وصرم، الشيء: قطعه، وانصرم حبل الودّ بين فلان وفلان، أي انقطع، وانصرم معظم الليل، أي مضى، كأنه انقطع من الليل..
وقوله تعالى: «وَلا يَسْتَثْنُونَ» هو حال من فاعل: «لَيَصْرِمُنَّها» أي أقسموا ليقطعنّ ثمر الجنة مستقبلين الصبح، غير مستثنين شيئا منها أو مبقين على شىء من ثمر هذه الجنة من غير حصاد أو جنى، حتى لا يبقى لأحد من الفقراء، نظر يتعلق بشىء من ثمرها..
فهذا ما أقسموا عليه، وقد جاء به القرآن على لسانهم..
ويجمع المفسرون على أن قوله تعالى: «وَلا يَسْتَثْنُونَ» هو بمعنى أنهم حين أقسموا على صرم الجنة صباحا، ولم يستثنوا فى هذا القسم، أي لم يقولوا: إن شاء الله!! وهذا المعنى غير مقبول من وجوه:
فأولا: من جهة نظم الكلام، لأن ما ذكره القرآن عنهم هو حكاية لقول قالوه فى زمن مضى، ولهذا جاء به النظم القرآنى بلفظ الماضي: «إِذْ أَقْسَمُوا» .. فهم قد أقسموا فى الماضي، أما ما أقسموا عليه، فهو قطع ثمار الحديقة صباح الغد، أي فى زمن مستقبل، وهو: «لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ» ..
أما قوله تعالى: «وَلا يَسْتَثْنُونَ» فهو من منطوقهم الذي نطقوا به، وهو من جملة ما أقسموا عليه.. فلو أن هذا القسم مطلقا، دون أن يقيدوه بالمشيئة- لو كان المعنى على هذا، لكان مقتضى النظم أن يجىء هكذا: «أقسموا ليصرمنّها مصبحين ولم يستثنوا» !! ولكن النظم القرآنى جاء كما يقول سبحانه: «أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها
стр. 6232
مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ»
.. فالاستثناء هنا معنى مرتبط بقوله تعالى:
«لَيَصْرِمُنَّها» كما تعلق به لفظ «مُصْبِحِينَ» وكلاهما حال من أصحاب الجنة..
بمعنى أنهم أقسموا ليصرمنّها كلها، غير تاركين شيئا من ثمرها، وذلك فى مطلع الصبح..
وثانيا: من جهة المعنى.. فإن فى حمل قوله تعالى: «وَلا يَسْتَثْنُونَ» على أنه استثناء مشيئة، بمعنى أنهم أطلقوا القسم من غير أن يقولوا إلا أن يشاء الله- فى هذا الحمل إفساد للمعنى، وخروج به عن الغاية المرادة من الاستثناء فى هذا المقام، لو أريد..
ذلك أن قرن القسم بالمشيئة، هو ضمان لتحققه، كما أن عدم الاستثناء قد يفوّت الأمر المقسم عليه.. وهذا يعنى أن القوم حين أقسموا ولم يستثنوا، لم يتحقق لهم ما أقسموا عليه، وهو جنى ثمار جنتهم، كما يعنى أنهم لو قرنوا القسم بالمشيئة، لتحقق لهم ما أقسموا عليه، ولكن الأمر على خلاف ذلك، فهم أقسموا، ولم يقرنوا القسم بالمشيئة- كما يقول المفسرون- ولم يتحقق لهم ما أقسموا عليه.. فكيف يتفق هذا مع ما يريد المفسرون تحقيقه بالمشيئة؟ فهل كان هذا عملا مبرورا منهم يراد له أن يتحقق، وذلك بأن يعزّز بمشيئة الله؟ ذلك إفساد للمعنى أىّ إفساد! ..
ثم أكان ربط القسم بالمشيئة يدفع عنهم ابتلاء الله لهم، وأخذهم بما مكروا؟ ..
وهل القسم على أمر منكر كهذا الأمر الذي أقسموا عليه يطلب له تزكية بالمشيئة، حتى يكون فى ذلك ضمان لتحققه؟ وهل من المحمود إذا أقسم الإنسان على فعل منكر أن يقدّم مشيئة الله بين يديه، فيقول مثلا: والله لأقتلن فلانا
стр. 6233
إن شاء الله؟ إن تقديم المشيئة المطلوبة من المؤمن، هو أن يكون مع الأعمال المبرورة، كأن يقول مثلا: والله لأحجّنّ هذا العام إن شاء الله، أو يقول من غير قسم- سأقوم غدا بزيارة فلان المريض.. إن شاء الله.. وهكذا فى كل أمر ليس فيه ما يكره أو ينكر.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» (٢٣- ٢٤: الكهف) .
أمّا إذا كان الأمر مكروها أو منكرا، فإن المطلوب هو عدم قرنه بالمشيئة، حتى يحرم صاحبه التوفيق فى إصابة هذا الأمر، وتحقيقه.. بل إن المرء لو أقسم على مكروه، أو منكر، كان عليه أن يتحلل من يمينه، وأن يكفّر عنها، كما يقول الرسول الكريم كما رواه مسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفّر عن يمينه، ثم ليفعل الذي هو خير» .
وعلى هذا، فإن قوله تعالى: «وَلا يَسْتَثْنُونَ» هو من جملة ما أقسم عليه المقسمون، أي أنهم أقسموا ليصرمن جنتهم مصبحين على ألا يدعوا شيئا من ثمرها مستثنى لوقت آخر.. وهذا ما يتفق والغاية التي قصدوا إليها من تدبيرهم الذي دبروه، وهو ألا يعطوا الفرصة للفقراء والمساكين فيما كان لهم طمع فيه، وتعلق به..
وقوله تعالى:
«فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ» الفاء هنا للتعقيب، وهى فاء الجزاء أيضا.. أي أنهم بعد أن دبروا هذا التدبير السيّء، وأكّدوه بالقسم، أوقع الله بهم العقاب الذي استحقوه بتدبيرهم السيّء هذا.. فطاف على جنتهم طائف من الله سبحانه، وهم نائمون، أي مرّ عليها نذير من نذر الله، وهم نائمون، يحلمون بلقاء جنتهم مصبحين، يقطفون كل ثمارها غير مبقبن على شىء، وإذا هى وقد عريت من كل ثمر!!
стр. 6234
وفى قوله تعالى من «فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ» - إشارة إلى أن هذا الطائف المرسل إليها من عند الله، قد وضع يده عليها شجرة شجرة، وثمرة ثمرة، فلم يبق مما مرت عليه يده من ثمارها شيئا..
والطائف: من يطوف ليلا، فلا يكاد يرى، ومنه الطيف، الذي يطرق النائم، من حبيب، أو صديق.
وقوله تعالى: «فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ» - أي أصبحت هذه الجنة بعد أن طاف عليها الطائف المسلط عليها من عند الله- أصبحت كالصريم، أي كالجنة الصريم، التي قطفت ثمارها.. أي أن هذا الطائف، قد سبق القوم إلى ما كانوا يريدون، فإذا هو قد جنى كل ثمرها، وكأنه بهذا قد تولى الأمر عنهم، وأراد أن يريحهم من هذا العناء الذي يكابدونه فى حصاد ثمرها، وأنه قد فعل هذا دون أن يراه فقير أو مسكين! أليس هذا هو الذي أرادوه؟ لقد تحقق لهم على أكمل وجه!! ولكن أين ذهب الثمر؟ إنهم لو وجدوه مقطوفا، حاضرا بين أيديهم، لعدّوا ذلك من فضل الله عليهم، وإحسانه إليهم.. فأين هو الثمر؟
ليس ببعيد أن يكون الآن بين أيدى الفقراء والمساكين، الذين أرادوا حرمانهم منه، وقد وصل إلى أيديهم على أية صورة من الصور.. فإنه ليس ببعيد- وقد بان لهم أن ما حدث لجنتهم كان عقوبة من الله لهم- ليس ببعيد بعد هذا أن تضاعف لهم العقوبة، فيحرموا مما أرادوا أن يحرموا منه غيرهم، ثم يساق هذا الذي حرموه إلى من أرادوا حرمانهم! ومن يدرى، فقد يكون هؤلاء المساكين قد سبقوهم إلى هذا التدبير، فدبروا لهم هذا التدبير، كما أرادوا هم بالمساكين!! وإنه غير بعيد أن تدور مثل هذه الخواطر فى رموس أصحاب الجنة فتزداد حسرتهم، ويتضاعف ألمهم.. «وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» (٣٠: الأنفال)
стр. 6235
قوله تعالى:
«فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ» .
