فى الكائن الحىّ، يقوم عليها بقاؤه وحفظ نوعه.. وإنه حين يفقد الكائن الحىّ فعالية هذه الغريزة، يفقد الحياة فى أولى خطواته على طريقها.. سواء فى ذلك الإنسان، أو الحيوان، وحتى النبات.. وأكاد أقول والجماد أيضا!! ..
والإنسان بما فيه من عقل وذكاء، قد مكّن لهذه الغريزة فى كيانه، وأقام منها حارسا يقظا عليه، ووضع بين يدى هذا الحارس أكثر من سلاح يدفع به أي خطر يقع، أو يتوقع أن يقع..
وفى الآخرة أهوال تأخذ الناس بالنواصي والأقدام.. (إن زلزلة الساعة شىء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) (١- ٢: الحج) .
فى هذا الموقف الرهيب، يساق المجرمون، والعصاة، إلى ساحة القصاص، حيث يرون رأى العين مصيرهم الذي هم صائرون إليه، والمنزل الذي سينزلونه من جهنم، التي إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا..
إن القلوب لتنخلع من هذا الهول، إن كان هناك قلوب لم تذهب بها مطالع الأهوال، ولم تفتتها الآلام والحسرات.. إنها حال لا يمكن أن تتصورها العقول، ولا أن يحيط بها وصف، لأنها مما لن يقع إلا فى هذا اليوم.
هناك صراخ وعويل، وزفرات وأنين، ولهفات وحسرات، يختلط بعضها ببعض، فتملأ أسماع العالمين بهذه المناحة المروّعة، التي تزيد فى الآلام، وتضاعف من العذاب!.
стр. 6302
وأين المفر؟
إنه لا مفر من النار إلا إلى النار، ولا مفزع من البلاء إلا إلى البلاء!.
ومع هذا اليأس القاتل، فإن قسوة العذاب، وشدة البلاء، تحمل المجرمين على أن يفزعوا إلى أي مفزع، ويتجهوا إلى أي متجه.. إنها محاولات لا بدّ منها، وحركات تجرى فى النفس، ولا تتخذ لها طريقا عمليا، حيث اليأس المطلق، الذي لا يلوح فى سمائه المتجهمة بصيص من أمل، ولا أثر لرجاء..
وننظر فى هذه الصورة المعجزة، التي صورها القرآن الكريم لمسارب النفوس ومجرى الخواطر، فى زحمة هذا المعترك الضنك الذي تبلغ فيه القلوب الحناجر..
إنه لو قدر لآلات التصوير السينمائى أن تدخل إلى عالم النفس، فترصد حركاتها، وتكشف عن خفاياها، لما أمكنها أن تأتى بما يقرب من هذه الصورة القرآنية فى إحكامها، وصدقها، وإحاطتها الشاملة بما تكنّ الضمائر، وما تخفى الصدور..
وننظر فى الصورة القرآنية، التي عرضتها الآيات الكريمة.
(يودّ المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ يبنيه، وصاحبته وأخيه، وفصيلته التي تؤويه، ومن فى الأرض جميعا ثم ينجيه.. كلا.. إنها لظى، نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى، وجمع فأوعى) ..
إن الإنسان هنا فى فم الهلاك، وفى دائرة العذاب المطبق عليه.. وإن لذعة العذاب لتخرج الإنسان عن نفسه، وتجعل أعضاءه- فى متدافع هذا العذاب- يرمى بعضها بعضا، ويتّقى بعضها ببعض.. إنه لا شىء يحرص عليه
стр. 6303
الإنسان هنا.. إن أقرب شىء إليه، وأعزّه إلى نفسه، ليقدّمه فى غير وعى، ليدفع به هذا العذاب الذي يأكله، كما تأكل النار الحطب! إنه لا يملك غير نفسه، وقد احتواها العذاب! فهل يحرص بعد هذا على شىء؟.
إنه يود أن لو كان بين يديه أبناؤه.. إذن لا تقى بهم هذا العذاب، ولجعلهم دريئة له، يتلقون عنه ألسنة اللهب، ووهج السعير..
ولكنه إذ يرمى بأبنائه فى جهنم ثم لا يجد فيهم غناء، يمد يده إلى من هم أبعد إليه منهم.. إنها صاحبته، أي زوجه، وأم بنيه، ثم هى زوج وصاحبة معا، قد سكن إليها، وتعلق قلبه بها، وليست مجرد زوجة!.
ثم ماذا؟ إنها لم تغن عنه شيئا.. وها هو ذا يمدّ يده إلى من هم أبعد من بنيه، وصاحبته.. إلى أخيه.. ثم إلى أهله وعشيرته.. ثم إلى كل من تطوله يده من قريب أو بعيد.. ثم لا يزال هكذا حتى يأتى على كل ما فى الأرض، من أنفس، ومتاع..
إن هذا الترتيب المتتابع فى تقديم ضحايا الفداء، لا يمكن أن يقع على هذا الوجه إلا بحساب دقيق محكم لاتجاهات النفس، وإلا بتقدير واقعي لارتباطها الشعورى بكل ضحية يضحّى بها فى هذا المقام.
وقد يبدو غريبا- فى ظاهر الأمر- أن يقدّم الإنسان أول ما يقدم للفداء والتضحية، أعزّ شىء لديه، وهم أبناؤه، وقد كان المتوقع أن يضنّ بهم، أو أن يجعلهم آخر سهم يرمى به فى وجه هذا الهلاك الذي يحتويه!! وهذا الحساب إنما يجرى على هذا الوجه، حين تكون الأمور على ما ألف الناس، وحين يكون فى الأمر شىء من السّعة، ولو كان بمقدار سمّ الخياط..
стр. 6304
أما والعذاب هو عذاب جهنم، فإن المعابير تختلّ والموازين تضطرب..
وهل ينتظر من الإنسان فى مزدحم هذا الهول أن يعرف ضوابط ومعايير؟
وهل يدع هذا العذاب لإنسان سبيلا الاختيار، أو فرصة للموازنة؟.
إن أقرب شىء للإنسان فى هذا الموقف، هو درعه التي يتقى بها لفح العذاب، ولو كان هذا الشيء عضوا من أعضائه!! ولكن انظر حين يكون فى الأمر شىء من السعة، وحين يكون الإنسان خارج دائرة العذاب، لم يقع فيه بعد، ولم تغلق عليه أبواب جهنم.
إنه هنا يملك شيئا من الاختيار.. ولهذا فإنه فى ابتداء منطلقه من وجه الخطر، يتخفف من المهم فالأهم، ويتخلى عن العزيز فالأعزّ.. إنه لا يقدم فدية، ولكنه يحلّ نفسه من الروابط التي تربطه بالولد، والصاحبة، والأب والأم، والأخ. تلك الروابط التي تجعل منه ومن هؤلاء الأقربين كيانا واحدا، أشبه بالجسد وأعضائه..
فهو إذ يحلّ عقد الروابط بينه وبين هذه الأعضاء، يبدأ بأبعدها عنه، فيحلها عقدة عقدة، حتى ينتهى إلى أقرب عضو إليه، ولا عضو أقرب منه بعد هذا إلا نفسه ذاتها..
وشاهد هذا فى القرآن الكريم.. فى قوله تعالى:
«يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» (٣٤- ٣٥: عبس) .
فهنا حركة فرار من خطر داهم.. أو شر مقبل، أو حيّة مهاجمة، أو نار علقت بالدار والمتاع، أو نحو هذا.. وهنا لا يلتفت الإنسان إلا إلى نفسه، لينجوبها
стр. 6305
فإن راوده الأمل، ونازعته نفسه إلى حمل شىء معه، كان نظره إلى أعزّ شىء عنده، يجعله معه، ويمنّى نفسه بالنجاة به، فإن هو قد وجد فرصة النجاة ضيقة تخفف مما حمل، ورمى بالعزيز، دون الأعزّ.. ثم إذا ضاقت الدائرة بحيث لا تتسع إلا لنفسه، رمى بكل شىء، وطلب السلامة لنفسه، والفرار بجلده.
إن هذه الدقة البالغة غاية الأحكام، فى تصوير الحقائق، وانتزاعها من أغوار النفس، ومسارب الفكر، لا تكون فى غير القرآن الكريم، ولا تجىء إلا من تلقائه، حيث القدرة المعجزة، والبيان المفحم..
