← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

فقوله تعالى: «وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» هو أسلوب خبرى، وإن جاء فى صورة الشرط.. فهو إخبار عن مستقبل كثير من هؤلاء المشركين مع الدعوة الإسلامية، وأنهم سيظلّون على ما هم عليه من كفر وعناد، وأنه كلما تلا عليهم الرسول بعض آيات الله، لم يجدوا إلا قولا واحدا فيها، قد استقر عليه رأيهم، وهو أن هذا الكلام من واردات السحر، لما فيه من قوّى خفية، تكاد تملك وجودهم، وتستولى على مشاعرهم.. فقالوا: «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ» .. وقالوا: «سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» أي متصل، يشبه بعضه بعضا، ويلتقى لا حقه مع سابقه.. أو هو سحر مستمر، من المرّة وهى القوة، أي قوى محكم.. كما قال فرعون عن موسى وعصاه: «إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ» (١٠٩: الأعراف) .. فالآية إخبار عن المستقبل، وأن كثيرا من هؤلاء المشركين، لن يؤمنون بالله، بل يموتون على كفرهم، وأنهم كلما استمعوا إلى ما يتلو النبي من آيات الله، قالوا سحر مستمر. هذا هو موقف المعاندين الضالين من المشركين، فى الوقت الذي تطرقهم فيه الأنباء بأن يوم القيامة قد قرب، بل إن إرهاصاته قد أخذت تظهر فى الوجود.. والآية التي يرونها، هى آيات الله التي تتلى عليهم، وعبر عن سماعها بالرؤية، إشارة إلى أنها من الوضوح، والبيان، بحيث تبدو كأنها حاضر شاخص يرى، لا حديث يسمع. ويجوز أن تكون الآية هنا آية محسوسة، مما يقترحه المشركون على النبي، وقد أبى الله أن يجيبهم إلى ما سألوا، لأنهم لن يؤمنوا بأية آية

стр. 5777

تأتيهم، بعد أن كذبوا بآيات الله المتلوّة عليهم، والتي فيها الهدى لمن اهتدى، وفيها النور لمن فتح عينيه النور.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» (٧: الأنعام) . ويقول سبحانه: «وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ» (١٥: الحجر) .. فهذه آيات محسوسة، لو طلعت عليهم ورأوها رأى العين، لأعرضوا عنها، وكذبوا بها، وقالوا سحر مستمر. قوله تعالى: «وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ» . الواو الحال، والجملة بعدها حال من الفاعل فى قوله تعالى «وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا» . أي أنهم يقفون هذا الموقف من آيات الله إذا تليت عليهم، والحال أنهم قد كذبوا بها من قبل واتبعوا أهواءهم.. فهذا الذي هم فيه حالا أو مستقبلا مع آيات الله، ليس جديدا عليهم، بل هو داء يعيش معهم إلى أن يجىء أجلهم. وقوله تعالى: «وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ» .. تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين، وأن هذا الذي هم فيه من كفر وضلال، له نهاية ينتهى إليها، وقرار يستقر عنده.. وليس لما هم فيه من نهاية، إلا العذاب الأليم فى نار جهنم، وليس لأمرهم هذا من مستقر، إلّا سواء الجحيم.. وهذا مثل قوله تعالى: «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ» (٦٧: الأنعام) . قوله تعالى: «وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ» . أي أن هؤلاء المشركين، قد كذبوا، واتبعوا أهواءهم، وقد جاءتهم النذر من بين أيديهم ومن خلفهم، ولفتتهم آيات الله التي يتلوها الرسول عليهم،

стр. 5778

إلى ما أخذ الله به الظالمين قبلهم، الذين كفروا بالله، وعصوا رسله- فما انتفع هؤلاء المشركون الضالون بتلك النذر، ولم يكن لهم منها عبرة واعظة، أو عظة زاجرة. قوله تعالى: «حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ» . «حِكْمَةٌ بالِغَةٌ» بدل من «ما» فى قوله تعالى: «وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ» .. فالذى فيه مزدجر، هو حكمة بالغة، يجدها ذوو العقول فى أخبار الماضين، وما حل بأهل الكفر والضلال منهم. وقوله تعالى: «فَما تُغْنِ النُّذُرُ» .. «ما» نافية، أي لا تغنى النذر، ولا تنفع عند من هم فى غفلة ساهون.. وهذا مثل قوله تعالى: «وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ» (١٠١: يونس) .. فهؤلاء الضالون المعاندون من المشركين، لا ينتفون بهذه النذر، ولا يستيقظون من غفلتهم على صوتها المجلجل المدوىّ.. قوله تعالى: «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ» .. هو دعوة إلى النبي الكريم أن يدع هؤلاء الضالين، الذين لا تنفع معهم النذر، ولا يزيدهم النور إلا عمى وضلالا.. فليدعهم النبي، حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون.. وقوله تعالى: «يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ» .. الداعي، هو نافخ النفخة الثانية فى الصور، وهى نفخة البعث.. كما يقول سبحانه:

стр. 5779

«وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ» (٦٨: الزمر) .. والشيء النكر الذي يدعو إليه الداعي، هو هذا البلاء الذي يساق إليه أهل الضلال.. «يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ» (١٣، ١٤: الطور) .. وفى قوله تعالى: «شَيْءٍ نُكُرٍ» مع تجهيل هذا الشيء وتنكيره، ثم وصفه بهذا الوصف الذي يلقى عليه ظلالا كثيفة من السواد- فى هذا إشارة إلى شناعة هذا الشيء، وما يخفى فى أطوائه من أهوال، لا يحيط بها وصف.. والظرف «يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ» متعلق بمحذوف دل عليه سياق النظم، أي فتول عنهم، وانتظر ما يحل بهم يوم يدعو الداعي إلى الحساب والجزاء، وهو يوم عسير على الكافرين غير يسير.. قوله تعالى: «خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ» .. أي فتول عنهم، وانتظرهم يوم يدعوهم الداعي إلى شىء نكر، فتراهم وقد خشعت أبصارهم، ذلة وانكسارا، كما يقول : «وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ» (٤٥: الشورى) .. فقوله تعالى «خشعا» حال من مفعول فعل محذوف، وتقديره تراهم.. وقوله تعالى: «يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ» حال

стр. 5780

أخرى من المفعول به الفعل المحذوف، أي تراهم خشعا أبصارهم، وتراهم يحرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر.. والأجداث: جمع جدث، وهو القبر الذي يلحد فيه الميت.. وقد أشرنا من قبل إلى دلالة هذا التشبيه، الذي شبّه به الموتى فى خروجهم من أجداثهم يوم البعث «١» .. قوله تعالى: «مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» .. هو حال ثالثة من أحوال الناس يوم البعث، أي تراهم فى هذا اليوم مهطعين إلى الداعي، أي مسرعين إليه، مستجيبين لدعوته، منقادين لأمره.. وهو أمر الله، الذي به يبعث الموتى من القبور: كما يقول سبحانه. «ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ» وقوله تعالى: «يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» مقولة من مقولات الكافرين حين يلقاهم هذا اليوم.. إذ ما أكثر مقولات الندم والحسرة، التي يتنادون بها فى هذا اليوم.. «يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ» .. «يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا» .. الآيات: (٩- ٤٢) [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٩ الى ٤٢] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)

