فى رحمته.. ولهذا كان دعاء عمر بن الخطاب رضى الله عنه عند الاستسقاء فى سبى الجدب، هو الاستغفار.. فقيل له إنك لم تدع بشىء، أي لم تطلب شيئا فى استسقائك؟ فقال: «لقد استسقيت بمجاديح السماء «١» . التي بها يستنزل المطر» يعنى أنه طلب السّقيا من أوسع أبواب السماء، بالاستغفار قوله تعالى:
«ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً» هو من دعوة نوح قومه، إلى الإيمان بالله.. وهو فى هذا الاستفهام ينكر عليهم ما هم فيه من غفلة عن الله، واستخفاف بجلاله وعظمته.. إنهم لا يوقّرون له، ولا ينظرون إليه نظر من يرجو ثوابه، ويخشى عقابه.. إنهم لا يعرفون الله، ولا يقدرونه قدره! وقوله: «وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً» جملة حال، من لفظ الجلالة.. أي ما لكم لا توقرون الله، والحال والشأن أنه قد خلقكم أطوارا.. أي خلقا من بعد خلق.. إذ كنتم نطفة فى بطون أمهاتكم، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم كسيت هذه العظام لحما.. ثم خرجتم من بطون أمهاتكم أطفالا.. ثم لبستم خارج أرحام أمهاتكم أطوارا من الحياة، فتنقلتم من الطفولة إلى الصبا، إلى الشباب، إلى الكهولة، إلى الشيخوخة.. وهكذا كانت يد القدرة القادرة تنتقل بكم من طور إلى طور، وبين الطور الأول والأخير مراد فسيح لذوى الأبصار، يرون فيه قدرة الخالق، وعظمته وحكمته، فتخشع الأبصار لجلاله، وتعنوا الجباه لقدرته..
стр. 6337
الآيات: (١٥- ٢٥) [سورة نوح (٧١) : الآيات ١٥ الى ٢٥]
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩)
لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (٢٠) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (٢٤)
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً (٢٥)
التفسير:
قوله تعالى:
«أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً» هو من دعوة نوح إلى قومه، ومن نصحه لهم، وإلفاتهم إلى ما لله من قدرة قادرة، وحكمة بالغة، وإحسان عظيم.
وفى هذا الاستفهام، دعوة إلى إيقاظ هذه العقول النائمة، وفتح تلك العيون المغلقة، التي لا ترى شيئا فيما حولها من هذا الوجود، وما فيه من آيات شاهدة على قدرة الله وحكمته.
стр. 6338
وقوله تعالى: «وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً، وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً» أي وجعل فى هذه السموات التي يعلو بعضها بعضا، ويطبق بعضها على بعض- جعل فى هذه السموات: القمر، مبعثا للنور، وجعل الشمس سراجا، يبعث الضوء والحرارة معا..
فالنور الذي يصدر عن القمر، هو نور لا حرارة فيه، لأنه من انعكاس ضوء الشمس على جسمه المعتم، فإذا انعكس الضوء على هذا الجرم، شعّ منه هذا النور الذي يبدد ظلمة الليل، ويملأ العيون بهجة، والقلوب أنسا..
أما الشمس، فهى سراج يتوقد، كما يتوقد السراج، فترسل الضوء والحرارة.. وهى سرّ حياة الكائنات الحية، وسر حركة الهواء، ونزول الأمطار، ونور القمر.. وغير ذلك كثير، مما كشف عنه العلم.
قوله تعالى:
«وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً» هو من حديث نوح إلى قومه أيضا.. إنه يكشف لهم فى هذا الحديث عن تطورهم فى الخلق، وأنهم نبتوا من الأرض، كما ينبت النبات.. فمن تراب هذه الأرض تخلقت الكائنات الحية، ومن ترابها تخلق الإنسان..
وإن أقرب صورة وأظهرها لتخلقه من الأرض: أن هذه النطفة التي تخلّق منها، هى من نبات الأرض، أي من الغذاء الذي مصدره هذا النبات.. فإذا امتد النظر إلى آفاق بعيدة وراء هذه النظرة المحدودة القريبة، أمكن أن يرى على الأفق البعيد: أن الإنسان فرع من شجرة الحياة التي تضرب جذورها فى أعماق بعيدة من الأرض «١» ..
стр. 6339
قوله تعالى:
«ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً» .. أي كما أنبتكم الله تعالى من الأرض، يعيدكم إلى الأرض، كما يعود إليها النبات، بعد أن يستوفى حياته فوقها.. ولكن لن تظلوا هكذا فى التراب، كما يظل النبات الذي عاد إليها، بل تخرجون منها مرة أخرى، إلى حياة غير حياتكم الأولى.. إلى الحياة الآخرة، وإلى الحساب والجزاء..
قوله تعالى:
«وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً» .
أي أن الله سبحانه قد جعل لكم هذه الأرض بساطا، أي مقاما ممهدا، كالبساط، تستقرون عليه، وتتحركون فوقه، من غير أن يحجزكم حاجز، أو يعوقكم عائق.. وبهذا تستطيعون أن تتحركوا على الأرض كما تشاءون، وأن تنطلقوا إلى أي اتجاه تريدون، حيث تتسع أمامكم وجوه الحياة، والتقلب فى وجوه الرزق..
والفجاج: جمع فجّ، وهو الطريق المتسع بين جبلين..
وهذا يعنى أن هذه السهول الممتدة بين الجبال، هى طرق، ومسالك للعمل فى الحياة، وللتغلب فى وجوه الأرض..
قوله تعالى:
«قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً» شكاة ضارعة من نوح إلى ربه، يشكو فيها قومه، الذي أصمّوا آذانهم عنه، وأعرضوا عن الاستجابة له، على حين أنهم استجابوا لمن يدعونهم إلى الغواية والضلال، من أولئك الذين لا يزيدهم ما يمدهم الله به من نعمه، وما يزدادون
стр. 6340
به أموالا، وأولادا، إلا خسرانا، وضلالا، وبعدا عن طريق الهدى، ومحادّة لله، ولأولياء الله..
قوله تعالى:
«وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً» ..
معطوف على قوله تعالى: «وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً» أي أنهم قد ولّوا وجوههم إلى حيث يدعوهم رؤساؤهم، وأصحاب المال والقوة فيهم، إلى ما يدعونهم إليه من ضلال، وفجور- بل ولم يقفوا عند هذا بل أخذوا يدبرون السوء والمكروه لنوح، ولدعوته، ويبيتون له الشر الذي يلقونه به، هو ومن آمن معه.
والمكر الكبار: هو المكر البالغ غاية السوء.. وهو مبالغة من المكر الكبير..
قوله تعالى:
«وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً، وَلا يَغُوثَ، وَيَعُوقَ وَنَسْراً» .
هذا بيان لبعض ما كان من مكرهم وتدبيرهم فيما بينهم.. فقد تواصوا فيما بينهم، على التمسك بآلهتهم تلك، وألا يصرفهم عنها ما يدعوهم إليه نوح، من الإيمان بالله.. إنها دعوة منهم إلى أنفسهم يردّون بها دعوة نوح إليهم، حتى يبطلوا مفعولها ويفسدوا آثارها..
وودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، هى بعض آلهتهم، ذوات الشأن، والمقام فيهم، هذا إلى آلهة كثيرة لهم، ولكنهم اختصّوا هذه الآلهة بالذكر، وعينوها بالاسم، لما لها من مكانة خاصة فى نفوسهم..
وقد ورث مشركو العرب هذه الآلهة، فبعثوها من مرقدها، بعد أن
стр. 6341
غرقت فيما غرق بالطوفان، وجعلوها آلهة يعبدونها من دون الله، كما كان يعبدها قوم نوح.. ولهذا كان من الأسماء المعروفة عند مشركى الجاهلية التي يسمون بها أبناءهم: عبد يغوث، وعبد ودّ.. فما أشبه هؤلاء المشركين بقوم نوح، وما أجدرهم بأن يلقوا المصير الذي صار إليه القوم.. ومع هذا فإنهم وإن لم يغرقوا بالطوفان، فقد غرقوا فعلا فى طوفان ضلالهم وكفرهم بآيات الله..
قوله تعالى:
«وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا» ..
أي وأنهم ضلوا أنفسهم ضلالا كثيرا، لا يرجى لهم معه رجعة إلى الله..
أو أنهم أضلوا كثيرا غيرهم، واستمالوهم إلى موقفهم الضال، ليكون لهم منهم قوة، ودولة..
