← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

الاستفهام هنا تقريرى، تهديدى.. أي انظر كيف فعل ربك بعباد.. وكذلك يفعل ربك بالطاغين والمتجبرين. وعاد، قبيلة قديمة من العرب البائدة، وكانت ديارهم بالأحقاف، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ» (٢١. الأحقاف) وإرم، هى موطن عاد، وهى بدل من كلمة «عاد» أي ألم تر كيف فعل ربك بأرم ذات العماد، التي عمرتها قبيلة عاد، وأعملت فيها قوتها الجسدية، وجلبت لها كل ما قدرت عليه من مل، ومتاع.. فكانت كما وصفها الله سبحانه: «لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ» أي لم يكن لها مثيل فيما جاورها من بلاد.. وكان النبي الذي أرسله الله إليهم، هو «هود» ﵇، وقد دعاهم إلى الله، وترفق بهم، وذكّرهم بآلاء الله عليهم، وإحسانه إليهم، فلم يزدهم ذلك إلا عنادا، وضلالا.. وفيما كان يقول «هود» لهم، ما جاء فى قوله تعالى: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (٦٩: الأعراف) وقد أهلكهم الله بريح صرصر عاتية، كما يقول سبحانه: «وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً، فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ» (٦- ٨: الحاقة) وسمى بناء المدينة وإقامتها على هذه الصورة العجيبة من القوة، والضخامة، والإحكام- سمى هذا خلقا، لأنها من عمل مخلوقات لله، وكل ما يعمل فيه الناس، هو من خلق الله، كما يقول سبحانه: «وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ» (٩٦: الصافات) ومناسبة قصة عاد وثمود وفرعون، لما قبلها، هى أنها تعرض قضية من

стр. 6687

القضايا التي تستحق من العقل أن يناقشها، وان يستحضر وجوده كله لها، وذلك بعد أن استدعى هذا الاستدعاء القوى الذي شدّ إليه بالقسم، لينظر فى الزمن، وما تلد آناته ولحظاته من عجائب. والقضية التي يدعى إليها العقل هنا، هى سنة من سنة الله ، فيما يأخذ به أهل الزيغ والضلال، من بأساء وضراء فى الدنيا، وما أعد لهم فى الآخرة من عذاب السعير.. وفى عاد وثمود وفرعون، يتمثل وجه كريه من وجوه الكفر والضلال، والعتوّ.. وقد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فاقتلعهم من جذورهم، وقطع نسلهم، وأتى على ما بنوا، وشيدوا. وقوله تعالى: «وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ» معطوف على قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ» وكيف فعل ربك بثمود؟ وثمود، هم قوم صالح ﵇، وهم من العرب البائدة، وديارهم بالحجر بين الشام والعراق، وقد مر بها النبي، ﷺ فى غزوة تبوك فسجّى ثوبه على وجهه، وأمر أصحابه أن يمروا بها مسرعين، وقال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون، خوفا أن يصيبكم مثل ما أصابهم» وقوله تعالى: «جابوا الصخر» أي قطعوه، وشقوه كما يشق الجيب، وهو فتحة الثوب التي يلبس منها.. ومعنى ذلك أنهم نحتوا الصخر فى الوادي الذي يسكنون فيه، وجعلوا بيوتهم منحوتة فى كيان الصخر، فكانت

стр. 6688

أشبه بحصون.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ» (١٤٩: الشعراء) قوله تعالى: «وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ» معطوف على «وثمود» .. والأوتاد جمع وتد، وهى تلك الأهرامات العظيمة التي أقامها فراعين مصر، فكانت أشبه بالجبال، التي هى أوتاد الأرض، كما يقول سبحانه: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً. وَالْجِبالَ أَوْتاداً» (٦، ٧: النبأ) وقوله تعالى: «الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ» «الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ» هو وصف لعاد، وثمود، وفرعون.. فهم جميعا من الطغاة الباغين، الذين استبدوا بالبلاد، وبالعباد، فأشاعوا الفساد حيث كانوا، ولهذا أخذهم الله جميعا بالعذاب فصّبه صبّا عليهم. والسوط: أصله من ساط الشيء يسوطه، أي خلطه بغيره، لأن السوط يختلط بالجلد، حين يضرب به.. وسوط العذب، هو خليط من ألوان العذاب، وقد أخذ الله سبحانه كلّ جماعة من أهل الضلال بلون من ألوان الهلاك كما يقول سبحانه: «فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا» (٤٠: العنكبوت) (م ٩٨ التفسير القرآنى- ج ٣٠)

стр. 6689

وإذ قد جمع الله بين عاد، وثمود، وفرعون، فى سياق قصة واحدة- فكان من إعجاز النظم القرآنى أن يجمع عذابهم، وما أخذ به كل فريق منهم، فى إناء واحد، وأن يصبّه عليهم جميعا، فإذا وقع بهم، أخذ كل فريق لون العذاب المسلّط عليه! وقوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» المرصاد: المكان العالي، الذي يقوم فيه الراصد، ليرقب ما يجرى هنا وهناك. وفى هذا إشارة إلى أن الله رقيب على أعمال الناس، يرى كل ما يعملون، وسيحاسبهم على ما عملوا، دون أن يقلت أحد منهم، لأن الله سبحانه متمكن منهم، بهذا العلو الذي لا يدانى.. الآيات: (١٥- ٣٠) [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٥ الى ٣٠] فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)

стр. 6690

التفسير: قوله تعالى: «فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ» الفاء هنا للتفصيل والإفصاح عما أجمله قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» فكونه بالمرصاد، يرقب العباد، ويرى ما يعملون من خير أو شر- يقتضى أن هناك أعمالا مرصودة مسجلة على الناس، وأن الناس بحسب أعمالهم وإيمانهم بالله، وتصور هم لجلاله وعظمته وحكمته- ليسوا على حال واحدة، بل هم أحوال شتى وأنماط مختلفة، ترجع جميعها إلى أمرين: الشكر، أو الكفر. ولما كان المال، هو محكّ الإنسان، الذي يختبر به دينه وخلقه- فقد وضع الله سبحانه الإنسان فى امتحان إزاء المال، منحا ومنعا، وإعطاء وحرمانا.. فماذا كان موقف الإنسان فى هذين الحالين؟. إنه موقف مختلف، كما يتيّن ذلك من آيات الله. «فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ» ففى الحال التي يفيض الله فيها المال على الإنسان، ويسوق إليه الكثير منه، لا يرى أن ذلك ابتلاء واختبار، كما يرى ذلك عباد الله المتقون، وكما يقول سبحانه على لسان سليمان ﵇: «هذا مِنْ فَضْلِ

стр. 6691

رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ» ؟ (٤٠: النمل) - بل إنه يرى أن ذلك الإحسان المسوق إليه من عند الله، هو حقّ اقتضاه من الله سبحانه، لما يرى فى نفسه من ميزات استحق بها هذا الإحسان دون الناس، فيقول كما يقول أهل الزيغ والضلال، فيما أشار إليه بقوله: «وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى» (٥٠: فصلت) . فالإنسان ضعيف أمام سلطان المال، وتسلطه عليه، فإذا لم يحضّ نفسه على مراقبة الله، وإذا لم يقم على نفسه وازعا يزعه من غلبة الهوى، استبدت به شهوة المال، وصرفته عن الله، وأرته الحياة الآخرة سرابا خادعا، لا ينبغى له أن يدع هذا الحاضر الذي بين يديه، ويتعلق بهذا السراب الخادع الذي لا يدرى ما وراءه!! والإنسان هنا، هو مطلق الإنسان، إلا من عصم الله، وهم قليل.. وفى قوله تعالى: «ابْتَلاهُ رَبُّهُ» إشارة إلى أن هذا المال المسوق إلى الإنسان، وتلك النعم التي ملأ الله بها يديه، هو ابتلاء وامتحان له من الله، يكشف به عن شكره أو كفره، وأن ذلك ليس لميزة امتاز بها على الناس، فكما يبتلى الله أولياءه بالمال، يبتلى أعداءه به أيضا، فيعطى كلّا من الأولياء والأعداء ما يشاء.. أما الأولياء فيحمدون، ويشكرون، وأما الأعداء فيزدادون كفرا وعنادا.. والله يقول: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ» (٣٥: الأنبياء)

