أما لماذا وضعهم الله بهذا الموضع، وسلك بهم هذا المسلك، وأرادهم للشر، وعاقبهم عليه، فهذا شأن آخر، وتلك قضية أخرى، ومقطع القول فيها، هو قوله تعالى: «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ.. وَهُمْ يُسْئَلُونَ» (٢٣: للانبياء) ..
وقوله تعالى: «وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ» هو دعوة إلى الإيمان، يستجيب لها كل من يسّره الله للإيمان، وهداه إليه، وشرح صدره له، بإرادة من الله سابقة، وقضاء قضاه..
فالمطلوب من الإنسان، هو أن يستجيب للهدى، وأن يتجه نحو الخير، غير ناظر إلى قضاء الله فى شأنه.. فإن كان ممن أرادهم الله للإيمان، أخذ بيده إلى طريق الإيمان، بعد أن يتجه هو إليه، ويضع قدمه على أول الطريق إليه..
وأما إن كان من أهل الكفر، فلن تنطلق من نفسه تلك الشرارة الّتي تنقدح من زناد الرغبة والإرادة.. فى الاتجاه نحو الإيمان.
إن على الإنسان أن يأخذ بالأسباب، وأن يعمل جاهدا بما اجتمع بين يديه منها، فإذا أخذ بالأسباب المتصلة بأمر من الأمور، فقد أعذر لنفسه.. كالزارع، يمهد الأرض، ويبذر الحب، ويسوق الماء إلى ما زرع، ثم لا يخرج زرع، أو يخرج، ثم تغتاله آفة! إنه معذور عند نفسه، لا يكثر ندمه عند ما يرى غيره يحصد ما زرع.. أما الذي لم يزرع أصلا، فإن الحسرة تملأ قلبه، حين يرى الّذين زرعوا يحصدون! وقوله تعالى: «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» - هو دعوة إلى إخلاص النيات، فى الاتجاه إلى الله، والإيمان به.. فإن لهذه النيات السليمة المخلصة وزنها، وقدرها، وإن لم تبلغ بصاحبها ما يريد.. أما من يتجه إلى الله اتجاها فاترا ملتويا، يقدّم رجلا، ويؤخر أخرى، فإن النية القائمة وراء
стр. 6127
هذا الاتجاه، لا تحسب له إذا هو أخفق، ولم يبلغ موقع الإيمان، ولم يملأ به قلبه، ولم تتشربه مشاعره! ..
قوله تعالى:
«وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» ..
هو تعقيب على الخبر الوارد فى قوله تعالى: «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» ..
أي مع أنه من المقرر أن ما قدّره الله هو كائن، وأن أحدا لا يفعل خيرا أو يصيب شرّا، إلا ما كان فى صفحة القدر المكتوب له- مع هذا فإن الدعوة قائمة على الناس جميعا، بأن يطيعوا الله ورسوله، وأن يستجيبوا لما يدعون إليه، من الإيمان بالله ورسوله، ومن العمل الصالح الّذى يدعو إليه الله ورسوله..
وإنه لمطلوب من الإنسان أن يعمل ما يأمر الله به، وإن ينتهى عما نهاه الله عنه، غير ملتفت إلى قدر الله فيه، فإن الالتفات إلى هذا مضلّة، لأنه لا يدرى ماذا قدر الله له.. إنه يعمل فى قدر الله، ويجرى على حدود هذا القدر، دون أن يعلم شيئا مما قدّر له.. فإذا وقع العمل منه، كان ذلك العمل هو قدره المقدور له.. فإن كان حسنا حمد الله وشكر له، وإن كان سيئا، كان حريّا به أن يجدّ فى الاتجاه إلى الله، وأن يسأله الهداية والتوفيق..
وقوله تعالى: «فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» - هو
стр. 6128
قطع لحجة من يحتجّ بالقدر، حين يعرض عن الله، ويأبى أن يستجيب لله ورسوله، ولسان حاله يقول ما قال المشركون: «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ» (١٤٨: الأنعام) فهذا ضلال مبين، وسفاهة حمقاء، لا تقوم على منطق، ولا تستند إلى حق.. وإنه ليس من شأن الرسول أن يقهر الناس على الإيمان، وأن يكرههم على الاستجابة لدعوته..
فالرسول مهمته البلاغ المبين، وأداء رسالة الله كاملة واضحة إلى الناس..
«وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» (٢٩: الكهف) ..
قوله تعالى.
«اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» - هو بيان للإله الّذى يدعى الناس إلى طاعته، وإلى طاعة رسله، وهو أنه إله واحد، لا إله سواه، وأنه إلى هذا الإله المتفرد بالألوهة، يولّى المؤمنون وجوههم، ويفوّضون إليه أمورهم، راضين بما يقع لهم من خير أو شر..
قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
هو دعوة للذين استجابوا لله ولرسوله، فآمنوا، أن يعطوا هذا الإيمان حقّه..
فإنه لا يكفى أن يؤمنوا دون أن يحرسوا هذا الإيمان من الآفات الكثيرة الّتى تعرض له، وتفسده، أو تذهب به جملة..
ومن هذه الآفات، الفتنة بالزوج والولد.. حيث هما اللذان يملآن
стр. 6129
عواطف الإنسان، ويستوليان على مشاعره، وبهذا يكون لهما تأثير بالغ عليه، فى مجال الصلاح والفساد جميعا.. إن الزوج والولد، أشبه بالأعضاء العاملة فى الجسد، فإن كانا صالحين، سلم الجسد، واقتدر على أداء وظيفته كاملة، وإن كانا فاسدين، عجز الجسد عن أن يقوم بما هو مطلوب منه، بقدر ما فيهما من فساد..
وفى القرآن الكريم، أمثله وشواهد كثيرة لهذا..
فامرأة نوح وابنه، كانا على خلاف معتقده فى الله.. هو رسول الله، مؤمن به، داع إليه، وامرأته وولده كافران بالله، يقفان من نوح موقف عداوة ومنابذة..
وإنه ليس أشقّ على الإنسان من أن يكون أعداؤه بعضا من كيانه..
إن عداوة الغرباء تخفّ وتهون، إزاء عداوة ذوى القربى.. وإن أقسى العداوات وأمرّها لهى عداوة أقرب الأقربين، وألصقهم بالإنسان جسدا، وروحا، ومشاعر..
وفى هذا يقول الشاعر الجاهلى (طرفة بن العبد) :
وظلم ذوى القربى أشدّ مضاضة ... على النفس من وقع الحسام المهند
فقوله تعالى: «إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ» - هو إلفات إلى ما قد يكون من خلاف بين المؤمن وبين زوجه وولده فى مجال العقيدة.. ذلك الخلاف الذي كثيرا ما تغطى عليه مشاعر الحب، والعطف، فلا يكاد يشعر المؤمن بما يدخل على إيمانه من ضيم وجور،
стр. 6130
إذا هو استسلم لزوجه أو ولده، وأصغى إلى ما يلقيان إليه من زور وبهتان..
ولهذا جاء قوله تعالى: «فَاحْذَرُوهُمْ» حتى يكون المؤمن دائما، على حذر، وانتباه من هذه الرياح المسمومة الّتى تهب عليه من أقرب الناس إليه..
والعداوة الّتى ترد على الإنسان من جهة الزوجة أو الولد، ليست عداوة ذاتية له، وإنما هى عداوة متولدة عن فعل يجىء من قبل الزوجة أو الولد.. فإذا فعلت الزوجة فعل العدو فهى عدوّ، وإذا فعل الولد فعل العدو، فهو عدو..
وإنه لا عدوّ أبلغ فى عداوته، وأشد فى كيده، وأعظم فى ضرره- ممن يحول بين المرء وبين طاعة ربه..
روى البخاري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الشيطان قعد لابن آدم فى طريق الإيمان، فقال له: أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك؟ فخالفه، فآمن.. ثم قعد له على طريق الهجرة، فقال له: أتهاجر، وتترك مالك وأهلك؟ فخالفه فهاجر.. ثم قعد له على طريق الجهاد، فقال له: أتجاهد، فتقتل نفسك، فتنكح نساؤك ويقسم مالك؟ .. فخالفه، فجاهد، فحقّ على الله أن يدخله الجنة» ..
