← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

والطمع فى رضوانه، والتعلق بالرجاء فيه، فى ذلك اليوم الذي ينقطع فيه كل رجاء إلا منه جلّ وعلا.. وهذا النظر إلى رحمة الله، لا يختلف عن معنى الرغبة إلى الله، والرجوع إليه، كما يقول سبحانه: «إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ» (٣٢: القلم) وكما يقول جل شأنه: «وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» (١٥٦: البقرة) أما النظر فى وجه الله فى الآخرة، وأما إمكانه وكيفيته، فذلك- إن صحت الأخبار المروية عنه- مما نؤمن به غيبا، ولا نبحث عنه صورة وكيفا!! قوله تعالى: «وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ» . هو معطوف على قوله تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ..» وهو عطف حال على حال، ومقام على مقام.. فهناك وجوه ناضرة إلى ربها ناظرة، تقابلها فى الجانب الآخر، وجوه باسرة، أي كالحة مغبرّة، تتوقع أن يفعل بها الفواقر، وهى الدواهي والمهلكات.. والوجوه الناضرة، الطامعة فى رحمة ربها، هى وجوه المؤمنين، والوجوه الكالحة المتوقعة الهلاك، هى وجوه المشركين، والضالين.. وقوله تعالى: «كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ مَنْ راقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ.» . هو إعراض عن حديث يوم القيامة، الذي لا يصدّق به المشركون، وعرض لهذا المشهد الذي يراه الناس بأعينهم فى الحياة الدنيا، وهو مشهد الموت، الذي ينهى حياة الإنسان من هذا العالم الدنيوي..

стр. 6477

وفى هذا المشهد يرى المكذبون بيوم القيامة- كما يرى غيرهم- حالا من أحوال النّزع والاحتضار، وقد بلغت الروح فيها الحلقوم، كما يقول سبحانه فى آية أخرى: «فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ. فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (٨٣- ٨٧: الواقعة) : وقد جاء التعبير هنا عن بلوغ الروح الحلقوم، ببلوغها التراقى- وهى جمع ترقوة، والترقوتان من الإنسان هما عظمتان تمتدان يمينا وشمالا من ثغرة النحر إلى العنق- وفى ذلك ما يدل على أن الروح تتحرك أثناء النزع والاحتضار، فتنتقل من التراقى أي النحر، إلى الحلقوم، فإذا بلغت الحلقوم لفظ الإنسان أنفاسه الأخيرة، إذ كان ذلك آخر حدود الروح مع الجسد وقوله تعالى: «وَقِيلَ مَنْ راقٍ» أي التمس أهل المحتضر، الاساة والرقاة لدفع يد الموت الممتدة إليه، وهو ينازع سكراته.. والراقي، هو من يسترقى للمريض بالرّقى والتعاويذ ونحوها، رجاء أن يشفيه من دائه، أو يخفف ما به والرّقى، أسلوب من أساليب التطبب والاستشفاء عند الجاهليين، وقد ذكره القرآن هنا على لسان المتعاملين به، فهو من واقع الحال، الذي يقتضى الصدق نقله كما هو.. وقوله تعالى: «وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ» .. بيان لمرحلة ثالثة من مراحل الاحتضار.. حيث كانت المرحلة الأولى، هى بلوغ الروح التراقى، ثم كانت المرحلة الثانية استدعاء الرقاة والمتطببين.. ثم كانت المرحلة الثالثة، وهى

стр. 6478

اليأس من رقى الرقاة، فقد تيقن أهل المحتضر أنه لا يلبث إلا قليلا حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، وها هى ذى الروح وقد بلغت الحلقوم. وقوله تعالى: «وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ» بيان لمرحلة رابعة، فى مسيرة هذا المحتضر.. إنه لا يموت، ويتحول إلى عدم، كما يظن ذلك الذين يكذبون بالحياة الآخرة، بل إنه سيحيا فى عالم آخر.. فبعد خروج الروح من هذا الجسد، تنطلق إلى عالم الحق، وتساق سوقا عنيفا إلى ربها، فيلتف الساق بالساق من شدة الكرب، وثقل البلاء، لأن هذه الروح، روح إنسان لم يكن يؤمن بربه، ولم يكن ممن يصدق بآيات الله وبرسل الله، ولم يكن من المصلّين، الذين استجابوا لله، كما يقول سبحانه: «فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى، وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى» .. أي كذب بآيات الله معرضا عنها: «ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى» أي حين أعطى ظهره معرضا عن آيات الله، أقبل على أهله، ومجتمع ناديه، يمشى معجبا بنفسه، نافحا صدره، مادّا عنقه، فاردا جناحيه، كأنه القائد المظفر، وقد عاد من الميدان يسوق بين يديه الغنائم والأسرى! والتفاف الساق بالساق، كناية عن الشدة والكرب، حيث لا يقوى المرء على التحكم فى أوصاله، أو أن يضبط حركات رجليه، فهو يمشى متخالجا متماوجا، كما يمشى المصروع.. الآيات: (٣٤- ٤٠) [سورة القيامة (٧٥) : الآيات ٣٤ الى ٤٠] أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)

стр. 6479

» التفسير: قوله تعالى: «أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» - هو دعوة إلى هذا المشرك، الكافر باليوم الآخر، المكذب بالبعث، والحساب، والجزاء- دعوة له إلى ما هو أولى به، وأحسن عاقبة له.. ولم تصرح الآية الكريمة بهذا الأولى، الذي يدعى إليه هذا الضال، بل جعلته مطلقا من غير تحديد.. وفى هذا ما يشير إلى أمور: فأولا: أن ما فيه هذا الضال من ضلال، هو أمر واضح لا يحتاج بيان ما فيه من نكر، إلى عرض الوجه المقابل له، لأنه مستغن بذاته عن أن يدل على شناعته. وثانيا: أن أي مذهب يذهبه هذا الضال، هو أهدى سبيلا من طريقه الذي يسير فيه، والذي سيلقى به فى التهلكة، إن هو تابع مسيرته عليه.. وثالثا: أن إطلاق هذه الدعوة، التي لا تحمل غير الإشارة إلى أن هناك حالا أولى من تلك الحال التي هو فيها، دون الإشارة إلى الحال التي يراد منه الاتجاه إليها- فى هذا ما يوقظ مشاعر هذا الإنسان الغارق فى

стр. 6480

ضلاله، ويهز كيانه كله، حين ينبّه إلى أن هناك خطرا محدقا به، دون أن يكشف له عن طريق النجاة من هذا الخطر.. إن عليه وحده أن يعرف مصدر هذا الخطر، وعليه وحده أن يجد الطريق إلى الفرار منه.. وذلك من شأنه أن يبعث فيه كل القوى الواعية المدركة ليدفع عن نفسه هذا البلاء المشتمل عليه، وليطفىء بيديه هذه النار المشتعلة فيه.. وقد كررت الدعوة فى قوله تعالى: «أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» للتوكيد.. ثم كررت هذه الدعوة مؤكدة أيضا فى قوله تعالى: «ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» مبالغة فى التنبيه والتحذير.. ويرى أكثر المفسرين أن قوله تعالى: «أَوْلى لَكَ فَأَوْلى. ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» - هو تهديد ووعيد، وأن المراد بما هو أولى له، هو النار المعدّة له، وأن ذلك العذاب هو ما يدعى إليه.. هذا المكذب بآيات الله والرأى- والله أعلم- هو ما ذهبنا إليه، من أن هذا إلفات وتنبيه وإغراء بالرجوع إلى الله، وأخذ طريق غير طريق الضلال الذي يركبه هؤلاء الضالون.. والآيات التي جاءت عقب هذا الإلفات تؤيد الرأى الذي ذهبنا إليه، لأنها تحاجّ الإنسان وتفتح له طاقات من نور يمكن أن يرى على ضوئها طريق الحق فيسلكه.. قوله تعالى: «أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً» .. هو تعقيب على هذه الدعوة الموجّهة إلى منكرى البعث والحساب والجزاء..

