Полный текст (6 903 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.
стр. 6091
قوله تعالى:
«وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» .
هو بيان للعلّة التي من أجلها يحرص اليهود على الحياة، ويفزعون من الموت، وأنهم لا يتمنون الموت أبدا، لما يعلمون من أنفسهم أنهم على ضلال، وأنهم لن يجدوا فى الآخرة إلا البلاء والهوان.. شأنهم فى هذا شأن إبليس الذي يعلم أن مصيره إلى عذاب الله، وأنه إنما سأل الله أن ينظره، وأن يؤخر عنه العذاب الذي توعده به، فرارا من هذا العذاب، ودفعا له من يومه إلى غده.
قوله تعالى:
«قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .
أي أن هذا الموت الذي تحذرونه، وتفرون من ملاقاته، هو ملاقيكم حتما، ولن تفروا منه أبدا.. ثم إنّ وراء هذا الموت رجعة إلى الله، وحسابا، وعقابا، وسترون أعمالكم المنكرة حاضرة بين أيديكم، وسينزل بكم العذاب الذي أنتم أهل له..
الآيات: (٩- ١١) [سورة الجمعة (٦٢) : الآيات ٩ الى ١١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)
стр. 6092
التفسير:
قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» .
مناسبة هذة الآية لما قبلها، هى أن السورة قد بدأت بذكر هذه النعمة العظيمة التي أنعم الله بها على المؤمنين، إذ بعث فيهم رسولا منهم، يتلو عليهم آيات الله، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة.. وهذه النعمة العظيمة لا تثمر الثمر الطيب الذي تحمله إلا إذا صادفت من يرعاها، ويعرف قدرها، وإلّا انقلبت هذه النعمة نقمة على أهلها، فحوسبوا على تضييعها، ووقعوا تحت طائلة العقاب الأليم، كما وقع ذلك لليهود الذي حمّلوا التوراة، ثم لم يحملوها، فكان مثلهم مثل الحمار يحمل أسفارا، وقد أوعدهم الله سبحانه بما توّعد به الظالمين- فناسب أن يجىء بعد هذا، أن ينبّه المسلمون إلى ما ينبغى أن يكون منهم لرعاية هذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم، وكان أول ما نبهوا إليه، هو الصّلاة، إذ كانت الصلاة عماد الدين، وكانت الركن الأول من أركانه، بعد الإيمان بالله.. وإذ كانت صلاة الجمعة أظهر صلاة فى أيام الأسبوع، لأنها الصلاة الجامعة، التي لا تصحّ إلا فى جماعة- فقد كان الإلفات إليها إلفاتا إلى الصلوات المفروضة كلّها.
وقوله تعالى: «إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ» أي إذا جاء وقتها، وأذّن المؤذن بها.
стр. 6093
وقوله تعالى: «فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ» أي بادروا وأسرعوا إلى ذكر الله، أي الصلاة، لأنها تذكّر بالله، وتصل العبد بربه.. ومن ذكر الله فى صلاة الجمعة، «الخطبة» وما فيها من عظات تذكر بالله.
وقوله تعالى: «وَذَرُوا الْبَيْعَ» أي اتركوا البيع، والشراء، وكلّ ما يشغلكم من عمل.. حتى تفرغوا للصلاة، جسدا، وروحا.
وقوله تعالى: «ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» الإشارة إلى السعى للصلاة، وترك كل ما بين يدى الإنسان من عمل.. فذلك السعى خير من كلّ ما كان يحصّله الإنسان من عمله الذي بين يديه، وذلك مما لا يعلمه، ويعلم قدره إلا أهل العلم، من المؤمنين، المستيقنين من واسع الفضل، وعظيم الإحسان، عند الله..
قوله تعالى.
«فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» .
هو دعوة إلى العمل، وإلى السعى إليه، كما سعى المؤمنون إلى الصلاة..
فالسعى إلى العمل، أداء لحقّ النفس، وحقّ الأهل والولد، كما أن السعى إلى الصلاة أداء لحق الله ، وكلا الحقّين واجب الأداء، فمن قصّر فى أحدهما، حوسب عليه حساب المقصّرين.
وفى قوله تعالى: «فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» دعوة إلى أن يملأ المسلمون وجوه الأرض، سعيا وعملا، وأن يأخذوا بكلّ ما يمكّن لهم منها، ويقيم لهم فيها المقام الكريم، وألا يقصروا جهدهم على جانب منها،
стр. 6094
أو فى ميدان من ميادينها، بل ينبغى أن يكون لهم فى كل ميدان مجال، وفى كل موقع عمل..
وفى الدعوة إلى الانتشار فى الأرض بعد الاجتماع بين يدى الله فى الصلاة- فى هذا جمع بين العبادة والعمل، وبين ذكر الله والسعى فى الأرض.. فقد جاءت الدعوة من الله سبحانه لصلاة الجمعة، موجهة إلى من هم مشغولون بالعمل، ساعون لطلب الرزق، وإن كانت الدعوة عامة إلى كل من تجب عليه صلاة الجمعة.. ثم جاء الأمر إلى هؤلاء الذين حضروا الصلاة- أن ينتشروا فى الأرض، ويبتغوا من فضل الله، بعد أن تزودوا بهذا الزاد الطيب من ذكر الله، وبذلك يستقيم لهم الطريق، وتفتح لهم أبواب الرزق الطيب المبارك.
وفى قوله تعالى: «وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» - إشارة إلى هؤلاء المنطلقين للعمل، الساعين إلى الابتغاء من فضل الله، أن يذكروا الله دائما، وأن يستحضروا جلاله وعظمته، فى كل حال، لا فى وقت الصلاة.. ففى ذلك فلاح أي فلاح، حيث يجد الذاكر لله ، حارسا يحرسه من وساوس الشيطان، وأهواء النفس، فلا يتعثر، ولا ينحرف، ولا يزلّ.
قوله تعالى:
«وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» .
اللهو: ما يشغل الإنسان من هزل الأمور عن جدّها.. والانفضاض:
التفرّق فى عجلة، وفى غير نظام.
стр. 6095
٦٣- سورة «المنافقون»
نزولها: مدنية عدد آياتها: إحدى عشرة.. آية عدد كلماتها: مائة وثمانون.. كلمة عدد حروفها: سبعمائة وستة وسبعون.. حرفا
مناسبتها لما قبلها
كان ختام سورة «الجمعة» كاشفا عن وجه من وجوه المنافقين، الذين كانوا يشهدون صلاة الجمعة مع النبىّ، حتى إذا سمعوا لهوا، أو أحسّوا قدوم تجارة، أسرعوا إلى هذا اللهو، أو تلك التجارة، دون أن يشعروا بأنهم بين يدى النبىّ، وفى مقام ذكر الله.. لأن قلوبهم خالية من هذه المشاعر التي تصلهم بالله، وبرسول الله.. إنهم ما جاءوا رغبة فى مرضاة الله، ولا شهودا لذكر الله، وإنما جاءوا حتى يراهم المؤمنون أنهم على الإيمان بالله، مداراة لنفاقهم، وسترا لكفرهم.. ثم إنهم ما إن تهبّ عليهم سحابة ريح من أي اتجاه، حتى تعرّبهم من هذا الثوب الزائف الذي لبسوه، ودخلوا به فى زمرة المؤمنين- وقد ناسب ذلك أن تجىء سورة المنافقين، فى أعقاب سورة الجمعة لتكشف عن أكثر من وجه من وجوه النفاق.. كما سترى ذلك، فيما حدّثت به السورة عن النفاق والمنافقين.