وقوله تعالى: «وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
هو دعوة إلى الرّفق فى الحذر، والتلطف فى لقاء المكروه الذي يجىء إلى المؤمن من زوجه أو ولده.. فإذا كان من واجب المؤمن أن يحذر هذا العدوّ الكامن
стр. 6131
فى أقرب الناس إليه وآثرهم عنده، فإن هذا العدوّ يجب أن ينظر إليه من جانب آخر على أنه صديق، وأن هذه العداوة طارئة، وأنه يمكن أن تعالج هذه العداوة بالحكمة، والحسنى، على ألا يكون ذلك على حساب الدين..
وبهذا يمكن أن يبقى المؤمن على هذين العضوين الفاسدين فى جسده، وأن يطبّ لهما، وأن يعمل على إصلاحهما ما استطاع، وألا يعجّل بقطعهما إلا بعد أن يستنفد جميع وسائل العلاج، شأنهما فى هذا شأن أعزّ الأعضاء والجوارح فى الجسد..
فالعفو، والصفح، والمغفرة.. من المؤمن، لزوجه وولده، الواقعين فى موقع الفتنة له فى دينه- إنّما هو صبر على الأذى، واحتمال الضرّ، فى سبيل الإبقاء على علائق الودّ، ووشائج القربى التي هى من أمر الدين، ومن طبيعة الحياة.. شريطة ألا يكون ذلك- كما قلنا- على حساب الدين.. كما يقول سبحانه فيما بين الولد، والوالدين: «أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً» (١٤، ١٥ لقمان) .
قوله تعالى:
ِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» .
ومن الفتن الّتى تعرض للمؤمن، فتنة المال، والأولاد، حيث يطغى حبهما على قلبه، ويأخذ على سمعه وبصره، فلا يرى شيئا غيرهما، ولا يستمع لنداء غير نداء المال والولد، فيصرفه ذلك عن ذكر الله، ويلهيه عن العمل الصالح، ابتغاء مرضاة الله.. وبهذا يضمر إيمانه، وقد يذهب إلى غير عودة! يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه. «تعس عبد الدّينار، تعس
стр. 6132
عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة. تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش» .
[تعس: أي هلك: والخميصة: كساء أسود له أعلام وخطوط..
والقطيفة، ثوب مزركش ذو أهداب.. وانتكس: أي عاوده المرض..
وشيك: أصابته شوكة.. فلا انتقش، أي فلا خرجت شوكته بالمنقاش وهو الملقط] .
إن الفتنة الّتى تهب على المؤمن هنا، هى فتنة مهبّها ذاته هو، وما يفيض به قلبه من مشاعر الحبّ للمال، والولد..
وأما الفتنة الواردة على المؤمن فى قوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ» فهى فتنة متسلطة على الإنسان من خارج ذاته، فيما تسوقه إليه زوجه أو ولده من صور الشحناء معه، والخلاف عليه، فى الدين الّذى يدين به، والذي يباعد الشقة بينه وبينهما.
وقوله تعالى: َ اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ»
هو تعويض عن التخفف من من هذا الحبّ الّذى يحمله الإنسان فى قلبه للمال وللولد، وإيثارهما على حبّ الله والعمل فى طاعته.. فالذى عند الله من ثواب، هو خير من الدنيا كلّها..
وفى قوله تعالى: «إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ» .. إشارة إلى أن هذا الحكم ليس على إطلاقه.. لأنه ليس كل الأزواج ولا كل الأولاد تجىء منهم العداوة، وإنما يقع ذلك من بعضهم، ولهذا جىء بمن الّتى تفيد التبعيض، على حين جاء قوله تعالى: ِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ»
بدون «من» التبعيضية، لأن الأموال والأولاد فتنة مطلقة، فحيث يكون المال، وحيث يكون الأولاد، فالفتنة بهم قائمة..
يقول الإمام علىّ- كرم الله وجهه-: «لا يقولنّ أحدكم: «اللهم إنى أعوذ بك من الفتنة، لأنه ليس أحد، إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن
стр. 6133
من استعاذ فليستعذ بمضلّات الفتن.. فالله يقول: ِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ» .
قوله تعالى:
«فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» .
قوله تعالى:
[ «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .. ما تأويله؟] هو رحمة من رحمة الله بعباده، وهم فى متلاطم هذه الفتن الّتى تطلع عليهم من أنفسهم، ومن أهليهم وأقرب الناس إليهم، إنها حرب مشبوبة الأوار دائما، لا يستطيع الإنسان أن يدفعها عن نفسه، أو أن يدفع هو نفسه عنها، إلا إذا اعتصم بمعتصم يعصمه منها.. إذ كيف له بالتخلص من ذاته، ومن نزعات نفسه، ودفعات أهوائه؟ ونفرض أنه استطاع ذلك بعد مشقة وعناء، فكيف له بأن ينخلع عن زوجه وولده؟ إن ذلك لا يكون إلا بالانخلاع عن الحياة الدنيا جملة!! والإسلام دين واقع، ودين رحمة وعدل وإحسان.. لا يرى للناس إلا أنهم بشر تتحكم فيه نوازع، وعواطف، وتعرض لهم عوارض الضعف..
ويلحقهم ما يلحق الكائن الحىّ من جهد وضعف.. ولهذا قامت هذه الشريعة على اليسر، وعلى رفع الحرج، كما يقول سبحانه: «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (٧٨: الحج) .. ويقول الرسول الكريم:
«إن هذا الدين يسر فأوغل فيه برفق، وإنه لن يشادّ الدين أحد إلا غلبة» ..
ويقول الرسول الكريم أيضا.. «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» .
فقوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .. هو الميزان الذي يقيم عليه المؤمن أمر دينه كله.. وأن يتقى هذه الفتن الّتى تهب عليه من كل جهة- أن يتقيها
стр. 6134
بقدر ما يملك من قوة، وما يحتمل من جهد.. والله يقول:
«لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها.. لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ» .
فكل نفس لها طاقة من الاحتمال، ولها قدر من القوة، وإنه على قدر طاقتها وقوتها، تحاسب، فتجزى بما كسبت، وعلى ما اكتسبت..
ومن أجل هذا كانت شريعة الإسلام- مع عمومها- تنظر إلى ما فى الناس- كأفراد- وإلى ما فيهم من قوة وضعف، فتكلف القوىّ بما لا تكلف به الضعيف..
ونجد مثلا لهذا فى نساء النبي، وما لهن من خصوصية، وما عندهن من استعداد لقبول الخير، بما كان لحياتهن مع رسول الله ﷺ من أثر فى مدّهنّ بأمداد عظيمة من الإيمان والتقوى.. ولهذا قام حسابهن عند الله على غير حساب عموم النساء.. ففى مقام الإحسان يضاعف الله لهن الإحسان، فيؤجرن بالحسنة ضعف أجر الحسنة من غيرهن.. فيقول سبحانه: «وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً» (٣١: الأحزاب) .. وكذلك الشأن فى مقام الإساءة- لو فرض أن تقع منهن سيئة- فيقول جل شأنه:
«يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً» (٣٠: الأحزاب) ..
وليس هذا فى نساء النّبى وحدهن، بل إنه فى المؤمنين عامة، فقد كلف الله المؤمنين فى أول الإسلام، بأن يلقى المسلم منهم فى ميدان القتال عشرة من العدوّ، وأن يغلبهم، دون أن ينكل عن لقائهم، أو يفر منهم إذا التقى بهم.. وذلك لما كان فى قلوب هؤلاء السابقين إلى الإيمان، من قوة إيمان، ووثاقة دين، بما لم يكن لأحد أن يبلغ هذا المستوي العظيم بعد.. فلما دخل الناس فى دين الله أفواجا، وكان كثير من الذين آمنوا دون هذا المستوي، وعلى بعد بعيد منه-
стр. 6135
لمّا كان هذا، كان أمر الله للمسلمين فى القتال، أن يكون المقاتل منهم فى مقابل اثنين من أعدائهم..
ومن هذا ندرك السرّ فى تلك التوجيهات الّتى كان يوجه بها النبي أصحابه حين يسألونه مثلا: أي الأعمال أفضل؟ فيقول لهذا قولا، ولذاك قولا، ولثالث قولا آخر.. وهكذا، حسب ما يرى الرسول الكريم فيهم من قدرة واستعداد، فيوجه كلّ واحد منهم الوجهة الّتى يصلح لها، ويقدر على السير فيها..
