← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الله الذى لا إله غيره- وكانت يمين رسول الله ﷺ قلت: نعم- والله الذى لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدى رسول الله ﷺ ، فحمد الله. وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الأسدى، حليف بنى عبد شمس بن عبد مناف، يوم بدر بسيفه، حتى انقطع فى يده، فأتى رسول الله ﷺ ، فأعطاه جذلا من حطب، فقال: قاتل، بهذا يا عكاشة، فلما أخذه من رسول الله ﷺ هزه، فعاد سيفا فى يده طويل القامة، شديدة المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله تعالى على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى: العون. ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ ، حتى قتل فى الردة، وهو عنده، قتله طليحة بن خويلد الأسدى وعكاشة بن محصن الذى قال لرسول الله ﷺ ، حين قال رسول الله ﷺ : يدخل الجنة سبعون ألفا من أمتى على صورة القمر ليلة البدر، قال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم. قال: إنك منهم، أو اللهم اجعلنى منهم. فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم، فقال: سبقك بها عكاشة، وبردت الدعوة «١» . وقال رسول الله ﷺ ، فيما بلغنا عن أهله: منا خير فارس فى العرب، قالوا: ومن هو يا رسول الله قال عكاشة بن محصن فقال ضرار بن الأزور الأسدى: ذاك رجل منا يا رسول الله: قال ليس منكم ولكنه منا للحلف.

стр. 142

ولما أمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يطرحوا فى القليب، طرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ فى درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه، فتزايل لحمه، فأقروه، وألقو عليه ما غيبه من التراب والحجارة، فلما ألقاهم فى القليب وقف عليهم رسول الله ﷺ ، فقال: يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقّا، فإنى قد وجدت ما وعدنى ربى حقّا. فقال له أصحابه: يا رسول الله، أتكلم قوما موتى؟ فقال لهم: لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقّا. ولما أمر رسول الله ﷺ أن يلقوا فى القليب، أخذ عنبة ابن ربيعة، فسحب إلى القليب، فنظر رسول الله ﷺ فى وجه أبى حذيفة بن عتبة، فإذا هو كئيب قد تغير لونه، فقال: يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شىء؟ - أو كما قال ﷺ فقال: لا والله يا رسول الله، ما شككت فى أبى ولا فى مصرعه، ولكننى كنت أعرف من أبى رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجوا أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت مامات عليه من الكفر، بعد الذى كنت أرجو له، أحزننى ذلك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير، وقال له خيرا. ثم إن رسول الله ﷺ أمر بما فى العسكر، مما جمع الناس، فجمع، فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه: والله لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم، وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله ﷺ ، مخافة أن يخالف إليه العدو: والله ما أنتم بأحق به منا، والله لقد رأينا أن

стр. 143

نقتل العدو إذ منحنا الله تعالى أكتافه، ولقد رأينا، أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكننا خفنا على رسول الله ﷺ كرة العدو، فقمنا دونه، فما أنتم بأحق به منا. ثم بعث رسول الله ﷺ عند الفتح عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة. قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر- حين سوينا التراب على رقية ابنة رسول الله ﷺ ، والتى كانت عند عثمان بن عفان. كان رسول الله ﷺ خلفنى عليها مع عثمان- أن زيد بن حارثة قدم. قال: فجئته، وهو واقف بالمصلى قد غشيه الناس، وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وزمعة بن الأسود، وأبو البخترى العاص بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه، ومنبه، ابنا الحجاج. قال: قلت: يا أبت، أحق هذا؟ قال: نعم، والله يا بنى. ثم أقبل رسول رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة، ومعه الأسارى من المشركين، وفيهم عقبة بن أبى معيط، والنضر بن الحارث. واحتمل رسول الله ﷺ معه النفل الذى أصيب من المشركين، وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول. ثم أقبل رسول الله ﷺ ، حتى إذا خرج من مضيق الصفراء، نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية، فقسم هناك النفل الذى أفاء الله عن المسلمين من المشركين على السواء، ثم ارتحل رسول الله ﷺ ،