هذا، ويلاحظ أن ما جاء فى ختام سورة «الجمعة» عن المنافقين قد جاء تلميحا.. وأن ما جاءت به سورة «المنافقين» عنهم- كان تصريحا يكشف عن هذا التلميح.. وهذا من أروع وأعجب ما يرى من إعجاز القرآن، حيث يمسك ختام سورة «الجمعة» ، وبدء سورة «المنافقين» بالصورة الكاملة للمنافقين، فى ظاهرهم وباطنهم جميعا.. فهم فى الظاهر مؤمنون، يشهدون مشاهد المؤمنين فى الصلاة وغيرها، وهم فى الباطن منافقون، كاذبون!
стр. 6096
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٦) [سورة المنافقون (٦٣) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦)
التفسير:
قوله تعالى:
«إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» ..
أي أن المنافقين، إذا جاءوا إلى النبي، وحضروا مجلسه، نطقت ألسنتهم بغير ما فى قلوبهم، وقالوا للنبى من غير أن يطلب منهم قول، وشهدوا من غير
стр. 6097
أن يستدعوا للشهادة- «إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ» - مؤكدين هذا القول بأكثر من مؤكّد.. وفى هذا كله ما ينطق عن أنهم كاذبون منافقون.. فالمؤمن إيمانا حقّا، لا يجد فى نفسه ما يحمله على أن يعلن فى كل وقت، عن إيمانه.. فهو منذ آمن عرف فى الناس بأنه من المؤمنين، فلا يحتاج بعد هذا إلى أن يردّد على الأسماع، مبادئا كلّ من يلقاه، بأنه مؤمن.. ثم إن الصادق فى قوله لا يحتاج إلى أن يبرر صدقه بالحلف، أو توكيد ما يخبر به، وإنما يفعل ذلك من هو متهم- فيما يخبر به- عند نفسه، متّهم عند الناس، وأنهم يرون منه حقيقة ما يراه فى نفسه.
والمنافقون، لا يؤمنون بأن الرسول هو رسول الله، ولو كانوا على الإيمان بأنه رسول الله لما وقع النفاق فى قلوبهم.. ولهذا- فهم لكى يبرئوا أنفسهم من تهمة النفاق- التي يتهمون بها أنفسهم قبل أن يتهمهم أحد- يبادرون إلى لقاء النبي، مؤكدين له بأنهم يشهدون أنه رسول الله: «إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ» !! وقد ردّ الله سبحانه عليهم شهادتهم تلك- وإن كانت تقول الصدق- لأنها خرجت من أفواه لا تقول إلا الزور من القول، وأن كلّ قول تقوله، إذا كشف عن حقيقته، وأزيل عنه هذا الطلاء الزائف- كان سرابا خادعا..
ولهذا جاء قوله تعالى: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ» ليقيم مكان قولهم الزائف قولة الحق، من الحق فى رسوله.. ولهذا أيضا وقع التطابق اللفظي بين قولهم: «إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ» وقوله تعالى: «إِنَّكَ لَرَسُولُهُ» .. «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ» ..
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» - هو فى مقابل قولهم: «نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ» .. فقد شهد الله عليهم بأنهم كاذبون فى
стр. 6098
حقيقة ما يقولون، إذ كان ما يقولونه على خلاف ما يعتقدون، وكان ما يجرى على ألسنتهم مكذّبا لما فى قلوبهم..
قوله تعالى:
«اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ..
الجنة: السّنر الذي يجنّ، أي يستر من يستجنّ به.. وبه سمى الدرع مجنّا، لأنه يحمى لابسه من أن تناله الطعنات فى الحرب..
ومنه الجنون، لأنه يستر عقل صاحبه من أن يرى حقائق الأمور..
أي أن المنافقين- لما يشعرون به من أنهم كاذبون فيما يقولون- يحاولون دائما أن يبرروا أقوالهم ويزكوها بالحلف، كى تقع من النفوس موقعا، ولو أنهم كانوا صادقين فيما يقولون، لما لزمهم أن يحلفوا، لأن الصدق مستغن بذاته عن أي مبرر يبرره، وينزله منزلته من العقول والقلوب..
وقوله تعالى: «فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» - هو تعقيب على قوله تعالى:
«اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً» والفاء للسببية، أي أنهم بسبب ما نسجوا للكذب من أيمان فاجرة، بدا لهم أن هذا النسيج يستر نفاقهم، ولهذا صدّوا عن سبيل الله، واتخذوا سبيلا غير سبيل المؤمنين، وهم على ظنّ بأن أحدا لن يراهم، على غير طريق الإيمان، وهم مستجنّون بهذه الأيمان التي بذلوا لها بسخاء، فى معرض الإخبار عن أنهم مؤمنون بالله ورسوله..
стр. 6099
وقوله تعالى: «إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» - هو حكم من الله على أعمالهم، بأنها أعمال سيئة، لا تعقب إلا سوءا، ولا تجرّ على أصحابها إلا الحسرة والندامة..
وقد وقع الوصف بالسوء على الأعمال، لأن الأعمال هى التي تظهر على محكّها الأقوال.. أما الأقوال، فما أكثر ما تخالفها الأعمال.. فقد يكون القول فى ظاهره حسنا جميلا، على حين يكون العمل من ورائه سيئا خبيثا.. وإنه لن يكون عمل طيب، إلا وكان معه القول الطيب! لأن القول أخفّ مئونة من العمل، ولهذا كانت الأعمال، هى مناط الحساب والجزاء..
قوله تعالى:
«ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ» .
أي ذلك النفاق الذي فيه هؤلاء المنافقون، هو بسبب أنهم آمنوا، ودخلوا فى تجربة مع الإيمان، فلم يجد له مكانا فى قلوبهم، فلفظوه كما تلفظ المعدة المريضة الطعام الطيب، وبهذا رجعوا إلى الكفر الذي لم تبعد الشّقة بينهم وبينه.
وقوله تعالى: «فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ» أي ختم على قلوبهم بأنها لا تقبل الإيمان، ولا تستجيب له، فقد امتحنت من قبل بالإيمان امتحانا كشف عن معدنها، وأنها لا تلتقى بالإيمان، ولا تسكن إليه..
إن من يلتقى بالإيمان يوما، ويعيش معه زمنا، ثم يفارقه- لن يكون بينه وبين الإيمان لقاء على مودة أبدا.. ذلك أن القلب الذي يدخله الإيمان، ثم يخرج منه- لن يعود إليه بحال، إنه فراق إلى غير لقاء.. وهذا يعنى أن الإيمان سهل المورد لمن هو من أهله، أما من لم يكن من أهل الإيمان فلن يقبله، وإن قبله فإنه سرعان ما يرفضه، لأنهما على طبيعتين مختلفتين. وهيهات أن يقع ائتلاف بين ما اختلف من الطبائع أصلا..
стр. 6100
وأما ما جاء فى قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا» (١٣٧: النساء) - فإنه يشير إلى هذا التردّد بين الإيمان والكفر من بعض النفوس، التي تكون على طبيعة ليست على الإيمان، ولا على الكفر، وإنما هى خليط منهما، يتنازعها الإيمان مرة، والكفر مرة، حتى تستقر على أىّ منهما.. وهؤلاء الذي آمنوا، ثم كفروا، ثم آمنوا، ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرا- إنما هم الذين غلب جانب الكفر فيهم جانب الإيمان، ورجحت فيهم كفته، فانتهى أمرهم إلى كفر غليظ، بعد هذه المعاناة، وتلك التجربة المتعددة.. وأما من ينتهى بهم هذا التردد إلى الإيمان، فإنهم ينتهون إلى إيمان ثابت راسخ، كما انتهى المترددون قبلهم إلى كفر غليظ.
وقوله تعالى: «فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ» أي أنهم بسبب هذا الطبع الذي طبع به على قلوبهم بعد خروج الإيمان منها بعد أن دخلها- إنهم بسبب هذا الطبع، لا يفقهون حقيقة الإيمان بعد هذا، ولا تنفتح له مغالق قلوبهم..
قوله تعالى:
«وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ.. هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ.. قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» .
هذه صورة للمنافق تمثل ظاهره، وباطنه جميعا..
