمام بالفاحشة، والطواف حولها، دون الوقوع فيها..
فهذا الإلمام، وإن كان من قبيل الفاحشة، إلا أنه مما ترجى مغفرته من الله، الواسع المغفرة.. وذلك أن الذي ألمّ بالفاحشة، وحام حولها، ثم ردّه عن الوقوع فيها خوفه من الله، وخشيته له، وحياؤه منه- جدير
стр. 5753
بأن ينزع عن هذا اللمم، مادام هذا الشعور بالخوف من الله قائما فى قلبه! ..
وإنه لمن التأويل الفاسد والفجور الآثم، أن يقف المؤمن عند حدود الفاحشة، فلا يأتيها، ثم يستبيح لنفسه الحوم حولها، والإلمام بها، وغشيان حماها، متخذا من قوله تعالى: «إِلَّا اللَّمَمَ» مدخلا يدخل به إلى مباءة الفاحشة، دون تحرّج أو تأثم، بهذا التأويل الفاسد الآثم، الذي يتأول عليه بعض المتأولين.
وكلّا، فإن الّلمم بالفاحشة ذريعة إلى الفاحشة، وطريق ممهد إليها.. وأن من يحوم حول الحمى يوشك أن يواقعه، كما يقول الرسول الكريم.. وإن سدّ الذرائع أمر من أوامر الإسلام، وشريعة من شرائعه.. فقد حرمت الشريعة قليل الخمر، ولو قطرات، كما حرمت كثيره، لأن قليله يدعو إلى كثيره، المفضى إلى السكر الذي هو علة تحريم الخمر..
فكذلك اللمم من الفاحشة، كالنظرة الفاجرة، أو الخلوة بغير المحرم من النساء، أو اللمس، أو التقبيل.. فهذا وإن لم يكن الفاحشة التي هى الزنى، فإنه الطريق إلى الزنى، والمحرك للشهوة، والمطلق لها من عقالها، الأمر الذي إن حدث، غلب الإنسان على أمره، وأفلت الزمام من يده، فوقع فى المحذور الذي يتوقاه..
فاستثناء اللمم ليس مبيحا له فى الآية الكريمة، أو رافعا الإثم عنه، بل هو مأثم، إن لم يكن فى عظم مأثم الفاحشة نفسها، فهو بعض منها..
وهذا الاستثناء، إنما هو من باب الرحمة بالإنسان، والتخفيف عن ضعفه البشرىّ، فى حال- وليس فى مطلق الأحوال- يغلبه فيه ضعفه، فتندّ منه النظرة، أو تفلت منه الهفوة، ثم سرعان ما يدركه إيمانه ويهتف به وازع الخشية من ربّه، فيرجع إلى ربّه من قريب، فيجد ربّا غفورا، رحيما، يلقاه بالمغفرة
стр. 5754
ويلبسه لباس الإيمان الذي كاد يتعرّى منه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ. أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها..»
(٦٠- ٦٢: المؤمنون) فهؤلاء هم الذين أحسنوا، وهؤلاء هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وهؤلاء هم الذين يقعون تحت حكم قوله تعالى: «إِلَّا اللَّمَمَ» .. فإن اللمم الذي يجترحونه، هو من جراحات معركة قد كانت حامية الوطيس، بين أهواء النفس، وبين وازع الإيمان بالله، والخشية له، والخوف منه.. وإن جراحات هذه المعركة، التي أصيب فيها المؤمن المجاهد لأهواء نفسه وشهواتها، لتجد لها عند الله، من مرهم الرحمة والمغفرة، ما يعفّى عليها، ويذهب بآثارها، ويكتب العافية والشفاء، للمصاب بها..
أما الذين يتخذون من قوله تعالى: «إِلَّا اللَّمَمَ» رخصة إلى تقحّم هذه المنكرات، واستساغة مطمعها الخبيث، واعتياد غشيان مواقعه، والتردّد على موارده- فإنه مهلكة لا نجاة منها، وجراحات لا شفاء لها، وإنه لهو الحرب السافرة لله، ولشريعة الله، إنه لهو العدوان المتعمد على حدود الله..
«وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» (١: الطلاق) .
وقوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ» .. ليس بالذي يغرى بالجرأة على الله، وبمجاوزة الإلمام بالفاحشة إلى مقارفتها والوقوع فيها، وإنما هو عند الذين فى قلوبهم إيمان بالله، وحياء منه، وخشية له- داعية إلى الإقبال على الله، وإلى السعى حثيثا إلى ساحة فضله، وإحسانه، ليلقى المؤمن ربه بقلب سليم وكيان نظيف يليق بهذه الساحة الكريمة التي يحلّ بها..
وقوله تعالى: «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي
стр. 5755
بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ.. فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى» .
هو تعقيب على قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ» .. أي إنه- لعلم الله بكم أيّها الناس، وبما فيكم من ضعف وعجز عن مغالبة بعض أهوائكم، فإنه- سبحانه- قد أوسع لكم فى رحمته، وتجاوز عن الصغائر واللمم من ذنوبكم، فإنكم مهما اجتهدتم فى تحرّى الإحسان، وفى الاحتفاظ بفطرتكم على نقائها وصفائها فلن تحققوا هذا، وإن حققتم الكثير منه، ولن تبلغوا الغاية وإن قاربتموها.. فالذين يدخلون منكم مدخل الإحسان ويحسبون فى المحسنين، لم يكن ذلك لهم وإنما كان بإحسان الله إليهم، وتجاوزه عن الكثير من ذنوبهم..
وقوله تعالى: «إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ» .. إشارة إلى مقتضى هذه المغفرة الواسعة التي شمل بها بنى الإنسان إذ هم من نبات هذه الأرض، ومن معطيات ترابها، وليسوا من عالم النور.. فهم- والحال كذلك- لن يتخلصوا أبدا من ظلام المادة، ولن يتحوّلوا إلى عالم الرّوح، وهم فى هذه الأجساد المخلّقة من الأرض! وإنه لولا سعة مغفرة الله، لما كان لإنسان أن يكون من المحسنين، الذين يرتفع بهم إحسانهم إلى عالم الحقّ، ولما كانوا من أهله، يوم يقوم الناس لربّ العالمين..