стр. 144

حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه، ومن معه من المسلمين، فقال لهم سلمة بن سلامة: ما الذى تهنئوننا به؟ فو الله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعلقة، فنحرناها. فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: أى ابن أخى، أولئك الملأ. ثم مضى رسول الله ﷺ حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم واحد. وقدم بالأسارى حين قدم بهم، وسودة بنت زمعة زوج النبى ﷺ عند آل عفراء، فى مناحتهم على عوف ومعوذ ابنى عفراء، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب. تقول سودة: والله إنى لعندهم إذ أتينا، فقيل: هؤلاء الأسارى قد أتى بهم. قالت: فرجعت إلى بيتى، ورسول الله ﷺ فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو فى ناحية الحجرة، مجموعة يداه إلى عنقه بجبل. قالت: فلا والله ما ملكت نفسى حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه، أن قلت: أعطيتم بأيديكم، ألا متم كراما؟ فو الله ما أنبهنى إلا قول رسول الله ﷺ من البيت: يا سودة، أعلى الله ورسوله تحرضين؟ قلت: يا رسول الله، والذى بعثك بالحق، ما ملكت نفسى حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه، أن قلت ما قلت. ثم إن رسول الله ﷺ حين أقبل بالأسارى، فرقهم بين أصحابه، وقال: استوصوا بالأسارى خيرا. (م ١٠- الموسوعة القرآنية- ج ١)

стр. 145

وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش، الحيسمان بن عبد الله الخزاعى، فقالوا: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم ابن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البخترى بن هشام. فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان بن أمية، وهو قاعد فى الحجر: والله إن يعقل هذا، فاسألوه عنى. فقالوا: ما فعل صفوان ابن أمية؟ قال: ها هو ذاك جالسا فى الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا. ويقول أبو رافع مولى رسول الله ﷺ : كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق فى قومه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة، وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش، كبته الله وأخزاه، ووجدنا فى أنفسنا قوة وعزّا. ويقول أبو رافع: وكنت رجلا ضعيفا، وكنت أعمل الأقداح، أنحتها فى حجرة زمزم، فو الله إنى لجالس أنحت أقداحى، وعندى أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر، حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهرى، فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب قد قدم. فقال له أبو لهب: هلم إلى، فعندك لعمرى الخبر. فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يابن أخى، أخبرنى كيف

стр. 146

كان أمر الناس؟ قال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم، فمنحناهم أكتافنا، يقودوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا، على خيل بلق، بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا، ولا يقوم لها شىء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدى، ثم قلت: تلك والله الملائكة، فرفع أبو لهب يده، فضرب بها وجهى ضربة شديدة. قال: وثاورته فاحتملنى، فضرب بى الأرض، ثم برك على يضربنى، وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة شقت فى رأسه شجة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده. فقام موليا ذليلا. فو الله ما عاش إلا سبع ليال، حتى رماه الله بالعدسة، فقتلته. وناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه، فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا فى أسراكم حتى تستأنوا بهم «١» ، لا يأرب «٢» عليكم محمد وأصحابه فى الفداء. وكان الأسود بن عبد المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة بن الأسود، وعقيل بن الأسود، والحارث بن زمعة، وكان يحب أن يبكى على بنيه، فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل فقال لغلام له، وقد ذهب بصره: انظر هل أحل النحب، هل بكت قريش على قتلاها؟ لعلى أبكى على أبى حكيمة، يعنى زمعة، فإن جوفى قد احترق. فلما رجع إليه الغلام قال: إنما هى امرأة تبكى على بعير لها أضلته. وكان فى الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمى، فقال رسول الله ﷺ : إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاءكم فى طلب فداء أبيه. فلما قالت قريش: لا تعجلوا بفداء أسراكم،

