Полный текст (6 903 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.
стр. 6651
التفسير:
قوله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ» .
الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: أي الذين كادوا لهم فى دينهم، وأخذوهم بالبأساء والضراء ليفتنوهم فى دينهم، ويخرجوهم منه.
وهذا وعيد من الله لكل من تعرض لأوليائه المؤمنين والمؤمنات، بأذى، يريد أن يصرفهم عن الإيمان، أو يصدّهم عنه.. فهؤلاء الذين آذوا المؤمنين والمؤمنات بسبب إيمانهم، إذا لم ينزعوا عما هم فيه، ولم يرجعوا إلى الله مؤمنين تائبين، فقد أعدّ الله لهم عذاب جهنم، بما فيها من مقامع من حديد، ومن شدّ إلى السلاسل والأغلال، ومن حميم يصبّ فوق الرءوس، ومن غساق يقطع الأمعاء.. ثم لهم فوق ذلك كله عذاب الحريق، أي عذاب النار ذاتها، الذي يرعى أجسامهم، كما ترعى النار الحطب.
قوله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ» .
هو فى مقابل ما يلقى الذي فتنوا المؤمنين والمؤمنات، من عذاب..
إذ ليس العذاب هو كل ما فى الآخرة، بل فيها إلى جانب النار للمجرمين، جنات تجرى من تحتها الأنهار للمؤمنين المتقين: «وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ» (٢٠: الحديد)
стр. 6652
قوله تعالى:
«إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ» البطش الأخذ بالشدة الباطشة، كما فى قوله تعالى: «إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» أي أن عقاب الله سبحانه للمجرمين عقاب شديد، متمكن منهم، لا يجدون سبيلا للفرار منه.. وفى هذا وعيد للمشركين، وشدّ لأزر النبىّ، وإلفاته إلى أن هؤلاء المشركين هم فى قبضة الله، لا يفلتون منه أبدا.
وقوله تعالى:
«إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ» .
أي أنه سبحانه يبدىء الخلق ويعيده، فيحيى ويميت، ويميت ويحيى، وفى هذا دليل على القدرة الفعّالة الدائمة، القائمة على تدبير هذا الوجود، وتبدّل صوره حالا بعد حال، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» (٢٩: الرحمن) .
وقوله تعالى:
«وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ. ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ. فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ» .
أي ومن صفاته سبحانه أنه «الغفور» أي الكثير للغفرة لذنوب عباده المؤمنين، الذين يجيئون إليه تائبين مستغفرين: «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى» (٨٢: طه) .. وهو سبحانه «الودود» أي الكثير الودّ لمن وادّ الله ورسوله، كما يقول سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا» (٩٦: مريم) وهو سبحانه صاحب السلطان الرفيع العظيم، الذي لا يساميه سلطان.
وهو- سبحانه- الفعال لما يريد.. أي يفعل ما يشاءدون معوق أو معقب..
فكل ما أراده سبحانه تمضيه قدرته..
стр. 6653
وفى هذا العرض لصفات الله- سبحانه- الجامعة بين القدرة والبطش، وبين المغفرة والود- فى هذا وعيد ووعد، وتهديد وترغيب.. فمن خاف وعيد الله بالعذاب، تلقاه وعده بالرحمة والرضوان، ومن أفزعه التهديد بالنار وعذابها، آنسه للترغيب بالجنة ونعيمها وقوله تعالى:
«هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ» .
هو إلفات إلى طغمة من عتاة الناس وأشرارهم، من الذين استخفوا بقدرة الله، ولم يرهبوا سلطانه، فتسلطوا على العباد، وطغوا فى البلاد، فأكثروا فيها الفساد.
والاستفهام هنا: إما أن يكون على حقيقته، ويكون النبي ﷺ قد تلقى من آيات ربه قبل ذلك، حديثا عن فرعون، وثمود، وما أخذهم الله به من بلاء ونكال، وعلى هذا يكون جواب الاستفهام محذوفا، تقديره.
نعم أنانى حديث الجنود فرعون، وثمود! ويكون التعقيب على هذا الجواب أظهر من أن بدل عليه، وهو: ألا ترى فى هذا الحديث ما أخذ الله به أهل البغي والتعدي؟ وهل قومك أعتى عتوّا وأشد قوة من فرعون وجبروته، وتمود وبطشهم؟
ويجوز أن يكون الاستفهام مرادا به بالنفي، أي إنه لم يأتك حديث الجنود.. وإذن فسنقصه عليك فيما سينزل عليك من آياتنا بعد.. وفى هذا ما ببعث الشوق والتطلع إلى هذا الحديث العجيب، وانتظاره فى لهفة، وترقب.
وفى وصف القوم بالجنود، إشارة دالة إلى أنهم ذوو بأس وقوة،
стр. 6654
كبأس أبطال الحرب وقوتهم، وأنهم فى حرب مع أولياء الله، يلبسون لباس الحرب دائما.
قوله تعالى:
«بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ، وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ» هو إضراب عن انتفاع المشركين بهذه العبر والمثلات، التي يقصها الله من أخبار القرون الأولى، وما أخذ به أهل الضلال والسفه والعناد.. فالذين كفروا «فى تكذيب» أي هكذا شأنهم دائما، هم فى سلسلة لا تنقطع من التكذيب لكل ما يسمعون من آيات الله، دون أن يصغوا إلى ما يسمعونه، أو يعقلوه.. فالتكذيب بآيات الله وبرسل الله، هو الظرف الذي يحتويهم فى كل زمان ومكان..
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ» تهديد لهم بأن الله محيط بهم، وهم فى غفلة عن هذا، وهم لهذا سيؤخذون دون أن يشعروا، لأنهم غافلون عن علم الله، وعن قدرته، ذاهلون عن عقابه الراصد للمجرمين الضالين..
وقوله تعالى:
«بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ» هو إضراب عن هذا الإضراب.. وذلك أن المشركين، وإن لم ينتفعوا بما فى القرآن، ولا بشىء من نوره الذي يملأ الآفاق.. فهو قرآن مجيد، أي عالى القدر، رفيع الشأن لا ينال منه هذا النباح، ولا يصل إلى سمائه هذا العواء، من المشركين الضالين.. أنه فى لوح محفوظ عند الله، وفى كتاب مكنون، ولا يمسّه، ولا يصافح نوره، إلّا من طهرت أنفسهم من دنس الكفر ورجس الضلال..
стр. 6655
(٨٦) سورة الطارق
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة البلد عدد آياتها: سبع عشرة آية..
عدد كلماتها: إحدى وستون كلمة عدد حروفها: مائتان وتسعة وثلاثون حرفا
مناسبتها لما قبلها
هى نسق متّسق مع ما سبقها، فى عرض أحداث يوم القيامة، وإرهاصاتها، تقريرا، وتوكيدا لهذا اليوم..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٧) [سورة الطارق (٨٦) : الآيات ١ الى ١٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩)
فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧)
стр. 6656
التفسير:
قوله تعالى:
«وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ. وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ. النَّجْمُ الثَّاقِبُ» .
القسم هنا، بشيئين، هما: السماء، والطارق! ولأن السماء معروفة، وهى هذا البناء القائم ذو السقف المرفوع فوقنا- فلهذا لم يكشف القرآن عن وجهها..
أما «الطارق» فهو مما لا يعرف على وجه التحديد، فإن لفظ «الطارق» يحتمل معانى كثيرة.. فكل ما طرق الإنسان وجاءه على غير انتظار، فهو طارق، سواء أكان شخصا أم حدثا.. وفى الحديث الشريف: «أعوذ بك من طوارق الليل والنهار إلّا طارقا يطرق بخير يا رحمن» .. ولهذا فقد جاء القرآن بهذا السؤال عنه: «وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ» ؟ حتى ينبّه إليه، ويبعث على التطلع إلى معرفته.. ثم بينه الله بقوله: «النَّجْمُ الثَّاقِبُ» فهذا هو الطارق.. إنه النجم الثاقب! والنجم الثاقب: قد يكون نجما واحدا، وهو النجم القطبي، الذي يثقب ظلمة الليل بضوئه المشع، كما أشرنا إلى ذلك فى سورة النجم.