ولو ذهب كانب أو شاعر، يصور هذه الأحوال، لما أمكن أن يقارب هذا التصوير القرآنى، ولا أن يقع فى ظلاله..
وهب شاعرا أو كانبا وقع فى نفسه هذا الترتيب، أفتظن أنه كان يستطيع أن يجد له هذا البيان الواضح السمح، الذي يتدفق تدفق النور من وجه الصباح الوليد؟ ثم أكان يفرّق في هذا المقام بين زوجة وزوجة بهذه اللفظة المعجزة:
«صاحبته» التي تضمن لهذا الترتيب بين أهل الإنسان وعشيرته، الصدق والواقعية؟
ثم ماذا؟
ثم هذا العطف بالواو فى الآيتين:
«يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ. وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ. وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ.» .
«يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ» . (٣٤-
٣٦: عبس) .
هذا العطف بالواو.. ماذا تقول فيه؟
стр. 6306
إن علماء البلاغة يقولون: إن الواو لا تفيد ترتيبا ولا تعقيبا، وأنها لمطلق الجمع.. وربما كان هذا حقّا.. وهو حق فعلا، ولكنه فى مجال الكلام الذي يكال كيل التمر، ولا يوزن وزن الدّر، والذهب. أما حين يرتفع مستوى الكلام إلى أعلى منازل البلاغة، ثم يجاوزها فيكون من كلام الله سبحانه فى كتابه الكريم، فإن الأمر يختلف، حيث يكون لكل حركة معنى، ولكل وضع من النظم مقصدا، لا يتحقق إلّا به.
فالواو فى القرآن الكريم، صالحة فى أغلب الأحيان، لأن تفيد الترتيب والتعقيب، فتجعل للمتقدم وضعا غير وضع المتأخر، ومع اشتراكهما فى الحكم، فإنهما على درجات فى هذا الحكم، وتلك خاصة من خصائص البيان القرآنى، وسر من أسراره، لا يشاركه فيه غيره من شعر أو نثر..
وهكذا فرّق أصحاب البصر بكتاب الله بين المتعاطفين بالواو، وجعلا لكل منهما مكانا خاصا من المشاركة فى الحكم الذي اشتركا فيه..
فأبو بكر رضى الله عنه، يقيم حجته على الأنصار، بتقديم المهاجرين عليهم من قوله تعالى: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ» - فيقول لهم:
«أسلنا قبلكم، وقدّمنا فى القرآن عليكم» .. وقد سلّم الأنصار له بهذه الحجة ولم ينازعوه فيها..
وإذن، فهذا الترتيب الذي جاءت عليه الآيات الكريمة فى الموضعين السابقين هو ترتيب لازم، وإن كانت الواو هى أداة العطف فى هذا الترتيب! ثم لعلّ سائلا يسأل: إذا كان هذا الترتيب لازما، فلماذا لم يجىء العطف بالفاء ليكون ذلك أدلّ على المراد، وأبلغ فى بيان المطلوب؟
وأكاد أوثر ألّا أجيب على هذا التساؤل، وأدع السرّ الإعجازي للعطف
стр. 6307
بالواو محجّبا فى جلاله لا يغشى حماه إلا من يسعى إليه، ويقف على مشارف حماه، يخالس النظر إليه، ويرشف من رحيقه قطرة قطرة.. ولأنى على يقين من أن أي جواب أجيب به عن هذا التساؤل، لا يمكن أن يقطع النظر عن البحث وراء أسرار هذا العطف تلك الأسرار التي لا تنفد أبدا، على كثرة ما يقع منها لأنظار الناظرين فيها.
ولهذا، فإنى لا أرى داعية إلى الإمساك عن الإجابة على هذا التساؤل، بما وقع لى.. ثم إن لغيرى أن يقبل هذه الإجابة، أو يعدّلها، أو يبحث عن جديد غيرها.. وإنه لواجد جديدا، وجديدا..
فأقول:
لعل أول ما يبدو من إيثار النظم القرآنى العطف بالواو، هو أن هذا العطف بالواو فى هذا المقام، يتسع لتحقيق المعنى الذي تتحق به الموافقة للواقع.
ذلك أن هذا الترتيب فى التخلّي عن الأعزاء، أو سوقهم إلى ساحة التضحية والفداء، لا يقع بهذا التحديد على تلك الصورة المعروفة، التي تقع فى الحياة، حين يكون للمرء فرصة للاختيار، فيقدم ويؤخر، فيما يتخلى عنه، أو يقذف به فى وجه العذاب، واحدا، بعد واحد.. وكلّا، فإن شدّة الهول، ووقدة السعير، لا يكون المرء معها فرصة للتفكير والاختيار، وإنما هو يتخلى عنها جميعا مرة واحدة، ويقذف بها كلها دفعة واحدة!! ولكنها- مع هذا الحشد لها- تأخذا هذا الوضع فى الترتيب الذي جاء بها عليه النظم القرآنى..
والعطف بالواو، وبالواو وحدها، هو الذي يحقق هذه الصورة المجتمعة المتفرقة فى آن واحد.. وذلك لأن الواو لمطلق الجمع من جهة، وللترتيب بين المتعاطفين من جهة أخرى، ثم إنه ليس بين متعاطفيها إمهال ملتزم، كما يكون ذلك بين المتعاطفين بالفاء، أو ثم..
стр. 6308
تقول الآيات الكريمة فى هذه السورة: «يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ» - فتضع هؤلاء الضحايا جميعا على مذبح الفداء مرة واحدة، ثم هى- مع هذا- تضعهم بهذا الترتيب، فيما يشبه الزّمن العدمي!! وتقول الآيات الكريمة فى سورة أخرى: «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ.» (عبس: ٣٤- ٣٦) فتفرض على المجرم الفارّ من وجه العذاب- أن يرمى بكل هؤلاء جميعا دفعة واحدة كما يرمى بحصيات من يده، مرة واحدة ولكن- وبتدبير معجز- تخرج تلك الحصيات من يده على هذا الترتيب الذي جاءت به الآيات.. فهو يفر من أهله جملة واحدة، لا يفصل بين أفرادها زمن، ولكنها جملة مفصلة، تمر فى أسرع من آنات الزمن! ولو أن العطف وقع بالفاء، أو ثم فى الموقفين، لكان فى هذا الترتيب فواصل زمنية لازمة، لا يحتملها الموقف، ولا يحكيها واقع الحال! هذه واحدة..
وأخرى..
وهى أن الطبيعة البشرية فى مجموعها، وإن كانت تجرى على هذا الترتيب الذي جاءت عليه الآيات فى الموقفين، فى مقام المفاضلة بين الأهل والولد.. الابن، فالصاحبة (الزوج) ، فالأب، فالأم، فالإخوة، فالأهل والعشير.! ولكن هناك حالات خاصة تقضى بأن يكون لبعض الناس موقف خاص من هذا الترتيب، فيقدّم صنفا على صنف، لانحراف فى التفكير، أو لفساد فى الطبيعة، أو فتور فى العلاقة، أو غير هذا مما يغيّر فى وضع العلاقة الطبيعية بين المرء وأقاربه..
стр. 6309
وإنه لو جاء العطف بالفاء أو ثم، لكان هذا الترتيب حكما ملزما للناس جميعا أن يجروا عليه فى هذه المواقف، ولكان هذا الحكم غير صادق كل الصدق، ولوجد من الناس من ينقضه، ويخرج عليه.. أما العطف بالواو فإنه يتسع لقبول مثل هذه الحالات العارضة على الطبيعة البشرية، حيث أن العطف بها لا يفيد هذا الترتيب الملزم.. فهى- أي الواو- تفيد الترتيب المطلق من جهة، وبذلك تحقق الحكم العام الذي يجرى عليه معظم الناس، ثم هى من جهة أخرى، لا تجعل هذا الترتيب أمرا ملزما- لأن الترتيب ليس من طبيعتها، ولكنه شىء عارض فى مقام الإعجاز- وبذلك تتناول الأطراف المنحرفة من مجموع الإنسانية، وتجعل لها مدخلا فى الحكم، ومكانا فى الصورة.
ثم ماذا بعد هذا؟ ثم كثير وكثير لا ينتهى أبدا.. «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً..»
قوله تعالى:
«كَلَّا إِنَّها لَظى نَزَّاعَةً لِلشَّوى تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعى..»
