الإنسانية الذي لم ولن يتحقق لها على هذه الأرض؟ فماذا لو وجدت عالما آخر يتحقق لها فيه هذا الحلم البعيد المنال؟ وأي إنسان يزهد فى هذا النعيم إذا أتيح له، ووجد السبيل إليه؟ ولا تمدن عينيك هنا إلى أولئك الذين يقال إنهم زهدوا فى نعيم الحياة المادية من الفلاسفة والحكماء، والمتصوفة، وغيرهم ممن عفّوا، أو عافوا متعة الجسد، وراحوا يعيشون على قوت أرواحهم، وعرائس أفكارهم.. فهؤلاء جميعا- إن صدقت أحوالهم- إنما أقاموا لأنفسهم عالما من الوهم، والخيال، تتراقص فيه طيوف رؤاهم وأحلامهم، بكل ما قصرت عنه أيديهم من متع مادية استبدّ بها غيرهم.. ومن زهد منهم فى تلك المتع، وقد أتيحت له- فإنما لأنه استقصر حياته معها، أو توقع فرارها من يده! ولو كان هذا النعيم دائما، وكان لمن يعيش فيه ضمان بالخلود معه، لكان الحكماء، والفلاسفة، والمتصوفة أكثر الناس طلبا، وازدحاما على مورده..
ومع هذا، فإن ما جاء فى القرآن الكريم من أوصاف الجنة ونعيمها، ليس هو كل ما فيها من نعيم، وإنما ذلك هو معرض من معارضها، وإشارة دالة على ما وراء هذا النعيم مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن ولا خطر على قلب بشر.. إنه هو الجزء القليل الذي يمكن أن يقع فى مفهوم الناس، وهم فى هذا العالم الدنيوي، حتى يكون للجنة التي يوعدون بها تصور، وحتى يكون لدعوتهم إليها استجابة.. ولو جاءتهم الجنة غير مألوفة لهم، لما وقعت من أنفسهم موقعا، ولما وجدت لها فى مشاعرهم ووجداناتهم مكانا..
ولا يقال- كما قيل فعلا- إن هذا النعيم الأخروى، هو نعيم جسدى، يشبع أحلام الجوعى والمحرومين، ويرضى مطالب البيئات الفقيرة
стр. 6512
المجدبة.. وهذا بدوره يعنى أن الدّين الذي يعد أهله بمثل تلك الجنة فى الآخرة، إنما هو دين على مستوى هذه الحياة البدائية فى الصحراء، التي لا تبعد الحياة فيها كثيرا عن حياة الغابة، وأن الدين ليس إلا أكذوبة خادعة تستهوى الجوعى والمحرومين بهذه الموائد الممدودة لهم فى عالم الرؤى والأحلام.
فهذا القول، إن كان من جاهل، فهو جهل يفصح أهله ويخزيهم، وإن كان من عالم فهو زور وبهتان، يتخرص به المتخرصون فى غير خجل أو حياء، ممن يكيدون للإسلام، من مستشرقى أوربا وأمريكا: «يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (٨: الصف) .
إن نعيم الجنة المادي، وما جاء فى القرآن مما أعد الله منه لأهلها، من حور عين، وولدان مخلدين، ولحم طير مما يشتهون، وفاكهة مما يتخيرون، ومن أنهار من ماء ولبن، وخمر، وعسل- إن هذا- كما قلنا- هو من مطلوب الحياة الإنسانية، وبه قوام حياة الإنسان، وسعادته، مادام الإنسان إنسانا بشرا، لم يتحول إلى عالم الملائكة، ولم يصبح روحا هائما لا ذاتية له..
وإن الإنسان، هو الإنسان، فى الدنيا، أو الآخرة.. هذا ما يجب القطع به.. إذ لا بد أن يجد الإنسان ذاته ووجوده الإنسانى كله فى الآخرة، وإلا لكان مخلوقا غريبا، ليس بينه وبين الإنسان الذي عاش فى هذه الدنيا من صلة، ثم لكان حسابه وجزاؤه فى الآخرة ليس حسابا، ولا جزاء لهذا الإنسان الذي كان فى الدنيا..
وإنه لكى يظل الإنسان إنسانا، وليلقى حسابه وجزاءه، الحسن أو السيّء، ويحد طعمه الحلو أو المر- ينبغى أن يكون على طبيعته، فى جميع أحواله،
стр. 6513
وكل حيواته.. الدنيوية، والأخروية.. إنه ينبغى أن تظل هذه «الذاتية» مع الإنسان، وأن تصحبه تلك الشخصية المشخصة له فى عالم الدنيا والآخرة جميعا..
أما أن تتفكك هذه الشخصية، أو تنحلّ، أو تخرج عن طبيعتها جملة، فإنها لن تكون ذلك الإنسان، الذي عرف فى وقت ما، أوفى حال ما، أنه فلان؟ ابن فلان! ..
نعم، قد تعلو ذاتية الإنسان وتصفو مشاعره وعواطفه، وقد تنزل، وتسفّ، وتكدر.. ولكن ذلك لا يخرج بالإنسان- فى أي حال من الأحوال- عن دائرة الإنسانية- ولا يلحقه بعالم الملائكة أو الشياطين..
إن الإنسان ليتنقل فى أطوار شتى.. من الولادة إلى الطفولة، والصبا والشباب، والشيخوخة..
وهو فى كل طور من أطوار حياته، هو تلك «الذات» أو «الشخصية» التي لا يجد فيها صاحبها أن طفولته أو صباه أو شبابه أو شيخوخته- أوصال مقطعة من «ذاته» .. بل إنه هو هو، فى كل طور من هذه الأطوار، وإن تغيرت بعض ملامحه، وزادت معارفه، واتسعت آفاقه.. وشتان ما بين الطفولة والشباب، وشتان بين «سقراط» الطفل وسقراط الفيلسوف.. ولكنه هوهو سقراط، طفلا، وصبيا، وشابا، وشيخا!!.
ثم مالنا ندفع مطاعن الأوربيين عن شريعة الإسلام، وما جاء فى تلك الشريعة من أوصاف حسية لنعيم الجنة- ما لنا ندفع هذا، والحال أنهم هم مطالبون أن يدفعوا هذه المطاعن ذاتها عن المسيحية، إن كانوا يؤمنون بها،
стр. 6514
أو يدفعوا بها إليها إن كانوا غير مؤمنين بها.. فإن المسيحية- على الرغم من أنها تلبس لباس الروحانية- حين تحدثت عن النعيم الذي يلقاه أهل الجنة- نجدها تعرض صورا حسية من هذا النعيم، مثل تلك الصور التي جاء بها القرآن، سواء بسواء!.
فقد ذكر المسيح- ﵇ لتلاميذه، أنهم سيشربون معه من ابنة العنب فى ملكوت السموات: يقول لهم: «إنى لست شاربا من ابنة هذه الكرمة حتى أشربها معكم فى ملكوت السموات «١» » .
فأخبر بأن فى الملكوت شرابا، وشرابا من خمر، وحيث يكون شراب، لا يستنكر المأكل.. فيقول السيد المسيح: «ستأكلون وتشربون على مائدة أبى «٢» » .
ثم هناك إلى جانب الأكل والشرب، غرف لأهل الجنة.. يقول السيد المسيح: «ما أكثر الغرف والمساكن عند أبى «٣» » .
فالقرآن إذن لم يكن بدعا بين الكتب السماوية، فيما جاء فيه عن النعيم الحسىّ فى الجنة.. فلم تتهم شريعة الإسلام وحدها بأنها شريعة الجسد، وبأنها الشريعة التي تغرى أتباعها بهذه الألوان التي يسيل لها لعابهم، وتستيقظ لها حيوانيتهم؟.
إنها تهمة ظالمة باطلة..!
