Полный текст (6 903 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.
стр. 6266
نبيهم هود، ﵇: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً» (٦٩: الأعراف) ويقول سبحانه: «وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ» (١٣٠: الشعراء) .
وكما كشفت سورة «الحاقة» عن هذا الهول الذي حلّ بالمكذبين بالقارعة، والذي تتمثل فيه بعض مشاهد القيامة- كشفت سورة «القارعة» عن أحداث القارعة نفسها، وهى القيامة، كما يقول سبحانه: «الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ» وهكذا تلتقى السورتان: «الحاقة» و «القارعة» فى تصوير أحداث هذا اليوم العظيم، يوم القيامة، الذي يكذب به المشركون، ويلحّون في التساؤل عنه، وعن اليوم الذي يقع فيه، تحديا لما ينذرهم به الرسول من أهواله، وإمعانا فى تكذيبه، حيث يلقاهم العذاب فى الدنيا والآخرة جميعا.
قوله تعالى:
«وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً» .
هو معطوف على قوله تعالى: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ» .
والمؤتفكات: هى قرى قوم لوط، التي ائتفكها الله، أي قلبها على أهلها، وجعل عاليها سافلها.. وقد جاء فى آية أخرى أنها مؤتفكة، وذلك فى قوله تعالى: «وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى» (٥٣: النجم) .. كذلك ورد فى أكثر من موضع من القرآن أنها قرية. كما فى قوله تعالى: «إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ» (٣١: العنكبوت) .. فما تأويل هذا؟
تأويل هذا- والله أعلم- أن هذه القرية كانت رأس القرى التي حولها، فهى أشبه بالأمّ لها.. ومن هنا كان الحديث عنها، وعن أهلها، لأنهم هم
стр. 6267
الذين يمثلون غالبية القوم، ووجوههم، كما تحدث القرآن الكريم عن مكة ووصفها أنها أمّ القرى، فقال تعالى: «وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها» ! (٩٢:
الأنعام) .
«والخاطئة» أي الفعلة الخاطئة، التي بيّنها الله بقوله: «فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ» ومجيئهم بالخاطئة: أي ارتكابهم الخطيئة، وحملهم إياها يوم القيامة.
وفى الجمع بين فرعون، وقوم لوط، مع اختلافهما زمانا، ومكانا، وخطيئة- إشارة بليغة محكمة، إلى ما بين القوم من نسب قريب فى الضلال، لا من حيث صورته، ولكن من حيث واقعه ومضمونه..
فقوم لوط، قد أتوا منكرا ابدعا، لم يأته أحد فى العالمين من قبلهم، كما يقول على لسان نبيهم لوط ﵇: «أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ» (٨٠: الأعراف) وأما فرعون فقد كان أمة وحده فى الضلال والاستعلاء.. ولهذا ذكر وحده، دون أن يكون معه قومه، فهو كيان الضلال كله، الذي نضح منه على قومه رذاذ من هذا الضلال، فكانوا من المجرمين.. ففرعون صورة فريدة فى الجبارين، وقوم لوط صورة فريدة فى المجرمين.
وفى الجمع بين فرعون وقوم لوط فى مقام العصيان لرسول الله، مع أن كلّا منهما كان له موقف مع رسول من رسل الله- إشارة إلى أن رسل الله جميعا، هم رسول واحد، من حيث الرسالة التي يحملها الرسول من الله إلى الناس، والدعوة التي يدعوهم إليها، وهى الإيمان بالله.. فمن كذب برسول من رسل الله فهو مكذب برسل الله جميعا..
وقوله تعالى: «فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً» أي أخذهم الله أخذة متمكنة منهم بحيث تنالهم جميعا، وتشتمل على كل شىء منهم ولهم.
стр. 6268
والرابية، المكان العالي المرتفع عما حوله، كالربوة.
وقد ابتلع البحر فرعون ومن معه، كما ابتلعت الأرض قوم لوط، واحتوتهم ومنازلهم فى بطنها.. إنهم هووا جميعا إلى القاع.
قوله تعالى:
«إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ-» مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآيات السابقة، ذكرت مصارع القوم الظالمين، وقطع دابرهم جميعا، بحيث لم يترك الخراب من دار ولا ديار..
ومع هذا، فإن هؤلاء المشركين من قريش، ما زالوا أحياء، يعيشون فى الناس، لم يأخذهم الله سبحانه بما أخذ به الضالين من قبل.. وهؤلاء المشركون هم بقية من ذرية القوم الذين نجوا من الهلاك، وهم الذين آمنوا بالله، من بين المكذبين والضالين.. وإنه لجدير بهؤلاء المشركين أن يأخذوا طريق النجاة من عذاب الله، كما أخذه آباؤهم الأولون من المؤمنين الذين نجوا من عذاب الله..
هذا وإذا كانت الآية تشير من قريب إلى أظهر صورة من صور النجاة للمؤمنين، وهلاك الكافرين، وهو ما كان من نوح، وقومه، وسفينته، وطوفانه.. حيث غرق الكافرون فى الطوفان، ونجا نوح ومن معه من المؤمنين بالسفينة- إذا كانت الآية تشير من قريب إلى هذا، فإنها تشير من بعيد إلى نجاة الذين آمنوا بالله من كل بلاء ساقه الله إلى الكافرين المكذبين برسل الله، فى كل زمان ومكان.
وقوله تعالى:
«لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ»
أي لنجعل هذه الإشارة إلى نجاتكم فى أصلاب آبائكم الأولين، الذين
стр. 6269
آمنوا ونجوا من الطوفان- لنجعل هذه الإشارة تذكرة لكم أيها المشركون، تذكرون بها أنكم من أصلاب آباء كانوا مؤمنين، فكونوا مثلهم، إذا كنتم حقّا تحرصون على التمسك بما كان عليه آباؤكم، إذ تقولون: «حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا» (١٠٤: المائدة) .. فإن فى آبائكم مهتدين، وضالين.. فتخيروا من ترونه أهلا للاتباع من هؤلاء الآباء.
وقوله تعالى: «وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ»
معطوف على قوله تعالى: «لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً»
أي ولتعيها أذن واعية.. فهذه التذكرة، لا تعيها، ولا تعقلها وتحتفظ بها، وتحفظها، إلا أذن عاقلة، بينها وبين العقل صلة وثيقة.. أما الأذن التي تسمع، ولا تورد ما تسمع على العقل، فهى أذن حيوانية، لا ينال منها صاحبها خيرا أبدا.
الآيات: (١٣- ١٨) [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١٣ الى ١٨]
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧)
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨)
التفسير:
قوله تعالى:
«فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً» .
стр. 6270
تعرض الآيتان الكريمتان هنا مشهدا من مشاهد القيامة، وما يقع فيها من انقلاب شامل فى صورة العالم التي ألفها الإنسان، وعاش فيها بحواسه المحدودة..
وقد تحدثنا فى سورة «الواقعة» عن هذه التغيرات التي ذكرها القرآن الكريم عن يوم القيامة، وقلنا إن هذه التغيرات ليست واقعة على الموجودات من أرض وجبال، وبحار، ومن سماء ونجوم، وشمس وقمر، وإنما التغير الذي يحدث، هو فى الإنسان المتلقّى لهذه الموجودات، حيث تغيرت طبيعته بعد البعث، وأصبح له من القوى فى حواسه ومدركاته أضعاف أضعاف ما كان له فى حياته الأولى، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» (٢٢: ق) .. فلقد كشف للإنسان الغطاء فى هذا اليوم، عن كثير من عوالم الوجود، مما لم يكن من الممكن أن يراه، أو يعلمه، وهو فى الحياة الدنيا..
فقوله تعالى: «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ» يشير إلى أنه نفخ فى الصور، بعث الموتى من القبور بتلك النفخة الواحدة، لأن هذه النفخة هى أمر من أمر الله، فإذا أمر الله أمرا وقع كما أمر، كما يقول سبحانه: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (٨٢: يس) وكما يقول سبحانه: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ» (٥١: يس) وقوله تعالى:
«وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً» .. أي رفعت الأرض والجبال، فكانتا كيانا واحدا..