«كلا» ردع، وزجر، ونفى.. فإنه لا نجاة من هذا العذاب، ولا مفر من أن يقع بأهله، فلا يدفعه دافع من جاء أو سلطان، أو فدية من مال وبنين «إِنَّها لَظى» - تعليل لنفى النجاة عن أصحاب النار، وردّ أي فدية لو كان يملك أحد شيئا يقدّمه فى هذا اليوم.. إنها لظى! فهل يملك أحد أن يفرّ منها؟
وفى قوله تعالى: «إِنَّها لَظى» تلويح بهذه النار الجهنمية فى وجه المجرمين..
«إِنَّها لَظى!» وكفى..! فهل يستطيع أحد أن يفلت من «لظى» إذا أوقعه شؤمه، وضلاله فى طريقها؟ ذلك محال.
стр. 6310
وهذا مثل قوله ﷺ لعلى كرم الله وجهه، وقد عرض نفسه لينازل عمرو بن ودّ يوم الخندق، وقد تهيبه المسلمون يومئذ.. فقال صلوات الله وسلامه عليه- لعلىّ كرم الله وجهه-: «إنه عمرو!!» فقال علىّ:
«وأنا على!!» .
وسميت «لظى» لتلظّى لهيبها، وتأججه، وزفيره وشهيقه.
«نَزَّاعَةً لِلشَّوى» حال من أحوال «لظى» .. وصاحب الحال «لظى» ، وهى معرفة، لأنها واحدة فى بابها، وعلم مفرد فى صفاتها وأفعالها..
والشوى: الأصراف، كاليدين، والرجلين.
وفى قوله تعالى: «نَزَّاعَةً لِلشَّوى» إشارة إلى أن أول ما تحدثه النار فى الكائن الحىّ الذي يشوى بها، هو انخلاع أطرافه.. وهذا يعنى أن يفقد المعذّب بالنار القدرة على الحركة، إذا انفصلت عنه رجلاه اللتان يتحرك بهما، كما يفقد القدرة على الدفاع عن نفسه بيديه بعد أن عجز عن الفرار، إذ قد انخلعت عن جسده هاتان اليدان.. وهكذا يصبح كتلة مستسلمة للعذاب، مقيدة بقيد العجز المطلق..
وقوله تعالى:
«تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى» .. حال أخرى من أحوال لظى، وأنها تدعو إليها من أعرض عن الإيمان بالله، وأعطى ظهره لدعوة الحق.. فكأنها يدعوتها تلك إنما تستقبل من أقبل عليها، وولى وجهه نحوها، حين أعرض عن الإيمان بالله، وكما تستقبل من أعرض عن الإيمان- تستقبل من جمع المال وأوعاه أي وضعه فى وعاء، وضمن به عن الإنفاق فى وجوه الخير، والإحسان..
وفى الجمع بين الإعراض عن الإيمان بالله، والإمساك عن الإنفاق فى سبيل
стр. 6311
الله- إشارة إلى شناعة البخل، وأنه يعدل الكفر، وهذا مثل قوله تعالى:
«إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ» (٣٣- ٣٤:
الحاقة) .
الآيات: (١٩- ٣٥) [سورة المعارج (٧٠) : الآيات ١٩ الى ٣٥]
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣)
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣)
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)
التفسير:
قوله تعالى:
«إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً» .
الإنسان هنا، هو الإنسان الذي ضلّ عن سبيل الله، وكفر به، وبرسله وباليوم الآخر.
وجاء الحكم على الإنسان مطلقا، على التغليب، لأن أكثر الناس هم هذا
стр. 6312
الإنسان الهلوع، كما يقول سبحانه: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ» (١٠٣: يوسف) وفى قوله تعالى: «خلق» - إشارة إلى أن هذا الذي عليه الإنسان من كفر وضلال، هو مما سبق به قضاء الله فيه، واقتضته مشيئته، كما يقول سبحانه: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» (٢: التغابن) ومع هذا القضاء السابق، والمشيئة الغالبة، فإن الإنسان مكلّف بأن يأخذ طريق الخير، ويتجه إلى جانب الأمن والسلامة من عذاب الله، لأنه لا يدرى ما قضاء الله فيه، ومشيئته له.. ولكن الذي يدريه ويقطع به، هو أن للنجاة طريقا، ينبغى أن يسلكه، وللهلاك طرقا يجب أن يتجنبها.. إنه يفرّق حتما بين النور والظلام.. وفى النور الهدى والسلامة، ومع الظلام الضلال والضياع.
فإذا آثر الظلام على النور، والضلال على الهدى، ولم يتحرك بإرادته للخلاص مما هو فيه، فقد لزمته الحجة، وحق عليه العقاب.
والهلوع: من الهلع، وهو الجزع الشديد.
وقوله تعالى:
«إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً» هو بيان الهلع الذي هو طبيعة غالبة فى الإنسان.. فإن من شأن هذه الطبيعة التي تملّكها الهلع، أنه إذا مس الإنسان شر لم يصبر عليه، واستبد به الجزع، واستولى عليه اليأس.. لأنه لا يستند إلى قوة القوىّ العزيز، ولا يستعين بعون الرّحمن الرّحيم.. إنه فى دائرة مغلقة عليه مع هذا البلاء الذي نزل به، لا يرى لهذا البلاء دافعا، ولا يتوقع من وراء هذا الضيق فرجا.. أما المؤمن بالله، فإنه إذا مسّه الشر، وأصابه الضر، نظر إلى وجه ربه الكريم، وبسط يد الرجاء إليه،
стр. 6313
يطمع فى رحمته، ويرجو كشف الضر عنه، فيجد فى هذا الرجاء متنفسا لكربه، وكشفا لضره.
هكذا المؤمنون بالله، لا يحزنهم هم نازل، ولا يكربهم بلاء مطبق، لأنهم فى ضمان من رحمة الله، وعلى رجاء من فضله.. «وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ» (٨٣: ٨٤: الأنبياء) إن المؤمن على يقين من أن له ربّا يشكو إليه، وأن ربه سميع الدعاء، واسع الرحمة: «وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» (١٨٦: البقرة) .
إن المؤمن لا يأسى على شىء فاته من أمور الدنيا، ولا يجزع لشىء أصابه من همومها، إذ هو على يقين من أن ذلك بقضاء وقدر، وأنه بتقدير العزيز الحكيم، وأن ما قدره الله سبحانه، هو الخير، وإن رآه الإنسان شرا، كما يقول سبحانه:
«وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» (٢١٦: البقرة) ويقول جل شأنه:
«فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً» (١٩: النساء) ..
وفى هذا كله عزاء للمؤمن عند كل مصيبة، ومواساة عند كل كرب.. وفى هذا يقول الله : «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» (١٥٥: ١٥٧: البقرة) .
أما الذي لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر، فإنه قد خلّى بينه وبين مصيبته، يتجرع غصصها، ويمضغ جمرها، ويبيت على أشواكها، دون أن يجد للصبر طريقا، أو يرى للعزاء وجها..
стр. 6314
هذا الإنسان الذي لا يؤمن بالله فى مواجهة الرزايا، وفى لقاء المصائب، هو طعام للجزع، ووقود لليأس والحسرة! أما فى حال العافية، والرخاء، وسعة الرزق، وفيض المال، فهو متسلط جبار، لا يرى لأحد شيئا مما ملك، بل إن هذا الملك الذي فى يده، يغريه بإذلال الناس، واستعبادهم، حتى يزداد علوا، ويزداد غيره نزولا، ففى ذلك متعة له، ورضا لنفسه، وهناءة لقلبه.. كما يقول سبحانه: «وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً» .
إنه لا يرى أبدا أن هذا الذي بين يديه، هو وديعة عنده، يمكن أن تسترد يوما ممن أودعها إياه ... وإنما يقوم تقديره على أن هذا الذي وقع له، هو من تدبيره، أو هو أمر لازم لذاتيته، ولما فيه من مزايا خاصة، أثمرت له هذا الثمر.. إنه يتصور أنه من عنصر كريم، لا يثمر إلا هذا الخير، الذي هو فيه، كما أن غيره من الفقراء والمساكين والضعفاء، هم من عنصر لا يجىء منه غير الفقر، والمسكنة والضعف.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى الكشف عن تفكير هذا الإنسان الضال المغرور بنفسه، إذ يقول سبحانه على لسانه: «وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي» (٥٠: فصلت) أي هذا من طبيعة ذاتى، وخصّيصة وجودى.. أما الفقراء، وذوو الحاجة، فإنهم ليسوا أهلا لغير الفقر والحاجة، ولو كانوا يستحقون غير ما هم فيه، لما بخل الله عليهم به. «أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ» (٤٧: يس) وقوله تعالى:
«إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ..» .