стр. 6692

وفى قوله تعالى: «فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ» - إشارة إلى أن الابتلاء بالإعطاء والمنح، هو- عند من يعرف قدره، ويحسن استقباله- فضل وإكرام من الله، وإنه لجدير بالعاقل ألا ينزع عن نفسه هذا الثوب الذي كساه الله إياه، ويلبس نفسه لباس الشقاء والبلاء.. فالذين أنعم الله عليهم من عباده المكرمين بالملك والجاه والمال والسلطان- يرون فضل الله عليهم، وإحسانه إليهم، فلا يكون همّهم إلا إفراغ جهدهم كله فى القيام بواجب الشكر لله، والحمد لله، أن أكرمهم بهذا العطاء، وعافاهم من المنع والحرمان. وفى هذا يقول سليمان ﵇: «يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ» (١٦: النمل) . إنه يهتف من أعماقه، محدّثا بنعمة الله عليه، داعيا الناس أن يشهدوا عليه، وهو بين يدى نعم الله السوابغ عليه، وأنه إذا لم يقم فى مقام الشاكرين لله، فليعدّوه جاحدا، بل وليخرجوا عن سلطانه الذي مكن الله به على الناس.. ويقول سليمان فى موضع آخر، وقد رأى عرش ملكة سبأ ما ثلا بين يديه: «هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ؟ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ» (٤٠: النمل) . هكذا النفوس الكريمة الطيبة، تستقبل الإحسان بالإحسان، وتتلقىّ الخير بالخير.. بل إنها لتضيق بالإحسان، وتراه حملا ثقيلا عليها، إذا هى وجدت ضعفا عن القيام بشكره.. يقول الشاعر مخاطبا أحد ممدوحيه الذين أضعفوا عطاياهم له، وأضفوا إحسانهم عليه.. يقول: لا تسدينّ إلىّ عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا أنت الذي جللتنى مننا ... أوهت قوى ظهرى فقد ضعفا

стр. 6693

وهذا وإن كان شعرا، وكان للخيال منه مكان- فإنه يقوم على أصل أصيل من مشاعر الفطرة الإنسانية السليمة، التي لم يفسدها الهوى، ولم يغلبها الطبع الحيواني المتوحش الكامن فى الإنسان.. فالمال نعمة من نعم الله، وإحسان من إحسانه، وإنه لمن الغبن لمن أنعم الله به عليه، بفضله وإحسانه، أن يشترى به عداوة الله، وأن يفتح به إلى جهنم بابا من أبوابها!! فالمال نعمة، يمكن أن ينال بها العاقل طيبات الحياة الدنيا، وحسن ثواب الآخرة.. ولكنه حين يقع ليد الأغبياء المغرورين، يكون عليهم وبالا، وشقاء، فى الدنيا والآخرة جميعا.. وفى «قارون» شاهد عبرة وعظة! وقوله تعالى: «وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ» .. قدر عليه رزقه: أي ضيّقه عليه، ولم يوسع له فيه، بالنسبة لما يراه فى غيره من الناس.. وفى هذه الحال يحاجّ هذا الإنسان الغافل الكفور- يحاجّ ربّه، ويلقاه متسخطا متبرما، متّهما خالقه بأنه لم يعرف قدره، ولم يؤد له ما هو جدبر به، وأنه ليس أقلّ من فلان، وفلان، من أصحاب الغنى والثراء!! وهذا ضلال مود بأهله، ومورد إياهم موارد التهلكة.. فالامتحان بالفقر، والضيق، والشدة، كالامتحان بالغنى، والثراء والنعم. فإذا كان الامتحان بالغنى يضع الإنسان أمام شهوات عارمة، وأهواء غالبة،

стр. 6694

تحتاج لقهرها إلى رصيد عظيم من العزم، وقوة الإرادة- فإن الامتحان بالفقر والشدة، يضع الإنسان أمام عدوّ يريد أن نزعزع إيمانه، ويغتال صبره لحكم ربه، ورضاه بما قضى الله فيه. قوله تعالى: «كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ، وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ، وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا» . هو رد على ما يقوم فى نفوس كثير من الناس من تلك المفاهيم الخاطئة فيما يبتليهم الله به، من غنى أو فقر، فليست التوسعة فى الرزق، بالتي تعطى العبد حجة بأنه من المكرمين عند الله، وليس التضييق فى الرزق، بالذي يدلّ على إهانة الله سبحانه لمن قدر عليه رزقه.. إن هذا وذاك، امتحان وابتلاء، وليس كما يظن الجاهلون بأن الله إنما يرزق الناس فى الدنيا بحسب مكانتهم عنده، فيوسّع على أوليائه، ويضيّق على أعدائه، وأن هؤلاء الذين أفقرهم الله، لو كانوا من المكرمين عنده لما ضيق عليهم فى الرزق، ولما وضعهم بموضع الحاجة إلى الأغنياء، وهذا ما يشير إليه فى فضح منطقهم الفاسد، إذ يقول سبحانه على لسانهم: «أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ» ؟ (٤٧: يس) .. وكلا.. فإن هذا منطق ضالّ، ورأى فاسد سقيم!! ولقد أحالهم هذا الفهم الضال إلى حيوانات، لا تعرف غير ما تملأ به بطنها من طعام، فلقد جفّت فيهم عواطف الإنسانية، وانتزعت من قلوبهم مشاعر الرحمة.. فلم يكرموا اليتيم، كما أكرمهم الله، ولم يحسنوا إلى الفقير، كما أحسن الله إليهم. بل اغتالوا حق اليتيم، ولم يمدّوا أيديهم بإحسان إلى مسكين، وأكلوا ما يرثون

стр. 6695

أكلا جامعا، غير مستبقين شيئا لما افترض الله عليهم فى هذا الميراث الذي جاءهم من غير كدّو لا عمل، فهو ليس لهم وحدهم، وإنما هو أشبه بلقطة يلتقطونها من عرض الطريق، وأن من حق من يحضرهم وهم يمدون أيديهم إلى هذا المال أن ينال نصيبا منه، إذا كان من أهل العوز والحاجة، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» (٨: النساء) .. والمراد بالقسمة هنا قسمة الميراث.. والمراد برزق أولى القربى واليتامى والمساكين من هذا الميراث- هو إعطاؤهم نصيبا منه، غير مقدّر بقدر محدود، وإنما هو فضل وإحسان.. ولقد أنكروا هذا الحق، وأكلوا الميراث كله!! وفى قوله تعالى: «أَكْلًا لَمًّا» إشارة إلى أنهم أكلوا ما لهم من حق فى هذا الميراث، مع مالذوى القربى واليتامى والمساكين من حق فيه، وجمعوا هذا إلى ذاك، وأكلوه جميعه. وقوله تعالى: «كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ، يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي» . كلا، هو ردّ على موقف هؤلاء الذين لا يكرمون اليتيم، ولا يتحاضّون على طعام المسكين، ويأكلون التراث أكلا لمّا، ويحبون المال حبّا جمّا.. إن ذلك ليس هو طريق الفلاح والنجاة، بل هو طريق الخسران، والهلاك، وإن ذلك ليبدو لهم جليّا وضحا «إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا» أي إذا جاء يوم القيامة، وتبدلت معالم هذه الحياة الدنيا، وذهب كل ما جمعوا فيها، وما أقاموا

стр. 6696

من دور وقصور.. وفى التعبير عن يوم القامة، بدكّ الأرض «دكا دكا» - إشارة الى أن ما بين أيديهم من متاع الحياة الدنيا سيتحول إلى حطام وأنقاض، فيكون بعضا من هذه الأرض التي لا يبقى على وجهها شىء، مخلّفا وراءه الويل لهم، والحساب العسير على ما أكلوا من حقوق، وما ضيعوا من واجبات. وقوله تعالى: «وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» - أي جاء أمر الله وسلطانه ونصبت موازين الحساب، ووقف الملائكة فى المحشر جندا حراسا، ينفذون أمر الله، ويسوقون أهل الضلال إلى النار، وأهل الإيمان إلى الجنة.. «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ» (١٠٣: هود) وقوله تعالى: «وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ» - برزت جهنم لأهلها، فهذا هو يومها، ويوم المنذرين بها، المعذبين فيها.. «وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى» (٣٦: النازعات) وقوله تعالى: «يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى» - أي فى هذا اليوم يعقل الإنسان كل شىء، ويعلم عن يقين ما فاته علمه فى الدنيا من حق.. ولكن لا ننفعه الذكرى، ولا يفيده العلم، فقد طويت صحف الأعمال، ولا سبيل إلى تدارك ما فات! وقوله تعالى: «يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي» إنه الندم الذي يملأ القلب حسرة وكمدا، وإنه النظر اليائس المتحسر إلى سقاء الماء وقد أربق كل ما فيه، فى وسط صحراء ليس فيها قطرة ماء!! وفى قوله «لحياتى» - إشارة إلى أن هذه الحياة- حياة الآخرة- هى حياة الإنسان حقا، وأن الحياة الدنيا ليست إلا معبرا إلى هذه الحياة..