وقد يكون مرادا به، جنس النجم، أي كل ما يظهر فى السماء من نجوم، تثقب بضوئها أديم السماء المعتم.
وقد يكون المراد به تلك الشهب الراصدة، التي ترجم بها الشياطين، وهى النيازك التي ترى ساقطة من السماء إلى الأرض فى الليل، ثاقبة الظلام المنعقد بين السماء والأرض..
«م ٩٦ التفسير القرآنى ج ٣٠»
стр. 6657
وهذا، هو الأنسب، لأنه يتّسق مع قوله تعالى بعد ذلك: «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ» أي أنه كما للسماء حفظة يحفظونها من أن تدخل الشياطين حماها، كما يقول على لسان الجن: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً» (٨: الجن) .. وكما يقول جل شأنه: «وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ» (٥: الملك) وكما يقول سبحانه: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ» (٦، ٧: الصافات) - أي كما جعلنا للسماء حفظة يحفظونها، كذلك جعلنا على كل نفس حافظا موكّلا بها من عندنا، يسجل أعمالها، كما يقول سبحانه:
«وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ» (١٠، ١١ الانفطار) وكما يقول تعالى:
«لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» (١١: الرعد) .
وقوله تعالى:
«إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ» .. هو جواب القسم..
أي ما كل نفس إلّا عليها حافظ، أي حارس أمين، ضابط لكل ما تعمل من خير أو شر، أو أن كل نفس يقوم عليها من كيانها ما يحفظ عليها وجودها، وذلك بما أودع الخالق جل وعلا فيها، من قوى مادية ومعنوية، تجعل منها جميعا أسلحة عاملة، تحمى الإنسان، وتدفع عنه ما يعترض طريقه على مسيرة الحياة، وإن أظهر حافظ يحفظ الإنسان هو عقله، الذي يميز به الخير من الشر، والخبيث من الطيب، ولعلّ هذا أقرب إلى الصواب، إذ جاءت بعد هذه الآية دعوة للإنسان إلى أن يستعمل عقله، وينظر فى أصل خلقه، ومادة وجوده..
وهو قوله تعالى:
«فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ» أي وإذ كان مع كل إنسان حافظ، هو عقله، فلينظر بهذا العقل الحافظ، إلى قدرة الله ، فى ذاته هو، وإلى قدرة الله سبحانه
стр. 6658
فى إبداع هذه الذات وتصويرها.. فإنه لو نظر بهذا العقل إلى هذا الذي يوجّه إليه من حقائق، لعرف طريق الحق، وسلك مسالك الهدى.
فمن أين خلق هذا الإنسان، ذو العقل والبصر؟ خلق من ماء دافق، أي ماء سائل، جار، لا كون له، ولا تماسك بين أجزائه..
وقوله تعالى: «يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ» - إشارة إلى مورد هذا الماء الدافق، وأنه ماء مخرجه من بين الصلب والترائب..
والصلب، فقار الظهر، والمراد به صلب الرجل، أي ظهره.
والترائب: جمع تريبة، وهى موضع القلادة من الصدر.. والمراد بالتربية هنا تريبة المرأة..
فالماء الذي يخلق منه الإنسان، هو ماء الرجل والمرأة معا، حين يلتقيان فى رحم المرأة..
وفى وصف الماء بالتدفق، إشارة إلى أنه ماء قد خرج خروجا طبيعيا، بعد أن استوى ونضج فى صلب الرجل، وتربية المرأة، وأنه ليس ماء انتزع انتزاعا من موضعه قبل أن ينضج ويستوى..
قوله تعالى:
«إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ» .
أي أن الله سبحانه الذي خلق هذا الإنسان من هذا الماء الدافق، قادر على أن يرجعه إلى الحياة بعد الموت، ويخلقه خلقا آخر، كما خلقه أول مرة.. فهذا الماء لا يختلف- فى تقدير الإنسان- عن هذا التراب الذي الذي يبعث منه الإنسان بعد موته.. كلاهما شىء بعيد عن صورة الإنسان.. فما أبعد ما بين الإنسان، وبين الماء، أو التراب!
стр. 6659
وقوله تعالى: «يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ» إشارة إلى الوقت الذي يبعث فيه هذا الإنسان إلى الحياة مرة أخرى، فذلك هو يوم «تبلى السرائر» أي يوم يخرج كل ما انطوى فى سريرة الإنسان، وكل ما احتفظ به فى صدره من أسرار، فلا يبقى سر إلا ظهر على الملأ، يوم الحساب والجزاء.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ. وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ. إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» (٩- ١١: العاديات) .
قوله تعالى:
«فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ» .
أي فى هذا اليوم، يوم يكشف عما فى الصدور، ويوضع موضع الفحص والاختبار، ليتبين الخبيث من الطيب- فى هذا اليوم لا يكون للإنسان قوة من ذات نفسه، يدفع بها السوء عنه، كما أنه لا يجد ناصرا ينصره ويعينه..
فكل إنسان مشغول بما هو فيه: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» .
(٣٧: عبس) وقوله تعالى:
«وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ، وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ، إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَما هُوَ بِالْهَزْلِ» .
هو قسم بالسماء ذات الرجع، أي ذات المطر الذي ينزل من السحاب، وسمى المطر رجعا، لأنه خرج من الأرض، وإليها يرجع.. وقسم آخر بالأرض ذات الصدع، أي التي تتشقق ليخرج منها النبات، الذي يتخلق فى رحمها من هذا الماء المصبوب فيها..
فالسماء التي ينزل منها الماء، إنما تعيد هذا الماء إلى الأرض الذي خرج منها إلى السماء، والأرض التي تتصدع عن النبات تعيد هذا النبات الذي نقذ إليها من ظهرها- تعيد إلى ظهرها مرة أخرى. وفى هذا، وذاك، دليل على تلك الدورة
стр. 6660
التي يدور فيها الإنسان، فينقل من ظهر الأرض إلى بطنها، ثم يعود من بطنها إلى ظهرها..
وقوله تعالى:
«إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَما هُوَ بِالْهَزْلِ» .
هو المقسم عليه بالقسمين السابقين، وهو أن هذا القول الذي تنطق به آيات الله، هو قول حقّ، واقع لا شك فيه، وليس هو بالهزل الذي لا تقصد به دلالاته ومعانيه..
وقوله تعالى:
«إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً» .
هو تعقيب على قوله تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَما هُوَ بِالْهَزْلِ» - وهو فى موقع جواب عن سؤال هو: ماذا كان موقف المشركين من هذا القول الفصل؟
فكان الجواب: «إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً» أي يمكرون مكرا، ويستقبلون هذا القول بالمماحكة والجدل، وينصبون الشراك له، ويقيمون المعاثر فى طريقه، ليصدّوا الناس عنه.. إنهم فى حرب معه، يكيدون له بكل يقدرون عليه، مجتمعين، أو فرادى..
وقوله تعالى:
«وَأَكِيدُ كَيْداً» .
هو ردّ على كيد هؤلاء الكائدين، لإبطال كيدهم ولقتلهم بالسلاح الذي يحاربون به كلام الله.. وهذا مثل قوله تعالى: «وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» .. فهم إذا كادوا للقرآن، ودبروا أمرهم بليل، فإن الله كيدا، حيث يأخذهم العذاب، وهم لا يشعرون.