стр. 6315
هو استثناء من قوله تعالى: «إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً» .
فالحكم العام على الإنسان، هو أنه هلوع جزوع، إذا مسه الشر.. منوع بخيل، إذا مسّه الخير.. ويستثنى من هذا الحكم العام أولئك الذين آمنوا بالله من بنى الإنسان، ثم امتثلوا شريعة هذا الإيمان، فأتوا ما أمرهم الله به، واجتنبوا ما نهاهم عنه..
والصلاة، هى الركن الأول من الأركان التي قام عليها الإيمان، ولهذا كانت أول صفة يتصف بها المؤمنون، لأنها هى الطريق الذي يصلهم بالله.
فإذا تركها المؤمن، انقطعت صلته بربه، إلى أن يعود إليها، وفى هذا يقول الله تعالى: (إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى) (١٤: طه) فالصلاة هى التي تذكّر بالله، وتصل العبد بربه، وتملأ قلبه خشية منه، وولاء له.
ثم تأتى الصفة الثانية التي يتصف بها المؤمن بعد الصلاة، وهى الزكاة، فيقول سبحانه: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» .. فإن من شأن من يؤمن بالله، ويداوم على الصلاة- من شأنه أن يذكر ربه، ويذكر أن ما فى يده، هو من رزق الله له، ومن إحسانه إليه، وهو بهذا لا يبخل بهذا المال، ولا يضن به على الإنفاق فى وجوه البرّ، لأن ما ينفقه هو مدّخر عند الله له، ثم هو فى الوقت نفسه، لا ينقص شيئا من رزقه المقدر له.. فما أنفقه فى وجوه الخير، هو صدقة زائدة، تصدّق الله بها عليه، لتكون طهرة له..
وما أمسكه فى يده، هو الرزق المقدر له..
والحق المعلوم فى أموال المؤمنين، هو الزكاة المفروضة عليهم..
стр. 6316
والسائل: هو الذي يسأل عند الحاجة، والمحروم: هو المحتاج الذي لا يسأل، حياء وتعفّفا..
هذا وقد جمع الله بين الصلاة والزكاة فى سبعة وعشرين موضعا من القرآن الكريم، كما التزم القرآن الكريم تقديم الصلاة على الزكاة فى كل موضع اجتمعتا فيه..
وفى هذا الجمع بين الصلاة والزكاة- إشارة إلى أنهما من باب واحد، فى باب الإيمان والإحسان! ..
ثم إن فى تقديم الصلاة على الزكاة، إشارة إلى أن الصلاة هى التي تخلق فى الإنسان العواطف والمشاعر التي تدعو إلى الرحمة، والعطف، والإحسان، فالزكاة ثمرة من ثمرات الصلاة.. والثمرة فرع من أصل، هو الشجرة! وقوله تعالى:
«وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ» ..
أي ومن صفات المؤمنين بالله، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، أنهم يصدقون بيوم الدّين، ويؤمنون بالبعث، والحساب والجزاء، فإنه بغير هذا التصديق بيوم الدين، لا يكمل إيمانهم بالله، ولا يقوم عندهم شعور واضح بهذا الإيمان، إذ أن الإيمان بالحساب والجزاء هو الذي يعطى الإيمان بالله، الواقع العملي لهذا الإيمان، بما يقدّم الإنسان من أعمال صالحة، وبما يتجنب من أعمال سيئة، إعدادا ليوم الحساب، واستعدادا للقاء الله فى هذا اليوم..
ولو أخلى الإيمان بالله، من الإيمان باليوم الآخر، لكان الإيمان بالله- إن وجد- مجرد فكرة ذهنية، لا يكاد يكون لها أثر فى سلوك الإنسان، ولا
стр. 6317
حساب فيما يأتى وما يذر من الأعمال..
وسمّى يوم القيامة «يوم الدين» لأنه يوم الدينونة، ويوم الحساب، حيث يدان الإنسان، ويجازى بما عمل..
وأصله من الدّين، لأن لله دينا على كل مخلوق، بخلقه من عدم، ثم بما أودع فيه من قوى، ثم بما أفاء عليه من فضله وإحسانه.. ولهذا كان كل موجود مسبّحا بحمد الله، قضاء لبعض هذا الدين.. وقد وفىّ كل مخلوق دينه لخالقه، إذ لم ينحرف عن الطريق الذي أقامه الله عليه، ما عدا الإنسان: فإن أي إنسان مهما اجتهد فى طاعة الله، وتحرّى مواقع مرضاته، فإنه لا يسلم أبدا من عوارض التقصير.. ولهذا كان الناس جميعا واقعين تحت الدينونة..
والديان، صفة من صفات الحق جلّ وعلا، لأنه صاحب الفضل والإحسان على هذا الوجود.. يقول الشاعر:
لاه ابن عمّك لا أفضلت فى حسب ... عنّى ولا أنت ديّاني فتخزونى
وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ» - إشارة إلى أن الخشية من عذاب الله، هى القوة العاملة فى توجيه الإنسان إلى الخير، وتجنبه للشر، أكثر من الطمع فى الجنة والرغبة فى نعيمها.. فمن طبيعة الإنسان أنه يحرص على أن يتوقىّ الشر، ويعمل له حسابا، أكثر من حرصه على تحصيل الخير والجدّ فيه.. ومن هنا كان من المبادئ العامة فى الشريعة الإسلامية:
«أنّ دفع المضار مقدم على جلب المنافع» فإن دفع الضرر، هو فى الوقت نفسه جلب لمنفعة، هى السلامة من هذا الضرر، والعافية من بلائه.. فدفع المضار
стр. 6318
مقترن دائما بجلب المصالح والمنافع.. على خلاف ما يكون من جلب المنافع، فإنه قد تجلب المنفعة، ولا يكون معها دفع مضرة.. مثل جلب المال إلى المال بعد سدّ حاجة الإنسان. فإن جلب المال لدفع الحاجة، هو دفع لضرر وجلب لمصلحة معا، وجلب المال لغير سدّ حاجة، هو جلب لمنفعة، لا يصحبه دفع ضرر.. وشتان بين الأمرين.. وفى هذا يقول الله تعالى:
«فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ» (١٨٥: آل عمران) ..
فالزحزحة عن النار دفع لضرر، جلب معه مصلحة، وهو دخول الجنة..
أما من دخل الجنة ابتداء من غير أن يتحقق أنه زحزح عن النار، فإن شبح النار لا يزال مطلّا عليه، لأنه لم يعلم حقيقة أمره مع النار..
ولعل هذا هو السر فى قوله تعالى: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» (٧١- ٧٢:
مريم) .
وقوله تعالى: «إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ» ..
أي أن المؤمن- مع إيمانه بالله، وإقامته الصلاة. وإيتائه الزكاة، وتصديقه باليوم الآخر- كل ذلك لا يخلى نفسه من الشعور بالخوف من الله، والوقوع تحت طائلة عذابه.. فما أحد يدرى ما الله صانع به، وما أحد يدرى أهو من أهل الجنة أم من أهل النار، وإن كان- مع هذا- طريق قائم على الجنة، وأعمال تبلغ بالعاملين على هذا الطريق، إلى الجنة.. وطريق قائم على النار، وأعمال تسوق العاملين على هذا الطريق، إلى النار..
ثم الحكم بعد هذا كله إلى الله وحده، «يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً» .. (٣١: الإنسان)
стр. 6319
[الإسلام.. وشهوة الجنس]
قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» .
أي وكذلك من صفات المؤمنين- مع إيمانهم بالله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والتصديق باليوم الآخر، والخشية من عذاب الله- هم أنهم لفروجهم حافظون، أي حافظون لها من الوقوع فى الحرام.
وقوله تعالى: «إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ» .. «إلّا» هنا بمعنى لكن، التي تفيد الابتداء لا الاستثناء.. فما بعدها منقطع عما قبلها.. وهذا يعنى أن الحفظ للفروج هنا، هو حفظ مطلق، لا استثناء فيه.. فإمّا حفظ، أو غير حفظ.. لأن غير الحفظ يكون عدوانا، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى موضع آخر:
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ «١» (٥- ٧:
المؤمنون) فعدم حفظ الفروج يكون عدوانا على حرمات الناس..