стр. 6697

قوله تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ. وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ» - أي فى هذا اليوم لا يشهد الناس عذابا كهذا العذاب الذي يعذب الله به أهل الضلال، ولا قيدا محكما وثيقا كهذا القيد الذي يقيدهم الله به، فلا يجدون سبيلا للإفلات والهرب! والضمير فى عذابه، يرجع إلى الله، ومثله الضمير فى وثاقه. وقوله تعالى: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً» هذا النداء الكريم، الذي يدعو به الله أهل ودّه، من وسط هذا البلاء الخالق، المحيط بالناس يوم القيامة- هو قارب النجاة، الذي يخفّ مسرعا إلى تلك السفينة الغارقة فى هذا البحر اللّجى، فيحمل هؤلاء الذين أكرمهم الله بفضله وإحسانه، فنجاهم من شر هذا اليوم، ولقاهم نضرة وسرورا.. إن هذا النداء الذي يجىء على فجاءة وسط هذا البلاء، لهو أوقع أثرا، وأبلغ فى إدخال المسرة على النفس، من أن يجىء مسبوقا بمقدمات تشير إليه، وتبشّر به.. والنفس المطمئنة، هى النفس المؤمنة، التي لا يستبد بها القلق فى أي حال من أحوالها، فى السراء أو الضراء، إنها فى حال واحدة أبدا من الرضا بما قسم الله لها..، فهى فى السراء شاكرة، حامدة، وفى الضراء صابرة راضية، فلا الغنى يطغيها، ويخرج بها عن طريق الاستقامة، ولا الفقر يسخطها، ويعدل بها عن الاطمئنان إلى قضاء الله فيها، وحكمه عليها.. إنها نفس مطمئنة ثابتة، على حال واحدة فى إيمانها بالله، ورضاها بما قسم لها.. وهذا الاطمئنان وذلك الرضا، لا يجد هما إلا المؤمنون بالله، المتوكلون عليه، المفوضون أمورهم

стр. 6698

إليه.. فالاطمئنان الذي تصيبه بعض النفوس، ويكون صفة غالبة عليها، هو ثمرة الإيمان الوثيق بالله، القائم على أصول ثابتة من المعرفة بالله ، وما له جل شأنه من سلطان مطلق متمكن، قائم على كل ذرة فى هذا الوجود، وأنه لا يقع فى هذا الوجود شىء إلا بتقديره سبحانه، وبمقتضى حكمته وعلمه، وعدله. وقد نودى الإنسان هنا بنفسه ولم يناد بذاته، لأن النفس هى جوهره السماوي، وهى التي كانت موطن الإيمان والاطمئنان.. وهى لهذا استحقت أن ترجع إلى ربها، وأن تنزل منازل رضوانه، إذ لم تغرق فى تراب الأرض، ولم تضع معالمها فيه، كما ضاعت نفوس الضالين والغاوين.. وقوله تعالى: «راضِيَةً مَرْضِيَّةً» أي راضية بما أرضاها الله سبحانه به من فضله، مرضيّا عنها من ربها.. فالكلمتان حالان من أحوال النفس، وقد دعيت من ربها إلى الرجوع إليه.. إنها ترجع إلى ربها، وقد رضيت بما لقيها به ربّها من إكرام وإحسان، وقد رضى ربها عنها بما قدمت من أعمال طيبة.. فالله يرضى ويرضى، يرضى عن عباده المحسنين، ويرضيهم بإحسانه، كما يقول سبحانه: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً» .. وفى الجمع بين صفة الرضا للنفس، والرضا من الله عنها- إشارة الى أن هذا الرضا الذي تجده النفس هو رضا دائم متصل، لأنه مستمد من رضا الله عنها، وأنه ليس مجرد شعور يطرقها، أو خاطر يطوف بها، ثم يذهب هذا الشعور، ويغيب هذا الخاطر، مع موجات الخواطر، والمشاعر التي تموج فى كيان الإنسان..!! كلا إنه رضا لا ينقطع أبدا..

стр. 6699

وقوله تعالى: «فَادْخُلِي فِي عِبادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي» - هو دعوة إلى هذه النفس المطمئنة، بعد أن عادت إلى ربها، أن تأخذ مكانها بين عباده الذين أضافهم إليه، وجعلهم فى مقام كرمه وإحسانه، وأدخلهم جنته التي أعدها لهم، فلتأخذ هى مكانها معهم من تلك الجنة، ولتنعم بما ينعم به عباد الله المكرمون، من نعيم لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر.. جعلنا الله منهم، وألحقنا بهم، إنه أهل التقوى وأهل المغفرة (٩٠) سورة البلد نزولها: مكية.. بإجماع.. نزلت بعد سورة «ق» . عدد آياتها: عشرون آية. عدد كلماتها: اثنتان وثمانون. كلمة. عدد حروفها: ثلاثمائة وواحد وخمسون حرفا. مناسبتها لما قبلها الإنسان الذي ابتلاه الله فأكرمه ونعمه، فلم يحمد الله، ولم يشكر له فضله وإحسانه، والإنسان الذي قدر الله عليه رزقه، فساء ظنّه بالله، وغيّر موقفه منه- هذا الإنسان- فى حاليه اللذين عرضتهما سورة «الفجر» - يرى فى أوضح صورة فى إنسان هذا البلد، وهو مكة، البلد الحرام الذي رفع الله قدره، وجعله حرما آمنا، يجبى إليه ثمرات كل شىء، وجعله موضعا

стр. 6700

لأول بيت يعبد فيه على هذه الأرض- هذا الإنسان الذي يعيش فى هذا البلد الأمين، كان جديرا به أن يكون أعرف الناس بربه، وأرضاهم لحكمه، ولكنه لم يرع حرمة هذا البلد، فلم يكرم اليتيم، ولم يحض على طعام المسكين، وأكل التراث أكلا لما، وأحب المال حبا جمّا، أعماه عن طريق الحق، وأضله عن سبيل الرشاد.. فهل هو بعد هذه النّذر عائد إلى ربه، داخل فى عباده؟ ذلك ما ستكشف عنه الأيام منه، مع دعوة الحق التي يحملها رسول الله إليه.. فالمناسبة بين السورتين قريبة دانية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الآيات: (١- ٢٠) [سورة البلد (٩٠) : الآيات ١ الى ٢٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)

стр. 6701

التفسير [لا أقسم بهذا البلد.. ما تأويله؟] قوله تعالى: «لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ» قلنا- فى غير موضع- إن القسم المنفي فيما ورد فى القرآن الكريم، هو تعريض بالقسم، وتلويح به، دون إبقاعه، إذ كان الأمر الواقع فى حيزّ القسم، أوضح وأظهر من أن يقسم عليه، توكيدا، أو تقريرا.. ونفى القسم هنا هو لعلة فى المقسم به، لا بالمقسم عليه، كما سنرى.. والبلد، هو البلد الحرام، مكة المكرمة، وقد أقسم الله به فى غير هذا الموضع، فى قوله تعالى: «وَالتِّينِ. وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ، وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ» . وقوله تعالى: «وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ» الواو هنا للحال، والجملة حال من فاعل لا أقسم، وهو الله .. أي لا أقسم بهذا البلد فى تلك الحال التي أنت حلّ به، فالضمير «أنت» خطاب للنبى صلوات الله وسلامه عليه. والحلّ: الحلال، المستباح.. والمراد بالحلّ، هنا هو النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- وأنّ المشركين لم يرعوا فيه حرمة القرابة، ولا حرمة البلد الحرام الذي يأوى إليه، بل أباحوا سبّه وشتمه، وأطلقوا ألسنتهم بكل قالة سوء فيه، بل وتجاوزوا هذا إلى التعرض له بالأذى المادي، حتى لكادوا يرجمونه.. وهنا ندرك بعض السر فى نفى القسم بالبلد الحرام.. لقد جعله المشركون بلدا غير حرام، وغيّروا صفته التي له، حتى لقد صار هذا البلد غير أهل لأن