стр. 6661
قوله تعالى:
«فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً» هو تهديد للمشركين بما ينتظرهم من وراء كيدهم هذا.. وإنه ليس إلا أيام قليلة يقضونها فى دنياهم، حتى يلقاهم اليوم الذي يوعدون، وحيث يأخذهم عذاب الله، وليس لهم من دون الله من ولى ولا نصير..
وفى هذا عزاء للنبى الكريم، وتثبيت لقدمه على طريق دعوته، التي تقوم على طريقها هذه الذئاب المتربصة بها.. إنه فى حراسة الله، فليمض فى طريقه وليدع لله سبحانه ردّ هذا الكيد الذي يكادله.
(٨٧) سورة الأعلى
نزولها مكية.. نزلت بعد سورة المدثر.
عدد آياتها: تسع عشرة آية..
عدد كلماتها: ثمان وسبعون آية..
عدد حروفها: مائتان وواحد وسبعون حرفا
مناسبتها لما قبلها
ختمت سورة «الطارق» - قبل هذه السورة بقوله تعالى: «إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً. وَأَكِيدُ كَيْداً. فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً» وفى هذا- كما عرفنا- تهديد للمشركين، وتطمين لقلب النبي، وحماية له من هذا الكيد الذي يكاد له، فناسب أن تجىء بعد ذلك سورة «الأعلى» مبتدئة بقوله تعالى: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» ، ففى هذا الاستفتاح دعوة إلى تمجيد الله وتعظيمه، والتسبيح بحمده، على أن أخذ الظالمين بظلمهم، وأبطل كيدهم..
стр. 6662
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٩) [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ١ الى ١٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤)
فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩)
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)
التفسير:
قوله تعالى:
«سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى» «اسم ربك» أي الاسم الذي يدل على ذات الله ، ولله أسماء كثيرة، ذكرها فى القرآن الكريم، كما ذكرها النبي الكريم، فى حديث رواه البخاري، وهو قوله صلوات الله وسلامه عليه «إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا..»
стр. 6663
وأسماء الله تعالى، هى صفاته الموصوف بها، وهى وإن كانت مما قد نصف به ذواتنا، من العلم، والسمع، والبصر، والقدرة، وغيرها، إلا أن لله سبحانه كمال هذه الصفات، كمالا مطلقا، على حين أن ما نتداوله نحن من هذه الصفات هو فى حدود وجودنا المحدود، فيقال فلان حفيظ، وعليم، وقادر، وكريم، وهو فى هذه الصفات كائن بشرى محدود، واتصافه بها إنما هو بالإضافة إلى غيره، ممن هو أقل منه حفظا، أو علما، أو قدرة، أو كرما..
فالتسبيح باسم الله، هو ذكره سبحانه بكل ما له من الأسماء الحسنى، كما يقول سبحانه: «وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها» (١٨٠: الأعراف) والمراد بالتسبيح باسم الله، هو التسبيح لذاته .. ولكن الذات العلية لا يمكن تصورها، وإنما الذي يمكن تصوره- مهما بالغنا فى هذا التصور- هو ما تتصف به الذات من صفات الكمال التي تتجلى فى أسمائه الحسنى.
وقوله تعالى «الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى» هو مما نذكره من صفات الله ، حين نذكر اسمه الكريم: «الخالق» .. فإذا ذكرنا اسم الله هذا، ذكرنا منه أن الله سبحانه هو المتفرد بالخلق، لا يشاركه أحد فيما خلق فى السماء أو فى الأرض.. وهو سبحانه الذي سوّى ما خلق، فأقام كل مخلوق على أتم صورة له وأكملها، كما أقام من هذه المخلوقات جميعها صورة مسوّاة محكمة للوجود كله «ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت» (٣: الملك) وقوله تعالى:
«وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى»
стр. 6664
أي وهو سبحانه الذي قدّر لكل مخلوق ما هو مناسب له، ملائم لوجوده، محتفظ له بمكانه بين المخلوقات.. «الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» (٥٠: طه) فكل مخلوق، من إنسان، أو حيوان، أو نبات، أو جماد- ميسر لما خلق له.. كما فى الحديث الشريف: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» قوله تعالى:
«وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» ومن آثار الخالق ، أنه أخرج من الأرض ما يأكل منه الناس والأنعام.. فكل ما على الأرض من نبات، هو مرعّى للناس، وللحيوان، وأنه إذا كان الإنسان بعقله قد أدخل الصنعة على هذا المرعى، فاتخذ من الحبّ خبزا، ومن الفاكهة شرابا- فإن ذلك لا يخرج بهذا النبات عن أن يكون مرعى لنا وللأنعام، يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها، أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها، وَالْجِبالَ أَرْساها، مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ» (٣٠- ٣٣ النازعات) فالناس والأنعام سواء أمام هذه المائدة الممدودة من فضل الله.
وقوله تعالى: «فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» - إشارة إلى أن هذا المرعى الأخضر، لا يثبت على حال واحدة، بل إنه يتنقل من حال إلى حال، فيتحول من الحياة والخضرة، إلى الجفاف، والموات، فيكون «غثاء» أي هشيما «أحوى» أي أسمر اللون، بعد أن يلوّحه الجفاف، ويذهب منه ماء الحياة الذي كان يسرى فى كيانه.. وهذا من إبداع القدرة، التي تبدي وتعيد.
قوله تعالى:
«سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى» .
مناسبة هذه الآيات لما قبلها، هى أن الله أمر نبيه ﷺ فى أول السورة أن يسبح باسمه، وأن يذكره، وذلك بتلاوة آيات
стр. 6665
الله التي يتلقاها وحيا من ربه، فإن خير ذكر لله، هو بتلاوة آياته ، ولهذا كان أول ما تلقاه النبي- صلوات الله وسلامه عليه- من ربه، هو قوله تعالى: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» فهو مثل قوله تعالى:
«سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى، فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى» .
ولما كانت هذه السورة- سورة الأعلى- من أوائل ما نزل من القرآن، فقد كان النبي الكريم يحرص أشد الحرص على أن يحفظ حفظا موثّقا كلّ ما يتلقى من وحي.. فلما حمى الوحى وبدأت آيات الله تنزيل عليه تباعا، خشى أن يثقل على حافظته حفظ ما يوحى إليه، ولهذا كان يسمع الآية من جبريل ﵇ فيعيد تكرارها على لسانه حتى يثبت حفظها فى قلبه، فنزل عليه قوله تعالى: «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ»
(١٦- ١٩: القيامة) .. ثم جاء قوله تعالى: «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» .. وذلك ليقطع على النبىّ كل خاطر يخطر له من أن شيئا مما نزل عليه من آيات الله، يكون فى معرض النسيان يوما ما..
وفى قوله تعالى: «إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» - إشارة إلى أن هذا الحكم المطلق المؤيد بعدم النسيان، هو رهن بمشيئة الله، وأن مشيئة الله مطلقة لا يقيدها شىء..
فلو شاء سبحانه أن يذهب بما حفظ النبىّ من آيات الله لذهب به، ولكنه، سبحانه لم يشأ، فهى مشيئة مقيدة بمشيئة، وكلا المشيئتين من الله، وإلى الله.. وهذا مثل قوله تعالى: «وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ»
стр. 6666
(٨٦: الإسراء) ولكنه لم يشأ هذه المشيئة! وبذلك يظل النبىّ مع هذا الوعد الكريم من ربه، على ثقة واطمئنان، بأن ما يتلقى من آيات ربه، سيكون محفوظا فى صدره، ثم هو فى الوقت نفسه لا يخلى نفسه من معاناة الحفظ، والتلاوة، ومراجعة ما حفظ، وذلك ليعطى وجوده حقه من الطلب والمعاناة، وإلا- وحاشاه- كان أشبه بآلة مسجلة، تملأ، ثم تدار، لتفرغ ما ملئت به..