وقوله تعالى: «وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ» .. معطوف على قوله تعالى: «إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ» .. فهذه حال أخرى من أحوال الإنسان، تكشف عن ضعفه، وأنه فى يد العجز وأن يد الله ، هى التي أخرجته من هذا الضعف إلى القوة، كما أن مغفرته الواسعة، هى التي أخرجته من عالم التراب، وألحقته بعالم الحقّ والنور..
فالظرفان: (إذ، وإذ) فى قوله تعالى: «هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ
стр. 5756
الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ»
ليسا قيدا لعلم الله بالناس فى حالتى نشأتهم من الأرض، ووجودهم فى بطون أمهاتهم، وإنما هما ظرفان يشيران إلى هذين الوقتين اللذين يكون الإنسان فيهما، فى حال أشبه بالعدم، إذا هو نظر إلى نفسه فيهما، وقد صار كائنا عاقلا رشيدا، يخاطب من الله، ويتهيأ للدخول فى عالم الحق والنور..
وقوله تعالى: «فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ» النهى عن تزكية النفس هنا، ليس مرادا به الكفّ عن طلب ما يزكى النفس، ويطهرها، فالعمل على تزكية النفس، وتطهيرها مما يخالطها من ذنوب وآثام، هو أمر مطلوب دائما من كل إنسان يطلب الفلاح والنجاة، كما يقول سبحانه: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى» (١٤، ١٥: الأعلى) وكما يقول جل شأنه: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» (٧- ١٠ الشمس) فالمراد بالنهى عن التزكية فى قوله تعالى: «فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ» - هو النهى عن الاطمئنان إلى النفس، وعدّها مزكّاة مطهرة، لا تحتاج إلى تزكية وتطهير..
فإن النفس التي خالصت تراب الأرض، ولبست هذا الجسد الترابي، لن تكون أبدا على حال كاملة من النقاء والطهر، بل هى دائما فى حاجة إلى زكاة وتطهير.. فلا تحسبوا أنفسكم مزكاة مطهرة.. بل هى دائما فى حاجة إلى تزكية وتطهير..
فالنهى عن تزكية النفس هنا، هو نهى عن إخلاء النفس من مشاعر الاتهام لها بالهوى، والنظر إليها نظرة لا ترفعها إلى درجة الكمال، وهذا من خداع النفس، الذي يزين المرء سوء عمله، ويريه من ذاته، أنه أوفى على غاية الإحسان..
стр. 5757
والله يقول: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» ..
(٨: فاطر) ..
وقوله تعالى: «هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى» أي أن الله ، هو أعلم بمن تزكى وتطهر منكم، أما أنتم فلا تعلمون ما بلغت نفوسكم من تزكية وتطهير..
فقد يرى المرء منكم نفسه فى حال معجبة له من الطهر، والزكاة، وهو ملطخ بالآثام، غارق فى المنكرات، وقد يخيل لأحدكم أن أعماله مبرورة مقبولة، وهى مردودة عليه.. فالذى يعلم حقيقة الإنسان، وما هو فيه من خير وشر، وما هو عليه من هدى وضلال- هو الله ، كما يقول جل شأنه:
«وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ» (٢٢٠: البقرة) وإذن، فإن المطلوب من الإنسان أن يكون دائما متهما لنفسه، طالبا السعى إلى غسلها من الأدران، متعهدا لها بالنظافة فى كل وقت، كما يتعهد جسده بالغسل والنظافة.
وفى التعبير عن التزكية والتطهير بالتقوى فى قوله تعالى: «فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى» بدلا من أن يقال هو أعلم بمن تزكى، الذي يقتضيه فى الظاهر سياق النظم- فى هذا إشارة إلى أن «التقوى» هى وسيلة التزكية والتطهر وأن من أراد أن يطهر نفسه ويزكيها، فلا سبيل له إلا بالتقوى.. والتقوى- كما يقول بعض العارفين: «هى أن يراك الله حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك» .
قوله تعالى:
«أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى» .
الاستفهام هنا تعجبى إنكارى، من هذا الإنسان الضال، الذي أعجب بنفسه، فحمله هذا الإعجاب على أن يتمنّى هذه الأمانى الباطلة، ويعدها تلك الموعود الخادعة، ويحسب بذلك أنه أربح الناس صفقة، وأهداهم سبيلا..
стр. 5758
فالمناسبة ظاهرة بين هذه الآية والآيات التي قبلها، والتي كان من دعوتها، ألّا يحسن الإنسان الظن بنفسه، وألا يزكيها، ويعللها بتلك الأوهام الخادعة..
فجاءت هذه الآية عارضة لضحية من ضحايا الخداع النفسي، الذي يورد صاحبه موارد الضلال والهلاك..
وقوله تعالى: «تولّى» أي أعرض عن ذكرنا، وكذّب برسولنا.
وقوله تعالى: «وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى» .. الواو هنا واو الحال، والجملة حال من فاعل «تولى» على تقدير الحرف «قد» بعدها، أي تولى وقد أعطى قليلا وأكدى.
وإعطاء القليل، هو ما أعطاه من نفسه من ميل قليل إلى الاستجابة للرسول والإيمان به.. ثم لم يلبث أن غلبته نفسه الأمارة بالسوء، واستبدّ به طبعه النكد فنكص على عقبه، وأبى على هذه الشرارات المضيئة أن تنطلق من نفسه، فتضىء له طريقه إلى الله.. فأمسك بها، وأطفأ جذوتها.
وقوله تعالى: «وأكدى» أي شحّ وبخل، وصار أشبه بالكدية، وهى الأرض الصلبة، التي لا تنبت نباتا، ولا تفجر ماء.
وقوله تعالى: «أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى» استفهام إنكارى لهذا الاتجاه الذي أخذه هذا الضال، بعد أن أقام وجهه قليلا على مطلع الهدى والنور ثم عدل عنه..
