← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

كما أتيت على قوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» قالوا: ولا بشىء من نعمك ربّنا نكذب.. فلك الحمد» .. وقد استدل بهذا الحديث على أن السورة مكية، لأن ليلة الجن التي يشير إليها النبي ﷺ كانت قبل الهجرة، وذلك كان بوادي نخلة حيث بات النبي ﷺ ، وهو فى طريق عودته من الطائف إلى مكة، بعد أن عرض دعوته على ثقيف بالطائف، فردوه، ولم يقبلوا منه.. الآيات: (١٤- ٣٢) [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١٤ الى ٣٢] خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢)

стр. 5812

التفسير: قوله تعالى: «خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. الصلصال: الطين الجاف، الذي له صلصلة وجرس عند احتكاك بعضه ببعض.. وهذا من طبيعة الطين اللازب، أي اللزج إذا جف.. ولهذا شبه بالفخار، وهو الطين الذي وضع فى النار حتى احترق، وصار فخارا.. والمارج من النار، هو المضطرب من لهيبها، المختلط بالدخان.. وفى الجمع بين خلق الإنسان، وخلق الجان- جواب على سؤال يرد عند ذكر قوله تعالى فى الآية السابقة على هاتين الآيتين، وهو قوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» حيث لم يذكر فى السورة قبل هذه الآية ما يدل على هذا المثنّى الذي يتجه إليه الخطاب.. فكان ذكر خلق الإنس والجن، والجمع بينهما، جوابا على هذا السؤال: من المخاطب هنا بقوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» ؟ .. إنهما هذان المخلوقان، الإنس والجن.. وقدّم خلق الإنس على خلق الجن، مع أن الجن أسبق فى الخلق

стр. 5813

من الإنس- تشريفا للإنسان، وتكريما له فى رتبة الخلق، حيث أمر الله الملائكة- ومنهم الجنّ- أن يسجدوا له، احتفاء بمولده.. قوله تعالى: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. أي هو سبحانه رب المشرقين، ورب المغربين، أي مشرقى الشمس، ومغربيها، صيفا وشتاء.. وهذه الربوبية، هى نعمة عظيمة جليلة للموجودات كلها، إذ كان كل موجود هو صنعة هذه الربوبية، وغذىّ فضلها وإحسانها.. فهل من مكذّب بهذه الآلاء، منكر لها؟ قوله تعالى: «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. مرج البحرين: أي أثار بينهما تماوجا، وتدافعا واضطرابا، عند التقاء أحدهما بالآخر.. فقوله تعالى: «يَلْتَقِيانِ» حال يكشف عما وراء هذا الالتقاء من تماوج، وتدافع بينهما، بما يحدثه هذا الالتقاء. والمراد بالبحرين: المالح، والعذب.. والبرزخ: الحاجز الذي يحجز بين شيئين.. فمن رحمة الرحمن الرحيم، أنه جمع بين البحرين: هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج، وهما على طبيعة واحدة، وفى مرأى العين ماء، لا فرق بين الملح والعذب إلا فى المذاق.. ومع هذا فقد جعلت القدرة

стр. 5814

الإلهية بينهما حاجزا، فلا يبغى أحدهما على الآخر، ولا يجاوز حدوده.. كما يقول سبحانه: «وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً» (٥٣: الفرقان) .. فمن ينكر هذا؟ ومن يكذب بآلاء الله ونعمه على عباده، فلا يستقبل هذه النعم بالحمد والشكران؟ .. فالتكذيب بالنعم، هو كفر بها، وجحود لفضل المتفضل بمنحها.. قوله تعالى: «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» . أي يخرج من البحرين- الحلو والملح- اللؤلؤ والمرجان.. واللؤلؤ: إفراز حيوان بحرى، داخل بيت صدفىّ، لونه أبيض، وتتخذ منه الحلي الثمينة، من قلائد، وقرط، وخواتم.. ولونه أبيض، مشرب بصفرة. والمرجان: خرز أحمر، صغار، وهو نباتى أقرب إلى عالم الحيوان.. واللؤلؤ يخرج من التقاء الماء العذب بالماء الملح، أو حيث خلجان البحار الساكنة التي ينزل عليها ماء المطر، فيكون الماء العذب، سواء من الأنهار، أو الأمطار، أشبه باللقاح للماء الذي يتخلّق منه حيوان اللؤلؤ، ولهذا أضيف إخراج اللؤلؤ إلى البحرين معا.. الملح والعذب.. ومن كلّ من البحار والأنهار، يستخرج اللؤلؤ والمرجان.. ولكن لا بد من التقاء الملح بالعذب، والعذب بالملح، على أية صورة من الصور حتى يتخلّق منهما اللؤلؤ والمرجان.. فتارة يكون البحر هو محتواهما،

стр. 5815

وتارة يكون النهر هو مستخرجهما، حسب الظروف التي يتم بها التقاء أحدهما بالآخر.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ.. هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ، وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها» (١٢: فاطر) .. قوله تعالى: «وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. الجوار: السفن، جمع جارية، لأنها تجرى طافية على وجه الماء.. والمنشآت: أي المصنوعات، بأيدى الناس.. والأعلام: الجبال.. جمع علم، وسمّى الجبل علما لظهوره، وإشرافه على الأرض، كمعلم من معالمها، وسميت الراية علما، وسمى الرجل العظيم البارز علما، لهذا المعنى. قوله تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. الضمير فى «عليها» : يعود على الأرض التي يعيش عليها الناس، وتجرى فيها الأنهار، وتتلاحم بالبحار، ويتخذ الناس من ظهور البحار والأنهار مطايا ذللا يسرجونها بالسفن، وينتقلون عليها، ويحملون أمتعهم، وتجاراتهم من بلد إلى بلد.. فهذا الذي يعيش فيه الناس، ويشغلون به، ينبغى ألا يشغلهم عن الإعداد

стр. 5816

ليوم القيامة، والعمل للحياة الأخرى، التي هى الحياة حقّا.. كما يقول سبحانه: «وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» (٦٤ العنكبوت) أما هذه الحياة الدنيا، وأما ما يتقلب فيه الناس منها، فهو فان لا بقاء له.. وقوله تعالى: «وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ» هو إلفات إلى الله ، وأنّه الحىّ الباقي، الذي ينبغى أن تتجه إلى وجهه الوجوه، وتتعلق برضاه وكرمه الآمال، ويرجى عنده الخير كله.. فهو صاحب الملك، وبيده الخير، والفضل، والإكرام، لمن يقصدون وجهه، ويبتغون فضله وكرمه.. ويلاحظ أن صفة الجلال والكرم هنا، إنما كانت لوجه الله سبحانه، وذلك إشارة إلى أن الاتجاه إلى الله والإقبال عليه، من شأنه أن يفسح الطريق للعبد إلى رضاء الله، والإقبال عليه بوجهه ، وهذا ما يشير إليه : «وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى» (١٩- ٢١ الليل) . والسؤال هنا هو: هل هذا الفناء المسلط على الحياة الدنيا وما فيها- هل هو نعمة من النعم، حتى يدعى الإنس والجن إلى الإقرار بها وشكرانها؟ .. ونعم، فإن هذا الفناء للدنيا، هو نعمة من أجلّ النعم، إذ كان مدخلا إلى حياة باقية خالدة.. ولو أن أمر الناس كان إلى تلك الحياة الدنيا وحدها، وليس لهم حياة أخرى بعدها، لكان فى ذلك الخسران المبين الناس جميعا،. إذ أن أسعد الناس حظا فى هذه الدنيا هو مبخوس الحظ،