وهذا من كلام نوح ﵇، ومن شكاته إلى ربه، وهو حال من أحوال قومه..
وقوله تعالى: «وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا» - هو دعاء من نوح إلى ربه، يدعو به على قومه أن يزيدهم الله ضلالا إلى ضلالهم، بعد أن وقفوا منه هذا الموقف المعن فى العناد والسفه، وبعد أن ضلوا هذا الضلال البعيد..
قوله تعالى:
. «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً» .
стр. 6342
هو تعقيب على دعاء نوح، بلسان الوجود، الذي شهد عاقبة أمر القوم، وما أخذهم الله به من هلاك فى الدنيا، وما وراء هذا الهلاك من عذاب أليم فى الآخرة..
وقوله تعالى: «مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا» أي من خطيئاتهم أغرقوا، أي من جهة هذه الخطيئات كان غرقهم، ومن هذه الخطيئات طلع عليهم الهلاك..
فكأنّ خطاياهم هى هذا الطوفان الذي أغرقهم..
و «مما» هى: من، وما، «ومن» هى حرف الجر المسلط على «ما» و «ما» نكرة، بمعنى شىء، مهول، ومخيف.. ففى تجهيل هذا الشيء، وصف له بكل ما يخيف ويفزع، ولهذا صح أن تجىء «خَطِيئاتِهِمْ» - وهى معرفة- بدلا منه.
الآيات: (٢٦- ٢٨) [سورة نوح (٧١) : الآيات ٢٦ الى ٢٨]
وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً (٢٨)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً»
стр. 6343
الواو هنا للاستئناف، وعطف موقف على موقف.. فالعطف هنا يشعر بأن نوحا فى موقف آخر، غير الموقف الذي كان يقفه بين يدى ربه، ويشكو إليه قومه وما صنعوا معه..
وهو هنا فى هذا الموقف الذي بلغ به غاية المطاف مع قومه، ينهى موقفه معهم، ويقطع صلته بهم، ويطوى صفحة رسالته فيهم، بهذا الدعاء الذي يدعو به عليهم.. «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» أي ساكن دار، وهو كناية عن القضاء على كل كافر، وما يضم بيته من مال ومتاع..
والمراد بالأرض هنا ليس مطلق الأرض، بل الأرض التي كان يسكنها قومه.. فإن نوحا أرسل إلى قوم، ولم يرسل إلى الناس جميعا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى أول السورة: «إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ» ولو كان مرسلا إلى أهل الأرض جميعا، لجاء النظم هكذا: إنا أرسلنا نوحا إلى بنى آدم.. مثلا..
قوله تعالى:
«إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً» .
وفى هذا ما يشير إلى ما لقى نوح من قومه، وإلى ما تحمل نفسه من بغضة لهم، بعد أن تكشفت له أحوالهم، وعرف الداء الخبيث المتمكن منهم، والذي لا شفاء لهم منه أبدا، بل إنه سيكون مصدر عدوى، تذيع الكفر والضلال، وتنشره فى الأرض، بما يخرج من ظهورهم من أبناء يحملون جرثومة هذا الداء الخبيث الذي يعيش فى كيانهم.
والفاجر: هو الذي جاوز الحد فى ارتكاب الآثام، ومقارفة الشرور، فى غير تحرج أو تأثّم..
стр. 6344
والكفّار: صيغة مبالغة من الكفر، وهو الذي يلغ كفره غاية ليس بعدها كفر.
قوله تعالى:
«رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً» .
وفى مقابل نقمة نوح على الكافرين والضالين، تتفتّح عواطف الرحمة والحنان كلها فى قلبه، فيحيلها دعوات ضارعة إلى الله بالمغفرة له، ولوالديه، ولمن دخل بيته مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات..
ومن دخل بيت نوح مؤمنا، هم أهله، إلا امرأته، وابنه، أو هم الذين دخلوا معه دين الله، أو دخلوا معه السفينة.. ويكون دعاؤه للمؤمنين والمؤمنات- على هذا المعنى- متجها إلى أهل الإيمان جميعا، فى كل زمان ومكان..
وقوله تعالى: «وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً» .. هو بقية من المرارة والألم الذي كان يجده من قومه، والذي لم يذهب به كل ما دعا عليهم به من مهلكات، فلم ينس وهو يطلب لنفسه ولوالديه، وأهله، وللمؤمنين والمؤمنات الرحمة والمغفرة من الله- لم ينس أن يجعل خاتمه دعائه، أن يرمى القوم الكافرين بآخر سهم معه، حتى بعد أن صاروا جثثا هامدة..
والتباب: البوار، والهلاك، والبعد عن كل خير.. ومنه قوله تعالى:
«تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ» ..
هذا، وقد يبدو أن هذا الموقف الذي وقفه نوح من قومه، فيه جفاء لهم، وغلظة عليهم، وأنه لم يأس على هلاكهم، ولم تعطفه عليهم عاطفة
стр. 6345
رحمة أو إشفاق، فرماهم بكل مهلكة، وصبّ عليهم اللعنات صبّا..
هذا، ما يبدو فى ظاهر الأمر..
ولكن، الذي يراجع حياة نوح معه قومه، وهذا الأمد الطويل الذي قضاه بينهم، وهو كما يقول القرآن الكريم ألف سنة إلا خمسين عاما، لم يدع فيها نوح لحظة إلا واجه فيها قومه، ولا طريقا إلا سلكه إليهم- ومع هذا فإن القوم لم يزدادوا إلا سفها وضلالا، وإلا مبالغة فى الكيد له، والعدوان عليه، حتى لقد فتنوا فيما فتنوا امرأته، وولده، وهذه أعظم بلية يبتلى بها صاحب دعوة فى محاربة دعوته، إذ يقوم منها أبلغ شاهد على خذلانه وإبطال حجته على الناس لما يدعوهم إليه..
إن الذي يراجع هذا الموقف بين نوح وقومه، يجد أن نوحا ﵇، كان أكثر أنبياء الله صبرا وحلما، واحتمالا.. فما من نبى ظل فى موقف الدعوة، يحارب أهل الضلال مثل هذا الأمد الطويل الذي وقفه نوح ﵇.. ولهذا كان ﵇ واحدا من أولى العزم من رسل الله، عليهم صلوات الله، ورحمته، وبركاته.
стр. 6346
٧٢- سورة الجن
نزولها: مكية.. نزلت بعد الأعراف عدد آياتها: ثمان وعشرون آية عدد كلماتها: مئتان وخمس وثمانون كلمة عدد حروفها: تسعمائة وتسع وخمسون.. حرفا.
مناسبتها لما قبلها
تكشف سورة الجن فى صورة عملية، عما فى الإنسان من جانبى الخير والشر، وأنه حين تنتكس طبيعته، ويغتال جانب الشر فيه جانب الخير، يتحول إلى شيطان رجيم، تعوذ منه الشياطين، أو تتلمذ عليه! وهذا الإنسان الشيطاني يبدو على أتم صورته المنكوسة تلك، فى قوم «نوح» كما يبدو هذا الإنسان على صورة مجسدة فى كثير من مشركى قريش، كأبى جهل، والوليد بن عقبة، وعقبة بن أبى معيط، وغيرهم من شياطين قريش، الذين تصدوا للدعوة الإسلامية، وكادوا لرسول الله وللمسلمين أعظم الكيد، فلم يدعوا وسيلة يتوسلون بها إلى أذى النبي وأصحابه إلا تواصوا بها، واجتمعوا عليها.
وفى سورة الجن صورة للخير ينبت فى منابت الشر، ويطلع ثمره الطيب، من بين وسط هذا اللهب المتضرم.
فمن عالم الجن العاصف بالشرور المحرقة، تهب تلك الأنسام الرقيقة المنعشة، فى صورة جماعة مؤمنة منهم، لم تكد تستمع إلى آيات الله، يتلوها رسول الله فى ليلة من لياليه مع ربه- وكل لياليه لربه، ومع ربه- حتى أنصتوا إليه، وآمنوا به، ثم انقلبوا إلى قومهم منذرين!
» التفسير:
قوله تعالى:
«قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً» .
جاء فى سورة الأحقاف قوله تعالى: «وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (٢٩- ٣٢: الأحقاف) - وهذا يعنى أن الجن عقلاء، مكلفون من الله ، ومدعوون إلى الإيمان بالله على يد رسل منهم، أو من البشر، فقد كان منهم المؤمنون بشريعة موسى ﵇، كما كان منهم الذين آمنوا بشريعة الإسلام.