стр. 6515
أما أنها ظالمة، فلأنها تتجه إلى الإسلام وحده، دون الشرائع والديانات التي تقول بما يقول به الإسلام فى وصف هذا النعيم..
وأما أنها باطلة، فلأنها تقوم على فهم خاطئ للإنسان، وللوحدة الذاتية، التي ينبغى أن يحتفظ له بها فى الحياة الآخرة.. تلك الوحدة التي تجمع الروح والجسد معا.. فلا يكون الإنسان إنسانا إلا يجسد وروح، ولا يعرف الإنسان السعادة أو الشقاء إلا إذا كان لكلّ من الجسد والروح نصيب مما يسعد به الناس أو يشقون!.
إن أهل الجنة يحملون معهم نفوسا بشريّة، لها رغباتها، ومنازعها، ومن شأن نعيم الجنة، الذي يحقق النعيم الكامل- من شأنه أن يشبع- فى غير ملل- هذه الرغبات وتلك النوازع، وإلا كان نعيما غير كامل..
والله يقول: «وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ، وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ»
(٣١: فصلت) .
وعلى هذا فإن لنا أن نقول إن نعيم أهل الجنة- هذا النعيم الحسى، الذي جاء فى القرآن، من مطاعم، ومشارب، وملابس، ومساكن- هو نعيم مطلوب للإنسان، لا يتم نعيمه إلا إذا أخذ حظه منه، وهو نعيم خالص من الشوائب، التي تعلق بكل نعيم دنيوى..
ثم إن وراء هذا النعيم الحسى، نعيما روحيّا.. فهناك مسرات الروح التي لا حدود لها.. وإنها لمسرات لا يمكن أن توصف بألفاظ وعبارات، ولا يمكن أن تضبط لها صورة، وغاية ما يمكن أن يقال عنها إنها بهجة النفس ولذة الروح..
стр. 6516
أما مادة تلك اللذة، وهذه البهجة، فلا يمكن أن توصف بألفاظنا، أو تدرك بعقولنا المحدودة القاصرة..
ولقد أشار القرآن الكريم إلى بعض دلالات هذا النعيم الروحي، ولكنه لم يكشف عن مادة هذا النعيم وعناصره.. فهناك نضرة النعيم التي تسفر بها وجوه أهل الجنة: «تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ» (٢٤: المطففين) .
وهناك الأمن والاطمئنان من كل ما يزعج النفس أو يقلقها من حاضر أو مستقبل: «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ.. لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ» (٤٩: الأعراف) ثم أليس الخلاص من جهنم، وأ ليست السلامة منها، مصدر نعيم نفسى لا ينفد أبدا؟ إنها لسعادة غامرة، وهناءة كاملة، أن يرى أهل الجنة عذاب السعير، وهم فى مأمن من هذا العذاب.. «فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ» (١٨٥: آل عمران) ومن أجل هذا كان من حمد أهل الجنة لله أن أنقذهم من عذاب النار، هو ما ذكره الله سبحانه من قولهم «وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ، لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ» (٣٥: فاطر) أليس هذا نعيما للنفس، وروحا للروح.. يتجدد فى كل نظرة ينظر بها أصحاب الجنة إلى أصحاب الجحيم؟
ثم ماذا يطلب الإنسان من النعيم، غير أن يجد فيه السعادة المطلقة..
стр. 6517
السعادة التي لا يدخل عليها ما يقطعها، أو ينقص منها، أو يفسد طعمها؟ إن سعادة الجنة، هى سعادة دائمة خالدة، لا تنفصل عن أهلها، ولا ينفصلون عنها، وذلك هو نعيم أهل الجنة، سواء أكان ماديّا أو معنويّا، جسديّا أو روحيّا..
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا» (١٠٧- ١٠٨: الكهف) .
وحسب هذا النعيم أنه غير زائل عن أهله، وحسب المنعمين به أن يقيموا عليه، ولا يبغون عنه حولا.
وأعجب ما فى هذه القضية، أن يجىء الإنكار على الإسلام لهذا النعيم الجسدى الذي يعد به أتباعه فى الآخرة- من عجب أن يجىء هذا الإنكار من أوربا وأمريكا، التي فنيت شعوبها فناء مطلقا فى عالم المادة، حتى لقد كادت تتغير الطبيعة الإنسانية فى هذه المجتمعات، وتختفى المشاعر والعواطف.. حتى بين الآباء والأبناء.. وإنه لو كان لتلك الشعوب أن تحلم بجنة فى الآخرة، لما كانت جنة أحلامهم تلك إلا أنهارا تجرى من خمر، وإلا حانات تعج بالراقصين والراقصات، وإلا موائد ممدودة للطعام والشراب، والقمار.. فإن هذا الذي بلغته شعوب أوربا وأمريكا من تقدم فى العلوم والفنون، وإنما كان وسيلة إلى تحقيق هذا النعيم المادىّ الذي إن فات أحدهم حظه منه، ولم يستطع الوصول إليه، ضاقت الدنيا فى عينيه، واستولى عليه الكرب والهم.. ثم لم يكن له بدّ من أن يركب أحد طريقين: فإما أن يلبس ثوب الوجودية، ويتحول إلى حيوان يعيش فى غابة، فلا يغير من ثيابه، ولا يصلح من هندامه، ولا يقص شعرا ولا ظفرا، ولا يغطى جسدا ولا يستر عورة.. وهو بهذا يخرج عن عالم الناس، ومن ثمّ فلا يعنيه أن يملك مثل ما يملكون، أو يتمتع مثل ما يتمتعون..
إن له متعته الخاصة التي هى على غير ما يتمتع به الناس.. وهل يلذ للذئاب مثلا
стр. 6518
أن تجلس إلى مائدة، وأن تتناول مما يطعم منه الناس.؟
أما من لم يجد له مكانا فى هذا العالم فثمة طريق آخر.. طريق المنتحرين..
وليس ثمة طريق ثالث.
الآيات: (٢٣- ٣١) [سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٢٣ الى ٣١]
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧)
نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١)
التفسير:
بعد أن عرضت الآيات السابقة وجود الإنسان، ولفتته إلى أصل خلقه، وأين كان؟ وكيف بدأ؟ وإلى أين صار؟ وبعد أن لقيت هذا الإنسان بما سيلقى فى الآخرة عن عذاب ونكال، إذا هو كفر بالله، وجحد حق خالقه عليه، وما سيلقى من نعيم ورضوان، إذا هو عرف ربه، وذكر حقه عليه، وخاف مقامه بين يديه- بعد هذا العرض، عادت آيات الله، تدعو النبي- صلوات الله وسلامه عليه- إلى حضرة ربه ، لتسمعه حديثه إليه، فيلقاه الحق بقوله:
стр. 6519
«إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا» .
أي أن هذا القرآن الذي تتلوه على الناس، هو منزل عليك من عند ربك، وليس رسول الوحى جبريل- ﵇ إلا رسولا من عند الله إليك به.
وفى قوله تعالى: «نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا» - إشارة إلى أن هذا القرآن ينزل على النبىّ آيات آيات لا جملة واحدة، كما يفيد ذلك لفظ الفعل «نزل» الذي يفيد وقوع الفعل حالا بعد حال، لامرة واحدة.
قوله تعالى:
«فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً» .
والآثم: من غلب عليه الاستغراق فى معاطاة الآثام، من أهل الكفر والضلال..
والكفور: من استغلظ كفره، ولج به الضلال والعناد، فلا يرى حقّا، ولا يذعن لحق إذا هو رآه.. وكل من الآثم والكفور، آثم وكافر معا، ولكن منهم من غلب إثمه على كفره، ومنهم من غلب كفره على إثمه..