وعلى هذا يكون المعنى، أن من شأن المؤمنين أن يحفظوا فروجهم، وألا يكون منهم عدوان على حرمة الناس، أما عدوانهم على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم من إماء، فإنهم غير ملومين فيه..
ففى قوله تعالى: «فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ» - إشارة خفيّة إلى أن هذه الإباحة للأزواج، وما ملكت الأيمان، ليست على إطلاقها، وإنما هى محفوفة بسياج متين، ومحاطة بحراسة قوية، لا يؤذن بالدخول إليها إلا بحساب، وتحت مراقبة!.
стр. 6320
وهذا يعنى أن للفروج حرمة حتى فى مواقع الحلال، فلا تبتذل، ولا تمتهن، ولا تسترخص، ولا تستباح، كما تستباح فروج البهائم فى غير ستر من الحياء والتصون.. إنها أكرم وأعز من أن ينظر إليها كما ينظر إلى المتاع.. إنها شرف الإنسان وعرضه وكرامته، فإذا أحل الله للإنسان أن يستبيح شرفه، وعرضه وكرامته لحساب نفسه، فليكن ذلك فى حدود نفسه، بحيث لا يطلع عليه أحد.. وهذا هو بعض السرّ فى قوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ» (١٨٧: البقرة) - فقوله تعالى:
«هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ» يجعل من كلّ من الزوج وزوجه كيانا واحدا، يجمّل كلّ منهما صاحبه بلباس ضاف من الستر والحياء، والتصوّن..!
هذا هو أدب الإسلام، وتلك هى تربيته العالية للإنسان، والارتفاع بإنسانيته إلى هذا المستوي الكريم من التعفف والتصوّن، والتسامى على شهوات الحيوان الكامن فيه.. فلو أن إنسانا يكون ملاكا يمشى على الأرض لكانه هذا الإنسان المسلم الذي ينشّأ فى حجر الإسلام، ويربى على تعاليمه، ويتأدب بآدابه.
ودع ما يتخرص به أعداء الإسلام وحاسدوه، من أن الشريعة الإسلامية تقوم أساسا على استرضاء الغرائز البهيمية فى الإنسان، وخاصة ما يتصل بالعلاقة بين الرجل والمرأة، التي وقف بها الإسلام- كما يقولون كذبا وافتراء- عند حدّ إشباع الشهوة الجنسية، وإطلاق العنان لها، بلا حدود ولا قيود، بحيث يستطيع الرجل دائما أن يضم فى بيت الزوجية أربع نساء، يتبدل بهن كل يوم- إن شاء- أربعا!! وهكذا يستطيع المسلم أن يتزوج مئات النساء، وأن يلتقى كل يوم بوجوه جديدة منهن.. هذا إلى الإماء والجواري- إن كان هناك إماء وجوار!
стр. 6321
وحتى الجنة التي وعد الإسلام بها أتباعه، هى جنة حور وولدان، يجد المرء منهما بين يديه مئات، وألوفا، دون وقوف عند حدّ.!
هكذا يشنّع أعداء الإسلام على الإسلام، ويرمونه بهذه التهم الظالمة متخذين من ظاهر بعض النصوص القرآنية، حججا يقيمونها على مفهوم خاطئ، ويتأولونها تأويلا قائما على الهوى، يعينهم على ذلك ما وصل إليه حال المجتمع الإسلامى فى بعض بيئاته الجاهلة التي لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، ولا تأخذ منه غير ظاهر الأشكال والرسوم، دون أن يكون لها حظ من صميم هذا الدين الذي جاءت رسالته لتسوية خلق الإنسان، والبلوغ به إلى غاية كمالاته، كما يقول الرسول الكريم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» .. فما جاء الرسول الكريم داعيا إلى جديد فى بناء الحياة العقلية، والروحية، والنفسية، والعاطفية للإنسان، وإنما جاء ليزين هذا البناء، ويجمله، ويكمله..
وبعد، أفلا يخجل أولئك الذين يتزيّون بزىّ الإسلام، ثم تخرج من أفواههم كلمات العهر والفجور، ينهقون بها كما تنهق الحمر؟ وألا يستحى أولئك الذين يتسمون بأسماء إسلامية ثم يظهرون على أعين الناس فى تلك الأثواب الفضفاضة من الخلاعة والمجون؟ إن هؤلاء الخلعاء الرقعاء، هم شهود زور يدينون الإسلام أمام محكمة الرأى العام، وينفّرون الناس منه، ويصدّونهم عن سبيله.. وإنه لخير للإسلام أن يتحول عنه هؤلاء الذين يرمونه بسهام قاتلة، إلى صفوف أعدائه، حتى لا ينخدع بهم الناس، ولا يسودّ بهم وجه الإسلام المسلمين فى أعين الناظرين إلى الإسلام وأهله!.
قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ» .
стр. 6322
هو بيان لصفة أخرى من صفات المؤمنين، وهى رعاية الأمانات التي أؤتمن عليها المؤمن، سواء أكانت هذه الأمانات لله، فيما فترض سبحانه على المؤمن، من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج- وجهاد، أو كانت من أمانات الإنسان لنفسه، كفرجه.. أو أمانات للغير، كالودائع ونحوها..
والعهود، هى المواثيق التي بين العبد وربه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وهى من قبيل الأمانات..
ورعاية هذه الأمانات، هى أداؤها على الوجه الذي أمر الله به.. وفى نقض العهود خيانة للأمانة، وفى خيانة الأمانة نقض للعهد للأخوذ على المؤمن بحفظها.
قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ» ..
وقيام الشهادات، صفة من صفات المؤمنين، وهو أداء الشهادة على وجهها لذى يحقّ الحق، ويبطل الباطل.. «وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» (٢٨٣: البقرة) ..
وفى التعبير عن أداء الشهادة على وجهها، بلفظ القيام بها، إشارة إلى أن الذي يؤديها، إنما يقيم بها ميزان العدل، كما يقول سبحانه: «وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ» (٩: الرّحمن) وكما يقول جل شأنه:
«وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ» (٤: الطلاق) ..
كما أنه يشير إلى أن أداءها أمر له شأنه وخطره، وأنه مطلوب من الإنسان أن يقوم لها بكيانه كلّه، وأن يظل هكذا قائما حتى يؤديها..
стр. 6323
وهذا مثل قوله تعالى: «وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ» (٢٣٨: البقرة) ..
قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ» ..
وحفظ الصلاة، هو أداؤها على وجهها الصحيح، بما يسبقها من طهارة الجسد، والثوب، والمكان، وبما يقوم بين يديها من انشراح صدر، وروح نفس، واستحضار ذهن، واجتماع فكر، وبما يصحبها من خشية وجلال، فى مناجاة ذى العظمة والجلال..
فمن صفات المؤمنين أنهم على صلاتهم دائمون، أي يؤدونها فى أوقاتها، وأنهم إذ يؤدونها إنما يؤدونها على تلك الصفة، من الجلال، والرهبة، والخشوع..
وقد فصل بين أداء الصلاة فى قوله تعالى: «الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ» وبين الصفة التي تؤدّى بها فى قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ» - فصل بينهما بتلك الآيات التي تدعو إلى أداء الزكاة، وإلى التصديق بيوم الدين، والخشية من عذاب الله، وإلى حفظ الفروج، وأداء الأمانات، والقيام بالشهادات- لأن أداء الصلاة مطلوب على أية حال، لا يقوم للمؤمن عذر أبدا يحلّه من أدائها فى أوقاتها.. أما أداؤها على تلك الصفة الخاصة من الخشوع، والخضوع، والرهبة، والجلال، فهو أداء للأمانة، وأنه لا تبرأ ذمة الإنسان منها إلا بأدائها على تلك الصفة، فإذا لم يؤدها على تلك الصفة، فهى لا تزال أمانة فى يده، ومطلوب منه أن يؤديها على وجهها، أما إذا لم يؤدّ الصلاة أصلا، فهو تضييع لتلك الأمانة، يحاسب «م ٧٥ التفسير القرآنى ج ٢٩»
стр. 6324
عليها حساب المضيّعين للأمانات، وإنه حينئذ ليعز عليه أن يجدها، إذا هو أراد أن يؤديها، لأنها أفلتت من يده! وهذا يعنى أن دوام الصلاة، والمواظبة عليها فى أوقاتها، من شأنه أن يبلغ بالإنسان يوما، القدرة على أدائها كاملة، وأنه إذا فاته مرحلة من مراحل أدائها أن يمتلىء قلبه بالخشوع والرهبة معها، فإنه- مع المواظبة- سيجيئ اليوم الذي يجد فيه لصلاته ما يجد المصلون الخاشعون.. وهذا ما يشير إليه الرسول الكريم فى قوله لمن جاء يقول له: إن فلانا يصلّى، ولا ينتهى عن المنكر، فيقول- صلوات الله وسلامه عليه-: «إن صلاته ستنهاه» ..
