قوله تعالى:
«قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ» .
هذا هو الجواب الذي أجاب به أصحاب النار أصحاب الجنة عن تساؤلهم عنهم: «ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ» ؟
إن الذي سلكهم فى سقر، هو أنهم لم يكونوا من المصلين، أي لم يكونوا مؤمنين، لأنهم لو كانوا مؤمنين، لكانوا من المصلين ... وأنهم لم يكونوا يؤدون حق عباد الله فيما خولهم الله من نعم، فلم يطعموا المساكين، ولم يخرجوا زكاة أموالهم، التي منها يطعم المسكين.. وأنهم يخوضون مع الخائضين، فلم يتأثّموا من منكر، ولم يتحرجوا من فاحشة.
بل كانوا مع كل جماعة ضالة، وعلى كل مورد آثم.. وأنهم كانوا يكذبون بيوم الدين، أي يوم القيامة، فلم يؤمنوا بالبعث، والحساب، والجزاء..
هذا، وليس من اللازم أن تكون هذه المآثم جميعها مجتمعة فى كل واحد منهم.. فقد يكون فى أهل النار من تجتمع فيه هذه المآثم كلها، وقد يكون فيهم من تلبسّ بمأثم منها، فيدخل النار.. وعلى هذا يمكن أن تكون إجاباتهم تلك مشاعة فيما بينهم، كما يمكن أن يكون لكل أهل مأثم جوابهم الذي كشفوا به عن دخولهم النار بسببه..
وعلى أىّ فإن أىّ مأتم من تلك المآثم يخرج صاحبه من عداد المؤمنين، وبضيفه إلى جماعة المجرمين.. والمجرم، هو الكافر، كما يقول سبحانه:
стр. 6442
«إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى» (٧٤: طه) ..
قوله تعالى:
«حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ» - إشارة إلى أنهم ظلموا متلبسين فى حياتهم بهذه المآتم حتى أتاهم اليقين، وهو الموت، فماتوا على ما هم عليه من ضلال..
فلم تختم أعمالهم بالتوبة والعمل الصالح..
وسمّى الموت يقينا، لأنه عند الموت يعاين المحتضر حقيقة ما كان يكذب به، من أمور الحياة الآخرة.. ومنه قوله تعالى: «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» (٩٩: الحجر) ..
روى أن أم العلاء الأنصارية، قالت: «لمّا قدم المهاجرون المدينة، اقترعت الأنصار على سكناهم، فصار لنا من المهاجرين، «عثمان بن مظعون» فى السكنى، فمرض، ثم توفّى، فجاه رسول الله ﷺ ، فدخل، فقلت: «رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتى أن قد أكرمك الله! فقال النبي ﷺ : «وما يدريك أن الله قد أكرمه؟» فقلت: لا، والله ما أدرى!! فقال النبي ﷺ : «أما هو فقد أتاه اليقين من ربه، وإنى لأرجو له الخير، والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم» ! فقول الرسول الكريم: «أما هو فقد أتاه اليقين من ربه، يشير إلى أن عثمان بن مظعون، هو الذي يعرف المصير الذي صار إليه، بعد أن مات، وكشف عن عينيه الغطاء.. فالموت هو الذي جاء بالخبر اليقين، ولهذا
стр. 6443
سمى الموت باليقين، لأنه يرد بالإنسان مورد الحق..
قوله تعالى:
«فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ» .. هو تعقيب على ما ذكر المجرمون من جرائمهم التي ألقت بهم فى جهنم.. وهذا التعقيب هو من أصحاب الجنة الذين سألوهم، وتلقوا منهم جواب ما سألوا عنه، فكان تعقيبهم على هذا بقولهم:
«فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ» .. فتكون الفاء هنا واقعة فى جواب شرط محذوف تقديره: «وإذن فهم كافرون، وإذن «فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ» .. لأن الكافرين لا شفيع لهم، على حين أن عصاة المؤمنين يشفع لهم من الملائكة، والنبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين، ممن رضى الله عنهم، وارتضى شفاعتهم فيمن يشفعون لهم.
قوله تعالى:
«فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ؟» .
استفهام إنكارى، ينكر على هؤلاء المشركين إعراضهم عن التذكرة، وهو القرآن الكريم، الذي يذكرهم بالله، ويكشف لهم الطريق إليه.
وقوله تعالى: «معرضين» حال من الضمير فى «لهم» ..
وهذا الاستفهام فى مقام غير المقام الذي كان فيه هؤلاء الكافرون فى جهنم..
إنهم هنا فى الدنيا- بعد أن عرضوا على جهنم، وجاءهم الخبر
стр. 6444
اليقين هناك بأن لا شفيع لهم من عذابها.. فإذا أعيدوا إلى الدنيا بعد هذه الرحلة الجهنمية لقيهم هذا السؤال: «فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ» ؟ أي إذا كان هذا هو مصير الكافرين.. فما لهم- وهم الآن فى فسحة من أمرهم- يعرضون عن آيات الله التي تفتح له باب النجاة من هذا الكرب العظيم؟.
«كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» .
حال من أحوالهم فى إعراضهم عن القرآن، ونفورهم منه.. إنهم ما إن يسمعون آيات الله تتلى، حتى يفزعوا وينفروا كما تنفر الحمر، وقد اشتمل عليها الذعر، حين رأت قسورة أي أسدا، مقبلا عليها.. وسمى الأسد قسورة، أخذا من القسر، والقسوة..
وفى تشبيههم بالحمر المستنفرة من بين سائر الحيوانات التي إذا رأت الأسد فرت من وجهه- لأن الحمار يمثل الغباء والبلادة من بين سائر الحيوان، وبه يضرب المثل فى هذا، كما يقول سبحانه: «كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً» (٥: الجمعة) .
وفى إسناد الاستنفار إلى تلك الحمر فى قوله تعالى: «مستنفرة» بدلا من أن يسند الاستنفار إلى من استنفرها، فيقال: «مستنفرة» - فى هذا إشارة إلى أن ذلك طبيعة غالبة عليها، وأن من شأنها النفور دائما، دون أن يكون هناك سبب لنفارها.. إنها ذات طبيعة وحشية، لا تأنس فى ظلّ من سكينة أبدا..
وفى وصف الحمر بأنها «مستنفرة» بدلا من «نافرة» - إشارة أخرى إلى أنها تستدعى هذه الطبيعة الكامنة منها، وتهيجها وتحركها من غير سبب يدعو إليها، كما أن بعض هذه الحمر يستدعى بعضا إلى هذا النفور، فتمضى فى طريقها عليه، من غير دافع إلا هذا التقليد الأعمى.
стр. 6445
وهذه حال تمثل أهل الضلال أصدق تمثيل، إنهم وهذه الحمر المستنفرة على سواء.. ففى طبيعتهم نفور ملازم كل دعوة إلى خير، وهم دائما يتبعون أول ناعق يدعوهم إلى النفور من وجه الحق..
وشبه القرآن بالقسورة، لما للقسورة من هيبة، تملأ القلوب، وتملك المشاعر.. ثم هو إلى مهابته وسطوته، بعيد عن الدنايا، عف عن القذر لا يأكل الميتة، ولو مات جوعا..!
ولم يسمّ القرآن الأسد أسدا، وإنما سماه «قسورة» ، ليكسوه بهذا الاسم ذى الجرس الموسيقى القوى هيبة إلى هيبة، وعظمة، إلى عظمة، الأمر الذي لا يحققه لفظ أسد، الضامر، المبتذل على الأفواه لكثرة تردده.
قوله تعالى:
«بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً» ..
هو إضراب عن دعوتهم إلى ترك الإعراض عن القرآن، حتى يكون لهم منه ذكر وموعظة..
وكلّا فإنهم لا يستجيبون لهذه الدعوة، لأن كلّا منهم يريد أن يكون له كتاب من عند الله، كهذا الكتاب الذي يدعوهم إليه رسول الله..
وهذا ما يشير إليه سبحانه فى قوله على لسانهم: «وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ» (١٣٤: الأنعام) .. وهذا جهل وغباء لا يستقيم إلا على منطق الحمر! قوله تعالى:
«كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ» .
أي أنهم لن يؤتوا هذه الصحف أبدا.. وأنهم لا يؤمنون بالآخرة أبدا،
стр. 6446
ولا يخافون عذابها، ولا يعملون على توقّى هذا العذاب..