стр. 6481

والإنسان هنا، هو جنس الإنسان المكذب بالبعث والحساب والجزاء. وفى الاستفهام إنكار لموقف هذا المنكر ليوم القيامة، لأنه يظن أن أن يترك سدى، أي هملا، بلا حساب، أو جزاء.. وهذا ظن خاطئ من وجوه: فأولا: أن العاقل لا يرضى لنفسه أن ينزل إلى مرتبة الحيوان، وأن ينظر إليه نظرة من يعفى من تبعة أعماله، فتلك حال لا يصير إليها الإنسان إلا إذا كان ناقص الأهلية، أو فاقدها.. وثانيا: الإنسان فى هذه الحياة، إذا أحسن عملا انتظر جزاء إحسانه، وتوقع الخير من ورائه، وأنه إذا لم يجد هذا الجزاء، استشعر مرارة الغبن وخفت فى نفسه موازين الإحسان، كما أنه إذا أسىء إليه، توقع أن يؤخذ له بحقه ممن أساء إليه، وإلا تحول إلى حيوان يستعمل مخالبه وأنيابه، مهاجما ومدافعا، فكان لا بدّ من حساب يسوّى عليه ما بين الناس من مظالم.. وثالثا: هذا الاختلاف بين مذاهب الناس فى الحياة، من محسنين ومسيئين، وعاملين، ومقصرين، وأخيار وأشرار، ومظلومين وظالمين- إلى غير ذلك مما يجعل كل إنسان منهم عالما قائما بذاته- هذا الاختلاف الحاد بينهم فى هذه الحياة، لا بد له أن يسوى، فيكون الأخيار فى جانب، والأشرار فى جانب، بعد أن كشفت تجربة اجتماعهم معا فى الحياة عن هذه المتناقضات.. وهذا لا يكون إلا فى عالم غير هذا العالم، وفى حياة غير هذه الحياة.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (٣٥- ٣٦: القلم) .. وعلى هذا، فإنه أولى فأولى، ثم أولى فأولى لأهل الضلال أن ينزعوا عن

стр. 6482

ضلالهم، وأن يطلبوا النجاة والسلامة لأنفسهم من الدينونة والعقاب فى الآخرة التي لا بد منها.. قوله تعالى: «أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى» .. هو دليل من الأدلة الكاشفة عن قدرة الله، وأن من متعلقات هذه القدرة بعث الموتى من القبور.. فهؤلاء الموتى، قد كانوا عدما قبل أن تخرجهم القدرة القادرة إلى الحياة، كما يقول سبحانه: «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (٢٨: البقرة) . وهذا الإنسان الذي ينكر البعث، ويستبعده على قدرة الله- ألا ينظر إلى أثر هذه القدرة فيه؟ ثم ألا يدرس مسيرة حياته، ليعلم من أين بدأ؟ وكيف صار؟ وإلى أين انتهى؟. إنه لم يك شيئا أبدا: «أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً» (٦٧: مريم) .. ثم إنه كان نطفة من منىّ.. لا تعدو أن تكون أشبه بالمخاط، تستقذره النفوس وتمتهنه، كما يقول سبحانه: «أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ» (٢٠: المرسلات) .. وهو مهين لأنه لا ينتفع به فى أي وجه من وجوه النفع، إلا إذا امتدت إليه يد القدرة، فنفخت فيه من روح الحق جل وعلا.. وفى وصف المنى بأنه «يُمْنى» - إشارة إلى أنه لا يكون قابلا للإخصاب

стр. 6483

حتى يمنى، أي يخرج من صلب الرجل، بعد أن ينضج، ويصبح صالحا للقذف به فى رحم الأنثى.. قوله تعالى: «ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى» .. أي ثم أصبحت هذه النطفة علقة، وهى النطفة بعد أن تأخذ شكلا جديدا فى مسيرتها نحو الحياة، فتكون قطعة من الدم الغليظ المتجمد، لا حياة، فيها، ولا صورة محددة لها.. وقوله تعالى: «فَخَلَقَ فَسَوَّى» .. فاعل خلق هو الله ، أي فخلق الله من تلك النطفة، علقة، ثم خلق من تلك العلقة صورا، وأشكالا، فسوّاها حالا بعد حال، وخلقا بعد خلق، حتى كان منها هذا الإنسان السوىّ، الذي يسمع، ويبصر، ويعقل، ويملأ هذه الدنيا خيرا، وشرّا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ» (٦: الزمر) .. ولم يذكر فاعل «خلق» لأنه أوضح من أن يذكر، إذ لا خالق غير الله ، لا يشاركه أحد فى هذا الفعل، فحيث ذكر الخلق كان فاعله هو الله سبحانه: «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» (٥٤: الأعراف) وقوله تعالى: «فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى» . أي فجعل الله سبحانه من هذا الخلق السوىّ، الذكر والأنثى، اللذين بهما يتناسل الإنسان وتتكاثر مواليده،..

стр. 6484

والخلق- كما قلنا فى أكثر من موضع- هو إيجاد المخلوق على الصورة التي أرادها الله له، أمّا الجعل، فهو إعطاء المخلوق الصفة الوظيفية التي يقوم بها.. فالخلق إبداع، والجعل تسخير وتسيير لهذا المخلوق المبدع.. وهذا يعنى أن خلق المرأة والرجل يجرى على نسق واحد، ويقع على صورة واحدة، حتى إذا اكتمل خلق الإنسان، انقسم إلى مخلوقين، أحدهما ذكر والآخر أنثى، كاليدين للإنسان، إحداهما يمين، والأخرى شمال.. وباليدين معا يؤدّى الإنسان وظيفته، وبالرجل والمرأة يتم للإنسان وجوده.. فكلّ من الرجل والمرأة نصف الإنسان، وبهما معا يكمل الإنسان، ويكون له القدرة على أداء وظيفته فى الحياة.. أما ما جاء فى قوله تعالى: «وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى» فإن هذا فى مقام إلفات النظر إلى عالم المخلوقات الحية، حيث تبدو هذه المخلوقات فى أجناسها، وكأن كل جنس منها صنف واحد، حيث لا تمايز بين أفراده، مع أنه فى الحقيقة صنفان، ذكور وإناث.. فهذا مقام، وذاك مقام. قوله تعالى: «أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟» .. هذه هى القضية التي نصبت لها تلك الأدلة، التي تحدّث عن قدرة الله ، والتي كانت السورة كلها معارض لتلك القدرة. أي: أليس ذلك الإله الذي خلق الإنسان من نطفة، بقادر على أن يحيى الموتى؟ والجواب على هذا السؤال، هو بالإيجاب الملزم لكلّ ذى عقل أن يجيب

стр. 6485

به، إذا هو استجاب للحق، وأذعن لمنطق العقل، ولم يغلبه الهوى، أو يستبدّ به العناد، ويركبه الحمق والغباء. وبهذه الآية تختم السورة، التي كان عنوانها «القيامة» .. فإنه لا قيامة إذا لم يتقرر إمكان بعث الموتى من القبور، فإذا تقرر ذلك، لم يكن الإخبار عن أن هناك بعثا، وقيامة، وحسابا، وجزاء- لم يكن هذا الإخبار بالأمر الذي يمارى فيه، أو يقع موقع الشك أو الإنكار..

стр. 6486

٧٦- سورة الإنسان نزولها: مدنية نزلت بعد سورة الرّحمن.. عدد آياتها: إحدى وثلاثون آية.. عدد كلماتها: مائتان وأربعون.. كلمة. عدد حروفها: ألف وخمسون.. حرفا.. مناسبتها لما قبلها كانت سورة «القيامة» معرضا للأدلة، الدالة على قدرة الله سبحانه، وعلى إمكان البعث، ووقوع القيامة.. و «الإنسان» هو موضوع «القيامة» وهو الذي يساق إلى موقف الحساب والجزاء فيها.. فكان جعله عنوانا لسورة خاصة به، ثم كان جعله فى مواجهة يوم القيامة، بعد عرضها عليه- كان ذلك مما يقيم له مرآة ينظر فيها إلى نفسه، وإلى مكانه فى هذا الوجود، وإلى مسيرته فى الحياة، وكيف بدأ، وإلى أين ينتهى.

стр. 6487

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الآيات: (١- ١٤) [سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١ الى ١٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤) التفسير: قوله تعالى: «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» .