أي نادى بعضهم بعضا، فى بكرة الصباح، أن أسرعوا إلى زرعكم، إن كنتم منفذين لما عقدتم العزم عليه بالأمس..
وقوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ» هذا من قول بعضهم لبعض، وفيه تحريض لأنفسهم على المبادرة والإسراع بتنفيذ ما اتفقوا عليه.. وكأن كلّا منهم يقول لصاحبه: هيا أسرع!! ماذا جرى؟ ألا تريد أن نمضى فيما عزمنا عليه؟
فلم هذا التباطؤ إذن؟
قوله تعالى:
«فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ» .
أي أنهم سرعان ما اجتمع أمرهم، فانطلقوا مسرعين، يتحدث بعضهم إلى بعض، فى صوت خفيض هامس، حتى لا يحسّ بهم أحد، ولا يستيقظ على خطوهم أو صوتهم من يشهد ما يفعلون، وهم يجنون ثمر جنتهم!.
وقوله تعالى: «أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ» هو بيان لما كانوا يتخافتون به، ويوصى به بعضهم بعضا، وهو ألا يدخل الجنة عليهم أحد فى يومهم هذا.. وهذا الحديث المتخافت بينهم، هو توكيد لما كانوا قد اتفقوا عليه من قبل.. وهو مفهوم من قوله تعالى: «إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ» .. فهذا القسم، يخفى وراءه أمرا يريدون توكيده بهذا القسم، وعقد العزم عليه. فإن مجرد رغبتهم فى جنى ثمار جنتهم لا يحتاج إلى قسم، إذ كان ذلك الأمر إليهم، يفعلونه كما يشاءون، وفى أي وقت يريدون..
أما القسم، فهو لغاية أكثر من مجرد قطف ثمار الجنة وحصاد زرعها..
ثم إن فى قوله تعالى: «مُصْبِحِينَ» - إشارة أخرى تشير إلى أن وراء
стр. 6236
هذا الأمر أمرا آخر، إذ نظر إليه على ضوء القسم الذي سبقه.. فإن التبكير بقطع الثمار وحصاد الزرع، وإن كان أمرا مألوفا، فإنه في صحبة القسم، يصبح ذا دلالة خاصة، غير تلك الدلالة العامة، وهو أنهم يريدون بهذا التبكير، المبادرة إلى إنجاز الأمر قبل أن يفضحهم النهار، وتأخذهم أعين الفقراء والمساكين.
قوله تعالى:
«وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ» ..
أي أنهم أحكموا أمرهم، وأخذوا طريقهم إلى تنفيذه، واجتمعت بين أيديهم الوسائل الممكّنة لهم منه.
فهاهم أولاء قد استيقظوا مبكّرين، وما زال الناس نياما، وهاهم أولاء قد أوشكوا أن يبلغوا جنتهم دون أن يتنبه إليهم أحد، أو يتبعهم مسكين..
والحرد: القصد، والوجهة التي يأخذها الإنسان لغايته.. ومنه قول الشاعر.
سيل جاء من عند الله ... يحرد حرد الجنة المغلة
والمعنى أنهم، وقد أخذوا طريقهم إلى جنتهم، خيل إليهم أنهم قادرون على القصد الذي قصدوا إليه، وإنجاز الأمر الذي دبروه، دون أن يحول بينهم وبينه حائل.. وما دروا أن يد الله قد سبقتهم إليه، وأنه قد حيل بينهم وبين ما يشتهون..
قوله تعالى:
«فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» أي أنهم حين انتهى بهم الطريق إلى حيث كانت جنتهم، طلع عليهم هناك منها ما جعلهم ينكرونها، وينكرون أنفسهم حيالها.. إنها ليست جنتهم!!
стр. 6237
وإلا فأين ثمارها اليانعة، وزروعها الناضجة؟ كلا إنهم ضلوا الطريق إليها، وهم يركبون بقية من ظلام الليل نحوها!! وإذن فأين الطريق إلى الجنة؟ وهنا يكثر تلفت القوم، ويطول وقوفهم، ثم تستبين لهم الحقيقة، وأنهم لم يضلوا الطريق إلى جنتهم.. إنهم يقفون إزاءها، كما يقف المسافرون على رسوم الديار، وأطلال المنازل..
وقوله تعالى: «بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» هو إضراب على قولهم: «إِنَّا لَضَالُّونَ» ..
فهم- وقد عرفوا الحقيقة- ليسوا ضالين عن الطريق إلى جنتهم.. إنها هى، هى، وإن تبدلت أحوالها، وتغيرت معالمها، وذهب كل خير كان فيها..
فهم ليسوا ضالين عنها إذن، وإنما هم محرومون من ثمرها، الذي لا يدرون إلى أين ذهب! قوله تعالى «قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ؟ لَوْلا تُسَبِّحُونَ» وهنا يأخذ القوم فى مراجعة أمرهم على ضوء هذه الحقيقة التي تكشفت لهم، ويكثر بينهم الأخذ والردّ.. ويمسك القرآن من حديثهم باللّباب منه، ضاربا صفحا عما لا غناء فيه، في هذا الموقف..
ومما رآه القرآن مستحقّا للذكر من أحاديثهم، هو قول أوسطهم، وهو أقربهم إلى الخير والحق.. ففى كل جماعة- أيّا كانوا من الضلال والسفه- بعض النفوس التي لا تخلو من خير، وبعض العقول التي لا تحرم الرؤية السليمة للأمور، فى وسط هذا الضلال المنعقد حولها..
ففى بيئة فرعون- على ما كان بها من إغراق في الضلال- كانت امرأة فرعون، وكان مؤمن آل فرعون، وقد جعل القرآن لهما ذكرا طيبا في المذكورين من
стр. 6238
عباد الله المكرمين.. والوسط من كل شىء خياره، وأعدله، ولبابه، ومنه قوله تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» (١٤٣: البقرة) وفى الأثر: «خير الأمور أوساطها» .. وقد وصف الله سبحانه الشجرة المباركة الزيتونة بأخذها مكانا وسطا بين الشرق والغرب، فقال تعالى: «يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ» (٣٥: النور) .. ووسط القوم أدناهم إلى الحق والخير..
وفى هذه الجماعة من أصحاب الجنة، كان فيهم من لم يرض فى قرارة وجدانه عن هذا التدبير السيئ الذي دبره أصحابه، وربما كان له موقف معارض لما أرادوا.. ولكن أصحابه غلبوه على أمره، لأن إيمانه بما كان يدعوهم إليه لم يكن متمكنا من قلبه ولو أن هذا الإيمان كان قويّا متمكنا، لما تحول عنه، ولكان بالحق الذي معه، قادرا على أن يقهر الباطل الذي معهم.. ولهذا أخذه الله بما أخذ به أصحابه، من ابتلاء..
لقد كان فى كيانه شرارة من خير، ولكنه لم يقدح هذه الشرارة بعزيمة صادقة، وإرادة عاقلة، فانطفأت جذوتها، وأصبحت رمادا لا يرجى منه خير..
وهكذا كل من يجد فى نفسه نازعة من نوازع الخير ثم يغفل عنها، إنها تموت كما تموت النبتة البازعة على وجه الأرض، إن لم تجد من يرعاها، ويسقيها..
وفى قوله تعالى: «قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ؟» - بيان لموقف هذا الإنسان المقتصد فى عدوانه، وأنه هنا يذكّر أصحابه بموقفه الذي كان منه معهم..
«أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ؟» أي ألم أقل لكم، قولا لو أخذتم به لما حدث لنا هذا الذي حدث؟. وقد حذف مقول القول، لدلالة الحال عليه.. وهذا أولى عندنا من أن يكون مقول القول هو قوله: «لَوْلا تُسَبِّحُونَ» كما يذهب إلى ذلك أكثر المفسرين..
стр. 6239
وأما قوله تعالى: «لَوْلا تُسَبِّحُونَ» .. فهو كلام مستأنف، يعقّب به على قوله: «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ؟» .. وفى هذا التعقيب، يدعوهم دعوة جديدة، يواجهون بها هذه الحال التي هم فيها، وهى أنهم وقد أخطئوا حين لم يأخذوا برأيه أولا، فإن هذا لا يمنعهم من أن يرجعوا الآن إلى الله، ويستغفروا لذنبهم بعد أن رأوا ما أخذهم الله به.