стр. 6271
وحمل الأرض وجبالها، هو ظهورها معلقة فى الفضاء، كما هى عليه فى حقيقتها، التي هى أشبه بكرة معلقة فى فلك الكون.. هكذا يراها الإنسان يوم القيامة بما عليها من جبال، وبحار، حين يكون محلقا في سموات عالية فوق هذه الأرض..
ودكّ الأرض مع الجبال، هو اندماجهما فى كيان واحد، وذلك فى مرأى العين، التي تنظر إليهما من بعيد، كما ننظر نحن من عالمنا الأرضى إلى القمر، فنراه سطحا مستويا، لا جبال فيه، ولا وهاد.. وهذا يعنى أن الناس إذ يبعثون يوم القيامة، يخرجون من العالم الأرضى، إلى عالم آخر.. فالأرض هى عالم الناس الدنيوي، ولا شك أن للناس فى الآخرة عالما غير هذا العالم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً» (٤٧:
الكهف) فبروز الأرض لا يبدو إلا لمن خرج منها، ونظر إليها من مكان خارج عن فلكها.. كما يشير إلى ذلك أيضا، تلك الحالة التي سيبعث الناس عليها فى قوله تعالى: «يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ» (٤: القارعة) وفى قوله سبحانه: «يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ» (٧: القمر) .
قوله تعالى:
«فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ» - هو جواب إذا الشرطية الظرفية، فى قوله تعالى: «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ..» .. أي إذا كان هذا النفخ فى الصور، وحمل الأرض والجبال ودكهما- إذا كان هذا، فهو يوم وقوع الواقعة، وهى القيامة..
ووقوع الأمر: مجيئه من عل، فى قوة وتمكن، بحيث لا يمكن ردّه..
ومنه قوله تعالى: «فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» .. وقوله سبحانه:
«قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ» (٧١: الأعراف) .. فهو وقوع لامردّ له.
стр. 6272
وفى مجىء جواب الشرط فعلا ماضيا فى قوله تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ» ، مع أن مقتضى سياق النظم أن يكون فعلا مضارعا هكذا: «فيومئذ تقع الواقعة» - فى هذا إشارة إلى أن وقوعها أمر محقق لذاته، غير متوقف على شرط.. فهى واقعة لا محالة، سواء وقع شرطها أم لم يقع، وشرطها واقع لوقوعها، لا أنها هى التي تقع لوقوع شرطها..
وقوله تعالى:
«وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ» .
معطوف على قوله تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ» .. أي وانشقت السماء..
ومعنى انشقاق السماء، ظهور هذا السقف الذي يظلنا، والذي يبدو وكأنه سقف منعقد، محبوك، لا يمكن النفوذ منه- ظهوره يومئذ لنا على حقيقته، وهو أنه ليس إلا فضاء لانهاية له، وأنه مهما صمّد المصعدون فيه، لا يلقاهم إلا الفضاء الرحيب الذي لا ينتهى.. وهذا مثل قوله تعالى: «وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً» (١٩: النبأ) .
وقوله تعالى: «فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ» - إشارة إلى ما يبدو عليه هذا السقف من وهى وضعف، فلا تردّ السماء من يخترق طبقاتها، أو ينفذ من أقطارها..
قوله تعالى:
«وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» .
أي ويرى الملائكة فى هذا اليوم على جنبات السماء، فى أحوال شتى..
بين ساجد، وقائم، وغاد، ورائح.. هكذا يراهم الناس يومئذ.. فالملائكة المحجوبون عن أنظارنا اليوم، نراهم يوم القيامة، كما يرى بعضنا بعضا، سواء
стр. 6273
فى هذا من كان من أهل الجنة، أو من أهل النار.. وقد ذكر القرآن الكريم لقاءات كثيرة للناس مع الملائكة، فى موقف الحساب، وفى الجنة، وفى النار..
والضمير فى «فوقهم» فى قوله تعالى: «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» يعود إلى «الملك» بمعنى الملائكة.. فهو مفرد لفظا، جمع معنى، كما فى قوله تعالى: «وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» .. أي ويحمل عرش ربك فوق هؤلاء الملائكة «ثَمانِيَةٌ» .
وقد اختلف فى الثمانية: أهم ملائكة، عددهم ثمانية؟ أم هم ثمانية صفوف من الملائكة؟ أم ثمانية أفلاك، هى أطباق السموات، التي فيها الجنات الثماني؟ وهذا يعنى أن عرش الله، أي سلطانه، قائم على هذا الوجود العلوي، مستو عليه..
والعرش، وحملة العرش، والملائكة، والكرسي، والقلم، واللوح، ونحوها، هو مما يلزمنا التصديق به كما تحدث القرآن الكريم عنه، دون البحث عن الصورة التي تكون عليها هذه المبدعات التي استأثر الله وحده بعلمها.
والسؤال عن هذه الغيبيات، بدعة، والتصدّى لتكييفها تكلّف، وقد يجر إلى الافتراء على الله..
وتفويض العلم بها إلى الله، والإيمان بها على ما أخبر به القرآن عنها، هو الإيمان السليم، القائم على التسليم لله، والتصديق بما نزل على رسول الله، من آيات الله.. وهو الإيمان بالغيب، الذي أشار إليه بقوله: «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ
стр. 6274
هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (٢- ٥:
البقرة) ..
قوله تعالى:
«يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ.. لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ» .
أي فى هذا اليوم الذي تقع فيه الواقعة، أي تقوم القيامة- فى هذا اليوم يعرض الناس على رب العالمين.. أي يقدمون للحساب والجزاء، حيث لا يخفى على الله من أعمالهم صغيرة ولا كبيرة..
وقوله تعالى: «لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ» جملة حالية من نائب الفاعل، وهو الضمير فى «تُعْرَضُونَ» .. أي تعرضون فى حال قد تكشفت فيها أحوال الناس وظهر ما فى سرائرهم، وحصّل ما فى صدورهم، فكان باطنهم كظاهرهم، يرونه هم، ويراه بعضهم من بعض
الآيات: (١٩- ٣٧) [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١٩ الى ٣٧]
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣)
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨)
هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)
وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)
стр. 6275
» التفسير:
بعد أن أنذرت الآيات السابقة الناس بالنفخ فى الصور، والبعث من القبور، ثم ساقتهم للعرض على الله، للحساب والجزاء- جاءت تلك الآيات بعدها لتضع الناس مواضعهم، وتنزلهم منازلهم يوم القيامة.. فهم سعداء وأشقياء.. أصحاب الجنة، وأصحاب النار..
وقوله تعالى:
«فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ..»
هو بيان لأحوال أهل السلامة فى هذا اليوم، يوم القيامة.. حيث تسير خطواتهم إلى الجنة، على هدى ونور من ربهم، وحيث تلقاهم البشريات على كل مرحلة من مراحل مسيرتهم إلى رضوان الله.
فمنذ يخرج المؤمن من هذه الدنيا، وتفارق روحه الجسد، وهو يرى مشاهد النجاة، وينشق أرواح الجنة، ويشم أريجها العطر.. كما يشير إلى هذا قوله تعالى: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (٣٢: النحل) فهذه أولى بشريات المؤمن، وهو على أول الطريق إلى الله، والدار الآخرة..
فإذا كان يوم القيامة، ووقع النفخ فى الصور، وبعث الموتى من القبور-
стр. 6276
لم يحزن هؤلاء المؤمنون ولم يجزعوا، من فزع هذا اليوم، بل تتلقاهم الملائكة، تخفف عنهم من وقع الصدمة، وتخبرهم بأن هذا هو اليوم الذي وعدوا به، وعملوا له، وانتظروه.. وفى هذا يقول الله سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» (١٠١- ١٠٣: الأنبياء) .