فالمنافق متجمل فى ظاهره، مجتهد فى تزويق هذا الظاهر، وفى طلائه بالألوان الزاهية، حتى يخدع الناس عن باطنه الذي يعلم هو فساده أكثر مما يعلم الناس منه.. ولهذا فهو يبالغ فى تسوية مظهره، وفى تجميله حتى يستر بهذا الزيف ما يخفى باطنه، وحتى يغطّى بهذا البخور الذي يطلقه على هذا العفن الذي يفوح منه..
فقوله تعالى: «وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ» .. بيان لما تقع عليه العين
стр. 6101
من ظاهر المنافقين، فيما يبدو من تسوية هندامهم، وحسن زيّهم..
وقوله تعالى: «وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ» - بيان لما يتجمّل به حديثهم، من طلاوة الأسلوب، وتأنق العبارة، ورقة اللفظ.. وهذا ضرب من الخداع والتزييف، حيث يدسّ السمّ فى العسل، وحيث تروج العملة الزائفة بلمعانها وبريقها..
وقوله تعالى: «كأنهم خشب مسندة» - إشارة إلى أن هذا الذي يبدو من المنافقين من حسن المظهر، ورقة الكلام، ونعومة اللفظ- لا يعدو هذا الظاهر من القوم.. إنهم أشبه بالخشب المسندة، لا حياة فيها، ولا وزن لها، وإن زينت بالحلى، وكسيت بالحرير.. ثم إن المنافقين، وإن بدوا فى ظاهرهم على صورة واحدة، فإنهم فى حقيقتهم، أشتات متفرقون، لا تجمعهم مشاعر الودّ، ولا تؤلف بينهم صلات هذا المعتقد الفاسد الذي يدينون به.. تماما كالخشب المسندة، كل كتلة منها قائمة إلى جوار غيرها، لا تشعر بها، ولا تحس بوجودها.
وقوله تعالى: «يحسبون كل صيحة عليهم» - هو وصف كاشف لما يموج به باطن المنافقين من وساوس، وتصورات، لا تقيمهم أبدا إلا على فزع، وتخوف، لأنهم دائما متلبسون بجرائم من الكذب والبهتان، فهم لهذا مطاردون من أنفسهم، يريدون الإفلات من قبضة هذه المشاعر المستولية عليهم، ولهذا أيضا تراهم على حذر، وتوقّع لتلك الأيدى الكثيرة الممتدة إليهم، تحاول أن تدهمهم فى أية لحظة.. «يحسبون كل صيحة عليهم» .. سواء اتجهت إليهم أو لم تتجه، وسواء أكانوا هم المقصودين بها أم غيرهم.. وهكذا المجرم، لا يفارقه أبدا وجه جريمته، فى يقظة أو منام..
стр. 6102
كأن فجاج الأرض وهى عريضة ... على الخائف المكروب كفّة حابل
وقوله تعالى: «هُمُ الْعَدُوُّ» خبر كاشف عن حقيقة هؤلاء المنافقين، وأنهم على ما يبدو منهم، من ظاهر مغلّف بالتلطف والتودّد- هم العدوّ، الذي تتجسم فيه العداوة كلها، حتى لكأنهم العدوّ وحدهم للنبىّ، دون الناس جميعا..
وقوله تعالى: «فَاحْذَرْهُمْ» هو تعقيب على هذا الخبر عن المنافقين، وأنه إذ علم أنهم هم العدوّ الذي يخفى وراء ظاهره، كيدا، ويضمر فى باطنه سوءا- فيجب الحذر منهم، والحيطة من الأمان لهم، والاتهام لكل قول يقولونه، أو ودّ يظهرونه..
وقوله تعالى: «قاتَلَهُمُ اللَّهُ» .. هو دعاء عليهم، يحمل التهديد لهم من الله ، بأنهم فى معرض النقمة من الله، وأن حربا من الله أعلنت عليهم، وأنه ليس وراء حرب الله لهم إلّا الهلاك المبير، والخسران المبين..
وقوله تعالى: «أَنَّى يُؤْفَكُونَ» استفهام يراد به الإنكار عليهم لهذا الطريق الذي أخذوه إلى مواقع الضلال.. أي كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل، وعن الهدى إلى الضلال.
قوله تعالى:
«وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ» .
أي أن من أمارات هؤلاء المنافقين، أنهم إذا دعوا إلى طريق الحقّ نفروا، وإذا نصح لهم ناصح بأن- يعرضوا أنفسهم على رسول الله ليستغفر لهم- «لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ» .. أي أداروا رءوسهم، يمينا وشمالا، فى حركة مجنونة، حتى
стр. 6103
لكأنهم إنما يتعاطون شرابا مرّا لا يجدون له مساغا.. ثم إنهم لا يقفون عند هذا الذي كان من لىّ رءوسهم عند سماعهم لدعوة من يدعوهم إلى رسول الله ليستغفر لهم.. بل إنهم بعد أن تذهب عنهم آثار هذه الصدمة، يأخذون طريقا غير الطريق المتجه إلى الرسول، ويمعنون فى الصدود والخلاف، عنادا واستكبارا.
وقد يبدو من العجب أن يجتمع الكبر، والجبن، فى كيان المنافقين..
ولكن مع قليل من النظر، يتضح أن هذا هو التركيب الطبيعي للمنافق، الذي لا يكون محققا لصفة النفاق حتى يجمع بين المتضادات.. الإيمان، والكفر..
الصدق باللسان، والكذب بالقلب.. الظاهر الحسن، والباطن الخبيث..
وهكذا.. فالمنافق شخصان، بعيش أحدهما مع الناس، ويعيش الآخر فى كيان صاحبه.. أو هو شخصية مزدوجة، يكاد ينفصل ظاهرها عن باطنها..
قوله تعالى:
«سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.. إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» ..
هو تيئيس للمنافقين من أن ينالوا مغفرة الله، سواء أجاءوا إلى النبىّ يطلبون أن يستغفر لهم، فاستغفر لهم، أو لم يستغفر لهم.. فإن الله سبحانه لا يغفر لهم، لأنهم لم يجيئوا إلى النبىّ إلا على طريق من نفاق، ولم يتحدثوا إليه إلا بألسنة منافقة، ومن هنا لم يقبل استغفار رسول الله لهم، كما لم تقبل توبتهم..
إنهم تابوا إلى الله بألسنتهم دون قلوبهم.. إنهم فاسقون، قد خرجوا من الإيمان بعد أن دخلوا فيه.. «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» .
стр. 6104
الآيات: (٧- ١١) [سورة المنافقون (٦٣) : الآيات ٧ الى ١١]
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)
التفسير:
قوله تعالى:
«هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ» .
الضمير «هم» يعود إلى هؤلاء المنافقين، الذي تحدثت عنهم الآيات السابقة، من أول السورة، والذين سميت هذه السورة باسمهم.. فهى كلها حديث متصل عنهم، يفضح مخازيهم، ويكشف سوءاتهم على أعين الناس..
стр. 6105
وإذا كانت الآيات السابقة، قد تحدثت عن المنافقين فى عمومهم، وعن الصفات النفسية والجسدية التي يستدل بها عليهم، دون أن تشير إلى معيّن منهم بالذات، أو الاسم- فقد جاءت هذه الآية والآية التي بعدها لتواجه وجها منكرا من وجوه المنافقين، ولتقرع رأسا عفنا من رءوسهم، هو عبد الله بن أبىّ بن سلول..
فلقد نزلت هاتان الآيتان فى أعقاب حادثة استعلن فيها نفاق هذا المنافق على الملأ، ولم يبق إلا أن تجىء آيات الله لتسجل عليه هذا النفاق، وتدمغه به إلى يوم الدين..