وهذه الآيات، هى أخبار خاص للنبى- صلوات الله وسلامه عليه- بما كان من توجيه الله نفرا من الجن إلى مجلس النبي، يستمعون إليه، وهو يتلو آيات الله، ليلة مبيته بموضع يقال له نخلة، وهو فى طريق عودته من ثقيف، بعد أن جاءهم يعرض عليهم الإيمان برسالته، فجبهوه بالبهت، وردوه فى غلظة وجفاء.
стр. 6349
وقد سعد النبي الكريم بهذا الخبر الذي تلقاه من ربه، وأن مالقيه من ثقيف لم يكن إلا حدثا عارضا، وأن أمداد الله إليه لا تنقطع أبدا، وأنه إذا كان الإنس قد أبو أن يقبلوا هذا الخير الذي يدعوهم إليه، كما أبوا على آذانهم أن تستمع إلى آيات الله يتلوها عليهم- فإن لله جندا فى عالم الظلام والضلال- عالم الجن- قد خرجوا من هذا الظلام إلى النور، وجاءوا إلى حيث يتلو النبي آيات ربه، فاستمعوا إليه، وآمنوا به، وأصبحوا دعاة لدعوته، وجندا يدافعون عنها، ويقاتلون فى سبيلها..
لقد كان هذا الخبر زادا طيبا للنبى الكريم، يتزود منه على مسيرة دعوته، التي توشك أن تنتهى المرحلة الأولى منها، فيتحول بعدها النبي- صلوات الله وسلامه عليه- من مكة إلى المدينة، بعد أن يلتقى بأهل السابقة من الأنصار، الذين جاءوا ليبايعوه على الإسلام، والنصرة، فى بيعتى العقبة الأولى والثانية «١» وهنا فى سورة «الجن» أمر من الله تعالى للنبى بأن يتحدث إلى قريش، وإلى الناس عامة، بأنه قد تلقّى وحيا من ربه، بأن نفرا من الجن، قد استمعوا إليه، وآمنوا به، وتحدثوا عن القرآن الذي استمعوا إليه، هذا الحديث الذي يصف القرآن ببعض ماله من صفات المجادة والعظمة والجلال..
وقد يقول قائل: ما الفرق بين الخبر الذي تلقاه النبي فى سورة الأحقاف، وهذا الأمر الذي تلقاه فى سورة «الجن» وهو يحمل فى كيانه محتوى هذا الخبر الذي تلقاه فى سورة الأحقاف؟ وما الفرق بين أن يجىء الخبر غير مصدّر بالأمر بالقول، وبين الخبر الذي يجىء مطلقا، إذا كان القرآن كله فى معرض العرض على الناس، دون أن يختص النبي بشىء منه يحتجزه لنفسه، ولا يذيعه فى الناس؟
стр. 6350
ونقول- والله أعلم- إن الخبر الذي تصدّر إلى النبي بهذا الأمر من الله سبحانه بلفظ «قل» إنما يراد به مواجهة المشركين خاصة، والاستعداد لتلقّى ما يثيره هذا الخبر فيهم من ثائرات البهت والتكذيب، وما يفتح لهم من أبواب التشنيع على الرسول والسخرية منه، وأن على النبىّ ألا يلتفت إلى تخرصات هؤلاء المشركين، ولا يحفل بما يثرثرون به من لغو وهذر، إزاء هذه الحقيقة التي استيقنها النبىّ، بعد أن أخبره الله بها، فى الآيات التي تلقاها من سورة الأحقاف..
فالخبر الذي تلقاه النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- فى سورة الأحقاف: «وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ..» هو أشبه بالسرّ بينه وبين الله ، وإن كان هذا السرّ لا يلبث أن يذاع بعد أن تلقاه النبىّ قرآنا يتلوه على الناس..
أما الخبر الذي تلقاه- صلوات الله وسلامه عليه.. فى سورة الجنّ، فهو أمر بالمبادرة بإذاعة هذا السرّ، الذي كان من شأنه أن يذاع، إن لم يكن اليوم فغدا، أو بعد غد.. إنه حثّ على المبادرة بإذاعة هذا الخبر، وتلاوته جهرا على الناس حتى يقرع أسماع المشركين، وليكن منهم ما يكون!! وسؤال آخر.. هو:
(مخاطبات القرآن وحكايتها كما هى.. ما سرّها؟) هذا الخبر، أو هذه الأخبار، التي يتلقاها النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- مصدّرة بلفظ «قل» أو «يا أيها النبىّ» أو «يا أيها الرسول» لماذا يلتزم النبىّ أن ينقلها كما تلقاها، دون أن يتصرف فيها، فيأخذ منها ماله،
стр. 6351
ويدع ما ليس له، بمعنى أن يقطع مقول القول، عن القول، أو أداة النداء والمنادى، عن الخاطب به، فيقول ما أمر بقوله، دون أن يصدره بلفظ: قل، أو يا أيها النبىّ؟
إن المألوف فى لغة التخاطب أن يقال للإنسان مثلا: قل: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» .. فيقول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ولا يقول: «قل لا إله إلا الله محمد رسول الله» : إنه لو قال هذا لما كان ممتثلا للأمر. بل مردّدا لصدى الكلام الذي سمعه.. أفهذا كان شأن رسول الله حين لم ينقل الصورة اللفظية التي سمعها، قولا، ومقولا؟
والجواب- والله أعلم- من وجوه:
فأولا: هذا الأمر الموجه إلى النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- والمصدّر بلفظ «قل» هو أمر صادر إليه من الله ، وأن هذا الذي يوحى من الحق جل وعلا، يملأ الوجود كله، ويسرى فى كل ذرّة من ذرّاته، فهو ليس مجرد قول من شخص إلى شخص، وإنما هو من كلام ربّ العزّة، الذي تبلغ كلماته أسماع الكون، وتنفذ إلى أعماق كل ذرة موجودة فيه.
وثانيا: وتأسيسا على هذا.. أن النبىّ صلوات الله وسلامه عليه.. حين تبلغه كلمات ربّه، يمتلىء بها كيانه، وتفيض بها مشاعره، وتلبسه هذه الكلمات كما تلبس الروح الجسد.. ومن هنا فإنه لا يستطيع أن يفصل بعضا منها عن كيانه، كما لا يستطيع الإنسان أن يقطع بعض روحه، لأنها سر مضمر فيه، يجده ملء وجوده، ولكن لا يعرف لها ذاتا، ولا كنها، ولعلّ هذا من بعض ما يشير إليه قوله تعالى: «وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا»
стр. 6352
فإذا كان ما يتلقاه النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- من كلمات ربّه، هو روح منه، فهل يستطيع أن يغيّر من حقيقة الرّوح؟: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» (٨٥: الإسراء) .. فهو سبحانه وحده، الذي يملك أمرها، ويملك أن يغير أو يبدّل فيها كما يشاء.. ولعل هذا بعض ما يشير إليه قوله تعالى:
«وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا.. لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ» (١١٥: الأنعام) .
وثالثا: أن اتصال الأمر بالمأمور به فى كتاب الله، يجعل المأمور به دائما حيّا فى حياة الناس جميعا، ويجعل المؤمنين به فى حال حضور مع النبي، وهو يتلقى أمر ربه.. فكلماتلا المؤمنون آية من آيات الله، فيها خطاب من الله لنبيه الكريم- تمثّل لهم منها رسول الله ﷺ وهو يتلقى هذا الخطاب من ربه، ويصدع، بما يحمل هذا الخطاب إليه من أمر، أو نهى..
وهذا من شأنه أن يحرك مشاعرهم إلى متابعة النبي والتأسّى به، كلما تلوا آيات الله، وطلع عليهم هذا المشهد الذي يرون فيه رسول الله فى مجلس التأديب، والتعليم من ربه.. وهذا هو بعض السر فى أن كانت تلاوة القرآن، من عبادة المؤمنين التي تعبّدهم الله تعالى بها.. كما يقول سبحانه «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» (٢٠: المزمل) .
ورابعا: فى خطاب الله للنبىّ، وفى خطابه سبحانه للمؤمنين، فى القرآن الكريم، شاهد يشهد بأن هذا القرآن هو من عند الله ، لفظا ومعنى، وأنه ليس للنبى فيه كلمة واحدة، وأنه كلام الله ، وأن النبي هو اللسان الذي أنطقه الله بكلماته التي أوحاها إليه، فسمعها الناس منه دون أن يبدل حرفا منه.. فإن الذي يتلقاه النبىّ من كلمات ربّه، هو روح تستولى عليه وتشيع فى كيانه كله.