فإذا سبق الناس إلى المحشر، وعرضوا للحساب، وجد كل إنسان كتاب أعماله فى يده، فمن كان من أصحاب الجنة، أخذ كتابه بيمينه، ومن كان من أهل النار، أخذ كتابه بشماله، وهنا يعرف الناس- فى صورة مجملة- المصير الذي سيصير إليه كل منهم، وهنا تعلو أهل المحشر أحوال شتى، تختلط فيها صيحات الفوز، وزغاريد الفرح، بأنّات الحسرة، وزفرات اليأس..
فمن أخذ كتابه بيمينه، تراه وقد استطاره الفرح، واستخفّه الظفر، فجعل يلوّح بكتابه، وينادى به فى الناس: أن اقرءوا كتابيه!! إنه يريد أن يشهد الناس معه هذه الحال التي هو فيها، وليشاركوه هذه الفرحة الكبيرة التي لا تحتملها نفسه!.
وقوله تعالى: «إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ» هو من مقولة صاحب الكتاب المأخوذ باليمين، لمن يلقى من أهل المحشر.. فهو إذ يأخذ كتابه بيمينه، يطير فرحا، فيحدّث كل من يلقاه من أهل المحشر، ويدعوهم إلى أن يقرءوا كتابه، وأن يروا ما فى وثيقة النجاح التي فى يده، من أعمال طيبة، وأن هذه الأعمال الطيبات، إنما هى التي أعدّها لهذه اليوم، وعملها فى دنياه، لأنه كان على يقين من أنه سيبعث وسيحاسب!!
стр. 6277
أرأيت إلى الناس فى ساجة القضاء، وقد نطق القاضي ببراءة بعض الناس، وإدانة البعض؟ إنه صورة مصغرة إلى أبعد حدود الصّفر، لحال الناس يوم القيامة، فى موقف الحساب والجزاء.
والظن هنا، ظن يقين، وليس ظنّ شك وتردد.
وفى التعبير عن الإيمان بالآخرة بلفظ «الظن» ، الذي يغلب على معناه التوقع والاحتمال، لا اليقين- فى هذا ما يشير إلى أن الإيمان بالغيب- وإن وقع فى قلب المؤمن موقع اليقين، فإنه يظل فى منطقة الظن من عقله، حيث لا يسلم العقل السليم إلا بما يقع فى دائرة إدراكه، وتلك الدائرة لا يدخل فى محيطها ما كان من الغيبيات، وإنما يقع ذلك الغيب فى محيط القلب، وبقدر ما يكون فى القلب من اطمئنان، بقدر ما يقع فى العقل من إدراك، والعكس صحيح أيضا..
وليس الظن الغالب فى مقام الإيمان بالشيء، بالذي ينقص من قيمة هذا الإيمان، والعمل بمقتضاه، فإن أغلب معارفنا ومدركاننا مبنى على الظن الغالب، لا اليقين المحقق، ومع هذا فإننا نقيم وجودنا على هذه المعارف، وتلك المدركات..
ومثل هذا الظن ما جاء فى قوله تعالى: «لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ» (١٢: النور) .
فهذا الظن الحسن الذي يدعى المؤمنون إليه، فى نظرتهم إلى ما يقع من إخوانهم المؤمنين، مما قد يكون موضع ريبة واتهام- هو كاف فى إمساك الألسنة عن قول السوء، والمسارعة إلى الاتهام.. فهو ظن عامل موجّه، لا ظن توقف وارتياب.
стр. 6278
قوله تعالى:
«فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ» .
هو بيان لحال من أوتى كتابه بيمينه، وللجزاء الحسن الذي يلقاه يوم القيامة..
إنه سيكون فى عيشة راضية، أي فى حياة طيبة، يجد فيها الرضا كله، فى جميع أحواله..
وفى وصف العيشة بأنها هى الراضية، إشارة إلى أن حقيقة هذه العيشة هى الرضا نفسه، الذي يسع النفوس جميعا، على اختلاف مقاماتها ومنازعها..
وهذا أبلغ- فى مقام الرضا- من أن يكون الوصف بالرضا لمن يعيش فى المعيشة.. فقد يرضى الإنسان بلون من المعيشة، هى فى حقيقتها معيشة تافهة حقيرة، تأباها كثير من النفوس الكبيرة، وتراها شقاء وبلاء إذا هى حملت عليها..
فمن الناس من تكفيه اللقمة يشبع بها بطنه، ويراها أملا مرجوّا، إذا تحقق له، سعد به، ورضى عنه، وإن كان ذلك من فتات موائد القمار، والعهر، أو من شباك النصب والاحتيال، أو من صدقات المتصدقين، وإحسان المحسنين.. على حين أن كثيرا من الناس لا يرضيهم من العيش إلا أن يكونوا فى مقام الصدارة والسيادة، وإلا أن يضعوا فى أيديهم كل أسباب الملك والسلطان.
وهكذا تبدو المسافة بعيدة غاية البعد، بين ما يحقق الرضا لبعض النفوس، وما يحققه لبعض آخر منها..
стр. 6279
وقد تداول هذا المعنى كثير من الشعراء..
فعن النفوس النازلة، التي يرضيها التافه الحقير من نفايات الحياة، يقول المتنبي:
وفى الناس من يرضى بميسور عيشه ومركوبه رجلاه والنعل جلده!! وعن النفس العالية الكبيرة التي لا يرضيها إلا أن تأخذ مكانها مع مطالع النجوم ومسارات الكواكب، يقول المتنبي أيضا- ويعنى نفسه: -
وشرّ ما قنصته راحتى قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
فوصف المعيشة بأنها عيشة راضية، كما جاء بها النظم القرآنى، فى قوله تعالى: «فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ» - وصفها بأنها هى العيشة الراضية- هو الوصف الذي يحقق الرضا لجميع النفوس، صغيرها وكبيرها، فلا يجد الإنسان- أي إنسان- حيث تقلّب فى هذه العيشة، إلا الرضا المطلق، الذي لا يتكلف له جهدا، وهى معيشة تنزل الناس جميعا منزلة عالية، وترتفع بنفوسهم عن كل ما هو دون محتقر..
أما ما يذهب إليه علماء البلاغة: من تخريج هذا المعنى، على ما يخرّجون عليه من قولهم: إن اسم الفاعل: «راضِيَةٍ» هو معدول به عن اسم المفعول «مرضىّ» أي مرضى عنها- ففيه إفساد للمعنى الذي تحمله المعجزة القرآنية فى كلمة «راضية» وحجب لوجهها المعجز الذي رأيناها عليه، فقد تكون المعيشة مرضية، وهى فى حقيقتها تافهة لا تتعلق بها إلا النفوس الصغيرة..
وقوله تعالى: «فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ» - هو بيان لتلك
стр. 6280
المعيشة الراضية، وكشف عن وجهها الكريم.
وأين يجدها الذين وعدهم الله بها؟ إنها فى جنة عالية، علوّا حسيا، ومعنويا، وإن قطوفها- أي ثمارها- دانية لمن يعيشون فيها، فليس علوّها هذا بالذي يبعد ثمرها عنهم.. بل إن ثمرها دان قريب، يجده طالبه حاضرا عتيدا بين يديه فى أي وقت يشاء.. كما يقول سبحانه: «وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا» (١٤: الإنسان) .
فهذه هى العيشة الكريمة الراضية، التي تتعلق بها النفوس الكبيرة، وتتطلع إليها الهمم العالية..
قوله تعالى:
«كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ» .
الخطاب هنا لأصحاب اليمين جميعا، وقد استقر بهم المقام الكريم فى الجنة، واجتمع بعضهم إلى بعض، وسعد بعضهم بلقاء بعض، ونازع بعضهم بعضا طيباتها وثمراتها.. ففى هذه المشاركة رضا إلى رضا، وسعادة إلى سعادة..
وقوله تعالى: «بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ» - إشارة إلى ما كان من المؤمنين من أعمال طيبة صالحة فى الأيام الخالية، أي الحياة الدنيا، التي خلّفوها وراءهم..