قالوا إن رسول الله ﷺ ، قد بلغه أن بنى المصطلق (من اليهود) كانوا يجمعون لحرب المسلمين، فخرج إليهم رسول الله فى أصحابه، ولقيهم على ماء يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى ساحل البحر، وهزم الله أعداء الله، ونفل أبناءهم، ونساءهم وأموالهم.. قالوا: وبينما الناس على الماء، وقع شجار بين غلام لعمر بن الخطاب يقال له الجهجاه بن سعيد، ورجل من الأنصار يقال له سنان الجهني، فصرخ الجهني يا معشر الأنصار، وهتف الجهجاه: يا معشر المهاجرين.. وكادت تكون فتنة، وجعل عبد الله بن أبى يقول لمن يلقاه من الأنصار: قد نافرونا وكائرونا فى بلادنا.. والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.. هذا يا معشر الأنصار ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا من بلادكم، ويلحقوا بعشائرهم ومواليهم..!!»
فلما علم رسول الله ﷺ بما يحدّث به عبد الله بن أبىّ فى
стр. 6106
الناس، أمر الناس بالرحيل، وسار بالناس يومهم حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يكن إلا أن وجدوا مسّ الأرض حتى وقعوا نياما.. وإنما فعل الرسول ذلك، ليشغل الناس عن الحديث، الذي كان يحدّث به عبد الله بن أبىّ! قالوا: وتحدث كثير من المسلمين إلى رسول الله يستأذنون فى قتل عبد الله بن أبىّ.، فكان رسول الله ﷺ يردهم قائلا:
«فكيف إذا تحدّث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا، لا تقتلوه! ..
وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبى إلى رسول الله، فقال يا رسول الله: قد بلغني أنك تريد قتل أبى، فإن كنت لا بدّ فاعلا فمرنى به، فأنا أحمل إليك رأسه، وإنى أخشى أن تأمر بهذا غيرى فيقتله، فلا تدعنى نفسى أن أنظر إلى قاتل أبى يمشى فى الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار..!!
فقال ﷺ : بل ترفق به، وتحسن صحبة، ما بقي معنا..
وهكذا، إطفاء رسول الله ﷺ هذه الفتنة، بحكمته ورفقه، وبعد نظره.
قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ» ..
стр. 6107
هو لقاء لآيات الله مع المؤمنين، بعد أن استمعوا إلى ما تنزّل فى المنافقين من آيات..
وكان من حكمة الحكيم العليم، أن يلفت المؤمنين إلى أنفسهم، بعد أن أراهم الصورة المنكرة للإنسان الضال المنحرف، ليكون لهم فيه عبرة وعظة.. وحتى لا يشغل المؤمن كثيرا بأمر هؤلاء المنافقين، وحتى لا يقف كثير من المؤمنين عند حد النظر إلى هذه الصور المتحركة بين عينيه، التلهي والتسلية.. جاءت هذه اللفتة السماوية إليهم، ليخرجوا بمشاعرهم وتصوراتهم عن هذا الموقف، ولينظروا فى أنفسهم هم، وليراجعوا حسابهم مع ذواتهم، فقد يكون فيهم من هو على صورة هؤلاء المنافقين، أو على شبه قريب منها، وهذا يقتضيه أن يصحح وضعه، إن أراد أن يكون فى المؤمنين..
أما كيف يقيم ميزانه السليم على طريق الإيمان، فهو أن يكون كما دعا الله المؤمنين إليه فى هاتين الآيتين: وهو ألا يشغل عن ذكر الله بالأموال والأولاد، وألا يكون ذلك همه فى الحياة الدنيا، فيستغرقه متاع هذه الحياة، ويقطعه عن ذكر الله، وعن النظر إلى الآخرة، وما فيها من حساب وجزاء.. فإن من يفعل ذلك فقد خسر نفسه، وأوردها موارد الهلاك فى الدنيا، والعذاب الأليم فى الآخرة..
فإذا انخلع الإنسان عن سلطان الاشتغال بالأهل والولد، وعن الغفلة عن ذكر الله- كان طلب البذل منه للإنفاق فى وجوه الخير، أمرا مقبولا، يمكن أن يمتثله ويستجيب له، حيث خرج من هذا السلطان المتحكم فيه، الآخذ على يده، وهذا هو السر- والله أعلم- فى تقديم النهى على الأمر.. فإن الانتهاء عن المنكر والقبيح، مدخل إلى إتيان المعروف والحسن من الأمور..
إن الانتهاء عن القبيح أشبه بالشفاء من داء يغتال عافية الجسد، فإذا عوفى
стр. 6108
الجسد من هذا الداء، كان من الطبيعي بعد ذلك، أن تقوم ملكات الإنسان وحواسه بوظائفها كاملة.. فكما لا يدعى إلى حمل التكاليف والأعباء مريض، كذلك لا يدعى إلى القربات والحسنات من هو مقيم على المعاصي، ملازم للمنكرات..
وإن التربية الحكيمة لمثل هذا، هو أن يطبّ له من هذا الداء المتمكن منه، فإن هو أقلع عنه، كان من الممكن الانتقال به من جانب المعاصي إلى حيث البر والإحسان.. ولهذا كان من مقررات الشريعة: أن دفع المضار مقدّم على جلب المصالح!! وقوله تعالى: «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ» - هو حثّ على المبادرة بطاعة الله، والإعداد اليوم الآخر، قبل فوات الأوان، حين يهجم الموت على غرة أو دون إنذار سابق، فيجد المرء نفسه وقد حضره الموت، وفاته ما كان يراود به نفسه من طاعة الله، ومن فعل الخير، وعندئذ يود أن لو استأنى به الموت قليلا، وترك له فرصة من الوقت، يتدارك فيه ما فات، ويصلح ما أفسد.. ولكن هيهات، هيهات! «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ» (٣٤: الأعراف) وقوله تعالى: «فأصدق» منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببية، الواقعة بعد الطلب، وهو الرجاء المفهوم من قوله تعالى: «لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ؟ فَأَصَّدَّقَ» .. فلولا هنا بمعنى «هلا» . وأصدق: أصله أتصدق، قلبت التاء صادا، وأدغمت فى الصاد..
وأما قوله تعالى: «وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ» فهو مجزوم، لأنه واقع فى حيّز جواب الشرط، المفهوم كذلك من قوله تعالى «لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ» فهو بمعنى «لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ، وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ» ! ..
стр. 6109
وهذا الأسلوب من النظم لا يكون فى غير القرآن، ونظمه المعجز، الذي يملك بسلطانه التصريف فى الكلمات، كما يملك بقدرته التصريف فى كل شىء.. فلقد تسلط أسلوب الطلب: «لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ» تسلط على الفعلين: أصدق، وأكون.. جاعلا الفعل الأول مسببا عنه، وجاعلا الفعل الثاني جوابا له..
والسؤال هنا: ما الحكمة من مجىء النظم فى الآية على هذا الأسلوب؟
ولماذا لم يجىء الفعلان الواقعان فى حيز الطلب، منصوبين معا، أو مجزومين معا؟
وما سر هذه التفرقة بين الفعلين، فيكون أحدهما مسبّبا، على حين يكون الآخر جوابا؟
نقول- والله أعلم-: إن هذا الاختلاف بين الفعلين، هو اختلاف فى أحوال النفس، وتنقلها من حال إلى حال، فى هذا الموقف المشحون بالانفعالات والأزمات..
فالموت حين يحضر هذا الإنسان الذي يدافع الأيام بالتسويف والمماطلة فى الرجوع إلى الله، وعمل الصالحات- هذا الموت المطل على هذا الإنسان، يردّه إلى صوابه، ويوقظه من غفلته، ولكن ذلك يكون بعد فوات الأوان، وقد بلغت الروح الحلقوم، فلا يجد هذا الإنسان بين يديه إلا الأمانىّ، وإلا الرجاء فيقول: «رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ!» .. إن ذلك هو أقصى أمانيه، وهو غاية مطلوبه.. ثم يخيل إليه من لهفته، وشدة حرصه على هذا المطلوب، أنه- وقد تمناه- أصبح دانيا قريبا، وأنه قد استجيب له فعلا، وأن يد الموت قد تراخت عنه قليلا إلى أجل.. وهنا ينطلق مع هذا الأمل فرحا مستبشرا..