على أن هذا ينبغى ألّا يفهم على غير وجهه السليم، وألّا يتأول تأويلا فاسدا، فيجعل المرء هذه الاستطاعة تكأة يتحلل بها من تكاليف الشريعة، ويتخفف من أوامرها ونواهيها، محتكما فى ذلك إلى هواه فى تقدير الحدّ الّذى تبلغه استطاعته، فيترك الصوم مثلا، لأن الجوع يؤذيه، والعطش يشقّ عليه، أو لأن ترك بعض العادات المتمكنة منه، يفسد تفكيره، ويعلّ جسده.. وقل مثل هذا فى كثير من أوامر الدين ونواهيه، حيث يبحث المرء عن مخرج يخرج به منها، وعن علة يتعلل بها، للتحلل من هذا القيد، والفكاك من هذا الالتزام.. إن هذا من شأنه أن يفسد على المرء دينه، ويغتال كل صالحة فيه.
وإن فى الشرّ خيارا.. وإنه لخير المرء فى هذا المقام أن يترك فريضة من فرائض الله، أو يقصر فى أدائها، عن فتور، أو عدم مبالاة- إن ذلك لخير له من أن يكون تركه الفريضة، أو تقصيره فى أدائها، ناجما عن فتوى كاذبة خادعة، يفتى بها نفسه، ليتحلل من عقد لله الّذى لزمه، من فرائض الشريعة وأحكامها..
إن التكاليف الشرعية لها أعباؤها، ولها مشقاتها، وإنها بغير هذا لا يكون لها ميزان فى فعل الطاعات، واجتناب المنبهات، فمن أطاع أمرا، فإنما تكون طاعته عن مغالبة أهواء، ودفع شهوات، ومن انتهى عن منهىّ عنه، كان
стр. 6136
انتهاؤه عن استعلاء على نزعات، وكبت لرغبات.. وعن هذا الجهد يكون الجزاء.. ولهذا قيل «على قدر المشقة يكون الثواب» ..
ثم إن الدين أمانة بين العبد وربه، وإن الوفاء بهذه الأمانة إنما يكون حيث يبذل المرء غاية جهده، ويعطى كل ما عنده، دون إفراط، أو تفريط..
والاحتكام فى هذا، إنما هو إلى ضمير المؤمن، وإلى ما يفتيه به قلبه، كما يشير إلى هذا الرسول الكريم فى قوله: «استفت قلبك.. وإن أفتاك الناس وأفتوك» !! فإذا أعفى الدين- مثلا- أصحاب الأعذار من الجهاد فى سبيل الله، كما يقول سبحانه.. «لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» (٩١: التوبة) - إذا بيّن الإسلام هذه الأعذار التي تعفى المسلم من الجهاد، فإن بيان حدود هذه الأعذار من الضعف، والمرض، وضيق ذات اليد فى النفقة- إن بيان هذه الحدود، إنما يرجع إلى ضمير المسلم ذاته، إن كان مرضه أو ضعفه يعفيانه من الجهاد أو لا، أو إن كان بين يديه مال خفى أو ظاهر، أو لا.. فتلك أمور لا يعلمها إلّا الله سبحانه، وإلا أصحابها المتصفون بهذه الصفات..
وقوله تعالى:
«وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ» ..
هو من تمام التقوى التي أمر الله بها فى قوله جلّ شأنه:
«فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فإن التقوى فى حدود الاستطاعة، مرجعها إلى القلب، وما انعقد عليه من إيمان بالله، ومراقبة لأوامره ونواهيه..
فهذا جانب يمثّل الضلة بين العبد وربه.. وحسابه فى هذا على الله.
стр. 6137
وهناك جانب آخر من الإنسان فيما يتصل بأوامر الله ونواهيه، وهو الجانب الذي يمسّ المجتمع الذي يعيش فيه، والذي تحكمه أوامر هذا الدين الذي يدين به، وهو الجانب الظاهر، الذي يتمثل فى الاستماع لأولى الأمر والطاعة لهم، وتقديم المال المطلوب منه فيما يبدو من ظاهر حاله لولىّ الأمر..
وهذا يعنى ألا يقف المسلم عند قوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وأن يجعل تقديره لاستطاعته، حكما ملزما لولىّ الأمر.
فإذا دعى من ولى الأمر إلى الجهاد مثلا، فلا يتعلل بأنه مريض، أو ضعيف، وإن كان فى الواقع مريضا أو ضعيفا، بل يجب أن يسمع ويطيع، على ما به من مرض أو ضعف.. فإن سمعه وطاعته فى تلك الحال شاهدان يظاهران ما هو عليه من مرض أو ضعف، وهذا من شأنه أن يجعل ولىّ الأمر هو الذي يعفيه من الجهاد، ويعزله عن ركب المجاهدين.. أما إذا أبى أن يسمع أو يجيب، كان ذلك مثار فتنة لغيره، ثم كان موضع تهمة له بأنه يتصنع المرض أو الضعف، حتى يتحلل من الاستجابة للجهاد الذي يدعوه إليه ولى الأمر..
وكذلك الشأن فى الإنفاق فى سبيل الله، وهو أنه من الواجب أن ينفق المرء فى سبيل الله من غير دعوة، فإذا دعى من ولىّ الأمر كان عليه أن يجيب، وأن يقدم المطلوب منه، من زكاة أو نحوها..
وقوله تعالى: «خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ» .. يجوز أن يكون مفعولا به للفعل «أنفقوا» أي أنفقوا مالا، أو نحوه، مما هو خير، ونافع، ويكون الجار والمجرور «لأنفسكم» متعلقا بقوله تعالى «خيرا» أي أنفقوا خيرا لأجل أنفسكم.. وعبّر عما ينفق بلفظ الخير، لأنه خير فى ذاته، وهو خير لمن ينفق من أجله، وهو خير لمن ينفقه..
стр. 6138
ويجوز أن يكون «خيرا» منصوبا بفعل مضمر، تقديره أنفقوا وقدموا خيرا لأنفسكم من أموالكم.
وقوله تعالى: «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» .
هو تحريض على البذل والإنفاق فى سبيل الله، وتحذير من الشحّ، والضنّ بالبذل والسخاء فى وجوه الخير.. فإن من وقى نفسه شرّ هذا الداء، داء الشحّ، كان من المفلحين، حيث إن البخل، لا يكون إلّا من نفس استهلكها حبّ المال، فضنت به عن الإنفاق فى قضاء الحقوق، وفى أداء الواجبات لذوى القربى، والفقراء والمساكين.. ثم ذهب بها هذا الحرص، إلى اكتساب المال من كلّ وجه، فى غير تحرّج أو تأثّم، فإن حبّ المال يعمى ويصم! فأقرب الناس إلى السلامة، وأدناهم إلى الفلاح من خلص بنفسه من ربقة العبوديّة للمال، ومن حبائل فتنته.. كما يقول سبحانه: ِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ»
.. فإذا تحرر الإنسان من هذا الداء، واستعلى على هذه الفتنة، استقام له طريقه فى الحياة، فكان من المفلحين فى الدنيا والآخرة جميعا.
قوله تعالى:
«إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ» .
هو إغراء بالإنفاق فى سبيل الله، وإعلاء لشأن المنفق، ورفع لقدره، حتى إنه ليقف بين يدى خالقه والمنعم عليه موقف المقرض، الدائن.. فما أعظم فضل الله، وما أوسع إحسانه.. إنه يعطى، ثم يستقرض مما أعطى!! والله سبحانه غنىّ غنى مطلقا عن هذا القرض الذي يقترضه، لأن هذا الذي يقترضه، هو ملك له، وفضل من فضله، ولو كان فى حاجة إلى أن يقترض، لأمسك
стр. 6139
هذا الذي يقترضه.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.. ولكن هذا العطاء، ثم الاقتراض منه، هو تكريم للإنسان، وإحسان إليه، حتى ينال بما ينفق من مال الله ثواب الله فى الآخرة وحسن الجزاء فى الدنيا، بما يضاعف للمنفق ما أنفق، كما يقول سبحانه: «يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ» (٢٧٦: البقرة) وكما يقول جل شأنه: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ» (٢٤٥: البقرة) .