стр. 6702

يقسم به من الله سبحانه، لأن القسم من الله هو تشريف وتكريم لما يقسم به سبحانه، وإن الله سبحانه لن يقسم بهذا البلد ما دام النبي- صلوات الله وسلامه عليه- لا ترعى له حرمة فى البلد الحرام.. فإن حرمة هذا البلد من حرمة النبي، وأنه إنما أقيم من أول وجود للمجتمع الإنسانى، ليستقبل دين الله وقد كمل، وليكون مطلعا لخاتم المرسلين وقد ظهر. وفى نفى القسم بالبلد الحرام، تجريم للمشركين، وتشنيع على جنايتهم الغليظة التي اقترفوها فى حق رسول الله، وفى حق البلد الأمين، وأن تلك الجناية الشنعاء قد امتدت آثارها إلى البلد الحرام، فسلبته حرمته، وأن الله رافع عنه هذه الحرمة، حتى ينتقم لنبيه الكريم من هؤلاء المجرمين، ويردّ إليه اعتباره من التوقير والتكريم فى رحاب البلد الحرام. وعندئذ تعود للبلد حرمته!! وإنا لنذهب إلى أبعد من هذا، فنقول إن رفع الحرمة عن البلد الحرام قد ظلّ معلقا هكذا إلى أن خرج منه النبي- صلوات الله وسلامه عليه- مهاجرا ثم عاد إليه فاتحا فى السنة الثامنة من الهجرة، وأنه قد أبيح له من هذا البلد يوم الفتح، ما كان حراما، فأمر صلوات الله وسلامه عليه بقتل بعض المشركين، وهم متعلقون بأستار الكعبة، يومئذ، وهم ابن خطل، وميّس بن صبابة، وغير هم وفى هذا يقول الرسول الكريم عن هذا البلد يوم الفتح: «إن الله حرم مكة، يوم خلق السماوات والأرض، فهى حرام إلى أن تقوم الساعة، فلم تحل لأحد قبلى، ولا تحل لأحد من بعدي، ولم تحل لى إلا ساعة من نهار» وإنه ما إن يقرغ النبي- صلوات الله وسلامه عليه- من حساب هؤلاء المتاكيد الذين أمر بقتلهم فى المسجد الحرام، بالبلد الحرام، حتى تعود للبلد الحرام حرمته ويطّهر من الشرك والرجس، ومن الأصنام وعبّاد الأصنام. هذا، ولا يفهم مما قلناه: من أن البلد الحرام، قد رفعت عنه حرمته منذ

стр. 6703

أحل المشركون من النبي ما أحلّوا- لا يفهم من هذا، أن ذلك بالذي ينقص من قدر هذا البلد، أو يجور على شىء من مكانته، وعلو مقامه.. فهو هو على ما شرفه الله به، ورفع قدره، ولكن رفع الحرمة عن هذا البلد، هو عقاب لهؤلاء المشركين الذين آواهم هذا البلد، وجعله حرما لهم.. فلما استباحوا حرمته، باستباحة حرمة النبي، عرّاهم الله من هذه الخلية الكريمة التي خلعها عليهم البلد الحرام..! ولهذا أقسم الله سبحانه بهذا البلد الذي أبيحت حرمته من المشركين، ووصفه بالبلد الأمين فى قوله تعالى: «وَالتِّينِ، وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ، وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ» . قوله تعالى: «وَوالِدٍ وَما وَلَدَ» - معطوف على قوله تعالى: «لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ» .. والمراد بالوالد وما ولد- والله أعلم- هو هذا التوالد الذي يقع بين الناس.. فكل والد، هو مولود، وكل مولود، سيكون والدا، وبهذا، يتصل النسل، وتكثرا المخلوقات، وتعمر الأرض.. وفى عملية التوالد، تتجلى قدرة الخالق جل وعلا، وعلى مسرح هذه العملية مراد فسيح للدراسة، والتأمل، والبحث، وجامعة علم غرير للعلماء والدارسين، ومعلم من معالم الهدى واليقين للمؤمنين والمتوسمين.. وفى نفس القسم بالوالد، وما ولد (وهو الإنسان) - إشارة إلى أن الإنسان الذي كرمه الله ، ورفع قدره على كثير من المخلوقات، كما رفع قدر هذا البلد الأمين على سائر البلدان- هذا الإنسان، قد خلع هذا الثوب الكريم الذي ألبسه الله إياه، وتخّلى عن المعاني الإنسانية الشريفة التي

стр. 6704

أودعها الخالق جل وعلا فيه، فأحلّ حرمات الله، واعتدى على حدوده، وبهذا لم يصبح أهلا لأن يقسم الله به، وأن يعرضه فى معرض التشريف والتكريم. «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» (٤- ٦: التين) ومن هنا ندرك بعض السر فى نفى القسم بالوالد وما ولد.. فإن الله سبحانه أقسم بكثير من مخلوقاته، من سماء وأرض، وما فى السماء، من شمس وقمر، ونجوم، وما فى الأرض من تين وزيتون، وخيل عادية، ورياح عاصفة، وغير هذا، مما أقسم الله به، من عوالم الجماد، والنبات، والحيوان. فهذه المخلوقات قائمة على ما خلقها الله عليه، لم تخرج عن طبيعتها، ولم تحد عن طريقها المرسوم لها، على خلاف الإنسان، الذي غير وبدل، وانحرف عن سواء السبيل.. وأما حين أقسم الله بالإنسان، فإنما أقسم به فى فطرته التي أودعها الله سبحانه فيه، تلك الفطرة التي جعلها الله تعالى أمانة بين يدى الإنسان، فلم يرعها، ولم يحفظها. وفى هذا يقول سبحانه: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها» .. فهذه النفس، هى الفطرة التي فطر الله الناس عليها «فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» .. والصورة الكاملة للإنسانية، التي احتفظت بهذه الفطرة، وزكتها التزكية المطلوبة لها، هو رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- وقد ألبسه الله سبحانه الشرف كله، وتوجه بتاج العظمة على المخلوقات جميعها، إذ أقسم به الحق جل وعلا، مضافا إلى ذاته الكريمة، فقال تعالى: م ٩٩- التفسير القرآنى ج ٣٠

стр. 6705

«فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ» (٩٢- ٩٣: الحجر) .. وقد وزنه الله بهذا القسم، فرجح ميزانه ميزان السموات والأرض، إذ أقسم بهما الحق جل وعلا مضافين إلى ذاته العلية فى قوله جل شأنه: «فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ» (٢٣: الذاريات) .. ولكن شتان بين قسم الله بذاته مضيقا إليها الرسول الكريم، فى مقام الخطاب، وبين قسمه سبحانه بالسماء والأرض، مضافتين إلى ذاته- جل وعلا- فى مقام الغيبة..! فصلوات الله وسلامه عليك يا رسول الله، صلاة تنال بها شفاعتك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. قوله تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ» .. هو جواب للقسم المطوىّ، فى كيان القسم المنفي.. والإنسان هو ثمرة من ثمرات التوالد بين الأحياء، سواء فى هذا، الوالد، والولد.. والكبد: المعاناة والشدة.. والظرف: «فى» هو المحتوى الذي يضم الإنسان، وما يلاقى فيه من كبد.. فحياة الإنسان- كل إنسان- فى هذه الدنيا، هى شدائد، ومعاناة. فما يسلم إنسان أبدا من هموم الحياة وآلامها، النفسية، أو الجسدية، فكم يفقد الإنسان من صديق وحبيب؟ وكم يتداعى على جسده من أمراض وعلل؟ وكم؟ وكم؟ مما يطرق الناس من أحداث على مر الأيام، وكر الليالى؟ فالشباب يذبل