فعلى أي أساس أقام وجهه على هذا الطريق الضال؟ وبأية حجة أو برهان قدر لنفسه هذا الخير الذي يمنيها به على هذا الطريق؟ أطّلع الغيب، فرأى عاقبة أمره، وما ينتظره على هذا الطريق؟ أم أنه يضرب على غير هدى، لا يصحبه على طريقه هذا إلا السراب الخادع الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الحسرة والندم ملء يديه؟ .. ومثل هذا قوله تعالى: «أَفَرَأَيْتَ
стр. 5759
الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً»
(٧٧، ٧٨: مريم) .
وقد اختلف فى شخص هذا الشقي الذي تحدثت عنه هذه الآيات، بما تمنيه به نفسه من كواذب الأمانى وأباطيلها.
والرأى- عندنا- أن هذا الحديث لم يقصد به واحد بعينه من هؤلاء المخدوعين بأنفسهم، والذين جذبتهم أنوار الإسلام إليه، ثم لم يلبثوا أن ارتدوا على أدبارهم خاسرين.. فكثير من مشركى مكة كان لهم مثل هذا الموقف المتردّد بين الإقبال على الإسلام، والإدبار عنه، ثم لم يلبثوا إلا قليلا حتى تحددت مواقفهم، فمضى بعضهم فى طريقه إلى الإسلام، ونكص بعضهم على عقبه، نافرا، مستكبرا.
قوله تعالى:
«أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى» .
أي: ألم يعلم هذا المتأمّى على الهدى، ما فى صحف موسى، وما فى صحف إبراهيم؟
والمراد بالاستفهام هنا طلب هذا العلم الغائب عنه، وأنه إذا كان هذا الضال لم يعلم بما فى صحف موسى وإبراهيم، فليطلب هذا العلم، مما سنبينه له فى الآيات التالية.
ووصف إبراهيم ﵇، بأنه وفيّ، إشارة إلى ما كان منه من الوفاء بالرؤيا التي رأى فيها أنه يذبح ولده، فعرضه للذبح، وهمّ بذبحه، كما يقول سبحانه: «فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا! إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» (١٠٣- ١٠٥: الصافات) .. فهذا من إبراهيم هو غاية الوفاء، بما لله سبحانه عليه من طاعة وولاء.
стр. 5760
ولم يقدّم موسى على إبراهيم هنا، رعاية للفاصلة، كما يقول بذلك أكثر المفسرين، ولكن كان ذلك- والله أعلم- لأن موسى أقرب عهدا بالمخاطبين بهذه الآيات من إبراهيم.. وذلك فى مقام البحث عن صحف هذين النبيين الكريمين، وأخذ ما فيهما من أحكام.. ففى هذا المقام يمتدّ النظر إلى أقرب الصحف، وهى صحف موسى، ثم يتجاوزها إلى صحف إبراهيم.
أما فى المقام الذي يراد به الترتيب الزمنى لهذه الصحف، فإن القرآن الكريم يضع هذا الترتيب موضع الاعتبار، فيقول : «إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى» (١٨، ١٩: الأعلى) . فالقرآن هنا يشير إلى الصحف الأولى، التي حملت رسالات السماء.. فإذا ذكر من هذه الصحف صحف إبراهيم وموسى، كانت صحف إبراهيم مقدمة فى الذكر على صحف موسى.. أما فى مقام الاتصال بها، والإفادة منها، فإن هذا يقضى بأن يدلّ أولا على ما كان العهد به أقرب.. ثم الذي هو أقدم منه عهدا.
وهكذا نرى كلمات الله، ناطقة بالحق، واضعة الأمور مواضعها، فى أدق وضع وأحكمه.. «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (٨٢: النساء) .
قوله تعالى:
«أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى فَغَشَّاها ما غَشَّى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى» .
стр. 5761
هذه الآيات، هى بيان لما فى صحف موسى، وإبراهيم، مما جهله هذا الذي تولّى وأعطى قليلا وأكدى..
ففى هذه الصحف، هذه الأحكام التي يدين الله بها عباده، وهى: «أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» أي لا تحمل نفس ذنب نفس أخرى، بل كل امرئ بما كسب رهين.. وأنه «لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى» فلا يضاف إليه شىء من فعل غيره، ولا يضاف من سعيه شىء إلى أحد..
«وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى» أي ينظر فيه ويحاسب عليه «ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى» دون أن ينقص من سعيه شىء..
ومما فى هذه الصحف «أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى» أي منه تصدر الأمور، وإليه منتهاها، ومرجعها، كما يقول سبحانه: «إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى»
(٨: العلق) أي المعاد الذي يجتمع فيه الناس للحساب والجزاء.
ومما فى هذه الصحف أيضا، أن الله ، هو الذي بيده الأمر كله، وإليه يردّ كل ما يساق إلى الناس مما يسرهم أو يسوءهم، فهو سبحانه الذي أضحك من أضحك، وأبكى من أبكى، وهو سبحانه الذي أمات من أمات، وأحيا من أحيا.. وأنه سبحانه هو الذي خلق الزوجين- الذكر والأنثى- من نطفة، لا يدرى أحد ماذا تعطى من ذكور أو إناث.. فهى لا تعدو أن تكون ماء على طبيعة واحدة، ولكن بعضه يعطى ذكورا، وبعضه يخرج إناثا.. حسب تدبير الله سبحانه وتقديره..
وفى قوله تعالى: «مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى» .. إشارة إلى مبدأ الحياة فى الكائنات الحية، وأنها تبدأ فى هذه الجرثومة السابحة فى هذا المنىّ.. والمنىّ قبل أن يمنى ويخرج من الرجل إلى المرأة، يكون فى حالة لم تنضج فيها جرثومة الكائن الحىّ، الذي تغرس بذرته فى الأنثى.. فإذا خرج المنىّ من الرجل فى
стр. 5762
حالة اتصاله بالمرأة، كان هذا المنىّ قد نضج واستوى، وحمل فى كيانه جرثومة الحياة..
ومما فى هذه الصحف.. أن الله ، سيبعث الموتى، ويخرجهم من الأرض مرة أخرى، كما كانوا فيها قبل أن يولدوا الولادة الأولى..