والقرض الحسن: هو الذي ينفق فى سبيل، الله عن رضا نفس، وانشراح صدر، والذي لا يتبعه منّ ولا أذى.
قوله تعالى: «وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ» .. أي أنه سبحانه عظيم الشكر لمن يقرضه، وينفق فى سبيله، فيجزيه الجزاء الحسن على ما أنفق، وهو سبحانه «حليم» لا يعجل بعقاب الذين يضنون ويبخلون بما آتاهم الله من فضله، فلا يقطع عنهم أمداد نعمه وإحسانه، فى هذه الدنيا، بل يمدّ لهم فى العطاء، ولا يعجّل لهم الموت حتى يستوفوا آجالهم، وحتى تكون بين أيديهم فرصة للمراجعة، والمصالحة مع الله.. فإن هم لم يصلحوا أمرهم، وماتوا على ما هم عليه من الشحّ والبخل، والضنّ بحقوق الله- كان إلى الله حسابهم، فإن شاء عفا ورحم، وإن شاء عاقب وانتقم.
قوله تعالى:
«عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .
هو معطوف عطف بيان على قوله تعالى: «وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ» .. أي هو سبحانه شكور حليم، وهو عالم الغيب والشهادة، وهو العزيز الحكيم..
فهذه صفات الله سبحانه التي يتعامل بها مع عباده الذين يقرضونه.. إنه سبحانه
стр. 6140
يشكر للمنفقين ما أنفقوا ويضاعف للمقرضين ما أقرضوا، ولا يعاجل المقصرين منهم فى الإنفاق، العذاب، بل يمهلهم، ويدع لهم فسحة من الوقت حتى تنتهى أعمارهم فى هذه الدنيا، ليكون لهم فى هذه الفسحة مجال لتصحيح موقفهم، واللّحاق بالمنفقين الذين سبقوهم إلى رضوان الله.. وهو سبحانه مطلع على سرهم وجهرهم، عالم بما أنفقوه، وما يخلوا به.. وهو سبحانه «العزيز» الذي هو مستغن بعزته عن إنفاق المنفقين، وعون المعينين، وهو «الحكيم» الذي يقيم موازين الناس بالحكمة والعدل، ويضع كل إنسان بمكانه الذي هو أهل له..
стр. 6141
٦٥- سورة الطلاق
نزولها: مدنية.
عدد آياتها: اثنتا عشرة آية.
عدد كلماتها: مائتان وأربعون كلمة.
عدد حروفها: ألف وستون حرفا.
مناسبتها لما قبلها كان مما تضمنته السورة السابقة: «التغابن» - قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ» .. وفى هذا- كما قلنا- تحذير من فتنة الأزواج، والأولاد، وأن هذه الفتنة قد تعظم ويشتد خطرها، فلا يمكن مدافعتها والنجاة منها إلا بالفرقة، وقطع علائق الصلة..
ولما كانت الفرقة بين الرجل وزوجه لا تكون إلا بالطلاق، فقد كان من المناسب فى هذا المقام أن تبيّن بعد ذلك أحكام الطلاق، والصورة التي يكون عليها، حتى لا يؤدّى ذلك إلى جور وعدوان، بل ينبغى أن يكون الرفق، والحكمة، من الأدوات العاملة فى حلّ عرا الزوجية بين الزوجين، إذا لم يكن بدّ من حلّها، امتثالا لقوله تعالى: «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» (٢٢٩: البقرة) .
هذا، وفى مجىء سورة الطلاق عقب الحديث عن فتنة الأزواج والأولاد- فى هذا ما يشير، فى إعجاز مبين، إلى أن الطلاق لا يكون إلا فى حال يتحكم فيها الخلاف بين الرجل والمرأة، حتى يكاد يكون فتنة، لا يمكن الخلاص منها إلا بهذا الدواء المرّ، وإلا بهذا الداء الذي يذهب به داء أشد منه.. وإن فى الشر خيارا..
وبعض السمّ ترياق لبعض وقد يشفى العضال من العضال
التفسير:
قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً» .
الخطاب هنا للنبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- والمراد به المسلمون جميعا..
فالمسلمون مخاطبون من الله فى شخص النبىّ، الذي يتلقّى خطاب الله عنهم، لأنه إمامهم وهاديهم، وحامل الدعوة من الله إليهم..
وقد خوطب النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- من ربّه، بقوله تعالى:
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ» . وبقوله سبحانه: «يا أيها الرسول» ولم يخاطب باسمه، تكريما له من ربّه، بهذه الملاطفة التي تشير إلى المحبة والقرب من ربّه، الذي يخلع عليه ما يخلع من أوصاف التكريم، ويناديه بها، حتى لكأنها علم عليه وحده.
وقوله تعالى: «إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ» أي إذا لزم الأمر، ولم يكن بدّ من وقوع الفرقة منكم، بين الرجل والمرأة.
وقوله تعالى: «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» أي فليكن الطلاق فى مواجهة الحساب لعدتهن.. أي ليكن هذا الطلاق منظورا فيه العدة.. وذلك بتخيّر الوقت المناسب للطلاق..
فاللام فى قوله تعالى «لعدتهن» للتوقيت، أي لوقت استقبال العدة، مثل قولك: انتهيت من هذا الأمر ليلة بقيت من المحرم، أي مستقبلا لهذه الليلة..
стр. 6144
وهذا يعنى أن تطلّق المرأة فى طهر لم تمس من الرجل فيه، فإذا طلقت فى الطهر المتقدم للقرء الأول من أقرائها فقد طلقت مستقبلة لعدتها.. وهذا- كما يقول الزمخشري- «أحسن الطلاق، وأدخله فى السنة، وأبعده من الندم» .. لأن الرجل إذا طلق المرأة وهى فى طهرها، دون أن تدعوه نفسه إليها، كان من المستبعد أن يتوق إليها بعد طلاقها، وبهذا لا يكثر ندمه على فراقها..
وعن إبراهيم النّخعى، أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يستحبون ألّا يطلقوا أزواجهم للسنة- أي طلاق السنة، وهو أن يكون فى طهر لم تمس فيه- كانوا لا يطلقونهن إلا واحدة، ثم لا يطلقون غير ذلك، حتى تنقضى العدة.. وكان ذلك أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثا فى ثلاثة أطهار..
وقال مالك بن أنس: «لا أعدّ طلاق السّنة إلا واحدة» .. وكان يكره الثلاث، مجموعة أو متفرقة.
وأما أبو حنيفة وأصحابه، فقد كرهوا ما زاد على واحدة فى طهر واحد، فأمّا مفرقا فى الأطهار، فلا.
وعند الشافعي- رضى الله عنه- لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف فى عدد الطلاق سنّة، ولا بدعة، وهو- أي الجمع، والتفريق- مباح.
يقول الزمخشري تعقيبا على هذا:
«فمالك، يراعى فى طلاق السّنة، الوحدة والوقت.. وأبو حنيفة، يراعى التفريق والوقت.. والشافعي، يراعى الوقت وحده» .
قوله تعالى: «وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ» أي اضبطوا حسابها، وهى أن تكون
стр. 6145
مستوفية الزمن الذي بينه الله ، كما ستبين الآيات بعد ذلك، وذلك فى شأن الزوج المدخول بها، وله أن يراجعها قبل انقضاء العدة إذا لم يكن قد طلقها ثلاثا.. ويكون بعد انقضاء العدة فى هذه الحال، كأحد الخطّاب، فإن كان قد طلقها ثلاثا، فلا تحل له إلا بعد زواج من غيره وطلاق وانقضاء عدة..
قوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ» - هو دعوة للرجال خاصة، إلى تقوى الله فى هذا الموقف، وألا يكون الطلاق عن عدوان، أو انتقام، أو اتباع لشهوة عارضة، أو نزوة طارئة، فإن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- يقول:
«إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق» .
وقوله تعالى: «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ» .. هو نهى للرجال عن أن يخرجوا مطلقاتهم قبل انقضاء العدة، بل ينبغى أن يمسكوهن فى بيت الزوجية، فإنهن زوجات إلى أن تنقضى العدة.