وهؤلاء هم المشركون الذين ماتوا على الشرك، ولم يقبلوا دعوة الإسلام، وهذا هو حكم الله عليهم، وقضاؤه فيهم.
قوله تعالى:
«كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ» ..
الضمير فى «إنه» القرآن الكريم، الذي أشارت إليه الآية السابقة:
«فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ» .. وإنه ليس عن شأن هذه التذكرة أن تحمل هؤلاء المشركين حملا على الخوف من عذاب الآخرة.. وليس القرآن إلا تذكرة، للغافلين، وتنبيها للشاردين..
قوله تعالى:
«فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ» أي فمن شاء ذكر ربه بهذا القرآن.. إنه أمر مردّد إلى الإنسان نفسه، وإلى إقباله على ذكر الله، أو إعراضه عنه.. ولو كان الأمر على سبيل القهر والإلزام لما كان ثمّة امتحان وابتلاء تنكشف به أحوال الناس، وتختلف فيه منازلهم، ولكانوا جميعا على منزلة سواء.
قوله تعالى:
«وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ.. هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ» .
هو دفع لما قد يقع من مفهوم خاطئ لقوله تعالى: «فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ» حيث أطلق مشيئة الإنسان.. ومشيئة الإنسان ليست مطلقة، بل هى مقيدة بمشيئة الله..
ونعم.. الإنسان له مشيئة يجدها فى كيانه، وفيما يأخذ أو يدع من أمور، وفيما يقبل أو يرفض من أعمال.. ومع هذا، فإن تلك المشيئة مرتهنة بمشيئة الله،
стр. 6447
مقيدة بها، جارية مع القدر الذي أرادته مشيئة الله.. فهى مشيئة مطلقة فى داخل الإنسان، مقيدة من خارج بالمشيئة الإلهية العامة الشاملة..
وقوله تعالى: «هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ» - أي هو سبحانه أهل لأن تتّقى محارمه، ويخشى عقابه، وهو سبحانه أهل المغفرة، يرجى عنده غفران الذنوب، لمن أناب إليه، وطلب الغفران منه.. وفى هذا إشارة إلى أن مشيئة الله العامة المطلقة، عادلة، رحيمة، منزهة عن الجور والتسلط.. إنها مشيئة الخالق فى خلقه. فالخلق فى ضمان هذه المشيئة، فى رحمة الله، أيّا كانت مشيئة الله فيهم.. والله يقول: «وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ» (٢٥١: البقرة) . ويقول سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» (١٤٣: البقرة) وفى الحديث: «لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها» .
стр. 6448
٧٥- سورة القيامة
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة القارعة.
عدد آياتها: أربعون آية.
عدد كلماتها: مائة وتسع وتسعون.. كلمة.
عدد حروفها: ثلاثمائة واثنان وخمسون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
جاء فى ختام سورة «المدثر» قوله تعالى: «كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ» جاء كاشفا عن العلة التي نجم عنها شرك المشركين، وكفرهم بآيات الله، وتكذيبهم لرسول الله.. وتلك العلة هى أنهم لا يؤمنون بالبعث، ولا يتصورون إمكان الحياة بعد الموت، ومن ثم فإنهم لا يعملون حسابا لما وراء حياتهم الدنيا، ولهذا أطلقوا عنان أهوائهم، وأسلموا زمامهم للشيطان، يعيشون كما تعيش السائمة.. والله يقول: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ» (١٢: محمد) .
ولو كان هؤلاء المشركون يؤمنون بالآخرة، ويتصورون إمكان الحياة، بعد الموت، لكان لهم نظرة إلى ما بعد هذه الحياة الدنيا، ولعملوا حسابا ليوم يلقون فيه ربهم، ويجزون فيه على أعمالهم.
وقد جاءت سورة القيامة، تعرض وقوع هذا اليوم، يوم القيامة، فى صورة واقع مشهود، له ذاتية معترف بها، فيقسم به الله ، كما يقسم بالشمس، والقمر، والليل، والضحى، والعصر.. وغير ذلك من آياته المشهودة للعالمين.
стр. 6449
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٥) [سورة القيامة (٧٥) : الآيات ١ الى ١٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤)
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)
يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥)
التفسير:
قوله تعالى:
«لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ» .
قلنا فى تفسير هذه الأقسام المنفيّة، إن المراد بها هو التلويح بالقسم، دون إمضائه، إذا كان الأمر المقسم عليه أوضح من أن يدل عليه، وأن يؤكد فى الدلالة عليه بقسم.. إنه ينزل منزلة البديهيات، وتوكيد البديهيات لا يزيدها عند الذين لا يؤمنون بها إلا إنكارا، واستبعادا..
والتلويح بالقسم، إشارة إلى أنه لو كان الأمر يحتاج إلى قسم لمضى القسم إلى غايته، ولما سلط عليه النفي الذي حال بينه وبين أن يقع على المقسم عليه..
стр. 6450
ففائدة هذا القسم المنفي أنه يقرر حقيقة، لا يرى لها وجه، لو جاء الأمر ابتداء من غير هذا القسم المنفىّ.. فالقسم المنفي هنا يكشف عن حال المواجهين بالقسم، وأنهم يكذبون بالبدهيات، ويعاندون فى المسلّمات، وأنه لو كان فى التوكيد بالقسم مقنع لهم، لوقع القسم، ولكن يستوى عندهم الأمران، التوكيد وغير التوكيد.. إنهم على أي الحالين لا يؤمنون بما يلقى إليهم من أخبار على لسان النبي، بما يوحى إليه من ربه.
قوله تعالى:
«وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ» معطوف على يوم القيامة..
والنفس اللوامة، هى النفس التي ترجع على صاحبها باللائمة لما يقع منه من إثم، وما يقترف من ذنب.. وهذا التلويم من شأنه أن يغيّر من وضع الإنسان القائم على الإثم، والمتجه إلى المنكر.. إنه قوة معارضة لهذا التيار الذي يدفع به إلى المنكر، وقد يتحول هذا التيار إلى الجهة المضادة لطريق الغواية المتجه إليه..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ» (٦٠- ٦١:
المؤمنون) فمع وجل القلوب، يقع فى النفس ما يقع من لوم على ما فرط منها.
وقرنت النفس اللوامة بيوم القيامة، لأن ثمرة هذا التلويم، إنما تظهر آثاره يوم القيامة.. فالنفس اللوامة إنما يحملها على التلوم، الخوف من الآخرة، ومن لقاء الله، والوقوف بين يديه.. ولولا الإيمان بيوم القيامة لما راجع المرء نفسه فيما أحدث من آثام، ولما قامت فى كيانه تلك النفس اللوامة، التي تقف منه موقف المحاسب قبل يوم الحساب!
стр. 6451
قوله تعالى:
«أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ» ؟
أي أيظن الإنسان أننا لن نجمع عظامه؟ أيستكثر على قدرتنا أن نقيم من هذا التراب بشرا سويا؟ «أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ؟» (٨١: يس) .. «وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» (٧٨- ٧٩: يس) قوله تعالى:
«بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ» أي بلى إننا نجمع عظامه، مع قدرتنا على تسوية بنانه.. فليس جمع هذه العظام التي أكلها التراب، وأبلاها البلى، هو الذي تقف عنده قدرتنا، بل إن هذه القدرة ستعيد هذه العظام إلى وضعها الأول، وستسوى أدقّ ما فى الإنسان من عظام، وهى عظام البنان، أي الأصابع..
وقوله تعالى «قادرين» حال من فاعل فعل محذوف، تقديره: بلى نجمعها، ونحن قادرون على تسوية بنانه، التي هى أدق هذه العظام، وأصغرها..
قوله تعالى:
«بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ» هو إضراب على هذا الخطاب الموجه إلى الإنسان الذي ينكر البعث، ويأبى أن يصدق به.. فإن نصب الأدلة له، وإقامة الحجج بين يديه- كل ذلك لا يكشف عمى بصيرته، ولا يوقع فى نفسه إيمانا بالبعث، وإعدادا اليوم الآخر..
стр. 6452
إنه لا يريد أن يلتفت إلى ما وراء هذه الحياة الدنيا، ولا يريد أن يقيّد نفسه بعالم آخر غير هذا العالم، الذي يعيش فيه مطلقا من كل قيد، مرسلا حبله على غاربه..