ولهذا كان من بعض حكمة الله سبحانه فى نزول القرآن منجما، ما أشار إليه سبحانه فى قوله تعالى: «كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ» وذلك بمعايشة كلمات الله، وقتا كافيا، تقرّ فيه فى صدر النبىّ، وتثبت بالحفظ، والمراجعة والمعاناة..
والدليل على ما ذهبنا إليه، ما ثبت من تاريخ القرآن، من أن النبىّ ﵊، كان يعرض على جبريل كلّ عام ما نزل عليه من القرآن، فلما كانت السنة التي توفى فيها النبىّ، عرض على جبريل القرآن كله، مرتين، وقيل ثلاث مرات، وذلك لتأكيد ما حفظ النبىّ وتوثيقه..
وهذا يعنى أن سنن الله الكونية- وهى من مشيئته وحكمته- قائمة أبدا، وأن الأخذ بالأسباب مطلوب فى كل حال، ومع كل مخلوق، حسب وجوده فى عالمه..
وقوله تعالى: «إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى» هو تأكيد لهذا الوعد مع الاستثناء، وأن الله سبحانه، الذي وعد النبىّ بألا ينسى ما يحفظ، هو عالم الجهر والسر، وهو سبحانه الذي يملك خطرات النفوس، وخلجات الصدور، فيتصرف فيها كيف يشاء..
وقوله تعالى:
«وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى» ..
стр. 6667
أي والله لا يشقّ عليك أيها النبىّ، ولا يكلفك ما لا تطيق، فهو ميسر لك أمرك جميعه، ومن أولى دلائل اليسر أنه أعانك على حفظ القرآن وتثبيته فى صدرك، فلا يذهب شىء منه.. ومن تيسيره عليك أنه جعل الشريعة التي أنت داع إليها وقائم بها شريعة يسر وسماحة، لا حرج فيها، ولا إعنات، كما يقول سبحانه: «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» .. (٧٨: الحج) قوله تعالى:
«فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى» ..
أي وبهذه الشريعة السمحاء ادع الناس إليها، وذكّر بها، ووجه القلوب والعقول إلى الله بها..
وقوله تعالى: «إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى» - إشارة إلى أن يذكّر النبىّ ما وجد للذكرى نفعا، والذكرى لا تخلو من نفع أبدا، فإنها إذا لم تجد فى الناس من يستجيب لها، وينتفع بها، فإنها واجدة فيهم أيضا من يستجيب وينتفع، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» (٥٥: الذاريات) .
وهذا يعنى أن النبىّ ﷺ لا يتخلّى عن مهمة التذكير أبدا..
فقيد الأمر بالتذكير، بنفع الذكرى قيد لازم، ومن لزوم هذا القيد أن يكون النبىّ مذكّرا بدعوته دائما، لأن مع كل ذكرى نفعا، وما دام النفع معها، فهى مطلوبة من النبىّ أبدا، وهو مذكر أبدا..
وقد اضطرب المفسرون فى تأويل هذه الآية، وفى تأويل القيد الوارد عليها فى هذا الشرط: «إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى» ، وبدا لهم من ذلك أن النبىّ لا يذكّر إلا فى حال يكون فيها للذكرى نفع، فإن لم يكن فيها نفع، فلا تذكير!! والنبىّ مطلوب منه أن يذكّر دائما نفعت الذكرى أو لم تنفع.. فكيف يتفق
стр. 6668
هذا الدوام، مع هذا القيد، وهو التذكير فى حال النفع وحده؟
وقد ذهب المفسرون مذاهب شتى فى حل هذا الإشكال، وخرجوه على وجوه قلّبت فيها مذاهب النحو، واللغة، على جميع وجوهها، دون أن يحصلوا من ذلك على طائل، نستريح له ونطمئن إليه..
وقد رأيت كيف كانت نظرتنا إلى الآية.. فلعلك تجد فيها ما تطمئن إليه وتستريح له..
قوله تعالى:
«سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى» ..
هو إشارة إلى أن الذكرى على أية حال نافعة، وأنه سيذكر بها من يخشى الله .. وأنه لن تخلو الإنسانية ممن يخشى الله ويتقيه، ويفتح قلبه للهدى المرسل فى آياته..
قوله تعالى:
«وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى» ..
وهذا هو الوجه الآخر من الذكرى، وهو الوجه الذي لا يكون فيه منها نفع للأشقياء الذين غلبت عليهم شقوتهم، فحرموا التهدى إلى الهدى..
ووصف النار بأنها الكبرى- إشارة إلى أنها ليست كنار الدنيا مع شدة ضرامها، وقسوة حرارتها، وإنما هى نار تأكل نار الدنيا، فى شدة ضرامها، وقسوة حرارتها.
وقوله تعالى: «ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى» - إشارة إلى أن الأشقياء الذين
стр. 6669
يلقون فى هذه النار، سيخلدون فيها، وهو خلود فى عذاب شديد- وقانا الله شره- وأن الحياة فى هذا العذاب ليست حياة يجد فيها الحي طعما للحياة، وليست موتا يستريح فيه من هذه الحياة.. فلا هو فى الأحياء، ولا فى الأموات، إنه فى حياة متلبسة بالموت، وفى موت ملبس بالحياة: «وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ» وهذا أقسى ألوان الحياة وأشدها..
قوله تعالى:
«قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى» ..
الذين لا تنفعهم الذكرى، هم الأشقياء الذين غلبت عليهم شقوتهم فلم تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق.. فكان مصيرهم النار، لا يموتون فيها ولا يحيون.. ذلك، على حين قد أفلح من تزكى، أي تطهر من أوضار الكفر والضلال، فآمن بالله، وذكر اسم ربه، وأقام الصلاة.
وقوله تعالى: «وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى» - إشارة إلى أن الصلاة مرتبة على ذكر الله، فمن لم يذكر الله سبحانه، ويستحضر جلاله وعظمته فيما يذكر من أسمائه وصفاته- لا يخشع قلبه لله، ولا يصلّى له..
وفى ذكر الصلاة على أنها الأثر المترتب على ذكر الله- إشارة إلى أن الصلاة، بما فيها من ولاء، وخشوع، وركوع، وسجود، هى أكمل الوسائل وأعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، ومن هنا كانت رأس العبادات..
وملاك الطاعات.. وهى شريعة كل نبى، ودعوة كل رسول إلى قومه، بعد الإيمان بالله.. فيقول سبحانه عن إسماعيل: «وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا» (٥٥: مريم) ويقول سبحانه على لسان عيسى:
«وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» (٣١: مريم) .
وفى ذكر الله بالربوبية من بين أسمائه الكريمة كلها-
стр. 6670
إشارة إلى أن الذي يذكر الإنسان اسمه، هو مرييه، ومنشئه، والمنعم عليه بالإيجاد، والخلق على هذه الصورة السوية.
قوله تعالى:
«بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى» .
هو إضراب عن هذا الخبر: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى» - حيث لم يستجب له معظم الناس، ولم يدخل فيه أكثرهم، إذ قد آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وشغلوا بها عن ذكر الله، وإقامة الصلاة على تمامها وكمالها، فى إخلاص، وخشوع، وإخلاء القلب لها من هموم الحياة وشواغلها..
فإن الصلاة إذا لم تستوف أركانها، ولم يدخل فيها المصلى بعد ذكر الله، واستحضار جلاله وعظمته- كانت مجرد حركات، يخشع لها قلب، ولا تنتعش بها روح!! إنها إن لم تكن نفاقا مع الناس، كانت نفاقا مع الإنسان ونفسه واختيانا من الإنسان للأمانة التي اؤتمن عليها، ليؤديها إلى روحه، وقلبه، غذاء وضياء! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى وصف المنافقين: «وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا»
(١٤٢:
النساء) .