стр. 6488

يرى أكثر المفسرين أن الاستفهام هنا لا يراد به حقيقته، وإنما هو بمعنى الخبر، وأن «هل» بمعنى «قد» .. أي قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا..! والرأى عندنا- والله أعلم- أن الاستفهام على حقيقته، وأنه يحمل سؤالا موجها إلى الإنسان ليجيب عليه، وليبحث عن حقيقته، وكيف كان؟ ثم كيف صار؟ ثم إلى أين ينتهى به خط مسيرته؟ فهذا السؤال من شأنه أن يستثير تفكير الإنسان، وأن ينشّط مداركه الخامدة، وأن يفتح عينيه المغمضتين، على هذا الوجود، وعلى القدرة المسيّرة له، والقائمة على هذا النظام الممسك به. ولو لبس الاستفهام صورة الخبر- كما يذهب إلى ذلك المفسّرون- لما، كان له هذا الأثر فى تفكير الإنسان، ولما أحدث فى نفسه تلك المشاعر التي يستثيرها هذا الاستفهام الطارق لها.. والحين من الدهر، هو القطعة المقتطعة من الزمن الطويل.. لأن الدهر زمن ممتد لا نهاية له، والقطعة منه أيّا كانت، هى زمن طويل قد يبلغ ألوف السنين. وهذا يعنى أن الإنسان يمكن أن يكون قد مضى عليه دهر طويل لم يكن فيه شيئا مذكورا، أي ذا ذكر، وأثر مشهود، فى الحياة.. ولو أراد الإنسان أن يجيب على هذا السؤال وهو: كم مضى عليه من الزمن لم يكن شيئا مذكورا؟ - لاقتضاه ذلك أن يرجع ببصره إلى الوراء، وأن يفتش فى أغوار الزمن السحيق عن يوم ميلاده الذي كان فيه شيئا مذكورا.. ثم كان عليه أن يغوص أكثر وأكثر فى أعماق الزمن ليرى وجوده قبل أن يكون شيئا مذكورا.. وفى هذه النظرة العميقة المتفحصة يتسع مجال البحث، وتتشعب مسالك

стр. 6489

الدرس، حتى لتشمل علم الحياة، وكيف بدأت جرثومة الحياة على هذه الأرض، وكيف تطورت هذه الحياة، وكيف لبست صورا، وأشكالا، لا تنتهى عند حدّ؟ إن ذلك يتطلب دراسة شاملة لأصل الحياة على هذه الأرض، ثم لتاريخ الإنسان، وخط مسيرته فى عالم الأحياء، وهذا باب واسع من أبواب العلم والمعرفة، لا تزال معارف الإنسانية كلها تقف على شاطئه. وقوله تعالى: «إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً» . هو إشارة إلى موقع من مواقع الإجابة على هذه التساؤلات الكثيرة، التي لا تتصدى للإجابة عليها إلا عقول العلماء الدارسين.. أما هذا الموقع فهو مما تشارك فى إمكان تصوره، والإجابة عليه عقول الناس جميعا، وهو خلق الإنسان من النطفة.. فهذا الخلق عملية مشاهدة، يراها كل إنسان فى مواليده التي يلدها، كما يشهدها فى مواليد الكائنات الحية التي تزخر بها الحياة من حوله.. فهذه دعوة إلى كل عقل، لينظر إلى تلك الحقيقة المشاهدة، فى واقع الحس، والتي لا يستطيع أن ينكرها، أو يكابر فيها.. «إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ» .. والنطفة، هى التي أشار إليها قوله تعالى فى آخر سورة القيامة: «أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى» .. والتي هى ماء الذكر، يقذف به فى رحم الأنثى. والأمشاج: هى الأخلاط.. واحدها: مشج، ومشج، ومشيج.. ومشج الشيء بالشيء: هو مزجه وخلطه به. وهذا يعنى أن تلك النطفة وإن بدت فى مرأى العين مجرد ماء، هى فى

стр. 6490

حقيقتها ماء مشوب بأشياء أخرى، أودعتها فيه قدرة الخالق جل وعلا، كما أودعت فى هذه البذرة، صورة الشجرة ولون زهرها، وطعم ثمرها.. كذلك هذه النطفة الأمشاج، قد حملت فى كيانها صورة الإنسان، ولونه، ومستوى إدراكه، ومستودع عواطفه، ومشاعره، وكل ما يكون به إنسانا له ذاتيته التي يتميز بها عن غيره من أبناء جنسه! وقوله تعالى: «نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً» أي فجعلنا هذا الإنسان سميعا بصيرا لنبتليه، ونختبر ماذا يعطى من ثمر بهذه القوى التي أودعناها فيه، من السمع والبصر.. وقدّم الابتلاء وهو المسبّب، على سببه الذي هو السمع والبصر المودعان فيه- للإشارة إلى أن الإنسان إنما خلق للابتلاء، وأنه لم يخلق عبثا.. فهو الكائن الوحيد فى هذه الأرض، الذي حمل الأمانة، أمانة التكليف، التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان.. فالفاء فى قوله تعالى: «فجعلناه» فاء السببية، أي فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه.. ووصف الإنسان بأنه سميع بصير، لا بأنه سامع ومبصر، إشارة إلى أن سمعه وبصره ليس كسمع الحيوان وبصره، وإنما هو سمع يحوّل المسموعات إلى حقائق ومعان، تنفذ إلى أعماق المسموع، وإلى ما وراء دلالات الصوت الذي يقع على الأذن من كل ما يطرقها من مسموعات، سواءا كان كلمات، أو غير كلمات.. وكذلك الشأن فى البصر، فهو ليس بصرا ينقل الأشياء إلى العين، كما تنقلها المصوّرة، وإنما هو بصر يدخل إلى دائرة العقل الذي يكشف عن الحقائق المضمرة فى كيان الشيء المبصر..

стр. 6491

وبهذا السمع، والبصر، صار الإنسان سميعا، بصيرا، أي ذا قدرة على استطلاع النتائج المرتقبة من كل مسموع ومبصر، وما وراءه.. من خير أو شر، أو حق وباطل.. وبهذه القوى الإضافية التي أضافها الخالق جلّ وعلا إلى الإنسان، وأخرجه بها عن دائرة الحيوان- كان مناطا للتكليف، وأهلا للحساب والجزاء.. قوله تعالى: «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً» .. أي بهذا السمع والبصر، وما يفعلان فى الإنسان، وما يكشفان له من حقائق- أراه الله ، السبيل الذي ينبغى أن يسلكه، وأقام له على هذه السبيل المعالم التي يقيم بها خطوه عليها، بما بعث إليه من رسل، وما شرع له من شرائع، وما بيّن له من أحكام.. وهنا يترك له الخيار فيما هو صانع بنفسه، فيتقدم أو يتأخر، ويستقيم أو ينحرف، ويشكر، أو يكفر، كما يقول سبحانه على لسان سليمان ﵇: «هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ.. وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ» (٤٠: النمل) وكما يقول سبحانه فى آخر هذه السورة: «لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» .. وقوله تعالى: «إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً» . هو بيان للجزاء الذي سيلقاه الذين يكفرون بالله، ولا يستقيمون على صراطه المستقيم.. ومعنى: أعتدنا، أي أعددنا، وأحضرنا، والسلاسل: القيود، تكون

стр. 6492

فى الأرجل والأيدى.. والأغلال: الأطواق، تكون فى الأعناق.. والسعير: النار المتسعرة بوقودها.. ولا بد هنا من الإشارة إلى الرسم العثماني لكلمة «سلاسلا» ورسمها بالألف، من غير تنوين. وكان من حقها أن تكتب من غير ألف.. والسؤال هنا: لم كتبت بهذا الرسم؟: أذلك لأن الكتابة العربية لم تكن يوم كتابة المصحف العثماني قد استوفت شكلها الكامل، وقامت أسسها على قواعد مضبوطة؟ أم أن ذلك كان عن قصد وعمد؟ والجواب على هذا- والله أعلم- هو أن القول بأن الكتابة العربية لم تكن قد استوفت شكلها النهائى يوم أن كتب المصحف العثماني- قول مستبعد.. وذلك لأن ألفاظا وردت فى القرآن الكريم على صيغة «فعائل» أو «مفاعل» ولم تكتب بالألف، مثل قوله تعالى: «كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً» (١١: الجن) وقوله سبحانه: «وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ» (٧٢: التوبة) وقوله تبارك اسمه: «قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ» (١٠٠: الإسراء) فلو كان ذلك عن نقص فى رسم الكتابة لأخذت أمثال هذه الصيغ الممنوعة من الصرف، شكلا واحدا فى كتابتها. وإذن فما الحكمة، فى رسم «سلاسلا» بهذه الصورة؟ والذي يقع فى مفهومنا لهذا- والله أعلم- هو أن هذه الألف الزائدة قد زيدت عن قصد، ولحكمة تراد لها، وهى أن هذه الألف تشير إلى معنى مضمر فى كلمة «سلاسلا» وأنها سلاسل طويلة جاوزت فى طولها الحد المعروف للسلاسل التي يقيد بها الحيوان، أو الإنسان..