والفاء فى قوله تعالى: «فاصبر» فاء السببية، أي وبسبب أنا أنزلنا عليك القرآن تنزيلا،، اصبر لحكم ربك.. أي اصبر على امتداد نزول القرآن عليك، وما دام القرآن لم يختم فإن مسيرتك لم تنته وزادك فى هذه المسيرة، هو الصبر..
فاصبر..
وحكم الله ، هو ما يقضى به جل شأنه بين النبي وقومه..
واللام فى «لِحُكْمِ رَبِّكَ» هى اللام الحينية، أي التي بمعنى حين، أي إلى حين حكم ربك.
وقوله تعالى: «وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً» نهى للنبى عن أن يستمع
стр. 6520
إلى ما يدعوه إليه المشركون من قومه، من الكفّ عن دعوتهم، وإنذارهم بآيات الله التي يتلوها عليهم، أو أن يصغى إلى ما يعرضونه عليه من دنياهم التي يلوحون له بها..
وفى هذا إعلام للمشركين بأن النبىّ مأمور من ربه بالصبر على أذاهم، وبألا يستمع إلى ما يدعونه إليه، وهم يعلمون أن النبي لا يخالف أمر ربه.. ولهذا كان لهذا الأمر الموجه إلى النبي من ربه، وقع على نفوس المشركين، وتيئيس لهم مما يطمعون فيه من النبي..
وقوله تعالى:
«وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» .
هو معطوف على قوله تعالى: «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ..»
أي ومما يعينك على الصبر على ما تكره من قومك، وما يقيمك بالمقام المطمئن الذي تثبت به قدمك على طريق الدعوة التي تدعو بها- هو أن تذكر اسم ربك، وتستحضر جلاله، وعظمته، وعندئذ تجد كل هؤلاء المتعاظمين، والمتعالين، نمالا تدبّ على الأرض، أو ذبابا يجتمع على قذر! والبكرة: أول النهار، والأصيل آخره..
فهذا عمل النبىّ بالنهار، إلى جانب دعوته التي يقوم بها فى الناس.. إنه ذكر لاسم الله، فى مفتتح نهاره، ومختتمه.
فإذا كان الليل، خلا إلى ربه، وأطال ذكره، وتسبيحه، وسجوده، وهذا ما جاء الأمر به بعد ذلك فى قوله تعالى:
«وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا» .
стр. 6521
«وَمِنَ اللَّيْلِ» أي ومن بعض الليل لا كلّه.. فحرف الجر «من» التبعيض..
فهنا أمران: أمر بالسجود، لله بعضا من الليل.. وأمر بالتسبيح له تسبيحا طويلا ممتدا، ما وسع الجهد.. وهذا على معنى أن «طويلا» صفة لمصدر محذوف دل عليه الفعل «سبحه» أي سبحه تسبيحا طويلا فى وقت الليل..
وهذا المعنى الذي ذهبنا إليه، هو أولى عندنا مما ذهب إليه المفسرون من أن طويلا صفة لقوله تعالى: «ليلا» .. فإن وصف الليل هنا بالطول لا معنى له..
فالليل هو الليل، طويلا كان أم قصيرا.. ثم إن «من» التي تفيد التبعيض لا تجعل لوصف الليل بالطول معنى..
وقوله تعالى:
«إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا» .
الإشارة هنا بهؤلاء، هى إلى المشركين الموصوفين بالإثم والكفر..
إنهم يحبون العاجلة، أي الدنيا، ويستهلكون وجودهم كله فيها، ولا يعطون شيئا للآخرة، بل يطرحونها وراء ظهورهم، وهى لاحقة بهم، لا تدعهم حتى تمسك بهم، ويطلع عليهم منها يوم ثقيل وقعه، بما يلقون فيه من كرب وبلاء..
قوله تعالى:
«نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا» .
الأسر: القوّة، والمراد به ما أودع الله فى الإنسان من قوى جسدية. وعقلية، وروحية، ونفسية..
فهذه القوى التي أودعها الخالق جلّ وعلا فى كيان الإنسان، هى قوى
стр. 6522
مجتمعة، متساندة، متآلفة، يعمل بعضها مع بعض كأنها قوة واحدة..
وفى هذا بيان لما لله من فضل وإحسان، على الإنسان، الذي خلقه، فأحسن خلقه، وأقامه على هذه الصورة التي علا بها على أفق الحيوان، فصار بشرا سويا، وأصبح خليفة لله على هذا الكوكب الأرضى.
وقوله تعالى: «وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا» .. إشارة إلى قدرة الله القادرة التي لا يفلت من سلطانها مخلوق، والتي تخلق ما تشاء وتختار، دون معوّق، أو معقب..
وهؤلاء الآدميون الذين خلقهم الله سبحانه على تلك الصورة من الإحكام والإتقان، لا يمسكها إلا الله، ولا يحفظ عليها وجودها إلا هو، فإذا أراد سبحانه أن يبدّل بهؤلاء الآدميين غيرهم نفذت إرادته ومضت مشيئته..
«وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» (٣٨: محمد) .
وفى جمع الأمثال: إشارة إلى أن قدرة الله سبحانه لا حدود لها، وأنه قادر على أن يقيم مكان هؤلاء الآدميين أمثالا، لا مثلا واحدا..
قوله تعالى:
«إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا» أي إن هذه الآيات، وما ضمّت عليه، من علم، وحكمة، هى تذكرة وموعظة، وهى دليل هاد، وقائد أمين، لمن شاء أن يتعرف طريقه إلى الله، ويسلك مسالك الهدى والرّشد.. وإنها لا تحمل قوة مادية قاهرة ملزمة تسوق الناس سوقا إلى الله، وإنما هى إشارات مضيئة إلى طريق الله. فمن شاء أقام وجهه على هذا الطريق، ومن شاء تنكّبه، وأدار ظهره له..
стр. 6523
قوله تعالى:
«وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ.. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً» .
هو تعقيب على الآية السابقة، يراد به الاحتراس من أن تفهم المشيئة الإنسانية على إطلاقها، فهذه المشيئة مقيدة بمشيئة الله، دائرة فى فلكها.. فمن كانت مشيئة الله فيه أن مؤمن، جرت مشيئته وراء مشيئة الله فكان من المؤمنين، ومن كانت مشيئة الله فيه أن يكفر، جرت مشيئته وراء مشيئة الله، وكان من الكافرين..
ولم كانت مشيئة الله مختلفة فى الناس، ولم تكن مشيئة واحدة؟ ..
إن ذلك تقييد لمشيئة الله سبحانه أولا، ثم هو إلزام لله سبحانه ثانيا، ثم هو إفساد لصورة الوجود ثالثا.. إذ أن من مقتضى وحدة المشيئة فى المخلوقات أن يكون الوجود كله لونا واحدا، لا أرض ولا سماء، ولا نجوم ولا كواكب ولا جماد ولا نبات ولا حيوان.. إلى غير ذلك مما ضمّ عليه هذا الوجود من مخلوقات، إذ أن تعدد هذه المخلوقات، واختلافها، صورا، وأشكالا، وألوانا وأمكنة وأزمانا، هو من عمل مشيئة الله سبحانه فى كل مخلوق خلقه.. إنها مشيئة واحدة، يقع على كل مخلوق حظه منها، وذلك بتقدير العليم الحكيم.
«إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً» يفعل ما يشاء عن علم محيط بكل شىء، وعن حكمة، مقدّرة لكل شىء..
قوله تعالى:
«يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ.. وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً» .
ومن مشيئته سبحانه، أنه يدخل من يشاء فى رحمته.. وأعد للظالمين عذابا أليما..
стр. 6524
والمراد بالرحمة هنا الجنة، لأن الرحمة هى السبب الموصل للجنة! وأنه بغير رحمة الله لا سبيل لأحد إلى الجنة.. ولهذا يقول الرسول الكريم: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله» .. قيل ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله «برحمته» ..