أي ستنهاه عن المنكر يوما ما، إذا هو واظب عليها، فإن المواظبة عليها من شأنها أن تعلق الصلاة بقلبه، ثم يكون لها بعد ذلك سلطان عليه، ثم يكون لهذا السلطان وازع، بما يشبع فى قلبه من رهبة وخشية لله!.
ومن جهة أخرى، فإن التنويه بالصلاة بدءا وختاما، يجعل هذه الفضائل- التي بين أداء الصلاة، والصفة التي تؤدّى عليها- فى ضمان هذا الحارس القوى الأمين، وهو الصلاة، فإذا لم يكن بين يدى هذه الفضائل صلاة، وإذا لم يكن خلفها صلاة، جاءت هذه الفضائل فى صورة باهتة هزيلة، لا تلبث أن تجف، وتموت، ولا يبقى لها فى كيان الإنسان داع يدعو إليها، أو هاتف يهتف بها..
ومن هنا كانت الصلاة عماد الدين، كما يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
قوله تعالى:
«أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ» .
فهذا هو جزاء المؤمنين الذين يكونون على تلك الصفات، التي بيّنتها
стр. 6325
الآيات السابقة.. إنهم مكرمون عند الله، فى جنات، يتقلبون فى نعيمها، حيث يكونون فى ضيافة أكرم الأكرمين، رب العالمين..
الآيات: (٣٦- ٤٤) [سورة المعارج (٧٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٤]
فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠)
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)
التفسير:
كانت الآيات السابقة على هذه الآيات، حديثا متصلا عن المؤمنين، وما ينبغى أن يكونوا عليه من صفات كريمة عالية، حتى ينالوا رضوان الله، ويدخلوا فى جنات النعيم، يتلقون فيها من ربهم فواضل الإكرام والإحسان..
стр. 6326
وهذه الآيات، تواجه المشركين، الذين أبوا أن يستجيبوا لدعوة الإيمان، وأن يكونوا من المؤمنين..
وفى قوله تعالى:
«فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ. عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ» ؟
المراد بالذين كفروا هنا، هم المشركون، الذين دخلوا فى الحكم الذي أشار إليه قوله تعالى فى الآيات السابقة: «إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً» .
وقد استثنى من هذا الحكم العام على الإنسان- المؤمنون، الذين هم على صلاتهم دائمون، والذين فى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم.. إلى آخر ما وصفهم الله به من صفات تدنيهم من التقوى، وتقربهم من الله.. وقد وعد الله هؤلاء المؤمنين بمقام كريم فى جنات نعيم..
وإنه إذ تنتهى آيات الله بالمؤمنين إلى هذا الموقف، وتنزلهم منازل الرضوان فى جنات النعيم- تلتفت إلى هؤلاء المشركين، فتسأل النبي الكريم عنهم، سؤال المنكر لهذا الموقف الذي هم فيه من النبىّ: «فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ؟» أي ما بالهم يتحركون بين يديك يمينا وشمالا، مسرعين إلى شئون شتى، من جدّ أو هزل، دون أن يلتفتوا إليك، أو يستجيبوا لدعوتك؟.
وقبل النبي: تجاهه، وقبالته..
ومهطعين، أي مسرعين.. كما في قوله تعالى: «مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» (٨: القمر) .
وقوله تعالى: «عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ» بيان لحال المشركين،
стр. 6327
وهم يهطعون جماعات جماعات، عن يمين النبي وعن شماله، ينطلقون فى كل وجه، كما تنطلق الماشية في المرعى، على حين يرون النبي والمؤمنين، فى شغل بعبادة الله، وسعى إلى الصلاة، فلا يكون منهم إلى النبي وأصحابه إلا نظرات تائهة بلهاء، أو عيون متغامزة فى سخرية واستهزاء..
والعزون. الجماعة، ومنه العزّة، وهى تكون غالبا من لوازم الكثرة.
قوله تعالى:
«أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ؟» .
الاستفهام إنكارى، وقد جاء الجواب عنه بالنفي فى قوله تعالى:
«كَلَّا.. إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ» .
أي كلا.. إنهم لن يدخلوا مداخل المؤمنين أبدا، ولن يكون لهم إلى جنة النعيم سبيل.
وقوله تعالى: «إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ» .. هو بيان لقدرة الله ، وأن أمر البعث الذي ينكرونه، وهو الذي يفسد عليهم رأيهم فيما يسمعون من آيات الله- هو هيّن بالنسبة لخلقهم من هذه النطفة، التي لا تعدو أن تكون نفاية من تلك النفايات التي تلفظها أجسامهم، كالمخلط، أو اللعاب ونحوها.. ومع هذا فإن هذه النطفة يقوم منها إنسان سوىّ الخلق، خصيم مبين!!.
فهذه النطفة التي يتخلق منها الإنسان، هى مما يعلم هؤلاء المشركون علما مستيقنا، بالتجربة الواقعة، التي لا تغيب عن أشدّ الناس غباء وجهلا.
قوله تعالى:
«فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ، عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ» .
стр. 6328
«لا» فى قوله تعالى: «فَلا أُقْسِمُ» للنفى.. أي نفى القسم برب المشارق والمغارب، تنزيها لله ، أن يقسم به على أمر لا يحتاج إلى قسم، لظهوره، ظهورا يكاد فى عداد البديهيات.. وهو أن الله قادر على أن يذهب بهؤلاء المشركين، ويقطع دابرهم، ثم يأتى بمن هم خير منهم وعيا، وإدراكا، واستقامة على طريق الهدى.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ» .
(١٩: إبراهيم) .
وقوله تعالى: «وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ» أي أننا حين نطلب من نريد إهلاكه، لا يفوتنا، ولا يعجزنا، كما فى قوله تعالى: «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا؟ ساءَ ما يَحْكُمُونَ» (٤: العنكبوت) وكما يقول سبحانه على لسان الجن: «وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً» (١٢: الجن) قوله تعالى:
«فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ» ..
هو تهديد لهؤلاء المشركين، وذلك بأن يدعهم النبي وما هم فيه من خوض فى الباطل، ولعب فى مواقع الضلال، حتى يلاقوا اليوم الذي يوعدون، وهو يوم القيامة، وما توعّدهم الله به من عذاب..
قوله تعالى:
«يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ» .
«يَوْمَ يَخْرُجُونَ» - هو بدل من «يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ» .. ففى هذا اليوم الموعود، يخرجون من الأجداث، أي القبور، سراعا، حيث يساقون سوقا إلى موقف الحساب، والجزاء، وكأنهم فى سرعتهم ذاهبون إلى نصب
стр. 6329
يجتمعون عنده، ليشهدوا مجلسا من مجالس عبادتهم، يمنّون فيه أنفسهم بالربح العظيم من عبادته.
والنّصب: واحد الأنصاب، وهو الصنم، وكل ما نصب ليعبد من دون الله ويوفضون: أي ينتهون إلى هذا النصب.. وأوفض إلى كذا، وأفضى إليه..
أي تتبعه، وانتهى إليه سراعا..
قوله تعالى:
«خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ» .
«خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ» حال من أحوال هؤلاء المشركين، بعد خروجهم من قبورهم وسوقهم إلى الموقف أو المحشر.. إنهم يسرعون مسوقين إلى هنالك، وقد خشعت أبصارهم ذلة، وهوانا.
وقوله تعالى: «تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ» حال أخرى من أحوالهم.. أي قد أرهقتهم ذلة، وأنهكتهم، واشتدت عليهم وطأتها، وآدهم حملها..
وقوله تعالى: «ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ» إلفات للمشركين إلى هذا اليوم، وما يطلع عليهم فيه من بلاء عظيم، وكرب يقصم الظهور! إنه هو ذلك اليوم الذين كانوا يوعدون به فى الحياة الدنيا، ولا يصدقون به، ولا يعملون حسابا له.. وها هوذا قد جاءهم بالعذاب، فماذا هم فاعلون؟ لا شىء إلا الصراخ والعويل، وتقطيع القلوب حسرة وندامة..