وقوله تعالى: «لِيَفْجُرَ أَمامَهُ» أي ليقيم حفرة بينه وبين الحياة الآخرة التي يقال له عنها.. إنه يضع أمام نفسه العقبات التي تصرفه عن الحياة الآخرة، بما يقيم على طريق هذه الحياة من معوقات، هى تعلّات وتصورات مريضة، توقع عنده الشك فى البعث، وما وراء البعث، حتى يحلّ نفسه من ملاقاة هذا اليوم، وما يحدّث به إليه، عن هذا اليوم وأهواله.. إن ذلك اليوم يقطعه عن الحياة البهيمية التي رضى بها واطمأن إليها، فهو إذا سمع حديثا عن يوم القيامة، حاول جاهدا أن يفسد هذا الحديث، وأن يخرج به من مجال العقل والجد، إلى حيث المهاترة والهزل..
وأصل الفجر، والفجور، من فوران الشيء، وتفجره فى قوة وعنف، ومنه قوله تعالى: «وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً» ومنه الفجور، وهو التهتك والتبذل، وخلع قناع الحياء..
وفى تعديه الفعل «يريد» باللام التي تفيد التعليل- مع أن الفعل يتعدى إلى مفعوله بغير حرف- فى هذا إشارة إلى أن هذه الإرادة إرادة عاملة، وأنها ليست مجرد أمنية، أو رغبة، أو خاطرة، تطرق الإنسان، ثم لا تلبث أن تذهب غير مخلفة أثرا..
فالإرادة هنا إرادة مشدودة إلى عزم، وتصميم، على التنفيذ.. وفى طريق التنفيذ تقوم عقبات، فيعمل صاحب هذه الإرادة على تذليلها، ويحتال لإمضائها.. ولهذا ضمّن الفعل «يريد» معنى الفعل «يحتال» .. وهذا يعنى
стр. 6453
أن الإنسان يغالب قوة متحدية لإرادته وهى الفطرة المودعة فيه، فلا يملك لها دفعا إلا بالمراوغة والاحتيال وهذا المعنى هو الذي قصد إليه مجنون ليلى بقوله:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثّل لى ليلى بكل سبيل
وقوله تعالى:
«يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ» هو أثر من آثار إرادة هذا الإنسان، الذي يقيم العلل، والمعاذير، بينه وبين اليوم الآخر.. فهو يسأل سؤال المنكر، المستهزئ: أيان يوم القيامة؟ أي متى يكون يوم القيامة هذا؟ وهو سؤال اتهام لهذا اليوم، وتكذيب لمن يتحدث به، أو عنه.
قوله تعالى:
«فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ» هو الجواب على هذا السؤال المستهزئ، الذي سأله هذا الشقي، منكرا ليوم البعث، مستهزئا به! وقد جاء الرد عليه بيوم القيامة كله، وبما يطلع به على الناس، من شدائد وأهوال.. إن الجواب لم يحدد الوقت الذي يجىء فى هذا اليوم.. إذ ليس المهم متى يجىء؟ وإنما المهم هو ماذا أعد الإنسان له يوم مجيئه؟ وماذا يلقى المكذبون والمضلون فيه من هذه الأهوال التي تطلع عليهم في هذا اليوم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ» أي جمد فلم يطرف، للهول الذي يراه من أحداث هذا اليوم..
стр. 6454
وقوله تعالى: «وَخَسَفَ الْقَمَرُ» أي ذهب نوره وقوله تعالى: «وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ» أي أصبحا جرمين، لا يرى لهما الإنسان يومئذ ضوءا.. حيث تكون الشمس أشبة بالقمر، فى أنها جسم معتم مثله، فإن ضوء الشمس إنما يرى فى كوكبنا الأرضى، بعد أن يخترق الطبقة الجوية المحيطة بالأرض، فإذا خرج الإنسان عن جو الأرض لم ير للشمس ضوءا، ورأى النجوم فى رائعة النهار الذي يكسو وجه الأرض حلّة من ضيائه.
وهذا يعنى أن الإنسان سيخرج يوم القيامة من عالمه الأرضى، إلى عالم آخر، تتبدل فيه أحواله، وتتغير فى نظره حقائق الأشياء على هذه الأرض، فيرى الشمس والقمر معلقين فى هذا الفضاء، كل على هيئته، فلا غروب للشمس، ولا نقصان للقمر..
قوله تعالى:
«يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ؟» أي فى هذا اليوم، يقول الإنسان- كل إنسان- أين المفر؟ أي أين الملجأ الذي يلجأ إليه الإنسان، فرارا من لقاء هذا اليوم العظيم؟
قوله تعالى:
«كَلَّا لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ» الوزر: الملجأ، والحمى الذي يحتمى فيه الإنسان.. ومنه الإزار الذي يأتزر به الإنسان، ويستر جسده.
إنه لا ملجأ فى هذا اليوم.. فالكلّ مسوق إلى الله تعالى، حيث المستقر هناك فى المحشر، فى موقف الحساب والجزاء.. فلا ملجأ من الله إلا إليه .
стр. 6455
وقوله تعالى:
«يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ»
أي فى هذا اليوم يخبر الإنسان، بكل ما عمل، فى حياته كلها، من أولها إلى آخرها.. ما تقدم منها وما تأخر.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:
«لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ» (٢: الفتح) قوله تعالى:
«بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ»
هو إضراب على ما سبق، وأن الإنسان ليس فى حاجة إلى من ينبئه بما قدّم وأخر، بل إن كل إنسان يقوم عليه شاهد من نفسه ومن جوارحه، فهو- والحال كذلك- إنما ينبأ بأعماله من ذات نفسه، كما يقول سبحانه:
«كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً» .
وأنت لفظ بصيرة، على تقدير مضاف أي، ذو بصيرة، وذلك حين ينكشف له يوم القيامة كل شىء، فيرى الأمور على حقائقها، ويبصر كل ما قدمته يداه، كما يقول سبحانه: «فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» (٢٢: ق) قوله تعالى:
«وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ»
أي أن هذه البصيرة التي تكون للإنسان يوم القيامة، والتي يقوم منها شاهد عليه من ذاته- هذه البصيرة، لا تلتفت إلى معاذيره التي يوردها، عليها كما يقول سبحانه. «وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ» (٢١: فصلت) فلا يقبل من الإنسان عذر فى هذا
стр. 6456
اليوم.. كما يقول سبحانه: «فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ» (٥٧: الروم)
الآيات: (١٦- ٣٣) [سورة القيامة (٧٥) : الآيات ١٦ الى ٣٣]
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠)
وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥)
كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠)
فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)
التفسير:
[وحي القرآن ووحي السنة.. هذا غير ذاك] قوله تعالى:
«لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ» .
تبدو مناسبة هذه الآيات، للآيات التي قبلها، ثم للآيات التي بعدها- تبدو المناسبة بعيدة فى ظاهر الأمر، حيث أن هذه الآيات حديث خاص إلى النبىّ، فى شأن من شئون تلقّيه الوحى.. وما بعد هذه الآيات وما قبلها، هو عرض
стр. 6457
للمشركين والضالين فى موقف الحساب والجزاء يوم القيامة.. فما سرّ وضع هذه هذه الآيات هنا؟ وما المناسبة الجامعة بينها وبين ما تقدمها، وما جاء بعدها؟
نقول والله أعلم: إن هذا الترتيب الذي جاء عليه نظم هذه الآيات، يشير إلى أكثر من دلالة، ويومىء إلى أكثر من مقصد:
فأولا: هذا القطع لنسق النظم، فى صورة فجائية، وبلا مقدمات- هو إلفات قاهر، لا إرادى، لأولئك المشركين الذين يكذبون بيوم الدين، ويكذبون بما تلا عليهم رسول الله من آيات الله، وما تحمل إليهم هذه الآيات، من أخبار هذا اليوم، وأحداثه.. وفى هذه اللفتة القاهرة يرون النبي فى مقام التلقّى عن ربه، وفى مجلس التلقين، والتعليم منه، سبحانه، وأنه- صلوات الله وسلامه عليه- يتعلم مما علمه الله، وأن هذا العلم لا يستأثر به وحده، وإنما هو مأمور بحمله وعرضه على الناس جميعا، ليأخذوا حظهم كاملا منه..