ومما فى الصحف أيضا، أن الله سبحانه، هو الذي أعطى من أعطى، وحرم من حرم.. فكان الغنىّ وكان الفقير «وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى» ..
فالإغناء يكون عن عطاء، والإقناء يكون عن منع..
والإقناء، ليس من القنية، كما يقول المفسرون، الذين جعلوا الإقناء مرادفا للإغناء.. أي أنه سبحانه أعطى ما يغنى الأغنياء، ويمكنهم من اقتناء الضياع، والقصور، والمتاع.. أي أغنى، وأعطى ما فوق الغنى.
وهذا- والله أعلم- لا يتفق مع نسق النظم الذي جاءت عليه الآيات، مقابلة بين الشيء وضده: الضحك والبكاء، والموت والحياة، والذكر والأنثى..
إنه لخروج على هذا النسق أن يكون الغنى، مقابلا للاقتناء الذي هو بمعنى الغنى أيضا! وذلك من غير داعية تدعو للخروج على هذا النسق..
فقوله تعالى: «أقنى» .. هو- والله أعلم- بمعنى منع، وحرم.. وهو مأخوذ من قنى المرء الشيء، إذا صانه، وضن به كأفنى واقتنى، ومنه قول الشاعر:
فاقنى حياءك لا أبالك إننى فى النائبات النازلات لفارس أي صونى حياءك، وضنى به، ولا تقفى موقفا يكشف هذا الحياء ويعريه..
فالإقناء من الله بمعنى المنع، أي أنه سبحانه أغنى أناسا، ومنع المال عن أناس، ولم يغنهم.
стр. 5763
ويبقى بعد هذا سؤال:
كيف يكون قوله تعالى: «أقنى» بمعنى صان وحفظ، ثم يكون الحفظ والصون فى مقابل الغنى، أي ضده، مع أن الحفظ والصون يوازن الغنى قدرا، ويرجحه؟
والجواب على هذا- والله أعلم- أن قوله تعالى: «أقنى» بمعنى صان وحفظ، يدلّ بظاهره على الفقر، الذي هو ضد الغنى، وذلك أن الله حين أغنى كثيرا من أهل الضلال والكفر، قد أخلاهم لأنفسهم، فأطغاهم هذا المال، وزادهم ضلالا وكفرا، على حين «أقنى» سبحانه أولياءه والصالحين من عباده، وصانهم من فننة المال وطغيانه، فلم يسلّط عليهم الدنيا، ولم يبلهم بحبها.. ثم هم مع ذلك أغنياء بقلوبهم المأنوسة بنور الإيمان بالله، والطمع فى رحمته..
وقوله تعالى: «وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى» ..
أي ومما فى صحف موسى وإبراهيم، الإخبار عنه جل وعلا، بأنه رب الشعرى وهى نجم فى السماء، يسمى الشعرى العبور، يطلع من جهة الجنوب..
وكانت بعض قبائل العرب تعبد هذا النجم باسم الشعرى..
وقوله تعالى: «وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى» .. ومما فى أخبار هذه الصحف أيضا، أن الله سبحانه أهلك عادا الأولى، ثم أهلك بعدها ثمود..
فلم يبق منهم باقية..
ووصفت عاد بالأولى، لأنها متقدمة زمنا على الأمم التي حفظ التاريخ لها ذكرا.. فهى أول أمة بعد قوم نوح..
وقوله تعالى: «وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى» ..
стр. 5764
معطوف على قوله تعالى: «أَهْلَكَ عاداً الْأُولى. وَثَمُودَ..» أي وأهلك قوم نوح الذين كانوا قبل قوم عاد.. فليس هذا الهلاك الواقع بتلك الأمم المتتابعة إلا لظلمها، وطغيانها، فهى جميعها ظالمة طاغية، وإن كان بعضها أكثر من بعض ظلما وطغيانا..
قوله تعالى: «وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى» .. معطوف على قوله تعالى: «وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى» أي وأهوى المؤتفكة..
والمؤتفكة، هى قرية قوم لوط، وقد ائتفكت بأهلها أي انقلبت رأسا على عقب، ومنه الإفك، لأنه قلب للحق..
قوله تعالى: «فَغَشَّاها ما غَشَّى» .. أي ألبسها من ثياب العذاب والنكال..
ما ألبس.. وفى تجهيل «ما غشى» .. إشارة إلى أن هذا البلاء لا يحيط أحد بوصفه، إذ كان على غير ما يعرف الناس، أو يتخيلون، من صور التدمير والهلاك..
قوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى» - هذا سؤال موجه إلى هذا الإنسان الذي يمثل كل إنسان والذي أوقفته الآيات السابقة موقف المحاكمة فى قوله تعالى: «أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى.. الآيات» وقد عرضت عليه فى هذه الآيات صور من قدرة الله، وتدبيره فى خلقه، وأن ما تحدث به آيات القرآن الكريم من عرض لقدرة الله، ليس بدعا من القول، وإنما هو مما تحدثت به آيات الله كذلك فى صحف إبراهيم وموسى.. فالله سبحانه، واحد، لا شريك له، قديم لا أول له.. وأن الناس جميعا فى كل زمان ومكان، هم عبيده، وفى قبضة سلطانه..
والسؤال فى الآية الكريمة تقريرى.. أي هذه هى نعم الله، وتلك آلاؤه، فبأيها يكذب المكذب، ويمارى الممارى؟ وهل يستطيع مفتر أن يجرؤ
стр. 5765
على أن يقول، أنا أضحك وأبكى، وأحيى وأميت، وأغنى وأقنى..؟
ولقد قالها من قبل ذلك الذي حاجّ إبراهيم فى ربه: «إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ. قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ» .. ولكنها قولة ضالة، سرعان ماماتت على شفة قائلها، حين قال له إبراهيم: «فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ.. فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ» .
والآلاء: النعم..
وتتمارى: من المراء، وهو المجادلة بغير حق..
وفى عدّ البكاء، والموت، والفقر، والمهلكات التي نزلت بالظالمين- فى عد هذه من الآلاء والنعم، إشارة إلى أنها من عند الله، وما كان من عند الله، فهو نعمة، وإن بدا فى ظاهره، أو فى المواقع التي وقع بها أنه نقمة..