стр. 6706

ويولّى، والقوة تتبدد وتصبح وهنا وضعفا، وهذا الجسد الذي ملأ الدنيا حياة وحركة سيعصف به الموت يوما، ويلقى به فى باطن الأرض، جثة هامدة متعفنة، لا تلبث أن تصير ترابا!. فالإنسان وحده من بين المخلوقات- فيما نعلم- هو الذي تستبدّ به هذه المخاوف، وتطرقه هذه التصورات، على خلاف سائرا لأحياء التي تقطع مسيرتها فى الحياة، فى غير قلق أو إزعاج من المستقبل الذي ينتظرها.. إنها لا تنظر إليه، ولا تتصوره، ولا تعيش فيه قبل أن يصبح واقعا.. أما الإنسان، فإنه يعيش فى المستقبل أكثر مما يعيش فى الواقع، حتى إنه ليرى بعين الغيب فى يوم مولده، ما هو مقبل عليه من آلام ومكابدات فى مستقبل حياته.. يقول ابن الرومي. لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلّا فما يبكيه منها، وإنها ... لأرحب مما كان فيه وأرغد هذا هو الإنسان، وتلك هى مسيرته فى الحياة، فلا يفترنّ جاهل بقوته، ولا يركننّ مغرور إلى ما بين يديه من مال وسلطان.. فكل زائل وقبض الريح! .. قوله تعالى: «أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ» ؟ هو إلفات لهذا المغرور بقوته، المعتزّ بسلطانه وجاهه، المفتون بنفسه، المتشامخ بذاته، حتى ليحسب أن أحدا لن يقدر عليه، ولن يسلبه شيئا مما معه.. إنه أضعف من أن يثبت لنخسة من نخسات الحياة، كما يقول سبحانه:

стр. 6707

«اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً» (٥٤: الروم) ويقول سبحانه: «وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً» (٢٨: النساء) وإن بعوضة تلسعه لتحرق جسده بالحمى، وإن جرثومة تتدسس إلى كيانه لتهدّ بنيانه، وتقوض أركانه!! ثم ما قوة هذا الإنسان؟ أهو أقوى من خالقه الذي خلقه من نطفة ثم سواه رجلا؟ فما أضعف الإنسان، وما أخف وزنه، إذا كان معياره قائما مع هذا الجسد، دون أن يكون لروحه حساب، أو لنفسه اعتبار! وقوله تعالى: «يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً» هكذا يقول الإنسان مباهيا مفاخرا بما أنفق من مال.. واللبد: الكثير، الذي جمع بعضه إلى بعض، فكان أكداسا مكدسة.. وفيم أهلك هذا السفيه المغرور هذا المال الكثير؟ أفي ابتناء محمدة، أو اكتساب مكرمة؟ أو إغاثة ملهوف؟ أو إطعام جائع؟ كلّا.. إنه لا يعرف وجها من هذه الوجوه ولا تنضح يده لها بدرهم، من هذا المال الكثير الذي أهلكه.. إنه أهلكه فى مباذله، وفى استرضاء شهواته، وإشباع نزواته.. ولهذا فهو مال هالك، ومهلك لمن أنفقه وهذا بعض السرّ فى قوله تعالى: «أهلكت» الذي يدل على أن هذا المال ذهب فى طريق الضياع والفساد. وقوله تعالى: «أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ؟» أي أيحسب هذا السفيه المفتون، أن عين الله لا تراه، ولا تكشف عن هذه الوجوه المنكرة التي يهلك فيها هذا المال اللبد؟ وكلّا، فإنه محاسب على هذا المال الذي أهلكه فى وجوه الضلال، والبغي والعدوان..

стр. 6708

قوله تعالى: «أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ؟» هو تعقيب على موقف هذا الجهول المفتون، الذي ظن أن قدرته لا تغلب، وأن ماله لا ينفد، وأنه لا يحاسب على ما يفعل، ولا يراجع فيما يقول، وأنه عند نفسه أكبر من أن يحاسب، وأعظم من أن يراجع!! وإذا سلّم لهذا الغبىّ الجهول، أن جاهه وسلطانه من كسب يده، وأن المال الذي ينفق منه بغير حساب على شهواته وأهوائه، هو من ثمرة عمله- إذا سلّم له بهذا، فهل يجرؤ على أن يدّعى- ولو تجرد من كل حياء- أنه هو الذي أوجد وجوده، وأودع فيه هذه القوى التي يعمل بها؟ أيجرؤ على أن يقول إنه هو الذي خلق هاتين العينين اللتين ببصر بهما، أو هو الذي خلق جهاز النطق الذي ينطق به، من لسان وشفتين؟ فإذا كان لا يملك تلك القوى المودعة فيه، فهل يملك ما تحصّله له تلك القوى من جاه، ومال، وسلطان؟ إنه يستطيع- ولو جدلا وسفها- أن يقول مشيرا إلى نفسه: هذا مالى قد جمعته، وهذا جاهى وسلطانى قد أقمته ولكن لا يستطيع أبدا أن يقول ها هو ذا أنا الذي أو جدته!! [وهديناه النجدين. ما تأويله] ؟ قوله تعالى «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» النجد: ما ارتفع من الأرض، أشبه بالنّهد البارز على الصدر، وجمعه نجود، وبه سمى الصّقع المعروف من بلاد العرب، بنجد، لأنه عال بارز على ما حوله من الأماكن، مثل تهامة وغيرها.. والنجدان هنا، هما جانبا الخير والشر فى الإنسان.. وسميا نجدين لأنهما أمران بارزان بين ما يتقلب فيه الإنسان من أمور. فالخير واضح الملامح،

стр. 6709

بيّن السّمات، وكذلك الشر، أمره ظاهر لا يخفى،.. ولن يخطىء أحد التفرقة بين ما هو خير وما هو شر، كما لا يخطىء أحد التفرقة بين النور والظلام، والنهار والليل، والحلو والمر.. اللهم إلا من فسد عقله، واختل تفكيره، فيرى الأمور على غير وجهها، تماما، كمن تعطلت حاسة من حواسه، من سمع أو بصر، أو شم، أو ذوق، فلا يميز بين المسموعات أو المبصرات، أو المشمومات أو المذوقات.. وهذا ما يشير إليه الرسول الكريم بقوله: «إن الحلال بين وإنّ الحرام بيّن.. وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس» . والإنسان السوىّ، يعرف الخير والشر، والهدى والضلال، والنافع والضار، ويهتدى إلى ذلك بنفسه، كما يتهدّى الحيوان إلى مسالكه فى الحياة، وإلى ما يحفظ وجوده بين الأحياء.. ومن هنا كانت دعوة الإسلام- كما كانت دعوة الشرائع السماوية كلها- هى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر.. والمعروف هو ما عرف الناس بفطرتهم أنه ملائم لهم، فاتجهوا إليه، وتجاوبوا معه، وأخذوا وأعطوا به.. والمنكر، ما أنكره الناس بفطرتهم، واستوحشوه، ونفروا منه، ونأوا بأنفسهم عنه.. ومن هنا أيضا كان الإجماع فى الشريعة الإسلامية أصلا من أصول هذه الشريعة، يقوم إلى جانب أصليها: الكتاب والسنة.. وليس الإجماع فى حقيقته إلا توارد العقول وتلاقى الفطر على أمر ليس فى كتاب الله ولا فى سنة رسوله نصّ فيه.. وهذا يعنى أن الرأى العام حكم يقضى بين الناس، وفيصل فيما لم يجدوا له حكما فى الكتاب أو السنة.. وأكثر من هذا، فإن أحكام الكتاب والسنة، إنما هى موزونة بميزان الفطرة السليمة، والعقل الصحيح، أو قل إن أحكام الكتاب والسنة ضابطة