стр. 6330
٧١- سورة نوح
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة النحل..
عدد آياتها: ثمان وعشرون آية..
عدد كلماتها: مائتان وأربع وعشرون.. كلمة..
عدد حروفها: تسعمائة وتسعة وخمسون.. حرفا..
مناسبتها لما قبلها
ختمت سورة «المعارج» بعرض هذا الموقف الذي يقفه المشركون من النبىّ، وبدعوة النبي من الله سبحانه، أن يتركهم فيما هم فيه، ليخوضوا، ويلعبوا، حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون..
وبدئت سورة «نوح» بذكر موقف قوم نوح منه، وتأبّيهم عليه، وأنه لبث فيهم عمرا طويلا امتد ألف سنة إلا خمسين عاما، يغدو ويروح بينهم بدعوته، يعرضها عليهم فى كل معرض، ويلقاهم بها على كل وجه، فما استجابوا له.. ثم كانت عاقبتهم هذا العذاب الذي أخذهم الله به فى الدنيا، وإن لهم فى الآخرة لعذابا أشد وأنكى..
فالمناسبة بين السورتين قريبة، تجعل منهما سورة واحدة، لموقف واحد..
стр. 6331
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٤) [سورة نوح (٧١) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (٩)
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤)
التفسير:
قوله تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً..»
قصة نوح هنا مع قومه- كما يذكرها القرآن الكريم- تمثل الموقف الأول لرسل الله، فى مواجهة أقوامهم، وما يلقون منهم من سفاهة، وضلال، وعناد..
стр. 6332
فالضلال، والسفه، والعناد، طبيعة، غالبة فى الإنسان، متمكنة فى بنى آدم، وإن هذه الآفات ليست أمرا عارضا فى قوم من الأقوام، أو أمة من الأمم.
ولعل هذا من بعض الأسرار التي جاءت من أجلها سورة نوح، فى أعقاب سورة «المعارج» التي جاء فيها قوله تعالى: «إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً» .. فهذا الإنسان يرى على صفته تلك، فى آبائه الأولين، قوم نوح..
وفى قوله تعالى: «أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» إشارة إلى أن القوم كانوا على مشارف الهاوية التي تهوى بهم إلى الهلاك، وأن نوحا إنما بعث إليهم لينذرهم بهذا الخطر الذي يتهددهم، ويوشك أن يشتمل عليهم..
وفى قوله تعالى: «قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ» - بعد الأمر الذي أمر به من ربه، دون توان أو تردد- فى هذا ما يشير أيضا إلى أن الأمر يقتضى المبادرة بإنذار القوم، قبل أن تقع بهم الواقعة التي هى وشيكة الوقوع! وفى كلمات قليلة، ألقى نوح إلى القوم بهذا الإنذار: «إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ» ..
إنه لا وقت للحديث، والنار تشتمل على القوم، وتكاد تعلق بهم.. إنها كلمة واحدة: أن اطلبوا وجها للنجاة من هذا البلاء!! ثم يقدم إليهم نوح بعد هذا التنبيه إلى الخطر، مركب النجاة، الذي إن أسرعوا إليه، ودخلوا فيه، سلموا من الخطر المحدق بهم.. وهو الإيمان بالله، والاستقامة على طريق تقواه: «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ» فإنهم إن آمنوا بالله، وعبدوه، واتقوا حرماته، يدفع عنهم يد الهلاك المطلة عليهم، ويؤخرهم إلى الأجل المسمى لهم، حتى يستوفوا أعمارهم، فلا يبادرهم العذاب، وهم على طريق الحياة.. «يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» ..
стр. 6333
وقوله تعالى: «إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» - إشارة إلى أن الآجال المقدرة لا تؤخر أبدا، وأنه إذا انتهى الأجل الذي قدره الله، للإنسان، أو الجماعة، فلن يؤخره الله سبحانه أبدا..
وفى هذا احتراس لما يقع فى الأفهام، من أن القوم إذا استجابوا لله امتدت أعمارهم، إلى ما وراء الأجل المقدور لها عند الله.. وإنما هذا الامتداد للآجال الذي وعدوا به، هو فى ظاهر الأمر البادي لهم، وهم فى يد الهلاك، الذي سيأخذهم جميعا.. وأنهم إذا استمعوا لما يدعوهم إليه نوح، ونجوا من هذا الهلاك- كانت هذه النجاة قدرا من أقدارهم، وكان الانتظار بهم هو الأجل المقدور.. كما أنهم لو عصوا نوحا، ولم يقبلوا ما يدعوهم إليه، ووقع بهم الهلاك- كان هذا الهلاك قدرا من أقدارهم، وكان الموت المعجل لهم، هو نهاية الآجال التي قدرها الله لهم..
إن هذا التحذير، هو أمر مطلوب، وإن الفرار من وجه الخطر هو أمر مطلوب أيضا، فإذا نجا الناجي، فإنما نجا لأنه لم يستوف أجله بعد، وإذا هلك الهالك، فإنما هلك لأن أجله المقدور له قد انتهى..
ولقد دعا نوح قومه، فلم يسمعوا له، ولم يحفلوا به، فجاء إلى ربه شاكيا..
«قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً..»
تلك هى حال القوم مع هذا النذير الذي جاء يدعوهم إلى النجاة من هذا البلاء المطل عليهم، وتلك قصته معهم، يعرضها على ربه، شاكيا عنادهم، طالبا من الله أخذهم بالعذاب الذي هم أهل له..
стр. 6334
وإن القوم ليبلغون فى السفاهة غايتها، ويركبون من الجهل أشرس مطاياه وألأمها.. إنهم كلما سمعوا صريخ النذير، ازدادوا فرارا منه، وقربا من موقع الخطر الذي يحذرهم منه.. وإنهم كلما سمعوا صريخ هذا النذير، جعلوا أصابعهم فى آذانهم، كأنما يسمعون منكرا، يسدون عليه المنافذ أن يصل إلى آذانهم، وإنهم لم يقفوا عند هذا، بل غطّوا وجوههم: «وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ» أي جعلوها غاشية تحجبهم عن أن ينظروا فى وجه هذا النذير، حتى لا يروا منه أية إشارة تشير إليهم، وتحذرهم من الخطر الزاحف عليهم..!!
وفى قوله تعالى: «وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ» إشارة إلى ما وقع فى نفوسهم من جفاء لهذا النذير، وإلى ما أضمروا من عداوة له.. إنهم يتقونه كما يتقى الأطفال شبحا مخيفا يطلع عليهم فى أحلام اليقظة، فلا يجدون سبيلا إلى الهرب منه، إلا بحجز حواسهم عنه، وإغلاق كل المنافذ التي بينهم وبينه، من بصر أو سمع! إنهم يغطّون وجوههم بثيابهم، ويدخلون رءوسهم فى جيوبهم، خوفا وهلعا من هذا النور الذي يطلع فى سماء ليلهم المظلم البهيم..
وقوله تعالى:
«ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً» ..
هو بيان للأسالبب المختلفة التي اتخذها نوح، لينفذ بدعوته من هذه الحجب الصّفيقة التي أقامتها القوم على أسماعهم، وأبصارهم.. فهو تارة يدعوهم جهارا، صارخا صراخ من يتحدث إلى أصمّ لا يسمع، حتى يخترق بصراخه العاصف، هذا السد الذي أقاموه على آذانهم.. فلما لم تنفع هذه الوسيلة، معهم، أمسك لسانه، وزمّ شفتيه، حتى إذا اطمأن القوم إلى أنه قد كف
стр. 6335
عن الحديث إليهم، همس إليهم همسا خافتا، لا يكاد يسمع، لعل كلمة عابرة تصل إلى أسماعهم من هذه النذر التي ينذرهم بها.. فهذا إعلان فى إسرار..
وفى العطف بثم فى قوله تعالى: «ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً» .. فى هذا ما يشير إلى أن كل حال من تلك الأحوال كانت تستغرق وقتا طويلا، يقف فيه نوح، حتى يملّ الوقوف، وحتى يستيئس من أن أحدا يسمعه.. إنه ينادى أمواتا، ويهتف بعوالم من الجماد..
وقوله تعالى:
«فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً» .