стр. 5817

إذا كانت حياته محدودة بهذه الحياة، وكان وجوده منتهيا عندها إلى الفناء الأبدىّ، بعد أن عانى الإنسان فى الحياة الدنيا ماعانى من آلام، وأحزان، وأمراض وشيخوخة، ونقص من الثمرات والأنفس! فالحياة على أية حال، وعلى أية صورة خير من العدم، إنها نعمة تستوجب الحمد والشكران لله رب العالمين، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (٢٨: البقرة) . ففناء الناس وموتهم نعمة، إذ أن هذا الموت- كما قلنا- هو مدخل إلى عالم الخلود، وبقاء الله ، هو مجتمع النعم كلها، إذ أن بقاءه ضمان لوجود هذا الوجود.. فبأى هذه النعم يكذّب الثقلان.. الجن والإنس؟ قوله تعالى: «يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. أي أن كل من فى السموات والأرض يسأل الله من فضله وإحسانه، سؤال الفقير إلى الغنىّ، والضعيف إلى القوى، ومن لا يملك أي شىء، لمن يملك كل شىء. فكل من فى السموات والأرض مستمد من فضل الله، سأل أولم يسأل.. فإن لم يسأل بلسانه، فإن علم الله بحاله يغنى عن سؤاله.. وهذه المنن والعطايا التي تعيش فيها المخلوقات، وتحفظ عليها وجودها، هى من عند الله، ومن واسع رحمته، يجود بها عليها، سألت أو لم تسأل.. فالسؤال هنا كناية عن الحاجة، وكل مخلوق فى حاجة أبدا إلى عون الله، وإلى أمداد إنعامه وإحسانه..

стр. 5818

وقوله تعالى: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» .. الشأن: الأمر، والحال.. أي إن الله ، فى تصريف، وتدبير للخلق، فى كل يوم بل فى كل لحظة.. فذلك شأن المالك فيما ملك، والخالق لما خلق، لا يغفل أبدا عن ملكه، ولا يفتر أبدا عن تدبير شئون خلقه.. «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ» (٤١. فاطر) .. وليس ذلك بالأمر الذي يتكلّف الله سبحانه له جهدا، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.. «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ» .. (٢٥٥: البقرة) .. فليس الوجود مجرد آلة تدور على وجه واحد، لا يتغير أبدا، بل هو فى كل آنة من آنات الزمن، بل فى كل فراغ بين الآنة والآنة- إن كان هنا فراغ- هو فى صورة غير الصورة التي كان عليها.. إنه فى تجدّد دائم، وفى حركة دائبة.. يقبدل أثوابا بأثواب، وأحوالا بأحوال.. دون أن يقع فى نظامه خلل أو اضطراب.. وهذا برهان على قدرة الخالق جلّ وعلا، وعلى أن على هذا الوجود إلها قادرا، عالما، حكيما، يغيّر فيه ويبدل كيف يشاء، مع احتفاظه بهذا النظام المحكم البديع.. ولو كان الوجود وجها واحدا لما قام منه شاهد أبدا على أن له مدبّرا يدبره، ويحكم أمره.. وننظر إلى الهرم الأكبر فى مصر مثلا، وهو أعجوبة من عجائب الدنيا، ومعجزة من معجزات الإنسان.. إن بقاءه على تلك الحال فى علوّه وشموخه منذ آلاف السنين، وإن شهد لبانيه بالقدرة، والبراعة، فإن هذا البقاء نفسه على تلك الحال التي قام عليها من أول يومه، هو ذاته شهادة وفاة لهذا الباني البارع،

стр. 5819

وإلّا لأحدث فيه شيئا يدلّ على أنه حى يعيش فى عالم الأحياء.. إن من شأن الكائن الحىّ أن يتحرك، ويعمل، ويؤثّر، وأن يبلى قديما ويلبس جديدا، وأن يأخذ كل يوم وضعا جديدا فى الحياة.. فهذا الذي يشهد بأنه حىّ، له وجود مؤثر فى الحياة.. والله سبحانه حى حياة أبدية سرمدية، بدليل هذا التحول المستمر فى عوالم الوجود، القائم عليه بسلطانه، خلقا وتدبيرا.. وفى معنى قوله تعالى: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فيما بروى عن أبى ذرّ: «إن من شأنه- سبحانه- أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين وليس هذا التبدل والتحول فى أحوال الناس، وفى صور الموجودات، هو مما يحدثه الله سبحانه حين يحدث، وإنما هى أمور واقعة فى علم الله القديم، مسطورة فى كتابه المكنون، فيظهر منها ما يظهر فى الوقت المقدور له، وعلى الصورة التي أرادها أزلا.. إنها أمور يبديها ولا يبتديها.. قوله تعالى: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. الثقلان: الإنس والجن، وسميا بالثقلين، لأنهما ثقلا الأرض، كلّ يأخذ جانبا من كفتى ميزانها.. الإنس فى كفة والجن فى كفة.. عالم الظهور فى جانب، وعالم الخفاء فى جانب.. ومثل هذا «الملوان» وهما الليل والنهار، لأنهما يملآن الزمان كله، ويستوعبان كل آناته، ولحظاته.

стр. 5820

وقوله تعالى: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ» كناية عن رقابة الله للجن والإنس، رقابة محكمة، بحيث لا يفلت أحد منهما من قبضته.. أمّا الله ، فإنه لا يشغله شأن عن شأن، ولا يعوقه أمر عن أمر.. ولكن فى قوله تعالى: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ» ما يؤكد للجن والإنس أنهما تحت رقابة خاصة، على غير تلك الرقابة العامة القائمة من الله على الوجود كله، إذ هما- كما قلنا- المخلوقان اللذان يناط بهما التكليف، ويقعان تحت حكم المساءلة والحساب والثواب، وإذ كان الله سبحانه لا يحاسب غير هما- فيما نعلم- فكأن رقابة الله متجهة كلّها إليهم.. وهذا كله على التمثيل والتشبيه، وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.. وهذا فضل من فضل الله تعالى، على الجن والإنس، إذ هما من بين المخلوقات على تلك الصفة التي تجعل لهما هذا الامتياز عن المخلوقات جميعها، والتي تجعلهما فى مقام الحضور بين يدى الله للمساءلة والحساب.. وهذا الحساب، وتلك المساءلة- على أي حال يكونان عليها، وإلى أية نهاية ينتهيان بمن يحاسب ويسأل- دليل على أهلية المحاسب المسئول، وعلى أنه له إرادة عاملة.. أما من لا يحاسب ولا يسأل، فلا تكاد تتضح ملامح شخصيته، ولا تبين له ذاتية ذات شأن وأثر.. وهذا الوجود على تلك الحال التي عليها الجن والإنس هو- كما قلنا- نعم جليلة من نعم الله.. فمن يكذب بهذه النعم، وهى تشكل وجوده، وتقيم كيانه، وترفع قدره فى العالمين؟ هذا، ويلاحظ أن ألف هاء التنبيه قد حذفت من قوله تعالى: «أَيُّهَ الثَّقَلانِ» فى خط المصحف العثماني.. فما حكمة هذا الحذف؟.