стр. 6710

لمسيرة الفطرة السليمة، والعقل الصحيح. ومن هنا لا تجد النفوس السويّة حرجا، ولا ضيقا، فى التزامها حدود الشريعة والوفاء بها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (٧٨: الحج) فمعنى قوله تعالى: «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» أي عرّفناه وجهى الخير والشر، وأعطيناه الميزان الذي يزنهما به، ويضع كلّا منهما موضعه الذي هو له.. وكما يشير النجدان إلى أن كلّا من الخير والشر بالمكان البارز الذي لا يخفى وجهه ولا تخطىء الأنظار الاستدلال عليه- كذلك يشيران إلى أن الاتجاه إلى أي منهما، وأخذ الطريق إليه، هو مرتقى صعب، يحتاج إلى جهد ومعاناة! فالذى يتجه إلى الخير، ويحمل نفسه على معايشته، إنما يغالب أهواء جامحة، ويدافع شهوات معربدة.. وفى الحديث: «حفّت الجنة بالمكاره» .. ولهذا كان الصبر من عدّة المؤمنين، ومن زادهم على طريق الحق والخير.. فمن لم يرزق الصبر، لم يقو على السير فى طريق الهدى والإيمان.. «إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» (٢- ٣: العصر) .. «وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» (٣٥: فصلت) والشرّ، وإن بدا فى ظاهر الأمر أنه أخفّ محملا، وأيسر سبيلا، لأن مسيرته متجهة مع أهواء النفس، مندفعة مع تيار الشهوات- إلا أنه فى واقع الأمر على خلاف الظاهر، فليس محمل الشر خفيفا، ولا طريقه سهلا معبّدا.. فما أكثر المزالق والعثرات التي يلقاها الأشرار فى طريقهم، وما أكثر الآلام التي تتولد من اقتراف الآثام، وإشباع الشهوات.. وإن اللذة العارضة لشهوة من الشهوات، أو إثم من الآثام، لتعقبها دائما آلام مبرّحة، وأوجاع قاتلة، إن لم يكن ذلك فى يومها، ففى غد قريب أو بعيد.. فما أكثر العلل

стр. 6711

الجسدية التي تخلّفها الآثام، وما أكثر العلل والأوجاع التي يرثها أولئك الذين يزرعون الشر، ويستكثرون منه! هذا، وللإنسان- كل إنسان، حتى أكثر الناس جرأة على الشر ومقارفة له- لحظات يصحو فيها من غفلته، ويفيق فيها من سكرته، ويتنبه من ذهوله، وعندها يجد بين يديه هذا الحصاد المشئوم، الذي تنبعث منه روائح كريهة عفنة، حتى لتكاد تخنق أنفاسه، وتزهق روحه! وكم لأهل الضلال، ومقتر فى الآثام من ساعات، يحترقون فيها بنار الندم والحسرة، ويتقلبون فيها على جحيم التقريع واللوم، ولكن بعد فوات الأوان، وإفلات الفرصة.. وأىّ عزاء يعزّى به نفسه رجل كأبى نواس مثلا، حين يذهب شبابه، وتموت نوازعه وشهواته، ثم يتلفت فيجد بين يديه أشباح آثامه وفجوره، تتراقص من حوله، بوجوهها الكالحة، وأنيابها المكثرة، ومخالبها الحادة، وكأنها الحيات تطل من أجحارها، وتهجم عليه من كل جانب؟ ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم ... وأسمت سرح اللهو حيث أساموا وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام! هكذا يلقى أبو نواس نفسه فى صحوة الموت، وقد بلغت الروح الحلقوم!! وأي حسرة وأي ألم فاضت بهما نفس رجل كالحجاج، وقد قام على منبر سلطانه فى العراق، يرمى الناس بالصواعق من كلماته، فتنخلع منها القلوب، وتضطرب النفوس، ويشهر سيفه بيد هذا السلطان المطلق، ويقول: «إنى لأرى رؤسا قد أينعت وحان قطافها، وإنى لصاحبها، وكأنى أنظر إلى الدماء بين العمائم وللحى..» ثم ينفذ هذا الوعيد، فيقطع رءوسا بريئة، وبريق

стр. 6712

دماء طاهرة.. ثم تختم صفحته الملطخة بالدماء، بدم «سعيد بن جبير» بقية السلف الصالح، والنبتة الكريمة الباقية من رياض التابعين؟ والذين شهدوا الحجاج وهو على فراش الموت، يعانى سكراته، وينظر نظرات الفزع والرعب إلى ماضيه الذي حضر كلّه بين يديه- الذين شهدوا الحجاج وهو فى تلك الحال، فاضت نفوسهم أسّى عليه، ورحمة به، حتى أولئك الذين كانوا أشد الناس بغضا له، واستعجالا ليومه هذا! فكم يساوى سلطان الحجاج، وجبروته، وما أرضى به نفسه من هذا السلطان، وذلك الجبروت- كم يساوى كل هذا من آلام ساعة من ساعاته الأخيرة، وهو يرى حصاد هذا السلطان، وثمر هذا الجبروت؟ هذا حساب الإنسان مع نفسه، فكيفّ حسابه مع الله، إذا كان قد أخذ طريقا غير طريق الله؟. وقوله تعالى: «فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ» العقبة، هى الطريق الوعر فى الجبل، تحف بسالكها المخاوف والمهالك.. والاقتحام، هو الإقدام من المرء على الأمر فى قوة وعزم، دون مبالاة بما يعترضه من صعاب.. والمخاطب باقتحام العقبة هنا، هو هذا الإنسان الذي هداه الله النجدين، وعرّفه- بما أودع فيه من عقل، وما غرس فيه من فطرة- التهدّى إلى طريق الخير أو الشر، ثم لم يقتحم العقبة إلى موارد الخير، ومواقع الإحسان، وآثر أن يأخذ طريق الشر، ويتقحّم عقبته تحت غواشى ضلاله، وغمرة شهواته.. ومطوة نزواته.. وقوله تعالى. «وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ» سؤال يثير العقل، ويحرك الفكر، نحو هذا المجهول الذي يسأل عنه.

стр. 6713

وقوله تعالى: «فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ» : المسغبة: المجاعة، والمتربة: التراب، ويراد بها الفقر الشديد، كأن المتصف بها لا يملك غير التراب! هذه هى العقبة التي كانت موضوع السؤال: «وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ» ؟ إنها عقبة، تقوم بين يدى من يريد اجتيازها إلى مواقع الخير- عقبات: منها: «فك رقبة» أي عتق رقبة، وفكها وإطلاقها من أسر العبودية، والرق، وتحريرها من البهيمية التي اغتالت معالم الإنسانية فيها.. إن الإنسان- مطلق الإنسان- له حرمته عند الله، وإن الاستخفاف بهذه الحرمة عدوان على حمى الله.. ولهذا كان من أعظم القربات عند الله ، هو رد اعتبار هذا الإنسان، وتصحيح وجوده بين الناس.. إنه خليفة الله فى الأرض! ومن العقبات التي يقتحمها من يأخذ طريقه إلى الله: «إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ» أي بذل الطعام فى المجاعات، وفى أيام الجدب والقحط، للجياع والمحرومين.. وأولى هؤلاء الجياع بالإطعام، الأيتام الفقراء، لضعفهم، وعجزهم عن الكسب.. وأحق الأيتام بهذا الإحسان، ذوو القربى، إذ كان للقرابة حق يجب أن يرعى، فمن قصّر فى حق ذوى قرابته، فهو مع غير هم أكثر ضنّا، وأشد تقصيرا.. والمسكين الفقير، هو أشبه باليتيم، فى ضعفه، وقلة حيلته، وإطعامه- حين لا يجد الطعام- أولى من غيره! وفرق بين الفقير، والمسكين.. فقد يكون المسكين فقيرا، وقد يكون

стр. 6714

الفقير غير مسكين.. والمسكين هو الذليل، المهين.. سواء أكان فقيرا أم غير فقير، ومن هنا لم يكن فى المؤمنين مسكين. إذ لا يجتمع الإيمان، وذلة المسكين ومهانته.. وعلى هذا يكون المسكين، هو الّذي، الذي يعيش فى دار الإسلام، ويكون من حقه على المسلمين إذا كان فقيرا أن تسدّ مفاقره، وأن يكون له نصيب من البر والإحسان. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ... » أما الفقير على إطلاقه، فهو من كان من المؤمنين، ولا مال معه، وهذا الفقر لن يلبسه لباس المسكنة أبدا.. وكيف، وهو العزيز بإيمانه، القوى بالثقة فى ربه؟ وسميت هذه الأمور عقبة، لأن الذي يتخطاها، إنما يغالب نوازع نفسه، من الأثرة، وحب المال، وإنه ليس من السهل على الإنسان أن ينزع من نفسه الأنانية والأثرة، وحبّ المال، وإن ذلك ليحتاج إلى معاناة وجهاد ومغالبة، حتى يقهر المرء هذه القوى التي تحول بينه وبين البذل والسخاء.. وقوله تعالى: «ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ» .. إشارة إلى أن هذه الأعمال المبرورة، لا ينزلها منازل القبول من الله إلا الإيمان بالله. فإذا فعلها المرء غير مؤمن بالله، وغير راغب فى ثوابه، طامع فى حسن المثوبة منه- لم يكن لها عند الله وزن.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً» (٢٣: الفرقان) وقوله سبحانه: «أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» (١٠٥: الكهف) .