стр. 147

لا يأرب عليكم محمد وأصحابه. قال المطلب بن أبى وداعة: صدقتم. لا تعجلوا، وانسل من الليل فقدم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم، فانطلق به. ثم بعثت قريش فى فداء الأسارى، فقيل لأبى سفيان: افد عمرا ابنك. قال: أيجمع على دمى ومالى، قتلوا حنظلة، وأفدى عمرا، دعوه فى أيديهم، يمسكوه ما بدا لهم. فبينما هو كذلك، محبوس بالمدينة عند رسول الله ﷺ ، إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال، معتمرا، ومعه مرية «١» له، وكان شيخا مسلما، فى غنم له بالنقيع، فخرج من هناك معتمرا، ولا يخشى الذى صنع به، لم يظن أنه يحبس بمكة، إنما جاء معتمرا، وقد عهد قريشا لا يتعرضون لأحد جاء حاجّا، أو معتمرا، الا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة، فحبسه بابنه عمرو، ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله ﷺ . فأخبروه خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبى سفيان، فيفكوا به صاحبهم، ففعل رسول الله ﷺ ، فبعثوا به إلى أبى سفيان، فخلى سبيل سعد. وقد كان فى الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس. ختن رسول الله ﷺ ، وزوج ابنته زينب.

стр. 148

وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين: مالا، وأمانة، وتجارة، وكان هالة بنت خويلد، وكانت خديجة خالته، فسألت خديجة رسول الله ﷺ أن يزوجه، وكان رسول الله صلى الله عليه لا يخالفها، وذلك قبل أن ينزل عليه الوحى، فزوجه، وكانت تعده بمنزلة ولدها، فلما أكرم الله رسول الله ﷺ بنبوته، آمنت به خديجة وبناته، فصدقته، وشهدن أن ما جاء به الحق، ودنّ بدينه، وثبت أبو العاص على شركه. وكان رسول الله ﷺ قد زوج عتبة بن أبى لهب رقية، أو أم كلثوم. فلما بادى قريشا بأمر الله تعالى وبالعداوة، قالوا: إنكم قد فرغتم محمدا من همه، فردوا عليه بناته، فاشغلوه بهن، فمشوا إلى أبى العاص، فقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أى امرأة من قريش شئت. قال: لا والله، إنى لا أفارق صاحبتى، وما أحب أن لى بامرأتى امرأة من قريش. وكان رسول الله ﷺ يثنى عليه فى صهره خيرا. ثم مشوا إلى عتبة بن أبى لهب، فقالوا له: طلق بنت محمد ونحن ننكحك أى امرأة من قريش شئت. فقال: إن زوجتمونى بنت أبان بن سعيد بن العاص، أو بنت سعيد بن العاص، فارقتها، فزوجوه بنت سعيد بن العاص وفارقها، ولم يكن دخل بها، فأخرجها الله من يده كرامة لها، وهوانا له، وخلف عليها عثمان بن عفان بعده. وكان رسول الله ﷺ لا يحل بمكة ولا يحرم، مغلوبا على أمره. وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله ﷺ ،

стр. 149

حين أسلمت، وبين أبى العاص بن الربيع، إلا أن رسول الله ﷺ كان لا يقدر أن يفرق بينهما، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه، حتى هاجر رسول الله ﷺ ، فلما سارت قريش إلى بدر، سار فيهم أبو العاص بن الربيع فأصيب فى الأسارى يوم بدر، فكان بالمدينة عند رسول الله ﷺ . ولما بعث أهل مكة فى فداء أسرائهم، بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ فى فداء أبى العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أخلتها بها على أبى العاص حين بنى عليها، فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها مالها فافعلوا، فقالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه، وردوا عليها الذى لها. وكان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه، أن يخلى سبيل زينب إليه، فلما قدم أبو العاص مكة، أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت تجهز. فلما فرغت بنت رسول الله ﷺ من جهازها، قدم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها، بعيرا، فركبته، وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهارا يقود بها، وهى فى هودج لها. وتحدث بذلك رجال من قريش، فخرجوا فى طلبها، حتى أدركوها بذى طوى، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والفهرى، فروعها هبار بالرمح، وهى فى هودجها، وكانت المرأة حاملا- فيما يزعمون- فلما ريعت طرحت ذا بطنها، وبرك حموها كنانة، ونثر كنانته، ثم قال: والله لا يدنو منى رجل إلا وضعت فيه سهما، فرجع الناس عنه. وأتى أبو سفيان فى جلة من قريش فقال: أيها الرجل، كف عنا نبلك حتى نكلمك، فكف، فأقبل