وفى إضافة بيوت الأزواج إلى الزوجات- ما يدخل فى شعور كلّ من الرجل والمرأة، أن الزوجية لا تزال قائمة بينهما فى أثناء العدة، وأن الزوجة ما زالت فى بيتها، بيت الزوجية، وهذا من شأنه أن يجعل المسافة النفسية قريبة بينهما، وأن يكون ذلك داعية إلى إصلاح ذات البين، وإزالة أسباب الفرقة..
فالمرأة فى أثناء العدة لا تزال فى بيتها، بيت الزوجية، وليست غريبة عنه، وهى بهذا الشعور تتصرف كما كانت تتصرف قبل إيقاع الطلاق عليها.. وهذا مدخل واسع إلى المصافاة، وإصلاح ما بالنفوس..
قوله تعالى: «وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» ..
قيل فى معنى الفاحشة المبينة هنا أقوال.. منها:
стр. 6146
أن يثبت عليها الزنا، فتخرج من بيت الزوجية، لإقامة الحدّ عليها.. أو أنها تمتنع عن زوجها إذا دعاها إلى نفسه، فتعتبر ناشزا، وبهذا يسقط حقها فى السكنى والنفقة أثناء العدة.
أو أن تخرج هى من تلقاء نفسها مراغمة لزوجها، فيعتبر هذا خروجا منها عن أمر الله، الذي ألزمها فيه الإقامة فى بيت الزوجية..
وهذا القول الأخير، هو أقرب الآراء إلى المعنى المراد..
وقوله تعالى: «وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ.. وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» ..
أي هذه أحكام الله وحدوده التي أقامها لشريعته، ومن يتعد هذه الحدود ويخرج عنها، فقد ظلم نفسه، لأنه تعرّض لسخط الله، وعقابه..
وقوله تعالى: «لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً» .. أي لا تدرى أيها المطلّق ماذا سيكون فى التزامك لحدود الله، وإمساكك زوجك فى بيت الزوجية، فقد يحدث الله أمرا، يجىء على غير ما تتوقع من فراق بينك وبين زوجك، فيصلح الله ما بينكما، وبعيد الحياة الزوجية، التي كانت آخذة طريقها إلى الزوال..
قوله تعالى:
«فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ.. ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» ..
أي فإذا بلغت المطلقة أجلها، ووافت مشارف العدة، ولم تبق إلا لحظة،
стр. 6147
ينتهى عندها الأمر، إلى مراجعة، أو طلاق- كان الرجل بالخيار، إما أن يمسك مطلقته بمعروف، أو يفارقها بمعروف، فلا يكون إمساكه لها للضرار والنكاية، ولا يكون فراقها للانتقام والتشفي.. وإنما الذي يقضى به شرع الله، أن يكون كلّ من الإمساك، أو الفراق، قائما على العدل، والإحسان، وتجنب البغي والعدوان.. ثم أن يكون هذا، وذاك، بمحضر من شاهدى عدل يشهد ان المراجعة، أو الفراق.. وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبى حنيفة، أمّا عند الشافعي، فهو واجب فى الرجعة، مندوب إليه فى الفرقة..
وفائدة هذا الإشهاد، هو ألا يقع بينهما التجاحد، ولئلا يموت أحدهما فيدّعى الآخر ثبوت الزوجية ليرث، فى حال أنّ الفراق قد تم بينهما.
وقوله تعالى: «ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» أي ذلك التدبير الذي دبره الله ، وتلك الحدود التي رسمها لهذا الأمر، إنما يوعظ به، ويستقيم عليه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فيحول هذا الإيمان بينه وبين التعدّى على حدود الله..
وقوله تعالى: «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» أي ومن يلتزم حدود الله، ويراقب ربه ويخش سلطانه- يجعل له مخرجا مما هو فيه، من معاناة وضيق، وهو فى مواجهة هذا الموقف، الذي تتغير فيه حياته.. فإذا اتقى الله، ولزم حدوده، اختار له الله الطريق المستقيم، الذي يتبدل فيه حاله من ضيق إلى سعة، ومن همّ إلى فرج، سواء أكان ذلك بإمساك الزوجة أو فراقها، أو فى أي أمر من أمور الحياة يعرض له، فإن تقوى الله فى هذا الأمر، كفيلة بأن تبلغ به مرفأ الأمن والسلام
стр. 6148
قوله تعالى:
«وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً» ..
هو معطوف على قوله تعالى: «يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» .. وهو واقع فى جواب الشرط: «ومن يتق الله» ..
وقد جاء أحد جوابى الشرط فاصلة للاية.. ثم جاء الجواب الثاني بدءا لآية أخرى.
وهذا الفصل بقوله تعالى: «مَخْرَجاً» ليس لرعاية الفاصلة، كما يذهب إلى ذلك علماء البلاغة وأكثر المفسرين.. فإن كلام الله تعالى منزه عن أن تحكمه الضرورات التي تحكم أعمال البشر، من شعر ونثر..
وإن هذا الفصل لهو إعجاز من أعجاز القرآن.. هذا ما ينبغى أن نستيقنه، سواء اهتدينا إلى مواقع هذا الإعجاز، أو لم نهتد إليها..
والذي نقوله- والله أعلم- إن قوله تعالى: «وَمَنْ يَتَّقِ» هو شرط يواجه به كل من الزوج والزوجة.. وأما الجوابان، وهما: «يجعل له مخرجا» ثم «ويرزقه من حيث لا يحتسب» فأولهما الزوج، الذي وعده الله سبحانه بأن يجعل له مخرجا، إذا هو اتقى الله.. وأما الجواب الآخر، فهو الزوجة، التي وعدها الله سبحانه، بأن يرزقها من حيث لا تحتسب، ولا تقدّر، إذا هى اتقت الله، فى موقفها من زوجها فى فترة العدة..
وهذا لا يمنع من أن يكون ذلك الشرط، وجواباه، للعموم، بمعنى أن كلّ من اتقى الله، يجعل الله له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب.. ولكن لمّا كان ذلك فى مواجهة الزوجين، المزمعين على الفراق، جاءت الجملة الشرطية ضابطة لحالهما فأعطت كلّا منهما ما يناسبه.. ثم كان منها هذا الشمول الذي يسع الناس جميعا.
стр. 6149
وقوله تعالى: «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» : شرط وجواب، يدخل فيه كلّ من الزوج والزوجة، كما يدخل فى حيّزه الناس جميعا.. فمن يتوكل على الله، ويسلم أمره إليه، فالله حسبه، وكافيه، ومدبّر أمره.. يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: «من انقطع إلى الله كفاه الله كلّ مؤونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها» .
وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ» .. أي أنه سبحانه هو المالك المتصرف فى هذا الوجود، وأن كلّ شىء بيده، خاضع لمشيئته، مستجيب لإرادته، وما يريده سبحانه فهو واقع لا محالة، دون أن يعوّقه معوّق، أو يغيره أحد..
وقوله تعالى: «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً» .
أي أن كل شىء فى هذا الوجود، هو بتدبير وتقدير من الله سبحانه، وليس هناك من شىء يجىء عفوا، أو يقع مصادفة واتفاقا.. كما يقول سبحانه: «وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ» (٨: الرعد) .
قوله تعالى:
«وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً» فى هذه الآية بيان للعدة التي تعتدها المطلقات من النساء، وهى تختلف باختلاف أحوالهن.
فذوات الحيض، عدتهن ثلاثة قروء، كما يقول سبحانه: «وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» (٢٢٨: البقرة) والقرء: يطلق على الطهر والحيض.. فتعتد ذات الحيض ثلاث حيضات، تطهر فيهن ثلاث مرات.
стр. 6150
وأما اللائي يئسن من المحيض، وهنّ اللائي بلغن سنّ اليأس، حتى انقطع الحيض عنهن.. فهؤلاء عدتّهن ثلاثة أشهر..
وأما اللاتي لم يحضن أصلا، لصغرهن، أو لأنهن من الممتدات الطهر أبدا، فلا يحضن- هؤلاء عدتهن ثلاثة أشهر كذلك.. وأما ذوات الحمل، فعدتهن وضع حملهنّ..
وأمّا قوله تعالى: «إِنِ ارْتَبْتُمْ» فهو اعتراض بين المبتدأ والخبر، للإشارة إلى الحال الداعية إلى هذا الحكم الذي تضمنته الجملة، وهو أن يكون ذلك عن شك وارتياب، فى حال المرأة التي بلغت السنّ الميئوس فيها من الحيض، ثم ترى الدم، لا تدرى إن كان دم حيض، أو استحاضة.. فهذه عدتها ثلاثة أشهر، أي أنها تعتد بالأشهر، ولا تعتد بالقروء..