стр. 5821

نقول- والله أعلم- إن ذلك الحذف هنا- مقصود من كتّاب المصحف، من صحابة رسول الله رضى الله عنهم، وهو- والله أعلم- إشارة إلى فهم خاص لهم، اقتبسوه من أضواء النبوة.. وهذا الفهم، هو أن خطاب الله الجن والإنس، وأنه قد فرغ لهم، وأقبل على حسابهم ومساءلتهم- يشير إلى أنهم هنا فى مقام حضور من الله سبحانه، وأنه سبحانه قريب من كل فرد منهم، قربا لا يدع لأحد فرصة للغفلة عن مراقبة الله تعالى له.. فهو فى حال حضور دائم، وإن كان غافلا، ومن ثمّ فلا يحتاج إلى تنبيه!! الآيات: (٣٣- ٦١) [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٣٣ الى ٦١] يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥) وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١)

стр. 5822

التفسير: قوله تعالى: «يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» . نداء إلى الجنّ والإنس، بأن يختبرا قوتهما وسلطانهما أمام قوة الله وسلطانه.. إنهما محاسبون ومسئولون بين يدى الله، كما جاء فى قوله تعالى: «سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ» .. وإنه ليس لهما ملجأ من الله إلا إليه.. فإن استطاعوا أن ينفذوا من أقطار السموات والأرض فلينفذوا.. ولكن إلى أين؟ إنهم لا ينفذون إلى أي قطر من أقطار السموات والأرض، إلّا وهم واقعون تحت سلطان الله، مسيّرون به..

стр. 5823

فالباء فى قوله تعالى: «بِسُلْطانٍ» باء المصاحبة مثل قوله تعالى: «وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» أو باء الاستعانة، مثل قوله تعالى: «وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» .. وأقطار السموات والأرض: جوانبهما، والقطر هو الخط الذي يصل بين طرفى الدائرة مارّا بمركزها.. وعلى هذا، فيكون معنى النفوذ من أقطار السموات والأرض، هو الانتقال من فلك إلى فلك، ومن كوكب إلى كوكب.. وفى التعبير بلفظ أقطار، عن نهاية كل فلك أو كوكب- إشارة إلى كروية الأفلاك والكواكب.. وهذا ما أثبته العلم الحديث من كروية الفلك، والنجوم، والكواكب، وأنّ الوجود كلّه دائرىّ.. وفى التعبير عن السموات بصيغة الجمع، وعن الأرض بلفظ المفرد- إشارة إلى أن السموات عوالم وأكوان بعضها فوق بعض، أو محيط بعضها ببعض، وأن الأرض عالم واحد، له قطر واحد.. وأما قوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» (١٤: الطلاق) فليست المثلية هنا فى العدد، وإنما هى من حيث اختلاف طبقات الأرض، التي تبدأ من وجه الأرض وقشرتها، إلى وسط المركز منها.. فقشرة الأرض تراب، وطين، ورمال وأحجار.. تم تلى ذلك طبقات، كل طبقة ذات طبيعة خاصة، وعلى درجة حرارة خاصة، تتكون منها المعادن، والجواهر.. من الحديد والنحاس، والذهب، والفضة، والألماس، وهكذا.. فالأرض واحدة فى كيانها وجرمها، وهى سبع فى طبقاتها، واختلاف

стр. 5824

طبيعة كل طبقة، ولهذا جاء التعبير القرآنى المعجز: «وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» ولم يجىء: ومن الأرضين مثلهن.. حيث تدل المثلية هنا فى التعبير غير القرآنى على مثلية العدد نصا أما التعبير القرآنى فالمثليّة فيه مثلية فى تنوع العوالم واختلاف المنازل. قوله تعالى: «يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. أي إذا استطعتم أن تنفذوا- معشر الجن والإنس- من أقطار السموات والأرض، بما مكّن الله لكم من سلطان- استطعتم به أن تخرجوا من فلك إلى فلك، وأن تنتقلوا من كوكب إلى كوكب- فإنكم لن تجدوا الحياة مهيأة لكم فى الفلك الجديد، أو الكوكب الذي انتقلتم إليه، إذ لا حياة لكم إلا على هذا الكوكب الأرضى.. أما الكواكب، والأفلاك الأخرى، فإنها نرسل عليكم شواظا من نارها، ورجوما ملتهبة من نحاسها.. «فلا تنتصران» أي فلا تحققان غاية النصر الذي طلبتموه من انتقالكم من عالمكم الأرضى إلى العالم العلوىّ.. إنكم أبناء هذه الأرض، مادمتم فيها.. والشواظ من النار: ألسنة اللهب المختلطة بالدخان.. وهذا يعنى أن بعض الكواكب نار ملتهبة، لا تزال فى دور الاحتراق، وبعضها فى دور الانصهار، فيقطر منها هذا السائل الناري من النحاس وبعضها فى دور الغليان لهذه المعادن المنصهرة.. وهكذا.. هذا، وقد نفذ الإنسان فى هذه الأيام من قطر الأرض، وخرج من سلطان جاذبيتها إلى القمر، ونزل على سطحه ومشى بقدميه

стр. 5825

فوق أديمه، مصطنعا لذلك الوسائل التي تحميه من لهيب القمر، فى النهار القمري، ومن برده القاتل فى ليله.. وإنه بغير هذه الوسائل لن يستطيع أن يمكث لحظة واحدة.. ومع هذا، فإن القمر أقرب كوكب إلى الأرض، والرحلة إليه لا تعدو أن تكون خطوة نملة على الأرض، فى محيط هذا الكون الرحيب!. ومع هذا أيضا، فإنه- وهذا مقطوع به- لن تطيب حياة للإنسان على هذا الكوكب، ولن يعمر به أبدا!! أما عالم الجن، فإن له محاولاته لاختراق أقطار السموات، ولكنه لا يكاد يبلغ مدّى معينا حتى يجد المهلكات تنتظره، وترده خاسئا إلى الأرض.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ» .. (١٧، ١٨: الحجر) ويقول على لسان الجن: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً» (٨، ٩: الجن) . والسؤال هنا: كيف يكون إرسال الشواظ من النار، والقذائف من النحاس الملتهب- كيف يكون إرسال هذه الرجوم على الجن والإنس آلاء ونعما، يدعوان إلى الإقرار بها، والشكر عليها؟. والجواب: أن هذه الرجوم تحدّث عن تلك الحياة الميسرة التي يحياها الإنس والجن على الأرض، وأنه مما فى قدرة الله أن يحيل هذه الأرض إلى نار مثل هذه الكواكب التي ترمى بالشرر.. ولكنه سبحانه- جعل

стр. 5826

هذه الأرض بحيث تطيب فيها الحياة لساكنيها من الإنس والجن.. وهذا رحمة منه سبحانه، وإحسان، يقتضى الحمد والشكر لله رب العالمين.. قوله تعالى: «فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» . انشقت السماء: أي فتحت أبوابها. وذلك عند انتقال الثقلين- الجن والإنس- إلى العالم الآخر.. فعندئذ تتبدل حقائق الأشياء، فى نظر الجن والإنس، وتبدو السماء التي كانت مغلقة عليهم، وقد أمكنهم النفوذ إلى أقطارها، وهنا ترى الأشياء على حقيقتها لهم.. وهذه السماء التي تبدو فى لونها الأزرق، تأخذ عندهم لونا ورديا، أي أحمر داكنا، كالدهان، وهو الشحم حين يصهر، فيأخذ هذا اللون الوردي الداكن.. ذلك أن هذا اللون الأزرق الذي نراه فى جو السماء، ليس إلا انعكاسا لأشعة الشمس على الأرض.. فإذا صعد الإنسان فى الجو تغير هذا اللون فى مرأى العين، وأخذ صورا من الألوان التي يغلب عليها السواد.. فإذا خرج عن فلك الأرض لم ير إلا هذا اللون الأحمر، وهو اللون الذي يعلو جميع الألوان التي تبدو من تحليل الضوء خلال منشور زجاجى.. وهنا سؤال أيضا: أين الآلاء التي تحدث عنها الآية الكريمة هنا؟ وإذا كان ما تحدث عنه آلاء، هى فى حيز الشرط الذي لم يأت جوابه بعد- فكيف يكون لها مفهوم بغير الجواب الذي يحكم الشرط، ويكشف عن مضمونه؟.