стр. 6493

ولعلّ سائلا يسأل: أهذا يعدّ تفسيرا لبعض كلمات القرآن، يصحب الرسم التي ترسم به هذه الكلمات؟. ونقول- والله أعلم- نعم! إنّه إشارة إلى معنى من معانى الكلمة، ودلالة من دلالاتها، وهذا المعنى أو تلك الدلالة، ليس عن مجرد اجتهاد شخصىّ من كتّاب المصحف العثماني، وإنما هو عن نظر إلى معنى صريح جاء فى آية أخرى، يحدّث عن هذه السلاسل وطولها، وذلك فى قوله تعالى: «ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ» (٣٢: الحاقة) فهل رأى الناس سلسلة طولها سبعون ذراعا يشدّ إليها إنسان أو حيوان؟ فهذه السلاسل، هى من نوع هذه السلسلة الغريبة، ولهذا رسمت ذلك الرسم الغريب فى صورته شكلا، ونطقا.. إذ كانت الألف تحتمل مطّ الصوت بها وامتداده، وإطالته، كما طالت تلك السلاسل، طولا غريبا. وما قلناه فى لفظ «سلاسل» يقال فى لفظ «قَوارِيرَا قَوارِيرَا» ، فقد رسم هذا اللفظ فى الموضعين بألف زائدة فى آخره، دون تنوين.. وهذا الرسم يشير إلى غرابة هذه القوارير، وأنها ليست مما للناس عهد به.. فما رأى الناس أبدا قوارير من فضة، أي أكوابا زجاجية، هى فى حقيقة أمرها من فضة! فالأ كواب إما من فضة، وإمّا من زجاج.. أما أن تكون فضة وزجاجا معا، فذلك هو الذي لا يقع فى تصوّر أحد.. ولكن هذه أكواب الجنة التي يشرب بها عباد الله هناك شرابهم.. إنها أكواب من فضة، ولكنها فى صفاء الزجاج، وشفافيته، حيث يرى من ظاهرها لون ما فيها من شراب، وهذا لا يكون إلا لآنية الزجاج وحده.. قوله تعالى: «إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً» .

стр. 6494

الأبرار. جمع برّ، أو بارّ.. والبارّ: هو النقي الطاهر، الذي لم يغيّر من فطرته الطاهرة النقية شىء من كبير الذنوب أو صغيرها.. والكأس: إناء الشراب، ويطلق على الشراب نفسه.. كما يقول الشاعر: وكأس شربت على لذّة وأخرى تداويت منها بها ولا يقال له كأس إلا إذا كان فيه شراب، فإذا كان فارغا سمّى قدحا. والكافور: نبت طيّب الريح.. أي أن هؤلاء الأبرار يشربون من كأس ممزوجة بالكافور الذي يجعل لها ريحا طيبة، إلى جانب مذاقها الطيب. وإذ كان معنى الكأس هنا هو الشراب الذي فيها، كان معنى شرب الأبرار من تلك الكأس أنهم يشربون من هذا الشراب، أو من هذه الخمر، التي مزاجها كافور.. قوله تعالى: «عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً» . هو بيان لهذه الكأس، أو هذه الخمر، وهى أنها عين يشرب بها عباد الله.. ونصب «عينا» على أنه مفسّر لقوله تعالى: «مِنْ كَأْسٍ» على سبيل الاختصاص للمدح.. وعباد الله، هم الأبرار الذين ذكرهم الله سبحانه فى قوله: «إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً» .. وفى إضافتهم إلى الله سبحانه تعالى، تشريف، وتكريم، لهؤلاء الصفوة الكرام من الناس، فهم عباده، وهم أهل ودّه.

стр. 6495

وفى قوله تعالى: «يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً» أي أنها عين تتفجر دائما كلما أرادوا أن يشربوا من خمر هذه العين.. فما هى إلا همسة خاطر حتى تنبع العين، ويتفجر منها الخمر، على هيئة كئوس تتناولها الأيدى من قريب. وفى تعدية الفعل «يشرب» بحرف الجر «الباء» مع أنه يتعدى بنفسه أو بحرف الجر «من» فيقال شربت اللبن، أو شربت من اللبن- فى تعدية هذا الفعل بالباء، إشارة إلى أن العين التي يشرب منها عباد الله، هى خمر وكأس معا، وأنهم إذ يشربون بهذه العين التي هى خمر، يشربون الخمر ذاتها.. وهذا يعنى أن هذا الشراب الذي ينبع من تلك العين، لصفائه، ورقته، وشعشعة أضوائه- قد امتزج بالكأس، فصارا معا كيانا واحدا، لا يدرى الناظر إليهما، أينظر إلى كأس أم إلى خمر.. فكلاهما أصفى من الهواء، وأرق من الشعاع.. وإلى هذا المعنى يشير أبو نواس فى قوله: رقّ الزجاج ورقت الخمر ... وتشاكلا فتشابه الأمر فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر وهذا المعنى الذي ذهبنا إليه، إنما لمحناه من قوله تعالى: «إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً» حيث عدل النظم القرآنى عن تعدية الفعل «يشرب» إلى أداة الشرب بالباء، كما هو المألوف، إذ يقال شربت بالكأس وبالكوب، وعدى إلى تلك الأداة بمن.. ثم جاء قوله تعالى: «عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ» فعدل عن تعدية الفعل إلى مادة الشراب بحرف الجر من، إلى تعديته بحرف الجر الباء «عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ» .. وبهذا أحلّ النظم القرآنى مادة الشراب (العين) محلّ الكأس، على حين أقام الكأس مقام العين! .. وبهذا تبدو الصورة هكذا..

стр. 6496

- «إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ» ومقتضى النظم: «إن الأبرار يشربون بكأس» - «عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ» ومقتضى النظم كذلك: «عينا يشرب منها عباد الله» : وقد عدّ وصف أبى نواس للخمر والكأس أبلغ ما قالت العرب من وصف جامع للخمر وللكأس معا.. ولكن الذي ينظر فى الوصف القرآنى للخمر والكأس، لا يجد من وصف أبى نواس إلا طنين ذباب، بين يدى نغم علوىّ آسر، يملك زمام العقول، ويهزّ أوتار القلوب! وأين زبالة المصباح من ضياء الشمس، وروائها؟ وأين ضآلة المخلوق من عظمة الخالق وجلاله؟ أبو نواس آلة مصورة لروض جميل رائع، ولكن لا حياة فيه، ولا ريح زهره ولا مذاق لثمره.. والنظم القرآنى ينقل هذا المنظر فى كلمات تنبض بالحياة، وتندى بالطيب فتنشق الأنوف عبيره، وتطعم الأرواح مذاق جناه!! أبو نواس يستعين على إخراج الصورة بالأسلوب التقريرى المباشر، فيقول «رق الزجاج ورقت الخمر..» فهو يقرر الصفة التي عليها كلّ من الكأس والخمر، وهى الرقة.. ثم يبنى على هذه المقدمة حكما مسلّما به، وهو التشاكل والتشابه بين شيئين كل منهما على صفة الآخر.. وهذا عيب فى الأسلوب البلاغى، الذي يعتمد على التلميح دون التصريح، ويستغنى بالإماءة، عن المواجهة والمكاشفة!