هذا بيان لما كان يدعو نوح قومه إليه، ويهتف فيهم به.. إنه يناديهم، ويسرّ إليهم القول أن يستغفروا ربهم، إنه كان غفارا، يغفر لمن يستغفره، ويرجع إليه تائبا نادما.. وإنهم إن فعلوا هذا رزقهم الله رزقا حسنا، وأرسل السماء عليهم مدرارا، أي بالمطر الكثير، حيث تخصب الأرض، وتكثر الثمرات والخيرات، فحيث كان الماء، كان الخصب والخير الكثير فى الأموال والأنفس..
ومن هذا الماء يجعل الله لهم جنات، ويجعل لهم أنهارا دائمة الجريان، تسقى هذه الجنات، وتضمن لها حياة دائمة، وخضرة محددة، وثمرا موفورا.
والاستغفار الذي دعا نوح قومه إليه، هو دعاه، ولجأ إلى الله، واستكانة إليه، والدعاء مخّ العبادة، لأنه لا يكون إلا عن إيمان بالله، وثقة فيه، وطمع
стр. 6336
فى رحمته.. ولهذا كان دعاء عمر بن الخطاب رضى الله عنه عند الاستسقاء فى سبى الجدب، هو الاستغفار.. فقيل له إنك لم تدع بشىء، أي لم تطلب شيئا فى استسقائك؟ فقال: «لقد استسقيت بمجاديح السماء «١» . التي بها يستنزل المطر» يعنى أنه طلب السّقيا من أوسع أبواب السماء، بالاستغفار قوله تعالى:
«ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً» هو من دعوة نوح قومه، إلى الإيمان بالله.. وهو فى هذا الاستفهام ينكر عليهم ما هم فيه من غفلة عن الله، واستخفاف بجلاله وعظمته.. إنهم لا يوقّرون له، ولا ينظرون إليه نظر من يرجو ثوابه، ويخشى عقابه.. إنهم لا يعرفون الله، ولا يقدرونه قدره! وقوله: «وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً» جملة حال، من لفظ الجلالة.. أي ما لكم لا توقرون الله، والحال والشأن أنه قد خلقكم أطوارا.. أي خلقا من بعد خلق.. إذ كنتم نطفة فى بطون أمهاتكم، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم كسيت هذه العظام لحما.. ثم خرجتم من بطون أمهاتكم أطفالا.. ثم لبستم خارج أرحام أمهاتكم أطوارا من الحياة، فتنقلتم من الطفولة إلى الصبا، إلى الشباب، إلى الكهولة، إلى الشيخوخة.. وهكذا كانت يد القدرة القادرة تنتقل بكم من طور إلى طور، وبين الطور الأول والأخير مراد فسيح لذوى الأبصار، يرون فيه قدرة الخالق، وعظمته وحكمته، فتخشع الأبصار لجلاله، وتعنوا الجباه لقدرته..
стр. 6337
الآيات: (١٥- ٢٥) [سورة نوح (٧١) : الآيات ١٥ الى ٢٥]
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩)
لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (٢٠) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (٢٤)
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً (٢٥)
التفسير:
قوله تعالى:
«أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً» هو من دعوة نوح إلى قومه، ومن نصحه لهم، وإلفاتهم إلى ما لله من قدرة قادرة، وحكمة بالغة، وإحسان عظيم.
وفى هذا الاستفهام، دعوة إلى إيقاظ هذه العقول النائمة، وفتح تلك العيون المغلقة، التي لا ترى شيئا فيما حولها من هذا الوجود، وما فيه من آيات شاهدة على قدرة الله وحكمته.
стр. 6338
وقوله تعالى: «وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً، وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً» أي وجعل فى هذه السموات التي يعلو بعضها بعضا، ويطبق بعضها على بعض- جعل فى هذه السموات: القمر، مبعثا للنور، وجعل الشمس سراجا، يبعث الضوء والحرارة معا..
فالنور الذي يصدر عن القمر، هو نور لا حرارة فيه، لأنه من انعكاس ضوء الشمس على جسمه المعتم، فإذا انعكس الضوء على هذا الجرم، شعّ منه هذا النور الذي يبدد ظلمة الليل، ويملأ العيون بهجة، والقلوب أنسا..
أما الشمس، فهى سراج يتوقد، كما يتوقد السراج، فترسل الضوء والحرارة.. وهى سرّ حياة الكائنات الحية، وسر حركة الهواء، ونزول الأمطار، ونور القمر.. وغير ذلك كثير، مما كشف عنه العلم.
قوله تعالى:
«وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً» هو من حديث نوح إلى قومه أيضا.. إنه يكشف لهم فى هذا الحديث عن تطورهم فى الخلق، وأنهم نبتوا من الأرض، كما ينبت النبات.. فمن تراب هذه الأرض تخلقت الكائنات الحية، ومن ترابها تخلق الإنسان..
وإن أقرب صورة وأظهرها لتخلقه من الأرض: أن هذه النطفة التي تخلّق منها، هى من نبات الأرض، أي من الغذاء الذي مصدره هذا النبات.. فإذا امتد النظر إلى آفاق بعيدة وراء هذه النظرة المحدودة القريبة، أمكن أن يرى على الأفق البعيد: أن الإنسان فرع من شجرة الحياة التي تضرب جذورها فى أعماق بعيدة من الأرض «١» ..
стр. 6339
قوله تعالى:
«ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً» .. أي كما أنبتكم الله تعالى من الأرض، يعيدكم إلى الأرض، كما يعود إليها النبات، بعد أن يستوفى حياته فوقها.. ولكن لن تظلوا هكذا فى التراب، كما يظل النبات الذي عاد إليها، بل تخرجون منها مرة أخرى، إلى حياة غير حياتكم الأولى.. إلى الحياة الآخرة، وإلى الحساب والجزاء..
قوله تعالى:
«وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً» .
أي أن الله سبحانه قد جعل لكم هذه الأرض بساطا، أي مقاما ممهدا، كالبساط، تستقرون عليه، وتتحركون فوقه، من غير أن يحجزكم حاجز، أو يعوقكم عائق.. وبهذا تستطيعون أن تتحركوا على الأرض كما تشاءون، وأن تنطلقوا إلى أي اتجاه تريدون، حيث تتسع أمامكم وجوه الحياة، والتقلب فى وجوه الرزق..
والفجاج: جمع فجّ، وهو الطريق المتسع بين جبلين..
وهذا يعنى أن هذه السهول الممتدة بين الجبال، هى طرق، ومسالك للعمل فى الحياة، وللتغلب فى وجوه الأرض..
قوله تعالى:
«قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً» شكاة ضارعة من نوح إلى ربه، يشكو فيها قومه، الذي أصمّوا آذانهم عنه، وأعرضوا عن الاستجابة له، على حين أنهم استجابوا لمن يدعونهم إلى الغواية والضلال، من أولئك الذين لا يزيدهم ما يمدهم الله به من نعمه، وما يزدادون
стр. 6340
به أموالا، وأولادا، إلا خسرانا، وضلالا، وبعدا عن طريق الهدى، ومحادّة لله، ولأولياء الله..
قوله تعالى:
«وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً» ..
معطوف على قوله تعالى: «وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً» أي أنهم قد ولّوا وجوههم إلى حيث يدعوهم رؤساؤهم، وأصحاب المال والقوة فيهم، إلى ما يدعونهم إليه من ضلال، وفجور- بل ولم يقفوا عند هذا بل أخذوا يدبرون السوء والمكروه لنوح، ولدعوته، ويبيتون له الشر الذي يلقونه به، هو ومن آمن معه.
والمكر الكبار: هو المكر البالغ غاية السوء.. وهو مبالغة من المكر الكبير..
قوله تعالى:
«وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً، وَلا يَغُوثَ، وَيَعُوقَ وَنَسْراً» .
هذا بيان لبعض ما كان من مكرهم وتدبيرهم فيما بينهم.. فقد تواصوا فيما بينهم، على التمسك بآلهتهم تلك، وألا يصرفهم عنها ما يدعوهم إليه نوح، من الإيمان بالله.. إنها دعوة منهم إلى أنفسهم يردّون بها دعوة نوح إليهم، حتى يبطلوا مفعولها ويفسدوا آثارها..
وودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، هى بعض آلهتهم، ذوات الشأن، والمقام فيهم، هذا إلى آلهة كثيرة لهم، ولكنهم اختصّوا هذه الآلهة بالذكر، وعينوها بالاسم، لما لها من مكانة خاصة فى نفوسهم..
وقد ورث مشركو العرب هذه الآلهة، فبعثوها من مرقدها، بعد أن