فقوله تعالى: «لَوْلا تُسَبِّحُونَ» - هو من مقول أوسطهم، وهو تحضيض لهم على الإنابة إلى الله، واستغفاره على ما كان منهم.. أي هلا تسبحون الله؟ .. أي بادروا بذكر الله، فهذا الذكر هو عزاؤنا فى هذا المصاب الذي بين أيدينا.. ويكون النظم على هذا هكذا: ألم أقل لكم، ما علمتم ولم تأخذوا به؟ وهأنذا أقول لكم الآن قولا أرجو أن تأخذوا به: ألا تسبحون الله، وتستغفرون لذنبكم؟
قوله تعالى:
«قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» .
هو استجابة من الجماعة لما دعاهم إليه أوسطهم، من تسبيح الله، فقالوا سبحان ربنا.. إنا كنا ظالمين..
لقد اعترفوا بذنبهم، واستغفروا ربّهم.. وهم بين يدى رحمته.. إن شاء- سبحانه- رحمهم، وقبل توبتهم.. والله يقول:
«وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» . (١٩٩: البقرة) قوله تعالى:
«فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ» ..
أي أنه كان منهم وهم على بساط التوبة والندم- كان منهم حديث يلوم
стр. 6240
فيه كلّ منهم نفسه، كما يلوم أصحابه.. فإن الجريمة مشتركة بيتهم جميعا، ولكل منهم نصيبه منها.
قوله تعالى:
«قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ» ..
هذا ما انتهى إليه تلاومهم، ومراجعتهم لما كان منهم.. فلقد استبان لهم أنهم كانوا معتدين حقّا، قد ركبوا طريق الطغيان، والاعتداء على حقوق المساكين فيما خوّلهم الله سبحانه من نعم.. وهذا الاعتراف بالذنب، هو الطريق الصحيح إلى التوبة، إن صدقته النية، وانعقد عليه العزم..
قوله تعالى:
«عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ» - هو من مقول القوم فى رجوعهم إلى الله سبحانه، بعد أن اعترفوا بذنبهم، وطلبوا المغفرة من ربهم، فكان هذا مدخلا لهم إلى أن يطمعوا فى فضل الله، وأن يرغبوا إليه فى أن يبدّلهم خيرا من جنتهم تلك التي ذهبت..
قوله تعالى:
«كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» ..
أي بمثل هذا العذاب الدنيوي نوقع عذابنا بأهل الضلال.. فهو عذاب قد ينالهم فى أموالهم، أو أنفسهم.. ولكنه ليس كلّ العذاب.. بل هناك عذاب أقوى وأشد وأكبر.. هو عذاب الآخرة..
وهذه التفرقة بين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، لا يعرفها إلا أهل العلم
стр. 6241
الذين يؤمنون بالله، وباليوم الآخر، وما فيه من أهوال، وما أعد فيه للظالمين، والمجرمين، من عذاب عظيم..
والسؤال هنا:
ما وجه الشبه بين هذا البلاء الذي ابتلى به أصحاب الجنة، وما ابتلى الله المشركين به؟.
الذي ينظر فى الآيات التي عرضت لقصة اصحاب الجنة، يرى أنها تمثل تمثيلا دقيقا صادقا موقف المشركين من رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- ومن الخير الذي يبسط به يده الكريمة إليهم، وأنهم كانوا بين يدى هذا الخير، بين مغالين ومقتصدين فى التدبير السيئ له، وأن المغالين منهم قد غلبوا على المقتصدين، فكانوا جميعا فى هذا الموقف المنحرف من الخير الذي يدعون إليه، والذي يريدون حرمان الفقراء والمستضعفين من الاتصال به، والإفادة منه.. وهكذا تجرى أحداث قصة أصحاب الجنة خطوة خطوة، مع مسيرة المشركين، وموقفهم من تلك الجنة السماوية التي بين أيديهم..
لقد ضلوا عنها أول الأمر، وحرموا زمنا من ثمرها الطيب المبارك، ثم رجعوا إلى الله نادمين مستغفرين، بعد أن مسّهم بعض العذاب فى الدنيا، بما أصيبوا به فى بدر وغيرها، وبمن مات منهم على شركه وكفره، فعاد الله عليهم بالتوبة والمغفرة.
الآيات: (٣٤- ٤٧) [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٣٤ الى ٤٧]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨)
أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣)
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)
стр. 6242
» التفسير:
قوله تعالى:
«إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ» .
هو فى مقابل التهديد، الذي هدد به المشركون، الذي ابتلاهم الله سبحانه، كما ابتلى أصحاب الجنة، بما أخذهم به من عذاب قبل يوم الفتح، ثم إن وراء هذا عذابا شديدا فى الآخرة، لمن لم يعدل عن طريق الضلال، ويأخذ طريق الحق، والهدى، ويلتقى مع ربه على توبة وإيمان..
فالآخرة ليست دار عذاب وحسب، وإنما هى دار نعيم كذلك..
فهى دار عذاب للكافرين وأشياع الكافرين، وهى دار نعيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ» (٢٠: الحديد) ..
стр. 6243
قوله تعالى:
«أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ» ؟
هو استفهام يراد به النفي.. أي أننا لا نجعل المسلمين كالمجرمين، فلا نسوّى بين هؤلاء وأولئك فى الجزاء.. فإذا كانت النار هى مثوى المجرمين، فإن الجنة هى دار المسلمين..
وفى التعبير عن المسلمين بدلا من المتقين، الذين جاء هذا الاستفهام تقريرا وتوكيدا لما وعدوا به فى قوله تعالى: «إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ» - فى هذا التعبير إشارة إلى أن ذلك كان فى أول الدعوة الإسلامية، إذ الدعوة فى أساسها دعوة إلى الإسلام، والذين استجابوا لها كانوا يسمون المسلمين..
فكلمة الإسلام حينئذ كانت الكلمة الجامعة للإسلام، والإيمان، والتقوى، جميعا، إذ لم يدخل فى الإسلام إلا من أشرق قلبه بنور الحق واليقين، فلم يكن إسلام من أسلم فى أول الدعوة، عن رهبة، أو طمع فى شىء من متاع الدنيا..
إن كل مسلم استجاب لدعوة الإسلام فى هذا الدور من الدعوة الإسلامية، كان مسلما، وكان مؤمنا، وكان تقيّا، أي آخذا الإسلام كلّه، ظاهرا، وباطنا، إذ كان الذين استجابوا للإسلام، إنما استجابوا عن فطرة سليمة، ونفس مطهرة من رجس الجاهلين، وقلوب متفتحة للحق، متشوفة إلى الهدى، وحيث وطنوا أنفسهم على احتمال البلاء، وتلقى ضربات المشركين، بثبات ويقين..
فلم يكن- والأمر كذلك- شىء يدخل على إسلامهم من نفاق أو طمع فى جاه أو مال.. بل هى التضحية والفداء، فى سبيل الحق الذي آمنوا به..
стр. 6244
فالمسلمون هنا فى قوله تعالى: «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ» يحققون بإسلامهم معنى التقوى فى أصدق مقاماتها، وأعلى منازلها.. وحسبهم أن يكونوا مسلمين ليضفى عليهم هذا الاسم صفة المؤمنين المتقين..
ومن جهة أخرى، فإن كلمة «المسلمين» فيها معنى السلام، والسلامة، وخلوّ الإنسان مما يؤاخذ عليه..
فإذا وقعت المقابلة بين المسلمين والمجرمين، وطلب إلى المشركين أن يجيبوا على هذا السؤال: أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟ لم يكن لهم أن يشغبوا، وأن يجدوا مهربا من الجواب الذي يقهرهم الواقع على النطق به.. فإنهم لو قالوا: نعم، نسوى بين المسلمين والمجرمين، فإن المسلمين الذين استجابوا لمحمد، هم فى نظرنا مجرمون- إنهم لو قالوا هذا لوجدوا من يسفّه رأيهم.. لأنهم حكموا فى قضية غير القضية التي دعوا إلى قولهم فيها.. إن القضية ليست بين الإسلام والشرك، وإنما هى بين أهل السلام، وبين المجرمين.. فهل يسوّى بين البريء والمجرم؟
ولهذا جاء قوله تعالى: «ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» منكرا عليهم أن يقولوا بهذه التسوية بين المسلمين والمجرمين.
ولو أنه لم يكن لكلمة المسلمين، هنا، منصرف إلى معنى آخر غير معناها الديني الذي هو علم على أتباع محمد- لو أن ذلك كان كذلك، لما كان هناك وجه للاعتراض على المشركين فى تسويتهم بين المسلمين والمجرمين، لأن ذلك- على ما فيه من ضلال وسفه- هو رأى المشركين فى المسلمين.