стр. 5827

والجواب على هذا- والله أعلم- أن مجرد انشقاق السماء، على أية حال، ولأية غاية، هو وحده دليل على قدرة الله، وعلى تمكن سلطانه فى هذا الوجود، وهذا- كما قلنا- نعمة من أجل النعم على المخلوقات إذ كانت قيومة الله على الوجود ضمانة وثيقة للمخلوقات جميعها، بأنها فى يد صانعها، ومدبر أمرها، وأنها بهذا لن يجار عليها، ولن تؤخذ بغير الحكمة والعدل، ولن تتلقى غير الفضل والإحسان.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن انشقاق السماء إيذان بالبعث، والحساب والجزاء.. وهذا أيضا نعمة من النعم الجليلة، إذ أنها أعادت المخلوقات- من إنس وجن- إلى الحياة مرة أخرى، بعد أن ردها الموت إلى حال من العدم أو ما يشبه العدم.. والوجود- كما قلنا أكثر من مرة- هو فى ذاته خير من العدم، على أية صورة يكون عليها الموجود، وفى أي وضع يأخذه فى سلّم الموجودات.. «فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ» .. «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» . هذه هى الآلاء الجليلة، التي يشير إليها انشقاق السماء.. لمجرد الانشقاق.. فإذا كان وراء هذا الانشقاق غاية، كانت تلك الغاية آلاء أخرى جليلة مستغنية بذاتها، فإذا اتصلت بانشقاق السماء، كان ذلك آلاء إلى آلاء.. وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» ..

стр. 5828

أي فإذا كان هذا اليوم الذي تنشق فيه السماء، وهو يوم القيامة، كما يقول سبحانه: «وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً» (١٩، ٢٠: النبأ) - إذا كان هذا اليوم، انقطعت الأعمال، وطويت الصحف على ما كان لأصحابها من عمل فى هذه الدنيا، فلا يحاسب مخلوق من الجن أو الإنس على ما يكون منه فى اليوم الآخر من قول أو فعل.. لقد انتهى زمن الامتحان والابتلاء.. فما يقوله أو يعمله المرء فى موقف الحساب لا يحسب له، أو عليه، حتى الذين يقع منهم فى هذا الموقف، مما يكون موضع ذم وعقاب فى الدنيا- كما يتلاعن المتلاعنون من أهل الضلال فى هذا اليوم- هو مما لا ينظر إليه فى الآخرة.. وفى الآية، إشارة إلى أن الجن يبعثون، ويحاسبون، كما يبعث الناس ويحاسبون.. واختصاص جانب الذنوب بالذكر هنا، دون جانب الإحسان- إذ كانت الذنوب فى هذا اليوم مما يتحاشاه أهل الموقف، ويفرون منه.. إنهم يطلبون السلامة، ويعضون أصابع الندم على ما فرط منهم فى الدنيا، فكيف يطوف بأحدهم طائف يدعوه إلى أن يرتكب ذنبا فى هذا المقام؟ ولكنه لو فرض- مع هذا- أن يقع من مذنب ذنب- وهو محال- فلن يحاسب عليه.. فقد طويت صحف الأعمال على ما كان فى عالم الامتحان والابتلاء.. هذا، ويجوز أن يكون معنى قوله تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ» - يجوز- والله أعلم- أن يكون أنه لا يسأل المذنبون عن ذنوبهم فى هذا اليوم سؤال مراجعة وعتاب، إذ لا نفع لهم من وراء هذه المراجعة، وهذا العتاب، حيث لا سبيل لهم إلى إصلاح

стр. 5829

ما أفسدوا، كما يقول سبحانه: «فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ» .. (٥٧: الروم) . ويجوز كذلك- والله أعلم- أن يكون المعنى، أنه فى هذا اليوم، لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، سؤال تعرّف على حاله، ولا على جنايته التي جناها، إذ كانت جنايته معلقة برقبته، يراها أهل الموقف جميعا، فلا يسأل من سائل: ما حاله فى هذا اليوم؟ إذ كانت سمته الموسوم بها دالة عليه، ناطقة بالمصير الذي هو صائر إليه، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى فى الآية التالية.. «يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» . فعلى هذا المعنى الأخير، تكون هذه الآيات تعليلا لقوله تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ» .. إذ لا فائدة من وراء هذه المساءلة والمراجعة. أما على المعنيين الأول والثاني، فتكون الآيات مستأنفة.. والنواصي، جمع ناصية، وهى الرأس.. والمعنى، أنه إذ يعرف المجرمون بسيماهم، تتولى زبانية جهنم أمرهم، فتأخذ بنواصيهم وأقدامهم، أخذا عزيزا متمكنا، لا يدع لأحدهم أن يتحرك، فهو فى هذا الوضع أشبه بحجر، أو حصاة فى اليد، فيلقى به حيث يريد القابض عليه.. وإقامة موازين العدل بين المخلوقات، وأخذ المسيء بإساءته، هو من النعم التي تستوجب الحمد والشكر، من المحسنين والمسيئين على السواء.. إذ لم يؤخذ المحسنون بإساءة من أساءوا، وإذ كان فى عقاب المسيئين إحسان إليهم بتطهيرهم من هذا الرجس الذي علق بهم، وتصفية لجوهرهم من هذا الخبث الذي أفسد طبيعتهم.

стр. 5830

قوله تعالى: «هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. الإشارة إلى جهنم هنا، هى استحضار لها فى هذه الدنيا بين يدى المكذبين بها، وبالحساب وبالجزاء، حيث يشهدون أنفسهم وهم يطوفون بينها وبين حميمها.. والحميم الآن: ما ينبعث من النار من سموم، يشوى الوجوه.. فأهل النار إذا تحركوا فى جهنم، كانت حركتهم فيها على بحار من الحميم، وهو القيح والصديد الذي يسيل منهم، كما يسيل الماء من القدور أثناء غليانها.. وقوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» - إشارة إلى هذه النعم التي يحدّث عنها هذا العذاب، الذي من شأنه أن يبعث فى النفوس الخشية من الله، والخوف من الوقوع فى هذا العذاب، فيستعدّ أصحاب العقول للقاء هذا اليوم، بالعمل الصالح الذي ينجيهم من الوقوع فى هذا البلاء.. على خلاف ما لو طلع هذا العذاب على الناس من غير أن ينذروا به، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى لبيان الحكمة من إرسال الرسل، وما يحملون إلى أقوامهم من النذر، إذ يقول سبحانه: «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ» (٥٦- ٥٩ الزمر) وما يشير إليه قوله تعالى: «وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً» (٥٩: الإسراء) ..