стр. 5781

التفسير: قوله تعالى: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ... الآيات» فى هذه الآيات أمور، نود أن نقف عندها، ولكن بعد أن نشرح بعض مفرداتها: - ازدجر: أي طرد من بين العقلاء، لأنه ليس له إلا الزجر. - أبواب السماء: مواقع المطر منها.. حيث يبدو المطر المنهمر أيام الطوفان، وكأنه متدفق من فتحات أبواب سدّ عظيم قد احتجز وراءه قدرا كبيرا من الماء.. - والمنهمر: المتدفق فى كثرة.. - فالتقى الماء على أمر قد قدر: أي فالتقى ماء السماء المتدفق من أبوابها، مع ماء الأرض المتفجر من عيونها، فى ميقات معلوم، وبقدر مقدور، لا يزيد، ولا ينقص.. - ذات الألواح: هى السفينة.. والألواح، هى قطع الخشب التي بنيت منها.. - والدسر: ما يمسك هذه الألواح، ويشدّ بعضها إلى بعض.. - لمن كان كفر: أي لمن كان قد كفر به، وكذب فى رسالته.. وهو نوح ﵇..

стр. 5782

- فهل من مدّكر: أي هل من متذكر، ومتعظ بهذه الأحداث؟. - ريحا صرصرا: أي ريحا عاصفة، شديدة البرد، ذات صرير وزمجرة. - أعجاز نخل منقعر: أعجاز النخل، قاعدتها التي تقوم عليها، وهى ما بين الساق، والجذر مما على الأرض من النخلة.. والمنقعر: المنقلع من أصوله. - كذاب أشر: أي كذاب مفضوح الكذب ظاهره، كذاب يريد بكذبه البطر والتعالي على قومه. - كل شرب محتضر: أي كل شرب لهم، أو للناقة، يحضره صاحبه، من غير عدوان.. كما يقول سبحانه: «لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» (١٥٥: الشعراء) .. - فنادوا صاحبهم: أي نادى القوم صاحبهم، أي رجلهم الذي أعدوه للعدوان على الناقة. فتعاطى: أي تداول الحديث معهم، فأخذ، وأعطى.. - هشيم المحنظر: أي الحطب الذي يضمه جامعه فى حظيرة، فيشتد يبسه، مع الزمن، ثم يتحول إلى هشيم، هشّ، لا وزن له.. صبحهم بكرة عذاب مستقر: أي وقع بهم العذاب فى بكور الصبح، أي مع مطلع الفجر.. أما هذه الأمور التي نودّ أن نقف عندها من هذه الآيات، فهى: أولا: مناسبة هذه الآيات لما قبلها..

стр. 5783

وهى أن الآيات السابقة، عرضت موقف المشركين من النبي- صلوات الله وسلامه عليه- وأنهم إن رأوا آية واجهوها بالبهت والتكذيب، وقالوا إنها من واردات السحر، وقد انتهى هذا العرض بدعوة النبي الكريم إلى أن يدع هؤلاء المعاندين وشأنهم، فإنهم فى هذا هم الخاسرون، حيث يوردون أنفسهم موارد الهلاك يوم القيامة، الذي يكذبون به.. وفى هذه الآيات، عرض لأحوال جماعات من المكذبين المعاندين فى الأمم السابقة، وقد جاءتهم رسل الله بالبينات، فبهتوهم، وكذبوهم، وتهددوهم بالمساءة والأذى.. فكان أن أخذهم الله بالبلاء فى الدنيا، والعذاب الأليم فى الآخرة.. وفى هذا تهديد للمشركين، وأنهم سيسلكون فى سلك الذين كذبوا رسل الله من قبلهم.. قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وفرعون.. وثانيا: فى أعقاب كل قصة، يجىء قوله تعالى: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» .. ولقد تكرر هذا فى قصص قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط.. فما سرّ هذا؟ ولماذا لم يجىء هذا التعقيب، فى قصة فرعون؟ السرّ فى هذا- والله أعلم- أن هذا التعقيب على كل قصة من تلك القصص، هو دعوة إلى هؤلاء المشركين أن يتدبروا هذه الآيات التي بين أيديهم من كتاب الله.. فهذه الآيات تكشف للناظر فيها، أو المستمع إليها- فى يسر وعن قرب- الدلائل الواضحة الهادية إلى الحق.. ولكن هل من مدّكر من هؤلاء الضالين المعاندين؟ ستكشف الأيام عن جواب هذا السؤال.. أما السرّ فى أنه لم يذكر مع قصة فرعون هذا التعقيب الذي لازم القصص الأربع السابقة، فذلك- والله أعلم- ليصل مشركى قريش بفرعون، وليجعل

стр. 5784

منهم ومنه كيانا واحدا، وكأنهم هم المكذّبون بآيات الله كلها، الوارثون لفرعون فى ضلاله، وكبره وعناده.. والقرآن الكريم، يقرن فى مناسبات كثيرة بين مشركى قريش، وبين فرعون.. إذ كانوا أقرب الناس شبها به، فى التعالي والتشامخ، والتصامّ عن كلمة الحق، والتعامي عن آيات الله.. وثالثا: تكرر فى هذه الآيات قوله تعالى: «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ» أربع مرات، كما تكرر قوله تعالى: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» أربع مرات كذلك.. وداعية هذا التكرار، هو التعقيب على هذه الأحداث، بإشارتين؟ الإشارة الأولى، إلى مواقع نقمة الله، وما أخذ به المكذبين برسله من بلاء «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ» .. والإشارة الثانية، هى دعوة إلى طريق الخلاص والنجاة من نقمة الله وبلائه: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ» .. فهذا هو طريق النجاة، وهو الاستماع إلى القرآن الكريم، وإلى الإيمان به، والعمل بما يدعو إليه.. فهل من مدّكر؟. الآيات: (٤٣- ٥٥) [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٤٣ الى ٥٥] أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)

стр. 5785

التفسير: قوله تعالى: «أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ» .. كان المتوقع بعد ذكر فرعون، وما أخذه الله به من نكال، أن يجىء هذان التعقيبان: «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ» .. «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» .. وذلك على نسق النظم الذي جاءت عليه الآيات التي سبقت الحديث عن فرعون، بالحديث عن قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط- كان هذا هو المتوقع، ولكن جاء قوله تعالى: «أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ» - ليصل- كما قلنا- مشركى قريش، بفرعون، ويجعلهم هذا التعقيب المباشر لقصته امتدادا له، حتى إنهم ليأخذون المكان الذي كان من المتوقع أن يأخذه قوله تعالى: «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ» .. فقوله تعالى: «أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ» خطاب لمشركى قريش، فى صورة استفهام إنكارى، ينكر عليهم هذه المشاعر الخاطئة التي يعيشون فيها، وهى أنهم لن يؤخذوا بما أخذ به الكافرون المكذبون من قبلهم.. «أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ» ؟ أي فلا تحل بهم النقم كما حلت بأشياعهم من قبل؟ ..