وعلى هذا فلا يكون لقوله تعالى: «ما لَكُمْ؟ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟» متوجه إليهم، لأنهم حكموا بما يعتقدون.. فلا يطلب منهم- والأمر كذلك- أن يقولوا غير ما قالوه- وإن كان ضلالا، وزيفا!!
стр. 6245
أمّا لو كان لكلمة المسلمين، مصرف إلى معنى آخر غير معناها الديني، كالسلامة، والبراءة، ونحوها- فإن التسوية بين البريء والمجرم لا يقول بها أحد، ولو قال بذلك لتوجه إليه اللوم، والإنكار، والتسفيه.. وهذا ما يتحقق بكلمة «المسلمين» التي تشير إلى أناس بأعيانهم، هم أصحاب محمد، ثم إلى صفة بارزة في هؤلاء الأصحاب، وهى أنهم أهل سلام، لم يعتدوا على أحد، ولم يعترضوا طريق أحد، بل إنهم هم الذين كانوا يتعرضون للأذى والضرّ من هؤلاء المجرمين، الذين يلقونهم بالمساءة ابتداء من غير سبب! وأما التعبير عن «المجرمين» بدلا من المشركين، الذين يواجهون بهذا الحديث، فهو وصف يلبسهم مع الشرك، لباس المجرمين، الذين يساقون إلى المحاكمة، متلبسين بجرمهم.
فقد يكون المشرك، ولا سلطان لأحد عليه، يأخذه بشركه، ويعاقبه عليه، ولكنّ هؤلاء المشركين، هم واقعون تحت سلطان قاهر، لا يفلتون من عقابه الذي حق عليهم بعد أن بلّغهم الرسول رسالة ربه.. فهم قبل بعثة الرسول إليهم، كانوا مشركين، واقعين تحت قوله تعالى: «وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (١٥: الإسراء) .. أما الآن، وقد جاءهم الرسول، وبلّغهم ما أرسل به إليهم، ولم يقبلوا منه ما دعاهم إليه من الإيمان بالله وحده- أما الآن، فهم مشركون، مجرمون، يساقون إلى الحساب، والجزاء.. وإنه لا جزاء للمشركين المجرمين إلا النّار..
قوله تعالى:
«ما لَكُمْ؟ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟» هو تعقيب على قوله تعالى: «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ» .. وفى هذا نخس المشركين، وإيقاظ لهم من غفلتهم، وكشف لهم عن ضلالهم..
стр. 6246
إذ كيف يسوّى بين المسلمين والمجرمين؟ بين أهل السلامة والاستقامة، وبين أصحاب الآثام، وأرباب الجرائم..؟ إن هذا لا يقول به عاقل، ولا يقبله منطق العقلاء! قوله تعالى:
«أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ» هو إضراب على إجابتهم الباطلة، التي أجابوا بها فيما بينهم وبين أنفسهم، على ما سئلوا عنه فى قوله تعالى: «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ؟» والتي أنكرت عليهم، وسفهت أحلامهم من أجلها.. فإذا كان لهم ما يدفعون به عن أحلامهم تلك السفاهة، وأن يضيفوا ما أجابوا به إلى كتاب درسوه وتلقوا عنه هذا الجواب، فليأتوا بهذا الكتاب، إن كانوا صادقين، وليأخذوا من هذا الكتاب ما يختارون، مما يقيم لهم حجة على ما يقولون، فإن أي قول يقولونه من هذا الكتاب سيقبل منهم أيّا كان منطقه، وأيّا كان موقعه من الحق.. إنهم أميّيّون، لا كتاب معهم، وإتيانهم بكتاب أمر غير ممكن لهم.
وفى هذا تحدّ للمشركين، ونفى قاطع أن يكون لهم كتاب.. إنهم لم يكونوا أبدا أهل كتاب، ولو أنهم أرادوا أن يكونوا أصحاب كتاب لما كان لهم غير هذا الكتاب الذي يتلوه عليهم رسول الله..
فقوله تعالى: «إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ» هو احتكام إلى هذا الكتاب، وهو القرآن الكريم، وإلى مقولاته، وهو كتاب لا وجود له بين أيدى المشركين الذين أبوا أن يقبلوه، وأن يضيفوا أنفسهم إليه.
قوله تعالى:
«أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ؟ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ» ..
стр. 6247
وإذا لم يكن ثمة كتاب بين أيدى المشركين، يحتكمون إليه، ويأخذون مقولاتهم منه.. فهل لهم على مقولاتهم تلك، عهد موثّق بالحلف عليه مع الله ، لا ينقطع إلى يوم القيامة؟ إن يكن هذا، فإن لهم ما يحكمون، دون أن يردّ حكمهم! والحقّ أنه لا عهد لهم من الله! وإذا لم يكن بينهم وبين الله عهد، وإذا لم يكن فى أيديهم كتاب، فلم يبق إذن معهم إلا عقولهم تلك التي غشيها الضلال، واستبد بها السفه، والتي خرجت منها تلك المقولات الفاسدة، وهذه الأحكام الباطلة، التي يؤخذون بها، ويحاسبون عليها، دون أن يكون لهم شفيع من كتاب درسوه، أو عهد مع الله وثقوه..
قوله تعالى:
«سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ» .
هو أمر للنبى الكريم أن يلقى المشركين بهذا السؤال، وهو أن يخرجوا من بينهم الزعيم الذي يتولى عنهم القول بأن لهم كتابا، أو أن لهم مع الله عهدا، ثم يكون هذا الزعيم ضامنا وكفيلا بتقديم الحجة على هذا أو ذاك، ساعة الحساب، ويوم الجزاء! فأين منهم من يتولّى هذا الأمر عنهم، ويحمل مسئوليته دونهم؟
قوله تعالى:
«أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ؟ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ» ..
وإذا لم يكن للمشركين شىء من هذا كله، فلا كتاب معهم، ولا عهد من الله لهم، ولا زعيم منهم يزعم أن لهم شيئا من هذا- فهل لهم شركاء
стр. 6248
مع الله، قد اتخذوهم من دون الله، يدفعون عنهم عذاب يوم القيامة، الذي ساقتهم إليه عقولهم الضالة؟ فإن يكن لهم شركاء ينصرونهم من دون الله، فليأتوا بهؤلاء الشركاء إن كانوا صادقين.. وقد أخذ القرآن الكريم فى هذا كل مسلك يمكن أن يسلكه المشركون للإفلات من تلك الجريمة، جريمة الشرك والكفر، وسدّ عليهم منافذ الخلاص من بين يديه منها، ومن العقاب الراصد لهم عليها.. لقد سقطت من أيديهم كل حجة تسند ضلالهم وكفرهم.
وقوله تعالى:
«يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ» .
هو جواب على سؤال من المشركين يواجهون به هذا التهديد الذي سيق إليهم من قوله تعالى: «أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ» .
وكأنهم إذ يسمعون هذا التهديد المتحدّى يقولون: «متى تأتى بهؤلاء الشركاء» ؟
إنهم حاضرون معنا.. إنهم آلهتنا تلك التي نعبدها.. فيجيئهم الجواب: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ» ..
وقوله تعالى: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ» هو كناية عن يوم القيامة، وما فيه من شدائد وأهوال.. فإن العادة قد جرت أنه حين يشتد الأمر يشمّر الإنسان عن ساقه، حتى لا تعوقه ملابسه عن الحركة، والجري، فى مواجهة الشدائد، أو الفرار منها.. وفى هذا يقول الشاعر:
قد شمّرت عن ساقها فشدّوا ... وجدّت الحرب بكم فجدوا
وقوله تعالى: «وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ» أي فى هذا اليوم يوم القيامة «يدعى المشركون إلى السجود» أي تدعوهم داعية حالهم إلى أن يستجيبوا لله، وأن يؤمنوا به، ليلحقوا بالمؤمنين، ويخلصوا من عذاب النار
стр. 6249
التي يساقون إليها، ولكن لا يستطيعون ذلك، أي لا يمكّنون من هذا، ولا يفعلونه، لأن الآخرة دار جزاء وحساب، وليست دار عمل وكسب..
لقد مضى زمن السجود، فلا سبيل لهم إليه..
قوله تعالى:
«خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ» ..
هو بيان لحال المشركين يومئذ، حين حاولوا السجود لله، وتدارك ما فاتهم، فلم يفلحوا، وقد لبستهم حال من الغم، والكمد، فخشعت لذلك أبصارهم ذلة وانكسارا..