стр. 6497

فإذا استمعت إلى قوله تعالى: «عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ» تمثلت لك العين كأسا يشرب بها، ثم نازعتك نفسك إلى البحث عن أداة الشرب، فلا تجد إلا العين شرابا وكأسا معا.. وإذا استمعت إلى قوله تعالى: «يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً» تمثلت لك الكأس عينا يشرب منها، فإذا شاقك أن ترى العين وجدتها هى الكأس والشراب معا، قد أصبحا كيانا واحدا.. هذا، ولم يجمع النظم القرآنى بين الوصفين- وصف الخمر، ووصف الكأس- حتى يقيم منهما الصورة التي تحقق صفتهما معا- لم يفعل النظم القرآنى هذا الصنيع، لأن كل صورة منهما تحقق الوصف المطلوب للكأس والخمر أتم تحقيق.. فإذا نظر الناظر فى الصورتين معا وجد أنهما وجهان لحقيقة واحدة! كأس وخمر، وخمر وكأس.. وقد جاء النظم القرآنى بهذا الإعجاز من أقرب طريق، وأيسره، فبكلمة واحدة، لا بل بحرف واحد، أقام هذا الإعجاز، وكشف عن وجه هذه المعجزة.. فما زاد النظم القرآنى عن أقام حرف «الباء» مكان الحرف «من» فى إحدى المعجزتين، على حين أقام الحرف «من» مقام حرف «الباء» فى المعجزة الأخرى! فهذا كلام الله، تتجلى معجزاته فى غير بهرج من اللفظ، ولا خلابة أو تهويل من النظم.. حتى ليبدو- فى ظاهره- وكأنه مما يتكلم به الناس، من منثور ومنظوم.. تماما كما كانت تبدو عصا موسى فى يده، عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه.. لكن ما إن ألقاها من يده حتى سرت فى كياتها نفخة من روح الحق، وإذا هى حية تسعى؟ .. وهكذا كلمات الله، تبدو

стр. 6498

فى ظاهرها، وكأنها من مادة ما نتكلم به، من حروف وكلمات، ولكنها آيات معجزة، تتحدّى، وتفحم، وتعجز. قوله تعالى: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً» النذر: ما ألزم الإنسان به نفسه من طاعات وقربات، ومنه قوله تعالى، على لسان مريم ﵍: «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» (٢٦: مريم) والوفاء بالنذر: هو إمضاء لعقد عقده الإنسان مع ربه، بما يتقرب به إليه، فهو عقد ملزم، لا ينبغى الفكاك منه، والله يقول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (١: المائدة) وهذا النذر، هو من صفات الأبرار، حيث لا يقفون عند أداء ما فرض الله عليهم من فرائض، وما أوجب عليهم من واجبات، ولا ما سن لهم الرسول الكريم من سنن، بل يتجاوزن ذلك إلى طلب المزيد من القربات لله، فى كل ما يرون لله سبحانه فيه رضا، ولو شقّ ذلك عليهم، وحرمهم لذة النوم، والشبع، والرىّ.. ولم تعطف هذه الآية على ما قبلها، لأنها جواب عن سؤال، هو تعقيب على ما ذكر فى الآيات السابقة، مما وعد الله به الأبرار، من عظيم المثوبة، وكريم الجزاء- فكان مما يسأل عنه فى هذا المقام هو: وبم استحق هؤلاء المكرمون هذا التكريم؟ وماذا كان شأنهم فى الحياة الدنيا؟ فكان الجواب: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً» .. (٧: الإنسان)

стр. 6499

وجىء بالجواب فى صورة المستقبل «يوفون» ، مع أن السؤال عن حال من وقع منهم الوفاء كان فعلا فى الماضي قد وقع منهم، واستحقوا الجزاء الحسن عليه- وذلك للإشارة إلى أن هذا الفعل ليس مقصورا على جماعة بأعيانهم، فى زمن معين، بل هو فعل ممتد الزمن على مدى الحياة الإنسانية فى هذه الدنيا، فهو فعل متجدد الأزمان، والأعيان.. وكأنّ الجواب هو هكذا: هذا الجزاء لمن يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا.. وقوله تعالى: «وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً» - صفة أخرى من صفات هؤلاء الأبرار، وهى أنهم يخافون لقاء الله يوم القيامة، وما يغشى الناس فى هذا اليوم من أهوال وشدائد، فهو يوم شره عظيم مستطير.. فمن لم يعمل حسابه، ويتزود له بالأعمال الصالحة، احتواه هذا الشر، واشتمل عليه.. إنه امتحان قاس لا يجوز بحره المتلاطم إلّا من أعد نفسه له.. قوله تعالى: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً» . أي ومن صفات هؤلاء الأبرار أنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. فالطعام الذي عليه قوام الحياة وملاكها، لا يؤثرون أنفسهم به، بل يجعلون لمن يعوزهم هذا الطعام نصيبا منه، ولو كانوا هم أنفسهم فى أشد الحاجة إليه. وفى قوله تعالى: «على حبه» - إشارة إلى أن هذا الطعام ليس شيئا رخيصا مبتذلا، كشأنه فى أحوال الرخاء، ووفرة حاجات النفوس منه، وإنما هو الطعام فى أحوال القحط، والجدب، وفى أزمان المجاعات التي تكون فيها لقمة الطعام أعز ما يملك الناس، وأثمن ما يحرصون عليه من مال ومتاع، حتى إن المرء ليسترخص كل عزيز يملكه، فى سبيل شىء منه.. وهذا ما يشير إليه

стр. 6500

قوله تعالى: «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» (٩٢: آل عمران) ولهذا استحق هؤلاء المطعمون لهذا الطعام أن يكونوا فى الأبرار، لأنهم أنفقوا مما يحبون، ومما تشتد رغبة النفس إليه، وحرصها عليه.. والمسكين، واليتيم، والأسير، هم أضعف أعضاء الجسد الاجتماعى، وهم الذين يتلقون أول الضربات وأقساها وأفعلها، فى أزمان المحل، والجدب، فيكونون أول حطب تشتعل فيه نار المجاعات. فالمسكين قد أضرعه الفقر، وأذلّه الحرمان، حتى فى أوقات الرخاء واليسر، وهو فى حال القحط والمجاعة أشد ضراعة، وأكثر ذلة وضعفا وحرمانا.. واليتيم- والمراد به اليتيم الفقير- قد اجتمع عليه اليتم والفقر معا، فذهب اليتم بالجناح الذي كان يظله، وقصّ الجناح الذي كان يطير به، على حين ذهب الفقر بكل حبة كانت فى عشه. والأسير، سجين فى قيد الأسر.. إن كان ذا غنى فهو لا سبيل له إلى ما يملك، وإن كان قويّا ذا حول وحيلة، فقد عطّل الأسر كل قواه، وسلبه كل ماله من حول وحيلة. ومثل الأسير كل من انقطعت وسائله المتاحة له، وحيل بينه وبين مصادر رزقه، وعمله، كالمرضى والمساجين، وأبناء السبيل، وذوى العاهات، ونحوهم. قوله تعالى: «إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً» . هو حكاية لقول الأبرار، الذين يطعمون- فى ساعة العسرة- المسكين واليتيم والأسير، فهم إنما يطعمون من يطعمون ابتغاء وجه الله، لا يريدون على ما أطعموا جزاء، ولا شكورا ممن أطعموهم.. ولو أنهم فعلوا ذلك لما كان لهم

стр. 6501

فضل، ولما استحقوا عند الله أجرا، لأنهم استوفوا جزاء ما عملوا، ممن صنعوا بهم هذا الصنيع.. وهذا القول من الأبرار ليس بلسان المقال، يواجهون به من أطعموهم، فإنهم لو فعلوا، لكان ذلك من باب المنّ والأذى، الذي يحبط الأعمال، ويمحق الإحسان- وإنما هو بلسان الحال، ومما انطوت عليه ضمائرهم، وانعقدت عليه نيّاتهم.. قال مجاهد، وسعيد بن جبير، رضى الله عنهما: «والله ما قالوا ذلك بألسنتهم، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى به عليهم، ليرغب فى ذلك راغب» .. وروى عن عائشة رضى الله عنها، أنها كانت إذا بعثت بالصدقة إلى أهل بيت من الفقراء، سألت من بعثته: ماذا قالوا لك؟ فإن ذكر أنهم دعوا لها، أخذت هى بالدعاء لهم، ليبقى لها عملها خالصا لوجه الله. قوله تعالى: «إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً» . وهذا أيضا مما يقوله الأبرار المتصدقون، بلسان الحال، لا بلسان المقال.. إنهم إنما فعلوا ما فعلوا ابتغاء وجه ربهم، وخوفا من لقائه يوم القيامة، حيث مزدحم الأهوال، وحيث يكثر العويل، والبكاء، وصرير الأسنان!! ووصف اليوم بأنه هو العبوس القمطرير، لأنه يطلع على الناس أغبر متجهما، يرمى بالنذر والمهلكات.. وإنه على صفحة الأيام والليالى تنطبع أحوال الناس، فالحزين يرى الحزن مخيّما على وجه أيامه ولياليه، والمتوجّع الشاكي، لا يسمع من أصداء الزمن إلا توجعا وأنينا، على حين يجد الخلّى المغتبط، الأيام