стр. 5786

وقوله تعالى: «أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ» .. استفهام إنكارى آخر، ينكر على المشركين أن يكون لهم عهد عند الله، فى كتاب بين أيديهم، بأنهم بمنجاة من أن ينالهم ما نال إخوانهم الضالين من قبل، من عذاب وبلاء؟ والزبر: جمع زبور، وهو القطعة من الشيء، والمراد به هنا الكتاب، والمراد بالزبر: كتب الله المنزلة على رسله، إذ كان كلّ منها قطعة من الكتاب الأم.. وهو أم الكتاب، أو القرآن الكريم، الذي جمع ما تفرق فى الكتب السماوية، والذي به كمل دين الله قوله تعالى: «أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ» .. أم هنا حرف عطف، حيث يجمع هذا السؤل الموجه المشركين، إلى السؤالين السابقين: «أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ؟ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ؟» . وعدل عن الخطاب إلى الغيبة، استخفافا بشأن هذا الجمع المتحدّى، الذي ملأه العجب والغرور، فلم ير أية قوة تقف له، وتأخذ النصر منه.. والجميع، بمعنى الجمع، وعبر عن الجمع بالجميع، إشارة إلى استطالتهم فى الغرور، وإدلالهم بكثرة جمعهم.. قوله تعالى: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» . أي إن هذا الجمع المفتون بكثرته، المغرور بقوته، سيهزم ويولى الدبر.. تلك هى آخرة مطافه.. وعدل عن لفظ «الجميع» الذي هو من مقول قول المشركين، إلى لفظ «الجمع» استصغارا لهم، وأنهم جمع لا جميع..

стр. 5787

وهذا من أنباء الغيب التي حمل القرآن الكريم قدرا كبيرا منها.. فهذه الآية مكية، فى سورة مكية، وما كان المؤمنون يومئذ يتوقعون فى أي حال أن يهزم هذا الجمع الذي توعده الله بالهزيمة وتولية الأدبار.. حتى إن عمر ابن الخطاب- رضى الله عنه- كان فيما يروى عنه- يقول حين نزلت هذه الآية: ما كنت أدرى: «من هذا الجمع الذي سيهزم» ، حتى كان يوم بدر فرأيت رسول الله ﷺ يثب فى الدرع وهو يتلو قوله تعالى: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» فعلمت تأويلها.. قوله تعالى: «بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ» .. إضراب على الهزيمة التي ستحل بهؤلاء المشركين، واعتبارها كأن لم تكن، لأنها لا تعدّ شيئا إلى ما ينتظر المشركين من عذاب الله يوم القيامة.. إن هزيمتهم فى الحرب، وإن كانت خزيا يلبسهم، وعارا يتجللهم، وحسرة تملأ قلوبهم- فإنها إلى ما يلقاهم من عذاب الله فى الآخرة، تعدّ عافية، وتحسب رحمة..!! قوله تعالى: «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ» . هو تعقيب على قوله تعالى: «بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ» .. أي إن ما يلقى هؤلاء المشركين من عذاب يوم القيامة، هو مما أعد للمجرمين، وهؤلاء المشركون هم رأس من رءوس المجرمين، يردون

стр. 5788

موردهم، ويلقون مصيرهم.. إنهم مجرمون، وإن المجرمين فى ضلال وسعر، أي جنون، وسعار، كسعار الكلاب، فلا يكون منهم إلا النباح.. إذ يسحبون على وجوههم فى النار، ويدعّون إلى جهنم دعّا- يشيعون من الزبانية الموكلين بسوقهم إلى النار، بتلك الكلمات القاتلة: «ذوقوا مس سقر» .. اى انعموا بهذا النعيم، واهنئوا به.. والمس: اللفح، والعذاب الوارد عليهم من جهنم، ومنه قوله تعالى: «وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ» (٤١: ص) . وسقر: واد من أودية جهنم، ومنزل من منازلها، نعوذ بالله منها، ومن عذاب الله وسخطه. قوله تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» أي إنا خلقنا كل شىء بقدر.. أي بحساب وتقدير.. فما من ذرة فى السماء أو فى الأرض، إلا وهى فى علم الله، وفى تصريف قدرته، وإلا هى آخذة مكانها فى هذا الوجود، كما يأخذ كل عضو فى الجسد مكانه منه.. قوله تعالى: «وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ» . أي ما أمرنا لشىء إذا أردناه، إلا أن نقول له كن فيكون.. فبكلمة واحدة، يدعى أي أمر، فيجيب فى لمحة كلمح البصر.. وفى هذا إشارة إلى أن الموجودات كلها واقعة فى علم الله، فى كل حال من أحوالها،

стр. 5789

وفى كل صورة من صورها، وأنها إذ تدعى إنما تدعى من حضور هى فيه.. فعلا.. قوله تعالى: «وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» . هو عودة بهؤلاء المشركين من مشاهد القيامة، وما سيلقاهم هناك من بلاء وضنك- عودة بهم إلى حيث هم فى هذه الدنيا.. فإن تلك هى فرصتهم، إن أرادوا أن يصلحوا ما أفسدوا، وأن يتجنبوا هذا الطريق الذي ينتهى بهم إلى جهنم.. فليعيدوا النظر فى موقفهم هذا، وليتدبروا ما حل بأشياعهم، ومن هم على شاكلتهم من الأمم السابقة، الذين كفروا بآيات الله، وكذبوا رسله، وكيف أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.. ولكن أين من يتدبر، ويتذكر؟ .. والأشياع: جمع شيعة، وشيعة المرء أنصاره، ومن هم على طريقته.. وأهل الضلال جميعا شيعة، وإن لم يجمعهم زمان أو مكان.. لأنهم جميعا على طريق الغواية، والبوار.. ومدّكر: بمعنى متذكر، وفعله ادّكر، الذي أصله إذ دكر، فقلبت الذال دالا وأدغمت فى الدال.. قوله تعالى: «وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ» . أي كل شىء فعله هؤلاء الضالون وأشياعهم، مسجل عليهم فى الزبر، أي الكتب التي تكتب فيها أعمالهم.. فكل إنسان له كتابه الذي

стр. 5790

سطّر فيه كل ما عمل من خير أو شر.. «وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً» (١٣: الإسراء) . قوله تعالى: «وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ» . أي وكل صغير من أعمال الناس وكبيرها مستطر، أي مكتوب فى أسطر، على صفحات هذا الكتاب الذي يعطاه كل إنسان يوم القيامة. قوله تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» . وإذا كانت تلك هى حال الضالين والمكذبين، فى الآخرة، وهى حال تشيب لها الولدان، فإن هناك حالا أخرى، هى حال أهل الإيمان والتقوى، حيث النعيم المقيم، والرضوان العظيم.. إن أهل التقوى فى جنات وأنهار تجرى من تحت هذه الجنات، وإنهم فى منزل كريم عند مليك مقتدر، بيده كل شىء. وفى وصف المقعد بالصدق، إشارة إلى أنه منزل شريف كريم، شرف الصدق وكرامته، وأنه دائم باق دوام الصدق وبقاءه.. وفى وصف مقعد الصدق بأنه «عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» أي عند الله المالك لكل شىء، المقتدر على كل شىء- فى هذا الوصف إشارة إلى قرب هؤلاء المتقين من ربهم، وأنهم فى ساحة فضله وإحسانه، فهو قرب رضا ورضوان، وإدناء فضل وإحسان.. جعلنا الله سبحانه من عبادة المقربين المكرمين..