وقوله تعالى: «وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ» .. هو جواب لسؤال مقدر، وهو: ما ذنب هؤلاء المشركين إذا دعوا إلى السجود ولم يستطيعوا؟ وهل يكلّف الإنسان ما لا يستطيع؟ وهل يحاسب على ما يجاوز استطاعته؟ فكان الجواب: إنهم لم يحاسبوا على عجزهم عن السجود يوم القيامة، لأنّهم فى حال لا يمكّنون فيها من هذا السجود، وإنما هم يحاسبون على امتناعهم عن السجود، حين دعوا إليه وهم سالمون، أي وهم فى الدنيا، حيث تصحّ العبادة، وتقبل الأعمال.. فالمراد بالسلامة هنا، هو سلامة الوقت الذي تصحّ فيه الأعمال، وتقع موقع القبول.
قوله تعالى:
«فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ» ذرنى، أي دعنى، واتركني.
وهذا الفعل من الله سبحانه، هو تهديد مزلزل لهؤلاء المشركين، الذين يكذبون بآيات الله، ولا ينتفعون بوعد أو وعيد منها..
стр. 6250
إنها حرب يعلنها الله على المكذبين بآيات الله، وحسب المكذبين بآيات الله، ضياعا وهلاكا أن يحاربهم الله..
والواو فى قوله تعالى: «وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ» - واو المعيّة، أي بمعنى مع..
وقوله تعالى: «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ» أي سنسوقهم إلى الهلاك رويدا رويدا، وندفع بهم إلى جهنم خطوة خطوة، دون أن يشعروا أنهم سائرون إلى هذا البلاء العظيم، بل إنهم ليحسبون أنهم على هدى، وأنهم على موعد مع الخير العظيم الذي يلوح لهم من وراء هذا السراب الخادع الذي يتراءى لهم، فإذا انتهى بهم المطاف إلى غايته، وتكشف لهم أنهم كانوا مخدوعين بهذا السراب، تضاعفت حسرتهم، وعظمت مصيبتهم.
وفى قوله تعالى: «فذرنى» - مع أن الله لا يحجزه أحد عما يريد- إشارة إلى إطلاق يد الله فيهم بالعذاب والنكال، فهو مثل قوله تعالى:
«سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ» .. والمراد بالحديث هنا فى قوله تعالى: «فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ» - هو القرآن الكريم، وما يسوق إلى المشركين من نذر بالبلاء والعذاب.
والاستدراج: هو فتح منافذ الإغراء إلى الشيء. واستدراج الله لأهل الضلال، هو أن يخلى الله بينهم وبين أنفسهم، وما زينت لهم من أباطيل، فينتقلون من ضلال إلى ضلال، خطوة خطوة، حتى يقعوا فى الهاوية..
قوله تعالى:
«وَأُمْلِي لَهُمْ.. إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» .
أي ومن هذا الاستدراج الذي يستدرج به الله سبحانه، المشركين، أنه
стр. 6251
يمهلهم، ويملى لهم، فلا يعجّل لهم العذاب فى الدنيا، حتى تمتلىء كأسهم من الآثام والمنكرات..
وقوله تعالى: «إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» أي إن تدبيرى محكم، فإذا أمليت لظالم فإنما أملى له، لأضاعف له العذاب، لمضاعفته هو المنكرات والسيئات، حين امتدّ عمره، وكثر المال فى يده، ليحارب به الله، ويسلك به كل سبيل من سبل الفساد والضلال.
قوله تعالى:
«أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ» .
هو مواجهة للمشركين بهذا السؤال التهكمى، بعد أن ووجهوا بالوعيد والتهديد فى قوله تعالى: «فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» .. إذ ماذا يحجزهم عن الاستجابة لهذا الخير المدعوّين إليه؟ وما لهم لا يمدون أيديهم إليه؟ أأنت أيها النبي تطلب إليهم ثمنا لهذا الخير الذي تقدمه لهم، حتى إن هذا الثمن يثقلهم، ويحول بينهم وبين الوصول إلى هذا الخير؟ إن أحدا لم يطلب منهم شيئا فى مقابل هذا الرزق الكريم المبسوط للناس جميعا.. ولكن هى نفوسهم الخبيثة التي عافت هذا الطعام السماوي، ووقفت إزاءه نافرة منه، وهو يقدّم إليها بلا ثمن..
قوله تعالى:
«أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ» .. أي أم عندهم علم الغيب، فهم يستملون منه أنباء المستقبل، ويرون على ضوئه ما ينتظرهم على طريق الحياة؟
إنهم لا يلتفتون إلى هذا النور الذي بين يدى النبىّ، الذي لا يسألهم أجرا عليه. فهل معهم نور يهتدون به؟ وهل عندهم علم من الغيب يكشف لهم معالم الطريق الذي هم سائرون فيه؟ إنهم يسيرون فى ثقة واطمئنان، ولا يدرون
стр. 6252
أنهم محجوبون عن رؤية المصير المشئوم الذي هم صائرون إليه.. إنهم أشبه بالماشية التي تجترّ فى هدوء واطمئنان، وهى في طريقها إلى المذبح!
الآيات: (٤٨- ٥٢) [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٤٨ الى ٥٢]
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)
[النبي.. وصاحب الحوت] التفسير:
قوله تعالى:
«فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ» بهذه الآية، والآيات التي بعدها تختم سورة «القلم» التي كانت معرضا لضلال المشركين، وسفههم، وتطاولهم على رسول الله، كما كانت معرضا للدفاع عن القرآن الكريم، وعن الرسول، وتتويجه بهذا التاج الرباني الذي زينه به الله ، بثنائه عليه، فى قوله سبحانه: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» .. ثم تتابعت آيات السورة، تتوعد المشركين، وتهددهم بالعذاب الأليم فى الدنيا والآخرة، إذا هم لم يستجيبوا للرسول، ولم يتلقوا ما تمتد به إليهم يده، من رزق الله الذي لا يسألهم عليه أجرا..
ثم يجىء هذا الختام الذي يتلّقى فيه النبي من ربه سبحانه دعوة إلى الصبر على
стр. 6253
ما يلقى من سفاهة السفهاء، وحماقة المحمقين من قومه.. فهذا هو حكم الله، الذي يدعوه إلى امتثاله: إنه الصبر، ولا شىء غير الصّبر..
وقوله تعالى: «وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ» - هو شدّ من عزم النبىّ على الصبر، وتوكيد لالتزامه، والتمسك به، وألا يزايل موقفه الذي هو فيه، كما فعل صاحب الحوت- وهو يونس ﵇ حين أخلى مكانه بين قومه، وتركهم مغاضبا لهم، بعد أن دعاهم إلى الله، وتوقفوا عن إجابة دعوته.. ولو أنه صبر على عنادهم، وعاود نصحهم يوما بعد يوم، لاستجابوا له، فقد كان فيهم- مع هذا العناد- بقيّة من خير، يمكن أن تكون شرارة يتوهج منها نور الإيمان، لو وجدت من ينفخ فيها برفق، وأناة، ويتلطف فى الإمساك بها من غير تعجل.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى عن موقف يونس ﵇: «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» (٨٧: الأنبياء) .. فيونس ﵇ هو الذي ذهب مغاضبا لقومه، أي محدثا الغضب من قبل أن تجتمع لديه أسبابه القويّة الداعية إليه..
وقوله تعالى: «إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ» بيان لحال يونس ﵇، وهو فى بطن الحوت، ثم بيان لحاله، وهو ينادى فى جوف الحوت..
فالله ينهى النبي- صلوات الله وسلامه عليه- عن أن يكون فى موقف كموقف يونس- ﵇ حين نادى ربه فى حال هو فيها مكظوم، أي مغيظ، محنق، محتنق من الغيظ، والضيق..
والكظم: مخرج النفس من الصدر، وكظم فلان: أي حبس نفسه..
وكظم الغيظ: حبسه، ومنه قوله تعالى: «وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ» .
стр. 6254
ومن هنا يتبين أن المكظوم، «غير الكاظم.. فالكاظم، هو الذي غلب غيظه وقهره، وأما المكظوم، فهو الذي ملكه الغيظ، وقهره، وغلبه على أمره..
وعلى هذا، فإن الذي يحذّر النبي منه، هو ألا يغلبه الغيظ، كما غلب يونس ﵇، بل المطلوب منه، هو أن يكظم غيظه، وأن يقهره، وألا يجعل لهذا الغيظ سلطانا عليه، يحمله على مفارقة قومه، وإخلاء مكانه فيهم، كما فعل يونس..
وفى هذا يقول الحق ﵎: «وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ.. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (١٣٤: آل عمران) فقوله تعالى: «وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ» أي لا تكن كيونس إذ نادى ربه، وقد غلبه الغيظ، وحمله على أن يترك قومه، وينزل فى هذا المكان الضيق، وهو بطن الحوت.