فالباء فى قوله تعالى: «بِما أَسْلَفْتُمْ» باء السببية.. أي «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً» أي طيبا، لا ينالكم مما تأكلون أو تشربون تخمة أو سوء هضم، أو نحو هذا، مما يقع للآكلين والشاربين فى الدنيا، وذلك بسبب ما قدمتم
стр. 6281
فى أيام حياتكم الدنيا، من صالح الأعمال.. «إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً» . (٢٢: الإنسان) قوله تعالى:
«وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ» ..
هذا هو الوجه المقابل لأصحاب اليمين، وهم أصحاب الشمال..
وقد جاء بهم النظم القرآنى أفرادا لا جماعات، كما جاء بأصحاب اليمين أفرادا كذلك، لأن الحساب يوم القيامة، إنما يقوم على هذا الوجه، وهو أن يحاسب كل إنسان بما عمل، كما يقول سبحانه: «وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً» (٩٥: مريم) ..
فكل من أوتى كتابه بشماله، يلقاه هذا الكتاب بالحكم المحكوم به عليه، وهو أنه من أصحاب النار، فلا يكاد يقع ليده حتى يستبد به الهلع والفزع، ويركبه جنون الهول، فيظل يهدى، ويعوى، حتى تتقطع أنفاسه..
«يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ. وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ» .. فلقد كان الأمر مستورا عنه قبل هذا الكتاب، فلما جاء الكتاب طلع عليه بهذا البلاء المبين..
فلقد عرف حسابه، وإنه لحساب خاسر، يهوى به إلى عذاب السعير..!!
وأين المفر؟ إنه لا مفر إلا بالموت.. «يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ» .. ولكنها أمنية لن تتحقق أبدا.. فما أقسى الصبر على هذا البلاء، وما أشد الوقوع فى هذه المحنة التي يشتهى الموت فرارا منها!!
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
стр. 6282
قوله تعالى:
«ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ» .
هو من هذيان هذا الشقىّ، الذي أحاطت به خطيئته.. إنه طلب الموت فما وجده.. وطلب ماله ليفتدى به نفسه من هذا العذاب، فما رآه.. واستنجد بكل ما كان له من قوة، وجاء، وسلطان، فلم يسعفه شىء.. «هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ» ..!
وفى التعبير بقوله: «هلك» بدلا من ذهب.. إشارة إلى أن هذا السلطان لن يلقاه أبدا، ولن يعود إليه بحال.. لقد هلك، وما كان لهالك أن يتعلق به أمل..
قوله تعالى:
«خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ» .
إنه بعد أن ترك هذا الشقىّ الأثيم، يهذى ويعوى، ويلهث، باحثا فى كل وجه، متطلعا إلى كل أفق، يطلب وجها للخلاص من هذا البلاء- إنه بعد أن ترك هكذا حتى تقطعت أنفاسه، وسقط إعياء- لم يترك لشأنه هذا، وما هو فيه من بلاء، بل قرع أذنه هذا الصوت الآمر، بأخذه، ووضع القيد فى عنقه، ثم سحبه إلى جهنم، وربطه هناك فى سلسلة طولها سبعون ذراعا!! وهل بقي مع هذا الشقىّ قوة، حتى يخشى من أن يفرّ من هذا المصير المساق إليه؟ إنه لا يقوى على الحركة، فكيف يفرّ؟ وإن فرّ، فإلى أين؟
стр. 6283
ولكن هذا القيد الذي أحاط بعنقه، وهذه السلسلة الطويلة التي يسحب منها، إنما هو إذلال له، وامتهان لكرامته بين الناس، ومعاملته معاملة الحيوان الذي يقاد من مقوده، ويربط فى حظيرته..
ولا نتجاوز بالحديث عن هذه الأدوات الجهنمية، من قيود، وسلاسل، ومقامع، وغيرها من أدوات النكال والتعذيب- لا نتجاوز بها الحدود التي يتسع لها اللفظ القرآنى.. فهناك- يقينا- أدوات عذاب- وقانا الله شرها- من سلاسل، وأغلال، ومقامع، وطعام من زقوم، وشراب من حميم، وغير ذلك مما ورد ذكره فى القرآن الكريم.. ولكن ما صفة هذا؟ ولم كان طول السلسلة سبعين ذراعا؟. هذا مالا نتكلف البحث عنه، وطلب الجواب له..! وحسبنا أن نقول كما علمنا الله أن نقول فى مثل هذا المقام: «آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا» (٧: آل عمران) .
قوله تعالى:
«إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ» .
هو بيان للسبب الذي من أجله صار هذا الشقىّ إلى هذا المصير المشئوم..
«إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ» الذي ملك بعظمته وسلطانه أمر هذا الوجود، والتصرف فيه كما يشاء، دون أن يكون لأحد سلطان معه.
وفى وصف الله بالعظمة هنا، إشارة إلى أن هذا اليوم- يوم القيامة- يتعرّى فيه كل ذى سلطان من سلطانه.. فقد كان للناس فى الدنيا، شىء من الإرادة، والتصرف، والملك والسلطان، ولكنهم فى هذا اليوم سلبوا كل شىء، وتعرّوا من كلّ شىء.. ولهذا يقول الحق سبحانه فى هذا اليوم: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟» فيجيب الوجود كله: «لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ» .
стр. 6284
وفى قوله تعالى.. «وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ» .. إشارة إلى ما لرعاية المساكين والعطف عليهم من تقدير واعتبار، فى مقام الإيمان، حيث جاء ذلك بعد الإيمان بالله، معطوفا عليه، وموازنا له.. وهذا يعنى أن من الإيمان بالله العطف والإحسان إلى عباد الله، إذ كان هؤلاء المساكين هم ضيوف الله، فمن أكرمهم لله، أكرمه الله، ومن أهانهم، وأمسك يده عنهم، أهانه الله، وأمسك رحمته عنه.
والحضّ على الشيء: الحثّ عليه، وإغراء الغير به..
وفى التعبير عن الدعوة إلى إطعام المسكين، بلفظ «الحضّ» .. إشارة إلى ما فى الطبيعة الإنسانية من شحّ وبخل، وحبّ للذات.. وأن الإحسان إلى الفقراء لا يكون إلا عن مغالبة هذه الطبيعة، وحمل النفس على ما يخالف هواها..
وهذا إنما يكون عن مراودة بين الإنسان ونفسه، وحثها على البذل والسخاء.
ثم إن فى بذل الإنسان، وسخائه فى وجوه البر والمعروف، حضّا صامتا على إشاعة الإحسان بين الناس، حيث يرى فيه الناس قدوة حسنة فى هذا المقام.
قوله تعالى:
«فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ» .
فهذا هو جزاء من لم يؤمن بالله العظيم، ولم يحضّ على طعام المسكين..
إنه لا صديق له يدفع عنه هذا العذاب، لأنه لم يكن له من عباد الله صديق ينال من خيره وبرّه.. فإذا ضاقت به الحال فى هذا اليوم، فإنه لا يجد المعين الذي يمينه، لأنه لم يقدم لأحد عونا فى حياته الدنيا..
стр. 6285
ثم لأنه لم يطعم المسكين، وتركه يمضغ الجوع، والحرمان- فليس له فى هذا اليوم طعام إلا من غسلين، أي من صديد، مما يفرزه المعذّبون بنار جهنم..
فهو يتغذّى من هذه الإفرازات الذاتية التي تفرز من جسده المحترق، كما ترك هو الجائع المسكين يتغذّى من داخل جسده، ويأكل بعض أعضائه بعضا..
وقوله تعالى: «لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ» هو وصف لهذا الطعام الجهنمىّ..
إنه طعام أصحاب الخطايا والآثام، طعام المجرمين، لا طعام لهم إلا هذا الطعام، وما أشبهه! هذا، وفى خطاب أصحاب اليمين بلفظ الجمع فى قوله تعالى: «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ» .. مضاعفة لنعيمهم، وزيادة فى تكريمهم، إذ يجمعهم الله على بساط هذا النعيم، حيث يأنس بعضهم ببعض، وحيث يتنازعون كئوس الخمر التي يطوف عليهم بها الولدان المخلدون.. «عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ» .