ولا شك أن هذا من شأنه أن يخفف كثيرا مما فى قلوب المشركين من مشاعر الحسد للنبى، والغيرة منه، كما أن هذا الموقف يفتح عيون كثير من المكذبين والمعاندين على وجه الحق الذي غاب عنهم فى دخان الحسد المنبعث من صدورهم، حيث يرون النبي- صلوات الله وسلامه عليه- يتلقى هذا التحذير والتأديب فى مقام التعلّم، وأنه ليس هناك أمام عظمة الله عظيم.. إن الله سبحانه هو رب العالمين، وكلهم مربوبون له، منقادون لأمره، وأن ما جاءهم به النبي قد احتمل فى سبيله جهدا أو مشقة، وهم يتلقونه منه دون أن يسألهم عليه أجرا..
وثانيا: الطبيعة البشرية يغلب عليها حب التملك، ومن أجل هذا كان شأن الناس إيثار العاجل على الآجل، والحاضر على الغائب، وكان من هذا
стр. 6458
أن صرف كثير من الناس أعينهم عن الحياة الآخرة، وأقاموا بينهم وبينها سدودا من الخداع، والتضليل، حتى لا يروا لها أثرا يلفتهم إليها، ويقطع مشاعرهم المنصرفة كلها إلى الحياة الدنيا، وما هم فيه منها..
وفى عرض النبي- صلوات الله وسلامه عليه- فى هذا الموقف الذي يستعجل فيه النطق بكلمات الآية وحفظها، قبل أن تفلت منه- فى هذا ما يكشف المشركين عن أن حب العاجل طبيعة مركوزة فى الناس، كما يقول : «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» (٣٧: الأنبياء) وأن العجلة غير محمودة حتى فى مقام الإحسان، وفى طلب الخير.. بل إن الرفق، والتوسط فى الأمور هو المحمود، وهو الذي يتيح للإنسان فرضه التروي والتعقل، ووزن الأمور بميزان الروية والعقل.. فكيف بالمشركين وهم يخوضون خوضا فى متاع الحياة الدنيا؟ أفلا يكون منهم تمهل فى هذا الجري اللاهث وراء هذا الحطام الزائل؟ ثم ألا يكون منهم وقفة مع هذا الذي يدعوهم النبي إليه؟
وثالثا: إذا كان على النبي أن يصغى إلى الوحى، ولا يحرك لسانه قبل أن ينتهى رسول الوحى من إلقاء بإلقاء ما يوحى به إليه، وذلك لتكتمل صورة المعاني المراد إلقاؤها على النبي، ولتقع من نفسه موقعا واضحا متمكنا- إذا كان على النبي أن يفعل هذا، مع كلمات الله- أفما كان على الذين يستمعون من النبي لآيات الله، أن يصغوا إليها، وألا يفتحوا أفواههم بكلمة وهم بين يديها، حتى ينتهى عرضها، ليكون لهم سبيل إلى فهم معانيها، وإدراك بعض أسرارها؟ ..
قيل إن النبي- صلوات الله وسلامه عليه- كان وهو يتلقى سورة القيامة من الوحى، وذلك فى أوائل اتصال النبي بالوحى- كان يخشى أن تفلت منه بعض الكلمات، أو يختلف عليه نظامها، فيبادر- حرصا منه- بتلقف
стр. 6459
الكلمة من جبريل، قبل أن يتم الآية.. فلما بلغ معه الوحى إلى قوله تعالى:
«بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ»
- نزل عليه قوله تعالى:
«لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ»
..
ولا شك أن هذا شاهد من شهود القرآن التي لا تحصى، على أن هذا القرآن من عند الله، وأن ليس لمحمد إلا تلقيه من الوحى، وحمله إلى الناس..
وإلا لو كان هذا القرآن من كلام محمد- أكان محمد يلبس هذه الشخصيات جميعها، فيكون مخاطبا وغائبا، وناهيا ومنهيّا، كل ذلك فى حال واحدة، وموقف واحد؟.
أيعقل فى هذا الموقف الذي يواجه فيه المشركين بهذه النذر المطلة عليهم من يوم القيامة- أيعقل فى هذا الموقف، أن يقطع محمد هذا العرض، ثم يتحول إلى نفسه، محاسبا، وناصحا وموجها؟ وما شأن الناس بهذا، لو كان محمد هو صاحب هذا الموقف، والمصور له بكلماته؟ ..
إن صاحب الموقف- وهو الله هو الذي يملك أن يقطع هذا العرض، وأن يلقى على المتلقى عنه، ما يشاء من توجيه، وإرشاد، حتى يجىء العرض واضحا، كاملا.. إن الذي يملك الموقف كله، قوة قائمة على محمد، وعلى من يلقاهم محمد بهذا الحديث.. وتلك القوة هى التي تدير الخطاب، وتوجهه كيف تشاء إلى أىّ من المخاطبين، أفرادا، أو جماعات..
وقوله تعالى: «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ»
نهى يراد به النصح والتوجيه إلى ما ينبغى أن يكون عليه النبي مع الوحى، وهو ألا يحرك لسانه بكلمات القرآن، قبل أن ينتهى جبريل من الوحى.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» (١١٤: طه) ..
стр. 6460
فإن كل كلمة يوحى بها إلى النبي، هى علم يزداد به علمه، فلا يعجل يقطع هذا المدد الذي تهمى عليه غيوثه.
وقوله تعالى: «لِتَعْجَلَ بِهِ»
بيان للسبب الذي من أجله كان يسرع النبي بترديد الكلمات التي يسمعها من جبريل.. إنه- لشدة شوقه، إلى كلمات ربه- لا يكاد يسمع الكلمة تقع فى قلبه من جبريل، حتى يسرع بالنطق بها، ليذوق حلاوتها على لسانه، كما ذاق حلاوتها فى قلبه..
وقوله تعالى:
«إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ»
..
هو تطمين النبي- صلوات الله وسلامه عليه- من أنه لن يفوته حفظ شىء مما يوحى إليه من آيات ربه، فإن الله ، هو الذي يتولى جمع هذا القرآن كله فى صدره- صلوات الله وسلامه عليه- كما سيتولى سبحانه، حفظه على الزمن، قرآنا تعمر به قلوب المؤمنين، وترتله ألسنة الحافظين، كما يقول سبحانه: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» (٩: الحجر) ..
قوله تعالى:
«فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ» .
وفى إسناد القراءة إلى الله ، تشريف، وتكريم النبي، الذي يسمع آيات الله متلوة عليه من ربه، وإن كان جبريل ﵇، هو الذي ينقلها إلى النبي..
стр. 6461
وهذا يعنى أن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- إذ يتلقى آيات الله، من جبريل ﵇، يجد فيها نداء الحق له، ويسمع خطابه إليه..
ونقول- والله أعلم- إن النبي- صلوات الله وسلامه عليه- حين كان يوحى إليه بآيات الله، يسمع ما يوحى إليه لفظا من جبريل، ومعنى من الله .. وعلى هذا المعنى يكون الضمير «نا» فى قوله تعالى:
«قرأناه» عائدا إلى الله ، وإلى جبريل، أي أن الحق يقول للنبى: إذا قرأت القرآن عليك بمعناه، وقرأه جبريل عليك بألفاظه، فلا تعجل بتحريك لسانك. بترجمة هذه المعاني إلى ألفاظ، بل تمهل وخذ الألفاظ التي يلقيها عليك جبريل، حتى تتحقق الصورة الكاملة، للمطابقة بين اللفظ والمعنى!!.
وعلى هذا المعنى يكون قوله تعالى: «فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ»
أي اتبع قراءة رسول الوحى جبريل، وقف عند حدود الألفاظ التي يلقيها إليك، ولا تتازعه بما يسبق إليه خاطرك من كلمات تريد أن تمسك بها من هذه المعاني التي قذفها الله فى قلبك، قبل أن تفلت منك..
وهذا المعنى الذي ذهبنا إليه، هو معنى لا نظن أحدا من المفسرين قد التفت إليه، على كثرة ما توارد على هذه الآية من مختلف الآراء..
فنرجو أن يكون هذا الرأى أقرب إلى الحق، وأدنى إلى الصواب..
ولعل هذا يفسر لنا تلك الحال التي كانت تعرو النبي فى أثناء الوحى، وما كان يغشاه من شدة، حتى إن جبينه ليتفصد عرقا فى اليوم الشديد البرد كما تقول السيدة عائشة رضى الله عنها!!