وهؤلاء الذين قصروا فى ذكر الله، وفى الصلاة القائمة على ذكر الله، قد بخسوا أنفسهم، لأنهم آثروا الفانية على الباقية، اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، «وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى» .
قوله تعالى:
«إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى، صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى» .
الإشارة هنا إلى ما تحدثت به الآيات السابقة، من أن من آثر الحياة
стр. 6671
الدنيا، واستغواه غيّها وضلالها، فإن النار مأواه، وأن من ذكر اسم ربه فصلى، فإنه من أهل الفوز والفلاح- فهذا الذي تحدثت به الآيات هو من الحقائق الكبرى الخالدة، التي حملتها كتب الأنبياء السابقين، ومنهم إبراهيم وموسى..
وفى اختيار إبراهيم وموسى من بين الأنبياء والرسل، إشارة إلى أن إبراهيم هو أبو الأنبياء، وشريعته من الشرائع الأولى، وعلى امتدادها جاءت شريعة موسى، ثم شريعة الإسلام..
(٨٨) سورة الغاشية
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة الذاريات..
عدد آياتها: ست وعشرون آية.
عدد كلماتها: اثنتان وتسعون كلمة.
عدد حروفها: ثلاثمائة وواحد وثمانون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
ختمت سورة «الأعلى» بالحديث عن الآخرة، وعن أنها الحياة الخالدة الباقية، التي تستحق أن يعمل الإنسان لها، ويؤثرها على الدنيا، إيثار الحقّ على الباطل، والعظيم على الحقير، والباقي على الفاني.. ولكن حب الدنيا قد غلب على أكثر الناس، فصرفوا همهم كله إلى الدنيا، ولم يعطوا الحياة الآخرة شيئا من وجودهم، فجاءوا إلى يوم القيامة، مفلسين معدمين، ليس فى أيديهم زاد لها، بل كل ما يحملون هو أوزار وآثام، وضلالات.. فكان الحديث
стр. 6672
عن الغاشية، وهى القيامة، وعن أهوالها، تذكيرا للناس بها، وتنبيها لهم إلى ما يلقى المجرمون فيها من عذاب ونكال..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٦) [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤)
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩)
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)
وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)
التفسير:
قوله تعالى:
«هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ؟» سؤال، يراد به تشويق المسئول إلى المسئول عنه، وإثارة الرغبة عنده فى التطلع إليه، والبحث عن جواب له.
وما يكاد المسئول يبحث فى خاطره عن جواب هذا السؤال، حتى يرد عليه الجواب من خارج، فيلتقى مع ما تردد فى خاطره من أجوبة عليه.. فإذا كان «م ٩٧ التفسير القرآنى ج ٣٠»
стр. 6673
ما وقع فى خاطره صحيحا، التقى مع هذا الجواب الوارد عليه التقاء متمكنا، وعانقه عناق الغائب المنتظر، وإلا أخذ الجواب الصحيح، وأقامه مقام مالم يصح من خواطره، وتصوراته..
والغاشية: ما يغشى الناس فى هذا اليوم، من أهوال، وما يطلع عليهم فيه من شدائد.. وأصله من الغشي، وهو السطو والهجوم..
«وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ ناصِبَةٌ» .
هذا هو مطلع حديث الغاشية، وهذا هو الجواب على السؤال عنها.. إن ما تحدّث به الغاشية عن نفسها ليس كلاما، وإنما هو أفعال وأحداث.. ومن أحداثها، تلك الوجوه الخاشعة.. وخشوعها هو خشوع ذلة، وضراعة، ومهانة، وليس خشوع تقوى وتوقير وإجلال.. فللذل خشوع انكسار، وامتهان، تموت معه العواطف، والمشاعر، كما يقول تعالى فى أصحاب النار:
«وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ» .
وفى قوله تعالى: «عامِلَةٌ ناصِبَةٌ» - إشارة إلى هذا الرهق الذي غشى تلك الوجوه الخاشعة، لأن أصحابها فى نصب دائم، وعمل مضن لا ينقطع، من موقفهم موقف المساءلة، والحساب، وعرض مخازيهم عليهم، إلى وضع الأغلال فى أعناقهم، إلى سحبهم على وجوههم فى جهنم، إلى صرخات الويل والثبور التي تملأ الآفاق من حولهم، فكل هذا وكثير غيره من الأهوال، تنطبع على وجوههم آثاره، قتاما وعبوسا، ورهقا..
وقوله تعالى:
«تَصْلى ناراً حامِيَةً. تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ» .
هو صفة لهذه الوجوه، وما يرد عليها من مساءات.. إنها «تَصْلى ناراً
стр. 6674
حامِيَةً»
أي تعذب بنار حامية.. وفى وصف النار بأنها حامية، إشارة إلى أنها نار ذات صفة خاصة، على خلاف المعهود من نار الدنيا.. فكل نار، حامية، وهذا الوصف الوارد على النار، يعطى وصفا جديدا لها.
وهذه الوجوه أيضا، تسقى من ماء حار، يغلى فى البطون كغلى الحميم.
وإسناد هذه الأفعال إلى الوجوه، لأن الوجوه، هى عنوان الذات الإنسانية، وهى وحدها التي تحدّث عن ذات الإنسان، وتدل عليه.. فالناس يتشابهون أجسادا، ولكن الذي يفرق بين إنسان وإنسان هو الوجه الذي يجعل لكل إنسان صورته التي يعرف بها بين الناس.. إن الوجه هو الذات الإنسانية بكل مشخصاتها ومقوماتها، ولهذا كان له هذا الشأن فى موقف الحساب والجزاء، وما يلقى الإنسان هناك من نعيم أو عذاب، إن كل صور العذاب والآلام تنطبع عليه..
قوله تعالى:
َيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ»
..
عدل هنا عن الحديث إلى الوجوه، واتّجه به إلى أصحابها، لأن الطعام لا يساق إلى الوجوه وإنما يساق إلى البطون، ثم تنطبع آثاره على الوجوه..
وفى هذا ما يعطى كل جزء من أجزاء الجسد نصيبه من هذا العذاب. فالعذاب الذي يقع على جزء من الجسد، يشيع فى الجسد كله، فإذا كان كل جزء من الجسد واقعا تحت لون من ألوان العذاب يتناسب مع طبيعته، كان ذلك أنكى وآلم، حيث يتحول الإنسان تحت وطأة هذا العذاب إلى طاقات كثيرة متعددة، يصبّ فيها العذاب الذي يحتوى كل ذرة فيها، ولعل هذا من بعض ما يشير إليه قوله تعالى: «يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ» (٦٩: الفرقات) .
стр. 6675
والضريع، كما يدل عليه لفظه، طعام غثّ ردىء، لا تتولد عنه إلا الضراعة، والذلة، والمهانة..
وقد اختلف المفسّرون فى معنى «الضريع» والفصيلة الذي ينتمى إليه من فصائل النبات.. وقال كل ذى رأى برأيه فيه، وتكاف له التأويل والتخريج..
والرأى- والله أعلم- أنه من طعام أهل النار، لا يعرف له شبيه فى الحياة الدنيا، ولهذا وصفه الله سبحانه بأنه «لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ» أي أنه لا تتقبله الأجسام، ولا تتفاعل معه، كما أنه لا يشبع جوع الجياع..
ولو كان معروفا عند العرب، لما وصف هذا الوصف الكاشف!.
قوله تعالى:
«وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً» ..
وهذا من حديث الغاشية أيضا..
فإذا كان من معارض يومها، وجوه خاشعة، عاملة، ناصبة- فإن من معارضها، كذلك، وجوه ناعمة، لسعيها راضية، فى جنة عالية..