ومن أسرار كتاب الله الكريم أن كان مفتتحه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» وكان مفتتح كل سورة منه «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .. وكان مفتتح كل تلاوة لآياته الاستعاذة من الشيطان الرجيم، باسم الله الرّحمن الرّحيم..
стр. 6525
٧٧- سورة المرسلات
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة الهمزة.
عدد آياتها: خمسون آية..
عدد كلماتها: مائة وإحدى وثمانون كلمة.
عدد حروفها: ثمانمائة وستة عشر حرفا.
مناسبتها لما قبلها كان ختام سورة «الإنسان» السابقة على هذه السورة، هو قوله تعالى:
«يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً» وفى هذا وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين.. وهذا الوعد، وذلك الوعيد إنما يتحققان يوم القيامة، فكان لا بد من إبراز هذا اليوم، والتأكيد على وقوعه، وذلك مما يزيد فى إيمان المؤمنين، ويرفع الحجب الكثيفة عن عيون كثير من الذين لا يؤمنون..
وهذا ما جاءت هذه السورة «المرسلات» مقررة، ومؤكدة له.
стр. 6526
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٧) [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤)
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً» ..
ما المرسلات؟
اختلف المفسرون فى معنى المرسلات، وتعددت مقولاتهم فيها، وكثرت الروايات والأسانيد التي تضاف إلى صحابة رسول الله فى هذا المقام.. وهذا الاختلاف الشديد بين تلك المقولات، مما يضعف هذه الروايات، بل ويكذب نسبتها إلى من نسبت ادعاء إليهم.. إذ لو كانت صحيحة لما كانت إلا قولا واحدا.. لأن صحابة رسول الله لم يقولوا في تأويل كلام الله برأيهم، بل كل ما صحت نسبته إليهم من أقوال فى معنى حرف، أو كلمة، أو آية، هو مما علموه من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.. وليس للرسول الكريم إلا قول واحد. فى المقام الواحد.. «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى» (٣: النجم) .
وعلى هذا. فإن ما نقوله أو يقوله غيرنا فى تفسير كلمة «المرسلات» هو اجتهاد فى تحرى أقرب المفاهيم التي يطمئن إليها كل مفسر، حسب ما أداه
стр. 6527
إليه اجتهاده.. وهنا لا بأس أن يختلف المفسرون، إذ ليس قول أحدهم حجة على الآخرين.. وذلك على خلاف ما إذا نسب التفسير إلى أحد من صحابة رسول الله، ﷺ ، فإنه إذا ثبتت نسبته إليه كان حجة علينا.
والرأى الذي نرتضيه من آراء المفسرين فى تفسير كلمة «المرسلات» هو القول بأنها الرياح، فقد جاءت كلمة «العاصفات» بعدها قرينة قوية على أنهما من مورد واحد، وإن اختلفا قوة وضعفا..
فقد جاء فى القرآن الكريم وصف الريح بهذا الوصف، فقال تعالى:
«وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً» (٨١: الأنبياء) .. والقرآن يفسر بعضه بعضا، ويشهد بعضه لبعض..
وهناك قرينة أخرى، وهى أن القرآن الكريم قد أكثر من لفظ أرسل، ويرسل عند الحديث عن الرياح، كما يقول سبحانه: «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» (٥٧: الأعراف) وقوله سبحانه: «وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ» (٢٢: الحجر) وقوله تبارك اسمه: «فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ» (٦٩: الإسراء) ..
فقوله تعالى: «وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً» هو قسم بالرياح المرسلة من عند الله، فى هبوب دائم، على الوجه المعروف للناس من الرياح..
وقوله تعالى:
«فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً» ..
هو حال من أحوال الرياح، حين يشتدّ هبوبها، فتتحول إلى عواصف..
стр. 6528
وقوله تعالى:
«وَالنَّاشِراتِ نَشْراً» ..
هى الرياح فى حال أخرى من أحوالها، ومع أثر من آثارها، وهى حين تنشر السحب فى جو السماء، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً» (٤٨: الروم) ..
وقوله تعالى:
«فَالْفارِقاتِ فَرْقاً» ..
هى الريح أيضا وأفعالها بالسحب.. فهى بعد أن تبسطها فى السماء، تسوقها أمامها، وتذهب بها إلى مواقع مختلفة متفرقة من الأرض، بعضها شرقا، أو غربا، وبعضها شمالا أو جنوبا.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ» (٤٣: النور) ..
وقوله تعالى:
«فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً» ..
هى السحب الممطرة، التي تلقى بما حملت من ماء، على المواقع التي ساقها الله إليها..
ويسمى المطر «ذكرا» لأنه مما يذكر بالله ، ويحدّث عن واسع فضله، وعظيم رحمته، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي
стр. 6529
يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ»
(٤٨: الشورى) .. وقوله سبحانه: «وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ» (٤٩: الروم) فأنظار الناس وآمالهم متعلقة بالمطر، فى حال إمساكه، أو حال نزوله، لأن فيه حياتهم، وحياة حيوانهم وزروعهم..
وقوله تعالى:
«عُذْراً أَوْ نُذْراً» .
هو بيان لقوله تعالى «ذكرا» .. فهذا الذكر الذي يحدثه المطر، إما أن يكون إعذارا، أو إنذارا.. فهو إعذار للمؤمنين الذين غفلوا عن ذكر الله ، وهو إنذار للكافرين الذين لا يذكرون الله أصلا..
وقوله تعالى:
«إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ» ..
هو جواب هذا القسم الذي أقسم الله به فى مفتتح السورة..
والذي يوعد به الناس، هو يوم القيامة، وما يلقون فيه من جزاء.
ومن إعجاز القرآن الكريم هنا أنه فرق بين الرياح فى مهابّها على الأرض، وبين الرياح فى مدارها مع السحاب، فى طيّه ونشره، وفى سوقه وتوجيه مساره..
فيقسم أولا بالرياح على إطلاقها وعمومها،: «وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً» ثم يعطف على هذه الرياح حالا من أحوالها العارضة، وهى العواصف:
«فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً» ..
стр. 6530
ثم يقسم قسما آخر بالرياح، وهى تنشئ السحاب وتنشره: «وَالنَّاشِراتِ نَشْراً» ويعطف على هذه الرياح- صور مواليدها التي تولّدت عنها، من سحب متفرقة، ومن غيوث هاطلة: «فَالْفارِقاتِ فَرْقاً، فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً» ..
وفى القسم بالرياح وآثارها، إلفات إلى قدرة الله ، وإلى أن تلك القدرة التي سخرت هذه الرياح، وأودعت فيها ما أودعت من أرواح سارية، يستمد منها الأحياء حياتهم، ويلتقطون أنفاس الحياة منها، ثم لا تقف عند هذا بل تسوق إليهم مادة الحياة وقوامها، من هذا الماء الذي يتحلّب من السحاب المتولد عنها، والمنشّأ على يديها- هذه القدرة لا يعجزها أن تبعث الموتى من قبورهم، وأن تحشرهم يوم القيامة للحساب والجزاء: «إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ» .. فمن كذب بهذا الوعد استبعادا له، وإعجازا لأية قدرة أن تحققه- جاءه من عالم الرياح شهود عدول، يدينونه ويفضحون مدعياته الباطلة..
الآيات: (٨- ١٥) [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٨ الى ١٥]
فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)
لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)
стр. 6531
التفسير:
قوله تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ» .
وإذ تقرّر أن يوم الفصل آت لا ريب فيه، وأن ما يوعد الناس به فى هذا اليوم واقع لا محالة- إذ تقرر هذا جاءت الآيات لتعرض صورا من مشاهد هذا اليوم، وما يقوم بين يديه من إرهاصات..