قوله تعالى: «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً» .. أي من يلتزم حدود الله، فيما أمر ونهى، جعل الله له يسرا فى كل أمر يعالجه، فإنه من هدى الله على نور من ربه، «وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» . (٤٠: النور) قوله تعالى: «ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ» أي هذه الأحكام التي بيّنها الله سبحانه فى هذه الآيات، هى أمر من الله ، يجب الوفاء به، حيث يحاسب المقصّر، ويجازى المطيع..
وقوله تعالى: «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً» .. هو دعوة عامة إلى تقوى الله والتزام حدوده.. وأن من يتق الله يكفر الله عنه سيئاته، بما فعل من إحسان كما يقول سبحانه: «إن الحسنات يذهبن السيئات» «ويعظم له أجرا» أي ويضاعف له الثواب.
قوله تعالى:
«أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا
стр. 6151
عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.. فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى»
..
هذا فى حكم المطلقات طلاقا بائنا، أما من طلقن طلاقا رجعيا، فقد جاء حكمهن فى قوله تعالى: «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» .
فالمطلقة طلاقا بائنا، لها- إلى أن تنقضى عدّتها- السكنى، خارج بيت الزوجية، ولا نفقة لها ولا كسوة، ولا يتوارثان.. وأما إن كانت حاملا فلها النفقة والكسوة والمسكن، حتى تضع حملها، وبذلك تنقضى عدتها.. كما يفهم من قوله تعالى: «وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» فدل ذلك على أن النفقة واجبة للمطلقة طلاقا بائنا، إذا كانت حاملا، أما غير الحامل فقد جاء الأمر بسكناها دون النفقة عليها.
هذا، وقد اختلف فى النفقة للمطلقة ثلاثا قبل انقضاء عدتها، فقال أكثر العلماء، لها السكنى ولا نفقة لها، وقال آخرون، لها السكنى والنفقة، لأنها محبوسة على الرجل لحقّه عليها، حتى تنقضى عدتها، فاستحقت النفقة كالزوجة..
وهذا رأى أبى حنيفة، استنادا إلى قوله تعالى: «وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» ، وترك النفقة من أكبر الأضرار..
ونحن نميل إلى هذا الرأى القائل بوجوب النفقة للمطلقة طلاقا بائنا، وذلك أولا: أن الأمر بإسكانهن، من غير نفقة عليهن، أشبه بالحبس، بل إنه الحبس خير منه، لأن المحبوس فى جريمة، يقدم له الطعام والشراب! وثانيا: لا يتفق مع روح الشريعة السمحاء أن تلقى بالمرأة بعد الطلاق، فى
стр. 6152
هذا السكن المهجور، الذي لا يصحبها فيه إلا ما تحمل من هموم وأحزان، وإلا ما تمضغ من مرارة هذه المصيبة التي حلت بها، وقد أخرجتها من بيتها، ثم تضنّ عليها هذه الشريعة بشىء من العزاء، وهو ما يقدم لها من نفقة، فى فترة هذا السجن الانفرادى!؟
وثالثا: ما جاء فى قوله تعالى: «وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» .. ليس فيه ما يحجب عن غير الحامل حقّها فى الإنفاق عليها، وإنما جاء ذلك ليرفع عن أولات الحمل ما قد يوهم بأن لا نفقة لهن إلا فى حدود ما ينفق على غير دوات الحمل، زمنا، وقدرا، بمعنى أن ينفق على ذوات الحمل فى حدود ثلاثة أشهر، أي بمقدار ما ينفق على غير الحامل.. فجاء قوله تعالى: «وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» - جاء رافعا لهذا الوهم من جانبيه جميعا.. فينفق على ذات الحمل حتى تضع حملها، ثم ينفق عليها قدرا مراعى فيه حالة الحمل الذي تحمله، بحيث يكفل لها الغذاء المناسب لحالها وحال الطفل الذي يغتذى منها.. فالنفقة على ذات الحمل تختلف عن النفقة على غير الحامل وقوله تعالى: «مِنْ وُجْدِكُمْ» أي مما تجدون بين أيديكم، أي مما هو موجود ومتاح لكم..
وقوله تعالى: «وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» - هو خطاب للأزواج بأن يلتزموا حدود الله، مع مطلقاتهن، اللاتي أمسكوا بهن فى بيوتهم، وألا يسلطوا عليهن من الكيد والضر ما يحملهن على ترك ما لهن من حقوق على أزواجهن..
وقوله تعالى: «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ» - هو أمر للأزواج بأن يقوموا بأداء النفقة المناسبة لمطلقاتهم، إذا هن قمن بإرضاع ما ولدن لهم من أولاد..
стр. 6153
وسمّى ما يقدم للمطلقة من نفقة على الرضيع أجرا، إشارة إلى أن الأب هو المتكفل بالإنفاق على الولد دون الأم، وأن الأم- مع وجود الأب- تعتبر كالأجنبية فى حال طلاقها، ومن هنا كان استحقاقها للأجر، لأنه فى مقابل عمل للأب، تستوفى عليه الأجر منه..
والائتمار بالمعروف، هومداولة الأمر بين الرجل ومطلقته، بالمعروف، واللطف، وذلك للاتفاق على ما فيه مصلحة الرضيع.. فليذكر كل منهما أن الأمر الذي يتداولانه بينهما، هو خاص بولدهما معا، وأن من مصلحة الوليد أن تجتمع عليه عواطف الأبوة والأمومة معا، وألا يكون انفصال الأبوين سببا فى حرمانه من هذه العاطفة، من أحدهما، أو كليهما..
إذ لا ذنب له فيما حدث بينهما من خلاف أدى إلى هذه الفرقة.. فليذكر الأبوان هذا، وليذكرا أيضا أنهما إذا فاتهما أن يعملا بقوله تعالى: «أو تسريح بإحسان» أو قوله سبحانه: «ولا تنسوا الفضل بينكم» - فلا يفوتهما أن يستقيما على حدود قوله سبحانه: «وأتمروا بينكم بمعروف» وأنه إذا كان قد وقع من أحدهما أو كليهما خروج على حدود الله فى الفرقة التي وقعت بينهما، فإنه ينبغى ألا يضاعف هذا العدوان بعدوان آخر على حدود الله، بظلم هذا الوليد، الوافد من عند الله، ضيفا عليهما..
وقوله تعالى: «وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى» أي أنه إذا لم يقع بين الرجل ومطلقته اتفاق على أن تقوم الأم بإرضاع الولد، سواء أكان ذلك التعاسر والتشاد من جهة الأب، أو من جهه الأم، فإن الوليد يجب أن يكفل له حقه، وأن تحفظ عليه حياته، وذلك بأن يجد له الأب مرضعا أخرى غير أمه.. فإن لم يكن ذلك ميسورا، أو لم يقبل الطفل ثديا غير ثدى أمه، ألزمت الأم بإرضاع طفلها، وألزم الأب بأداء النفقة، أو الأجر، المناسب للأم..
стр. 6154
وفى إسناد التعاسر إلى الأبوين، وإن كان ذلك من أحد الطرفين، للإشارة إلى أن هذا التعاسر الذي وقع، هو محسوب عليها معا.. لأنه إذا كان التعنت والتشدد من أحدهما، فإنه كان من الممكن- لو تلطف الطرف الآخر، وحاسن ولم يلق التعنت بالتعنت- كان من الممكن أن يتم الاتفاق ويقع التياسر بينهما.. ولهذا فهما شريكان فى التعاسر الذي يقع بينهما.
قوله تعالى:
«لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً» ..
هو أمر بالنفقة الواجبة على الوالد لزوجه وولده، وأنها إنما تكون فى حدود طاقته، فى حال يسره، أو عسره، غير منظور فى هذه النفقة إلى حال الأم، فى يسر أو عسر..