стр. 150

أبو سفيان حتى وقف عليه، فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا، أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا التى كانت، وأن ذلك منا ضعف ووهن، ولعمرى ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا فى ذلك من ثأر، ولكن ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأت الأصوات، وتحدث الناس أن قد رددناها، فسلها سرّا، وألحقها بأبيها، ففعل، فأقامت ليالى، حتى إذا هدأت الأصوات، خرج بها ليلا، حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول الله ﷺ . وأقام أبو العاص بمكة، وأقامت زينب عند رسول الله ﷺ بالمدينة، حين فرق بينهما الإسلام. حتى إذا كان قبيل الفتح، خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام، وكان رجلا مأمونا، بمال له وأموال لرجال من قريش، أبضعوها معه، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا، لقيته سرية لرسول الله ﷺ ، فأصابوا ما معه، وأعجزهم هاربا، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله، أقبل أبو العاص تحت الليل، حتى دخل على زينب بنت رسول الله ﷺ ، فاستجار بها، فأجارته، وجاء فى طلب ماله، فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الصبح، فكبر وكبر الناس معه، صرخت زينب من صفة النساء: أيها الناس، إنى قد أجرت أبا العباس بن الربيع، فلما سلم رسول الله ﷺ من الصلاة، أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم، قال: أما والذى نفس محمد بيده، ما علمت بشىء من ذلك حتى سمت ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم. ثم انصرف رسول الله ﷺ ، فدخل

стр. 151

على ابنته، فقال: أى بنية، أكرمى مثواه، ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له. ثم إن رسول الله ﷺ بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبى العاص، فقال لهم: إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذى له، فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فىء الله الذى أفاء عليكم، فأنتم أحق به. فقالوا: يا رسول الله، بل نرده عليه، فردوه عليه، حتى إن الرجل ليأتى بالدلو، ويأتى الرجل بالشنة، وبالإداوة، حتى إن أحدهم ليأتى بالشظاط، حتى ردوا عليه ماله بأسره، لا يفقد منه شيئا. ثم احتمل إلى مكة، فأدى إلى كل ذى مال من قريش ماله، ومن كان أيضع معه، ثم قال: يا معشر قريش، هل بقى لأحد منكم عندى مال لم يأخذه، قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيّا كريما. قال: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعنى من الإسلام عنده. إلا تخوف أن تظنوا أنى إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم، وفرغت منها، أسلمت ، ثم خرج حتى قدم على رسول الله ﷺ . وجلس عمير بن وهب الجمحى مع صفوان بن أمية، بعد مصاب أهل بدر من قريش، فى الحجر بيسير، وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش، وممن كان يؤذى رسول الله ﷺ وأصحابه، ولقى منه عناء وهو بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير فى أسارى بدر.

стр. 152

فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله ليس فى العيش بعدهم خير، قال له عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين علىّ ليس له عندى قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدى، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لى قبلهم علة: ابنى أسير فى أيديهم. فاغتنمها صفوان، وقال: علىّ دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالى أو اسيهم ما بقوا، لا يسعنى شىء ويعجز عنهم. فقال له عمير: فاكتم شأنى وشأنك. قال: أفعل. ثم أمر عمير بسيفه، فشحذ له، وسم، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب فى نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، وما أراهم من عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب، حين أناخ على باب المسجد متوشحا السيف، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير ابن وهب، والله ما جاء إلا لشر، وهو الذى حرش بيننا، وحزرنا «١» للقوم يوم بدر. ثم دخل عمر على رسول الله ﷺ فقال: يا نبى الله، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه، قال: فأدخله علىّ فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه فى عنقه فلببه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله ﷺ ، فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به على رسول الله ﷺ . فلما رآه رسول الله ﷺ ، وهو آخذ بحمالة سيفه فى عنقه، قال: أرسله يا عمر، ادن يا عمير، فدنا ثم قال: أنعموا صباحا، وكانت تحية أهل