والوجوه الناعمة، هى التي ترى عليها نضرة النعيم، وبشاشة الرضوان، فترقرق على صفحتها وضاءة البشاشة، ويجرى فى أديمها رونق البهاء، والصفا..
ولم تعطف هذه الوجوه على ما قبلها، مع أنها من حديث الغاشية، ليكون ذلك عزلا لها عن تلك الوجوه المنكرة، العاملة، الناصبة، التي تصلى نارا حامية..
فهذه وجوه، وتلك وجوه، ولا جامعة بينهما، إذ فريق فى الجنة وفريق فى السعير..
وقوله تعالى: «لسيعها راضية» .. أي راضية لأجل سعيها الذي قدمته بين يديها.. فاللام هنا للتعليل..
стр. 6676
وقوله تعالى: «فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ» حال من ضمير الوجوه فى قوله تعالى:
«راضية» .. والجنة العالية: أي عالية القدر، عظيمة الشأن..
وقوله تعالى: «لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً» صفة لهذه الجنة العالية، التي علا مقامها وارتفع قدرها عن أن يطوف بها طائف من الهذر أو اللغو..
واللاغية: الكلمة التي لا يعتد بها، لإسفافها وسقوطها..
وقوله تعالى: «فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ» .. وحيث كان الماء كانت الحياة، وكان الخصب، والخير، وكانت البهجة والمسرة..
قوله تعالى:
«فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ» ..
هو عرض لما فى هذه الجنة العالية من ألوان النعيم.. ففيها سرر مرفوعة، أي عالية القدر، وأكواب موضوعة، أي معدة للشاربين، وفيها «نَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ» أي وسائد، قد صفّ بعضها إلى جانب بعض، ليتكىء عليها الجالسون على هذا النعيم.. واحدتها نمرقة.. وفى هذه الجنة «زرابى مبثوثة» أي بسط متناثرة على أرض هذه الجنة، كأنها النجوم..
الآيات: (١٧- ٢٦) [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١٧ الى ٢٦]
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)
стр. 6677
التفسير:
قوله تعالى:
«أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ» ..
هو إلفات لهؤلاء المشركين المكذبين بالغاشية، إلى قدرة الله ، تلك القدرة القادرة على أن تعيدهم إلى الحياة بعد الموت، وأن تردّهم إلى الله سبحانه، للحساب والجزاء..
وفى إلفاتهم إلى الإبل، وإلى ضخامتها، وقوتها، وما أودع الخالق فيها من قوى قادرة على حمل الأثقال، والمشي فى الرمال، وإلى الصبر على الجوع والعطش- كل هذا يكشف عن صانع عظيم، عليم، حكيم، خلق فسوى، وقدر فهدى..
ولأن أول ما يلفت النظر إلى الإبل، هو قاماتها العالية، ورقابها المرفوعة، فقد ناسب ذلك أن يلفتوا إلى السماء، وإلى هذا العلو الشاهق الذي لا حدود له..
«وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ» .. كذلك ناسب أيضا أن يلفتوا إلى الجبال، وقد مدت رقابها فوق الأرض كأنها رقاب الإبل، أو أسنمتها.. «وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ» .. ثم إن الشأن ليس فى رفع الشيء وعلوه، فما رفع الشيء إلا لحكمة، كما أنه ما خفض شىء إلا لحكمة.. فهذه الأرض المبسوطة الممدودة، لو كانت كلها أسنمة كأسنمة الإبل، أو رقابا كرقابها، لما أمكن الانتفاع بها، والسير فيها.. فهى مع ارتفاع بعض أجزائها، قد انبسط
стр. 6678
بعض أجزائها الأخرى، لتكون مهادا للناس، وبساطا ممدودا.. وبهذا تذلّل لهم وتستجيب لحركتهم عليها.. «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» (١٥: الملك) .
وقوله تعالى:
«فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ» .
هو دعوة إلى النبي الكريم أن يعرض هذه الآيات التي تحدثت عن قدرة الله سبحانه، وعن حكمته، ليكون فيها تذكرة لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر..
فوظيفة النبىّ، هى التذكير بالله، وإلفات العقول والقلوب إلى قدرته، وعلمه، وحكمته، وإلى ماله سبحانه من نعم سابغة على عباده..
وقوله تعالى: «لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ» أي لست أيها النبي بمتسلط على الناس، تقهرهم بسلطان قوى، وبقوة قاهرة، على أن يؤمنوا بالله، ويستجيبوا لما تدعوهم إليه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ» (٤٥: ق) .
وفى هذا إطلاق للإنسان، وتحرير لذاته وشخصيته من أي سلطان، إلا سلطان عقله وضميره، وفى هذا تكريم للإنسان، واعتراف بمكانه فى الوجود، وأنه لا وصاية عليه من أحد حتى الأنبياء والرسل.. إنهم ليسوا أوصياء عليه، وإنما هم هداة يرفعون لعينيه مشاعل الهدى فى طريق حياته، فإن شاء سار فى الطريق الذي يكشف عنه هذا النور، وإن شاء أخذ الطريق الذي اختاره له عقله، وارتضاه ضميره.. ولو كان كفرا وضلالا، فتلك مشيئته التي شاءها لنفسه!.
قوله تعالى:
«إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ» ..
стр. 6679
إلا هنا استثناء من عموم الأحوال التي تدخل فى السيطرة الواقع عليها النفي.. أي لست مسيطرا على الناس إلا فى حال واحدة، وهى حال من تولى وكفر، فإنه فى هذه الحال واقع تحت سلطان العذاب الذي أنذرته به.. وهذا العذاب فى يد الله، يعذب به هؤلاء الذين تولوا وكفروا.. فالسلطان الواقع على الإنسان هنا، هو سلطان الله سبحانه، وليس الرسول إلا منذرا بهذا السلطان، محذرا منه..
والعذاب الأكبر، هو عذاب يوم القيامة.. ووصف العذاب بهذه الصفة التي تحصر غاية العذاب وصوره كلها فيه- لأن كل ما عرفه الناس فى الدنيا من عذاب، هو عذاب دون هذا العذاب قدرا وأثرا.. فهو العذاب الأكبر كبرا مطلقا، لا حدود له.
وقوله تعالى:
«إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ» ..
أي أن هؤلاء الذين تولوا وكفروا، ولا يفلتون من هذا الذي أنذروا به- إنهم سيعودون إلى الله، وسيحاسبون على ما اجترحوا من آثام.. وليس وراء هذا الحساب إلا العذاب الأليم.. العذاب الأكبر! وأنهم إذا كانوا قد خرجوا من سلطان النبىّ، فإنهم لن يخرجوا من سلطان الله الذي يلقاهم بهذا العذاب..
والإياب الرجوع إلى المكان الذي خرج منه الإنسان.. كالمسافر يئوب من سفره.. وفى هذا إشارة إلى أن البعث هو عودة إلى الحياة التي فارقها الإنسان فى رحلته التي بدأت بالموت.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى..»
(٨: العلق) .
стр. 6680
(٨٩) سورة الفجر
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة الليل عدد آياتها: ثلاثون آية..
عدد كلماتها: مائة وسبع وعشرون كلمة..
عدد حروفها: خمسمائة وتسعة وتسعون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
هذه السورة، هى امتداد لعرض آيات من قدرة الله ، وما أخذ به المكذبين بالحياة الآخرة، الذين لم يؤمنوا بالله، ولم يصدقوا بما جاءهم على يد رسل الله من آيات مبصرة..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٤) [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩)
وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)
стр. 6681
التفسير:
[الليالى العشر.. ما تأويلها] قوله تعالى:
«وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ» ؟
هذه خمسة أقسام، أقسم الله بها، مفتتحا بها هذه السورة الكريمة..
وهى: الفجر، والليالى العشر، والشفع، والوتر، والليل..