فمن إرهاصات هذا اليوم التي تتقدم وقوعه، أن تطمس النجوم، أو يذهب ضوءها، فلا تراها العيون على ما عهدتها عليه من قبل فى هذه الدنيا..
وأن تنشق السماء، فلا ترى سقفا مصمتا مغلقا كما تبدو للناظرين اليوم:
«وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً» .. وأن تضيع معالم الجبال، فلا يرى لها على وجه الأرض ظل: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً، فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً، لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً» .. (١٠٥- ١٠٧: طه) وقد أشرنا فى غير موضع من تفسيرنا: «التفسير القرآنى للقرآن» «١» - إلى أن تغير هذه المعالم الكونية يوم القيامة- إنما هو نتيجة لتغير موقف الإنسان منها، وما يطرأ على حواسه المتلقية لها من تغير.. أما هذه المعالم فى ذاتها فهى باقية على ماهى عليه.. ومن إرهاصات يوم القيامة أن تؤقت الرسل، أي يؤجل بعثها إلى الناس، فلا يبعث فيهم رسول.. وهذا يعنى أننا منذ بعثة الرسول محمد- صلوات الله وسلامه عليه- ونحن على مشارف هذا اليوم الموعود، إذ كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه- خاتم رسل الله، وأن لا نبى بعده.. وهذا ما يشير إليه الرسول الكريم بقوله «بعثت أنا والساعة كهاتين» - وأشار-
стр. 6532
صلوات الله وسلامه عليه- بأصبعيه: السبابة والوسطى» .
ويجوز أن يكون المراد بالرسل هنا- والله أعلم- العقول الرشيدة، والفطر السليمة فى الناس، حيث أن مع كل إنسان رسولا إلى نفسه، هو عقله، وفطرته..
فإذا انتهى الأمر بالناس إلى أن تضل عقولهم جميعا عن الحق، وأن تزيغ قلوبهم جميعا عن الهدى، فلم يبق فيهم مؤمن بالله، قائم على شريعته- كان ذلك إيذانا بقرب يوم القيامة، وإرهاصا من إرهاصات وقوعه، ويكون معنى توقيت الرسل هنا، تعطل العقول عن عملها، ووقوع الخلل والفساد فى الطبيعة البشرية وتنكيسها فى الخلق.
ومما يشهد لهذا المعنى الذي ذهبنا إليه، ماورد فى الآثار من تبدل أحوال الناس بين يدى نفخة الصور الأولى، وانتكاس طبيعتهم، كما يشير إلى ذلك قوله ﷺ : «بدأ الدين غريبا، وسيعود كما بدأ.. فطوبى للغرباء» وقوله تعالى:
«لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ» هو سؤال وارد على الخبر فى قوله تعالى: «وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ» - أي إلى أىّ يوم هذا التوقيت، أو التأجيل للرسل؟ فكان الجواب:
«لِيَوْمِ الْفَصْلِ» أي ليوم القيامة.. فهو غاية لتأجيل الرسل، وتعطيل عملهم..
والسؤال هنا هو: وهل إذا كان تأجيل الرسل أو تعطيل عملهم غايته هو يوم القيامة، فهل إذا جاء يوم القيامة ينتهى هذا التوقيت، ويعود الرسل إلى مكانهم فى الناس؟
стр. 6533
والجواب: أن نعم وعلى كلا الرأيين الذين ذهبنا إليهما..
فإن رسل الله- صلوات الله وسلامه عليهم- سيظهرون مرة أخرى مع أقوامهم فى مشهد الحساب والجزاء، يشهدون على أقوامهم، وما كان منهم من استجابة لهم، أو خلاف عليهم، وتكذيب بهم، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ.. وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» (٤١: النساء) وقوله سبحانه: «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ. فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ؟» (١٠٩: المائدة) .
أما العقول التي ضاع رشادها، والقلوب التي عميت بصيرتها- فإنها تجىء يوم القيامة وقد انكشف الغطاء عنها، فترى الأمور رؤية كاشفة، وتعرف الحقّ واضحا مشرقا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» (٢٢: ق) قوله تعالى:
«وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ» يوم الفصل، هو يوم القيامة، الذي يفصل فيه بين الناس.
والاستفهام يراد به تهويل هذا اليوم، وما يقع فيه من أحداث، لا يمكن أن تتصورها الأوهام، ولا أن تحيط بها العقول.
وقوله تعالى:
«وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» .. هو جواب الشرط «إذا» فى قوله تعالى:
«فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ» وما عطف عليه.
والويل: هو الهلاك والبلاء المبين.. وهو وعيد للمكذبين بهذا اليوم، حيث لم يعدّوا أنفسهم له، ولم يعملوا حسابا للقائه.. «إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً» (٢٧: النبأ)
стр. 6534
الآيات: (١٦- ٢٨) [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١٦ الى ٢٨]
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠)
فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥)
أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)
التفسير:
قوله تعالى:
«أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» .
هو مواجهة للمشركين للمكذبين بيوم الفصل، وتهديد لهم بالهلاك الدنيوي، وأخذهم بما أخذ الله به المكذبين من قبلهم فى الأمم السابقة، بعيدها وقريبها..
والأولون الذين أهلكهم الله، هم قوم نوح، وعاد، وثمود.. والآخرون هم من جاءوا بعدهم، كقوم فرعون، وقوم لوط..
والمراد بالاستفهام هنا، التقرير، واستنطاق الواقع الذي شهدته الحياة، وسجله التاريخ..
وقوله تعالى: «كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ» - هو تعقيب على هذا التقرير..
стр. 6535
أي كما فعلنا بالأولين، وألحقنا بهم الآخرين، كذلك نفعل بالمجرمين، فى كل أمة، وفى كل جيل.. فهذا هو حكم الله فى أهل الضلال، لا استثناء فيه.. وفى هذا إشارة إلى المشركين الذين يواجهون النبي بعنادهم وضلالهم، ويركبون نفس الطريق الذي ركبه الضالون من الأولين والآخرين قبلهم.. فالويل لهم يومئذ من عذاب الله المرصود لكل مكذّب بهذا الحديث..
قوله تعالى:
«أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ؟» هو دعوة إلى هؤلاء الضالين المكذبين من المشركين، أن يعيدوا النظر فى موقفهم من إنكار البعث، وتكذيبهم به، واستبعادهم له، حتى يخلصوا بأنفسهم من هذا الويل المطلّ عليهم، فتلك هى فرصتهم الأخيرة، فإن لم يبادروها ويصححوا موقفهم فيها، أقلعت سفينة النجاة، وتركتهم يغرقون فى هذا الطوفان المقبل عليهم!! فهؤلاء الذين يستبعدون البعث، ويستعجزون قدرة الله عن إعادتهم إلى الحياة بعد الموت- ألم يخلقهم الله من ماء مهين؟ فما الفرق بين خلقهم من هذا الماء المهين، وبين بعثهم من التراب؟
والماء المهين، هو ماء الرجل، وهو المنىّ الذي يتخلق منه الجنين فى رحم الأمّ.
ووصف الماء الذي خلق منه الإنسان بأنه مهين- إشارة إلى أنه فى ظاهره شىء لا وزن له فى مرأى العين، بل هو شىء مستقذر، لا يحرص عليه الإنسان..
قوله تعالى:
«فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ» .
стр. 6536
أي أن هذا الماء المستقذر المهين، قد جعله الله ، ماء مصونا محفوظا «فِي قَرارٍ مَكِينٍ» - هو رحم الأم.
إن هذا الماء المهين إذن، ليس كما يبدو فى ظاهر الأمر شيئا محقرا، أشبه بفضلات الإنسان، وإنما هو فى حقيقته حياة، تضم فى كيانها هذه المخلوقات البشرية.. إنه الناس، فى صورهم وأشكالهم.. إنه صورهم المضمرة، ووجودهم المستور.. ولهذا صانه الله ، وأودعه هذا القرار المكين الذي أعده له.