стр. 6462
وليست هذه الحال التي كان يعانيها النبي من الوحى- دون سائر الأنبياء- ليست إلا لأن الله يتجلى على النبي- صلوات الله وسلامه عليه- فى كلماته القرآنية، ساعة تلقيها من جبريل..
ونقول إن تلك المعاناة التي كان يعانيها النبي من الوحى، هى خاصة به وحده، دون ما نعرف من الوحى الذي يوحى إلى الأنبياء، والرسل، لأن الذي يقصه القرآن علينا من أمر الرسل، وصلتهم بالوحى، هو أن- رسول الوحى، أو رسل الوحى، كانو يجيئون إليهم فى صورة بشرية كاملة، يلتقون بهم فيها كما يلتقى الناس بالناس، ويتحدثون إليهم كما يتحدث الناس إلى الناس.. فلم يكن الرسول من هؤلاء الرسل الكرام، يشعر بأن قوة خفية دخلت عليه، أو خالطت وجدانه، ومدركانه، وذلك على غير ما كان فى حال الوحى مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وما كان يلقى فى تلقّى الوحى من شدّة.
فقد جاء الوحى إلى إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل فى صورة رؤيا رآها فى المنام.. كما يقول سبحانه على لسانه: «يا بُنَيَّ.. إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ.. فَانْظُرْ ماذا تَرى» (١٠٢: الصافات) .. كذلك جاء الوحى إليه فى صورة جماعة من الضيوف، نزلوا عليه: «هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ. فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ. فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ، قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ» (٢٤- ٣٠: الذاريات)
стр. 6463
كذلك جاء، الوحى إلى لوط ﵇، فى صورة هؤلاء الضيف الذين نزلوا على إبراهيم.. وفيهم يقول لوط لقومه: «إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ» (٦٨- ٦٩: الحجر) .. ويقولون هم- أي الملائكة- الوط: «يا لُوطُ.. إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ» ..
وإذا كان من الرسل من تلقّى الوحى على صورة أشبه بالصورة التي تلقى عليها النبي كلمات ربه- فهو موسى ﵇..
ونقول أشبه بالصورة التي تلقّى عليها النبىّ كلمات ربّه، ولا نقول مثلها، لأن موسى- ﵇ كان يسمع من ربّه حقائق المعاني التي يلقيها إليه، ثم يصوغها هو فى الألفاظ التي يراها مناسبة لها.. ولهذا، فإنّ موسى- وإن أخذه جلال التجلي لكلمات الله عليه.. فإن ذلك كان أخفّ عليه وطئا مما كان يأخذ النبىّ صلوات الله وسلامه عليه، لأنّ النبىّ مع وقوعه تحت سلطان هذا التجلّى، كان واقعا من جهة أخرى تحت غشيان الرّوح السماوىّ له، وتلبسه به، ونقل كلمات الله إليه.. فالنبىّ هنا واقع تحت سلطان التجلّى من الله عليه، وتحت تلبّس الملك السماوىّ- جبريل- به.. ولهذا كان ﵊، يعانى من شدّة الوحى أكثر مما كان يعانى موسى ﵇.. أما الشريعة الموسوية، فقد تلقاها موسى ﵇ مكتوبة فى الألواح..
وما كنّا نريد أن نذهب إلى هذا الذي ذهبنا إليه فى مفهومنا لتلك الآيات مخالفين بذلك أكثر المفسرين، فى فهمها على غير هذا الفهم.
ثم ما كنا نريد أن نذهب إلى أبعد من هذا الذي ذهبنا إليه.. ولكن الأمر ليس إلينا، ونحن بين يدى آيات الله.. إنها هى التي تشدنا إليها،
стр. 6464
وتبسط سلطانها علينا، فلا تملك أن نبرح ساحتها إلا باستئذان، وإذن، منها، وإنه لكفران بالإحسان أن نبرح هذا المنزل الكريم الذي نزلناه من تلك الآيات، وأن نقطع هذا الرزق الموصول إلينا من بين يديها، وأن نعجل بقطع هذا الخير الذي تلقانا به.
فنحن سنمضى معها على هذا الطريق إلى غايته، نرجو مزيدا من العطاء ونلتمس مزيدا من النور..
ويلقانا هنا سؤال:
لماذا لم يجىء الوحى إلى النبىّ فى صورة بشرية، على نحو ما كان يأتيه عليه فى بعض الأحيان.. فيكون ذلك أخفّ وطئا عليه، من الصورة الملكية التي كان يأتيه عليها فى معظم الحالات، والتي كان يعانى منها ما يعانى من شدّة؟
والجواب على هذا- والله أعلم- هو أن الأحوال التي كان يأتى عليها الموحى به قرآنا، كان الوحى صورة خاصة، لا تتبدّل، ولا تختلف، وإن كان الموحى به حديثا قدسيا، جاء الوحى على صورة خاصة أيضا، وإن كان الموحى به حكمة، وهى السنة القولية أو الفعلية، كما يشير إليه قوله تعالى: «ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ» (٣٩: الإسراء) - نقول إذا كان الموحى به حكمة، جاء الوحى على صورة خاصة كذلك..
وهكذا..
روى أن الحارث بن هشام سأل النبىّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله: كيف يأتيك الوحى؟ قال: «أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس..
стр. 6465
وهذا أشده علىّ، فيفصم عنى وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل الملك رجلا فأعى ما يقول» .
فالحال التي كان يأتى فيها الوحى مثل صلصلة الجرس، هى الوحى الذي ينزل بالقرآن، حيث لا يستطيع رسول الوحى، جبريل ﵇، أن يبلّغ كلمات القرآن إلا وهو فى حال الملكية، وهنا يجذب النبىّ إلى الخروج من حالة البشرية إلى حال هو أقرب فيها إلى عالم الملائكة، وهذا لا يكون إلا عن مجاهدة عظيمة، وإلا بعد معاناة، يجد منها النبىّ كربا، ويعانى منها شدة، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «ثُمَّ دَنا، فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى» (٨- ٩: النجم) .
أمّا فى حال تمثّل الملك رجلا، فإن الملك هو الذي يحاول الخروج من صورته الملكية إلى صورة بشرية، فيلتقى بالنبيّ، كما يلتقى الإنسان بالإنسان.. وهذه الكيفية من الوحى، تكون فيما يوحى به إلى النبىّ من الأحاديث والسنن القولية أو الفعلية، أو التقريرية، التي أثرت عن النبىّ..
من قول أو فعل أو تقرير.. فى حال التشريع، وهو وحي من عند الله كذلك، وهذا مما يشير إليه قوله تعالى: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى» (٣: النجم) .
وقد ثبت من تاريخ نزول القرآن، أن النبىّ ﷺ ، كثيرا ما كان ينزل عليه الوحى وهو بين أصحابه، فيغشاه ما يغشاه من شدّة، حتى إذا قتّى الوحى، كان أول ما يتحدث به الرسول إلى أصحابه وكتّاب وحيه، هو ما نزل به الوحى عليه من آيات ربّه.. وهكذا، فى جميع ما يروى من الأخبار الثابتة.. كل حال كان يأتى فيها الوحى إلى النبىّ مثل صلصلة الجرس، كان الموحى به إليه فى تلك الحال، قرآنا كريما، لا حديثا قدسيا، ولا سنة قولية أو فعلية..
стр. 6466
كذلك ثبت من تاريخ السنّة النبوية.. القولية، والتقريرية.. أن ما كان يوحى به إلى النبىّ فى هذا المقام، إمّا بإلهام من الله، وإمّا بوساطة رسول الوحى يتمثل النبىّ فى صورة بشرية..
فقد ثبت أنه حيث فرضت الصلاة، جاء جبريل إلى النبىّ ﷺ ، وأخذ بيده، ثم همز الأرض بقدمه، فتفجر الماء، فتوضأ، وتوضا النبىّ معه.. ثم صلى به الصبح.. وفعل كذلك مع النبىّ عند صلاة الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء.. وبيّن له أوقاتها، وعدد ركعاتها.. وكما فعل جبريل مع النبىّ، فعل النبىّ مع المؤمنين، وصلّى بهم الصلوات المفروضة، ثم قال: «صلّوا كما رأيتمونى أصلّى» .