وعلى عكس هذا، قد أفرد أصحاب الشمال فى عذاب الجحيم، وحتى لكأنما كل واحد منهم قد اشتمل عليه العذاب وحده، لا يشاركه فيه أحد، مما قد يكون مصدر عزاءله.. وفى هذا مضاعفة لعذابه، وبلائه.. «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ» .. إن هذا أشبه بالحبس الانفرادى، الذي يعانى فيه أهله، تلك الوحشة القاتلة، التي تجمع هموم الدنيا كلها فى قلوبهم، غير مشارك لهم فيها أحد..
الآيات: (٣٨- ٥٢) [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ٣٨ الى ٥٢]
فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢)
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧)
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)
стр. 6286
التفسير:
قوله تعالى:
«فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ» .
القسم هنا منفى بلا النافية فى قوله تعالى «فَلا أُقْسِمُ» وليست «لا» زائدة كما يذهب إلى ذلك كثير من المفسرين.. فنحن على رأى واحد فى أن لا زيادة فى حرف أو كلمة فى نظم القرآن! وهذا القسم المنفي. إما أن يكون نفيه لأن المقسم عليه، وهو القرآن الكريم، وبأنه قول رسول كريم- حقيقة ثابتة، ظاهرة، لا تحتاج إلى قسم..
وإما أن يكون المقسم لهم- وهم هؤلاء- المشركون، لا يصدّفون بهذا الحديث، سواء حلف لهم عليه أم لم يحلف.. وإذن فالأولى أن يكون الحديث إليهم مرسلا من غير قسم، لأن من لا يصدق المتحدّث إليه، بغير قسم،
стр. 6287
لا يصدقه إذا هو أقسم، بل إن القسم ربما زاد من شكوكه فى صدق من يحدّثه.
والذي نبصره، هو ما يقع تحت حواسنا ومدركاننا من هذا الوجود والذي لا نبصره، هو ما لا يقع تحت الحسّ والإدراك، وهو هذا الوجود العظيم، الذي مبلغ علمنا به لا يتجاوز قطرة من محيطات..
وقوله تعالى:
«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» .
هو المقسم عليه.. وهو القرآن الكريم، وأنه قول رسول كريم.
والرسول الكريم، هو رسول الله ﷺ ، الذي يحدّث القوم بآيات الله التي يتلوها عليهم..
ونسبة قول القرآن الكريم إلى الرسول، لأنه هو الذي يتحدث به، ويبلغه إلى الناس، على أنه كلام الله، ومن عند الله..
فمعنى القول هنا «البلاغ» .. أي هذا القرآن هو بلاغ من رسول كريم، لا أنه من كلامه هو، ولهذا جاء قوله تعالى بعد ذلك: «تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» ليقرر هذه الحقيقة، كما جاء بعد هذا قوله سبحانه: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ» ليؤكد هذه الحقيقة، ويقطع كل شبهة بأن لرسول الله شيئا من هذا القرآن الذي يتلوه على الناس، وإنما هو من كلام ربّ العالمين..
وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد بقوله تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» جبريل ﵇، أمين الوحى..
стр. 6288
وهذا- والله أعلم- مما يحتمله النظم القرآنى، وإن كان الأولى عندنا أن يكون المراد بالرسول الكريم، هو رسول الله، إذ كان الموقف هنا موقف دفاع عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وردّا على اتهام المشركين له بأنه كاهن، وبأنه شاعر.. فكان المقام يقضى بأن يوضع الرسول بموضعه الصحيح، وهو أنه رسول كريم، وأن ما ينطق به ليس من منطق الكهانة ولا الشعر، وإنما هو منطق مبعوث كريم من ربّ العالمين، يبلّغ ما أرسل به إلى عباد الله.
وفى وصف الرسول بأنه «كريم» - إشارة إلى أنه يقدّم هذا الخير العظيم للناس، فى سخاء، ويبذله، فى غير منّ، لا يطلب عليه أجرا..
قوله تعالى:
«وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ.. قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ» .
هو نفى لتهمة الشعر التي يلصقها المشركون بالقرآن.. فالرسول ليس بشاعر، وما ينطق به ليس من باب الشعر، ولا من واردات الشعراء أبدا..
والله يقول: «وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ» (٦٩: يس) وقوله تعالى: «قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ» .. أي أنه مع وضوح هذه الحقيقة وضوحا لا يحتاج إلى طول بحث، ومعاناة نظر، فإنكم أيها المشركون تتمارون فى هذه الحقيقة، وترفضون الإيمان بها، وإن وقع لكم شيء من الإيمان بأن هذا الكلام ليس من أودية الشعر، فإنه سرعان ما يغلبكم الهوى، ويطغى عليكم الضلال، فتركبون الحماقة، وتردّدون هذا القول الذي يكذبكم به الواقع المحسوس، إذ كان إيمانكم إيمانا قليلا.. فى كيفه وكمّه..
стр. 6289
قوله تعالى:
«وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ.. قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» ..
أي وليس هذا القرآن من قول كاهن، لأن لغة الكهانة لغة غامضة، معمّاة بالألغاز.. وهذا كلام عربىّ مبين..
وقوله تعالى: «قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» استبعاد لهم من أن يرجعوا إلى عقولهم، وأن يعرضوا عليها هذا الذي يسمعونه من آيات الله، وهذا الذي يحفظونه من مقولات الكهان ليروا بعد ما بينهما، وأنه إن كان لهم من هذا ذكر، فهو أشبه بأطياف الأحلام، لا يلبث أن يقع فريسة للجهل والغفلة..
قوله تعالى:
«تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» .
هو قولة الحقّ فى القرآن الكريم، وأنه منزل من رب العالمين، ليس من كلام بشر، أيّا كان، شاعرا، أو كاهنا، أو حكيما، أو عالما..
قوله تعالى:
«وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ» .
هو استبعاد لأن يكون من رسول الله فى هذا القرآن كلمة من عنده، أضافها إليه، ثم أسندها إلى الله.. فإنه لو فعل ذلك- ومحال أن يفعله- لكان عقابه أشد العقاب من الله.. «لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ» أي لأمسكنا به من يمينه..
«ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ» أي لذبحناه، وقطعنا وريده، الذي هو ينبوع الحياة.
ثم لم يكن لأحد منكم أن يمنع عنه هذا العقاب الذي تأخذه به، ويحجز بينه وبين الجزاء الذي نوقعه عليه. «فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ»
стр. 6290
وإذن، فلم يكذب محمد؟ ولم يقول على الله ما لم يقله الله؟
ألأجل نفسه يفعل هذا؟ إنه لم يطلب أجرا، ولم ينل منكم كثيرا أو قليلا.. بل كل ما كان له منكم هو هذا الأذى المتصل، وتلك السفاهة الحمقاء.. أم لأجلكم أنتم كان هذا الافتراء؟ ولم يعرّض نفسه لا نتقامنا، وأنتم لن تدفعوا عنه ما نأخذه به من عقاب؟
إن الذي يغامر هذه المغامرة، إما إن تكون لحساب نفسه، ومن أجل هذا يحتمل ما يحتمل فى سبيلها.. وإما أن يكون لحساب غيره الذي يجد منه الحماية ساعة الخطر..
فإذا لم يكن هذا أو ذاك، فإنه يصبح من المحال أن تقع منه تلك المغامرة بالافتراء على الله، لغير سبب معقول، أو حكمة ظاهرة.
قوله تعالى:
«وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ» ..
هذا هو القرآن الكريم.. إنه ليس بقول شاعر، ولا بقول كاهن، ولا متقوّل من رسول الله على الله، وإنما هو تنزيل من رب العالمين.. وهو تذكرة للمتقين، يذكرهم بما فى فطرتهم السليمة، من إيمان بالله، وتقبّل للحق والخير.. فهل بقي لكم من فطرتكم- أيها المشركون- شىء تلتقى به مع الحق، وتؤمن به؟
قوله تعالى:
«وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ» .