فالذى يحذّر منه النبي، ليس هو مناداة ربه، وإنما مناداته فى حال يكون قد غلبه فيها غيظه.. فإن دعاء الله، واللّجأ إليه- وإن كان محمودا على كل حال وفى كل حال- إنما يكون فى أحمد أحواله، وأعلى مقاماته، حين يكون صاحبه متجملا بالصبر على ما أصابه، ممسكا بزمام نفسه، ثقة بالله، واطمئنانا إليه، في أشد الأهوال، وأعظم المحن، فلا يضيق بمحنة، ولا يكظم بشدة، لأنه مسلم أمره إلى لله، لا جىء إلى حمى سلطانه..
قوله تعالى:
«لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» أي أن يونس- ﵇ لولا أن أدركته نعمة
стр. 6255
ربه، وإحسانه إليه «لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ» أي لخرج من بطن الحوت وهو مذموم ملوم من ربّه.. ولكن الله ، استجاب له، حين دعاه من بطن الحوت.. ثم اختاره ربّه من بعد أن خرج من بطن الحوت، فخلع عليه لباس النبوة، الذي عرّى منه أو كاد، حين فارق قومه..
فخروج يونس من بطن الحوت، هو رحمة من رحمة الله به، وإعادته إلى وضعه الأول فى مقام النبوة، هو نعمة مجددة أنعم الله بها عليه، إذ جعله بها من الصالحين، الذين سلموا من الذم، ونجوا من الملامة والعيب.. إنه بعث جديد له.
ففى قوله تعالى: «فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» - إشارة إلى حال جديدة، أعقبت الحال التي خرج عليها يونس من بطن الحوت، فهو- ﵇ خرج كما يخرج السجين من سجنه، يحمل معه آثار الذنب الذي كان منه.. ولكن الله سبحانه تدارك عبده، فأزال عنه هذا الأثر، وخلع عليه خلعة النبوة التي كانت تنتظره، على باب السجن الذي خرج منه، وبهذا ردّ إليه اعتباره، بعد هذا البلاء العظيم..
والسؤال هنا: ماذا كان من النبي- ﵊ من موقف مشابه لموقف يونس- ﵇ حتى ينبّه إلى الحذر من أن يأخذ الطريق الذي أخذه صاحب الحوت؟
نقول- والله أعلم-: كان النبي صلوات الله وسلامه عليه- قد بلغ به الحال بينه وبين قومه، ماملأ صدره ضيقا بهم، وحيرة فى أمرهم، بعد أن لقيهم بكل طريق، وجاءهم بكل حجة، فلم يكن منهم إلا السفاعة، والتطاول، والإمعان فى المجافاة له، والأذى لأصحابه الذين آمنوا به، وإن الموقف ليبلغ غايته من التأزم والضيق، حين يخرج النبي- صلوات الله وسلامه عليه-
стр. 6256
إلى «ثقيف» بالطائب، ويعرض عليهم دين الله، ويبلّغهم ما أرسل به إلى الناس، ثم لا يلقى منهم إلا استهزاء وسخرية، وإلا تطاولا بالألسنة، ورجما بالأحجار، فيتركهم وقد أيئسوه من أن يجد لدعوته أذنا تسمع، أو عقلا يعى وهنا تنزل تلك الآيات على الرسول الكريم، داعية إياه إلى الصبر، محذرة إياه من أن يأخذ موقفا كموقف أخ له من أنبياء الله قبله، هو يونس ﵇..
وهذا على أن هذه الآيات مكية، فى سورتها المكية..
أما على الرأى الذي يقول إنها آيات مدنية فى السورة المكية، فإنه يجعل نزول هذه الآيات فى أعقاب غزوة أحد، بعد أن أصاب المشركون ما أصابوا من صحابة رسول الله، ومنهم عمه حمزة. رضى الله عنه، وبعد أن أصيب رسول الله ﷺ ، من سهام المشركين حتى شجّ رأسه، وكسرت رباعيته وسال دمه.
وعلى أىّ، فإن نزول هذه الآيات، كان فى حال اشتد فيها ضيق النبي، وكاد يقع اليأس فى قلبه من إيمان هؤلاء المشركين، الذين ركبوا رءوسهم، وأسلموا للشيطان قيادهم..
هذا، وفى تلك الآيات إشارة إلى أن عاقبة هؤلاء المشركين، هى الإيمان بالله، والاستجابة للرسول، كما آمن قوم يونس، بعد أن عاد إليهم، وجدّد دعوتهم إلى الإيمان بالله.. كما يقول سبحانه: «فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ» (٩٨: يونس) - وفى هذا إشارة من أنباء الغيب إلى مستقبل هذه القرية، وهى مكة، وأن أهلها سيؤمنون، كما آمن قوم يونس.
стр. 6257
فهؤلاء المشركون الذين يقفون هذا الموقف العنادىّ الضالّ من رسول الله، سوف يدخلون فى دين الله، وسوف يرى فيهم النبىّ القوم المؤمنين الذين تقوم بأيديهم دولة الإسلام.. وغاية ما هناك أن يصبر النبىّ، وأن يحتمل هذا الموقف المتأزم بينه وبين قومه، فإن الضيق إلى فرج، وإن العسر إلى يسر.
وهكذا كانت الآية من البشريات المسعدة، التي بشّر بها النبىّ فى قومه، الذين كان شديد الحرص على هدايتهم ونجاتهم من الهلاك الذي يتدافعون إليه..
وفى قوله تعالى:
«وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ» .
هو حال من فاعل الفعل فى قوله تعالى: «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ» ..
والفاعل هو ضمير يعود إلى النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه، المتلقّى لخطاب ربّه.. أي فاصبر لحكم ربك، وإن كان قومك يرمونك بنظراتهم القاتلة.
فالله ، إذ يدعو النبىّ إلى الصبر على المكاره التي يحملها من قومه، يدعوه إلى هذا فى حال بلغت فيه عداوة قومه غايتها، حتى إنهم ليكادون يزلقونه أي يسقطونه فزعا من نظراتهم المصوّبة إليه بسهام الحنق والغيظ والانتقام.. فهم حين يستمعون إلى الذكر- وهو القرآن الكريم- تغلى مراجل غيظهم، فتنطلق من أعينهم نظرات ملتهبة كأنها السهام، فإذا رأى النبىّ ﷺ هذه النظرات تنوشه من كل جانب، فزع، وكرب وكاد يسقط من هول ما يطلع عليه من عداوة القوم!! وللعين قدرتها الخارقة على إظهار مكنون الإنسان، من حبّ أو بغض، ومن وعد أو وعيد، فهى المرآة التي تنعكس عليها مشاعر الإنسان، ويتجلى
стр. 6258
على صفحتها ما يعتمل فى كيانه من رضا أو سخط، ومن سكينة أو فزع، حتى ليبلغ الأمر أن تكون العين سلاحا قاتلا، يصيب مقاتل من يرمى بها.. وفى هذا يقول الشاعر، فى أعداء التقوا بنظراتهم المتوعدة بالشر، قبل أن يلتقوا بسيوفهم المسلولة للقتال.. يقول:
يتقارضون «١» إذا التقوا فى موطن ... نظرا يزيل مواقع الأقدام
وفى النظرة الحاسدة شىء من هذا، فإنها ترمى المحسود، فى غفلة منه، فتصيب منه مقتلا.. لأنها نظرة منطلقة من قلب يغلى كمدا، وحسرة، على ما بيد المحسود من نعمة الله.
وليس هذا ما لقدرة العين وسلطانها فى الإنسان وحده، بل إنها عند كثير من الحيوانات تكون سلاحا عاملا فى الصراع الدائر بينها..
فالحيّة، كثيرا ما تجد فى نفسها القدرة على إصابة عدوّها بنظرة منها، فإذا أرسلت إلى عدوها نظرة والتقت عينه بعينها، شلت حركته وجمد فى مكانه، وربّما مات قبل أن تصل إليه..!
فالصبر الذي يدعى إليه النبىّ من ربه، هو فى تلك الحال، التي بلغت فيه عداوة القوم له غايتها، بما يرمونه به من نظرات ملتهبة، حين يسمعون آيات الله تتلى عليهم.. وليس هذا النظر المشحون بسموم العداوة وحسب، بل إنهم يرمونه مع هذا بسهام أخرى من أفواههم، كقولهم: مجنون، وساحر..
стр. 6259
وقوله تعالى:
«وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ» ..