стр. 153

الجاهلية بينهم، فقال رسول الله ﷺ : قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة. فقال: أما والله يا محمد، إن كنت بها لحديث عهد. قال: فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذى فى أيديكم، فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف فى عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا؟ قال: أصدقنى، ما الذى جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك، قال: بل قعدت أنت وصفوان بن أمية فى الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علىّ وعيال عندى، لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك، على أن تقتلنى له، والله حائل بينى وبين ذلك، قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحى، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فو الله إنى لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام وساقنى هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق. فقال رسول الله ﷺ : فقهوا أخاكم فى دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره، ففعلوا. ثم قال يا رسول الله، إنى كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله ، وأنا أحب أن تأذن لى، فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله تعالى، وإلى رسول الله ﷺ ، وإلى الإسلام لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم فى دينهم، كما كنت أوذى أصحابك فى دينهم. فأذن له رسول الله ﷺ ، فلحق بمكة. وكان صفوان بن أمية حين خرج عمير بن وهب، يقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن فى أيام تنسيكم وقعة بدر. وكان صفوان يسأل عن الركبان، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف ألا يكلمه أبدا، ولا ينفعه بنفع أبدا.

стр. 154

فلما قدم عمير مكة، أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذى من خالفه أذى شديدا، فأسلم على يديه ناس كثير. وأسر من المشركين من قريش يوم بدر ثلاثة وأربعون رجلا. ٦٢- غزوة السويق ثم غزا أبو سفيان بن حرب غزوة السويق فى ذى الحجة، وكان أبو سفيان حين رجع إلى مكة، ورجع فل «١» قريش من بدر، نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا ﷺ ، فخرج فى مائتى راكب من قريش، ليبر يمينه، فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له: ثيب، من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج من الليل، حتى أتى بنى النضير تحت الليل، فأتى حيى بن أخطب، فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له بابه وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بنى النضير فى زمانه ذلك، وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه، فأذن له، فقراه وسقاه، وأعلمه من خبر الناس. ثم خرج فى عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالا من قريش إلى المدينة، فأتوا ناحية منها، يقال لها: العريض، فحرقوا فى أصوار- جماعة من نخل بها- ووجدوا بها رجلا من الأنصار وحليفا له فى حرث لهما، فقتلوهما، ثم انصرفوا راجعين، ونذر بهم الناس. فخرج رسول الله ﷺ فى طلبهم، واستعمل على المدينة بشير بن عبد المنذر، وهو أبو لبابة، حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم انصرف راجعا، قد فاته أبو سفيان- وأصحابه، وقد رأوا أزوادا من أزواد القوم قد طرحوها فى الحرث، يتخففون منها للنجاة. فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله ﷺ : يا رسول الله، أتطمع أن تكون لنا غزوة؟ قال: نعم.