هو تهديد لهؤلاء المشركين، الذين يكذبون بآيات الله، وأن الله يعلم المكذبين بهذا الحديث، والمتهمين للرسول، وإن وراء هذا العلم
стр. 6291
حسابا، وجزاء، وعذابا أليما.. وفى خطاب المشركين بأن منهم مكذبين..
إشارة إلى أن كثيرا منهم كان يعلم صدق النبي، ولكن الكبر والعناد يحولان بينهم وبين الخضوع للحق، والولاء له، كما يقول سبحانه: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» (٣٣: الأنعام) .
قوله تعالى:
«وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ» ..
وأي وإن هذا القرآن لحسرة على الكافرين، يوم ينكشف لهم أنهم بتكذيبهم له، وكفرهم به، قد وردوا النار، وألقوا فى العذاب المهين..
فتمتلىء لذلك قلوبهم حسرة وكمدا، لأنهم لم يؤمنوا به، ولم يأخذوا طريق النجاة على هداه.. لقد كان مركب نجاة أقلعت، ولن يلحقوا بها..
قوله تعالى:
«وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ» ..
أي هذا القرآن هو حق من حق.. وأنه الحق المستيقن، الذي لا يأت يه باطل من بين يديه ولا من خلفه.. وفى إضافة الحق إلى اليقين، إشارة إلى أنه من موارد اليقين، وأنه حق هذا اليقين، وخلاصة ما فيه.. فهو حقّ مصفّى من حق، إن كان الحق فى حاجة إلى تصفية!! قوله تعالى:
«فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» .
هو دعوة للرسول الكريم أن يلقى هذه المنّة العظيمة بنزول القرآن عليه، بتسبيح ربه العظيم، وبحمده، وتنزيهه، والولاء له.. فهذا هو بعض ما ينبغى فى مواجهة نعم الله، وفى مقام الشكر عليها..
стр. 6292
وإذا كان القرآن الكريم هو مأدبة الله التي يصعم منها المؤمنون، وينالون منها الشّبع لقلوبهم، والرىّ لأرواحهم- فإن التسبيح باسم الله العظيم مطلوب منهم، بعد هذا الشبع، وذلك الري، للقلوب والأرواح.. فلينتظموا صفوفا وراء إمامهم الكريم، رسول الله، وليسبحوا معه باسم ربهم العظيم..
والتسبيح باسم الله، هو تسبيح لذات الله ، فى اسمه الكريم، أما ذاته سبحانه فلا يعرف لها كنه، ولا يقع لها فى العقل تصور، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
стр. 6293
٧٠- سورة المعارج
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة الحاقة..
عدد آياتها: أربع وأربعون آية..
عدد كلماتها: مائتان وثلاث عشرة كلمة..
عدد حروفها: سبعمائة وسبعة وخمسون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
كان مما تحدثت عنه آيات سورة «الحاقة» ما يلقى الكافرين من عذاب ونكال يوم القيامة.. وأنهم يسحبون فى سلاسل إلى النار، ويسجرون فيها، ثم يطعمون غسلينها وزقومها..
وهذا الحديث عن النار، وما يلقى فيها المكذبون بآيات الله وبرسل الله، من عذاب وهوان- هذا الحديث لا يلقى من المشركين إلا الهزء والسخرية، والتحدّى، لأنهم لا يؤمنون بالبعث.. ومن ثم فلا يصدقون بما وراء البعث من من حساب وجزاء.. وإنه لتبلغ بهم الجرأة فى التكذيب أن يقول قائلهم:
«اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (٣٢: الأنفال) .
ولهذا جاءت سورة «المعارج» مفتتحة بهذا الوعيد، لتواجه به المكذبين بيوم القيامة، ولتلقاهم بالعذاب الذي أنذروا به، والذي يستعجلونه، هزؤا به، وسخرية منه.
وبهذا نجد التلاحم بين السورتين، أكثر من أن يكون تلاحم جوار، وإنما هو تلاحم نسب وقرابة.
стр. 6294
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٨) [سورة المعارج (٧٠) : الآيات ١ الى ١٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩)
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)
كَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨)
التفسير:
قوله تعالى:
«سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ» ..
لم تذكر الآية الكريمة اسم هذا السائل، بل جاءت به منكّرا هكذا:
«سائل» - لأنه لا يعدو أن يكون واحدا من هؤلاء السفهاء، الرقعاء، الذين ركبهم الجهل، والغرور، حتى لقد خيل إليهم أنهم أوتاد هذه الأرض، وأنهم
стр. 6295
لو أخلوا مكانهم منها لفسد نظام الكون، واضطرب أمر الناس!! والسؤال من السائل هنا، هو سؤاله عن هذا العذاب: متى هو؟ وهو المنكر لما يسأل عنه، وكأنه بهذا الإنكار، إنما يهتف به أن يأتيه الآن، وأن يقع به فى الحال.. إنه على استعداد لا ستقبال هذا العذاب، لأنه على يقين من أنه شىء لا وجود له! ..
وفى تعدية الفعل «سأل» بحرف الباء، مع أنه يتعدى بالحرف «عن» - إشارة إلى تضمن الفعل معنى المطالبة بهذا العذاب، والهتاف به، كما يقول الله على لسان هؤلاء المشركين: «فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (٣٢: الأنفال) فكأن المعنى: طلب طالب، ودعا داع بالعذاب الواقع.
وقوله تعالى:
«لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ» هو ردّ على هذا السؤال المتحدّى، المنكر..
أي أن هذا العذاب هو معدّ للكافرين، مقبل إليهم، لا يدفعه عنهم دافع..
وقوله تعالى «مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ» متعلق بمحذوف، تقديره مرسل عليهم من الله ذى المعارج..
والمعارج الأماكن المرتفعة، التي يكون الصعود إليها دائريّا، كالصعود إلى المئذنة ونحوها، ومنه قوله تعالى: «وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ» (٣٣: الزخرف) ..
وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن العروج إلى السماء، لا يكون فى خط عمودى، وإنما فى خطوط مقوسة، داخل قبة الفلك، التي تمثل دائرة عظيمة لا نهاية لها..
стр. 6296
وفى جمع «المعارج» إشارة أخرى إلى أن هناك أكثر من معرج، وأن لكل سماء معرجها الذي يعرج إليها منه، أشبه بالمبني ذى الطوابق العديدة، لكل طابق معرج يعرج فيه إليه..
ووصف الله بأنه ذو المعارج، إشارة ثالثة إلى علو سلطانه، وأن العذاب المرسل منه إلى الكافرين، عذاب يسقط عليهم من سموات عالية، فلا يمكن لقوة أن تحول بينه وبين أن يهوى على رءوس الكافرين.. إنه أشبه بالأحجار التي تهوى من السماء على رءوس من هم في دائرة سقوطها..
قوله تعالى:
«تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ..»
هو إشارة إلى مدى هذا العلو الذي لتلك المعارج، التي يقوم عليها سلطان الله، وأن الملائكة والروح، تصعد هذه المعارج فى يوم.. ولكن أي يوم هو؟
إنه يعدل خمسين ألف سنة من أزمان الدنيا.. أي أن ما يقطعه الملك فى عروجه إلى السماء فى يوم واحد، يقطعه الإنسان فى خمسين ألف سنة بأقوى ما يمكن أن يتوسل به من وسائل، من صواريخ، ومركبات كوكبية وغيرها..
والمراد بالروح، إما أن يكون جبريل ﵇، أو أرواح البشر، أو مخلوقات من عالم الروح غير الملائكة. والمراد بهذا أنها مخلوقات ذات سرعة مطلقة من غير قيد المادة ومعوقاتها.. إنها أرواح، لا أجساد لها..
وقوله تعالى:
«فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا» ..
стр. 6297
هو تطمين للنبىّ، وتسرية عنه، لما يلقى من عناد قومه، واستهزائهم به، تحديهم للعذاب الذي ينذرهم به.. إن عليه أن يوطن نفسه على الصبر، والصبر؟؟؟، الذي لا يصحبه ضجر أو ملل..