стр. 6353
ويمكن أن نشبه هذا- مع الفارق البعيد فى صورتى التشبيه- بما يكون من مسجّلة الصوت، حين تلتقط صوتا ما، ثم تعيده كما تلقته، دون أن يقع فيه أي تبديل، أو تحريف..
فالنبى صلوات الله وسلامه عليه، إذ يسمع قوله تعالى له: «قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ..
الآية: (٨٤: آل عمران) - لا يملك أن يبدل حرفا مما سمع، ولا يستطيع إلا أن يقول كما سمع: «قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ، وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا.. الآية» والنبي إذ يسمع قوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» . (١٩٩: الأعراف) - لا يستطيع إلا أن يقول: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» ..
وهكذا يحكى النبىّ ما سمع، دون أن يبدل كلمة، أو يغير حرفا.. والله يقول له: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» (٦٧: المائدة) فالأمر بالتبليغ، هو أمر بتبليغ ما أنزل إليه، كما هو، كلمة كلمة، وحرفا حرفا.. فإن بدل حرفا، أو غير كلمة- وحاشاه- فما بلّغ ما أنزل إليه من ربه.. إنه المطلوب من النبي فى مقام التبليغ أن يقول ما يقال له من ربه، لأن ما أنزل إليه، سواء أكان خطابا خاصا، أو خطابا عاما للناس- هو منزل للناس أيضا، كما يقول سبحانه: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» (٤٤: النحل) فهو- صلوات الله وسلامه عليه- مطالب أولا بأن يبلّغ الناس ما نزّل
стр. 6354
إليهم، وهو ما نزل عليه من كلمات الله.. ثم هو مطالب ثانيا، بعد هذا التبليغ أن يبين للناس ما خفى عليهم فهمه مما نزل عليهم من آيات الله..
فالتبليغ شأن، وبيان ما يبلّغه شأن آخر..
وبهذا التدبير الحكيم فى نظم القرآن، يظل النبي صلوات الله وسلامه عليه، قائما فى مقام الخطاب من ربه، وفى الحضور بين يديه، كلما تلا آية من آيات الله، أو سمع تاليا يتلوها عليه، فقد روى أنه ﷺ ، كان يطلب إلى بعض أصحابه أن يقرءوا عليه ما تيسر من كلام الله، فيقول قائلهم له:
أأتلوه عليك وعليك أنزل؟ فيقول صلوات الله وسلامه عليه: «نعم إنى أحب أن أسمعه من غيرى.. ففى البخاري عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لى رسول الله ﷺ : «اقرأ علىّ» فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «نعم.. إنى أحب أن أسمعه من غيرى» فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) فقال: «حسبك الآن» .. فإذا عيناه تذرفان» .
وهذا الأسلوب الذي جاء عليه نظم القرآن، والذي يجعل النبي فى مقام الحضور، والخطاب من الله بكلمات الله- هذا الأسلوب من شأن القرآن وحده، ومما اختص به من بين الكتب السماوية المنزلة..
فالتوراة ليس فى نظمها موقف واحد لأى نبى من الأنبياء مع الله ، يمثله في موقف حضور وخطاب من الله سبحانه، حتى موسى ﵇ الذي كلمه الله تكليما من غير وساطة ملك الوحى، جاءت كل كلمات الله إليه فى التوراة على سبيل الحكاية.. هكذا: «وكلم الرب موسى قائلا: «فى الشهر السابع، فى أول الشهر يكون لكم عطلة، تذكار هتاف البوق محفل مقدس.. عملا ما من الشغل لا تعملوا، ولكن تقدمون وقودا للرب..
стр. 6355
وكلم الرب موسى قائلا: «أما العاشر من هذا الشهر السابع فهو يوم الكفارة.. محفلا مقدسا يكون لكم، تذللون نفوسكم، وتقدمون وقودا للرب» (لاويين الإصحاح: ٢٣) ..
وتقول التوراة أيضا: «فقال الرب لموسى: قل لهارون مدّ يدك بعصاك على الأنهار والسواقى والآجام، وأصعد الضفادع على أرض مصر.. فمدّ هارون يده على مياه مصر، فصعدت الضفادع، وغطت أرض مصر، وفعل كذلك العرافون بسحرهم وأصعدوا الضفادع على أرض مصر» (خروج:
الإصحاح: ٨) ..
وتقول التوراة: «فقال الرب لموسى: انظر.. أنا جعلتك إلها لفرعون وهارون أخوك يكون نبيك.. أنت تتكلم بكل ما آمرك، وهارون أخوك يكلم فرعون ليطلق بنى إسرائيل من أرضه» (خروج: الأصحاح: ٧) ..
وهكذا تمضى كل مخاطبات التوراة، فيما يتلقّى موسى من ربه، وفيما يتلقى بنو إسرائيل من موسى..
وهذا يعنى أن موسى ﵇، كان بعد أن يتلقى كلمات الله إليه- كان يلقى قومه بما أمره به فيهم، فيقول لهم: قال الله لى كذا، وكذا، فيكتبون هم: قال الله لموسى كذا، وكذا.. دون أن يتقيدوا بالنص الحرفىّ لما سمعوه من موسى، فبدلا من أن يكتبوا: قال الله لى كذا، يكتبون: قال الله لموسى كذا وكذا، كما أن موسى ﵇، لم يتقيد بالنص الحرفى لما استمع من ربه، فبدلا من أن يقول، كما قال الله له:
يا موسى افعل كذا، أو قل لقومك كدا» - بدلا من أن يقول هذا، يقول:
قال الله لى فعل كذا، أو افعلوا كذا..
стр. 6356
وهذا الخروج على النص الحرفى، وإن بدا أنه مما يقتضيه الحال، حيث ينتقل موسى من حال المخاطب (بفتح الطاء) إلى حال المخاطب (بكسر الطاء) وحيث ينتقل قومه من حال المواجهة له، إلى حال الغيبة فى نقل ما سمعوا منه- هذا، وإن بدا أنه لازم لمراعاة مقتضى الحال- إلا أنه يشير إلى أمور:
أولها: أن كلمات الله التي استمع إليها موسى، ظلت مرتسمة فى كيانه، مضمرة فى فؤاده، وأن ما ينشره على قومه منها إنما هو صورة هذه الكلمات وظلالها، والأنوار المشعة منها.. أما ما تلقاه محمد من كلمات ربه، فإنه عرضها كما سمعها، حرفا حرفا، وكلمة كلمة.. كما يقول له سبحانه له. «اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ» (٤٥: العنكبوت) ..
وذلك أنه ليس المطلوب من كلمات الله إلى موسى أن يقيم منها معجزة متحدّية، على خلاف ما أوحى الله به إلى محمد من كلماته، فإنه سبحانه جعل على فمه معجزات متحدية.. وإن المعجزة لا تتم حتى تعرض كما تلقاها من ربه، دون أن يغير من وضعها، أو يبدل من صورتها..
وثانيا: أن ما أوحى الله به إلى موسى، يجوز روايته بالمعنى، دون التقيد بالنص اللفظي، على خلاف القرآن الكريم، فإنه لا يجوز روايته أو تلاوته بالمعنى، كما يجوز ذلك فى الحديث القدسىّ، الذي يشبه وحي التوراة.
وثالثا: أن القرآن الكريم، هو الكتاب الذي تأخذ آياته، وكلماته، الوصف بأنها آيات الله، وكلمات الله، وأن التوراة وغيرها من الكتب السماوية، تأخذ الوصف بأنها وصايا لله، أو أوامر لله، أو شريعة لله..
وأما تكليم الله لموسى فهو خاص بموسى وهو أوامر الله إليه هو، فى خاصة نفسه.. أما الشريعة التي حملها موسى إلى قومه،
стр. 6357
فهى ما تضمنته الألواح التي تلقاها موسى من ربه، فهى أشبه بالأحاديث القدسية التي تلقاها رسول الله ﷺ من ربه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى لموسى ﵇:
«يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ» (١٤٤- ١٤٥: الأعراف) فالله كما تشير الآيات- قد اصطفى موسى بهذه الرسالات التي تلقاها لتكون شريعة لقومه، كما اصطفاه بتكليمه.. فالرسالات التي تلقاها موسى شىء، وتكليم الله له شىء آخر.. كلام الله صفة من صفاته، والرسالات خلق من خلقه.
وعلى هذا، فالقرآن الكريم خطاب مباشر من الله للنبى والمؤمنين، أما التوراة، فهى حكاية خطاب الله تعالى لموسى، ثم هى حكاية لخطاب موسى لقومه الذين تلقوها منه.