هو رد على هذه التهمة الفاجرة الظالمة التي تنطلق بها أفواه هؤلاء المشركين، وهو تثبيت للنبى فى موقفه، وإلفات له إلى ما بين يديه من آيات القرآن الكريم، الذي هو ذكر للعالمين، وحياة مجددة للناس، جيلا بعد جيل، وإنه لا ذكر، ولا قدر لمن فاته الاتصال بهذا الكتاب، وتلقّى عنه، وقطع مسيرة الحياة فى ظله، وهذا مثل قوله : «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ» (٤٤: الزخرف) .
стр. 6260
٦٩- سورة الحاقة
نزولها: مكية، نزلت بعد سورة الملك.
عدد آياتها: اثنتان وخمسون آية..
عدد كلماتها: مائتان وخمس وخمسون كلمة..
عدد حروفها: ألف وأربعمائة وثمانون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
كان ختام سورة «القلم» دعوة من الله ، إلى النبي الكريم أن يصبر على موقفه من قومه، وألا يتحول عنه، كما تحول صاحب الحوت، وإن لقى من قومه أشدّ العداوة، والشنآن، وأن يمضى فى طريقه معهم منتظرا حكم الله بينه وبينهم، كما حكم الله بين إخوانه النبيين وأقوامهم..
وتجىء سورة «الحاقة» مفتتحة بهذه المعارض التي يتجلى فيها ما حكم الله سبحانه به بين بعض أنبيائه وأقوامهم، وما لقى المكذبون المعاندون منهم من مرسلات الهلاك عليهم فى الدنيا، التي أخذتهم مرة واحدة، فما أبقت منهم باقية..
стр. 6261
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٢) [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١ الى ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩)
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)
التفسير:
قوله تعالى:
«الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ» .
هكذا تبدأ السورة الكريمة، بهذه الكلمة: «الحاقة» التي تقع على الأسماع موقع الصيحة الراعدة المزلزلة فى هدأة الليل تغشى الناس بالفزع المذعور، الذي تدهش له العقول، وزيغ به الأبصار، وتخرس معه الألسنة، وقد امتلأ الجو بهذا التساؤل الكبير الذي يطلّ من كل عين:
ما هذا؟ ما هذا؟.
стр. 6262
«مَا الْحَاقَّةُ؟» .
إنها مع صوتها الراعد المزلزل، ملففة فى أطواء المجهول.. لا يعرف لها وجه، ولا تبين لها حقيقة، حتى لكأنها القدر، ترمى الناس بما فى يديها من نذر، من حيث لا يحتسبون، ولا يقدّرون.. وهذا مما يضاعف فى فزع الناس منها، وفى الكرب المشتمل عليهم إزاءها..
«وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ؟» .
ومن يستطيع أن يجيب على هذا السؤال: «مَا الْحَاقَّةُ؟» إن أحدا لا يستطيع أن يتصور حقيقتها، أو يبلغ إدراكه الإحاطة بها.. وفى هذا التجهيل فى الجواب الذي يجاب به عنها، مضاعفة للفزع والكرب المستوليين على الناس منها.
وكأنّ المعنى هو:
«الْحَاقَّةُ» .. وهذا إخبار من الله بها، وإعلان للناس بوقوعها حيث يشتمل عليهم الفزع، ويستبدّ بهم الخوف من مجرد التلفظ بها..
«مَا الْحَاقَّةُ؟» وهذا سؤال من الناس عن هذا الكائن العجيب، الذي يشيع ذكره الرعب والفزع.. وكأنهم يتجهون بهذا السؤال إلى النبىّ الذي ألقى بهذا الاسم على أسماعهم!! «وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ؟» وهذا جواب من الله سبحانه على تساؤل السائلين للنبىّ عن الحاقة.. إن النبىّ الذي يسألونه، ويرجون الجواب عنده، لا يدرى ما هى الحاقة؟ إنها شىء من وراء تصورات العقول، واحتمال المدارك..
أما معنى الحاقة من حيث اللغة، فهو اسم فاعل من الحقّ.. وحقّ
стр. 6263
الشيء: وجب.. ووقع، فالحاقة لغة، بمعنى الواجبة، والواقعة.. أي الواجبة الوقوع.. وهذا يعنى أنها شىء سيقع حتما.. أما ما صفة هذا الشيء الذي سيقع، وما صورته فى العقول- فهذا شىء لا يمكن أحدا أن يدرك وصفه، أو يتمثل صورته.. إنه شىء مهول لم يقع للناس شىء مثله، فكيف يستقيم له تصور فى أفهامهم؟
وجواب السؤال عن الحاقة فى قوله تعالى: «مَا الْحَاقَّةُ» يمكن أن يكون هو قوله تعالى «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ» .. كما سنتعرض لهذا بعد قليل، ويمكن أن يكون السكوت عن الجواب هو الجواب، لأن الذين كفروا لا يستمعون إلى هذا الجواب، ولا يؤمنون به، كما فعلت ذلك عاد وثمود..
وإذن، فخير جواب على هؤلاء السائلين المتعنتين، هو عدم الردّ عليهم، وتركهم فى بلبال وحيرة.
قوله تعالى:
«كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ» .
يمكن أن يكون هذا- كما قلنا- جوابا للتساؤل عن «الحاقة» ..
وهو جواب من الله ، بعد أن نفى عن النبىّ إمكان الإجابة عليه.. كما يمكن أن يكون استئنافا يراد به التعقيب على هذه التساؤلات عن الحاقة..
وفى هذا الجواب تشنيع على فعلة ثمود وعاد، وتكذيبهم بالقارعة.. فكأن التكذيب بالقارعة، يضاهى الحاقة نفسها، فى هو لها الذي لا تتصوره العقول، وكأنّ الجواب هو: كذبت ثمود وعاد بالحاقة التي هذا شأنها.. و «القارعة» كائن مجهول أيضا، كالحاقة..
стр. 6264
فالقارعة، والحاقة، كلمتان مترادفتان.. وقد سميت بكل منهما سورة من سور القرآن الكريم.. وبدئت سورة القارعة بلفظ «القارعة» كما بدئت سورة الحاقة بلفظ «الحاقة» .. وكما جاء نظم الآيات الثلاث الأولى من الحاقة، جاء نظم الآيات الثلاث الأولى من القارعة.. هكذا: «الْقارِعَةُ، مَا الْقارِعَةُ؟ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ؟» ..
وقد كشفت سورة «الحاقة» عن وجه من وجوه هذه «الحاقة» وما بين يديها من نذر البلاء، فيما أخذ الله المكذبين بها، من بلاء ونكال، هو أشبه فى هوله بما يكون من أحداث الساعة، أو موقف الحساب والجزاء يوم القيامة، وذلك فيما يقول ، عن مهلك ثمود وعاد.. يقول سبحانه:
«فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ» .
فهذا ما أخذ الله به المكذبين «بالقارعة» من ثمود، وعاد.
فأما ثمود، فقد أهلكهم الله بالطاغية، وهى الصاعقة المزلزلة العاتية، التي جاوزت كلّ حدّ معروف لها فى ظواهر الطبيعة، ولهذا سميت طاغية، ولهذا كان عقاب ثمود بها، لأنها طغت، واعتدت على صالح رسول الله، وعلى ناقة الله، كما يقول سبحانه: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها وَلا يَخافُ عُقْباها» (١١- ١٥ الشمس) وكما يقول جل شأنه:
«وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (١٧: فصلت) .
وأما عاد، فقد أهلكهم الله بريح صرصر عاتية..
стр. 6265
والريح الصرصر، هى الريح العاصفة الباردة، القاتلة ببردها.
وفى قوله تعالى: «سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً» - إشارة إلى اشتمال العذاب عليهم هذا الزمن الذي تجرعوا فيه غصص الموت، قطرة قطرة..
وحصر عدد الليالى بسبع، وعدد الأيام بثمانية- إشارة إلى أن الأيام تسبق الليالى، وأن النهار يسبق الليل، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ» (٤٠: يس) »
..
فهذا هو كتاب الله الذي يصدّق بعضه بعضا، «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (٨٢: النساء) .
كما يشير هذا إلى أن العذاب وقع بالقوم نهارا، وجاءهم عيانا، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ» (٢٤: الأحقاف) .
وقوله تعالى: «حسوما» صفة أيام، التي تحتوى فى كيانها الليالى أيضا لأن الأيام ثمانية، والليالى سبع.. فهو فى حقيقته صفة للأيام والليالى معا.
والحسوم، من الحسم، وهو القطع.. يقال حسم فلان الأمر: أي قطعه..