стр. 5791

٥٥- سورة الرحمن عروس القرآن نزولها: مدينة عدد آياتها: ثمان وسبعون آية مناسبتها لما قبلها بين سورة «الرحمن» هذه، والسورة التي قبلها «القمر» - أكثر من مناسبة: فأولا: ختمت سورة «القمر» بهذه الآية: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» .. ومن صفات المليك المقتدر، الرحمة، لا الجبروت، شأن المالكين المقتدرين، وبهذه الرحمة التي وسعت كل شىء أرسل الرسل يدعون عباده إليه، ويطبّون للآفات والعلل التي أوردتهم موارد الضلال.. فاستجاب كثير منهم، ووجد السلامة والعافية فى هذه الرحمة المرسلة من الله سبحانه على يد رسله.. فكان بدء سورة «الرحمن» بهذا الاسم الكريم موصولا بختام سورة «القمر» ، جاعلا منهما سورة واحدة.. وثانيا: النظم الذي جاءت عليه سورة «القمر» ، يشابه النظم الذي جاءت عليه سورة «الرحمن» ، من حيث تكرار بعض المقاطع مرات متعددة.. فقد كرو فى سورة «القمر» قوله تعالى: «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ» أربع مرات، وكذلك قوله تعالى: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» .. كرر أربع مرات أيضا.. وفى سورة «الرحمن» كرر قوله تعالى «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» إحدى وثلاثين مرة!

стр. 5792

ففى هذه المتتاليات: «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ» ثم «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» ثم «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» - فى هذه المتتاليات، تدرّج من الإنذار والتخويف من عذاب الله، إلى عرض وسيلة النجاة من عذاب الله وتيسير الاتصال بها والوصول إليها، وهى القرآن الكريم. إلى مساءلة هؤلاء المدعوّين إلى كتاب الله، كيف يكذبون بآلاء الله ونعمه التي من أعظمها وأجلّها هذا الكتاب الذي يدعون إليه؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الآيات: (١- ١٣) [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١ الى ١٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) التفسير: قوله تعالى: «الرحمن......» [سورة الرحمن.. ونظمها] فى سورة الرحمن ظاهرة ملفتة للأنظار، داعية إلى التساؤل عنها والبحث عما وراءها من أسرار.. تلك هى التكرار الملتزم فى قوله تعالى:

стр. 5793

«فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» فقد تكررت هذه الآية إحدى وثلاثين مرة، خلال آيات السورة البالغ عددها ثمانيا وسبعين آية.. وقد كان هذا التكرار مدخلا من مداخل الطعن على القرآن، عند كثيرين من مرضى العقول والقلوب، من المستشرقين والمتتلمذين عليهم.. إذ عدوّا هذا التكرار مخلّا ببلاغة الكلام، جائرا على فصاحته، ثم يجاوزون هذا إلى القول بأن هذا التكرار الذي جاء خارجا على الأسلوب العام للقرآن، إنما يمثل حالا من أحوال الصّرع الذي كان يعرض للنبىّ! «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً» .. ولا نعرض لدحض هذه المفتريات، إذ كانت تحمل فى كيانها أكثر من شاهد يشهد عليها بالكذب والافتراء.. وحسبنا أن نقف بين يدى هذا الإعجاز المبين من آيات الله.. فهذا المقطع الذي بدأت به السورة الكريمة، هو مقدمة موسيقية علوّية اللحن، قدسية النغم، لا تكاد تتحرك بها الشفاه، وتتصل بها الآذان، حتى يتفتق من أكمامها هذا الجلال المهيب، الذي يملأ القلوب مهابة وخشية، وحتى يشيع فى النفوس روحا وانتشاء.. سواء فى ذلك من وقف عند تناغم الألفاظ، وتجاوب جرسها، أم من جمع إلى هذا ما يفتح الله له من علم يرى فى أضوائه جلال المعنى، وصدقه المصفّى من شوائب الباطل والضلال.. فالنظم الذي جاءت عليه هذه الآيات، مستغن بنفسه عن أن يحمل كلماته ما تحمل اللغة من دلالات ومفاهيم، متعارفة بين أهلها، وحسبه أن يفعل بنغمه الموسيقى، ما لا تفعل أروع ألحان الموسيقى من روح وانتشاء! فكيف إذا حمل هذا النغم مع ذلك أدق وأصدق وأحكم ما تحمل الكلمات من معنى؟ .. انظر كيف يطلع هذا المطلع على تلك الصورة الرائعة الفريدة من النظم..

стр. 5794

فأنت بين يدى خمس آيات تلاحمت، وتماسكت دون أن يقوم بينها حرف عطف: «الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ» .. إن ما بينها من تجاوب وتآلف، يجعلها فى غنى عن أن يقوم بينها عاطف يعطف بعضها على بعض، ويجمع بعضها إلى بعض..! ثم انظر كيف كانت كلمة «الرحمن» التي بدئت بها السورة، هى الميزان الذي تجرى أحكامه على آيات السورة كلها، وتنضبط عليه أنغامها، وتتألف منه وحدة اللحن كله.. فيكون أشبه «بالرتم» الذي يمسك باللحن الموسيقى من مطلعه إلى نهايته! .. «الرحمن» .. إنه الذي يمسك بأجزاء السورة كلها، لفظا ومعنى.. فالرحمن، تتدفق من رحمته هذه النّعم، التي تعرضها السورة فى كل آية من آياتها، وقد تصدر القرآن- ومعناه القراءة الواعية فى صحف الوجود وفى كتب العلم وأجلها القرآن الكريم- تصدّر كلّ هذه النعم.. فإنه بغير هذه القراءة لا يهتدى الإنسان إلى الله سبحانه، ولا يتعرف على خالقه، ولا تقوم قدماه على طريق الحق والخير.. ثم يجىء الإنسان على رأس المخلوقات جميعها، إذ هو وحده الذي حمل الأمانة، أي العقل والتكليف، من بينها جميعا، فيكون هو التلقي لمجتمع كلمات الله، القارئ المستبصر، الذي يكشف بقراءته دلائل القدرة الإلهية.. فيؤمن بالله، ويقوم على خلافته فى الأرض، وبقيم موازين العدل فيها.. ثم انظر مرة أخرى إلى هذا التدبير الحكيم الذي تطلع به عليك هذه

стр. 5795

المقدمة من الفواصل المتتابعة، المتماثلة، مع فاصلة الآية المكررة.. الرحمن.. القرآن.. الإنسان.. البيان.. بحسبان.. يسجدان.. الميزان.. الميزان.. الميزان.. للأنام.. الأكمام.. الريحان.. فهذه اثنتا عشرة فاصلة، سبقت المقطع الذي سيتكرر فى السورة فى قوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» فيكون أشبه بمقدمة لهذا التكرار، إذ يكون من شأنه أن يقيم الأذن على هذا النغم، ويربطها به، فإذا تكررت هذه الآية بعد ذلك، لم تجد الطريق إلى الأذن مسدودا عليها، أو مستوحشا منها، بل إن الأذن لتتفتح لها، وتدعوها إليها، وتجذبها نحوها.. وانظر مرة ثالثة.. فلقد سبق هذا التكرار المنتظر، تكرار آخر، يمهد له، ويهيىء السمع واللسان لاستقباله.. وذلك بأن تكررت كلمة «الميزان» ثلاث مرات فى ثلاث فواصل متتابعة، دون أن يفصل بينها فاصل آخر.. ولا شك أن هذا تمهيد بليغ للتكرار الذي سيبدأ بعد هذه الفواصل مباشرة بقوله «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» والذي سيتكرر إحدى وثلاثين مرة.. ثم انظر مرة رابعة فى هذا المطلع.. تجد السورة قد بدئت بآية، هى كلمة واحدة، ثم بثلاث آيات، كل آية فيها من كلمتين.. الرحمن.. علم القرآن.. خلق الإنسان.. علّمه البيان..