إنه الآن يستطيع أن يتصدق.. وإنه إن يتصدق يكن من الصالحين، الذين يفوزون برضا الله ورضوانه.. ولهذا يخرج من باب الأمانىّ، ليدخل فى باب
стр. 6110
العرض والطلب.. إن تؤخرني إلى أجل قريب أكن من الصالحين.. ولكن هذه الفرحة سرعان ما تختفى، وتغرب شمسها من نفسه، إذ يجىء قوله تعالى:
«وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها» فيردّه هذا إلى مواجهة الموت، الذي خيّل إليه أنه فرّ من بين يديه! إنه حلم لحظة، فى صحوة الموت أو غيبوبته، سرعان ما يذهب كما تذهب الأحلام..
وتحرير معنى الآية- على هذا المفهوم الذي فهمناها عليه، هو: هلّا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدق.. وإن أصدق أكن من الصالحين، الناجين، من هذا الهول العظيم. الذي يطلّ بوجهه من قريب.
стр. 6111
٦٤- سورة التغابن
نزولها: مدنية عدد آياتها: ثمانى عشرة آية.
عدد كلماتها: مائتان وإحدى وأربعون كلمة.
عدد حروفها: ألف وسبعون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
كانت سورة المنافقين حديثا متصلا عن النفاق وأهله، وأن هذا الفريق من الناس لن يقبل خيرا، ولن يهتدى من ضلال، أو يستقيم على هدى..
هكذا المنافقون، هم على هذه الطبيعة النكدة، التي لا يصلح من اعوجاجها شىء أبدا..
وقد كان من بد، سورة التغابن هذه، قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» - ليقرر هذه الحقيقة العاملة فى الناس، والمفرقة بينهم فى مقام الكفر والإيمان، والضلال والهدى. فهكذا خلقهم الله.. كافرين، ومؤمنين.
فالله سبحانه يخلق ما يشاء، كما يشاء.. «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» (٥٤: الأعراف) فكما فرق سبحانه بين عوالم المخلوقات، من حيوان، ونبات، وجماد- فرّق سبحانه كذلك فى صور هذه العوالم، فجعل من كل عالم أنواعا، وأشكالا لا حصر لها..
«وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥: النور) .. «وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ»
стр. 6112
(٤: الرعد) .. «وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ» (٢٧، ٢٨: فاطر) فهذا الاختلاف والتنوع بين المخلوقات، هو من دلائل قدرة الله، وإنه ليس لمخلوق أن يعترض على الخلق الذي أقامه الله فيه: «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ» : (٢٣: الأنبياء) فهذا البدء الذي بدئت به سورة «التغابن» هو إلفات للمؤمنين الذين رأوا فى صور المنافقين ما يكره وبذمّ.. إلفات لهم إلى فضل الله عليهم، وأنه سبحانه.. خلقهم للإيمان، وهداهم إليه، ولو شاء سبحانه لجعلهم فى هؤلاء المنافقين، وألبسهم ثوب النفاق وهم فى عالم الخلق والتكوين.
وإنه لمطلوب من المؤمنين إزاء هذا الإحسان، أن يستجيبوا لما دعاهم الله إليه، من الإنفاق مما رزقهم الله، بعد أن يتخففوا من سلطان الأثرة والشح الذي يمسك الأيدى عن الإنفاق، وهو الحب الشديد للمال والولد ذلك الحب الذي يلهى عن ذكر الله، ويشغل عن طاعته.
وإنه لمطلوب منهم كذلك أن يسبّحوا بحمد الله، وأن ينتظموا فى موكب الوجود كله فى هذه الصلوات الخاشعة الضارعة لله سبحانه، وفى هذا الولاء لجلاله وعظمته.
стр. 6113
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٤) [سورة التغابن (٦٤) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤)
التفسير:
قوله تعالى:
«يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .
هذا هو دأب الوجود كلّه فى السموات والأرض، إنه فى صلاة دائمة مستغرقة، وعلى وجه واحد، قائم بين يدى الله فى ولاء وخشوع.
وتسبيح هذه العوالم التي يضمها الوجود، هو فى خضوعها السلطان لله سبحانه، وفى جريانها على ما أقامها عليه خالقها، دون أن يكون من أىّ ذرّة منها خروج على الحدود التي ألزمها الله إياها وأجراها فيها: «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ، وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» :
(٤٠: يس) .
وفى قوله تعالى: «لَهُ الْمُلْكُ» إشارة إلى هذا السلطان القائم على الوجود
стр. 6114
من قدرة الله.. فهو المالك لكلّ شىء، لا شريك له.. وإذ كان هذا شأنه فهو- سبحانه- الذي يصرف مخلوقاته كيف يشاء، ويقيمها حيث أراد..
وفى قوله تعالى: «وَلَهُ الْحَمْدُ» إشارة أخرى، إلى أنه سبحانه وحده، هو المستحق الحمد من كلّ مخلوق، فى أية صورة كان خلقه، وعلى أي حال كان وضعه.. فالخلق إيجاد، ووجود الكائن المخلوق، والوجود نعمة، بالإضافة إلى العدم، الذي هو ضلال فى عالم التيه والضياع.
قوله تعالى:
«هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» ..
وهذا هو تدبير الله فى خلقه، وحكمه فى عباده.. وهكذا خلقهم.. منهم الكافر ومنهم المؤمن.. كما أن منهم الذكر والأنثى، والذكىّ والغبىّ، والغنىّ، والفقير.. إلى غير ذلك من أنماط الناس، وأشكالهم..
ثم هو سبحانه «بصير» أي عالم علما متمكنا، من كل ما يعمل العاملون، من مؤمنين، وكافرين.
وقدّم الكافرون هنا على المؤمنين، لأن الكافرين كثرة فى العدد، حتى لكأنهم يشبهون الجسد الإنسانىّ، على حين يمثل المؤمنون الرأس فى هذا الجسد..
وقيل إن المعنى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ» كلام تام، ثم كان بعد هذا الخلق أن ظهر فى الناس ما هم عليه من كفر وإيمان، كما يقول سبحانه بعد هذا:
«فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» .. وهذا مثل قوله تعالى: «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ
стр. 6115
دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ»
(٤٥: النور) .
وهذا المعنى، لا ينفى أن الله سبحانه خلق المؤمن مهيأ للإيمان مستعدّا له، وخلق الكافر مهيأ للكفر ومتقبّلا له، كما خلق الدواب، فكان لكل نوع، الخلق الذي هو عليه بين المخلوقات، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى، «أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» .. أي أعطى كل مخلوق ما قدّر له، ثم هداه إلى هذا الذي قدّره له.
وليس ببعيد عن هذا ما يقول به جمهور علماء السنة من أن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر، وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإيمان..
قوله تعالى:
«خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ» ..
أي أنه سبحانه خلق هذا الوجود- فى أرضه وسمائه- بالحقّ، الذي عدل بين المخلوقات، وأقام كل مخلوق بالمكان المناسب له فى هذا الوجود..
«وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ» ..
«أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ» (١١٥: المؤمنون) ..
«لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ» (١٧: الأنبياء) .
وقوله تعالى: «وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ» - هو خطاب للناس جميعا، حيث كان وضعهم بين المخلوقات أحسن وضع، وكانت صورتهم أحسن صورة.. «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ
стр. 6116
فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ»
.. (٦- ٨: الانفطار) .. «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» (٤: التين) ..
فهذا الخلق السوىّ الذي أقام الله عليه الإنسان، هو نعمة جليلة تستحق من كل إنسان أن يقوم فيها بحمد الله، والشكر له..