وقوله تعالى:
«إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ» .
متعلق بقوله تعالى: «فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ» أي أن هذا المستودع الذي أودع فيه هذا الماء، لا يمسك هذا الماء إلا إلى زمن محدود، وغاية ينتهى إليها، وهى مدة حمل الجنين فى رحم الأم، من استقرار النطفة فيه إلى خروجها منه بشرا سويّا.
وقوله تعالى:
«فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» .
أي فقدرنا بقدرتنا وحكمتنا مسيرة هذه النطفة فى الرحم، وتنقلها فيه من طور إلى طور، وذلك بقدر معلوم، وتقدير موزون، وحساب محكم دقيق..
وقوله تعالى:
«فَنِعْمَ الْقادِرُونَ» هو ثناء من الله على ذاته الكريمة، التي لا يحسن الثناء عليها، ولا يوفيها حقّها، إلا هو ، وفى هذا يقول الرسول الكريم، فى تمجيد ربه والثناء عليه: «سبحانك..
لا أحصى ثناء عليك.. أنت كما أثنيت على نفسك» ..
стр. 6537
وفى هذا الثناء من الله على ذاته الكريمة- إشارة إلى أن هذا الإبداع فى الخلق، والإحكام فى التصوير، مشهد يقف الوجود كله مبهورا أمام جلاله وروعته، ثم لا يجد من صيغ الثناء ما ينطق به فى هذا المقام، فكان صمته أبلغ من كل كلام، وكانت حجته على الصمت، أن نطق أحكم الحاكمين رب العالمين.. فليس بعد قول الله قول، ولا بعد ثنائه ثناء! فالويل يومئذ لمن كان لا يرجو لله وقارا، ولا يعرف لجلاله قدرا! قوله تعالى:
«أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً، أَحْياءً وَأَمْواتاً» .
هذا مشهد آخر من مشاهد قدرة الخالق جلّ وعلا..
فإذا عميت بعض البصائر عن أن ترى مسيرة هذه النطفة الصغيرة، وأن تشهد ما انطوت عليه من حياة، وما تفجر منها من مخلوقات- فإنها تستطيع أن تنظر إلى كائن آخر، أكبر حجما من هذه النطفة.. إنه الأرض!! الأرض كلها بما على ظهرها، وما فى بطنها..
فماذا يرى من هذه الأرض، ظاهرا أو باطنا؟
إنها النطفة.. مكبرّة!! إنها حياة وموت.. فى وقت معا..
إنها حياة منطلقة من موات، وموات يتخلف من حياة..
إنها رحم كبير، يتفتح لنطف الماء الذي يتحلب عليه من السحاب! - «وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً.. فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» (٥: الحج) .
стр. 6538
- «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ» (٢٧: السجدة) .
- «أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا» (٢٥- ٣١: عبس) .
ومعنى «كفاتا» أي مستودعا.. يقال: كفت الشيء، أي ضمه إلى نفسه، مثل كفله.
وقوله تعالى: «أَحْياءً وَأَمْواتاً» عامل النصب فى أولهما فعل محذوف، مفهوم من قوله تعالى: «كفاتا» أي مستودعا يضمّ أحياء وأمواتا.. ويجوز أن يكون عامل النصب هو «كفاتا» بمعنى ضامّة أحياء وأمواتا..
قوله تعالى:
«وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» ..
هو إشارة إلى الجبال التي تبرز على وجه الأرض عالية شامخة، تهول، وتروع، وتحدّث عن عظمة الصانع العظيم الذي أقامها.
وقوله تعالى: «وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً» أي ماء عذبا، زلالا، هو بعض هذا الماء الملح، الذي على كثرته لا تقوم عليه حياة الإنسان.. أفبعد هذا تكذبون بالبعث، وتنكرون يوم الجزاء؟ فالويل لكم من هذا الضلال الذي أنتم غارقون فيه.. أيها المكذبون!
الآيات: (٢٩- ٤٠) [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٢٩ الى ٤٠]
انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)
فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)
стр. 6539
التفسير:
قوله تعالى:
«انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ» ..
هو إشارة إلى المكذبين بيوم الفصل، بعد أن أصروا على موقفهم من التكذيب به، وبعد أن ضربوا صفحا عن كل ماقام بين أيديهم من شواهد، وما انتصب لهم من أدلة على قدرة الله التي لا يعجزها شىء، فمضوا فى طريق الكفر والضلال، حتى ضمتهم القبور.. ثم هاهم أولاء يبعثون من قبورهم، ويتلفتون إلى أي مساق هم مسوقون إليه، وإذا صوت مزلزل يخترق أصماخ آذانهم، ويلقى فيها بهذا الأمر الصادع: «انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ» ..
أي انطلقوا إلى موقف الحساب والجزاء، إلى ساحة الفصل، فهذا يومه الذي كنتم به تكذبون.. ثم يتبع هذا الأمر بأمر آخر يكشف لهم عن وجه المنطلق الذي ينطلقون إليه: «انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ» .
وأين ذلك الظل ذو الثلاث شعب؟ إنه على غير ما يعرف الناس من ظل فى الحياة الدنيا.. فليبحثوا عنه هنا فى المحشر.. إنه بلا جدال ليس من ظلال
стр. 6540
الجنة، فظلال الجنة ممتدة دائمة، كما وصفها الله فى قوله:
«أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها» (٣٥: الرعد) وفى قوله تبارك اسمه: «وَأَصْحابُ الْيَمِينِ، ما أَصْحابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» (٢٧- ٣٠ الواقعة) .
وإذن فهذا الظل لا مكان له إلا فى جهنم، إذ ليس فى هذا اليوم إلا الجنة والنار.. وإنه لهناك فعلا..
وقد جاء فى القرآن الكريم وصف لهذا الظل الجهنمى فى قوله تعالى:
«وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ؟ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ» (٤١- ٤٤: الواقعة) واليحموم الدخان الأسود الكثيف، الذي ينعقد فى الجو..
والدخان الكثيف، إذا خرج من موقده، كان فى أول أمره كتلة واحدة، فإذا ارتفع قليلا فى الجو تخلله الهواء، ورق قليلا، وكان طبقة أرق من الطبقة التي تحته،، ثم إذا علا فى الجو، رقّ، فكان أرق مما تحته.. ثم إذا ارتفع أكثر من هذا المدى ذاب فى الهواء وتبدد، ولم يعد له ظل!! فهذا هو الظل، وتلك هى شعبه الثلاث التي تشعب إليها، وكأن كل شعبة من الشعب الثلاث كيان قائم بذاته، وإنما سميت شعبة لأن أصلها من مصدر واحد، هو النار.
وقوله تعالى: «لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ» - هو وصف لهذا الظل الجهنمى.. إنه لا ظليل، أي لا يستظل به من حر، ولا يأوى إلى ظله محرور، من الكائنات الحية، وإنه لا يغنى من اللهب، أي لا يدفع عنهم لهب جهنم الذي ينوشهم من كل جانب..
وفى دعوتهم إلى الانطلاق إلى ظلّ هو من دخان جهنم، لا إلى جهنم ذاتها، مع أنهم مدعوون إليها أصلا- فى هذا استهزاء بهم، وسخرية منهم، ومبالغة
стр. 6541
فى إيلامهم، حيث يلوّح لهم بالظل، الذي يفتح لهم بابا من الأمل، فإذا هذا الظل لا يتمتع به إلا من أخذ مقعده من النار!! قوله تعالى:
«إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ» الضمير فى إنها يعود إلى جهنم، التي يقوم على سمائها هذا الظل ذو الثلاث شعب.