وقوله تعالى: «وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ» أي ومن ضيّق عليه فى رزقه، فإنه لا يعفى من النفقة على طفله، وإنما عليه أن ينفق مما هو متاح له، وإن كان قليلا.. فإنه هو المسئول عن أمر هذا الطفل، ولن يرفع عنه عبء هذه المسئولية بحال أبدا.. فكما هو عامل بكل وسعه على الإنفاق على نفسه وحفظ حياته من التلف، كذلك يجب أن يعمل بما فى وسعه على الإنفاق على هذا الوليد الذي هو بعض منه..
وقوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها» - هو رفع الحرج، ودفع للمشقة التي قد يحمل عليها الأب فى سبيل الإبقاء على ولده، وأنه إذا كان المطلوب من الأب شرعا وطبعا أن ينفق على ولده، فإن ذلك إنما يكون فى حدود الطاقة، وعلى قدر الإمكان.. «لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها، وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» ..
стр. 6155
فالولد نعمة، لا ينبغى أن تكون نقمة يشقى بها أىّ من الأب أو الأم..
وقوله تعالى: «سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً..» هو وعد من الله سبحانه للمضيّق عليهم فى الرزق، يأن هذا الضيق إلى سعة، وإن هذا العسر إلى يسر، فليتحمل الأب هذا الضيق، وألا يضيق به، ثم ألا يحمله الضيق على أن يلتوى فى سلوكه إزاء الإنفاق على ولده الرضيع، أو يتحلل من هذا الواجب المفروض عليه..
الآيات: (٨- ١٢) [سورة الطلاق (٦٥) : الآيات ٨ الى ١٢]
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (١١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢)
стр. 6156
التفسير:
قوله تعالى:
«وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً» .
مناسبة هذه الآية وما بعدها للآيات التي قبلها، هى أن الآيات السابقة قد رسمت حدودا أقامها الله العلاقة بين الزوجين، وما قد يعرض لهذه العلاقة من عوارض تنتهى إلى الفرقة بينهما، وقد توعّد الله سبحانه الذي يتعدّى هذه الحدود من الزوجين..
وهنا فى قوله تعالى: «وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها.. الآية» - عرض لمن يتعدّون حدود الله عامة، وما يأخذهم الله به من بلاء ونكال فى الدنيا، ومن عذاب شديد منكر فى الآخرة..
وفى هذا العرض، يرى كلّ من الزوجين أنهما إذا خرجا عن حدود الله، فلن يفلتا من سلطانه، ولن ينجوا من حسابه وعقابه، لأن أيّا منهما مهما بلغ من جاهه وسلطانه، فلن يكون أقوى من أية قرية من تلك القرى التي اغترت بقوتها، وبسطة الرزق لها، فعتت عن أمر ربها ورسله، فحاسبها الله حسابا شديدا، وعذبها عذابا نكرا..
وكاين: بمعنى «كم» الخبرية التي تفيد التكثير، أي وكم من القرى التي عتت عن أمر ربها ورسله، فحاسبها الله حسابا شديدا، وعذبها عذابا نكرا؟
فما أكثر هذه القرى التي وقعت تحت هذا الحكم..
وعتت: من العتو، وهو التطاول بالبغي والعدوان، والتمرد والعصيان، عن استعلاء وتكبر.. والنكر: الشديد الأليم.
стр. 6157
قوله تعالى:
«فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً» .
أي أن هذه القرية- ومثلها كثير من القرى الظالمة العاتية- قد ذاقت عاقبة أمرها الوبيل، وتجرعت كئوس العذاب، فكانت نهايتها الخسران المبين فى الدنيا حيث دمر الله عليها وعلى أهلها..
قوله تعالى:
«أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً.. فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً» .
أي، وإذا كان مصير هذه القرى العاتية الظالمة، هو الخراب والدمار فى الدنيا، فإن ذلك ليس هو نهاية مطافها، وإنما هناك عذاب الآخرة الذي أعده الله لأهلها، وهو عذاب شديد، لا يقاس به ما حلّ بهم من عذاب فى الدنيا.
وفى الحديث عن القرية فى قوله تعالى: «فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً» ثم الحديث عن أهلها فى قوله تعالى: «أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ..»
فى هذا تفرقة بين حالين: فالحال الأولى فى الدنيا، حيث تشهد القرية مصارع أهلها، وحيث يشملها من الخراب والدمار ما يجعلها بعضا من هؤلاء القوم الذين وقع بهم عذاب الله. ولهذا جاء الحديث عن القرية.
أما الحال الثانية، التي تتحدث فيها الآيات عن القوم، فهى عن حالهم فى الآخرة، حيث لا قرى لهم، وحيث يلقون العذاب ولا شىء معهم مما كان لهم فى الدنيا من مال، ومتاع، وديار، ولهذا جاء الحديث عن أهل هذه القرية.
وقوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ» .. هو إلفات لأهل العقول
стр. 6158
وأصحاب البصائر، أن يكون لهم مزدجر، من هذا الذي حلّ بالظالمين، المعتدين، من نقم الله، فى الدنيا، ومن العذاب الشديد فى الآخرة، وأن يتقوا الله، ويلتزموا حدوده، حتى لا يحلّ بهم ما حلّ بالظالمين من قبلهم.
وإنما خوطب أولو الألباب، لأنهم هم الذين يمكن أن ينتفعوا بهذا الخطاب، وأن يكون لهم من عقولهم داع يدعوهم إلى الاعتبار، وإلى تلقّى العظة مما وقع لغيرهم، قبل أن ينزل بهم.. فالعاقل من اتعظ بغيره، قبل أن يكون هو عظة لغيره..
وقوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا» هو بدل من قوله تعالى: «يا أُولِي الْأَلْبابِ» أو صفة لأولى الألباب، أي فاتقوا الله أيها العقلاء المؤمنون.. فإن الذين آمنوا، إنما آمنوا بما معهم من عقول دلتهم على مواقع الهدى، وأرتهم ما فى الإيمان من خير فآمنوا.. أما الذين أمسكوا بكفرهم وضلالهم، فإنهم ليسوا من أصحاب العقول..
«إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» (٤٤: الفرقان) .. ومن تمام الإيمان أن يسلك بصاحبه مسالك الهدى، وأن يقيمه على التقوى.. أما الإيمان- مجرد الإيمان- فإنه إن لم يتحول إلى طاقة من القوى الدافعة إلى السلوك الحميد، والعمل الطيب، كان زرعا بلا ثمر.
وقوله تعالى: «قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً» أي قد أنزل الله إليكم ما فيه تذكرة لعقولكم، وهو القرآن الكريم، فانظروا فيه، وتدبروا آياته، وستجدون منه الهدى، والنور..
وقوله تعالى: «رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ» ..
رسولا، بدل من «ذكرا» فى قوله تعالى: «قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً» فهذا الذكر الذي أنزله الله إليكم، يتمثل فى هذا الرسول الذي يتلو عليكم آيات الله البينات الكاشفات لطريق الحق، والهدى..
стр. 6159
وفى تسليط الفعل «أنزل» على الذكر، الذي هو القرآن، ثم على الرسول الذي يتلو آيات الله- فى هذا إشارة إلى مقام الرسول الكريم، وأنه- صلوات الله وسلامه عليه- أشبه بآية من آيات الله المنزلة من السماء، وأنه منزل إليهم من عند الله، كما تتنزل عليهم آياته.. وهذا يعنى أن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- هو فى ذاته مصدر هدى، ومطلع رحمة ونور، وأنّ من عجز عن أن يدرك ما فى آيات الله من حق وخير، يستطيع أن يرى تأويل آيات الله فى رسول الله.. فهو صلوات الله وسلامه عليه- كتاب الله المنظور، على حين أن القرآن هو كتاب الله المسموع.. والله يقول:
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً» (٤٥، ٤٦ الأحزاب) .. فهو صلوات الله وسلامه عليه- سراج منير مرسل من عند الله، كما أن القرآن الكريم «كِتابٌ مُبِينٌ» منزل من عند الله..
وقوله تعالى: «لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» ..
هو بيان لمطالع الهدى من رسول الله، ومن كتاب الله الذي بين يديه، وأن هذه المطالع إنما تطلع على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأنهم هم الذين يستضيئون بهذا الهدى، فيخرجون من دائرة الظلام إلى حيث يكون النور.. أما الذين كفروا، فهم فى عمى، وفى ضلال، كما يقول سبحانه: «قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ» (٤٤: فصلت) ..
قوله تعالى: «وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً.. قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً» .