والسؤال هنا: أيحسب الكافرون، والمشركون، وأهل الضلال، ممن هم من أصحاب النار- أيحسبون من هذا الخلق الذي صوره الله فأحسن صوره؟ ..
والجواب- بلا تردد- نعم!! فكل مخلوق خلقه الله، هو مخلوق فى أحسن صورة وأعدلها، إذا هو أخذ مكانه فى الوجود العام، ولم يخرج على وضعه الذي هو فيه..
فأىّ مخلوق أيّا كان قدره من الضالة، والضمور، هو بعض من الصورة العامة للوجود، وحيث كان من هذه الصورة، هو ذو شأن فيها، لا تكمل إلا به.. إنه أشبه بالنغم فى اللحن الموسيقى الكبير، أو ما يعرف «بالسمفونية» ..
والصوت الذي يخرج عن هذا اللحن، ولا يتّسق معه، هو صوت ضائع، لا حساب له، ومن الخير للحن ألا يكون فيه لهذا الصوت وجود أصلا..
والكافرون، والمشركون، وأهل الضلال، هم أصوات ضالة فى هذا اللحن الكبير، الذي يسبّح به الوجود لله، وينشد على أنعامه نشيد الولاء لله رب العالمين..
ومع هذا، فإن هؤلاء الضالين، كانوا قبل أن يفسدوا ويضلوا- كانوا على فطرة سليمة، وخلق سوىّ.. ولكنهم أفسدوا هذه الفطرة، وغيّروا
стр. 6117
هذا الخلق، إذ أسلموا أمرهم للشيطان، الذي قادهم إلى الضلال فانقادوا، ودعاهم إلى الخروج عن أمر الله فأجابوا.. «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» (٤- ٦ التين) ..
وفى قوله تعالى: «وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ» إنذار باليوم الآخر، وتحذير منه، حيث يصير الناس جميعا إلى الله يوم القيامة، ويحاسبون على ما قدموا من خير، أو سوء..
قوله تعالى:
«يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ.. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» ..
هو تعقيب على قوله تعالى: «وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ» .. أي أن مصيركم أيها الناس، إلى من يعلم ما فى السموات والأرض، ويعلم سركم وجهركم، بل إنه يعلم ما يدور فى الصدر من خلجات ومشاعر، قبل أن تتخلق هذه الخلجات وتلك المشاعر فى صورة كلمات لها مدلول ومفهوم عندكم.. فعلم الله علم شامل، قديم، يعلم ما كان قبل أن يكون، ويعلم ما سيكون على ما يكون..
الآيات: (٥- ١٠) [سورة التغابن (٦٤) : الآيات ٥ الى ١٠]
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)
стр. 6118
التفسير:
قوله تعالى:
«أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» ..
الخطاب هنا للناس جميعا، مؤمنين، وكافرين.. فهو للمؤمنين عبرة، وعظة، وتثبيت على الإيمان.. وهو للكافرين، وعيد، وزجر، وتهديد..
وقوله تعالى: «فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ» .. الفاء للسببية، أي أن كفر الذين كفروا، كان سببا فى هذا البلاء الذي حلّ بهم فى الدنيا، بما أخذهم الله به من نكال، وما أرسل عليهم من مهلكات، كما أنه سيسكون سببا فى العذاب الأليم الذي سيلقونه يوم القيامة..
والوبال: أصله من الوبل، والوابل، وهو المطر الشديد الثقيل، ولهذا قيل للأمر الثقيل الذي يخاف ضرره: وبال، ووبيل.
стр. 6119
قوله تعالى:
«ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» ..
الإشارة هنا إلى كفر الكافرين، وإلى المنزلق الذي دفع بهم إلى الكفر..
فلقد جاءتهم رسلهم بالبينات، أي بالآيات البينة الواضحة، والمعجزات الناطقة التي تشهد بأنهم رسل الله.. ومع هذا فقد أبى القوم إلا ركوب رءوسهم، ثم نظروا إلى تلك الآيات فرأوها وهم فى هذا الوضع المنكوس..
رأوا حقها باطلا، ونورها ظلاما، وهداها ضلالا.. ثم عجبوا أن يكون بشر مثلهم، ورجل منهم، هو الذي يدلّهم على الخير، ويقودهم إلى الحق!! فكفروا به، وبالآيات التي معه، وبالله الذي أرسله..
وقوله تعالى: «فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا» أي أنهم لم يكفروا ويكذبوا بالرسول وحسب، بل تولوا معرضين عن الحق، الذي كان من شأنه- لو تمهلوا قليلا، ولم يستبد بهم العناد- أن يهتدوا إليه بأنفسهم، ولرأوا أن ما يدعوهم الرسول إليه، هو دعوة موجهة إليهم من عقولهم، قبل أن يوجهها الرسول إليهم..
وقوله تعالى: «وَاسْتَغْنَى اللَّهُ» أي أنهم بكفرهم وتولّيهم هذا كأنهم قد استغنوا عن الله، وقطعوا كل صلة تصلهم به، سواء أكان ذلك عن دعوة رسول من عند الله، أو عن دعوة من عقولهم، ولهذا فإن الله قد استغنى عنهم، وطردهم من مواقع الإيمان به..
وفى التعبير عن إعراض الله عنهم، وطرده إياهم- بالاستغناء، إنما هو من باب الردّ عليهم بمثل منطفهم وأنهم إذ قد استغنوا عن الله، فالله قد استغنى عنهم..
стр. 6120
وهذا يعنى أن الله سبحانه لا يخذل من عباده، إلا من يخذل نفسه ولا يطرد من رحمته إلا من يعمل على طرد نفسه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ» (١٩: الحشر) .. وكما يكون هذا فى حال الردع والعقاب، يكون فى مقام الفضل والإحسان، كما يقول سبحانه: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» (١٥٢: البقرة) .. ومنه قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» (٦٠: غافر) ..
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» أي أنه سبحانه غنىّ غنى مطلقا، لا حاجة به إلى شىء من خلقه: «ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ» (٥٧: الذاريات) .. وهو سبحانه «حميد» أي المستحق الحمد وحده، المحمود من جميع خلقه، لأنه هو الخالق الرازق المنعم، المتفضل، من غير سابقة إحسان من مخلوق، أو ابتغاء نفع يرجى منه.
قوله تعالى:
«زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» ..
الزعم هنا، بمعنى الادعاء الكاذب، الذي يقع من صاحبه موقع اليقين..
أي ادعى الذين كفروا- افتراء وكذبا- أنهم لن يبعثوا.. وعلى هذا الزعم الباطل، والادعاء الكاذب، قطعوا كل ما يصلهم بالحياة الآخرة، وما يذكّرهم بها..
وقد كذّب الله سبحانه هذا الزعم، وردّه على زاعميه بقوله سبحانه: «قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ» .. والأمر «قل» هنا متوجه إلى النبي صلوات الله وسلامه
стр. 6121
عليه، لينذر به الكافرين، وليوقظهم به من غفلتهم، وليزعج به اطمئنانهم إلى هذا الزعم الذي زعموه!! وقوله تعالى: «ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ» أي ليس الأمر مجرد بعث ونشور، وإنما وراء هذا البعث والنشور، حساب وجزاء، حيث تعرض عليه- جلّ شأنه- أعمالكم، وتلقون الجزاء عليها.. «وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» لا يحتاج إلى معاناة ومراجعة.. كما أن بعثكم لا يحتاج إلى جهد ونصب..
قوله تعالى:
«فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» ..
هو تعقيب على قوله تعالى: «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا.. الآية» ..
أي أنه إذا كان البعث أمرا لا مفرّ منه، والحساب والجزاء لا معدى عنه- فبادروا إلى الإيمان بالله، وأسرعوا بالخروج مما أنتم فيه أيها الكافرون، من أوهام وضلالات.. والإيمان بالله لا يتم، إلا بالإيمان برسوله.. والإيمان برسوله، لا يقع إلا مع الإيمان بالنور الذي أنزله الله إليه..