يروى عن ابن عباس قال: «لما افترضت الصلاة على رسول الله ﷺ أتاه جبريل، فصلى به الظهر حين مالت الشمس، ثم صلى به العصر حين كان ظلّه مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق، ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر، ثم جاءه فصلى به الظهر من غده، حين كان ظله مثله، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثليه، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها فى الأمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب ثلاث الليل الأول، ثم صلى به الصبح مسفرا غير مشرق.. ثم قال: «يا محمد، الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس» ..
وعن أبى هريرة رضى الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «سلونى، فهابوا أن يسألوه، فجاء رجل فجلس عند ركبته، فقال:
«يا رسول الله: ما الإسلام؟ قال: لا تشرك بالله شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان» قال: صدقت! قال: «يا رسول الله: ما الإيمان؟
стр. 6467
قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه، ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كله» قال صدقت! قال يا رسول الله: «ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك! .. قال صدقت، ثم قام الرجل، فقال رسول الله ﷺ : «ردّوه علىّ» فالتمس فلم يجدوه، فقال رسول الله ﷺ : «هذا جبريل، أراد أن تعلّموا إذ لم تسئلوا» ! ومن ذلك أيضا، ما روى من أن النبىّ ﷺ ، دعا الناس، فقال هلّموا إلىّ، فأقبلوا إليه، فقال: «هذا رسول رب العالمين، جبريل، نفث فى روعى أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وإن أبطأ عليها، فاتقوا الله، وأجملوا فى الطلب» .
ولا يعترض على هذا بما كان من أول لقاء لجبريل مع النبىّ فى غار حراء، وأنه جاءه- كما يقال- فى صورة بشرية، وأنه أقرأه قوله تعالى: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» - فكيف إذن يتفق هذا مع القول بأن الوحى القرآنىّ إنما كان ينزل به جبريل على النبي فى صورته الملكية، دائما، وفى جميع الأحوال؟
وردّنا على هذا، أن جبريل إذا كان فى أول لقاء له مع النبىّ، قد جاء فى صورة بشرية- فإنه لم يلقه بالقرآن من أول الأمر، وإنما الذي حدث- كما هو ثابت فى تاريخ القرآن- أن جبريل دعا النبي إلى أن يقرأ، فقال له: «اقرأ» ..
هكذا قراءة مطلقة، وأن النبي أجابه الجواب الذي تقتضيه داعية الحال، فقال:
«ما أنا بقارئ» .. وهكذا تردد الأمر بين جبريل والنبي، ثلاث مرات، فلما
стр. 6468
كانت الرابعة غطّه جبريل غطّا شديدا، كاد يفقد معه وعيه.. ثم قال له:
«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ..» الآيات.
فهذا هو القرآن الذي أوحى به جبريل إلى النبي، وقد أوحاه إليه فى صورة خرج بها عن حاله التي تمثل فيها له بشرا.. فإن هذه الغطة غيّرت الموقف تغيرا تاما، فجمعت بين جبريل، وبين النبي فى كيان ملكى بشرى.. فكان النبي بشرا يقترب من الملك، وكان جبريل ملكا يقترب من البشر! وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من أن الوحى القرآنى، كان دائما على تلك الصورة التي لا يتمثل فيها جبريل رجلا، يخا؟؟؟ ب النبىّ بلسان بشرىّ، وإنما كان يأتيه مثل صلصلة الجرس..
والذي نريد أن نصل إليه من حديثتا هذا، هو أن القرآن الكريم، كان يتلقاه النبي من الوحى على صورة خاصة ملازمة دائما، وهى أن جبريل كان فيها لا يخرج عن صورته الملكية إلا بالقدر الذي يستطيع فيه أن يلتقى مع النبي وهو ساع إلى لقائه فى صورة ملائكية، بشرية، كما كان النبي يرتفع إلى أعلى أفق نحو الملائكية، ولا ينسلخ انسلاخا كاملا من ثوب البشرية، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى» (٨- ٩: النجم) على ما ذهبنا إليه فى تفسير هذه الآيات فى سورة النجم، وعلى أن الضمير فيها عائد إلى جبريل ﵇.
وهذا يعنى أن جبريل ﵇، كان فى تلك الحال التي ينزل فيها بالقرآن واقعا تحت تجلّى الله عليه بكلماته التي يوحيها إلى النبي.
فجبريل إذ يتصل بالنبي، فى مقام تنزل آيات الله عليه- يكون فى حال أشبه بحال النبي.. كلاهما يتلقى تجليات آيات الله عليه، وإن كان جبريل هو الذي يتلقى صدمة الصعقة أولا، حتى يخّف على النبي وقعها.. وهذا يعنى أن النبي-
стр. 6469
صلوات الله وسلامه عليه- إنما يسمع كلام الله له، من خلال جبريل، أي أن جبريل ﵇ يكون أشبه- مع المفارقة البعيدة فى صورتى التشبيه- بجهاز استقبال وإرسال معا.. يتلقى كلام الله ، فتنطبع عليه صورته، ثم يذيعه كما انطبع عليه..
ولهذا كان يسمع النبي- الوحى- فى تلك الحال- كصلصلة الجرس، أي أنه يأت يه من جميع الجهات، لأن المتكلم به هو الله سبحانه، ولو كان جبريل هو المتكلم بالقرآن لسمع النبي كلامه من جهة واحدة، كما كان يحدث فيما يوحى به جبريل من أحاديث قدسية، أو أحاديث نبوية.. والله أعلم.
هذا، وبعد أن فرغت من تقرير هذا الرأى، اطلعت على رأى لعالم جليل من علماء سلفنا الصالحين، هو الدباغ، فى كتابه «الإبريز» الذي تلقاه عن ابن المبارك.. وفى هذا الرأى يذكر الدباغ فروقا دقيقة بين القرآن الكريم، والحديث القدسي، والحديث النبوي، ومن هذه الفروق تتبين الأحوال التي كان عليها النبي، وهو يتحدث بالقرآن، أو بالحديث القدسي، أو الحديث النبوي.
وقد رأينا أن ننقل كلمات الدباغ «١» ، لأنها تلقى أضواء كاشفة على موضوعنا هذا، الذي قررنا فيه أسلوب الوحى القرآنى، وكيف كان يوحى به إلى النبي..
سئل الدباغ عن الفرق بين القرآن، والحديث القدسي، والحديث النبوي.. فقال:
«الفرق بينها، وإن كانت كلها خرجت من بين شفتيه ﷺ ، وكلها معها أنوار من أنواره ﷺ أن النور الذي فى
стр. 6470
القرآن قديم، من ذات الحق سبحانه، لأن كلامه تعالى قديم.. والنور الذي فى الحديث القدسي من (روحه) ﷺ ، وليس هو مثل نور القرآن، فإن نور القرآن قديم، ونور هذا- أي الحديث القدسي- ليس بقديم..
والنور الذي فى الحديث الذي ليس بقدسى من (ذاته) ﷺ .. فهى أنوار ثلاثة، اختلفت بالإضافة.. فنور القرآن من ذات الحق، ونور الحديث القدسي من روحه ﷺ ، ونور ما ليس بقدسى، من ذاته ﷺ ..
فلما سئل الدباغ: ما الفرق بين نور الروح، ونور الذات؟ أجاب:
الذات خلقت من تراب، ومن التراب خلق سائر العباد، والروح من الملأ الأعلى، وهم- أي الملأ الأعلى- أعرف الخلق بالحق سبحانه.. وكل واحد- أي من الذات والروح- يحنّ إلى أصله، فكان نور الروح متعلقا بالحق سبحانه، ونور الذات متعلقا بالخلق، فلذا ترى الأحاديث القدسية تتعلق بالحق سبحانه، بتبيين عظمته أو إظهار رحمته، أو بالتنبيه على سعة ملكه، وكثرة عطائه، فمن الأول، حديث: «يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم..»
ومن الثاني، حديث: «أعددت لعبادى الصالحين..» ومن الثالث حديث:
«يد الله ملأى ... » وهذه من علوم الروح فى الحق سبحانه.. أما الأحاديث التي ليست بقدسية، فتتكلم على ما يصلح البلاد والعباد، بذكر الحلال والحرام، والحث على الامتثال بذكر الوعد والوعيد..
ثم يمضى الدباغ فى حديثه عن الفرق بين القرآن والحديث القدسي، والحديث النبوي يقول:
إن الأنوار من الحق سبحانه، تهّبّ على ذات النبي ﷺ ، حتى تحصل له مشاهدة خاصة، وإن كان دائما فى المشاهدة..