الآيات: (٥٦- ٦٢) [سورة النجم (٥٣) : الآيات ٥٦ الى ٦٢]
هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠)
وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)
التفسير:
قوله تعالى:
«هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى» ..
стр. 5766
الإشارة إلى ما أخذ الله به أهل الشرك والضلال من الأمم السابقة- من بلاء ونكال.. وأن فى هذا الذي ذكره الله عنهم، نذيرا يطلع عليهم من الأزمنة الغابرة، ليريهم ما حلّ بالضالين المكذبين برسل الله السابقين..
قوله تعالى:
«أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ» ..
أزفت: أي قربت، وحان حينها، وأظلّ زمانها..
والآزفة: القريبة، وهى يوم القيامة، وسميت آزفة لأنها قريبة، وإن ظن الناس أنها بعيدة، كما يقول سبحانه: «إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً» ..
وكما يقول سبحانه فى أول سورة القمر، التي تجىء بعد هذه السورة: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» ..
ويقول سبحانه فى آية أخرى: «كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها.»
ومعنى أزفت الآزفة، أي قربت القريبة، فهى قريبة بذاتها، ومع هذا فقد قربت أكثر وأكثر..
وقوله تعالى: «لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ» - أي ليس لها من يكشفها، ويجلّيها- أي يظهرها- لوقتها، إلا الله ..
والتاء فى قوله تعالى: «كاشفة» للمبالغة، مثل راوية، ونابغة.. أي ليس الساعة عند أهل العلم والكشف عن الخفايا ضابط لها، مقدر لوقتها، مظهر لوجودها، ولكن الله وحده هو الذي عنده علم الساعة، وهو سبحانه الذي يجلّيها لوقتها..
стр. 5767
قوله تعالى:
«أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ» ..
هذا الحديث- إشارة إلى قوله تعالى مخبرا عن الساعة: «أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ» .. فالمشركون إذا سمعوا هذا الحديث عن قرب يوم الحساب والجزاء، عجبوا لهذا، واستنكروه، وجعلوه حديث سخرية واستهزاء بينهم..
وفى قوله تعالى: «أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ» إنكار على هؤلاء المكذبين بالبعث والحساب، أن يتلقوا الحديث عن هذا اليوم، والنذر التي تنذرهم به، وتحذرهم لقاءه- أن يتلقوا هذا غير مكترثين به، ولا ملتفتين إليه، ولو عرفوا ما يلقى الناس فى هذا اليوم من أهوال، وما أعدّ للظالمين والضالين من عذاب- لو عرفوا هذا، لكثر البكاء، وقل الضحك، بل لما كان إلا البكاء المتصل، والوجوم الدائم.. خوفا من لقاء هذا اليوم العظيم! ..
وقوله تعالى: «وَأَنْتُمْ سامِدُونَ» أي وأنتم غافلون فى صلف وكبر..
والسامد. هو البعير الذي يرفع رأسه، كأنه يبحث عن شىء فى السماء، ولا شىء! ..
وقوله تعالى: «فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا» - هو تعقيب على الاستفهام الإنكارى فى قوله تعالى: «أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ..» أي إنكم أيها المكذبون بهذا الحديث، المستهزءون الساخرون منه، توردون أنفسكم موارد الهلاك، وإنكم إذا أردتم النجاة والخلاص، «فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا» أي فاخضعوا لجلال الله، واعبدوه، فهذا ما ينبغى أن يكون موقف المخلوق من خالقه، ولاء، وطاعة، وحمد، وتسبيح، وعبادة..
стр. 5768
٥٤- سورة القمر
نزولها: مكية باتفاق عدد آياتها: خمس وخمسون آية عدد كلماتها: ثلاثمائة واثنتان وأربعون كلمة عدد حروفها: ألف وأربعمائة وثلاثة وعشرون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
فى ختام سورة «ق» جاء قوله تعالى: «أَزِفَتِ الْآزِفَةُ» - منذرا بقرب يوم القيامة، ثم فى بدء سورة القمر قوله: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» - مخبرا عن اقتراب الساعة، منبئا عن الأحداث التي تقع فى هذا اليوم العظيم..
وبهذا تلاقى ختام «ق» وبدء «القمر» على موضوع واحد، هو وقوع يوم القيامة، واقتراب هذا الوقوع، وأن ختام سورة «ق» يقرر هذه الحقيقة، وبدء سورة «القمر» يؤكدها، ويطلع بالإرهاصات التي تقوم بين يديها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٨) [سورة القمر (٥٤) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)
стр. 5769
التفسير:
قوله تعالى:
«اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» .
هذا خبر، عام، مرسل من غير توكيد، إشارة إلى أنه حقيقة مقررة، لا تحتمل مكابرة، ولا تقبل جدلا..
وقوله تعالى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» هو مثل قوله تعالى: «أَزِفَتِ الْآزِفَةُ» وقوله سبحانه: «اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ» (١: الأنبياء) .
أما قوله تعالى: «وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» - فهو أمارة من أمارات هذا اليوم، يوم القيامة.. الذي تتبدل فيه الأرض غير الأرض والسموات.
وفى عطف انشقاق القمر على اقتراب الساعة- إشارة إلى أن هذا الاقتراب قد أصبح لقربه كأنه واقع فعلا، وأن انشقاق القمر هو أول بوادر الوقوع، وكأن الواو هنا، واو المعية أو المصاحبة.. ومعنى انشقاق القمر ظهوره فى ذلك اليوم على حقيقته فى أعين الناس.. فالناس يرونه فى هذه الدنيا صفحة بيضاء بلورية، أشبه بالمرآة الصقيلة.. ولكنهم يوم القيامة يرونه جرما معتما، شبيها بالأرض، تختلف طبيعة سطحه بين سهول، وأودية، وأغوار، ونجود، وجبال..
هكذا القمر فى حقيقته.. كما يقرر ذلك العلم، وكما أثبتته التجربة العملية، حين صعد الإنسان إلى القمر فى هذا العام- عام ألف وثلاثمائة وتسع وثمانين من الهجرة- ومشى عليه كما يمشى على الأرض!! فلم يره إلا جرما معتما كالأرض تماما، طبيعة، وشكلا.