والنور الذي أنزله الله إلى النبي، هو القرآن الكريم، لأنه من نور الله، الذي يجلو عمى البصائر، ويبدد ظلام العقول..
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» - هو تعقيب على الدعوة إلى الإيمان بالله ورسوله، والقرآن الذي بين يديه، وأن حصيلة هذا الإيمان واقعة فى علم الله.. ذلك العلم المحيط بكل شىء، الخبير بالحسن والسيء من الأعمال
стр. 6122
وسيجزى المؤمنين على حسب إيمانهم، وعلى حسب ما عملوا بمقتضى هذا الإيمان.
قوله تعالى:
«يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» .
هو جواب لسؤال يتردد على الخاطر ممن سمع قوله تعالى: «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» - وهو: ما وراء هذا العلم الذي يعلمه الله من أعمالنا؟
فكان الجواب: ستعلمون ماوراء هذا العلم يوم تردّون إلى الله، يوم يجمعكم ليوم الجمع، وهو يوم القيامة، حيث يجزى المحسنون الجزاء الحسن، ويلقى المسيئون ما يسوءهم وما يخزيهم من عذاب وهوان..
وسمّى يوم القيامة يوم الجمع، لأن الناس جميعا يحضرونه، ويحشرون إليه من قبورهم، لا يغيب عنه أحد منهم.
وسمّى يوم القيامة كذلك يوم التغابن، لأنه اليوم الذي يرى الناس فيه أنهم غبنوا من جهة أنفسهم، وأن غبنا أصابهم فى حياتهم الدنيا، فلم يأخذوا حقهم كاملا فيها، ولم يستوفوا المطلوب منهم للحياة الآخرة..
فالغبن، هو الظلم الذي يجىء من وراء عدوان على حق.. ومنه الغبن الذي يقع فى البيع، بين البائع والمشترى، حيث يخرج الشيء المبيع عن الحدود المثلية له، زيادة أو نقصا، فإذا زاد الثمن زيادة فاحشة، كان الغبن واقعا على المشترى، وإذا نقص الثمن نقصانا فاحشا، كان الغبن واقعا على البائع.. ومنه الغبن فى الرأى، حيث يجىء الرأى فى الأمر بعيدا عن مرمى الإصابة لموقع الحق فيه، فيقال: فلان غبين الرأى، أي فاسده..
стр. 6123
وكل إنسان يبدو له يوم القيامة أنه قد غبن فى حياته الدنيا، سواء أكان فى المحسنين أم فى المسيئين.. أما المحسن، فلأنه لم يزدد فى إحسانه، وهو يرى فى هذا الموقف- موقف الحساب والجزاء- أن كل ما عمله من أعمال حسنة هو قليل- وإن كثر- بالنسبة لما يطلبه، ويتمناه فى هذا الموقف، الذي يحتاج فيه الإنسان إلى رصيد عظيم من الأعمال الصالحة، حتى يلحق بالسابقين الذين سبقوا إلى الجنة، ولم يقفوا موقف الحساب، بل طاروا إليها طيرانا.
وأما المسيء فإنه يرى أنّه ظلم نفسه ظلما مبينا، إذ أطلق العنان لشهواته وأهوائه، وأنه باع نجاته وسلامته بثمن بخس، لا يعدو أن يكون ساعات من اللهو واللعب.
وهكذا يرى كل إنسان يومئذ، أنه على حال غير محمودة عنده، وأن أمورا كثيرة كان يمكن أن يأخذ فيها وضعا آخر غير الوضع الذي أخذه فى الدنيا..
إنه يوم تكثر فيه الحسرات، وزفرات الندم، وصرير الأسنان! قوله تعالى: «ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفّر عنه سيئاته ويدخله جنّات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم» .
هو تعقيب على هذا الوصف الذي وصف به يوم القيامة، بأنه يوم التغابن، ويراد بهذا التعقيب دفع ما يقع من وهم يجعل من هذا اليوم يوم سوء للناس جميعا، وأنهم جميعا واقعون تحت مشاعر الغبن، التي من شأنها أن تملأ النفس حسرة وألما.. فجاء قوله تعالى: «ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار» - جاء هذا، ليقيم نفوس المؤمنين الذين عملوا الصالحات على الرضا، والحمد، لما هداهم الله إليه من الإيمان، ولما وفّقهم إليه من أعمال صالحة، وأنه لا بأس عليهم من هذه الأعمال السيئة الّتى عملوها إلى جانب الأعمال الصالحة، الّتى يسوؤهم أن يروها فى يومهم هذا،
стр. 6124
فقد كفّرها الله عنهم، ومحاها من صحفهم، حتى يبدو لهم كتابهم أبيض ناصعا، وحتى لا يدخل معهم من أعمالهم إلا ما كان صالحا، يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، نورا يضىء لهم الطريق إلى الجنة. «وذلك هو الفوز العظيم» .
فلتقرّ أعينهم به، وليهنئوا بما آتاهم الله، ولا عليهم مما كان لهم من أعمال سيئة فى الدنيا.. وإذن فلا غبن، ولا آثار غبن، إلا لأهل الكفر والضلال.
قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
هو بيان للغبن الملازم للكافرين، وللآثار المترتبة عليه.. إنهم هم المغبونون حقّا، وهم المتجرّعون لغصص هذا الغبن، بما فاتهم فى الدنيا من إيمان بالله، ومن أعمال صالحة فى ظل هذا الإيمان.. إنهم- مع هذا العذاب الأليم الّذي يلقونه فى الجحيم- هم فى حسرة دائمة على أن لم يكونوا من المؤمنين..
فما أكثر ما تجيش به صدورهم من حسرات، وما تنطق به ألسنتهم من عبارات الندم واللوم!! ومن ذلك ما جاء به القرآن على ألسنتهم، مثل قولهم: «يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (٢٧: الأنعام) وقول قائلهم: «يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا» (٢٧- ٢٨: الفرقان) . وقولهم: «فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (١٠٢: الشعراء) ..
الآيات: (١١- ١٨) [سورة التغابن (٦٤) : الآيات ١١ الى ١٨]
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
стр. 6125
التفسير:
قوله تعالى:
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» .
المصيبة: الحدث الذي ينجم عن فعل.. ويغلب استعمال المصيبة فيما يقع من سوء.. وفاعل أصاب، هو: «مصيبة» وحرف الجر «من» زائد.. أي ما أصابكم من مصيبة إلا بإذن الله، وعن تقدير الله وإرادته، وإن كفر الّذين كفروا، وما حاربوا الله به منكرات، هو بإذن الله، وتقديره، وأنهم إذ فعلوا ما فعلوا، لم يكونوا خارجين عن سلطان الله، بل إنهم مقهورون لله أبدا، وإنهم على ما يبدو لهم من أنهم آلهة فى الأرض، مقتدرون على أن يفعلوا ما يشاءون- هم فى واقع الأمر أدوات مسخرة لقدرة الله، وأنهم أدوات شرّ وأذى، شأنهم فى هذا شأن ما خلق الله من حيوانات مؤذية، كالعقارب والأفاعى، وغيرها..
стр. 6126
أما لماذا وضعهم الله بهذا الموضع، وسلك بهم هذا المسلك، وأرادهم للشر، وعاقبهم عليه، فهذا شأن آخر، وتلك قضية أخرى، ومقطع القول فيها، هو قوله تعالى: «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ.. وَهُمْ يُسْئَلُونَ» (٢٣: للانبياء) ..
وقوله تعالى: «وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ» هو دعوة إلى الإيمان، يستجيب لها كل من يسّره الله للإيمان، وهداه إليه، وشرح صدره له، بإرادة من الله سابقة، وقضاء قضاه..