стр. 6160
هذا وعد من الله لمن آمن بالله وعمل صالحا، وانتفع بهذا النور الذي أنزله الله- بأن يدخله الله جنات تجرى من تحتها الأنهار، خالدا فيها، لا يتحول عنها أبدا، حيث يرزق رزقا حسنا من فضل الله وإحسانه، فى هذه الجنات التي ينعم فيها بما شاء من نعيم لا يحيط به وصف..
وفى إسناد الإيمان والعمل الصالح ودخول الجنة، والرزق الحسن فيها- فى إسناد هذه الأفعال إلى ضمير المفرد: «يؤمن بالله.. ويعمل صالحا.. يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار.. قد أحسن الله له رزقا» - فى هذا إشارة إلى أن هذه الأفعال، إنما هى من شأن الإنسان نفسه، وجزاؤها واقع عليه وحده..
فالإيمان، والعمل الصالح، مطلوبان من الإنسان، كإنسان له وجود ذاتى، يناط به التكليف، وتقع عليه آثار أعماله من حسن أو سيء..
ودخول الجنة، والرزق الحسن فيها، هو الجزاء الذي يتلقاه المؤمن جزاء إيمانه وعمله الصالح.
أما إسناد الخلود فى الجنة إلى جماعة المؤمنين الذين أدخلهم الله الجنة مع هذا المؤمن، فذلك لأنهم جميعا شركاء فى هذا الخلود.. فكلهم خالد فى هذه الجنات، وإن اختلفت منازلهم فيها بحسب أعمالهم.. فهم فى المنازل على أحوال مختلفة، كلّ فى منزلته، وإن كانوا فى الخلود على سواء..
ثم إن الخلود فى الجنة يوحى بثقل هذا الزمن الذي لا ينتهى، وخاصة إذا كان المرء وحده، فى عزلة داخل زمن لا حدود له.. فإذا كان هذا الخلود مع مشاركة لأعداد من الناس لا حصر لها، كان ذلك الخلود سائغا، بل ومطلوبا، حيث يأنس الناس بالناس- وفى هذا يقول المعرى:
стр. 6161
ولو أنّى حبيت الخلد وحدي ... لما أحببت فى الخلد انفرادا
قوله تعالى:
«اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً» ..
هو عرض لقدرة الله، وبسطة سلطانه، على هذا الوجود، وأنه سبحانه خلق سبع سموات، وخلق من الأرض سبع أرضين..
وليست المثلية التي بين السموات، والأرض مثليّة فى القدر، والحجم، وإنما هى مثلية فى التنوع والاختلاف، فكما أن لكل سماء نظاما، مختلفا عن الأخريات، كمّا وكيفا، كذلك لكل إقليم من أقاليم الأرض، أو كل طبقة من طبقاتها، نظام، يختلف عما سواه، قدرا، وكيفا..
ومن النظر فى خلق السموات والأرض، يتبين ما لله من قدرة، وماله سبحانه، من علم قائم على هذه العوالم، يضبطها، ويدبّر أمرها..
ومن علم هذا، علم أنه- كإنسان مخلوق لله- لا يخرج عن سلطان الله، ولا يغيب عن علم الله شىء مما عمل، وأنه محاسب على ما يعمل من خير أو شر، فليتق الله، وليعمل صالحا، حتى لا يقع تحت غضب الله، وينزل منازل الهلكى، من الضالين المكذبين بآيات الله، ورسل الله..
стр. 6162
٦٦- سورة التحريم
نزولها: مدنية.
عدد آياتها: اثنتا عشرة آية..
عدد كلماتها: مائتان وأربعون كلمة..
عدد حروفها: ألف وستون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
كانت سورة «الطلاق» - قبل هذه السورة- وقد بينت للمؤمنين الحدود التي ينبغى للمؤمنين أن يلزموها فى العلاقات التي بين رجالهم ونسائهم، فى حال ينتهى الأمر فيها إلى الطلاق، وحلّ عرا الزوجية القائمة بين الرجل والمرأة..
ولما كان لرسول الله ﷺ كبشر- علاقات زوجية، كالعلاقات التي بين رجال المؤمنين ونسائهم، وأن هذه العلاقات، قد يعرض لها ما يعرض للعلاقات بين المرء وزوجه، فكان من المناسب أن تجىء سورة «التحريم» عقب سورة «الطلاق» لما كان فيها من حديث عن النبىّ خاصة، وعمّا يقع فى محيط حياته الزوجية.. وفى هذا التخصيص تكريم للنبى الكريم، ورفع لقدره عند ربّه.
стр. 6163
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٥) [سورة التحريم (٦٦) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤)
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥)
التفسير:
قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..
نداء كريم، من رب كريم، إلى نبى كريم، يؤثر على نفسه، حتى ليحرم ما أحل الله له، فى سبيل مرضاة أزواجه اللائي تظاهرن عليه، وكدن له هذا الكيد الذي توعدهن الله عليه، ودعاهن إلى التوبة منه.. ففى هذا الاستفهام
стр. 6164
دعوة للنبى من ربه أن يرفق بنفسه، وألا يحملها على ما يكره، فى سبيل إرضاء غيره.. وهذا من لطف الله سبحانه برسوله الكريم، وليس عتابا، ولا لوما، كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين.
ويذكر المفسرون لهذه الآية وما بعدها أسبابا لنزولها.. ومن الأسباب التي يذكرونها، والتي نراها أقرب إلى مفهوم الآيات من غيرها- ما بروى من أن رسول الله ﷺ ، حين أهديت له مارية القبطية، أدخلها ذات مرة حجرة زوجه، حفصة بنت عمر، وكانت حفصة غائبة، فلما جاءت، ووجدت النبي، ومارية فى حجرتها، غضبت، وقالت فيما قالت للنبىّ:
إنه ما اتخذ حجرتها مأوى لمارية، دون حجرات غيرها من نسائه، إلا لهوا نها عليه.. فأرضاها النبىّ الكريم، وحلف لها ألا يقرب مارية بعد هذا، وأوصاها ألا تتحدث بما كان إلى أحد من نسائه، حتى لا تثير غيرتهن فى أمر قد قضى النبي قضاءه فيه، وهو تحريم مارية..
قالوا، ولكن الذي حدث، هو أن حفصة أذاعت هذا السر، وأفضت به إلى عائشة- رضى الله عنها وعن أزواج رسول الله جميعا- وكان من هذا حديث متصل يدور بين أزواج النبي تألّم منه النبي، وضاق به صدره فآلى «١» من نسائه جميعا، ألا يقربهن شهرا.
وفى هذا نزلت الآية: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ» والآيات التي بعدها..
стр. 6165
وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ» - ليس عتابا، كما يبدو.
وإنما هو دعوة من الله فى لطف ورفق- إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه ألا يحرم ما أحل الله له، وألا يشق على نفسه بالأخذ باليمين الذي حلف بها، وقد جعله الله فى سعة من أمره، بالتحلّه من هذه اليمين، وذلك بالكفارة عنها.
وقوله تعالى: «تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ» حال من فاعل الفعل «تحرم» وهو النبي صلوات الله وسلامه عليه، أي لم تحرم ما أحل الله لك، مبتغيا بهذا التحريم مرضاة أزواجك.
قوله تعالى: «وَاللَّهُ غَفُورٌ» - هو دعوة للنبى الكريم إلى أن يتحلل من يمينه التي حلفها بألا يقرب (مارية) .. فالله سبحانه يغفر له هذه اليمين بالكفارة عنها، والله- سبحانه- غفور، وهو سبحانه «رحيم» وإن أولى الناس برحمة الله، هو رسول الله، فليرحم الرسول الكريم نفسه، ولا يشقّ عليها بهذا التحريم لما أحل الله له، فى سبيل مرضاة أزواجه، إذ كانت مرضاتهن عدوانا على حق النبي، فى التمتع بما أحل الله له.
وقوله تعالى:
«قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» هو بيان لبعض آثار مغفرة الله ورحمته، وهو ما فرضه سبحانه، وقضى به، من التحلل من الأيمان بالكفارة عنها، إذا كان التحلل من اليمين خيرا من إمضائها..
وفى هذا يقول الرسول الكريم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفّر عن يمينه، ثم ليفعل الذي هو خير» .