стр. 5770
ويمكن أن يقوم هذا الحدث، الذي مكن للإنسان أن يرى رأى العين انشقاق القمر- يمكن أن يقوم هذا شاهدا على أن يوم القيامة قد أظل، وأن أشراط الساعة قد جاءت، وأن الناس قد بدءوا يرون طلائع ما سيرونه يوم القيامة من حقائق الأشياء بعد أن ينكشف الغطاء عن العيون!!
[النبي.. وانشقاق القمر]
ولا بد من وقفة هنا عند قوله تعالى: «وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» . فلقد كاد يجمع المفسرون على أن انشقاق القمر كان فى عهد الرسول- صلوات الله، وسلامه عليه- وأنه كان آية معجزة، وقعت على يد النبي، وهو فى مكة قبل الهجرة.
يقول القاضي عياض فى تفسير هذه الآية فى كتابه: «الشفا فى التعريف بحقوق المصطفى» : «أخبر الله تعالى بوقوع انشقاق القمر بلفظ الماضي، وإعراض الكفرة عن آياته- أي ما فى انشقاقه من آيات- وأجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه» .
وروى البخاري عن ابن مسعود- رضى الله عنه، قال: «انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ : «اشهدوا» .
وروى مسلم عن أنس، قال: «سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر فرقتين حتى رأوا حراء بينهما» .
وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود- من رواية مسروق عنه- قال:
«انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سحر
стр. 5771
ابن أبى كبشة «١» ، ثم قالوا: انظروا ما يأتيكم به السفّار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فجاء السفار، فقالوا ذلك» .
وروى ابن جرير عن ابن عباس، فى قوله تعالى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» قال: «قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة، انشق القمر حتى رأوا شقيه» ويعلق القاضى «عياض» على هذه الأحاديث المروية فى انشقاق القمر، فيقول:
«وأكثر طرق هذه الأحاديث صحيحة، والآية مصرحة، ولا يلتفت إلى اعتراض مخذول بأن لو كان هذا لم يخف على أهل الأرض، إذ هو شىء ظاهر لجميعهم» .
ويدفع القاضي «عياض» هذا الاعتراض بقوله: «لم ينقل إلينا عن أهل الأرض أنهم رصدوه تلك الليلة فلم يروه انشق ولو نقل إلينا- أي عدم انشقاقه- عمن لا يجوز تمالؤهم على الكذب لكثرتهم- لما كانت علينا به حجة، إذا ليس القمر فى حد واحد لجميع أهل الأرض، فقد يطلع على قوم قبل أن يطلع على الآخرين، وقد يكون من قوم بضد ما هو من مقابليهم من أقطار الأرض، أو يحول بين قوم وبينه سحاب أو جبال، ولهذا نجد الكسوفات فى بعض البلاد دون بعض، وفى بعضها جزئية، وفى بعضها كلية.. ذلك تقدير العزيز العليم.
هذا هو مجمل ما عند المفسرين فى آية القمر، قد لخصه القاضي عياض، وأيّده وقال مع القائلين، إن القمر قد انشق فى عهد النبي، كمعجزة من معجزاته.!
стр. 5772
ونحن إذ نخالف هذا الرأى لا نخالفه، استكثارا على النبي الكريم أن يضع الله سبحانه فى يده هذه المعجزة، فإن ما بيد الرسول من آيات الله وكلماته مالا يبلغ انشقاق القمر شيئا إزاء حرف من كلمة من كلمات الله.! كما لا نخالفه ونحن نعتقد بصحة هذه الأحاديث فى سندها إلى أن تصل إلى أصحاب رسول الله، فإننا من صحابة رسول الله فى مقام الأعمى بين يدى المبصر.. ولكنا إذ نخالف هذه الأخبار، فإنما نخالفها ونحن فى شك من صحة السند.. وإذا شكلنا فى السند كان المتن مجرد قول يضاف إلى آخر راو روى عنه.
وإننا نخالف هذا القول بانشقاق القمر فى عهد الرسول، لأمور:
فأولا: لم يكن الرسول الكريم معجزة متحدية، قائمة على الزمن، إلا القرآن الكريم الذي تحدّى به العرب، وأفحمهم، وأقام الحجة عليهم.
وثانيا: لو صحّ أن يكون للنبى معجزات أخرى متحدية غير القرآن، لما كان انشقاق القمر واحدة منها، لأن العرب لم يتحدوه بأن يأتيهم بمعجزة معلقة فى السماء، وإنما كان من تحدّيهم له ما حكاه القرآن عنهم فى قوله تعالى:
«وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا» (٩٠- ٩٢ الإسراء) .
وثالثا: لو كان انشقاق القمر معجزة متحدية، لأنذرهم النبي ﷺ بذلك، ولحدّد لهم الليلة، والساعة، حتى يشهدوا ذلك، ليكون حجة عليهم.. ولكن الذي ترويه الآحاديث لا يشير إلى شىء من هذا، ولا يدل على أن قريشا قد رصدت هذه الظاهرة المتحدية. وإنما الذي يفهم من هذه الأحاديث، أن القمر قد انشق فى ليلة ما، وأن النبي وبعض الناس قد رأوه، فقال النبي عندئذ: «اشهدوا!» .
стр. 5773
ولا يعقل أن يقيم النبي من انشقاق القمر- إن كان قد انشق- شهادة على صدق رسالته، وعلى أن انشقاق القمر كان معجزة شاهدة له، إذا لم يكن قد آذن القوم بوقوع هذا الحدث العظيم قبل أن يقع.. أمّا أن يجىء بعد وقوع الحدث ويقيم منه شاهدا له، فهذا قلب لأوضاع الأمور وقد عصم الله رسوله، وجنبه الزلل والعثار..
ورابعا: خسفت الشمس على عهد الرسول الكريم بالمدينة، وصادف ذلك أن كان يوم موت ابنه إبراهيم، فقال الناس خسفت الشمس لموت إبراهيم!! فدعا الرسول الناس إليه، ثم خطبهم فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله، وإلى الصلاة» .