стр. 5796

ثم تجىء بعد هذا آيتان من ثلاث كلمات: الشمس والقمر بحسبان.. والنجم والشجر يسجدان.. ثم تتلوها آيتان من أربع كلمات: والسماء رفعها ووضع الميزان.. ألّا تطغوا فى الميزان.. تعقبها آية من ست كلمات: وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان.. ثم تتلوها آية من ثلاث كلمات: والأرض وضعها للأنام.. تجيء بعدها آية من خمس كلمات: فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام.. ثم آية من أربع: والحبّ ذو العصف والريحان.. ثم تجىء بعد هذا الآية: فبأى آلاء ربكما تكذبان.. فتكون هى القرار الذي ينتهى إليه النغم، والذي يتردد بعد كل آية أو آيتين من السورة.. إن لعلماء الموسيقى مجالا فسيحا للدراسة والإفادة من هذا النظم، الذي تمثل كلّ آية منه جملة موسيقية، تختلف طولا وقصرا، وتأتلف مطلعا- قرارا..

стр. 5797

أما عند الموسيقىّ، فإنه يجد نفسه، وهو يتلو هذه الآيات إنما يتلقى درسا علويا من ينابيع الموسيقى السماوية، فيستفتح اللحن بكلمة «الرحمن» فيعطيها كل ما يمتلىء به صدره من أنفاس الحياة.. ثم يعود فيوزع أنفاسه بين كلمتين، كلمتين، ثم بين ثلاث ثلاث، ثم بين أربع أربع، ثم بين ست كلمات، هى آخر ما يمكن أن يمتد إليه النفس غالبا. ثم يعود ليلتقط أنفاسه، فيوزّعها بين ثلاث كلمات.. ثم يأخذ نفسه مرة أخرى ليوزعه على خمس كلمات.. وهنا يكون النفس قد توازن، وانضبط على حدود معينة، بين ثلاث كلمات، وخمس كلمات، فتلقاه الآية التي ستكرر على امتداد السورة، «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. وهى من أربع كلمات، هى وسط بين الثلاث، والخمس!! هذا قليل من كثير لا نهاية له، مما يجده الناظر فى نظم هذا المقطع، الذي بدئت به السورة، والذي جاءت عليه السورة كلها.. أما المعنى الذي وراء هذا النظم، فهو أروع وأعجب.. إنه جامعة معارف، وبحار لآلئ ودرر، لا تزال أبد الدهر تغرى الطالبين لها، الغواصين فى بحارها، ليملئوا أيديهم منها، ويزينوا جيد الزمن بما ينظمون من جواهرها.. وها نحن أولاء نمدّ أبدينا إلى ما يفضل به الله تعالى علينا من فيض كرمه وإحسانه.. قوله تعالى: «الرَّحْمنُ» هو الله ، المتجلّى بتلك الصفة من صفاته الكريمة،

стр. 5798

وهى الرحمة، التي هى اللطف الساري فى هذا الوجود، والنور الهادي لكل موجود.. وقد سميت السورة سورة «الرحمن» .. فهى بهذا محلّى من مجالى رحمة الله، وكل آية من آياتها رحمة راحمة، ونعمة سابغة، حتى تلك الآيات التي تحمل العذاب إلى الكافرين والضالين.. فإنهم- مع هذا العذاب الذي هم فيه- واقعون تحت رحمة الله، ولولا هذه الرحمة لتضاعف لهم هذا العذاب أضعافا كثيرة، لا تنتهى.. وإن هذا العذاب الذي هم فيه، هو رحمة واسعة بالإضافة إلى ما فى قدرة الله من عذاب، يتعذب به هذا العذاب نفسه!! وقوله تعالى: «عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ» .. هو أول تجليات رحمة الرحمن، وأعظمها شأنا، فيما يتصل بالإنسان.. ولهذا قدّم تعليم القرآن، أي القراءة، على خلق الإنسان ذاته، الذي هو موضع هذه الرحمة، ومتلّقى غيوثها.. فالقرآن- كما أشرنا من قبل- معناه هنا القراءة والدرس، والتعلم.. ومن أجل هذه القراءة، وهذا الدرس والتعلم خلق الإنسان، ليعرف الله، ويتعبد له، كما يقول سبحانه: «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» .. (٥٦: الذاريات)

стр. 5799

فبهذه القراءة الواعية، يكون لقراءة القرآن ثمراتها، التي يحصل بها الخير كله، الذي ملاكه معرفة الله، والإيمان به، والولاء له.. وقد كان سياق المعنى، يقضى- فى ظاهر الأمر- بأن يقدم خلق الإنسان على تعلمه القراءة، مطلقا، أو قراءة القرآن بصفة خاصة.. ولكن النظم القرآنى لا يوزن بميزان نظم البشر لكلامهم.. فهذا كلام الله.. وكلامه صفة من صفاته، والفرق بين كلام الله وكلام البشر كالفرق بين صفات الله، وصفات عباد الله.. ولا تصح المقايسة بحال أبدا بين الخالق، والمخلوق.. نقول- كان سياق النظم يقضى- فى ظاهر الأمر- بأن يقدّم خلق الإنسان على تعلم القرآن، فيقال: الرحمن، خلق الإنسان، علم القرآن.. فماذا إذن وراء هذا النظم الذي جاء عليه القرآن؟ والجواب، أن وراء هذا النظم كثيرا من الأسرار، لا يحصيها العدّ، ولا يحيط بها العقل.. وإنما هى أسرار تتكشف حالا بعد حال، على مسرح العقول، وعلى امتداد الأزمان والآباد.. والذي يبدو لنا من هذا النظم- والله أعلم- أن القراءة، وهى- كما قلنا- قراءة عامة فى صحف الوجود، وفى الكتب- هى التي تكشف للإنسان الطريق إلى الله، وتدله على الله سبحانه من كمال وجلال، ومن تفرد بالخلق والأمر..