стр. 6502

والليالى، تغازله بالبسمات، والضحكات.. وهكذا تتلون ساعات الزمن بألوان النفوس، وتصطبغ بما فيها من مساءات أو مسرات.. يسمع المحزون هديل الحمام، وسجع البلابل، فيقع ذلك على أذنه وقع العويل والنواح، ويسمع السعيد الهانئ تلك الأصوات، فتوقّع على سمعه أعذب الألحان، وأحلى الأنغام.. وإلى هذا المعنى يشير الشاعر إلى وقع هديل الحمام من النفوس، فيقول: شجا قلب الخلىّ فقيل غنّى ... وبرّح بالشجيّ فقيل ناحا والقمطرير: وصف للعبوس بأنه عبوس بالغ الغرابة فى شدته، متناه فى صفته.. ولفظ القمطرير، يحكى بجرسه ما يشبه هدير الرعد، وقصف العواصف. فبناؤه اللفظىّ يجسّم أصدق صورة لمعناه.. قوله تعالى: «فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً» . أي أن هؤلاء الأبرار، الذين خافوا هذا اليوم، وأعدوا العدة له، قد وقاهم الله شره، ودفع عنهم مكارهه، وألقى عليهم نضرة النعيم، وبهجة الرضوان، ففاضت نفوسهم مسرة وحبورا. قوله تعالى: «وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً» . أي وجعل الله سبحانه جزاءهم عنده أن أدخلهم الجنة، وكساهم فيها خير ما يكسى به أهل النعيم في الدنيا، وهو الحرير، ولكنه حرير الجنة الذي لا يعلم صفته إلا الله تعالى. وقوله تعالى: «بما صبروا» - إشارة إلى أن جزاءهم هذا الجزاء الطيب

стр. 6503

إنما كان بصبرهم فى الدنيا على أعباء التكاليف، وأداء الواجبات.. فالطاعات والأعمال الصالحة كلها لا تؤدّى إلا بمجاهدة النفس، ومغالبة الهوى. وفى الحديث: «حفّت الجنة بالمكاره، وحفّت النار بالشهوات» قوله تعالى: «مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» هى حال من أحوال الأبرار، وقد أخذوا منازلهم من الجنة، ولبسوا فيها فاخر الحلل.. فإذا نظر إليهم ناظر هناك، رآهم متكئين على الأرائك، قد أخلوا أنفسهم من هموم الدنيا، وتوقعات المساءات منها، من مرض، أو فقر، أو شيخوخة، أو موت.. والأرائك: جمع أريكة، وهى السرير، مرخى عليه السّتر الرقيقة، رفها وتنعّما.. وفى الاتكاء على السرر، مع أن الاتكاء إنما يكون على الوسائد، على حين أن النوم يكون على السرر- فى هذا إشارة إلى أن هذه السّرر هى متكأ لأهل الجنة، وأنها بمنزلة الوسائد فى الدنيا، وأن أهل الدنيا إذا اتخذوا السرر، وجملوها بما جملوها به، ليكون منامهم عليها، فإن أهل الجنة يتخذون هذه السرر للاتكاء، والاسترخاء عليها، لأن أهل الجنة لا ينامون.. وقوله تعالى: «لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» أي أنهم لا يرون فى هذه الجنة شمسا، أي حرّا، لأن الشمس هى مصدر الحرارة، كما أنهم لا يرون زمهريرا، أي لا يحسون بردا، ولو لم تكن هناك شمس.. بل إن الجنة نور من نور الحق جلّ وعلا، وجوها سجسچ، لا حرّ فيه ولا برد.. جوّها سجسج وفيها نسيم ... كل غصن إلى لقاه يميل

стр. 6504

وأين جو من جو؟ وأين نسيم من نسيم؟ وأين ما فى دار الفناء مما فى دار البقاء؟ قوله تعالى: «وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا» . ودانية: معطوف على قوله تعالى: «متكئين» .. وظلالها فاعل لاسم الفاعل: «ودانية» .. أي أن هذه الجنة قد أرسلت ظلال أشجارها على هؤلاء الأبرار.. أما قطوفها أي ثمارها، فقد ذللت لهم، أي انقادت، وخضعت لمشيئتهم، فحيث أرادوها وجدوها حاضرة بين أيديهم، يأخذون منها ما يشاءون، ومنه قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» الآيات: (١٥- ٢٢) [سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١٥ الى ٢٢] وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢) .

стр. 6505

التفسير: قوله تعالى: «وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ ... » . أي ومن نعيم الأبرار فى الجنة، أنه يطاف عليهم فيها بأوان من فضة، قد ملئت بألوان النعيم، من مأكول ومشروب، كما يطاف عليهم بأكواب لم ترها عين فى الحياة الدنيا، فهى أكواب من فضة، ولكنها فى شفافية الزجاج، حتى ليحسبها الرائي قوارير، أي زجاجا.. والواقع أنها من الفضة، والفضة مهما رقّت لا تشفّ أبدا، فلو استطاع صانع أن يصنع من درهم فضة إبريقا، أو دلوا، لما شف هذا الإناء عما فى داخله كما يشفّ الإناء من الزجاج.. وقوله تعالى: «قَدَّرُوها تَقْدِيراً» .. الضمير فى قدروها يعود إلى السقاة الذين يطوفون بتلك الآنية، وهذه الأكواب.. وأنهم جعلوها بمقادير وأحجام مقدرة بحسب طلب كل طالب.. كما يصح أن يعود هذا الضمير على الشاربين، وأنهم إذا رغبوا فى الشراب انتصبت فى الحال بين أيديهم تلك الأكواب، فكانت على قدر ما رغبوا. ومما يساق إلى الأبرار من نعيم، أنهم يسقون فى هذه الأكواب- التي أصبحت بالشراب كأسا- يسقون كأسا قد امتزج فيها طعم الزنجبيل بمذاق الخمر.. والزنجبيل: عروق نبات تمتد فى الأرض، نقيعه حرّيف الطعم، يكون أشبه بالتفكهة لشارب الخمر.. فالضمير في «فيها» من قوله تعالى: «يُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً» يعود إلى تلك الأكواب التي هى قوارير من فضة.. فالأكواب، وصف لكئوس الشراب وهى فارغة، والكأس مسمّاها وهى ملأى بالشراب..

стр. 6506

وقوله تعالى: «عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا» أي ويسقون عينا فى هذه الكأس تسمّى سلسبيلا.. فقوله تعالى: «عَيْناً فِيها» عطف بيان لقوله تعالى: «كَأْساً» .. فالعين هى الكأس، والكأس هى الأكواب.. يرون هذا المشهد يمرّ بهم فى لحظة خاطفة.. فأداة الشرب، وهى الكوب، تبدو أولا، ثم- وفى لحظة لازمنية- ترى كأسا ملأى بالشراب.. ثم- وفى لحظة لازمنية أيضا- ترى هذه الكأس عينا تفجر تفجيرا، لا ينفد شرابها، مادامت الكأس على فم الشارب، فإذا أخذ حاجته منها غاضت هذه العين، وغاب وجه الساقي القائم على خدمتها، ليفسح المكان لألوان أخرى من النعيم.. لا تنتهى أبدا.. والسلسبيل: الدائم الجريان، السائغ الطعم، فيجرى فى الحلق جريان الماء فى منحدر الوادي. وبه سميت العين، من تسمية الموصوف بصفته.. وقد جمعت الأكواب، حتى إذا امتلأت بالشراب، أفردت، فكان لكل شارب كأسه الذي يشرب منه، والعين التي تفيض من هذه الكأس.. وهذا من إعجاز القرآن الكريم فى جلال التصوير، وروعة الأداء، وصدق العرض.. ولا تظنن أنا ذهبنا مذهب الشطط، أو الشطح فى تأويل هذه الآيات.. فما ذلك إلا شعاعة من سناها العلوي، الذي يملأ الوجود كله.. وإن هذا الترف الذي يبدو من الصورة التي عرضناها لمجلس الشراب، هو صورة باهتة هزيلة للحقيقة الواقعة التي يعيش فيها أهل هذا المجلس، فى الجنة.. قوله تعالى: «وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً»