стр. 5831

قوله تعالى: «وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. وهذا من ثمرة الخوف من الله، ومن الوقوف بين يديه يوم القيامة، ذلك الخوف الذي يدخل على الإنسان من هذه النار التي أعدّت لأهل الشرك والضلال.. فمن عرف أن هناك حسابا وجزاء يوم القيامة، وأن هناك نارا أعدّت للكافرين وللضالين، وخاف حساب الله وعقابه- نجا من هذا البلاء، بإيمانه بالله، وتجنبه ما يغضبه، واستقامته على سبيله المستقيم، وكان له الجزاء الحسن عند ربه، فأوسع له من فضله وإحسانه، وأدخله الجنة يتبوأ منها حيث يشاء.. فهى جنة فسيحة لا حدود لها، عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.. والتعبير عن الجنة بالجنتين، إشارة إلى اتساعها، وقد جاء فى القرآن الكريم لفظ الجنة، والجنتين، والجنات، كما يقول سبحانه: «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (٣٢: النحل) وكما يقول سبحانه: «وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» (٢٣: إبراهيم) .. فالجنة، جنات فى اتساعها وامتدادها.. والجنات، جنة فى طيب ثمارها، ووفرة النعيم فيها.. ويجوز أن تكون الجنتان، جنة للإنس، وجنة للجن.. أي ولمن خاف مقام ربه من عالم الإنس وعالم الجن ثواب حسن، ثم بين هذا الجزاء بأنه جنتان، ينزل كل محسن من الفريقين فى جنته منهما.. وقوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» إلفات إلى هذه النعم التي

стр. 5832

يجدها من يدخل هذه الجنة، على أية صورة تكون عليها.. فكيف، وهى على هذه الصفات التي وصفها الله بها؟ إن كل وصف لهذه الجنة الرحيبة الفسيحة، هو نعم مجددة، تضاف إليها، وتستدعى واجب الحمد والشكر لله رب العالمين.. قوله تعالى: «ذَواتا أَفْنانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» . فهاتان الجنتان ذواتا أفنان، والأفنان، جمع فنن، وهو الغصن المورق. فالجنتان ذواتا أغصان مورقة، وهذا يعنى أن لأشجارها ظلّا ممدودا.. فالظل نعيم من نعيم الجنة، حيث يطيب الهواء، ويعتدل الجو.. كما يقول سبحانه: «وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» (٢٧- ٣٠: الواقعة) .. قوله تعالى: «فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» . ومن صفات هاتين الجنتين أن فيهما عينان تجريان، بالماء العذب الرقراق.. وهذا الماء السلسبيل المتدفق من العيون الجارية، هو نفسه نعمة، إلى جانب نعمة الجنة، وإلى ظلها الممدود.. فمن يكذب بهذه النعم المتظاهرة، ويجحد فضل الله وإحسانه بها؟.

стр. 5833

قوله تعالى: «فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. ومما فى هاتين الجنتين كذلك، هذا الثمر الطيب الجنىّ،. وهو ثمر متزاوج، أي مؤتلف، يشبه بعضه بعضا فى حسنه، وطيبه، وإن اختلفت طعومه، وتعددت مذاقاته، وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه: «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً» (٢٥: البقرة) .. وقيل إن معنى: «مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ» .. أي كل صنف من أصناف الفاكهة يرد على أهل الجنة، يجيئهم فى صورتين، صورة لما كانوا يعرفونه فى الدنيا، وصورة لما هو من حقيقة ثمار الجنة، وبهذا يظهر لهم ما بين الفاكهتين من بون شاسع، وفرق بعيد، وهذا مما يحدّث عن فضل الله عليهم، وإحسانه إليهم، فى هذا المنزل الكريم الذي أحلهم الله فيه.. قوله تعالى: «مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. وفى هاتين الجنتين، وتحت أفنانهما المورقة، وظلالهما الممتدة، وفاكتهما التي تجمع بين فاكهة الدنيا وفاكهة الآخرة- فرش بطائنها أي حشوها من إستبرق، أي حرير، مهيأة ليتكىء عليها أهل الجنة، اتكاء استرواح، واسترخاء، واطمئنان.. والإستبرق: الديباج..

стр. 5834

وفى قوله تعالى: «وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ» - استدراك لما قد يقع فى الوهم من أنّ اتكاءهم على هذه الفرش، مما يباعد بينهم وبين ثمر هذه الجنة التي يتكئون تحت ظلالها، فإذا أراد أحدهم أن ينال من هذا الثمر شيئا، اضطر إلى أن يتحول عن هذا الوضع المريح له، وجلس، أو وقف، لينال الثمر الذي يريده.. وكلّا، فإن الثمر دان بحيث لا يتكلف له المتكئ شيئا، بل هو حاضر بين يديه، بتخير منه ما يشاء، متكئا، أو مضطجعا، أو نائما..! والجنى: الثمر الناضج، وهو ما يجنى من شجره، ومنه الجنين، وهو ثمرة الحيوان، ويسمى بيض الطير جنّى لهذا المعنى.. قوله تعالى: «فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. وفى هاتين الجنتين كذلك، حور قاصرات الطرف، أي قصرن أعينهن عن النظر إلى غير ما أحل الله لهن، تقىّ وحياء وعفّة.. «لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ» أي لم يقربهن، ولم يغش حماهنّ أحد من الإنس أو الجنّ، قبل أزواجهن الذين زففن إليهم فى الجنة، كما يقول سبحانه: «إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً لِأَصْحابِ الْيَمِينِ» (٣٥- ٣٨: الواقعة) . وفى إعادة الضمير جمعا على الجنتين فى قوله تعالى. «فِيهِنَّ» بدلا من «فيهما» إشارة إلى أن هاتين الجنتين، جنات فى سعتهما، وامتدادهما.. فهما- كما قلنا من قبل- جنة، وجنتان، وجنات.. والطمث: دم الحيض، والطامث: الحائض، ويسمى افتضاض البكر طمئا..

стр. 5835

قوله تعالى: «كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. هو وصف لهؤلاء الحور، بالنقاء والصفاء، بعد وصفهن بالعفة والحياء.. والياقوت والمرجان، حجران كريمان، صافيان صفاء البلور، ولكنهما مع هذا الصفاء مشربان بحمرة، ليست فى البلور، ولهذا كان تشبيه الحور بهن أبلغ وأصدق، لما يجرى فى بشرتهن من دم الشباب، الذي يشرق منه هذا الشعاع الشفقى على وجوههن! هذا ويلاحظ أن الجنتين اللتين وعدهما الله الذين يخافون مقام ربهم، قد عرضتا فى هذا العرض المفصل، الذي يحدّث فى كل مقطع من مقاطعه عن نعم الله وآلائه، التي يحملها هذا المقطع، والتي تدعو الثقلين- الإنس والجن- إلى الوقوف بين يديها، وإنعام النظر فيها، ثم تحديد موقفهم منها.. وهل يشكرون أم يكفرون؟ .. وفى هذا التفصيل، إشارة إلى أن أىّ نعمة من نعم الله، وإن بدت فى العين صغيرة، لا يكاد يلتفت إليها الناس، ولا يقدرونها قدرها- هى فى حقيقتها نعمة جليلة، تضم فى كيانها نعما جليلة أيضا.. وهذا هو بعض السرّ فى هذا التعقيب عقب كلّ نعمة بقوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. قوله تعالى: «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. أي أن هذا النعيم الذي يفاض من الله على المؤمنين فى الجنة- هو جزاء إحسانهم فى الدنيا، وخوفهم مقام ربهم، كما يقول سبحانه عنهم:

стр. 5836

«إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» (١٥- ١٩: الذاريات) .. وإذا كان هؤلاء المحسنون قد أحسنوا العمل، فإن هذا النعيم الذي هم فيه لا يعدله إحسان المحسنين، مهما بالغوا فى الإحسان، وإنما هو فضل من الله عليهم، ومضاعفة للجزاء الحسن، الذي كانت أعمالهم الحسنة مدخلا إليه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» (٢٦: يونس) .. الآيات: (٦٢- ٧٨) [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٦٢ الى ٧٨] وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)

стр. 5837

التفسير: قوله تعالى: «وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. أي ومن دون هاتين الجنتين اللتين ذكرهما الله فى قوله جلّ شأنه: «وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ» - أي ومن دون هاتين الجنتين جنتان أخريان، أنزل منهما درجة، وأدنى منزلة، وإن كان ما فيهما من النعيم ممّا لا يحيط به وصف، وإن القطرة منه لتوازى ما عرف الناس جميعا من نعيم الدنيا.. وهذا يعنى أن أهل الجنة ليسوا على درجة واحدة.. وهذا طبيعى، إذ لم يكن المحسنون على درجة سواء فى الإحسان.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ» (١٦٣: آل عمران) وقد جاء بيان ذلك فى سورة «الواقعة» التالية لهذه السورة، وفيها يقول سبحانه: «وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» (٧- ١١: الواقعة) .. فالناس فى الآخرة، على ثلاثة أحوال: أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، والسابقون من أصحاب اليمين وكل حال من تلك الأحوال الثلاثة درجات كثيرة، يختلف بعضها عن بعض، صعودا ونزولا.. وقوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» - إشارة إلى أن هاتين الجنتين، مجردتين من أي وصف، هما نعم جليلة من نعم الله، لمن ظفر بدخولهما.. «فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ» (١٨٥: آل عمران) .. وأي فوز أعظم من النجاة من النار، ولو كان فى الحياة بالعراء؟ فكيف بالنجاة من

стр. 5838

النار، ثم دخول الجنة، والفوز بنعيمها؟ قوله تعالى: «مُدْهامَّتانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. هذا وصف لما فى هاتين الجنتين من أشجار، وهى أشجار متشابكة الأفنان، وإن لم يكن فى ظلها هذا الصفاء البلورى. وإنما فى ظلها شىء من الكثافة التي تجعل الظل ذالون أدهم، كلون الشفق عند الغروب.. وهذا الظل هو نعمة، بل نعم تضاف إلى هاتين الجنتين، وتستوجب الحمد والشكر ان لله رب العالمين.. قوله تعالى: «فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. النضخ، والنضح، بمعنى، إلا أن النضخ أكثر إعطاء للماء من النضح.. كما يشعر بذلك ثقل الخاء، وخفة الحاء، فعلى مقدار وزن كل منهما يكون قدر كلّ من النضخ والنضح من الماء.. أي أن فى هاتين الجنتين عينى ماء تضخان الماء ضخا، فى دفعات متتالية، ولا ترسلانه متدفقا كهاتين العينين اللتين فى الجنتين السابقتين، كما يقول سبحانه: «فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ» .. وليس هذا عن ضنّ من الله ، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، وإنما هو عطاء يفرّق فيه بين أهل الإحسان، حيث ينزل كل منهما منزله الذي هو أهل له، وذلك هو عدل الله، الذي يجرى مع إحسانه، ويضبط موازينه..

стр. 5839

قوله تعالى: «فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. وهذا فرق آخر بين الجنتين العاليتين، وبين الجنتين اللتين دونهما، وذلك فى ثمار الجنتين، هنا وهناك.. فالجنتان العاليتان «فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ» .. فهما يحويان كل فاكهة معروفة وغير معروفة، مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر «مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ» .. وهاتان الجنتان الأخريان «فِيهِما فاكِهَةٌ.. وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ» إن فيهما فاكهة، ولكن لا على سبيل الشمول، كما فى وصف الجنتين العاليتين فى قوله تعالى: «فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ» .. ومن فاكهتهما النخل والرمان.. ومع أن ثمر النخل والرمان ليس أكرم الثمر ولا أطيبه، ولكنه إذا كان من ثمر الجنة، فهو من الطّيب والكرم، بحيث تعدل الثمرة منه فواكه الدنيا وثمرها جميعا.. قوله تعالى: «فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. أي فى هاتين الجنتين خيرات، ومع أن الخيرات مستغنية عن الوصف بذاتها، لأنها خيرات لا يجىء منها إلا كل ما هو خير، فقد وصفت بأنها حسان، تحقيقا لكمال الخيرية فيها، ومحضها للخير الخالص، وعزلها عن الخير الذي يشوبه شىء مما يكدّر صفوه، إذ كثيرا ما يشوب الخير ما ليس منه.. ولهذا كانت هذه الخيرات الحسان التي تطلع على أصحاب هاتين الجنتين- آلاء تحمد وتشكر، على أية صورة كانت عليها، وعلى أي وجه تجىء به، وحسبها أنها خيرات، وخيرات حسان!! يكرم الله سبحانه بها، المكرمين من عباده..

стр. 5840

قوله تعالى: «حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. فإذا انكشف وجه هذه الخيرات الحسان، كنّ حورا مقصورات فى الخيام.. يقابلن هؤلاء الحور اللائي فى الجنتين العاليتين واللاتي ذكرهن الله فى قوله: «فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ» .. وإنه لفرق بين هؤلاء وأولئك، وإن كن جميعا على صورة من الحسن والجمال لم تقع العين على مثلها.. ففى قوله تعالى: فى حور الجنتين العاليتين «قاصِراتُ الطَّرْفِ» إشارة إلى ما فى هؤلاء الحوريات من خفر، وحياء، وعفة، وأن ذلك فى أصل خلقهن.. وفى قوله تعالى: فى حور الجنتين الأخريين: «حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ» - إشارة إلى أن هؤلاء الحوريات قد قصرتهن الخيام وحجبتهن عن العيون، وحجبت العيون عنهن.. وهذا لا يمنع من أن يكون لهن ما لأخواتهن من الخفر والحياء.. ولكن شتان بين خفر وحياء مطلقين، وخفر وحياء مقصورين، مقيدين.. ذاك قد امتحن وجرب، فظل ثابتا، لم تنل منه التجربة والامتحان، وهذا لم يمتحن ولم يجرب بعد!. وقوله تعالى: «حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ» هو بدل مبيّن لقوله تعالى: «خَيْراتٌ حِسانٌ» فالخيرات الحسان، هن أولئك الحور المقصورات فى الخيام.. والحور: جمع حوراء، وهى ما طاف بمقلتيها طائف من السواد

стр. 5841

الطبيعي، أشبه بالكحل، يزيد العيون حسنا، ويلقى عليها فتنة وسحرا.. يقول جرير: إن العيون التي فى طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا! قوله تعالى: «لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» . مضى تفسير هذه الآية فيما سبق.. قوله تعالى: «مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. هو مقابل لقوله تعالى فى وصف حال أهل الجنتين العاليتين: «مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ» .. الرفرف: المسند، ووصف بلفظ الجمع «خضر» - إشارة إلى أن لكل من أهل الجنة مسندا خاصا يتكىء عليه.. والمساند جميعها ذات لون واحد.. فهى مفردة فى صفوفها، جمع فى لونها.. والعبقرىّ: الجيد من البسط: الخارق للعادة فى دقة صنعه.. والعبقري: نسبة إلى «عبقر» - وهو واد كانت العرب تعتقد فى جاهليتها أنه موطن الجن، وإلى الجن تنسب الأعمال الخارقة التي تتجاوز حدود الطاقة البشرية، ومنه سمى «العبقري» وهو الذي يجىء فى أفعاله بالخارق والمعجز لغيره. وهنا فرق آخر يظهر فى متّكأ أصحاب كلّ من الجنتين العاليتين، والجنتين الواقعتين تحتهما..