стр. 6715

وقوله تعالى: «وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ» - إشارة إلى أن الإيمان- مجرد الإيمان- لا يمكّن المرء من اقتحام هذه العقبة، وإن كان يدعو إلى اقتحامها، ويشدّ البصر نحوها.. إذ لا بد من أن يقوم مع الإيمان، دعوة موجّهة إلى الصبر، وإلى الرحمة، وأن يتزود المرء بزاد عتيد منها. والتواصي بالصبر والمرحمة، هو إلحاح المرء على نفسه بالدعوة إليهما، والتمسك بهما، فإذا جزع فى مواجهة مال يخرج من يده، حمل نفسه على الصبر على ما تكره، واستدعى من مشاعره دواعى الحنان والرحمة.. فذلك مما يعينه على مغالبة أهوائه، وقهر شحّه وبخله.. ثم لا يقف المرء عند هذا، بل ينبغى أن يكون هو داعية إلى الصبر وإلى الرحمة، يبشر بهما فى الناس، ويدعو إليهما فى كل مجتمع، فذلك من شأنه أن يترك آثاره فيه، إلى جانب ما يتركه من إشاعة هذا المعروف بين الناس.. قوله تعالى: «أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ» .. أي أن هؤلاء الذين آمنوا، وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة، وتخطوا هذه العقبة، ففكوا الرقاب، وأطعموا الجياع من الأيتام والمساكين- هؤلاء «أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ» أي أصحاب اليمين، والفوز، والفلاح، وأنهم من أهل اليمين، الذين وعدهم الله جنات النعيم.. قوله تعالى: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ» .. أي والذين لم يؤمنوا بالله، ولم يقتحموا العقبة، سيأخذون الجانب الآخر

стр. 6716

المقابل لأصحاب الميمنة، وهو جانب الشؤم، والبلاء.. حيث نار جهنم، يصلونها وبئس المصير.. قوله تعالى: «عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ» .. أي هذا هو المساق الذي يساق إليه أصحاب المشئمة، حيث تشتمل عليهم النار، وتغلق عليهم أبوابها، فلا مهرب، ولا إفلات لهم منها.. (٩١) سورة الشمس نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة «القدر» .. عدد آياتها: خمس عشرة آية.. عدد كلماتها: أربع وخمسون كلمة.. عدد حروفها: مائتان وأربعون حرفا.. مناسبتها لما قبلها أشارت سورة «البلد» إلى الإنسان، وإلى ما أودع الله فيه من قوى تميز بين الخير والشر، إذ يقول سبحانه: «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» .. وفى سورة «الشمس» بيان شارح للنجدين، إذ يقول سبحانه: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها» ثم أشارت الآيات بعد هذا إلى موقف الإنسان من هذين النجدين، إذ يقول جل شأنه: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» .. فالمناسبة بين السورتين ظاهرة.

стр. 6717

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الآيات: (١- ١٥) [سورة الشمس (٩١) : الآيات ١ الى ١٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥) التفسير: قوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحاها..) هذه أقسام عدّتها أحد عشر قسما، أقسم الله بها، مفتتحا السورة الكريمة.. الشمس، وضحى الشمس، والقمر، والنهار، والليل، والسماء، وبناؤها، والأرض، وبسطها. ثم النفس، وما ركّب فيها.. وفى هذه الأقسام نرى ستة منها متزاوجة، متقابلة.. فالشمس يقابلها القمر، والنهار يقابله الليل، والسماء تقابلها الأرض.. ثم نرى الشمس، والنهار، والسماء، يقابلها على التوالي: القمر، والليل، والأرض..

стр. 6718

وإذ نبحث عن مقابل للنفس، لا نجد هذا المقابل، الذي يستدعيه سياق النظم فى ظاهره.. فإذا أمعنا النظر قليلا، نجد أن النفس تضمّ فى كيانها شيئين متقابلين، هما: الفجور والتقوى، أو إن شئت فقل، الشمس والقمر، أو النهار والليل، أو السماء والأرض.. ففى كيان النفس، نور وظلام، ونهار وليل، وعلوّ وسفل. فإذا تعمقنا النظر، وجدنا الشمس تمثل العقل، والقمر يمثل الضمير، الذي تستضىء بصيرته من العقل، كما يستمد القمر نوره من الشمس.. وللعقل شروق وغروب. فإذا اتجه إلى الحق أسفر عن وجهه وكان نهارا مبصرا، يتحرك الإنسان فيه على هدى وبصيرة.. وإذا اتجه إلى الباطل غربت شمسه، وأطبق ليله، وعمّيت على صاحبه السبل، ودرست معالمها.. ثم إذا أخذ الإنسان طريق الحق اتجه صعدا نحو معالم النور، فكان أقرب إلى عالم السماء منه إلى عالم الأرض.. أما إذا ركب مركب الضلال، فإنه يهبط منحدرا حتى تغوص أقدامه فى التراب، وقد يتدلّى حتى يكون حشرة من حشرات الأرض، أو دودة من ديدانها.. وننظر فى أجزاء هذه الصورة التي رسمتها الآيات القرآنية للإنسان من داخل نفسه كما تحدثت عنها آيات الكتاب الكريم.. «وَالشَّمْسِ وَضُحاها» .. الواو هنا للقسم، وما بعدها من واوات هى حرف عطف، تعطف هذه الأقسام بعضها على بعض..

стр. 6719

هكذا يكون الإنسان حين مولده.. إنه أشبه بالشمس فى إشراقه ووضاءته.. إنه الإنسان فى أحسن تقويم، كما خلقه الخالق جل وعلا، قبل أن تنعقد فى سمائه سحب الضلالات، وتهبّ عليه أعاصير الحياة محملة بالغثاء والتراب. «وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها..» هو الإنسان الذي خيمت عليه موروثات الآباء والأجداد فى بيئة الكفر والضلال، فلعبت بعقله، وحجبت شمس فكره، ثم بقي معه بعد ذلك شىء من شعاع العقل، يجده مندسّا فى ضميره، مختزنا فى فطرته.. فيقف فى مفترق الطريق بين الهدى والضلال، بين أن يرجع إلى عقله، ويحتكم إلى رأيه، أو ينساق مع هواه، ويتّبع ما كان عليه آباؤه «وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها» .. فإذا غلب الرأى على الهوى، وأخذ الإنسان طريق الحق، عاد إلى العقل سلطانه، وتجلت فى الإنسان آيات شمسة، فأضاءت كل شىء حوله.. «وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها» .. وأما إذا غلب الهوى على الرأى، وأخذ الإنسان طريق الباطل، فقد غربت شمس العقل، وعميت بصيرة الإنسان، واشتمل عليه ليل دامس، لا نجم فى سمائه ولا قمر.. «وَالسَّماءِ وَما بَناها» والإنسان الذي أمسك بعقله، واستجاب لسلطانه، هو- كما قلنا- إلى عالم