ونعود بعد هذا إلى موقفنا بين يدى قوله تعالى:
«قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً» .
النفر: الجماعة بين الثلاثة والعشرة..
والإسماع: الإصغاء والالتفات إلى المسموع..
وهذا يعنى أن جماعة الجنّ التي توافدت على مجلس القرآن بين يدى النبىّ صلوات الله وسلامه عليه- قد أعطت سمعها للقرآن، والتفتت بمشاعرها كلها إليه.. ذلك أنّ «استمع» غير «سمع» من حيث المعنى الاشتقاقى الذي يدل عليه كلّ منهما لما يسمع، فالاستماع يدل على التطلع إلى سماع الحديث
стр. 6358
والإقبال عليه، أما «السمع» فيدلّ على مجرّد وقوع المسموع إلى أذن السامع، سواء أكان ذلك عن قصد، أو غير قصد، وسواء أكان مقبلا أو معرضا! ولهذا جاء الأمر إلى المؤمنين وهم فى مجلس القرآن أن يستمعوا، كما يقول : «وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (٢٠٤: الأعراف) ولم يجىء الأمر بلفظ «اسمعوا» .. فإن الاستماع هو الذي يحقق معنى الإصفاء والإنصات الذي جاء تاليا للأمر بالاستماع. وإنه بغير الاستماع لا يتحقق الإصغاء.. وهذا ما كان من الجنّ فى مجلس القرآن، ودعوة بعضهم بعضا إلى الإنصات إليه، كما يقول سبحانه، عنهم: «وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا» (٢٩: الأحقاف) .
فالله سبحانه، قد وجههم إلى النبي مستمعين، لا سامعين..
وهذا يعنى أيضا أن النبي ﷺ لم يكن يعلم بأمر هؤلاء الجن الذين استمعوا إليه فى تلك الليلة، حتى أنبأه الله بذلك، ولم تكن منه فى تلك الليلة دعوة إليهم، وإنما هم الذين دعوا أنفسهم إلى الإيمان، بعد أن استمعوا إلى ما استمعوا إليه من آيات الله التي كان يتلوها النبي، قائما بين يدى ربه، متعبدا بتلاوتها..
وفى هذا إشارة إلى تلك المفارقة البعيدة بين المشركين الذين يدعون إلى آيات الله، فلا يستمعون إليها، ولا يؤمنون بها، وبين الجن الذين يضرب بهم المثل فى العتوّ، والعناد، والضلال، حيث ورد واردهم على النبي، وحضر مجلس تلاوته، من غير أن يدعوا إلى هذا.. فاستمعوا، وأصغوا، ثم اهتدوا
стр. 6359
وآمنوا.. فمال هؤلاء المشركين لا يؤمنون؟ وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون؟.
وأما ما يروى من أن النبي ﷺ قد التقى بالجن، ودعاهم إلى الله سبحانه، فيما تلا عليهم من آيات الله، فقد يكون ذلك فى ليلة بعد تلك الليلة، وبعد أن حمل هؤلاء النفر إلى قومهم نبأ النبي الذي نزل عليه هذا القرآن الذي استمعوا إلى بعض منه.. فجاءوا يطلبون مزيدا، ويلقون النبي لقاء مواجها، بعد أن عرفوا ما بين يديه من هدى ونور.
وعلى أىّ فإنه ليس مما يدخل فى عقيدتنا، أو يلزمنا التصديق به، أن النبي ﷺ قد بعث إلى الجن، كما بعث إلى الإنس، وحسبنا أن نؤمن بأنه رسول الله إلينا نحن البشر، وأن الرسالة الإسلامية، وكتابها الكريم، موجهان إلينا نحن البشر، أما أن تستفيد من ذلك عوالم أخرى فذلك ما لا يدخل فى عقيدتنا، ولا يلزمنا البحث عنه. والله أعلم.
وقوله تعالى: «فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً» - هو بيان للأثر الذي كان للقرآن من استماع الجن إليه، وأنهم عجبوا لما سمعوا، لأنهم لم يسمعوا كلاما مثله، فكان ذلك مثار عجبهم، ودهشهم.. إنهم يسمعون كلاما، ولكنه كلام عجب، فيما له من سلطان على النفوس، وتمكن من القلوب..
وقولهم «سمعنا» بدلا من «استمعنا» لأنهم خرجوا من مجلس الاستماع، وقد أصبح الذي استمعوا إليه مسموعا لهم سماعا متمكنا، واعيا.. ولو قالوا «استمعنا» لدلّ ذلك على أنهم تكلفوا جهدا لما سمعوا، وأنهم حملوا أنفسهم على ذلك حملا طوال مجلس الاستماع، والواقع غير هذا، فإنهم ما إن
стр. 6360
جلسوا بين يدى ما يتلى من آيات الله، حتى ملك القرآن زمامهم، وأحال وجودهم كله آذانا صاغية، وقلوبا خاشعة، من غير معالجة أو معاناة، من داخل أنفسهم أو خارجها..
وقوله تعالى: «يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ» هو صفة أخرى للقرآن، على لسان الجن، بعد الصفة الأولى التي وصفوه بها..
فالصفة الأولى، وصف لنظمه، وأنه كلام عجب لم يسمعوا مثله..
والصفة الأخرى، وصف لمعانيه، ولما اشتمل عليه نظمه العجيب من معان كريمة، مضيئة بنور الحق، تهدى إلى الرشد، والفلاح..
وقوله تعالى: «فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً» - هو المسبب عن هذه الأوصاف، التي رآها الجن فى القرآن، والتي وقعت فى نفوسهم منه، ولهذا فهم يؤمنون بهذا القرآن، وبأنه كلام الله، ونوره المرسل هدى ورحمة للعالمين..
وهم لهذا لن يشركوا بالله، ولن يعبدوا إلها معه، كما كانوا يفعلون من قبل فعل الضالين والمشركين من الإنس..
وقوله تعالى:
«وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً» ..
جدّ ربنا: ملكه، وسلطانه، ومجده،. وأصل الجد: الحظ، والنصيب الذي يصيبه الإنسان فى حياته من حظوظ الدنيا.. فجدّه هو كل ماله من مال، ومتاع، وبنين، وعلم، وجاه وسلطان..
وقوله تعالى: «وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا» هو معمول لفعل محذوف، معطوف على قوله تعالى:
стр. 6361
«إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً» «سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً» وعلمنا مما سمعنا أنه «تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً» ..
وهكذا كل ما جاء على لسان الجن بعد هذا، هو معمول لفعل مترتب على استماعهم لما استمعوا من آيات الله وما كشفت لهم من حق وهدى.
وقولهم: «تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً» أي عظم مجده، وتعالى سلطانه، وتنزهت عزته عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا.. فإن اتخاذ الصاحبة أو الولد، إنما يكون عن حاجة إليهما، بحيث لو افتقد الإنسان وجودهما بين يديه تطلعت إليهما نفسه، وشغل بهما قلبه، والله- سبحانه- فى غنى عن كل شىء.. فكل شىء هو منه، وله، وإليه..
قوله تعالى:
«وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً» ..
أي وعلمنا مما استمعنا إليه من هذا القرآن العجب أن ما كان يقوله السفهاء منّا عن الله، وعن اتخاذه الصاحبة والولد- هو قول بعيد عن الحق، مشتط عن الصواب، فى حق الله سبحانه، وفيما ينبغى أن يكون لذاته من كمال، وجلال، وأن هؤلاء الذين جعلوا لله أندادا، واتخذوا من دونه أولياء، ونسبوا إليه الزوج والولد- هؤلاء ضالون مشركون..
والشطط، والاشتطاط، الخروج عن القصد والاعتدال، ومجاوزة الحد فى القول، أو العمل.. وهذا مثل قوله تعالى على لسان أصحاب الكهف:
«لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً» (١٣: الكهف) ..
стр. 6362
قوله تعالى:
«وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً» ..
أي وكان مما علمنا من استماعنا لهذا القرآن العجب- أننا كنا على ظن خاطئ فيما ظنناه من أن الإنس والجن لن تقول على الله كذبا، وأن تقوم فيهم تلك الدعوات المضللة، وهذه العقائد الباطلة، مع ما فيهم من عقول، وما بين أيديهم من الشواهد الناطقة، التي تشهد بوحدانية الله تعالى، وتفرده بالملك والعزة والسلطان..