ومنه الحسام، وهو السيف، إذ أن من أفعاله أنه يحسم حياة من يضرب به.
وأعجاز النخل: أصولها، الممسكة بها على الأرض..
والخاوية: الجوفاء، التي فرغ جوفها، بعد موتها وجفافها.
وفى تشبيه القوم بأعجاز النخل- إشارة إلى ما كان عليه القوم من فراهة الأجسام، وضخامة الأبدان، وقوة الكيان، كما وصفهم الله سبحانه على لسان
стр. 6266
نبيهم هود، ﵇: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً» (٦٩: الأعراف) ويقول سبحانه: «وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ» (١٣٠: الشعراء) .
وكما كشفت سورة «الحاقة» عن هذا الهول الذي حلّ بالمكذبين بالقارعة، والذي تتمثل فيه بعض مشاهد القيامة- كشفت سورة «القارعة» عن أحداث القارعة نفسها، وهى القيامة، كما يقول سبحانه: «الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ» وهكذا تلتقى السورتان: «الحاقة» و «القارعة» فى تصوير أحداث هذا اليوم العظيم، يوم القيامة، الذي يكذب به المشركون، ويلحّون في التساؤل عنه، وعن اليوم الذي يقع فيه، تحديا لما ينذرهم به الرسول من أهواله، وإمعانا فى تكذيبه، حيث يلقاهم العذاب فى الدنيا والآخرة جميعا.
قوله تعالى:
«وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً» .
هو معطوف على قوله تعالى: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ» .
والمؤتفكات: هى قرى قوم لوط، التي ائتفكها الله، أي قلبها على أهلها، وجعل عاليها سافلها.. وقد جاء فى آية أخرى أنها مؤتفكة، وذلك فى قوله تعالى: «وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى» (٥٣: النجم) .. كذلك ورد فى أكثر من موضع من القرآن أنها قرية. كما فى قوله تعالى: «إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ» (٣١: العنكبوت) .. فما تأويل هذا؟
تأويل هذا- والله أعلم- أن هذه القرية كانت رأس القرى التي حولها، فهى أشبه بالأمّ لها.. ومن هنا كان الحديث عنها، وعن أهلها، لأنهم هم
стр. 6267
الذين يمثلون غالبية القوم، ووجوههم، كما تحدث القرآن الكريم عن مكة ووصفها أنها أمّ القرى، فقال تعالى: «وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها» ! (٩٢:
الأنعام) .
«والخاطئة» أي الفعلة الخاطئة، التي بيّنها الله بقوله: «فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ» ومجيئهم بالخاطئة: أي ارتكابهم الخطيئة، وحملهم إياها يوم القيامة.
وفى الجمع بين فرعون، وقوم لوط، مع اختلافهما زمانا، ومكانا، وخطيئة- إشارة بليغة محكمة، إلى ما بين القوم من نسب قريب فى الضلال، لا من حيث صورته، ولكن من حيث واقعه ومضمونه..
فقوم لوط، قد أتوا منكرا ابدعا، لم يأته أحد فى العالمين من قبلهم، كما يقول على لسان نبيهم لوط ﵇: «أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ» (٨٠: الأعراف) وأما فرعون فقد كان أمة وحده فى الضلال والاستعلاء.. ولهذا ذكر وحده، دون أن يكون معه قومه، فهو كيان الضلال كله، الذي نضح منه على قومه رذاذ من هذا الضلال، فكانوا من المجرمين.. ففرعون صورة فريدة فى الجبارين، وقوم لوط صورة فريدة فى المجرمين.
وفى الجمع بين فرعون وقوم لوط فى مقام العصيان لرسول الله، مع أن كلّا منهما كان له موقف مع رسول من رسل الله- إشارة إلى أن رسل الله جميعا، هم رسول واحد، من حيث الرسالة التي يحملها الرسول من الله إلى الناس، والدعوة التي يدعوهم إليها، وهى الإيمان بالله.. فمن كذب برسول من رسل الله فهو مكذب برسل الله جميعا..
وقوله تعالى: «فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً» أي أخذهم الله أخذة متمكنة منهم بحيث تنالهم جميعا، وتشتمل على كل شىء منهم ولهم.
стр. 6268
والرابية، المكان العالي المرتفع عما حوله، كالربوة.
وقد ابتلع البحر فرعون ومن معه، كما ابتلعت الأرض قوم لوط، واحتوتهم ومنازلهم فى بطنها.. إنهم هووا جميعا إلى القاع.
قوله تعالى:
«إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ-» مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآيات السابقة، ذكرت مصارع القوم الظالمين، وقطع دابرهم جميعا، بحيث لم يترك الخراب من دار ولا ديار..
ومع هذا، فإن هؤلاء المشركين من قريش، ما زالوا أحياء، يعيشون فى الناس، لم يأخذهم الله سبحانه بما أخذ به الضالين من قبل.. وهؤلاء المشركون هم بقية من ذرية القوم الذين نجوا من الهلاك، وهم الذين آمنوا بالله، من بين المكذبين والضالين.. وإنه لجدير بهؤلاء المشركين أن يأخذوا طريق النجاة من عذاب الله، كما أخذه آباؤهم الأولون من المؤمنين الذين نجوا من عذاب الله..
هذا وإذا كانت الآية تشير من قريب إلى أظهر صورة من صور النجاة للمؤمنين، وهلاك الكافرين، وهو ما كان من نوح، وقومه، وسفينته، وطوفانه.. حيث غرق الكافرون فى الطوفان، ونجا نوح ومن معه من المؤمنين بالسفينة- إذا كانت الآية تشير من قريب إلى هذا، فإنها تشير من بعيد إلى نجاة الذين آمنوا بالله من كل بلاء ساقه الله إلى الكافرين المكذبين برسل الله، فى كل زمان ومكان.
وقوله تعالى:
«لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ»
أي لنجعل هذه الإشارة إلى نجاتكم فى أصلاب آبائكم الأولين، الذين
стр. 6269
آمنوا ونجوا من الطوفان- لنجعل هذه الإشارة تذكرة لكم أيها المشركون، تذكرون بها أنكم من أصلاب آباء كانوا مؤمنين، فكونوا مثلهم، إذا كنتم حقّا تحرصون على التمسك بما كان عليه آباؤكم، إذ تقولون: «حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا» (١٠٤: المائدة) .. فإن فى آبائكم مهتدين، وضالين.. فتخيروا من ترونه أهلا للاتباع من هؤلاء الآباء.
وقوله تعالى: «وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ»
معطوف على قوله تعالى: «لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً»
أي ولتعيها أذن واعية.. فهذه التذكرة، لا تعيها، ولا تعقلها وتحتفظ بها، وتحفظها، إلا أذن عاقلة، بينها وبين العقل صلة وثيقة.. أما الأذن التي تسمع، ولا تورد ما تسمع على العقل، فهى أذن حيوانية، لا ينال منها صاحبها خيرا أبدا.
الآيات: (١٣- ١٨) [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١٣ الى ١٨]
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧)
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨)
التفسير:
قوله تعالى:
«فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً» .
стр. 6270
تعرض الآيتان الكريمتان هنا مشهدا من مشاهد القيامة، وما يقع فيها من انقلاب شامل فى صورة العالم التي ألفها الإنسان، وعاش فيها بحواسه المحدودة..
وقد تحدثنا فى سورة «الواقعة» عن هذه التغيرات التي ذكرها القرآن الكريم عن يوم القيامة، وقلنا إن هذه التغيرات ليست واقعة على الموجودات من أرض وجبال، وبحار، ومن سماء ونجوم، وشمس وقمر، وإنما التغير الذي يحدث، هو فى الإنسان المتلقّى لهذه الموجودات، حيث تغيرت طبيعته بعد البعث، وأصبح له من القوى فى حواسه ومدركاته أضعاف أضعاف ما كان له فى حياته الأولى، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» (٢٢: ق) .. فلقد كشف للإنسان الغطاء فى هذا اليوم، عن كثير من عوالم الوجود، مما لم يكن من الممكن أن يراه، أو يعلمه، وهو فى الحياة الدنيا..
فقوله تعالى: «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ» يشير إلى أنه نفخ فى الصور، بعث الموتى من القبور بتلك النفخة الواحدة، لأن هذه النفخة هى أمر من أمر الله، فإذا أمر الله أمرا وقع كما أمر، كما يقول سبحانه: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (٨٢: يس) وكما يقول سبحانه: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ» (٥١: يس) وقوله تعالى:
«وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً» .. أي رفعت الأرض والجبال، فكانتا كيانا واحدا..