стр. 5800

والتعرف على الله، هو الغاية من خلق الإنسان على تلك الصورة الفريدة، التي امتاز بها عن عالم المخلوقات كلها، والتي استقل بها وحده بحمل الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، والتي بها أيضا استحق أن يكون أولى من الملائكة بخلافة الله على هذه الأرض.. فلمعرفة الله تلك المعرفة القائمة على وعى، وإدراك، وعلى حساب وتقدير- كان خلق الإنسان.. فمعرفة الله، هى العلة، وخلق الإنسان ليقوم بوظيفة هذه المعرفة هو معلول لهذه العلة، والعلة مقدمة على معلولها.. ولهذا قدم قوله تعالى: «عَلَّمَ الْقُرْآنَ» على قوله تعالى: «خَلَقَ الْإِنْسانَ» وقد «عَلَّمَهُ الْبَيانَ» .. أي خلقه ذا عقل وإدراك.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (٥٦: الذاريات) أي ليعرفونى، ويعبدونى.. وما يشير إليه قوله سبحانه: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها.. ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» (٣١- ٣٣: البقرة) .. فالله ، قد علم آدم: «خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ» أي خلقه قادرا على البيان والإفصاح عن حقائق الأشياء، والتمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، والهدى والضلال.. ولم يعلّم الملائكة هذا العلم، ولم يخلقهم على طبيعة

стр. 5801

ترى هذا التزاوج فى الموجودات، وإنما هم على طبيعة هى من عالم الحق، والخير، والنور، فلا ترى من الأشياء إلا ما هو حق، وخير، ونور.. وهنا يبدو لنا بعض السر فى هذا الجمع بين الجن والإنس فى قوله تعالى: «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» .. فالجن فى هذا المقام كالإنس، فى أن كلا منهما على طبيعة يرى بها الأشياء فى هذا الازدواج: الخير والشر، والحق والباطل.. وكما جمعت هذه الطبيعة بين الجن والإنس فى رؤية الأشياء على الازدواج- جمعت بينهما فى الخطيئة، وفى عصيان أمر الله.. فعصى إبليس أمر ربه بالسجود لآدم، وعصى آدم ربه فى الأكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها.. فالشيطان عصى فى أمر، وآدم عصى فى نهى.. وعصيان الأمر- فى ميزان التحدّى والمخالفة- أثقل وأشنع منه، فى حال النهى.. إذ كان الأمر إيجابا، والنهى سلبا.. فالأمر فعل، والنهى ترك.. وإتيان المأمورات، مقدم على ترك المنهيات، ولهذا التزم القرآن تقديم الأمر على النهى فى كل مقام اجتمعا فيه، فقال تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» (١١٠: آل عمران) وقال سبحانه: «يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ» (١٧: لقمان) . وذلك أن فعل الأمر، يحمل فى طياته الانتهاء عن منكر يقع فيه من لا يمتثل الأمر.. ومخالفة الأمر يحمل مع تضييع الأمر، الوقوع فى محذور النهى.. وليس الشأن كذلك فى النهى، الذي يقف بصاحبه عند محذور النهى، إذا هو فعل المنهي عنه..

стр. 5802

ومن هنا كان إتيان المأمورات مثابا عليه، بخلاف اجتناب المنهيّات، فإنه بحسب المرء باجتنابها أن يسلم من شرها، ويخرج معافى لا عليه، ولا له.. ومع هذا، فإن الشيطان خالف أمر ربه بامتناعه عن السجود لآدم.. وآدم عصى ربه كذلك بإتيان ما نهاه عنه، فأكل من الشجرة- ولهذا كان لكل منهما حسابه وعقابه.. وقد أظهر آدم الندم، وأقبل على ربه تائبا مستغفرا، فتقبّل الله توبته وغفر له.. وأما الشيطان فقد أحاطت به خطيئته، وأعمته عن طريق الرجوع إلى الله سبحانه، فمضى فى غيّه وضلاله، تصحبه لعنة الله إلى يوم الدين.. وقد تحدّى إبليس- لعنه الله- ربه، ورأى فى نفسه فى انه خير من آدم، وأنه قادر على إفساده، وجعله وليّا له، محاربا لله الذي كرمه وأمر الملائكة بالسجود له!! وكان من حلم الله، على هذا اللعين، أن أفسح له فى مجال التحدي، وأن يجلب بخيله ورجله على بنى آدم، وسيرى أنه مقهور مخذول، فإنه لن ينال من عباد الله مالا، وإنما هو دعوة يستجيب لها من أبناء آدم من سبقت عليه كلمة الله، فكان من أهل النار، كما يقول سبحانه: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ» .. وكما يقول سبحانه: «إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ» (٦: فاطر) ..

стр. 5803

ماذا هناك؟؟ ونحن بين يدى سورة «الرحمن» وفى أنس وروح من رحمة الرحمن، تهب علينا، وعلى غير انتظار، ريح سموم من رياح هذه الدنيا، تلفح وجوهنا، وتكوى مشاعرنا، وتثير بلبلة واضطرابا فى خواطرنا.. حتى ليكاد ذلك يفسد علينا هذا الجو المعطر بأنفاس الرحمة، ويقطع عنا- فى غفلة من إيماننا بالله، وثقتنا فى رحمته- هذا الأنس برحمة الرحمن.. ثم.. ثم ماذا؟؟ ثم نجد رحمة الرحمن الرحيم تحفّ بنا، وتعيدنا مرة أخرى إلى رحاب هذه السورة الكريمة- بعد أن انقطعنا عنها أياما، جريا وراء لقمة عيش نحصّلها من حديث فى صحيفة، أو إذاعة- وإذا بنا نجد أنفسنا وقد أظلّتها السكينة، وعاد إليها الأمن والسلام.. أما هذه الريح السموم، فإننا ندعها لرحمة الرحمن، لتحيل نارها بردا وسلاما.. فذلك هو إيماننا بالله، وثقتنا فى رحمته..

стр. 5804

ونعود إلى نظم الآيات مرة أخرى.. «الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. فماذا نرى فى هذا النظم، من حيث المعنى، بعد أن كانت نظرتنا مقصورة على حدود النغم والجرس؟ هنا نجد- وهذا فى حدود نظرنا المحدود القاصر- أن الآيات الكريمات يأخذ بعضها بأعناق بعض، فى تعاطف، وتآلف، من غير أن يدخل بينها عاطف صناعى يشى بهذا السر الذي بينها، ويتسمع إلى هذه المناجاة الودود، بين الأحباء والأصفياء.. هذه واحدة!! ثم ماذا؟ «الرَّحْمنُ» ما شأنه؟ وما مظاهر رحمته؟ .. ذاك سؤال! «عَلَّمَ الْقُرْآنَ» .. وهذا جواب.. يقوم من ورائه سؤال: كيف علم القرآن؟ «خَلَقَ الْإِنْسانَ» ..