ولقد بان لنا أن الإنس والجن قالوا على الله كذبا، فيما نسبوه إليه من الزوج والولد، وفيما جعلوا له من أنداد، وشركاء..
وذلك بعد أن استمعنا إلى آيات الله، وعرفنا طريق الحق الذي أضلّنا عنه المضلون، وأغوانا بالانصراف عنه المغوون، لقد كنا مخدوعين بهذا الظن الذي ظنناه فى الجن والإنس من أنهم لن يفتروا على الله، ولن ينسبوا إليه مالا يليق به..!
قوله تعالى:
«وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً» ..
الرهق: الإعياء، والضعف، والكلال، مما يعترى الإنسان من معاناة أمر صعب يحاوله، ثم لا يبلغ منه شيئا، لأنه يحاول أمرا محالا، أو قريبا من المحال.. ومنه قوله تعالى: «سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً» (١٧: المدثر) ..
стр. 6363
والمعنى: أنه قد اتضح لنا مما سمعناه من هذا القرآن العجب، أن ما كان من استعانة بعض شياطين الإنس، بشياطين الجن، فى اختلاق الأكاذيب، وتلفيق المفتريات على الله- اتضح لنا أن ذلك لم يزد العائذين بالجن، إلا ارتكاسا، وعجزا، عن الوصول إلى طريق الحق، وأن كل ما اختلفوا من أكاذيب، وما لفقوا من مفتريات، لم يمس جوهر الحقيقة، ولم يعمّ سبيل الحق عن طلابه، والساعين إليه، وأن هذه الأكاذيب، وتلك المفتريات إذا طلعت عليها شمس الحقيقة فرت من بين يديها، كما يفر ظلام الليل بين يدى أضواء الصبح! قوله تعالى:
«وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً» .
أي وأننا علمنا مما استمعنا إليه من هذا القرآن العجب، أن الإنس ظنوا كما ظننا نحن الجن، أن لن يبعث الله أحدا من رسله بعد موسى، وعيسى، ﵉.. وهذا ظن باطل، فها هوذا رسول من عند الله، يتلو هذا القرآن العجب، فيبلّغ به رسالة الله.
وفى هذا الذي ينطق به الجن بعد أن آمنوا، تبكيت للمشركين، واستخفاف بعقولهم، واستخفاف لأحلامهم، وأنهم عموا عن هذا الهدى الذي طلعت شمسه فى سمائهم، فلم يهتدوا به، وقد سبقهم إليه أبعد الخلق عنه، وهم الجن.
قوله تعالى:
«وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً» ومن دلائل هذا الرسول الذي بعثه الله، ليس هذا القرآن وحسب.. بل
стр. 6364
إننا قبل أن نلتقى به فى مجلس القرآن، شاهدنا إرهاصات عجيبة، تنبىء بأن حدثا عظيما قد حدث فى هذا الوجود، وأن آثار هذا الحدث لا بد أن يكون لها شأن بهذا العالم الأرضى، وما يعيش فيه من جن وإنس.. وذلك أننا لمسنا السماء، كما اعتدنا أن نلم بها من قبل، ونستطلع أنباءها، فوجدناها قد ملئت حرسا شديدا من الملائكة، وشهبا راصدة يرمون بها كل من يدنو من مشارف السماء.. وهذا أمر لا بد أن يكون له ما بعده!! وها نحن أولاء قد عابنّا ما بعد هذا الأمر، فى هذا الرسول، وفيما بين يديه من آيات الله..
قوله تعالى:
«وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً» .
أي وأننا كنا نصعّد فى السماء، ونتخذ هناك مقاعد نستمع فيها إلى ما يجرى فى الملأ الأعلى، وذلك قبل مبعث هذا النبي.. أمّا الآن فإن من يحاول أن يستمع منا، يجد شهابا رصدا برمى به قبل أن يبلغ المجلس الذي اعتاد أن يتخذه من قبل..
قوله تعالى:
«وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً» أي ولقد حرنا فى تأويل هذا الحدث، وعجزنا عن أن نجد التعليل الصحيح له، وللأحداث التي تنجم عنه، وهل هذا شرّ يراد بمن فى الأرض من جنّ وإنس، أم هو خير لهم.؟. إن الأيام هى التي ستأتى بتأويل هذا..
وها نحن أولاء نشهد عناد المشركين، وتصدّيهم لدعوة رسول الله، وتكذيبهم لما جاءهم به من عند الله، فهل سيمضون فى طريقهم هذا، فتكون عاقبتهم أن يدمر الله عليهم كما دمر على المكذبين برسل الله قبلهم، أم أنهم سيراجعون أنفسهم، ويرجعون إلى عقولهم، فيؤمنون بالله، ويهتدون بهذا
стр. 6365
النور الذي يحمله رسول الله إليهم؟ لا ندرى أشر أراد الله بالناس من هذه الرسالة، بإلزامهم الحجة، ثم إهلاكهم، أم أنه أراد لهم الهداية والرشاد، فيهتدوا ويرشدوا؟ إن الأمر لم ينته إلى نهايته بعد.. وسنرى ما يكون؟
قوله تعالى:
«وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ.. كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً» .
وهنا يلتفت هؤلاء النفر من الجن إلى قومهم، وهل يتقبلون هذا الهدى الذي اهتدوا هم إليه، بعد استماعهم إلى آيات الله، التي تلاها عليهم رسول الله، أم أنهم يرفضونه كما رفضه هؤلاء المشركون من قريش؟ إنهم يتساءلون هذه التساؤلات قبل أن يبرحوا مجلس النبي، وفى قلوبهم الإيمان، وبين أيديهم الهدى.. ثم يحدّث بعضهم بعضا، بأن حال قومهم هى حال الناس من أبناء آدم، فيهم الصالحون، وفيهم الفاسدون، وفيهم من هم بين الصالحين، والفاسدين.. إنهم طرائق مختلفة.. لكل منهم طريقة كما أن الناس طرقهم..
والطرائق: جمع طريقة، وهى المتجه الذي يأخذه المرء فى حياته، من استقامة أو عوج..
والقدد: جمع قدة، وهى القطعة من الشيء، أىّ قطعة، ومنه قوله تعالى:
«وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ» (٢٥: يوسف) أي قطعته..
وقوله تعالى:
«وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً» أي وأننا بعد تطوافنا فى الأرض وفى السماء، قد أيقنّا أننا بين يدى الله حيث كنا، وأننا تحت قهر سلطانه القائم على الوجود كله.. وأننا لن
стр. 6366
نخرج من سلطان الله، ولن نفر من القدر المقدور لنا، سواء انطلقنا فى وجوه الأرض، أو صعدنا فى أجواء السماء.. والظن هنا بمعنى اليقين.
قوله تعالى:
«وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ.. فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً» .
أي وهذا شأننا نحن من بين قومنا، وذلك أننا لما سمعنا الهدى- أي القرآن- آمنا به.. ومن يؤمن به فإنه لا يخاف بخسا، بنقص حسناته، ولا رهقا بمضاعفة سيئاته، بل سيجزى الجزاء الذي يقوم على ميزان العدل المطلق..
ومعنى نفى الخوف من البخس والرهق، هو أن المؤمن يلقى الله وبين يديه بشريات إيمانه، التي تملأ قلبه سكينة وأمنا، أما غير المؤمن فإنه يتوقع أن يسام سوء العذاب، وأن يلقى الهوان والنكال من كل وجه، فهو فى مهب عواصف الخوف دائما.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ» (٤٠: فصلت) .
وقوله تعالى: «فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً» - هو جواب الشرط، وقد اقترن بالفاء لوقوعه منفيا.
قوله تعالى:
«وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً» - هنا يعود الجن إلى أنفسهم مرة أخرى، فينطقون بما تنطق به حالهم، من أن منهم مسلمين، أي مستقيمين على طريق الإسلام، والسلامة، ومنهم القاسطون، أي الظالمون، المنحرفون عن طريق الحق والهدى..
стр. 6367
وقسط، فهو قاسط: أي ظلم، واعتدى..
وأقسط، فهو مقسط: أي عدل، واستقام.. ومنه قوله تعالى:
«وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (٩: الحجرات) وقوله تعالى: «فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً» هو تعقيب من الجن، أو من المؤمنين، أو من الوجود كله.. على هذا الخبر الذي أخبر به الجن عن أحوالهم.. وأن الذين أسلموا وجوههم لله، وآمنوا بالله ورسوله، والكتاب الذي أنزل على رسوله- قد تحروا رشدا، أي اختاروا طريق الهداية والرشاد، وأنهم تعرفوا إليه بعد نظر الاستدلال.