والفجر، معروف فى اللغة، ودلالته محددة لا اختلاف عليها.. وهو أول مطلع النهار، فى جلد الليل الأسود..
أما الشفع، فهو الزوج من كل شىء.. فالاثنان فى العدد شفع، والاثنان من الناس، أو الأنعام، أو الشجر، شفع.. وذلك على خلاف الوتر، الذي يدل على واحد فرد، لم يشفع بواحد آخر من جنسه..
ولكن ما دلالة: «ليال عشر» .. إنها إذا أخذت على إطلاقها، صحّ أن يقال إنها أي ليال عشر مقتطعة من ليالى الزمن على امتداده، فهى إذن ليست ليال على صفة خاصة، ولهذا جاءت منكّرة، ومع هذا فقد كثرت فيها أقوال المفسرين، فقيل هى الليالى العشر الأولى من ذى الحجة، وقيل هى العشر الأواخر من رمضان، التي بدىء بنزول القرآن فيها، والتي فيها ليلة القدر، وقيل هى عشر ليالى موسى التي كانت من الليالى الأربعين التي واعده الله سبحانه
стр. 6682
وتعالى فيها، كما يقول تبارك اسمه: «وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ» (١٤٢: الأعراف) ..
وقيل، وقيل كثير غير هذا..
وكذلك كانت المقولات فى الشفع، والوتر.. فقيل إن الشفع صلاة الصبح، والوتر صلاة المغرب، وقيل إن الشفع هو الخلق، وما فيه من تزاوج بين المخلوقات، كالذكر والأنثى، والليل والنهار، والأرض، والسماء، والخير والشر.. ونحوها.. والوتر، هو الخالق ، لأنه جل شأنه الواحد، المتفرد بالوحدانية..
ولم يخل من هذا الاختلاف إلا «الليل» فهو الذي أجراه المفسرون على إطلاقه.. حتى «الفجر» الذي قلنا إن دلالته محدودة فى اللغة، لم يسلم من هذا الخلاف، فالذين قالوا إن الليالى العشر، هى العشر الأواخر من ذى الحجة- قالوا إن الفجر هو فجر الليلة العاشرة التي تمّ فيها مناسك الحج، وتنحر مع فجرها الأضحيات.
وتقطيع الوحدة الزمنية مع هذه الأوقات التي أقسم الله بها، يجعل الجمع بينها خلوا من المناسبة التي تجمع بينها، وتؤلف منها كيانا متسقا متلاحما، الأمر الذي لا يفوت النظم القرآنى، فى أىّ موضع يجتمع فيه شىء إلى شىء، سواء أكان هذا الجمع على سبيل التوافق أو التضاد.
ولعل خير موقف نأخذه عند النظر فى هذه الأقسام، للخروج من هذا التضارب فى دلالاتها، هو أن نقف بها عند مدلولها اللفظي، مطلقا من كل قيد.
فالفجر، هو الفجر.. أي فجر يكون!
стр. 6683
والليالي العشر: هى ليال عشر، من أي ليالى الزمن كله على امتداده.
والشفع والوتر، هو العدد الزوجى، أو الفردى، من الليالى.
والليل، هو أي ليل يقابل النهار، من أي يوم من أيام الزمن.
وفى هذا نجد أن المقسم به هنا هو الزمن، فى وحدات زمنية منه، هى:
الفجر، والليل، وعشر ليال من هذا الليل.
أما الشفع والوتر، وإن لم يكن من المتعيّن أن المعدود بهما قطع من الزمن، فإن السياق الذي جاءا فيه، يقضى بأن يكون المعدود- زوجا أو فردا- قطعا من الزمن، وأقرب هذه القطع أن تكون من الليالى، شفعا أو وترا..
إذ سبقهما قوله تعالى: «وليال عشر» وهى عدد شفع، وتلاهما قوله تعالى:
«وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ» وهو عدد وتر! ويكون القسم بالليالي العشر جملة، ثم القسم بها ليلتين ليلتين، وليلة ليلة.
فإذا ذهبنا- وهذا من التكلف الذي لا بأس به- إذا ذهبنا نلتمس الحكمة فى القسم بهذه القطع من الزمن، دون غيرها: فإنا نقول- والله أعلم- إن القسم بالفجر إشارة إلى تفجر النور من أحشاء هذا الظلام الموحش، الذي يطبق على الوجود ويلفه فى رداء ثقيل، أشبه بالأكفان التي يلف فيها الموتى..
إنه إشارة إلى بعث جديد للحياة، ودعوة مجددة للأحياء أن يكتحلوا بهذا النور، وأن يأخذوا مواقفهم فيه على طريق العمل.
والليالى العشر، هى الليالى العشر الأولى من أول كل شهر قمرى، وهى الليالى العشر فى وسطه، ثم هى الليالى الأخيرة منه، فهى عشر فى أول الشهر القمري، وعشر فى وسطه، وعشر فى آخره.
ويكاد يكون سلطان القمر فى العشر الليالى الأولى من الشهر، وفى العشر
стр. 6684
الأواخر منه- يكاد يكون سلطانه على حدّ سواء فيهما، من حيث غلبة الظلام عليه.. أما عشر الليالى المتوسطة بين العشر الأولى والأخيرة، فهى التي يكون سلطان القمر فيها غالبا على ظلام الليل.
وعلى هذا يكون الشفع، هو العشر الليالى الأولى، والعشر الأخيرة من كل شهر قمرى. باعتبارهما وحدتين زمنيتين متماثلتين.
وأما الوتر، فهو العشر الليالى المتوسطة من الشهر، باعتبارها وحدة زمنية واحدة! ومن هذا يكون القسم بالليالي العشر، واقعا على الليالى كلها، فى امتداد الزمن، ولكن مع دعوة إلى مراقبة الزمن، وملاحظة التغيرات التي تجرى على الليل.. ليلة ليلة.. فالليل يلبس فى كل ليلة ثوبا جديدا مع القمر على مدى ثلاثين ليلة.. ثم يعود فيبدأ دورته من جديد معه، من هلال إلى بدر، إلى محاق..
وقوله تعالى: «وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ» - هو إطلاق لليل من هذا القيد الذي شدّه إلى القمر ودورته معه.. فهو ليل مطلق، يسرى فى غلالته السوداء، مع القمر فى كل منزل من منازله منه.. فهو فى كل حال، ليل يسرى، وببسط سلطانه على الكائنات، وأنه لا يوقف مسيرة الليل إلا الفجر..
وفى التعبير عن حركة الليل بالسّرى: «إذا يسر» إشارة إلى أنه يتحرك فى مسيرته والأحياء نيام لا يشعرون به، كما يتحرك الذين يسيرون فيه دون أن يشعر بهم أحد..
فالأقسام- كما ترى- هى أقسام بوحدات من الزمن، وفى هذه الوحدات، يبدو الزمن كائنا حيّا، يعايش الناس، ويشاركهم تقلبهم فى الحياة، وفى هذا ما يبعث على النظر، والتدبر، والتفكر، مما يكشف عن قدرة الخالق وعظمته، وحكمته.
стр. 6685
وبهذه المراقبة للزمن، والالتفات الواعي إلى حركته، يعرف الإنسان قيمة الزمن- ويحرص على الانتفاع بكل لحظة تمر منه.