وفى وصف الشرر الذي ترمى به بأنه كالقصر، أي البيت العظيم- إشارة الى ضخامة حريقها، الذي لا تبلغ جبال الدنيا مجتمعة بعضا من ضخامته.
وقوله تعالى:
«كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» الجمالات: جمع جمّل، وهو الحيوان المعروف.
وفى جمع الجمل، على جمالات، إشارة إلى أنها من الجمال المتخيرة من بين الجمال، ضخامة، وامتلاء.. مثل رجالات، التي هى جمع لرجال ذوى صفات متميزة..
وفى وصف الجمال بأنها صفر، إشارة إلى وصف لون الشرر، بعد أن وصف بالضخامة بأنه كالقصر..
وفى وصف لون الشرر بالجمالات الصفر، دون غيرها من كل ذى لون أصفر- إشارة إلى الحركة، واللون، والضخامة، جميعا.. فهذا الشرر ينطلق بعضه إثر بعض فى تتابع كأنه قطعان من الجمال الصفراء، ينطلق بعضها إثر بعض! فالويل للمكذبين، من هذا البلاء المحيط بهم، ومن هذه النار التي ترمى بهذا الشرر العظيم..
стр. 6542
قوله تعالى:
«هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» ..
أي هذا اليوم الذي تقع فيه هذه الأهوال بالمكذبين الضالين، هو يوم لا ينطقون فيه، ولا تتحرك ألسنتهم بمثل هذا الزور الذي كانت تتشدق به فى الدنيا.. «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (٦٥: يس) وهذا لا ينفى أنهم يتكلمون يوم القيامة، ولكن ليس الكلام الذي كان يجرى على ألسنتهم فى الدنيا، من زور وبهتان، ومن تفاخر وتطاول على العباد.. إن كل شىء فيهم يومئذ ينطق بالحق! وقوله تعالى: «وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ» - أي لا يؤذن لهم بكلام يلقون فيه بأعذار يعتذرون بها عن جناياتهم فى الحياة الدنيا: «فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ» (٥٧: الروم) فالويل لهؤلاء المكذبين، ولكل مكذب بيوم الدين..
قوله تعالى:
«هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ» أي هذا هو يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون، لقد وقع، فلا مناص لكم منه، ولا مخرج لكم من البلاء الذي أنتم ملاقوه فيه، وقد التقيتم فيه بمن سبقكم من المكذبين قبلكم، الذين ضربت لكم الأمثال بهم فى الدنيا، فلم تنتفعوا بها، ولم يكن لكم فيمن سبقكم عبرة..
قوله تعالى:
«فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» .
стр. 6543
أي فإن كان لكم أيها المكذبون الضالون حيلة تحتالون بها، أو كيد تكيدون به، لتخرجوا من هذا البلاء- فهاتوه!! فالأمر هنا، أمر تعجيز، حيث يواجه المأمور بما هو محال.
فادفع بكفك إن أردت فخازنا ... ثهلان ذو الهضبات هل يتحلحل؟
إنه لا كيدلهم، ولا حيلة بين أيديهم لدفع هذا البلاء، فالويل لهم من عذاب الله..
الآيات: (٤١- ٥٠) [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٤١ الى ٥٠]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)
التفسير:
قوله تعالى:
«إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ» هذا عرض لحال أهل الإيمان والتقوى، يوم القيامة، حيث يدعون إلى الجنة، وما فيها من ظلال وعيون، وفواكه مما تشتهى الأنفس، وتلذا الأعين وقد دعى أهل الضلال من قبل إلى جهنم، وإلى ظلها ذى الثلاث شعب! وقوله تعالى:
«كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ»
стр. 6544
هو دعوة لأهل الجنة إلى هذه الموائد الممدودة لهم وما عليها من نعيم الجنة وثمارها.. فليأكلوا ما طاب لهم، وليهنئوا بما أكلوا وما شربوا، فهذا جزاء ما كانوا يعملون.. إنه الجزاء الذي أعده الله لأهل الإحسان من عباده.
وفى هذا العرض للمتقين، وفى هذه الدعوة التي تستحثهم على الطعام والشراب- كبت للمكذبين الضالين، وإثارة للحسد الذي يأكل قلوبهم، إن كان ثمّة بقية لم تأكلها نار جهنم..
قوله تعالى:
«وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ.. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» .
هو مواجهة للمكذبين الضالين، وهم فى أماكنهم من دنياهم، وما هم فيه منها من لهو ولعب، إنه ليس لهم إلا الويل، والبلاء.. فليأكلوا، وليتمتعوا فى دنياهم بما شاءوا.. إنهم مجرمون، يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام، ثم تساق إلى الذبح.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ» (١٢: محمد) فمن كانت النار تنتظره، كيف يهنؤه طعام، أو يسوغ له شراب؟
وفى قوله تعالى: «قَلِيلًا» إشارة إلى أن هذا المتاع الذي ينا المشركون فى الدنيا.. هو- مهما كثر- متاع قليل، لا يلبث أن يزول معبا وراءه يلاء طويلا، وعذابا دائما. وقوله تعالى: «إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ» هو تعليل لهذا الوعد من قوله تعالى: «كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا» .. وهذا مثل قوله تعالى:
«قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا» (٧٥: مريم) قوله تعالى:
«وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» هو معطوف على قوله تعالى: «إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ» ومن إجرامهم أنهم
стр. 6545
كانوا «إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا» أي استجيبوا لله وأسلموا له «لا يَرْكَعُونَ» أي لا يسمعون، ولا يستجيبون، عنادا، واستكبارا، وضلالا.. فالويل والبلاء يومئذ للمكذبين.. وهؤلاء فريق منهم.
وفى العدول عن الخطاب إلى الغيبة، استدعاء لغيرهم أن يشهد موقفهم هذا الآثم، وأن ينكره عليهم، ويتلقى منهم عبرة وموعظة، فلا يقع تحت طائلة هذا التهديد الذي هدّدوا به..
قوله تعالى:
«فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ» إنكار لموقف هؤلاء المشركين من دعوة الحق التي دعوا إليها، والتي حملها إليهم القرآن الكريم، الذي يتلوه عليهم رسول كريم.. وأنهم إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن، ولم ينكشف لهم على ضوئه طريق الهدى والإيمان، فبأى حديث إذن بعد هذا الحديث يؤمنون؟ وبأى نور بعد نوره يبصرون؟ إنهم إذا لم يهتدوا بهذا القرآن فلن يهتدوا أبدا، ولن يجدوا إلى نور الحق سبيلا..
هذا، وقد تكرر فى السورة الكريمة قوله تعالى: «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» - عشر مرات، وكلها تدعّ المكذبين الضالين دعّا، وتلقاهم على رأس كل مرحلة من مراحل مسيرتهم إلى جهنم، بالويل والثبور، وترجمهم باللعنات، تصبها على رءوسهم صبّا..
وأكثر من هذا، فإنهم وهم يساقون إلى جهنم، وإذا يلقون فى جحيمها، ويستظلون بظلها ذى الثلاث شعب- يجيئهم حديث عن أهل الجنة، وما يلقون فيها من نعيم، فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب الجنة، ردّوا عنها بهذه الصاعقة يرمى بها فى وجوههم: «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» انهم ليس لهم إلا الويل، يأتيهم من كل لسان، وفى كل مقام.
تم الجزء التاسع والعشرون، ويليه الجزء الثلاثون.. إن شاء الله
стр. 6546
[الجزء السادس عشر]
(٧٨) سورة النبأ
نزولها. مكية، نزلت بعد سورة المعارج عدد آياتها: أربعون آية.
عدد كلماتها: مائة وثلاث وسبعون كلمة.
عدد حروفها: ثمانمائة وستة عشر حرفا.