فالمسلمون قد تخيروا طريق الأمن والسلامة، ولن تكون خاتمتهم إلا الأمن والسلامة..
وأما الحائدون عن طريق الإسلام، الذين ركبوا طرق الضلال، فهم حصب جهنم وحطبها..
وقد فرق النظم القرآنى بين الحالين، فجاء على غير أسلوب المقابلة التي يقتضيها نظم كلامنا نحن البشر.. ولو جاء النظم على أسلوب المقابلة، لكان هكذا:
«فمن أسلم فأولئك لهم الجنة، وأما من كفر فأولئك هم أصحاب النار» أو جاء فى صورة أخرى هكذا:
«فمن أسلموا فقد اهتدوا وشدوا، وأما من كفروا فقد ضلوا وخسروا..»
ولكن هذا كلام الله المعجز، المتحدى للإنس والجن أن يأتوا بمثله! فالذين أسلموا قد اختاروا طريق السلامة بعد بحث ونظر.. وقد يؤدى بهم هذا الطريق إلى الجنة أو لا يؤدى، لأن دخول الجنة أمر لا يملكه أحد،
стр. 6368
ولا يناله مخلوق، بعمله، وإنما هو بتوفيق الله، ومن فضله، وإحسانه..
ولكنهم أي (المسلمون) قد اختاروا الطريق الذي ينبغى أن يختاره كل عاقل، وهم على رجاء وطمع من رحمة الله، ومغفرته، ورضوانه.. إنه طريق الأمن والسلامة، وقد اهتدوا إليه بعقولهم، ووجب عليهم أن يسلكوه.. أما خاتمة هذا الطريق، فهى فى علم الله، وليس من شأننا أن نقطع بها، وإن كان لنا أن نحسن الظن بفضل ربنا وإحسانه..
وأما الذين كفروا، فالنار موعدهم، لا محيص لهم عنها، لأنهم ركبوا طريقا مهلكة، لا يقيم سالكها إلا على متن الهلاك، ولا يبيت إلا على موعد معه.. وهذا ما يحكم به العقلاء على كل من يركب مهلكة من المهالك، إنهم لا يتوقعون له إلا أن يهلك على يديها.. تماما، كمن يدخل على الأسد عرينه، أو يمد إلى الحية يده فى جحرها.. إنه لا محالة هالك.
الآيات: (١٦- ٢٨) [سورة الجن (٧٢) : الآيات ١٦ الى ٢٨]
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠)
قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥)
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً» هو دعوة من الله إلى هؤلاء القاسطين الذين يسرعون إلى الهلاك بخطى حثيثة، حيث يكونون حطبا لجهنم- أنه دعوة إليهم بالرجوع إلى الله والاستقامة على طريق الحق، والإيمان بالله ورسوله، واليوم الآخر..
وقوله تعالى: «لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً» - هو وعد منه سبحانه لأهل الإيمان بأنه لا يفوّت عليهم ما يطلبون فى الدنيا من خير، فإن الإيمان بالله، والعمل للآخرة، لا يعوّق من سعى الإنسان ولا يعطل من جهده فى تحصيل الرزق..
فالرزق بيد الله، وأنه سبحانه لا يعاقب المؤمنين بالتضييق عليهم فى الرزق، وإنما هو يرزقهم بما هو أصلح لهم وأنفع، وأنه إذا كان من المؤمنين من يرى أنه مضيق عليه فى رزقه، فذلك ابتلاء من الله له، وأن هؤلاء الذين لا يرضون من الإيمان إلا أن يكون معه سعة فى الرزق وكثرة فى الأموال والأولاد- هؤلاء لو آمنوا لأفاض الله سبحانه عليهم من الرزق، ولأرسل السماء مدرارا عليهم، حيث يكون من وراء ذلك الخصب والنماء، ووفرة المال
стр. 6369
والمتاع، ولكن هذا الرزق هو فتنة لهم، أي امتحان وابتلاء.. فإن هذا الرزق عبء، قد يؤودهم حمله، وقد يقصم ظهورهم، إذا هم لم يحسنوا سياسته، ولم يحفظوا أنفسهم من إغرائه، ويؤدوا حقّ الله فيه.. وهذا مثل قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ» (٩٦: الأعراف) .
هذا، وقد قرن الله سبحانه الإيمان بالتقوى، وذلك ليكون للإيمان هذه الثمرة الطيبة التي يبارك الله بها الرزق، وينمّيه، ويملأ قلوب المتقين أمنا وسكينة ورضا..
فالتقوى، إذا خالطت قلب إنسان، رفرفت عليه أعلام السلام، وإذ دهرت فيه مغارس الخير، فوجد القليل كثيرا، والشرّ خيرا، والفقر غنى.. إنه فى رضا دائم، وفى حبور لا ينقطع.. فمن استقام على طريق الحقّ، فهو فى عيشة راضية، وفى سعادة غامرة، وإن لم يكن بين يديه من حطام الدنيا إلا لقيمات، يتبلّغ بها.. إنه يجد من نور الإيمان، ومن ثمرات التقوى، أنه قد حاز الخير كله، وحصل من الحياة أكرم جواهرها، وأغلى ما يعرض فى سوقها.
وقوله تعالى: «وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً» إشارة إلى أن من يبتعد عن الله، ويأخذ طريقا غير طريق الهدى، فإنه لن يجد الأمن والسلام أبدا، ولو اجتمع بين يديه ما يشاء من مال وبنين.. بل إنه سيتقلب فى أحوال شتّى من القلق والهمّ، ويتنقل من سيىء إلى أسوأ، حيث تنمو هذه العلل، وتتضاعف هذه الآلام، مع الزمن، حتى تبلغ غايتها، حين يذهب كل شىء كان فى يده، من قوة، وشباب، ومال، وأصحاب، ثم يقطع الموت فى نهاية الأمر، ما بينه وبين كل ما معه من أسباب، وإذا هو فى موقف الحساب
стр. 6370
والجزاء، فيساق إلى مصيره المشئوم، ثم يلقى به فى نار جهنم، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى» (١٢٤: طه) .
وفى التعبير عن أخذ المعرض عن ذكر ربه بالعذاب، وتدرجه فيه صعدا- فى التعبير عن هذا بقوله تعالى: «يسلكه» - إشارة إلى اتصال هذا العذاب، وأنه فى اتصاله وتعدده أشبه بحبات العقد، ينتظمها سلك واحد.. فهو- أي المعرض عن ذكر ربه- فى دائرة مغلقة من العذاب، يظل يدور فيها، دون أن يستطيع الإفلات منها، أو الخروج عنها، مع تدرجه فى العذاب، وتنقله فيه من سيىء إلى ما هو أسوأ، حتى يلقى به فى العذاب الأليم.. وفى هذا ما يشير إلى أن المعرض عن ذكر ربه، هو فى عذاب دائم متصل، فى الدنيا والآخرة، وأنه ينتقل من عذاب الدنيا، إلى عذاب الآخرة: «وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» (٣٣: القلم) ..
قوله تعالى:
«وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً» ..
المراد بالمساجد- والله أعلم- هو مواطن السجود فى الأرض.. فحيث كان مكان فى هذه الأرض، يصلح للسجود، ووضع الجباه عليه، فهو لله ، أي هو ملك لله، الذي خلق السموات والأرض.. فالسجود فى ملك الله لغير الله، كفر مبين، وضلال عظيم.. إنه عدوان على الله، ومحادّة له..
ويجوز أن تكون المساجد، جمع «مسجد» اسم آلة، وهو العضو المشارك فى عملية السجود.. ويكون المراد بالمساجد هنا، أعضاء السجود، وهى عظام الكفّين، وأطراف القدمين، وعظما الركبتين، وعظم الجبهة، وهى سبعة عظام، كما يشير إلى ذلك قول الرسول الكريم: «أمرت أن أسجد على
стр. 6371
سبعة أعظم» .. فهذه الأعضاء- أعضاء السجود، هى لله، وهو سبحانه الذي خلقها، فلا ينبغى أن يسجد بها لغير خالقها..
قوله تعالى:
«وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً» .
عبد الله، هو رسول الله ﷺ ، وفى إضافته- صلوات الله وسلامه عليه- إلى الله بصفة العبودية، تكريم وتشريف له، ورفع لمقامه الكريم عند ربه، وأنه عبد الله، الخالص العبودية لله، والمثل الكامل لهذه العبودية، التي تحققت فيه وحده، فانفرد بها فى هذا المقام، فحيث أضيف عبد إلى الله من غير ذكر اسمه، فالمقصود هو محمد صلوات الله وسلامه عليه..