стр. 6507

أي أن الذين يطوفون بهذا الشراب، ويقومون على خدمة الشاربين، هم ولدان، أي غلمان فى أول بواكير الشباب، إذا رآهم راء حسبهم لؤلؤا منثورا.. صفاء، ورونقا، ونضارة، وإشراقا.. وفى مجىء نظم الآية فى صورة خطاب- بعث لأشواق المخاطب، ودعوة له إلى مشاهدة هذه الأحوال، ثم العمل على أخذ مكانه مع هؤلاء الذين ينظر إليهم. والمخلدون: الذين لا يتحولون عن حالهم تلك أبدا، ولا يتأثرون بمرور الدهور والأزمان.. وهو من الخلد: أي الثبات، وعدم التحول، والانتقال من مكان إلى مكان.. يقال، أخلد فلان فى مكانه، أي لزمه، وأخلد إلى الراحة أي أقام فى ظلها.. ومنه جنّة الخلد، أي الخلود والدوام فيها. واللؤلؤ المنثور، هو اللؤلؤ المتناثر الحبات، الذي لم ينتظمه عقد.. واللؤلؤ المنثور أبهى منظرا، وأبهر موقعا فى العين، منه لو كان منضّما بعضه إلى بعض.. كالمنثور من الزهر فى الروض، تتنقل العين فى محاسنه من زهرة إلى زهرة، على حلاف ما لو ضمّ بعضه إلى بعض لأخذته العين كله بنظرة واحدة!! قوله تعالى: «وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً» ثم: أي هناك، فى الجنة، وما يلقاه أهلها فيها من نعيم.. إنك لو كنت هناك- جعلنا الله وإياك من أهلها- لرأيت نعيما لا حدود له، وملكا كبيرا قائما بين يدى أصحاب النعيم. والمراد بالملك الكبير هنا، السلطان العظيم الذي هو مظهر من مظاهر الملك، وسمة من سماته.. وأي سلطان أعظم من سلطان أهل الجنة، حيث تمضى إرادتهم فى كل

стр. 6508

شىء، وتنفذ مشيئنهم فى كل شىء؟ إن خطرات النفوس، وهمسات الخواطر- أيّا كانت هذه الخطرات، وأيّا كانت هذه الهمسات- تتمثل لهم واقعا حاضرا بين أيديهم، قبل أن يكتمل ميلاد الخطرة، أو تتشكل صورة الهمسة!! فمن فى هذه الدنيا بلغ من نفوذ سلطانه معشار هذا السلطان؟ وتاء الخطاب فى قوله تعالى: «إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ» وفى قوله سبحانه: «وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ» - هو لكل مستمع لهذه الآيات، أو تال لها، وفى هذا ما يبعث أشواقه إلى الجنة، ويشدّ عزمه على العمل لها، ليكون من أهلها، المنعمين بنعيمها، لا أن يكون من المشاهدين لهذا النعيم من بعيد، كما يشهد أصحاب النار أصحاب الجنة!! وهذا عندنا- والله أعلم- أولى من القول بأن هذا الخطاب للنبى صلوات الله وسلامه عليه.. فالنبى- صلوات الله وسلامه عليه- مخاطب بالقرآن كله، ثم إنه- صلوات الله وسلامه عليه- قد رأى الجنة ونعيمها، كما رأى أكثر من الجنة ونعيمها، فى مسراه- صلوات الله وسلامه عليه- وفى عروجه إلى الملأ الأعلى: «لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» (١٨: النجم) قوله تعالى: «عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً» أي أن هؤلاء الأبرار، يطعمون أطيب المطاعم، ويشربون ألذ وأمرأ المشارب، وهم فى حال اتكاء واسترواح، وبين أيديهم اللؤلؤ المنثور من الغلمان يقومون على خدمتهم، وإذ يفيض عليهم من هذا النعيم، ما تشرق به وجوههم

стр. 6509

من رضا ورضوان- تراهم وقد ألبسوا أفخر الثياب، وحلّوا بأثمن الحلي، وأكرمها.. فهذا مما يتم به النعيم، وتكمل به المسرات.. والسندس، ضرب من نسيج الحرير الرقيق، والإستبرق نسيج أغلظ من نسيج السندس.. أي أن السندس يكون شعارا، والإستبرق يكون دثارا.. و «عاليهم» ظرف، بمعنى فوقهم، أي تعلوهم ثياب سندس خضر.. وفى التعبير بلفظ «عاليهم» بدلا من عليهم- هو- والله أعلم- إشارة إلى أن هذه الملابس لا تلتصق بأجسامهم كما تلتصق ثيابنا على أجسادنا فى هذه الدنيا، وإنما هى ألوان من النور، أشبه بألوان الطيف، تنعكس على هذه الأجسام النورانية.. وهذا يعنى أن الحياة فى الجنة حياة روحية، لا يخالطها شىء من عالم المادة إلا كان فى شفافية الروح وصفائها.. وقوله تعالى: «وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً» - هو إشارة إلى عظم ما يساق إلى هؤلاء الأبرار من نعيم، حيث يتناولون هذا الشراب الطهور من ربهم، بعد أن يكونوا قد تذوقوا ألوان النعيم الأخرى.. فكان هذا الشراب من يد البر الرّحيم، هو النشوة الكبرى، التي لا يحيط بها وصف، ولا يعرف كنهها إلا من أكرمه الله بها.. فما أضل الذين ولّوا وجوههم إلى غير ربهم، وما أخسر صفقة الذين اشتروا الدنيا كلها، بقطرة من قطرات هذا الرضوان!! قوله تعالى: «إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً» هو من تحية الله لعباده الأبرار المكرمين، وهو يسقيهم

стр. 6510

من هذا الشراب الطّهور.. فهم إذ يتناولون هذا الشراب من ربهم، يتناولونه محمّلا بهذه التحية المباركة من المنعم المتفضل عليهم إذ يقال لهم هذا جزاء ما عملتم، وهو ثمرة ما سعيتم، إن سعيكم كان مشكورا لكم من ربكم، وهذه التحية من ربكم هى تحية شكر وحمد لسعيكم. [الجنة ونعيمها.. بين الروحي والجسدى] ونريد هنا أن نقف وقفة قصيرة مع تلك الأوصاف التي ذكرها القرآن الكريم لنعيم الجنة، والتي تبدو كأنها صورة من النعيم الدنيوي، بما فيه من ألوان المآكل، والمشارب، والدور، والقصور، والملابس، والحلّى، والأوانى والأمتعة، والجواري والغلمان، والعيون والأنهار، والأشجار والثمار، إلى غير ذلك مما اعتاد الناس فى الدنيا أن يروه، أو يعيشوا فيه.. وهذا مما دعا بعض الأدعياء أو الأغبياء إلى أن القول بأن هذه الجنة مما يحلم به المحرومون، ومما يغذّى به الدين هذه الأحلام الجائعة! ولنسلم- جدلا- من أول الأمر بأن نعيم الجنة هو من هذا النعيم الذي يعرفه الناس فى الدنيا، ويجدّون فى طلبه، ويشقون فى تحصيله، ثم يفوتهم كله، أو الكثير منه- فأى قصور يلحق هذا النعيم، وأي مطلب يعوز الذين ينزلون منازل هذه الجنة فيجدون كل ما كانت تشتهى أنفسهم فى الدنيا حاضرا بين أيديهم، لا يتكلفون له جهدا، ولا يريقون من أجله دما أو عرقا؟ أهذا نعيم تزهد فيه النفوس؟ وأ هذا مقام يبغى إنسان التحول عنه؟ ولم إذن استبدت الرغبة فى هذا النعيم بنفوس الناس فى الدنيا؟ ولم أفنوا أعمارهم فى طلبه؟ ولم أراقوا دماءهم في سبيله؟ فلتكن الجنة عالما ماديّا، ولتكن كلها سوقا حشدت فيه كل ما فى هذه الدنيا من متع ولذاذات ومسرات ومباهج؟ أليس هذا العالم هو حلم