مناسبتها لما قبلها كانت سورة «المرسلات» قبل هذه السورة- حديثا متصلا عن المشركين، وكانت نهاية هذا الحديث معهم أن القى بهم فى جهنم، وأخذ كل منهم مكانه فيها.. ثم أعيدوا إلى مكانهم من هذه الحياة الدنيا، حيث يأكلون ويتمتعون، كما تأكل الأنعام، دون أن يكون لهم من تلك الرحلة المشئومة بهم إلى جهنم، وما رأوا من أهوالها- ما يغير شيئا مما فى أنفسهم من ضلال وعناد، فما زالوا على موقفهم من آيات الله التي تتلى عليهم، وما زالوا فى تكذيب لرسول الله، وفى عجب واستنكار، حتى ليتساءل الوجود كله: إذن فبأى حديث بعد هذا الحديث يؤمن هؤلاء الضالون المكذبون؟
وتجىء سورة «النبأ» بعد هذا التساؤل الاستنكارى لنمسك بهم وهم فى حديث عن هذا الحديث، وفى بلبلة واضطراب من أمره، وفى تنازع واختلاف فيه، لا يجدون- حتى فى أودية الزور والبهتان- الكلمة التي يقولونها فيه، والتهمة التي يلصقونها به.. إن أية قولة زور يزينها لهم الشيطان ليلقوا بها فى وجه القرآن، لتسقط على رءوسهم، كما يسقط الحصى برمى به فى وجه الشمس، ليخفى ضوءها، أو يعطل مسيرتها..
стр. 6547
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٦) [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤)
لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦)
التفسير:
قوله تعالى:
«عَمَّ يَتَساءَلُونَ» ؟
أي عن أي شىء يتساءل هؤلاء المشركون؟ وهل هناك مشكلة مستعصية عليهم، حتى يكون منهم هذا التساؤل الملحاح، الذي يصبحون فيه ويمسون؟
قوله تعالى:
«عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» .
يجوز أن يكون هذا جوابا عن السؤال الوارد فى قوله تعالى: «عَمَّ يَتَساءَلُونَ» ؟ أي أنهم يتساءلون عن النبأ العظيم، الذي اختلفت فيه آراؤهم، وتشعبت به فى طرق الضلال عقولهم، دون أن يتعرف أحد منهم الطريق إلى
стр. 6548
الهدى، وإلى الخروج من دوامة هذا الاختلاف.. إنهم لا يختلفون فى سبيل البحث عن الحقيقة، والتعرف عليها، وإنما خلافهم فى أن يجدوا طريقا واحدا من طرق الضلال والبهتان، تجتمع عليه كلمتهم، ويلتقى عنده رأيهم.
والنبأ العظيم، هو الأمر ذو الشأن، الذي تغطّى أخباره كل خبر، فتتجه إليه الأنظار، وتشغل به الخواطر.. والمراد به هنا، القرآن الكريم، وما يحدثهم به عن البعث والقيامة، والحساب.. الأمر الذي لا تحتمل عقولهم تصور إمكانه.
ويجوز أن يكون قوله تعالى: «عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» سؤالا آخر بعد السؤال الأول: «عَمَّ يَتَساءَلُونَ» ؟. أي أيتساءلون عن هذا النبأ العظيم، الذي هم مختلفون فى مذاهب القول فيه، وفى أن ما يحدثهم به النبي- صلوات الله وسلامه عليه- عن البعث، والحساب والجزاء، شىء لا يصدق، وأن ذلك إنما هو من خداع «محمد» واستهوائهم لاتّباع دعوته، لحاجة فى نفسه؟ أذلك هو النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون؟
قوله تعالى:
«كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ» هو رد على هذا الذي يتساءلون عنه.. إنه أمر لا يدعو إلى تساؤل من عاقل، ولا يثير خلافا بين عقلاء.. إذ كان أظهر من أن يسأل عنه، وأوضح من أن يختلف فيه، وأنهم إذا جهلوه لجهلهم، أو تجاهلوه بعنادهم- فإنه سيأتى اليوم الذي يعلمونه فيه يقينا، ويرونه عيانا..
وفى تكرار الخبر، توكيد له، وتقرير لتلك الحقيقة السافرة، التي تقوم بين يديها ومن خلفها، الأدلة القاطعة، والبراهين الناطقة!
стр. 6549
قوله تعالى:
. «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً، وَالْجِبالَ أَوْتاداً، وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً، وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً، وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً، وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً، وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً، وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً..»
هذا عرض لبعض الأدلة والبراهين التي تقوم شاهدة على قدرة الله ، وعلى ما فى متناول هذه القدرة من التصريف فى عالم الإنسان، حياة، وموتا، وبعثا.. وقد كان من شأنهم- لو كان لهم عقول- أن يقفوا بين يدى هذه المعارض من قدرة الله، وأن يقرءوا فى صحفها ما يحدثهم عن جلال الله وقدرته..
فهذه الأرض، قد جعلها الله بقدرته القادرة «مهادا» أي فراشا ممهدا، وبساطا ممدودا، يتحرك فيها الإنسان، ويسلك مسالكها، ويجد وسائل العيش والحياة فيها..
وهذه الجبال، قد جعلها الله سبحانه «أوتادا» تمسك الأرض، حتى لا تميد وتضطرب.. إنها أشبه بالأوتاد التي تشد الخيمة، وتمسك بها..
ثم هأتم أيها الناس، وقد خلقكم الله أزواجا، ذكرا وأنثى، حتى تتوالدوا فى هذه الأرض وتتكاثروا، ويتصل نسلكم فيها، وتعمر وجوهها بأجيالكم المتعاقبة عليها..
وليست هذه المزاوجة لكم وحدكم، أيها الناس، بل هى أمر عام ينتظم عوالم الأحياء كلها، من نبات وحيوان.. بل إن هذا الحكم ليمتد، فيشمل كل ما خلق الله.. فكل مخلوق، من عالم الجماد، أو النبات أو الحيوان، لا يقوم له وجود إلا إذا كان له ما يقابله من جنسه، مقابلة عنادّيّة، من شأنها
стр. 6550
أن تستثير قواه، وتبعث كوامنه، وهو بالتالى يستثير المقابل له، ويستخرج كوامنه، وبهذا يلتقيان، ويتزاوجان، وتتكون من تزاوجهما طاقة يتولد عنها مخلوق جديد، وهكذا الشأن فى عالم المعاني أيضا..
فالذكر تقابله الأنثى، والأنثى يقابلها الذكر، والنور يقابله الظلام، والنهار يقابله الليل، واليقظة يقابلها النوم، والحياة يقابلها الموت، والحق يقابله الباطل، والجميل يقابله القبيح.. وهكذا، فليس شىء فى الوجود قائم بذاته، متفرد بوجوده.. وذلك لتكون الوجدانية خالصة لله الواحد القهار.
قوله تعالى:
. «وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً» السّبات: السكون، والهمود، والمسبوت الميّت، يقال: ضربه فأسبته، أي أحمد أنفاسه، وأبطل حركته.. والسبت: القطع.
ومن قدرة الله ، ومن آثار رحمته، أنه جعل النوم موتا لنا ونحن أحياء، فألبسنا الحياة والموت معا.. نحيا، ونموت، ونموت ونحيا، وذلك فى كل يوم من أيام حياتنا.
فالنوم، صورة مصفرة من الموت، وانطلاق الروح فى حال النوم، وسياحتها ورحلتها المنطلقة بعيدا عن الجسد، هو أشبه بانطلاقها انطلاقا مطلقا بعد الموت، وارتحالها الأبدى فيما وراء المادة.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» (٤٢: الزمر) وقوله سبحانه:
«وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ» (٦٠: الأنعام) قوله تعالى:
«وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً» .