стр. 155

وإنما سميت غزوة السويق، لأن أكثر ما طرح القوم من أزوادهم السويق، فهجم المسلمون على سويق كثير، فسميت غزوة السويق. ٦٣- غزوة ذى أمر فلما رجع رسول الله ﷺ من غزوة السويق، أقام بالمدينة بقية ذى الحجة أو قريبا منها، ثم غزا نجدا، يريد غطفان، وهى غزوة ذى أمر. واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، فأقام بنجد صفرا كله، أو قريبا من ذلك، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا. فلبث بها شهر ربيع الأول كله، أو إلا قليلا منه. ٦٤- غزوة الفرع ثم غزا رسول الله ﷺ ، يريد قريشا، استعمل على المدينة ابن أم مكتوم، حتى بلغ بحران، معدنا بالحجاز من ناحية الفرع، فأقام بها شهر بيع الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا. ٦٥- حديث بنى قينقاع وقد كان فيما بين ذلك، من غزو رسول الله ﷺ ، أمر بنى قينقاع، وكان من حديث بنى قينقاع أن رسول الله ﷺ جمعهم يسوق بنى قينقاع، ثم قال: يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نبى مرسل، تجدون ذلك فى كتابكم وعهد الله إليكم قالوا: يا محمد، إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنّا نحن الناس.

стр. 156

وكان بنو قينقاع أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وحاربوا فيما بين بدر وأحد. وكان من أمر بنى قينقاع أن امرأة من العرب قدمت يجلب لها، فباعته بسوق بنى قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديّا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع. فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله ابن أبىّ بن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن فى موالى-- وكانوا حلفاء الخزرج- فأبطأ عليه رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد، أحسن فى موالى، فأعرض عنه، فأدخل يده فى جيب درع رسول الله ﷺ . فقال له رسول الله ﷺ : أرسلنى، وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال: ويحك، أرسلنى. قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن فى موالى، أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع وقد منعونى من الأحمر والأسود وتحصدهم فى غداة واحدة، إنى والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله ﷺ : هم لك.

стр. 157

واستعمل رسول الله ﷺ على المدينة فى محاصرته إياهم بشير بن عبد المنذر، وكانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلة. ولما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ ، تشبث بأمرهم عبد الله ابن أبىّ بن سلول، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ ، وكان أحد بنى عوف، لهم من حلفه مثل الذى لهم من عبد الله بن أبىّ، فخلعهم إلى رسول الله ﷺ ، وتبرأ إلى الله ، وإلى رسوله ﷺ من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله ﷺ والمؤمنين. وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم. ٦٦- سرية زيد وأما سرية زيد بن حارثة، التى بعثه رسول الله ﷺ فيها، حين أصاب عير قريش، وفيها أبو سفيان بن حرب، على القردة: ماء من مياه نجد، فكان من حديثها أن قريشا خافوا طريقهم الذى كانوا يسلكون إلى الشام، حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجار، فيهم: أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة، وهى عظم تجارتهم، واستأجروا رجلا من بنى بكر بن وائل، يقال له: فرات بن حيان، يدلهم فى ذلك على الطريق. ٦٧- مقتل كعب بن الأشرف وكان من حديث كعب بن الأشرف، أنه لما أصيب أصحاب بدر، وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية،

стр. 158

بشيرين، بعثهما رسول الله ﷺ إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عليه، وقتل من قتل من المشركين. قال كعب بن الأشرف، حين بلغه الخبر: أحق هذا؟ أترون محمدا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان- يعنى زيدا وعبد الله بن رواحة- فهؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم، لبطن الأرض خير من ظهرها. فلما تيقن عدو الله الخبر، خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبى وداعة بن ضبيرة السهمى وعنده عاتكة بنت أبى العيص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف، فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرض على رسول الله ﷺ ، وينشد الأشعار، ويبكى أصحاب القليب من قريش، الذين أصيبوا ببدر. ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. فقال رسول الله ﷺ : من لى بابن الأشرف؟ فخرج إليه محمد ابن مسلمة فقتله. ٦٨- غزوة أحد ولما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب، ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره، مشى عبد الله بن أبى ربيعة، وعكرمة بن أبى جهل، وصفوان بن أمية، فى رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له فى تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا، ففعلوا. فاجتمعت قريش لحرب رسول الله ﷺ حين فعل ذلك