стр. 6471
فإن سمع من الأنوار كلام الله سبحانه، ونزل عليه ملك، فذلك هو القرآن..
وإن لم يسمع كلاما، ولا نزل عليه ملك، فذلك وقت الحديث القدسىّ، فيتكلم ﵊، ولا يتكلم حينئذ إلا فى شأن الربوبية بتعظيمها، وذكر حقوقها..
وأما الحديث الذي ليس بقدسى، فإنه يخرج من النور الساكن فى ذاته ﵇، الذي لا يغيب عنه أبدا، وذلك أنه أمدّ ذاته ﵇ بأنوار الحق، كما أمد جرم الشمس بالأنوار المحسوسة.. فالنور لازم الذات النبوية الشريفة، لزوم نور الشمس لها.
ثم يزيد الدباغ الأمر وضوحا فيقول:
«إذا تكلم النبي ﷺ ، وكان الكلام بغير اختياره فهو القرآن.. وإن كان باختياره، فإن سطعت حينئذ أنوار عارضة، فهو الحديث القدسي، وإن كانت الأنوار الدائمة، فهو الحديث الذي ليس بقدسى، ولأن كلامه ﷺ لا بد أن يكون معه أنوار الحق سبحانه، كان جميع ما يتكلم به وحيا يوحى.. وباختلاف أحوال الأنوار افترق إلى الأقسام الثلاثة» .
وهذه الأنوار القدسية التي يشير إليها «الدباغ» والتي يستمد منها النبي- صلوات الله وسلامه عليه- القرآن والحكمة- هى أنوار النبوة المفاضة عليه من ربه، فكان صلوات الله وسلامه عليه نورا من نور الحق، كما كانت كلماته من كلمات الله سبحانه.. وهذا ما يشير إليه فى قوله:
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ
стр. 6472
وَسِراجاً مُنِيراً»
(٤٥- ٤٦: الأحزاب) .. فهو- صلوات الله وسلامه عليه سراج منير، وهو نور هذا السراج كما يشير إليه قوله تعالى: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ» (١٥: المائد) قوله تعالى:
«ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ» ..
هو تطمين للنبى- ﷺ بأنه لن يفوته شىء مما تجلّى عليه من آيات الله، وما قذف الله فى قلبه من معانيها، التي كان يريد النبي أن ينطق بها، ويصورها كما وقعت له.. فليقف النبىّ إذن عند حدود الألفاظ التي يلقيها عليه جبريل، وإن كانت هذه الألفاظ لا تكشف كل ما وقع فى قلبه من معنى، فإنه مازال الوحى يتنزل، وما زالت آيات الله تجىء بتفصيل ما أجمل من أحكام، وأحداث، وقصص.. ولعل هذا هو السر فى العطف بالحرف «ثمّ» التي تفيد التراخي، حيث إن البيان إنما تمّ فى زمن متباعد، ينتظم فترة الوحى كلها، من مبدأ أول آية نزلت إلى أن تم نزول القرآن كله.
فمثلا قصة موسى مع فرعون.. جاءت أولا فى كلمات معدودة، وفى صورة مصغرة جدا، مثل قوله تعالى: «وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ» (١٠- ١٣: الفجر) .
ومثل قوله سبحانه: «هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى فَكَذَّبَ وَعَصى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى» (١٥- ٢٥: النازعات)
стр. 6473
ففى هذا العرض الموجز لقصة موسى، كان النبي يرى فى كلمات الله تلك، - بما قذف الله فى قلبه من أنوار الحق- كان يرى القصة كاملة، تتحرك على مسرح الحياة، بأحداثها، وأشخاصها، وأمكنتها.. ثم كان يحاول فى أول الوحى أن يمسك بالصورة كاملة، كما وقعت له، فجاء الأمر الرباني:
«لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ»
قوله تعالى:
«كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ» هو بيان للطبيعة البشرية التي يغلب عليها حب العاجل من الأمور، والتطلع إلى الثمرة قبل الغرس.. وترى هذه الطبيعة واضحة فى موقف آدم من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، مع إطلاق يديه جميعا للأكل من كل فواكه الجنة.. ولكنه زهد فى هذه الفواكه كلها، ومدّ يده إلى تلك الفاكهة المحرمة، فأكل منها، وعصى أمر ربه، وتعرض لما يتعرض له العصاة، من اللوم والعقاب..
ولم تكن هذه الشجرة، بأكرم أشجار الجنة، ولا أطيبها فاكهة، ولكنه حبّ الاستطلاع، والرغبة فى الحصول على كل شىء فى اليوم الحاضر، دون نظر إلى الغد..
وحب العاجل كما يكون فى المذموم، يكون فى المحمود.. كالسبق إلى الخير، والمبادرة بالأعمال الصالحة.. فهذا من مطالب النفوس الطيبة، ومن شهواتها، إن صح هذا التعبير.. إنها تشتهى الخير، والإحسان، وتستكثر منه فى يومها، كما تستكثر النفوس الخبيثة من الخبيث فى حاضرها، غير مبقية
стр. 6474
شيئا لغدها، كما يقول سبحانه عن أصحاب هذه النفوس التي استنفدت كل جهدها فى الحياة الدنيا: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ» (٢٠: الأحقاف) والمخاطبون بقوله تعالى: «كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ» هم المشركون، والكافرون، وأصحاب الضلالات، الذين كفروا بالحياة الآخرة وأخلوا مشاعرهم من التعلق بها، والإعداد لها..
وقد حسنت مواجهة المنكرين للبعث، الذين يؤثرون العاجلة، ويذرون الآخرة- حسنت مواجهتهم فى هذا المقام، الذي يكشف عن أنفسهم، وهم فى مواجهة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وحبه لعاجل الأمور فى مقام تفصيل الخير، والاستزادة من العلم.. فهذا مقام، وذاك مقام، وإن اشتركا معا فى أن حبّ العاجلة قسمة بينهما..
وفى هذه المفارقة البعيدة، يرى المشركون مدى استغراقهم فى الضلال، وأنهم إنما ينهون عن الاستزادة من المنكر، والضلال، على حين ينهى غيرهم عن الاستزادة من الخير والإحسان، حتى لا يشق على نفسه، ولا يكلفها فوق ما تطبق.. فالرسول يدعو إلى شريعة قائمة على السماحة ورفع الحرج، وإنه لأولى عباد الله بالأخذ لنفسه من سماحتها ويسرها..
قوله تعالى:
«وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» .
هو عرض لأحوال الذين يؤمنون بالآخرة، ويعملون لها..
فها هى ذى الآخرة، وهذه هى أحوال أهلها، وما يقع للناس فيها..
стр. 6475
فالناس هناك فريقان: مؤمنون، وكافرون..
والمنازل هناك منزلان: الجنة.. والنار فالمؤمنون منزلهم الجنة، والكافرون مأواهم النار..
وفى عرض أصحاب الجنة يومئذ بما يكشف عن وجوههم وحدها، هو عرض لحالهم جميعها، ظاهرها، وباطنها، حيث تبدو على الوجه أحوال الإنسان، وما يكون عليه من نعيم أو شقاء، ومن طمأنينة أو جزع..
ونضارة الوجوه، تحدّث عن النعمة التي يعيش فيها أصحابها، وعن الخصب والخير الذي يحفّ بهم، حتى لقد فاضت الوجوه نضارة وبشرا، وحتى لكأنها الزهر المتفتح على أنسام الربيع فى روض أريض.