стр. 6511

الإنسانية الذي لم ولن يتحقق لها على هذه الأرض؟ فماذا لو وجدت عالما آخر يتحقق لها فيه هذا الحلم البعيد المنال؟ وأي إنسان يزهد فى هذا النعيم إذا أتيح له، ووجد السبيل إليه؟ ولا تمدن عينيك هنا إلى أولئك الذين يقال إنهم زهدوا فى نعيم الحياة المادية من الفلاسفة والحكماء، والمتصوفة، وغيرهم ممن عفّوا، أو عافوا متعة الجسد، وراحوا يعيشون على قوت أرواحهم، وعرائس أفكارهم.. فهؤلاء جميعا- إن صدقت أحوالهم- إنما أقاموا لأنفسهم عالما من الوهم، والخيال، تتراقص فيه طيوف رؤاهم وأحلامهم، بكل ما قصرت عنه أيديهم من متع مادية استبدّ بها غيرهم.. ومن زهد منهم فى تلك المتع، وقد أتيحت له- فإنما لأنه استقصر حياته معها، أو توقع فرارها من يده! ولو كان هذا النعيم دائما، وكان لمن يعيش فيه ضمان بالخلود معه، لكان الحكماء، والفلاسفة، والمتصوفة أكثر الناس طلبا، وازدحاما على مورده.. ومع هذا، فإن ما جاء فى القرآن الكريم من أوصاف الجنة ونعيمها، ليس هو كل ما فيها من نعيم، وإنما ذلك هو معرض من معارضها، وإشارة دالة على ما وراء هذا النعيم مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن ولا خطر على قلب بشر.. إنه هو الجزء القليل الذي يمكن أن يقع فى مفهوم الناس، وهم فى هذا العالم الدنيوي، حتى يكون للجنة التي يوعدون بها تصور، وحتى يكون لدعوتهم إليها استجابة.. ولو جاءتهم الجنة غير مألوفة لهم، لما وقعت من أنفسهم موقعا، ولما وجدت لها فى مشاعرهم ووجداناتهم مكانا.. ولا يقال- كما قيل فعلا- إن هذا النعيم الأخروى، هو نعيم جسدى، يشبع أحلام الجوعى والمحرومين، ويرضى مطالب البيئات الفقيرة

стр. 6512

المجدبة.. وهذا بدوره يعنى أن الدّين الذي يعد أهله بمثل تلك الجنة فى الآخرة، إنما هو دين على مستوى هذه الحياة البدائية فى الصحراء، التي لا تبعد الحياة فيها كثيرا عن حياة الغابة، وأن الدين ليس إلا أكذوبة خادعة تستهوى الجوعى والمحرومين بهذه الموائد الممدودة لهم فى عالم الرؤى والأحلام. فهذا القول، إن كان من جاهل، فهو جهل يفصح أهله ويخزيهم، وإن كان من عالم فهو زور وبهتان، يتخرص به المتخرصون فى غير خجل أو حياء، ممن يكيدون للإسلام، من مستشرقى أوربا وأمريكا: «يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (٨: الصف) . إن نعيم الجنة المادي، وما جاء فى القرآن مما أعد الله منه لأهلها، من حور عين، وولدان مخلدين، ولحم طير مما يشتهون، وفاكهة مما يتخيرون، ومن أنهار من ماء ولبن، وخمر، وعسل- إن هذا- كما قلنا- هو من مطلوب الحياة الإنسانية، وبه قوام حياة الإنسان، وسعادته، مادام الإنسان إنسانا بشرا، لم يتحول إلى عالم الملائكة، ولم يصبح روحا هائما لا ذاتية له.. وإن الإنسان، هو الإنسان، فى الدنيا، أو الآخرة.. هذا ما يجب القطع به.. إذ لا بد أن يجد الإنسان ذاته ووجوده الإنسانى كله فى الآخرة، وإلا لكان مخلوقا غريبا، ليس بينه وبين الإنسان الذي عاش فى هذه الدنيا من صلة، ثم لكان حسابه وجزاؤه فى الآخرة ليس حسابا، ولا جزاء لهذا الإنسان الذي كان فى الدنيا.. وإنه لكى يظل الإنسان إنسانا، وليلقى حسابه وجزاءه، الحسن أو السيّء، ويحد طعمه الحلو أو المر- ينبغى أن يكون على طبيعته، فى جميع أحواله،

стр. 6513

وكل حيواته.. الدنيوية، والأخروية.. إنه ينبغى أن تظل هذه «الذاتية» مع الإنسان، وأن تصحبه تلك الشخصية المشخصة له فى عالم الدنيا والآخرة جميعا.. أما أن تتفكك هذه الشخصية، أو تنحلّ، أو تخرج عن طبيعتها جملة، فإنها لن تكون ذلك الإنسان، الذي عرف فى وقت ما، أوفى حال ما، أنه فلان؟ ابن فلان! .. نعم، قد تعلو ذاتية الإنسان وتصفو مشاعره وعواطفه، وقد تنزل، وتسفّ، وتكدر.. ولكن ذلك لا يخرج بالإنسان- فى أي حال من الأحوال- عن دائرة الإنسانية- ولا يلحقه بعالم الملائكة أو الشياطين.. إن الإنسان ليتنقل فى أطوار شتى.. من الولادة إلى الطفولة، والصبا والشباب، والشيخوخة.. وهو فى كل طور من أطوار حياته، هو تلك «الذات» أو «الشخصية» التي لا يجد فيها صاحبها أن طفولته أو صباه أو شبابه أو شيخوخته- أوصال مقطعة من «ذاته» .. بل إنه هو هو، فى كل طور من هذه الأطوار، وإن تغيرت بعض ملامحه، وزادت معارفه، واتسعت آفاقه.. وشتان ما بين الطفولة والشباب، وشتان بين «سقراط» الطفل وسقراط الفيلسوف.. ولكنه هوهو سقراط، طفلا، وصبيا، وشابا، وشيخا!!. ثم مالنا ندفع مطاعن الأوربيين عن شريعة الإسلام، وما جاء فى تلك الشريعة من أوصاف حسية لنعيم الجنة- ما لنا ندفع هذا، والحال أنهم هم مطالبون أن يدفعوا هذه المطاعن ذاتها عن المسيحية، إن كانوا يؤمنون بها،

стр. 6514

أو يدفعوا بها إليها إن كانوا غير مؤمنين بها.. فإن المسيحية- على الرغم من أنها تلبس لباس الروحانية- حين تحدثت عن النعيم الذي يلقاه أهل الجنة- نجدها تعرض صورا حسية من هذا النعيم، مثل تلك الصور التي جاء بها القرآن، سواء بسواء!. فقد ذكر المسيح- ﵇ لتلاميذه، أنهم سيشربون معه من ابنة العنب فى ملكوت السموات: يقول لهم: «إنى لست شاربا من ابنة هذه الكرمة حتى أشربها معكم فى ملكوت السموات «١» » . فأخبر بأن فى الملكوت شرابا، وشرابا من خمر، وحيث يكون شراب، لا يستنكر المأكل.. فيقول السيد المسيح: «ستأكلون وتشربون على مائدة أبى «٢» » . ثم هناك إلى جانب الأكل والشرب، غرف لأهل الجنة.. يقول السيد المسيح: «ما أكثر الغرف والمساكن عند أبى «٣» » . فالقرآن إذن لم يكن بدعا بين الكتب السماوية، فيما جاء فيه عن النعيم الحسىّ فى الجنة.. فلم تتهم شريعة الإسلام وحدها بأنها شريعة الجسد، وبأنها الشريعة التي تغرى أتباعها بهذه الألوان التي يسيل لها لعابهم، وتستيقظ لها حيوانيتهم؟. إنها تهمة ظالمة باطلة..!

стр. 6515

أما أنها ظالمة، فلأنها تتجه إلى الإسلام وحده، دون الشرائع والديانات التي تقول بما يقول به الإسلام فى وصف هذا النعيم.. وأما أنها باطلة، فلأنها تقوم على فهم خاطئ للإنسان، وللوحدة الذاتية، التي ينبغى أن يحتفظ له بها فى الحياة الآخرة.. تلك الوحدة التي تجمع الروح والجسد معا.. فلا يكون الإنسان إنسانا إلا يجسد وروح، ولا يعرف الإنسان السعادة أو الشقاء إلا إذا كان لكلّ من الجسد والروح نصيب مما يسعد به الناس أو يشقون!. إن أهل الجنة يحملون معهم نفوسا بشريّة، لها رغباتها، ومنازعها، ومن شأن نعيم الجنة، الذي يحقق النعيم الكامل- من شأنه أن يشبع- فى غير ملل- هذه الرغبات وتلك النوازع، وإلا كان نعيما غير كامل.. والله يقول: «وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ، وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ» (٣١: فصلت) . وعلى هذا فإن لنا أن نقول إن نعيم أهل الجنة- هذا النعيم الحسى، الذي جاء فى القرآن، من مطاعم، ومشارب، وملابس، ومساكن- هو نعيم مطلوب للإنسان، لا يتم نعيمه إلا إذا أخذ حظه منه، وهو نعيم خالص من الشوائب، التي تعلق بكل نعيم دنيوى.. ثم إن وراء هذا النعيم الحسى، نعيما روحيّا.. فهناك مسرات الروح التي لا حدود لها.. وإنها لمسرات لا يمكن أن توصف بألفاظ وعبارات، ولا يمكن أن تضبط لها صورة، وغاية ما يمكن أن يقال عنها إنها بهجة النفس ولذة الروح..
следующие страницы →