стр. 159

أبو سفيان بن حرب وأصحاب العير بأحابيشها، ومن أطاعها من قبائل كنانة، وأهل تهامة، وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحى قد منّ عليه رسول الله ﷺ يوم بدر، وكان فقيرا ذاعيال وحاجة، وكان فى الاسارى، فقال: إنى فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن علىّ، صلى الله عليك وسلم، فمنّ عليه رسول الله ﷺ . فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة، إنك امرؤ شاعر، فأعنا بلسانك، فاخرج معنا، فقال: إن محمدا قد منّ على فلا أريد أن أظاهر عليه، قال: بلى، فأعنا بنفسك فلك والله علىّ إن رجعت أن أغنيك وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتى، يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر. فخرج أبو عزة يسير فى تهامة، ويدعو بنى كنانة. وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بنى مالك ابن كنانة، يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيّا يقال له: وحشى، يقذف بحربة له قذف الحبشة، فلما يخطئ بها، فقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة عم محمد، يعنى طعيمة بن عدى، فأنت عتيق. فخرجت قريش بحدها وجدها وحديدها وأحابيشها، ومن تابعها من بنى كنانة، وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظعن، التماس الحفيظة وألا يفروا، فخرج أبو سفيان بن حرب، وهو قائد الناس، بهند بنت عتبة، وخرج عكرمة بن أبى جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية، وهى أم عبد الله بن صفوان ابن أمية.

стр. 160

وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج، وهى أم عبد الله بن عمرو، وخرج أبو طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، بسلافة بنت سعد بن شهيد الأنصارية، وهى أم بنى طلحة: مسافع، والجلاس، وكلاب، قتلوا يومئذ هم وأبوهم، وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب، إحدى نساء بنى مالك بن حسل، مع ابنها أبى عزيز بن عمير، وهى أم مصعب ابن عمير، وخرجت عمرة بنت علقمة، إحدى نساء بنى الحارث بن عبد مناة ابن كنانة. وكانت هند بنت عتبة كلما مرت بوحشى أو مر بها، قالت: ويها أباد سمة، اشف واستشف! وكان وحشى يكنى بأبى دسمة، فأقبلوا حتى نزلوا بعينين، بجبل ببطن السبخة، من قناة على شفير الوادى، مقابل المدينة. فلما سمع بهم رسول الله ﷺ والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال رسول الله ﷺ للمسلمين: إنى قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا، ورأيت فى ذباب سيفى ثلما، ورأيت أنى أدخلت يدى فى درع حصينة، فأولتها المدينة. فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها. وكان رأى عبد الله بن أبىّ بن سلول مع رأى رسول الله ﷺ ، يرى رأيه فى ذلك، وألا يخرج إليهم. وكان رسول الله ﷺ يكره الخروج، فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره، ممن كان فاته بدر: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا! فقال عبد الله بن (م ١١- الموسوعة القرآنية- ج ١)

стр. 161

أبىّ بن سلول: يا رسول الله، أقم بالمدينة، لا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدولنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال فى وجههم ورماهم النساء، والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا. فلم يزل الناس برسول الله ﷺ ، الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم، حتى دخل رسول الله ﷺ بيته فلبس لأمته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات فى ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له: مالك بن عمرو، أحد بنى النجار، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، ثم خرج عليهم، وقد ندم الناس، وقالوا: استكرهنا رسول الله ﷺ ولم يكن لنا ذلك. فلما خرج رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، استكر هناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ : ما ينبغى لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل. فخرج رسول الله ﷺ فى ألف من أصحابه. حتى إذا كانوا بالشرط بين المدينة وأحد، انخزل عنه عبد الله بن أبىّ ابن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصانى، ماندرى علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، أخو بنى مسلمة، يقول: يا قوم، أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم، عند ما حضر من عدوهم، فقالوا: لوا نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء فسيغنى الله عنكم نبيه. ومضى رسول الله ﷺ حتى سلك فى حرة بنى حارثة،