стр. 6720

السماء أقرب منه إلى عالم الأرض.. إنه الإنسان الذي خلقه الله فى أحسن تقويم.. «وَالْأَرْضِ وَما طَحاها» هو الإنسان الذي زهد فى عقله، وأسلم زمامه لهواه، فكان بعضا من هذه الأرض.. إنه الإنسان الذي ردّه الله أسفل سافلين.. «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها» هى النفس الإنسانية على إطلاقها.. إنها مستعدة الهدى والضلال، فاردة قلاعها إلى جهتى الخير والشر.. هكذا صاغها الخالق جل وعلا، من النور والظلام، من نفحات السماء، ومن تراب الأرض. «فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها» أي آتاها الله القدرة على الاتجاه نحو اليمين أو الشمال، نحو الخير أو الشر، نحو الإيمان أو الكفر.. هكذا يرى الإنسان القدرة من نفسه على التحرك فى هذين الاتجاهين.. «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» .. هو الواقع عليه هذه الأقسام، فهو جوابها.. إن السعيد من الناس، من زكّى نفسه وطهرها فحلصها من تراب الأرض، وأطلق روحه من أسر المادة، فحلّقت به فى عالم الحق والنور. وإن الشقي من دسّى نفسه، أي أخفاها، وغطّى عليها بكثافة المادة وظلامها، وعاش حبيسا داخل هذه القوقعة التي نسجها حول نفسه، لا يرى، ولا يسمع، ولا يتحرك. و «ما» فى قوله تعالى: «وَالسَّماءِ (وَما) بَناها، وَالْأَرْضِ (وَما) طَحاها وَنَفْسٍ (وَما) سَوَّاها» م ١٠٠- التفسير القرآنى ج ٣٠

стр. 6721

هى «ما» المصدرية، أي والشمس، وبنائها، والأرض وبسطها، والنفس وتسوية خلقها.. فقوله تعالى: «وَما بَناها» أي وما بنى السماء، وأقامها من غير عمد.. وهو ما أودع الله فيها من قوى ممسكة بها، ضابطة لنظامها، حافظة لوجودها.. وقوله تعالى: «وَما طَحاها» أي وما طحا الأرض، أي بسطها، وأمسك بها أن تميد.. وهو النظام الذي يمسك كيانها ويحفظ وجودها.. وقوله تعالى: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها» أي وما سوى خلقها، وأمدها بالقوى العالمة فيها.. فالقسم هنا، قسم بالشيء، والصفة التي قام عليها.. وهذا يعنى مزيدا من التشريف والتكريم للشىء المقسم به إذ كان فى ذاته أهلا للقسم، ثم كانت صفاته أهلا للقسم أيضا. وقوله تعالى: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها» . هو عرض للمواجهة الضالة التي اتجه إليها أهل الضلال، مؤثرين إياها على طريق الحق والهدى.. إنهم لم يزكّوا أنفسهم، ولم يرتفعوا بالجانب الطيب المشرق منها، بل آثروا جانب الفجور، وأفردوا قلوع سفينتهم فى اتجاه ريحه العاصفة. «ثمود» ، هم قوم صالح ﵇، دعاهم نبيهم إلى الإيمان بالله فبهتوه، وكذبوه.. «قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ» (٦٢: هود) وقد توعدهم نبيهم بالعذاب، وأنذرهم به، ووضع بين أيديهم آية من

стр. 6722

آيات الله، هى الناقة، وجعل وقوع العذاب الذي أنذروا به رهنا بأن يتعرضوا لتلك الناقة بسوء: «وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ، فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ» (٦٤- ٦٥ هود) وقوله تعالى: «بطغواها» أي بسيب طغواها، أي بطغيانها، ومجاوزتها الحد فى العدوان على حرمات الله- كان تكذيبها برسول الله وبآيات الله.. وقوله تعالى: «إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها» أي ولقد بلغت ثمود غاية الطغيان والعدوان، حين «انبعث أشقاها» أي اندفع هذا الشقي من أبنائها فى جنون صارخ، نحو الناقة، يريد عقرها، فلم يقف فى طريقه أحد، ولم ينصح له ناصح، بل تركوه يمضى إلى حيث سوّلت له نفسه، عقر الناقة، فعقرها، فعمهم البلاء، جميعا، وكان صاحبهم هذا أشقى هؤلاء الأشقياء الذين تركوه، ولم يأخذوا على يده.. قوله تعالى: «فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها» أي حين رأى صالح ما يريد هذا الشقي بالناقة من سوء، حذّر القوم من أن يرتكبوا هذه الحماقة المهلكة.. فقال لهم: «ناقة الله» أي احذروا ناقة الله، وإياكم أن تمسوها بسوء، أو تعرضوا لها يوم شربها، وأن تمنعوها السّقيا فى يومها المرسوم لها..

стр. 6723

وقوله تعالى: «فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها» .. أي أنهم لم يستمعوا نصح صالح لهم، ولم يصدقوا ما أنذرهم به، ولم يأخذوا على يد هذا الشقي، بل تركوه حتى عقر الناقة! وقوله تعالى: «فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ» أي أخذهم الله جميعا بالعذاب، فلم يبق منهم باقية بسبب هذا الجرم الغليظ الذي كان منهم.. والدمدمة: الإهلاك لجماعى، الذي لا يبقى ولا يذر.. وقوله تعالى: «فسواها» أي أطبق عليهم الأرض، فلم يبق لهم ولا لديارهم أثر عليها، بل سويت الدور بالأرض، كأن لم يكن عليها شىء.. والضمير وهو «ها» فى قوله تعالى «فسواها» يعود إلى الأرض، التي يشير إليها قوله تعالى: «فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ» لأن الدمدمة، أي التسوية مما يفعل بالأرض، لا بالناس. وقوله تعالى: «وَلا يَخافُ عُقْباها» .. أي أن الله سبحانه فعل بهم ما فعل، واقتلعهم من الأرض اقتلاعا، دون أن يحول بينه وبين ما فعل بهم حائل، أو يحاسبه محاسب.. إنه فعل ذلك بعدله وقوته، وسلطانه، الذي لا معقب عليه.. وذكر الخوف هنا تمثيل، يراد منه الإشارة إلى هذا التدمير الشامل، المتمكن، فإن الذي يخاف عاقبة أمر لا تتسلط عليه يده تسلطا كاملا، بل يحول بينه وبين تصرفه المطلق فيه، خوف الحساب والجزاء، ممن يحاسبه ويجازيه.. وتعالى الله سبحانه عن ذلك علوا كبيرا..

стр. 6724

(٩٢) سورة الليل نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة «الأعلى» . عدد آياتها: إحدى وعشرون آية. عدد كلماتها: إحدى وسبعون كلمة. عدد حروفها: ثلاثمائة وعشرة أحرف مناسبتها لما قبلها ختمت سورة «الشمس» بهذا العذاب الذي أوقعه الله سبحانه بثمود، فغشيهم العذاب واشتمل عليهم، ولفّهم برداء أسود كئيب.. وبدئت سورة «الليل» بالقسم بالليل إذا يغشى، فكان ظلام هذا الليل كفنا آخر لثمود، يصحبهم فى قبورهم التي ابتلعنهم، ويقيم عليهم راية سوداء تحوّم عليهم، كما تحوّم الغربان على الجيف!! بسم الله الرّحمن الرّحيم الآيات: (١- ٢١) [سورة الليل (٩٢) : الآيات ١ الى ٢١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)

стр. 6725

التفسير: قوله تعالى: «وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى» قسم بالليل حين يغشى ظلامه الكائنات، ويغطّى سواده وجه الأرض.. وبدء السورة بهذا القسم- كما قلنا- هو أشبه براية سوداء تحوّم على مواطن ثمود، التي دمدم الله عليها، كما تحوم الغربان على الرمم.. ثم إنه من جهة أخرى، يمثل الجانب الأعظم من جانبى الإنسانية، جانبى الكفر والإيمان، والضلال، والهدى، والظلام والنور.. فأغلب الناس على ضلال، وقليل منهم المهتدون، كما يقول سبحانه: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ» (١٠٣: يوسف) وفى التعبير بفعل المستقبل «يغشى» عن ظلام الليل- إشارة إلى أن الظلام عارض دخيل، يعرض للنور الذي هو أصل الوجود، كما يعرض الضلال للفطرة الإنسانية التي خلقها الله تعالى صافية لا شية فيها.
следующие страницы →