فالمطلوب من الإنسان، هو أن يستجيب للهدى، وأن يتجه نحو الخير، غير ناظر إلى قضاء الله فى شأنه.. فإن كان ممن أرادهم الله للإيمان، أخذ بيده إلى طريق الإيمان، بعد أن يتجه هو إليه، ويضع قدمه على أول الطريق إليه..
وأما إن كان من أهل الكفر، فلن تنطلق من نفسه تلك الشرارة الّتي تنقدح من زناد الرغبة والإرادة.. فى الاتجاه نحو الإيمان.
إن على الإنسان أن يأخذ بالأسباب، وأن يعمل جاهدا بما اجتمع بين يديه منها، فإذا أخذ بالأسباب المتصلة بأمر من الأمور، فقد أعذر لنفسه.. كالزارع، يمهد الأرض، ويبذر الحب، ويسوق الماء إلى ما زرع، ثم لا يخرج زرع، أو يخرج، ثم تغتاله آفة! إنه معذور عند نفسه، لا يكثر ندمه عند ما يرى غيره يحصد ما زرع.. أما الذي لم يزرع أصلا، فإن الحسرة تملأ قلبه، حين يرى الّذين زرعوا يحصدون! وقوله تعالى: «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» - هو دعوة إلى إخلاص النيات، فى الاتجاه إلى الله، والإيمان به.. فإن لهذه النيات السليمة المخلصة وزنها، وقدرها، وإن لم تبلغ بصاحبها ما يريد.. أما من يتجه إلى الله اتجاها فاترا ملتويا، يقدّم رجلا، ويؤخر أخرى، فإن النية القائمة وراء
стр. 6127
هذا الاتجاه، لا تحسب له إذا هو أخفق، ولم يبلغ موقع الإيمان، ولم يملأ به قلبه، ولم تتشربه مشاعره! ..
قوله تعالى:
«وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» ..
هو تعقيب على الخبر الوارد فى قوله تعالى: «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» ..
أي مع أنه من المقرر أن ما قدّره الله هو كائن، وأن أحدا لا يفعل خيرا أو يصيب شرّا، إلا ما كان فى صفحة القدر المكتوب له- مع هذا فإن الدعوة قائمة على الناس جميعا، بأن يطيعوا الله ورسوله، وأن يستجيبوا لما يدعون إليه، من الإيمان بالله ورسوله، ومن العمل الصالح الّذى يدعو إليه الله ورسوله..
وإنه لمطلوب من الإنسان أن يعمل ما يأمر الله به، وإن ينتهى عما نهاه الله عنه، غير ملتفت إلى قدر الله فيه، فإن الالتفات إلى هذا مضلّة، لأنه لا يدرى ماذا قدر الله له.. إنه يعمل فى قدر الله، ويجرى على حدود هذا القدر، دون أن يعلم شيئا مما قدّر له.. فإذا وقع العمل منه، كان ذلك العمل هو قدره المقدور له.. فإن كان حسنا حمد الله وشكر له، وإن كان سيئا، كان حريّا به أن يجدّ فى الاتجاه إلى الله، وأن يسأله الهداية والتوفيق..
وقوله تعالى: «فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» - هو
стр. 6128
قطع لحجة من يحتجّ بالقدر، حين يعرض عن الله، ويأبى أن يستجيب لله ورسوله، ولسان حاله يقول ما قال المشركون: «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ» (١٤٨: الأنعام) فهذا ضلال مبين، وسفاهة حمقاء، لا تقوم على منطق، ولا تستند إلى حق.. وإنه ليس من شأن الرسول أن يقهر الناس على الإيمان، وأن يكرههم على الاستجابة لدعوته..
فالرسول مهمته البلاغ المبين، وأداء رسالة الله كاملة واضحة إلى الناس..
«وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» (٢٩: الكهف) ..
قوله تعالى.
«اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» - هو بيان للإله الّذى يدعى الناس إلى طاعته، وإلى طاعة رسله، وهو أنه إله واحد، لا إله سواه، وأنه إلى هذا الإله المتفرد بالألوهة، يولّى المؤمنون وجوههم، ويفوّضون إليه أمورهم، راضين بما يقع لهم من خير أو شر..
قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
هو دعوة للذين استجابوا لله ولرسوله، فآمنوا، أن يعطوا هذا الإيمان حقّه..
فإنه لا يكفى أن يؤمنوا دون أن يحرسوا هذا الإيمان من الآفات الكثيرة الّتى تعرض له، وتفسده، أو تذهب به جملة..
ومن هذه الآفات، الفتنة بالزوج والولد.. حيث هما اللذان يملآن
стр. 6129
عواطف الإنسان، ويستوليان على مشاعره، وبهذا يكون لهما تأثير بالغ عليه، فى مجال الصلاح والفساد جميعا.. إن الزوج والولد، أشبه بالأعضاء العاملة فى الجسد، فإن كانا صالحين، سلم الجسد، واقتدر على أداء وظيفته كاملة، وإن كانا فاسدين، عجز الجسد عن أن يقوم بما هو مطلوب منه، بقدر ما فيهما من فساد..
وفى القرآن الكريم، أمثله وشواهد كثيرة لهذا..
فامرأة نوح وابنه، كانا على خلاف معتقده فى الله.. هو رسول الله، مؤمن به، داع إليه، وامرأته وولده كافران بالله، يقفان من نوح موقف عداوة ومنابذة..
وإنه ليس أشقّ على الإنسان من أن يكون أعداؤه بعضا من كيانه..
إن عداوة الغرباء تخفّ وتهون، إزاء عداوة ذوى القربى.. وإن أقسى العداوات وأمرّها لهى عداوة أقرب الأقربين، وألصقهم بالإنسان جسدا، وروحا، ومشاعر..
وفى هذا يقول الشاعر الجاهلى (طرفة بن العبد) :
وظلم ذوى القربى أشدّ مضاضة ... على النفس من وقع الحسام المهند
فقوله تعالى: «إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ» - هو إلفات إلى ما قد يكون من خلاف بين المؤمن وبين زوجه وولده فى مجال العقيدة.. ذلك الخلاف الذي كثيرا ما تغطى عليه مشاعر الحب، والعطف، فلا يكاد يشعر المؤمن بما يدخل على إيمانه من ضيم وجور،
стр. 6130
إذا هو استسلم لزوجه أو ولده، وأصغى إلى ما يلقيان إليه من زور وبهتان..
ولهذا جاء قوله تعالى: «فَاحْذَرُوهُمْ» حتى يكون المؤمن دائما، على حذر، وانتباه من هذه الرياح المسمومة الّتى تهب عليه من أقرب الناس إليه..
والعداوة الّتى ترد على الإنسان من جهة الزوجة أو الولد، ليست عداوة ذاتية له، وإنما هى عداوة متولدة عن فعل يجىء من قبل الزوجة أو الولد.. فإذا فعلت الزوجة فعل العدو فهى عدوّ، وإذا فعل الولد فعل العدو، فهو عدو..
وإنه لا عدوّ أبلغ فى عداوته، وأشد فى كيده، وأعظم فى ضرره- ممن يحول بين المرء وبين طاعة ربه..
روى البخاري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الشيطان قعد لابن آدم فى طريق الإيمان، فقال له: أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك؟ فخالفه، فآمن.. ثم قعد له على طريق الهجرة، فقال له: أتهاجر، وتترك مالك وأهلك؟ فخالفه فهاجر.. ثم قعد له على طريق الجهاد، فقال له: أتجاهد، فتقتل نفسك، فتنكح نساؤك ويقسم مالك؟ .. فخالفه، فجاهد، فحقّ على الله أن يدخله الجنة» ..
وقوله تعالى: «وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
هو دعوة إلى الرّفق فى الحذر، والتلطف فى لقاء المكروه الذي يجىء إلى المؤمن من زوجه أو ولده.. فإذا كان من واجب المؤمن أن يحذر هذا العدوّ الكامن
следующие страницы →