هذا، هو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وذلك هو موقفه من الأحداث التي تقع فى الطبيعة.. إنه يصحح المفاهيم الخاطئة التي تقع الناس، من ربط الأحداث التي تقع لهم بالكواكب والنجوم، وأن ما يجرى على الشمس والقمر من خسوف وكسوف، ليس إلا من العوارض التي تعرض لهما فى نظام دورثهما فى الفلك.
وخامسا: إذا كان النبىّ يريد أن يتحدى قومه بمعجزة مادية، يطلب من الله أن يؤيده بها، فلم يختار انشقاق القمر، وتمزقه قطعا فى السماء؟
أليس الأولى من ذلك أن يريهم أثرا محسوسا بين أيديهم، كأن يفجّر لهم عين ماء، أو أن يشير إلى جبل من الجبال المحيطة بهم فيتحول عن مكانه؟
هذا، وليس فى الإخبار فى القرآن عن انشقاق القمر بلفظ الماضي قرينة على وقوع الفعل، فكما يدل الماضي على حدوث الفعل فعلا، ويخبر عن وقوعه فى الماضي كذلك يعبر بالفعل الماضي عن الأمر الذي سيقع مستقبلا، وذلك لغرض بلاغي، وهو الدلالة على أن هذا الفعل محقق الوقوع لا محالة، وأن
стр. 5774
وقوعه فى المستقبل أشبه بوقوعه فى الماضي، فإن لم يكن وقع، فكأنه قد وقع، لتحقق وقوعه.
والقرآن الكريم يستخدم هذا الأسلوب كثيرا فى الأمور ذات الخطر، التي يقف كثير من الناس إزاءها موفف الشك والارتياب، فى إصرار وعناد، فلا يلقاهم القرآن حينئذ، اللقاء الذي ينتظرونه فى شأن هذا الأمر الخطير، ولا يجعل لقاءهم معه معلقا بالمستقبل، بل يجذبهم إليه جذبا قويا، فإذا هم فى مواجهة هذا الأمر، وجها لوجه، وقد أصبح خبرا بعد أن وقع! ..
يقول فى شأن البعث: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ» (٦٨: الزمر) ويقول سبحانه عن يوم القيامة:
«وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ» (٦٩- ٧٠ الزمر) ..
وأكثر ما ورد فى القرآن عن البعث، والحساب والجزاء، قد جاء فى صورة الماضي، الذي وقع فعلا، وعاش فى الناس، وعاش الناس فيه.. وذلك لتحقق وقوع هذه الأحداث..
وعلى هذا، فإن الحديث عن انشقاق القمر بالفعل الماضي، لا تقوم منه حجة على وقوع هذا الانشقاق، بل إنه إذا نظر إليه باعتبار أنه من أحداث يوم القيامة، كان التعبير عنه بالماضي دليلا على أنه مراد به الإخبار عن المستقبل الذي لم يقع..
فإذا نظرنا إلى انشقاق القمر، مع قوله تعالى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» ومع ما يقع يوم القيامة من تبدل وتحول فى العوالم السفلية والعلوية، رأينا أن انشقاق القمر لا يعدو أن يكون حدثا من الأحداث التي تقع يوم القيامة..
للقمر، ولغيره من العوالم الأخرى.. كما يقول سبحانه عن القمر يوم القيامة
стр. 5775
«فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ» (٧- ١٠: القيامة) ولا نريد أن نطيل الوقوف هنا، ولا أن نجعل من هذا الأمر قضية للجدل والخلاف.. فإن الخطب هيّن، وإنه لن ينقص من قدر النبي الكريم، وقد كمل قدرا، وشرفا- ألا ينشق القمر له، كما أنه لن يزيد من قدره- وقد استوفى غاية الكمال والشرف- أن يضاف إليه انشقاق القمر، أو عشرات ومئات من مثل هذا الانشقاق..
وإنما الذي دعانا إلى هذه الوقفة، هو ما نجد من بعد بعيد بين مفهوم الآية الكريمة، واتساق هذا المفهوم مع موقع الآية فى النظم القرآنى، ومع ما جاء من آيات الكتاب عن يوم القيامة، وما يقع فيه من أحداث- وبين هذا التخريج الذي خرّجت عليه الآية الكريمة، وتوارد عليه المفسرون، قولا واحدا، بأن القمر قد انشق للنبى، وهو فى مكة، تحدّيا لتحدى قومه المكذبين به.. والله أعلم.
قوله تعالى:
«وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» .
هو معطوف على قوله تعالى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» أي وإن ير هؤلاء المشركون آية يعرضوا عنها، ويقولوا سحر مستمر..
فهذه كلها أخبار عن حال واقعة، هى اقتراب الساعة، وانشقاق القمر، وإصرار المشركين على التكذيب برسول الله واتهامه بالسحر، كلما جاءهم بآية من آيات الله..
стр. 5776
فقوله تعالى: «وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» هو أسلوب خبرى، وإن جاء فى صورة الشرط.. فهو إخبار عن مستقبل كثير من هؤلاء المشركين مع الدعوة الإسلامية، وأنهم سيظلّون على ما هم عليه من كفر وعناد، وأنه كلما تلا عليهم الرسول بعض آيات الله، لم يجدوا إلا قولا واحدا فيها، قد استقر عليه رأيهم، وهو أن هذا الكلام من واردات السحر، لما فيه من قوّى خفية، تكاد تملك وجودهم، وتستولى على مشاعرهم..
فقالوا: «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ» .. وقالوا: «سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» أي متصل، يشبه بعضه بعضا، ويلتقى لا حقه مع سابقه.. أو هو سحر مستمر، من المرّة وهى القوة، أي قوى محكم.. كما قال فرعون عن موسى وعصاه: «إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ» (١٠٩: الأعراف) ..
فالآية إخبار عن المستقبل، وأن كثيرا من هؤلاء المشركين، لن يؤمنون بالله، بل يموتون على كفرهم، وأنهم كلما استمعوا إلى ما يتلو النبي من آيات الله، قالوا سحر مستمر.