стр. 5842

فعلى حين يتكىء أصحاب الجنتين الأوليين على فرش بطائنها من ديباج، وحشوها من حرير، وعلى حين أن هذا الاتكاء لا يباعد بينهم وبين ثمر الجنة الذي يكون بين أيديهم فى أي وضع يكونون عليه، كما يقول سبحانه: «مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ» - يكون متكأ أصحاب الجنتين الأخريين على رفارف أي مساند خضر، لم تعرف المادة المشكلة منها.. أهى حرير أم غير حرير، وإن عرف أن هذه المساند مبثوثة على بسط حسان، كما لم يعرف إن كان هذا الاتكاء يباعد بين المتكئين وبين ثمر الجنة، فلا تناله أيديهم إلا إذا غيروا من وضعهم، واعتدلوا فى جلستهم.. أم أنهم ينالونه من قريب؟. ونعود مرة أخرى فنقول، إن هذه التفرقة بين حال أصحاب الجنة، هى أمر لازم، يقضى به عدل الله، فكما فرق هذا العدل بين المحسنين والمسيئين، فأنزل هؤلاء الجنة، وأنزل أولئك النار- كذلك فرق هذا العدل بين المحسنين أنفسهم، فأخذ كلّ منهم منزلته حسب إحسانه.. وبهذا يعمل المحسنون على أن يزدادوا إحسانا. حتى لا يقصّر بهم سعيهم، ويسبقهم السابقون إلى الدرجات العلا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا» (١٣٢: الأنعام) . قوله تعالى: «تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ» . وبهذه الآية الكريمة، تختم السورة الكريمة، حيث يلتقى ختامها مع بدئها هذا اللقاء المبارك الميمون الذي يزاوج بين رحمة الرحمن، وكرم الكريم.. فلقد بدئت السورة بالاسم الجليل «الرحمن» .. وختمت بالتبريك لهذا الاسم العظيم، الذي يتجلى على عباده بجلاله، وعظمته وكرمه!.

стр. 5843

فالاسم المشار إليه فى قوله تعالى: «تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ» هو هذا الاسم الكريم «الرحمن» الذي بدئت به السورة، والذي عرضت فيه آياتها آلاء الله ونعمه التي أفاضها على عباده، وكان من حق كل نعمة منها أن يلقاها الثقلان بالحمد والشكر، وإن كان حمدهما وشكرهما لا يقوم بحق نعمة منها.. ولهذا كان الله هو الذي بارك نفسه، وحمد ذاته، ليجبر تقصير العباد، وليؤدى عنهم هذا الدّين الذي عجزوا عن أدائه، حتى لا يقطع عنهم أمداد هذه النعم، ولا يأخذهم بعجزهم وتقصيرهم عن أداء حق شكرها وحمدها.. فسبحانه، سبحانه، من رب رحمن، رحيم، كريم.. يوالى النعم على عباده، ثم يقوم عنهم بأداء الشكر عليها، والحمد لها.. يقول الإمام النسفي: كررت هذه الآية- أي «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» إحدى وثلاثين مرة، ذكر ثمانية منها عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة، ثمانية فى وصف الجنتين وأهلهما على عدد أبواب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى (أي المذكورات فى أول السورة) وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة، وأغلقت عنه أبواب جهنم، نعوذ بالله منها..

стр. 5844

٥٦- سورة الواقعة نزولها: مكّية عدد آياتها: ست وتسعون آية مناسبتها لما قبلها كانت سورة «الرحمن» السابقة على هذه السورة معرضا جامعا لآلاء الله على عباده، من جنّ وإنس، ابتداء من خلقهم، وعلى امتداد مسيرتهم فى الحياة الدنيا، وتقبلهم فى شئونها، إلى موتهم، وبعثهم، وحسابهم، وإنزالهم منازلهم- حسب أعمالهم- فى الجنّة أو النار.. وقد تضمنت السورة- سورة «الرحمن» - عرضا مبسوطا، مفصّلا لنعيم الجنّة، ومنازل أهلها من هذا النعيم، حسب أعمالهم كذلك- فجاءت سورة الواقعة، مبتدئة بالكشف عن وجه يوم الجزاء، وأنه واقع لا شك فيه.. ثم جاءت بعد هذا لتؤكّد ما تقرر فى سورة «الرحمن» من اختلاف أحوال الناس، فى هذا اليوم، وتباين درجاتهم.. فى الجنة، ودركاتهم فى النار. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الآيات (١- ٢٦) [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١ الى ٢٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦)

стр. 5845

التفسير قوله تعالى: «إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ» جملة شرطية وجوابها.. ووقوع الواقعة، مجيئها، وحدوثها، والواقعة، القيامة، وسميت وسميت واقعة لأنها تقع فجأة على غير انتظار.. وكلّ شىء يحمل نذر الشّرّ يعبّر عن مجيئه بالوقوع، كأنه يسقط على الناس من فوق، فلا يملكون له دفعا، كقوله تعالى: «وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا» (٨٥: النمل) وقوله سبحانه: «وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ» (١٣٤: الأعراف) وقوله جل شأنه: «وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ» (٨٢: النمل) .. ووقوع يوم القيامة إيذان بدخول الناس فى تجربة قاسية. وفى امتحان

стр. 5846

عسر.. كما يقول سبحانه: «إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ» (٢: الحج) . وقوله تعالى: «لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ» - هو جواب الشرط: «إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ» أي أنه إذا وقعت الواقعة، فليس هناك من يكذّب بها من هؤلاء الذين كانوا ينكرون البعث والقيامة ويكذبون من يحدثهم عنه، لأنهم يكونون حينئذ أمام واقع مشهود، لا سبيل إلى إنكاره والمكابرة فيه.. قوله تعالى: «خافِضَةٌ رافِعَةٌ» .. أي هى خافضة ورافعة لأقدار الناس ومنازلهم، حيث ينزل كل إنسان منزله فى هذا اليوم.. فريق فى الجنة، وفريق فى السعير. قوله تعالى: «إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً» . هذه الآيات، هى بيان لما يقع فى هذا اليوم من أحداث، وكأنها جواب عن سؤال هو: متى تقع الواقعة؟ فجاء الجواب لا لبيان وقتها، وإنما لبيان الأهوال التي تطلع على الناس منها، فذلك هو المهمّ فى هذا الأمر، وهو الذي ينبغى الالتفات إليه، والإعداد له، والعمل على النجاة منه.. أما الوقت الذي تقع فيه الواقعة، فليس بالأمر المهمّ، بعد أن تأكد أن وقوعها آت لا شكّ فيه. وإنما المهم هو الاستعداد للقاء هذا اليوم، الذي لا مفر منه. ففى هذا اليوم ترجّ الأرض رجّا، أي تضطرب اضطرابا شديدا لما يجرى عليها من أحداث، حيث تندكّ الجبال، وتخر متداعية، متناثرة، فلا يبقى