стр. 5805

وهذا جواب.. يثير سؤالا: وماذا بين خلق الإنسان، وتعليم القرآن؟ «عَلَّمَهُ الْبَيانَ» وهذا هو الجواب.. فبالبيان الذي علمه الله الإنسان، تعلم القرآن.. ومن وراء هذا الجواب سؤال؟ وأي شىء يقرؤه هذا الإنسان الذي خلقه الله مستعدا للقراءة والبيان لما يقرأ؟ .. «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ» .. «وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ» .. «وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ» .. هذا هو جواب السؤال.. فتلك هى الصحف المنشورة، التي يقرأ فيها هذا الإنسان المهيأ للقراءة، المجهز بأدوات البيان والكشف، بما أودع فيه الخالق من عقل، وقلب، وسمع، وبصر، ولسان يصور به ما رأى ببصره، وما سمع بأذنه، وما وقر فى قلبه، وما تشكل فى عقله- يصور ذلك كله بكلمات واضحة مبينة، يهتدى بهديها، ويمشى فى حياته على ضوئها..! فالشمس والقمر.. يجريان بحساب مقدور.. كل فى فلكه.. «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ.. وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» . (٤٠: يس) وهذا كتاب يضم من العلوم والمعارف ما لا يقع تحت حصر، ولا ينتهى

стр. 5806

عند حد، إذ كان موضوعه العالم العلوي وما فيه من أفلاك، وما يدور فى هذه الأفلاك من نجوم وكواكب.. والشمس والقمر، هما أظهر ما فى العالم العلوي المنظور لنا من نجوم وكواكب.. بحيث يقعان فى نظر كل إنسان، ويدنوان من مفهوم كل ذى نظر، فلا يكاد يوجد إنسان على ظهر هذا الكوكب الأرضى إلا وعنده علم عن الشمس والقمر، على اختلاف فى درجة هذا العلم، وعلى تفاوت بعيد بين القدر الذي يقع لكل إنسان منه، إذ بينما يكون هذا العلم عند بعض الناس مجرد نظر جامد بارد، ولا يحرك شعورا، ولا يثير إحساسا، إذ هو عند آخرين مثار خيال، ومبعث وجدان، ومنطلق إدراك، وجامعة علم وفن وفلسفة..! فإذا نظر الإنسان إلى الشمس والقمر، نظرا قائما على الدرس والحساب، أسلمه هذا النظر إلى ما وراء الشمس والقمر، مما حواه العالم العلوي من أجرام ظاهرة يراها رأى العين، أو خفية يلتمس لها الوسائل التي يراها من خلالها.. وبهذا النظر المستند إلى الحسبان أو الحساب، عرف الإنسان كثيرا من أسرار هذا العالم، ورأى أن الشمس والقمر الذين يبدوان وكأنهما سيّدا الأجرام السماوية، ليسا إلا إشارتين باهتتين تطلّان من هذا العالم على الأرض، وأنهما بالنسبة لهذا العالم أشبه بحصاتين فى سفح جبل الهملايا بالهند مثلا..! فإذا بلغ الإنسان اليوم من العلم بحيث يضع قدميه على القمر، فليس ذلك إلا خطوة قصيرة من مسيرة طويلة العلم، فى مسابح هذا العالم الذي لا حدود له.. وإذا قصر نظر الإنسان عن أن يرى ما وراء الشمس والقمر فى العالم العلوي،

стр. 5807

فليقم نظره على ما بين يديه من العالم الأرضى.. حيث يجد وجه الأرض وقد نجمت فيه نجوم أشبه بنجوم السماء وكواكبها.. «وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ» .. ففى الأرض نجم، وشجر.. والنجم، هو النبات الذي لا ساق له، مما يظهر على وجه الأرض، كالحشائش، ونحوها.. والشجر هو ما قام على سوق وما اتصل بهذه السوق من فروع، وأغصان وأوراق، وأزهار، وثمار.. والنجم من نبات الأرض، يمثّل الكواكب والنجوم المنثورة فى السماء، والتي تبدو فى مرأى العين صغيرة باهتة.. والشجر، يمثل الشمس والقمر فى ظهورهما، وكبر حجمهما.. وإذا كان جريان الشمس والقمر بحسبان، فإن قيام النجم والشجر من النبات، بحسبان أيضا، إذ أن كلّا منهما فى يدالقدرة الإلهية، قائم فى محراب الولاء، والخضوع، والسجود، لله رب العالمين.. وأنه كما فى العالم العلوي مجال فسيح النظر والكشف عن علوم لا حدود لها، فكذلك فى عالم النبات، نجمه، وشجره- علم لا ينتهى أبدا.. «وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ..» ثم، إنه إذا كان فى الناس من لا يرى هذا التفصيل فى العالم العلوي أو الأرضى، فإنه لن يكون فى الناس أبدا من لا يرى السماء جملة، أو الأرض جملة.. «وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ فِيها فاكِهَةٌ

стр. 5808

وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ» .. فالسماء مرفوعة كالمظلة فوق الناس، بلا عمد تقوم عليها، وإنما يد القدرة هى التي تمسك بها، وتقيمها على ميزان دقيق لا ينحرف قيد أنملة: «وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ» .. أي أقامها، ووضع لها حسابا دقيقا، وميزانا مضبوطا تجرى عليه أمورها.. وقوله تعالى: «أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ.. وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ..» هو دعوة إلى أن يقيم الناس أمرهم فى التعامل مع هذه العوالم على العدل والإحسان، فلا ينحرف بهم النظر عن مواقع الحق منها، فذلك ضلال وخسران للميزان الذي وضعه الله فى أيديهم، وهو عقولهم التي من شأنها أن تضبط مسيرتهم فى الحياة، كما تضبط السماء دعائمها بهذا الميزان الذي وضعه الله لها.. وفى قوله تعالى: «وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ» - إشارة إلى أن هذه الأرض، هى فى خلافة الأنام، وهم الناس، وأن معهم الميزان الذي يضبطون به أمور الأرض، أشبه بذلك الميزان الذي وضعه الله سبحانه لضبط السماء وعوالمها.. وفى هذا تكريم للإنسان، ورفع لقدره، وإعطاؤه حكم هذه الأرض بالميزان الذي معه، وهو العقل.. وهو بهذا الميزان استحق أن يكون خليفة الله فى الأرض.. فإذا لم يقم أمرها على ميزان الحق والعدل والإحسان، اضطرب أمره، وفسد حاله، وساء مصيره.. «فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ» أي أن هذه الأرض التي وضعها الله

стр. 5809

للأنام، وأقامها على هذا الوضع- قد هيأها الله سبحانه لتكون مأوى صالحا لحياة الإنسان، فأخرج منها فاكهة ونخلا ذات أكمام.. والأكمام: جمع كمّ، وهو الجراب الذي يضمّ طلع النخل، الذي يتكون منه الثمر.. «وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ» .. معطوف على قوله تعالى: «فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ» - أي وفيها الحبّ ذو العصف والريحان.. «وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ» هو الحبّ الذي يؤكل كالحنطة وغيرها.. والعصف، هو أوعية هذا الحب التي تنفصل عنه عند نضجه، فتكون حطاما وهشيما، كما فى قوله تعالى: «فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ» .. أما الريحان، فهو ذلك النبت الطيب الريح.. وهو إشارة إلى كل نبت طيب ريحه.. وفى هذا إشارة إلى أن الإنسان ليس مجرد حيوان يطلب حاجة الجسد من طعام وشراب وحسب، وإنما هو كائن أسمى من عالم الحيوان، لا يقف عند مطالب الجسد، بل إن لروحه مطالب لا تقل عن مطالب الجسد، وحاجته إلى ما يقيم وجوده.. فالريح الطيب ينعش النفوس، ويغذّى الأرواح.. وفى التعبير القرآنى بكلمة: «والريحان» عن النبت الطيب الريح، إشارة إلى أن اتجاه هذا النبت إنما هو إلى الروح.. فالريحان والروح من مادة واحدة لفظا، ومعنى!! وبعد هذا العرض الكاشف لرحمة الرحمن، وقدرته، وقيومته على هذا الوجود، علوه، وسفله، وخلقه الإنسان، وقد علمه البيان، ووضع بين يديه