هذا هو موقف المعاندين الضالين من المشركين، فى الوقت الذي تطرقهم فيه الأنباء بأن يوم القيامة قد قرب، بل إن إرهاصاته قد أخذت تظهر فى الوجود..
والآية التي يرونها، هى آيات الله التي تتلى عليهم، وعبر عن سماعها بالرؤية، إشارة إلى أنها من الوضوح، والبيان، بحيث تبدو كأنها حاضر شاخص يرى، لا حديث يسمع.
ويجوز أن تكون الآية هنا آية محسوسة، مما يقترحه المشركون على النبي، وقد أبى الله أن يجيبهم إلى ما سألوا، لأنهم لن يؤمنوا بأية آية
стр. 5777
تأتيهم، بعد أن كذبوا بآيات الله المتلوّة عليهم، والتي فيها الهدى لمن اهتدى، وفيها النور لمن فتح عينيه النور.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» (٧:
الأنعام) . ويقول سبحانه: «وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ» (١٥: الحجر) ..
فهذه آيات محسوسة، لو طلعت عليهم ورأوها رأى العين، لأعرضوا عنها، وكذبوا بها، وقالوا سحر مستمر.
قوله تعالى:
«وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ» .
الواو الحال، والجملة بعدها حال من الفاعل فى قوله تعالى «وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا» . أي أنهم يقفون هذا الموقف من آيات الله إذا تليت عليهم، والحال أنهم قد كذبوا بها من قبل واتبعوا أهواءهم.. فهذا الذي هم فيه حالا أو مستقبلا مع آيات الله، ليس جديدا عليهم، بل هو داء يعيش معهم إلى أن يجىء أجلهم.
وقوله تعالى: «وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ» .. تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين، وأن هذا الذي هم فيه من كفر وضلال، له نهاية ينتهى إليها، وقرار يستقر عنده..
وليس لما هم فيه من نهاية، إلا العذاب الأليم فى نار جهنم، وليس لأمرهم هذا من مستقر، إلّا سواء الجحيم.. وهذا مثل قوله تعالى: «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ» (٦٧: الأنعام) .
قوله تعالى:
«وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ» .
أي أن هؤلاء المشركين، قد كذبوا، واتبعوا أهواءهم، وقد جاءتهم النذر من بين أيديهم ومن خلفهم، ولفتتهم آيات الله التي يتلوها الرسول عليهم،
стр. 5778
إلى ما أخذ الله به الظالمين قبلهم، الذين كفروا بالله، وعصوا رسله- فما انتفع هؤلاء المشركون الضالون بتلك النذر، ولم يكن لهم منها عبرة واعظة، أو عظة زاجرة.
قوله تعالى:
«حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ» .
«حِكْمَةٌ بالِغَةٌ» بدل من «ما» فى قوله تعالى: «وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ» .. فالذى فيه مزدجر، هو حكمة بالغة، يجدها ذوو العقول فى أخبار الماضين، وما حل بأهل الكفر والضلال منهم.
وقوله تعالى: «فَما تُغْنِ النُّذُرُ» .. «ما» نافية، أي لا تغنى النذر، ولا تنفع عند من هم فى غفلة ساهون.. وهذا مثل قوله تعالى: «وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ» (١٠١: يونس) ..
فهؤلاء الضالون المعاندون من المشركين، لا ينتفون بهذه النذر، ولا يستيقظون من غفلتهم على صوتها المجلجل المدوىّ..
قوله تعالى:
«فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ» ..
هو دعوة إلى النبي الكريم أن يدع هؤلاء الضالين، الذين لا تنفع معهم النذر، ولا يزيدهم النور إلا عمى وضلالا.. فليدعهم النبي، حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون..
وقوله تعالى: «يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ» .. الداعي، هو نافخ النفخة الثانية فى الصور، وهى نفخة البعث.. كما يقول سبحانه:
стр. 5779
«وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ» (٦٨: الزمر) ..
والشيء النكر الذي يدعو إليه الداعي، هو هذا البلاء الذي يساق إليه أهل الضلال.. «يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ» (١٣، ١٤: الطور) ..
وفى قوله تعالى: «شَيْءٍ نُكُرٍ» مع تجهيل هذا الشيء وتنكيره، ثم وصفه بهذا الوصف الذي يلقى عليه ظلالا كثيفة من السواد- فى هذا إشارة إلى شناعة هذا الشيء، وما يخفى فى أطوائه من أهوال، لا يحيط بها وصف..
والظرف «يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ» متعلق بمحذوف دل عليه سياق النظم، أي فتول عنهم، وانتظر ما يحل بهم يوم يدعو الداعي إلى الحساب والجزاء، وهو يوم عسير على الكافرين غير يسير..
قوله تعالى:
«خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ» ..
أي فتول عنهم، وانتظرهم يوم يدعوهم الداعي إلى شىء نكر، فتراهم وقد خشعت أبصارهم، ذلة وانكسارا، كما يقول :
«وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ» (٤٥: الشورى) ..
فقوله تعالى «خشعا» حال من مفعول فعل محذوف، وتقديره تراهم..
وقوله تعالى: «يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ» حال
стр. 5780
أخرى من المفعول به الفعل المحذوف، أي تراهم خشعا أبصارهم، وتراهم يحرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر..
والأجداث: جمع جدث، وهو القبر الذي يلحد فيه الميت..
وقد أشرنا من قبل إلى دلالة هذا التشبيه، الذي شبّه به الموتى فى خروجهم من أجداثهم يوم البعث «١» ..
قوله تعالى:
«مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» ..
هو حال ثالثة من أحوال الناس يوم البعث، أي تراهم فى هذا اليوم مهطعين إلى الداعي، أي مسرعين إليه، مستجيبين لدعوته، منقادين لأمره.. وهو أمر الله، الذي به يبعث الموتى من القبور: كما يقول سبحانه.
«ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ» وقوله تعالى: «يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» مقولة من مقولات الكافرين حين يلقاهم هذا اليوم.. إذ ما أكثر مقولات الندم والحسرة، التي يتنادون بها فى هذا اليوم.. «يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ» .. «يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا» ..
الآيات: (٩- ٤٢) [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٩ الى ٤٢]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨)
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣)
فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)
فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣)
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨)
فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)