وقد أضاف الله كثيرا من عباده المكرمين إليه بلفظ العبودية، ولكنها لم تكن إضافة مطلقة، بل كانت مقيدة بذكر اسم هذا العبد المضاف إلى الله، كما يقول سبحانه: «ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا» (٢: مريم) وكما يقول تبارك اسمه: «وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ» (٤١: ص) ويقول جل شأنه: «وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ» (٤٥: ص) وفرق كبير فى مقام التكريم والتشريف بين إضافة رسول الله ﷺ بالعبودية إلى ربه إضافة مطلقة، وبين قيد هذه الإضافة بالاسم الدال على صاحبها، وإن كانت تلك الإضافة مما يلبس صاحبها تاج الكمال وينزله أعلى منازل الرضوان.. ولكن فوق هذا المقام الكريم العظيم مقام، ينفرد به رسول الله محمد وحده..
стр. 6372
وقد أضيف رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- عبدا لربه، إضافة مطلقة، على صور متعددة، فتارة يضاف إلى ضمير الذات العلية فى مقام الغيبة، كما فى قوله تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (١: الإسراء) وتارة يضاف إلى ضمير الذات فى مقام الحضور، كما فى قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» (٤١: الأنفال) وتارة يضاف إلى اسم الذات كما فى قوله تعالى: «وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ» . (١٩: الجن) ولا شك أن فى تنوع هذه الإضافات زيادة تشريف وتكريم، فوق هذا التشريف والتكريم، حيث يضيف الحق عبده، متجليا عليه بذاته ظاهرا، وباطنا..
وبهذا المقام العظيم استحق الرسول الكريم، أن يصلّى عليه ربه، وأن تصلى عليه ملائكة ربه، وأن يدعى كل مؤمن ومؤمنة بالله، للصلاة عليه:
«إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً» (٥٦: الأحزاب) .. فصلى الله عليك يا رسول الله وعلى آلك وصحبك، وسلم تسليما..
وقوله تعالى «يَدْعُوهُ» أي يدعو ربه، وهو حال من الفاعل فى قوله تعالى: «وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ» وقوله تعالى: «كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً» أي كاد المشركون أن يكونوا لبدا على النبىّ، أي جمعا واحدا عليه، يجتمع بعضهم إلى بعض فى مساندة وتلاحم، كما يجتمع اللّبد، وهو الشعر الكثيف، حيث يكون كتلة واحدة مثل لبد الأسد المجتمع على صدره، وحول عنقه، ومنه قوله تعالى: «يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً» (٦: البلد) أي كثيرا مجتمعا بعضه إلى بعض..
стр. 6373
وفى هذا التصوير لاجتماع المشركين، وتكتلهم على الوقوف فى وجه النبىّ- فى هذا ما يشير إلى أمور:
أولها: أن هذا المجتمع الذي يضم المشركين بعضهم إلى بعض فى مواجهة النبىّ- ليس له من داعية معقولة، وإنما هو صادر عن كائنات ميتة، لا حسّ ولا إدراك لها، إنها تجتمع وتتفرق، بيد من يجمعها أو يفرقها، كما يجتمع الشعر ويتفرق فى يد من يجمعه، أو يفرقه.. والشيطان هنا هو اليد التي تجمع هؤلاء المشركين، أو تفرقهم حسب مشيئته فيهم..
وثانيها: أن هذه الجموع الكثيفة المحيطة بالنبيّ من المشركين، إنما هى على كثرتها غثاء كغثاء السيل، وأنها لا تلبث أن تعر من وجه الحق إذا طلع عليها وضربها الضربة القاضية.. إنها كائنات من مخلفات الحياة، ليس لها جذور تمدها بالغذاء، وتمسك عليها الحياة.. وإنه سرعان، ما تجف وتتطاير، فتذهب بها الريح، وترمى بها فى كل وجه..
وثالثها: أن هذا اللبد المجتمع حول النبىّ، هو أشبه باللبد المجتمع حول رقبة الأسد، فهو شىء عارض، لا يؤثر فى ذاتية الأسد، وأنه يتطاير فى كل لحظة ليخلى مكانه لغيره.
ورابعها: أن هذا اللّبد المجتمع حول النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- وإن كان فى هذا الوقت لبدا يشوكه، ويؤذيه، فإنه سيتحول عما قريب إلى لبد يحميه، ويدفع عنه كل أذى.. وهكذا فإنه بعد سنوات قليلة اجتمع للنبىّ من هؤلاء المشركين جند الله، المدافعون عن دينه، والمجاهدون فى سبيله، وهم المهاجرون، الذين كانوا مع إخوانهم الأنصار الكتيبة الأولى حملت راية الإسلام. وركزتها في أعزّ، وأمكن مكان، ودافعت عنها بالأرواح والأموال، وفدّتها بالأبناء والآباء..
стр. 6374
قوله تعالى:
«قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً» ..
هو توجيه من الله سبحانه للنبىّ الكريم، بما يلقى به قومه الذين كادوا يكونون عليه لبدا.. فهو إذ يراهم وقد صاروا عصبا عليه، قد اجتمعوا على عداوته والكيد له- إذ يراهم على تلك الحال، يقول لهم: «إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً» .. فهذه هى دعوتى.. فماذا تنكرون منها؟
وماذا تنكرون من الذين يعبدون ما أعبد؟ إنها دعوة لا إكراه فيها، فمن قبلها، فذلك من شأنه هو، ومن أعرض عنها، واتخذ سبيلا غيرها، فذلك من شأنه أيضا.. فلم إذن تصدّون الناس عن سبيل الله؟ ولم لا تتركون الناس وما اختاروا، كما تركتم أنتم وما اخترتم؟
قوله تعالى:
«قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً» .
هو من قول النبي المشركين، فهو إذ يعبد ربّه، ويوجه إليه وجهه، وحده، لا شريك له، فإنه لا يملك المشركين ضرّا، ولا رشدا.. وإنما ذلك إلى الله وحده. «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ» (١٢٥: الأنعام) .
وفى مقابلة الضرّ بالرشد، إشارة إلى أن الضر لا يكون إلا عن متابعة الهوى، واتباع أهل الضلال، كما أن الخير، لا يكون إلا من ثمرات الهدى، والاستقامة والتقوى.. وهكذا تقع المقابلة بين الضرّ والرشد، وقوعا يشمل الظاهر والباطل جميعا..
стр. 6375
فالضرّ، ظاهر، يخفى وراءه الهوى، والضلال، والشرك.. والرشد باطن، يفوح منه طيب الخير، وتهمى من سمائه غيوث الرحمة والإحسان..
أو بعبارة أوضح نقول: إن الضرّ فرع غاب أصله، والرشد أصل غاب فرعه.. فالضرّ ثمر كريه مرّ حاضر، لا تكاد تقع العين عليه حتى تعرف الشجرة التي أثمرته..
والرّشد، شجرة طيبة مباركة.. يكفى أن تقع العين عليها فتعرف الثمر الطيب الكريم، الذي تجود به.. أو نقول: إن المقابلة هنا بين المسبب، وهو الضرّ، وبين السبب لما يقابله وهو الرشد الذي مسبّبه الخير..
وهكذا فى كلمتين، يتجلى وجه من وجوه إعجاز القرآن.. ففى المقابلة بين هاتين الكلمتين: الضرّ، والرشد، تتحرك المعاني المولدة منهما، ويقابل بعضها بعضا، فتتآلف منها صورة معجزة، الكلمة القرآنية، التي لا ينفد لها عطاء.
فعلى وجه الضرّ تلوح معالم الشرك، والكفر، والضلال، وتتراقص شياطين الغواية، والإثم..
وعلى وجه الرّشد، تتألق عرائس الخير، وتتهادى حور الجنان وولدانها.
وهنا سؤال، وهو: لماذا آثر النظم القرآنى، المقابلة بين الضرّ والرشد، على المقابلة بين الكفر، والخير، أي المقابلة بين مسبب وسبب، دون المقابلة بين مسبّب ومسبب، أو بين سبب وسبب؟
ونقول- والله أعلم- إنه فى جانب الضرّ أغفل السبب الوارد منه هذا الضرّ، وهو الكفر والشرك، وأقيم المسبّب- وهو الضرّ- مقامه، ليرى الشرك والكفر فى ثمرتهما المرّة النكدة التي أثمراها..