ثم إن هذا الخطاب للنبى الكريم، فيه تهديد للمشركين المكذبين، بما سيقع بهم وراء هذا الصبر الذي يلقاهم النبىّ به، محتملا سفاهتهم، وسخريتهم..
فهو كقوله تعالى: «فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً» (١٧: الطارق) قوله تعالى:
«إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً» الضمير فى «يرونه» يعود إلى العذاب الواقع بالكافرين، المرسل عليهم من الله ذى المعارج..
فالمشركون المكذبون باليوم الآخر، يرون العذاب بعيدا، أي بعيد الوقوع، بعدا يبلغ حد الاستحالة، أو يرونه بعيدا، لأنه إذا جاء فإنما يجىء يوم القيامة، التي لا يدرى أحد متى تكون على فرض وقوعها.. فهذا الزمن المجهول، يبدو بعيدا بحيث يكون من العبث أن يرجو منه المرء خيرا، أو يخشى منه شرا.. هكذا يقوم حساب هذا اليوم عند اللّاهين والغافلين، الذين لا يعيشون إلا ليومهم.. «يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ.. وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ» . (١٢: محمد) وقوله تعالى: «وَنَراهُ قَرِيباً» أي أنه وإن بدا هذا اليوم بعيدا فى نظر المشركين والمكذبين- هو فى حقيقته قريب، وأنه إذا طلع عليهم بعد آلاف السنين، بدا لهم أنه ابن يومهم هذا الذي هم فيه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها» (٤٦: النازعات) .
стр. 6298
قوله تعالى:
«يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ» .
هو بيان للأحداث التي تقع يوم القيامة، يوم العذاب الذي ينتظر أهل الشرك الضلال.
ففى هذا اليوم، تكون السماء «كالمهل» وهو خثارة الزيت، بعد غليانه، وتكون الجبال «كالعهن» وهو الصوف المصبوغ بلون الحمرة، بعد أن ينفش وتنحلّ أجزاء بعضه عن بعض..
وفى تشبيه السماء بالمهل، والجبال بالعهن، وما يغلب على التشبيهين من لون الحمرة- فى هذا إشارة إلى تغير طبيعة لون الجوّ، فى مرأى العين، وذلك حين يكون موقع النظر من خارج الغلاف الجوى للأرض، حيث تبدو السماء، والأرض، مكسوّنين بلون أشبه بلون الأفق الداكن بعد الغروب، أو قبل الشروق..
هذا، وقد عرضنا للحديث فى أكثر من موضع عن هذه التغيرات التي تحدث يوم القيامة، فى العالم الأرضى، وما يتصل به من عوالم السماء، وقلنا إن هذه التغيرات إنما هى واقعة بالنسبة لإحساس الإنسان يومئذ بها، نتيجة لتغيّر موقفه من الأرض، وتغير طبيعته بعد البعث.. أما عوالم الوجود فى الأرض وفى السماء، فإنها تجرى على ما أقامها الله عليه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ» (٤٨: إبراهيم) .
فهذا التبدّل هو تبدّل فى مدارك الإنسان لهذه العوالم، لتبدّل موقفه منها، ورفع الغطاء الكثيف الذي كان على بصره وبصيرته فى الحياة الدنيا.
стр. 6299
وقوله تعالى:
«وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً» ..
أي فى هذا اليوم، لا يسأل صديق عن صديق، ولا يلتفت قريب إلى قريب، لما يواجه الناس يومئذ من أهوال، وما يحيط بهم من كروب.
قوله تعالى:
«يُبَصَّرُونَهُمْ.. يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ.» .
هو بيان للحال التي يكون عليها الناس يوم القيامة، وأن كلّ إنسان مشغول بنفسه، لا يسأل عن أحد، ولا يسأل عنه أحد.. إن كان من الناجين مضى إلى مرفأ النجاة، ناجيا بنفسه، دون أن يلتفت إلى وراء، أو عن يمين أو شمال.. وحسبه أنه نجا.. وإن كان من الهالكين فحسبه ما يعانى من شدّة وبلاء.. «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» .. (٣٧: عبس) وقوله تعالى: «يُبَصَّرُونَهُمْ» .. أي يرونهم رؤبة كاشفة لأحوالهم وما هم فيه من كرب وبلاء.. وضمير الرفع «الواو» وضمير النصب «الهاء» فى «يبصرونهم» ، يعودان إلى «حميم» و «حميما» ، لأن كلّا منهما فى معنى الجمع، وإن كان مفردا، لأنه نكرة تفيد الاستغراق فى حال النفي..
والتقدير أنه لا يسأل الأصدقاء أصدقاءهم، لأن كلّا من طرفى التساؤل، على حال واحدة، من الوجوم، والاشتغال بالنفس عن الغير، فالجميع فى هذا اليوم على سواء فيما يذهلهم من هموم، فلا سائل، ولا مسئول. وفى الفعل «يبصرونهم» ما ليس فى الفعل «يبصرونهم» وذلك:
стр. 6300
أولا: أن يبصّرونهم يفيد أن أهل الموقف- لما هم فيه من بلاء- لا يكادون يبصرون شيئا.. ولكن كأن قوة خارجة عنهم تحملهم حملا على أن يفتحوا أعينهم على هذا المكروه الذي يحيط بهم، ويهجم عليهم..
وثانيا: أن يبصّرونهم، تجعل المبصرين والمبصرين على سواء، فكل منهم يبصر، ويبصر، فى حال من الفزع والهلع، لا تدع لأىّ سبيلا إلى الاختيار فيما ينظر إليه..
وقوله تعالى: «يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ... »
هو حال من ضميرى الرفع والنصب فى يبصرونهم.. أي أنه يبصر بعضهم بعضا، ويكشف بعضهم حال بعض، فى حال يود فيها المجرم لو يفتدى من عذاب هذا اليوم ببنيه، وصاحبته وأخيه، وفصيلته التي تؤويه، ومن فى الأرض جميعا..
[من الإعجاز النفسىّ.. فى القرآن]
ولا بد من وقفة هنا بين يدى قوله تعالى: يودّ المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه. وصاحبته وأخيه. وفصيلته التي «تُؤْوِيهِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ» .. حيث نجد صورة من صور الفرار من الخطر، يتخفف فيها الإنسان مما بين يديه من كل عزيز عليه، غال عنده، ولكنه محمول على هذا تحت وطأة البلاء المحيط به.. ولهذا فهو لا يلقى بكل مدخراته جملة واحدة، وإنما يخلى يده من بعض، ويشدّ يده على بعض، حتى إذا لم يجد فيما فعل ما يخفف عنه البلاء، ألقى بكل مامعه جميعا، لعله يجد فى هذا طريقا للإفلات من يد هذا الخطر المطلّ عليه..
والفرار من الخطر، وطلب النجاة من مواطن الهلاك، غريزة مركوزة
стр. 6301
فى الكائن الحىّ، يقوم عليها بقاؤه وحفظ نوعه.. وإنه حين يفقد الكائن الحىّ فعالية هذه الغريزة، يفقد الحياة فى أولى خطواته على طريقها.. سواء فى ذلك الإنسان، أو الحيوان، وحتى النبات.. وأكاد أقول والجماد أيضا!! ..
والإنسان بما فيه من عقل وذكاء، قد مكّن لهذه الغريزة فى كيانه، وأقام منها حارسا يقظا عليه، ووضع بين يدى هذا الحارس أكثر من سلاح يدفع به أي خطر يقع، أو يتوقع أن يقع..
وفى الآخرة أهوال تأخذ الناس بالنواصي والأقدام.. (إن زلزلة الساعة شىء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) (١- ٢: الحج) .
فى هذا الموقف الرهيب، يساق المجرمون، والعصاة، إلى ساحة القصاص، حيث يرون رأى العين مصيرهم الذي هم صائرون إليه، والمنزل الذي سينزلونه من جهنم، التي إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا..
إن القلوب لتنخلع من هذا الهول، إن كان هناك قلوب لم تذهب بها مطالع الأهوال، ولم تفتتها الآلام والحسرات.. إنها حال لا يمكن أن تتصورها العقول، ولا أن يحيط بها وصف، لأنها مما لن يقع إلا فى هذا اليوم.