وقوله تعالى:
«هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ» الحجر: العقل، وسمى العقل حجرا، لأنه يحجر صاحبه ويحميه من الضلال والضياع، ومنه الحجر على السفيه، صيانة لما له، من تصرفاته الحمقاء.. ومنه سميت الحجرة، لأنها تحجر من يداخلها، وتحميه من الحر، والبرد، ومن أيدى اللصوص، ونظرات المتلصصين.. والاستفهام هنا دعوة إلى أصحاب العقول أن ينظروا فى هذه الأقسام التي تمجد من شأن الزمن، وتجعل من كل قطعة منه آية من آيات القدرة الإلهية، لا يراها إلا أصحاب العقول، ولا يدرك سر القسم بها إلا أولو البصائر والأبصار وفى دعوة العقول إلى النظر والملاحظة لسير الزمن وحركاته بالليل، إشارة إلى أن الليل هو الوقت الذي تهدأ فيه النفس، وتسكن الجوارح، فيجد العقل فيه فرصته للانطلاق، والقدرة على التأمل، والتفكير.. كما أن أكثر الناس يغفلون عن الليل، ولا يرونه إلا قبرا يحتوى أجسامهم، فلا يكون لهم وجود فيه، ولا يكون لعقولهم تعامل معه، فى حين أنه يمثل جزءا كبيرا من حياتهم يعادل نصف هذه الحياة.. وإنه لخسران عظيم للإنسان أن يدع هذا النصف من عمره يذهب هباء، فكيف بمن يخسر عمره كلّه؟
وقوله تعالى:
«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ»
стр. 6686
الاستفهام هنا تقريرى، تهديدى.. أي انظر كيف فعل ربك بعباد..
وكذلك يفعل ربك بالطاغين والمتجبرين.
وعاد، قبيلة قديمة من العرب البائدة، وكانت ديارهم بالأحقاف، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ» (٢١. الأحقاف) وإرم، هى موطن عاد، وهى بدل من كلمة «عاد» أي ألم تر كيف فعل ربك بأرم ذات العماد، التي عمرتها قبيلة عاد، وأعملت فيها قوتها الجسدية، وجلبت لها كل ما قدرت عليه من مل، ومتاع.. فكانت كما وصفها الله سبحانه: «لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ» أي لم يكن لها مثيل فيما جاورها من بلاد..
وكان النبي الذي أرسله الله إليهم، هو «هود» ﵇، وقد دعاهم إلى الله، وترفق بهم، وذكّرهم بآلاء الله عليهم، وإحسانه إليهم، فلم يزدهم ذلك إلا عنادا، وضلالا.. وفيما كان يقول «هود» لهم، ما جاء فى قوله تعالى: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (٦٩: الأعراف) وقد أهلكهم الله بريح صرصر عاتية، كما يقول سبحانه: «وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً، فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ» (٦- ٨: الحاقة) وسمى بناء المدينة وإقامتها على هذه الصورة العجيبة من القوة، والضخامة، والإحكام- سمى هذا خلقا، لأنها من عمل مخلوقات لله، وكل ما يعمل فيه الناس، هو من خلق الله، كما يقول سبحانه: «وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ» (٩٦: الصافات) ومناسبة قصة عاد وثمود وفرعون، لما قبلها، هى أنها تعرض قضية من
стр. 6687
القضايا التي تستحق من العقل أن يناقشها، وان يستحضر وجوده كله لها، وذلك بعد أن استدعى هذا الاستدعاء القوى الذي شدّ إليه بالقسم، لينظر فى الزمن، وما تلد آناته ولحظاته من عجائب.
والقضية التي يدعى إليها العقل هنا، هى سنة من سنة الله ، فيما يأخذ به أهل الزيغ والضلال، من بأساء وضراء فى الدنيا، وما أعد لهم فى الآخرة من عذاب السعير..
وفى عاد وثمود وفرعون، يتمثل وجه كريه من وجوه الكفر والضلال، والعتوّ.. وقد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فاقتلعهم من جذورهم، وقطع نسلهم، وأتى على ما بنوا، وشيدوا.
وقوله تعالى:
«وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ» معطوف على قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ» وكيف فعل ربك بثمود؟ وثمود، هم قوم صالح ﵇، وهم من العرب البائدة، وديارهم بالحجر بين الشام والعراق، وقد مر بها النبي، ﷺ فى غزوة تبوك فسجّى ثوبه على وجهه، وأمر أصحابه أن يمروا بها مسرعين، وقال:
«لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون، خوفا أن يصيبكم مثل ما أصابهم» وقوله تعالى: «جابوا الصخر» أي قطعوه، وشقوه كما يشق الجيب، وهو فتحة الثوب التي يلبس منها.. ومعنى ذلك أنهم نحتوا الصخر فى الوادي الذي يسكنون فيه، وجعلوا بيوتهم منحوتة فى كيان الصخر، فكانت
стр. 6688
أشبه بحصون.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ» (١٤٩: الشعراء) قوله تعالى:
«وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ» معطوف على «وثمود» ..
والأوتاد جمع وتد، وهى تلك الأهرامات العظيمة التي أقامها فراعين مصر، فكانت أشبه بالجبال، التي هى أوتاد الأرض، كما يقول سبحانه: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً. وَالْجِبالَ أَوْتاداً» (٦، ٧: النبأ) وقوله تعالى:
«الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ» «الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ» هو وصف لعاد، وثمود، وفرعون.. فهم جميعا من الطغاة الباغين، الذين استبدوا بالبلاد، وبالعباد، فأشاعوا الفساد حيث كانوا، ولهذا أخذهم الله جميعا بالعذاب فصّبه صبّا عليهم.
والسوط: أصله من ساط الشيء يسوطه، أي خلطه بغيره، لأن السوط يختلط بالجلد، حين يضرب به..
وسوط العذب، هو خليط من ألوان العذاب، وقد أخذ الله سبحانه كلّ جماعة من أهل الضلال بلون من ألوان الهلاك كما يقول سبحانه: «فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا» (٤٠: العنكبوت) (م ٩٨ التفسير القرآنى- ج ٣٠)
стр. 6689
وإذ قد جمع الله بين عاد، وثمود، وفرعون، فى سياق قصة واحدة- فكان من إعجاز النظم القرآنى أن يجمع عذابهم، وما أخذ به كل فريق منهم، فى إناء واحد، وأن يصبّه عليهم جميعا، فإذا وقع بهم، أخذ كل فريق لون العذاب المسلّط عليه! وقوله تعالى:
«إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» المرصاد: المكان العالي، الذي يقوم فيه الراصد، ليرقب ما يجرى هنا وهناك.
وفى هذا إشارة إلى أن الله رقيب على أعمال الناس، يرى كل ما يعملون، وسيحاسبهم على ما عملوا، دون أن يقلت أحد منهم، لأن الله سبحانه متمكن منهم، بهذا العلو الذي لا يدانى..
الآيات: (١٥- ٣٠) [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٥ الى ٣٠]
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩)
وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤)
فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩)
وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)
стр. 6690
التفسير:
قوله تعالى:
«فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ» الفاء هنا للتفصيل والإفصاح عما أجمله قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» فكونه بالمرصاد، يرقب العباد، ويرى ما يعملون من خير أو شر- يقتضى أن هناك أعمالا مرصودة مسجلة على الناس، وأن الناس بحسب أعمالهم وإيمانهم بالله، وتصور هم لجلاله وعظمته وحكمته- ليسوا على حال واحدة، بل هم أحوال شتى وأنماط مختلفة، ترجع جميعها إلى أمرين: الشكر، أو الكفر.
ولما كان المال، هو محكّ الإنسان، الذي يختبر به دينه وخلقه- فقد وضع الله سبحانه الإنسان فى امتحان إزاء المال، منحا ومنعا، وإعطاء وحرمانا..
فماذا كان موقف الإنسان فى هذين الحالين؟.
إنه موقف مختلف، كما يتيّن ذلك من آيات الله.
«فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ» ففى الحال التي يفيض الله فيها المال على الإنسان، ويسوق إليه الكثير منه، لا يرى أن ذلك ابتلاء واختبار، كما يرى ذلك عباد الله المتقون، وكما يقول سبحانه على لسان سليمان ﵇: «هذا مِنْ فَضْلِ
следующие страницы →