وقوله تعالى: «إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» أكثر المفسرون من المقولات التي تقال فى تأويل الوجوه الناظرة إلى ربها، وهل فى الإمكان رؤية الله؟ إن الرؤية معناها تحديد المرئىّ وتجسيده، والله سبحانه منزه عن التحديد والتجسيد.. فكيف يمكن رؤيته؟
وهذه قضية استنفدت كثيرا من جهد العلماء، من المتكلمين وأهل السنة، ولو أنصف هؤلاء وهؤلاء عقولهم، لأمسكوا بها عن الخوض فى لجج هذا البحر الذي لا ساحل له، فإن عقولنا تلك، إنما خلقت لهذا العالم الأرضى، ولكشف ما فيه من حقائق، أما عالم الآخرة، فعقولنا بمعزل عنه، فكيف بذات الله ؟ وكيف بعقولنا المحدودة القاصرة يراد لها أن تحتوى هذا الجلال الذي لا حدود له، والذي وسع كرسيه السموات والأرض؟
ولهذا، فإن خير ما يحمل عليه قوله تعالى: «إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» هو ما ذهب إليه السلف من أن المراد بالنظر إلى الله، هو النظر إلى رحمة الله،
стр. 6476
والطمع فى رضوانه، والتعلق بالرجاء فيه، فى ذلك اليوم الذي ينقطع فيه كل رجاء إلا منه جلّ وعلا.. وهذا النظر إلى رحمة الله، لا يختلف عن معنى الرغبة إلى الله، والرجوع إليه، كما يقول سبحانه: «إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ» (٣٢: القلم) وكما يقول جل شأنه: «وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» (١٥٦: البقرة) أما النظر فى وجه الله فى الآخرة، وأما إمكانه وكيفيته، فذلك- إن صحت الأخبار المروية عنه- مما نؤمن به غيبا، ولا نبحث عنه صورة وكيفا!! قوله تعالى:
«وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ» .
هو معطوف على قوله تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ..» وهو عطف حال على حال، ومقام على مقام.. فهناك وجوه ناضرة إلى ربها ناظرة، تقابلها فى الجانب الآخر، وجوه باسرة، أي كالحة مغبرّة، تتوقع أن يفعل بها الفواقر، وهى الدواهي والمهلكات.. والوجوه الناضرة، الطامعة فى رحمة ربها، هى وجوه المؤمنين، والوجوه الكالحة المتوقعة الهلاك، هى وجوه المشركين، والضالين..
وقوله تعالى:
«كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ مَنْ راقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ.» .
هو إعراض عن حديث يوم القيامة، الذي لا يصدّق به المشركون، وعرض لهذا المشهد الذي يراه الناس بأعينهم فى الحياة الدنيا، وهو مشهد الموت، الذي ينهى حياة الإنسان من هذا العالم الدنيوي..
стр. 6477
وفى هذا المشهد يرى المكذبون بيوم القيامة- كما يرى غيرهم- حالا من أحوال النّزع والاحتضار، وقد بلغت الروح فيها الحلقوم، كما يقول سبحانه فى آية أخرى: «فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ. فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (٨٣- ٨٧: الواقعة) :
وقد جاء التعبير هنا عن بلوغ الروح الحلقوم، ببلوغها التراقى- وهى جمع ترقوة، والترقوتان من الإنسان هما عظمتان تمتدان يمينا وشمالا من ثغرة النحر إلى العنق- وفى ذلك ما يدل على أن الروح تتحرك أثناء النزع والاحتضار، فتنتقل من التراقى أي النحر، إلى الحلقوم، فإذا بلغت الحلقوم لفظ الإنسان أنفاسه الأخيرة، إذ كان ذلك آخر حدود الروح مع الجسد وقوله تعالى: «وَقِيلَ مَنْ راقٍ»
أي التمس أهل المحتضر، الاساة والرقاة لدفع يد الموت الممتدة إليه، وهو ينازع سكراته..
والراقي، هو من يسترقى للمريض بالرّقى والتعاويذ ونحوها، رجاء أن يشفيه من دائه، أو يخفف ما به والرّقى، أسلوب من أساليب التطبب والاستشفاء عند الجاهليين، وقد ذكره القرآن هنا على لسان المتعاملين به، فهو من واقع الحال، الذي يقتضى الصدق نقله كما هو..
وقوله تعالى: «وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ» .. بيان لمرحلة ثالثة من مراحل الاحتضار.. حيث كانت المرحلة الأولى، هى بلوغ الروح التراقى، ثم كانت المرحلة الثانية استدعاء الرقاة والمتطببين.. ثم كانت المرحلة الثالثة، وهى
стр. 6478
اليأس من رقى الرقاة، فقد تيقن أهل المحتضر أنه لا يلبث إلا قليلا حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، وها هى ذى الروح وقد بلغت الحلقوم.
وقوله تعالى: «وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ» بيان لمرحلة رابعة، فى مسيرة هذا المحتضر.. إنه لا يموت، ويتحول إلى عدم، كما يظن ذلك الذين يكذبون بالحياة الآخرة، بل إنه سيحيا فى عالم آخر.. فبعد خروج الروح من هذا الجسد، تنطلق إلى عالم الحق، وتساق سوقا عنيفا إلى ربها، فيلتف الساق بالساق من شدة الكرب، وثقل البلاء، لأن هذه الروح، روح إنسان لم يكن يؤمن بربه، ولم يكن ممن يصدق بآيات الله وبرسل الله، ولم يكن من المصلّين، الذين استجابوا لله، كما يقول سبحانه: «فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى، وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى» .. أي كذب بآيات الله معرضا عنها: «ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى» أي حين أعطى ظهره معرضا عن آيات الله، أقبل على أهله، ومجتمع ناديه، يمشى معجبا بنفسه، نافحا صدره، مادّا عنقه، فاردا جناحيه، كأنه القائد المظفر، وقد عاد من الميدان يسوق بين يديه الغنائم والأسرى! والتفاف الساق بالساق، كناية عن الشدة والكرب، حيث لا يقوى المرء على التحكم فى أوصاله، أو أن يضبط حركات رجليه، فهو يمشى متخالجا متماوجا، كما يمشى المصروع..
الآيات: (٣٤- ٤٠) [سورة القيامة (٧٥) : الآيات ٣٤ الى ٤٠]
أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨)
فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)
стр. 6479
» التفسير:
قوله تعالى:
«أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» - هو دعوة إلى هذا المشرك، الكافر باليوم الآخر، المكذب بالبعث، والحساب، والجزاء- دعوة له إلى ما هو أولى به، وأحسن عاقبة له..
ولم تصرح الآية الكريمة بهذا الأولى، الذي يدعى إليه هذا الضال، بل جعلته مطلقا من غير تحديد..
وفى هذا ما يشير إلى أمور:
فأولا: أن ما فيه هذا الضال من ضلال، هو أمر واضح لا يحتاج بيان ما فيه من نكر، إلى عرض الوجه المقابل له، لأنه مستغن بذاته عن أن يدل على شناعته.
وثانيا: أن أي مذهب يذهبه هذا الضال، هو أهدى سبيلا من طريقه الذي يسير فيه، والذي سيلقى به فى التهلكة، إن هو تابع مسيرته عليه..
وثالثا: أن إطلاق هذه الدعوة، التي لا تحمل غير الإشارة إلى أن هناك حالا أولى من تلك الحال التي هو فيها، دون الإشارة إلى الحال التي يراد منه الاتجاه إليها- فى هذا ما يوقظ مشاعر هذا الإنسان الغارق فى
стр. 6480
ضلاله، ويهز كيانه كله، حين ينبّه إلى أن هناك خطرا محدقا به، دون أن يكشف له عن طريق النجاة من هذا الخطر.. إن عليه وحده أن يعرف مصدر هذا الخطر، وعليه وحده أن يجد الطريق إلى الفرار منه.. وذلك من شأنه أن يبعث فيه كل القوى الواعية المدركة ليدفع عن نفسه هذا البلاء المشتمل عليه، وليطفىء بيديه هذه النار المشتعلة فيه..
وقد كررت الدعوة فى قوله تعالى: «أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» للتوكيد.. ثم كررت هذه الدعوة مؤكدة أيضا فى قوله تعالى: «ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» مبالغة فى التنبيه والتحذير..
ويرى أكثر المفسرين أن قوله تعالى: «أَوْلى لَكَ فَأَوْلى. ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» - هو تهديد ووعيد، وأن المراد بما هو أولى له، هو النار المعدّة له، وأن ذلك العذاب هو ما يدعى إليه.. هذا المكذب بآيات الله والرأى- والله أعلم- هو ما ذهبنا إليه، من أن هذا إلفات وتنبيه وإغراء بالرجوع إلى الله، وأخذ طريق غير طريق الضلال الذي يركبه هؤلاء الضالون.. والآيات التي جاءت عقب هذا الإلفات تؤيد الرأى الذي ذهبنا إليه، لأنها تحاجّ الإنسان وتفتح له طاقات من نور يمكن أن يرى على ضوئها طريق الحق فيسلكه..
قوله تعالى:
«أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً» ..
هو تعقيب على هذه الدعوة الموجّهة إلى منكرى البعث والحساب والجزاء..