هناك صراخ وعويل، وزفرات وأنين، ولهفات وحسرات، يختلط بعضها ببعض، فتملأ أسماع العالمين بهذه المناحة المروّعة، التي تزيد فى الآلام، وتضاعف من العذاب!.
стр. 6302
وأين المفر؟
إنه لا مفر من النار إلا إلى النار، ولا مفزع من البلاء إلا إلى البلاء!.
ومع هذا اليأس القاتل، فإن قسوة العذاب، وشدة البلاء، تحمل المجرمين على أن يفزعوا إلى أي مفزع، ويتجهوا إلى أي متجه.. إنها محاولات لا بدّ منها، وحركات تجرى فى النفس، ولا تتخذ لها طريقا عمليا، حيث اليأس المطلق، الذي لا يلوح فى سمائه المتجهمة بصيص من أمل، ولا أثر لرجاء..
وننظر فى هذه الصورة المعجزة، التي صورها القرآن الكريم لمسارب النفوس ومجرى الخواطر، فى زحمة هذا المعترك الضنك الذي تبلغ فيه القلوب الحناجر..
إنه لو قدر لآلات التصوير السينمائى أن تدخل إلى عالم النفس، فترصد حركاتها، وتكشف عن خفاياها، لما أمكنها أن تأتى بما يقرب من هذه الصورة القرآنية فى إحكامها، وصدقها، وإحاطتها الشاملة بما تكنّ الضمائر، وما تخفى الصدور..
وننظر فى الصورة القرآنية، التي عرضتها الآيات الكريمة.
(يودّ المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ يبنيه، وصاحبته وأخيه، وفصيلته التي تؤويه، ومن فى الأرض جميعا ثم ينجيه.. كلا.. إنها لظى، نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى، وجمع فأوعى) ..
إن الإنسان هنا فى فم الهلاك، وفى دائرة العذاب المطبق عليه.. وإن لذعة العذاب لتخرج الإنسان عن نفسه، وتجعل أعضاءه- فى متدافع هذا العذاب- يرمى بعضها بعضا، ويتّقى بعضها ببعض.. إنه لا شىء يحرص عليه
стр. 6303
الإنسان هنا.. إن أقرب شىء إليه، وأعزّه إلى نفسه، ليقدّمه فى غير وعى، ليدفع به هذا العذاب الذي يأكله، كما تأكل النار الحطب! إنه لا يملك غير نفسه، وقد احتواها العذاب! فهل يحرص بعد هذا على شىء؟.
إنه يود أن لو كان بين يديه أبناؤه.. إذن لا تقى بهم هذا العذاب، ولجعلهم دريئة له، يتلقون عنه ألسنة اللهب، ووهج السعير..
ولكنه إذ يرمى بأبنائه فى جهنم ثم لا يجد فيهم غناء، يمد يده إلى من هم أبعد إليه منهم.. إنها صاحبته، أي زوجه، وأم بنيه، ثم هى زوج وصاحبة معا، قد سكن إليها، وتعلق قلبه بها، وليست مجرد زوجة!.
ثم ماذا؟ إنها لم تغن عنه شيئا.. وها هو ذا يمدّ يده إلى من هم أبعد من بنيه، وصاحبته.. إلى أخيه.. ثم إلى أهله وعشيرته.. ثم إلى كل من تطوله يده من قريب أو بعيد.. ثم لا يزال هكذا حتى يأتى على كل ما فى الأرض، من أنفس، ومتاع..
إن هذا الترتيب المتتابع فى تقديم ضحايا الفداء، لا يمكن أن يقع على هذا الوجه إلا بحساب دقيق محكم لاتجاهات النفس، وإلا بتقدير واقعي لارتباطها الشعورى بكل ضحية يضحّى بها فى هذا المقام.
وقد يبدو غريبا- فى ظاهر الأمر- أن يقدّم الإنسان أول ما يقدم للفداء والتضحية، أعزّ شىء لديه، وهم أبناؤه، وقد كان المتوقع أن يضنّ بهم، أو أن يجعلهم آخر سهم يرمى به فى وجه هذا الهلاك الذي يحتويه!! وهذا الحساب إنما يجرى على هذا الوجه، حين تكون الأمور على ما ألف الناس، وحين يكون فى الأمر شىء من السّعة، ولو كان بمقدار سمّ الخياط..
стр. 6304
أما والعذاب هو عذاب جهنم، فإن المعابير تختلّ والموازين تضطرب..
وهل ينتظر من الإنسان فى مزدحم هذا الهول أن يعرف ضوابط ومعايير؟
وهل يدع هذا العذاب لإنسان سبيلا الاختيار، أو فرصة للموازنة؟.
إن أقرب شىء للإنسان فى هذا الموقف، هو درعه التي يتقى بها لفح العذاب، ولو كان هذا الشيء عضوا من أعضائه!! ولكن انظر حين يكون فى الأمر شىء من السعة، وحين يكون الإنسان خارج دائرة العذاب، لم يقع فيه بعد، ولم تغلق عليه أبواب جهنم.
إنه هنا يملك شيئا من الاختيار.. ولهذا فإنه فى ابتداء منطلقه من وجه الخطر، يتخفف من المهم فالأهم، ويتخلى عن العزيز فالأعزّ.. إنه لا يقدم فدية، ولكنه يحلّ نفسه من الروابط التي تربطه بالولد، والصاحبة، والأب والأم، والأخ. تلك الروابط التي تجعل منه ومن هؤلاء الأقربين كيانا واحدا، أشبه بالجسد وأعضائه..
فهو إذ يحلّ عقد الروابط بينه وبين هذه الأعضاء، يبدأ بأبعدها عنه، فيحلها عقدة عقدة، حتى ينتهى إلى أقرب عضو إليه، ولا عضو أقرب منه بعد هذا إلا نفسه ذاتها..
وشاهد هذا فى القرآن الكريم.. فى قوله تعالى:
«يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» (٣٤- ٣٥: عبس) .
فهنا حركة فرار من خطر داهم.. أو شر مقبل، أو حيّة مهاجمة، أو نار علقت بالدار والمتاع، أو نحو هذا.. وهنا لا يلتفت الإنسان إلا إلى نفسه، لينجوبها
стр. 6305
فإن راوده الأمل، ونازعته نفسه إلى حمل شىء معه، كان نظره إلى أعزّ شىء عنده، يجعله معه، ويمنّى نفسه بالنجاة به، فإن هو قد وجد فرصة النجاة ضيقة تخفف مما حمل، ورمى بالعزيز، دون الأعزّ.. ثم إذا ضاقت الدائرة بحيث لا تتسع إلا لنفسه، رمى بكل شىء، وطلب السلامة لنفسه، والفرار بجلده.
إن هذه الدقة البالغة غاية الأحكام، فى تصوير الحقائق، وانتزاعها من أغوار النفس، ومسارب الفكر، لا تكون فى غير القرآن الكريم، ولا تجىء إلا من تلقائه، حيث القدرة المعجزة، والبيان المفحم..
ولو ذهب كانب أو شاعر، يصور هذه الأحوال، لما أمكن أن يقارب هذا التصوير القرآنى، ولا أن يقع فى ظلاله..
وهب شاعرا أو كانبا وقع فى نفسه هذا الترتيب، أفتظن أنه كان يستطيع أن يجد له هذا البيان الواضح السمح، الذي يتدفق تدفق النور من وجه الصباح الوليد؟ ثم أكان يفرّق في هذا المقام بين زوجة وزوجة بهذه اللفظة المعجزة:
«صاحبته» التي تضمن لهذا الترتيب بين أهل الإنسان وعشيرته، الصدق والواقعية؟
ثم ماذا؟
ثم هذا العطف بالواو فى الآيتين:
«يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ. وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ. وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ.» .
«يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ» . (٣٤-
٣٦: عبس) .
هذا العطف بالواو.. ماذا تقول فيه؟
следующие страницы →