стр. 5847

منها حجر على حجر، بل إن هذه الأحجار تتحول إلى ذرات تذروها الرياح كأنها العهن المنفوش. فقوله تعالى: «وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا» أي طحنت طحنا. وقوله تعالى «فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا» أي صارت ذرات منتثرة فى الفضاء، كالغبار المتطاير مع الرياح.. هذا، وقد قلنا فى أكثر من موضع إن هذا التبدل الذي يبدو من عوالم الوجود وكائناته، إنما هو لتبدّل موقف الإنسان من هذه العوالم، ولما تحدث من اختلاف بعيد بين معطيات جوارحه فى الدنيا، ومعطياتها فى الآخرة، حيث تنكشف له حقائق الموجودات.. إنّ الإنسان فى هذه الدنيا يرى من الأمور ظواهرها، وظلالها، ولكنه فى الآخرة يرى صميمها وحقيقتها.. فرجّ الأرض رجّا، هو ما تراه العين يوم القيامة، من وضع الأرض، حيث تبدو على حقيقتها، كرة معلقة فى الفضاء، تجرى فى سرعة عظيمة، أشبه «بالبالونة» بين يدى الريح. وبثّ الجبال بثّا، حتى تكون كالهباء المنبث، المنتشر، هو ما تراه العين من الجبال. على مدى بعيد منها، حيث تبدو الجبال، وكأنها فى صغرها الهباء المبثوث. وقوله تعالى: «وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً» إشارة إلى ما يكون عليه الناس يومئذ، وهو أنهم يتناثرون، ويتفرقون فرقا ثلاثا، كل فرقة تجتمع إلى بعضها أزواجا، جن وإنس، أو ذكر وأنثى. قوله تعالى: «فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ» .

стр. 5848

هو بيان للأزواج الثلاثة التي يضمها المحشر يومئذ من عالمى الجن والإنس، أو من ذكور الناس وإناثهم. فأصحاب اليمين فى جانب، وأصحاب الشمال فى جانب، والسابقون فى مكان فوق هؤلاء وأولئك جميعا. وفى قوله تعالى: «ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ» .. استفهام يراد به إلفات الأبصار إلى أصحاب الميمنة، والإشارة إلى مكانهم الذي ينعمون هم فيه، وما يظلهم هناك من أمن وسكينة. وفى قوله تعالى: «ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ» - استفهام يراد به كذلك إلفات الأبصار إلى أصحاب المشئمة، والإشارة إلى مكان هؤلاء المناكيد، وما يغشاهم فيه من همّ وبلاء. والميمنة، من اليمن، والبركة.. والمشئمة، من الشؤم، وسوء الحال. والسابقون، هم أهل السابقة إلى الإيمان فى كل أمة، ممن سبقوا إلى الإيمان بالله، والاستجابة لرسل الله.. فهؤلاء فى مكان مكين عند الله، لا يكاد يلحقهم فيه أحد ممن يجىء بعدهم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا، وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى» ! (١٠: الحديد) وفى تكرار السابقين فى قوله تعالى: «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ» . إشارة إلى هذا المقام المكين الذي لهم عند ربهم، وأنهم فى هذا المقام، لا يتحولون عنه، وهو مقام السبق أبدا. فالسابقون الأولى مبتدأ، والسابقون الثانية خبر، أي السابقون هم السابقون دائما أبدا.

стр. 5849

وفى تعريف طرفى الجملة- المبتدأ والخبر- ما يفيد القصر.. أي قصر السبق عليهم وحدهم، وأنهم كما سبقوا إلى الإيمان بالله فى الدنيا، سبقوا إلى الله سبحانه فى الآخرة، وكانوا أول من ينزل ساحة فضله ورضوانه. قوله تعالى: «أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» إشارة إلى هؤلاء السابقين، وإلى هذا المقام الكريم الذي أحلهم الله فيه يوم القيامة، وأنهم هم أهل القرب من الله سبحانه. وقوله تعالى: «فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ» هو بيان للحال التي يكون عليها هؤلاء السابقون المقربون.. فهم فى جنات النعيم، على سرر «موضونة» أي مطرزة، ومكللة. وهم على هذه السرر فى حال من الطمأنينة، والأمن، والرضوان، حيث يتكئون على هذه والسّرر اتكاء استرواح واسترخاء، يقابل بعضهم بعضا، وينظر بعضهم إلى بعض، فيرى كل منهم فى وجه أصحابه نضرة النعيم، فيزداد نعيما ورضوانا، بهذا النعيم، وذلك الرضوان، الذي يراه وقد فاض على كل من حوله. وقوله تعالى: «ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ» - إشارة إلى أن أهل السبق هؤلاء، الذين ينعمون بهذا النعيم، هم «ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ» .. والثلة: الجماعة الكثيرة من الناس، وهم أولئك الذين سبقوا إلى الإيمان من كل أمة، فكانوا بهذا أشبه بالأعلام المنصوبة، يقتدى الناس بهم، ويأخذون

стр. 5850

طريقهم.. فهم الذين ارتادوا لأقوامهم الطريق إلى الإيمان، واحتملوا مع الرسل سفه السفهاء، وجهل الجاهلين من أقوامهم.. فكان لهم بهذا فضل لا يشاركهم فيه. إلا أفراد قليلون ممن جاءوا بعدهم.. ولهذا جاء قوله تعالى: «وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ» - مبينا أن من يلحق بهم من بعدهم هم قلة بالنسبة إليهم.. إذ كان ذلك المقام لا ينال إلا فى صحبة الرسل. أو من تبلغ به تقواه، ومجاهدته أن يكون مجدّدا لدعوة الرسول، متابعا لشريعته، خطوة خطوة.. قوله تعالى: «يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ» أي يمر عليهم، وهم فى متكئهم هذا- «وِلْدانٌ» ، أي غلمان «مخلدون» أي خالدون فى هذا الشباب الدائم، الذي لا يتحول أبدا.. فهم مخلدون فى حالهم تلك، كما يخلد أهل الجنة فى الجنة، وأهل النار فى النار.. أو أنهم مخلدون، أي تزين آذانهم بقروط من كريم المعادن، ونفيس الجواهر. والأكواب: جمع كوب، وهو ما كان من الآنية بغير عروة. والأباريق: جمع إبريق، وهو ما كان ذا عروة يمسك به منها. والكأس: الإناء الذي يشرب فيه الخمر، ولا يسمى كأسا إلا إذا كان فيه الشراب.. والمعنى أن هؤلاء الولدان المخالدين الذين يلبسون ثوب الصبا أبدا، والذين تزين آذانهم بالقروط، دلالا وتنعما- يطوفون على هؤلاء المقربين بأكواب، وأباريق، وكئوس من معين، أي من عيون جارية من الخمر.. وفى جمع الأكواب، والأباريق، وإفراد الكئوس- إشارة إلى أن الأكواب والأباريق، هى التي تحمل الشراب لأهل المجلس، فإذا انتهى الولدان
следующие страницы →