стр. 5810

الميزان الذي يزن به الأمور، ويفرق به بين خيرها وشرها- بعد هذا يجىء قوله تعالى مخاطبا الكائنين اللذين لهما وجود ظاهر على هذه الأرض، ولهما مجال فسيح فيها، وصراع محتدم بينهما على الخير والشر اللّذين فى كيانهما.. فيقول سبحانه: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. فالخطاب هنا من الحق ، إلى عالمى الجن والإنس، إذ هما- كما قلنا- الكائنان المكلّفان، بما لهما من عقل وإدراك. وهما اللذان يحاسبان، ويثابان، أو يعاقبان. والآلاء: جمع إلى، على وزن معى، وألى على وزن على وهى النعم.. والاستفهام هنا تقريرى، إذ كانت نعم الله ظاهرة، تلبس كل ذرة فى هذا الوجود.. حيث أن الوجود نفسه، هو نعمة بالنسبة العدم.. عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكنوا، فقال: «ما لى أراكم سكوتا؟ للجنّ أحسن جوابا لربها منكم» .. قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «ما أتيت على قوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» إلا قالت الجن: ولا بشىء من نعم ربنا نكذب» .. وعن جابر بن عبد الله، قال خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: «لقد قرأتها على الجن، ليلة الجن، فكانوا أحسن ردودا منكم.. كنت

стр. 5811

كما أتيت على قوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» قالوا: ولا بشىء من نعمك ربّنا نكذب.. فلك الحمد» .. وقد استدل بهذا الحديث على أن السورة مكية، لأن ليلة الجن التي يشير إليها النبي ﷺ كانت قبل الهجرة، وذلك كان بوادي نخلة حيث بات النبي ﷺ ، وهو فى طريق عودته من الطائف إلى مكة، بعد أن عرض دعوته على ثقيف بالطائف، فردوه، ولم يقبلوا منه.. الآيات: (١٤- ٣٢) [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١٤ الى ٣٢] خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢)

стр. 5812

التفسير: قوله تعالى: «خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. الصلصال: الطين الجاف، الذي له صلصلة وجرس عند احتكاك بعضه ببعض.. وهذا من طبيعة الطين اللازب، أي اللزج إذا جف.. ولهذا شبه بالفخار، وهو الطين الذي وضع فى النار حتى احترق، وصار فخارا.. والمارج من النار، هو المضطرب من لهيبها، المختلط بالدخان.. وفى الجمع بين خلق الإنسان، وخلق الجان- جواب على سؤال يرد عند ذكر قوله تعالى فى الآية السابقة على هاتين الآيتين، وهو قوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» حيث لم يذكر فى السورة قبل هذه الآية ما يدل على هذا المثنّى الذي يتجه إليه الخطاب.. فكان ذكر خلق الإنس والجن، والجمع بينهما، جوابا على هذا السؤال: من المخاطب هنا بقوله تعالى: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» ؟ .. إنهما هذان المخلوقان، الإنس والجن.. وقدّم خلق الإنس على خلق الجن، مع أن الجن أسبق فى الخلق

стр. 5813

من الإنس- تشريفا للإنسان، وتكريما له فى رتبة الخلق، حيث أمر الله الملائكة- ومنهم الجنّ- أن يسجدوا له، احتفاء بمولده.. قوله تعالى: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. أي هو سبحانه رب المشرقين، ورب المغربين، أي مشرقى الشمس، ومغربيها، صيفا وشتاء.. وهذه الربوبية، هى نعمة عظيمة جليلة للموجودات كلها، إذ كان كل موجود هو صنعة هذه الربوبية، وغذىّ فضلها وإحسانها.. فهل من مكذّب بهذه الآلاء، منكر لها؟ قوله تعالى: «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. مرج البحرين: أي أثار بينهما تماوجا، وتدافعا واضطرابا، عند التقاء أحدهما بالآخر.. فقوله تعالى: «يَلْتَقِيانِ» حال يكشف عما وراء هذا الالتقاء من تماوج، وتدافع بينهما، بما يحدثه هذا الالتقاء. والمراد بالبحرين: المالح، والعذب.. والبرزخ: الحاجز الذي يحجز بين شيئين.. فمن رحمة الرحمن الرحيم، أنه جمع بين البحرين: هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج، وهما على طبيعة واحدة، وفى مرأى العين ماء، لا فرق بين الملح والعذب إلا فى المذاق.. ومع هذا فقد جعلت القدرة

стр. 5814

الإلهية بينهما حاجزا، فلا يبغى أحدهما على الآخر، ولا يجاوز حدوده.. كما يقول سبحانه: «وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً» (٥٣: الفرقان) .. فمن ينكر هذا؟ ومن يكذب بآلاء الله ونعمه على عباده، فلا يستقبل هذه النعم بالحمد والشكران؟ .. فالتكذيب بالنعم، هو كفر بها، وجحود لفضل المتفضل بمنحها.. قوله تعالى: «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» . أي يخرج من البحرين- الحلو والملح- اللؤلؤ والمرجان.. واللؤلؤ: إفراز حيوان بحرى، داخل بيت صدفىّ، لونه أبيض، وتتخذ منه الحلي الثمينة، من قلائد، وقرط، وخواتم.. ولونه أبيض، مشرب بصفرة. والمرجان: خرز أحمر، صغار، وهو نباتى أقرب إلى عالم الحيوان.. واللؤلؤ يخرج من التقاء الماء العذب بالماء الملح، أو حيث خلجان البحار الساكنة التي ينزل عليها ماء المطر، فيكون الماء العذب، سواء من الأنهار، أو الأمطار، أشبه باللقاح للماء الذي يتخلّق منه حيوان اللؤلؤ، ولهذا أضيف إخراج اللؤلؤ إلى البحرين معا.. الملح والعذب.. ومن كلّ من البحار والأنهار، يستخرج اللؤلؤ والمرجان.. ولكن لا بد من التقاء الملح بالعذب، والعذب بالملح، على أية صورة من الصور حتى يتخلّق منهما اللؤلؤ والمرجان.. فتارة يكون البحر هو محتواهما،

стр. 5815

وتارة يكون النهر هو مستخرجهما، حسب الظروف التي يتم بها التقاء أحدهما بالآخر.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ.. هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ، وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها» (١٢: فاطر) .. قوله تعالى: «وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. الجوار: السفن، جمع جارية، لأنها تجرى طافية على وجه الماء.. والمنشآت: أي المصنوعات، بأيدى الناس.. والأعلام: الجبال.. جمع علم، وسمّى الجبل علما لظهوره، وإشرافه على الأرض، كمعلم من معالمها، وسميت الراية علما، وسمى الرجل العظيم البارز علما، لهذا المعنى. قوله تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .. الضمير فى «عليها» : يعود على الأرض التي يعيش عليها الناس، وتجرى فيها الأنهار، وتتلاحم بالبحار، ويتخذ الناس من ظهور البحار والأنهار مطايا ذللا يسرجونها بالسفن، وينتقلون عليها، ويحملون أمتعهم، وتجاراتهم من بلد إلى بلد.. فهذا الذي يعيش فيه الناس، ويشغلون به، ينبغى ألا يشغلهم عن الإعداد
следующие страницы →