стр. 162

فذب فرس بذنبه، فأصاب كلاب «١» سيف فاستله. فقال رسول الله ﷺ ، وكان يحب الفأل ولا يعتاف، لصاحب السيف: شم سيفك، فإنى أرى السيوف ستسل اليوم. ثم قال رسول الله ﷺ لأصحابه: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب، أى من قرب، من طريق لا يمر بنا عليهم؟ قال أبو خيثمة أخو بنى حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله، فنفذ به فى حرة بنى حارثة وبين أموالهم، حتى سلك فى مال لمربع بن قيظى، وكان رجلا منافقا ضرير البصر، فلما سمع حسّ رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين، قام يحثى فى وجوههم التراب، ويقول: إن كنت رسول الله فإنى لا أحل لك أن تدخل حائطى، وأخذ حقنة من تراب فى يده، ثم قال: والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد، لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله ﷺ : لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر. وقد بدر إليه سعد بن زيد، أخو بنى الأشهل، قبل نهى رسول الله ﷺ عنه، فضربه بالقوس فى رأسه فشجه. ومضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب من أحد، فى عدوة الوادى إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: لا يقاتلن أحد منكم حتى تأمره بالقتال. وتهيأ رسول الله ﷺ للقتال، وهو فى سبعمائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بنى عمرو بن عوف، وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون

стр. 163

رجلا، فقال: انضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك، لا نؤتين من قبلك. وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، أخى بنى عبد الدار. وأجاز رسول الله ﷺ يومئذ سمرة بن جندب الفزارى، ورافع بن خريج، أخا بنى حارثة، وهما ابنا خمس عشرة سنة، وكان قد ردهما، فقيل له: يا رسول الله، إن رافعا رام، فأجازه، فلما أجاز رافعا، قيل له: يا رسول الله، فإن سمرة يصرع رافعا، فأجازه. ورد رسول الله ﷺ أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، أحد بنى مالك بن النجار، والبراء بن عازب، أحد بنى حارثة، وعمرو بن حزم، أحد بنى مالك بن النجار، وأسيد بن ظهير، أحد بنى حارثة، ثم أجازهم يوم الخندق، وهم أبناء خمس عشرة سنة. وتعبأت قريش، وهم ثلاثة آلاف رجل، ومعهم مئتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبى جهل. وقال رسول الله ﷺ : من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، أخو بنى ساعدة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به العدو حتى ينحنى، قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فأعطاه إياه. وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، إذا كانت، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء، فاعتصب بها، علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ ،

стр. 164

أخرج عصابته تلك، فعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفين. ثم إن أبا عامر، عبد عمرو بن صيفى بن مالك بن النعمان، أحد بنى ضبيعة، وقد كان خرج حين خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله ﷺ ، معه خمسون غلاما من الأوس- وبعض الناس كان يقول: كانوا خمسة عشر رجلا- وكان يعد قريشا أن لو قد لقى قومه، لم يختلف عليه منهم رجلان. فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر فى الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق- وكان أبو عامر يسمى فى الجاهلية: الراهب، فسماه رسول الله ﷺ : الفاسق- فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومى بعدى شر، ثم قاتلهم قتالا شديدا، ثم راضخهم بالحجارة. وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم بذلك على القتال: يا بنى عبد الدار، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلو بيننا وبينه، فنكفيكموه، فهموا به، وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا؟ ستعلم غدا إذ التقينا كيف نصنع! فلما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة فى النسوة اللاتى معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال، ويحرضنهم. فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن فى الناس، فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله، وكان فى المشركين رجل لا يدع جريحا إلا ذفف عليه،

стр. 165

فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة، فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله. وقال أبو دجانة سماك بن خرشة: رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول، فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة. وقال وحشى، غلام جبير بن مطعم، والله إنى لأنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه ما يليق به شيئا، مثل الجمل الأورق، إذ تقدمنى إليه سباع بن عبد العزى، فقال له حمزة: هلم إلى يابن مقطعة البظور، فضربه ضربة فكأن ما أخطأ رأسه، وهززت حربتى، حتى إذا رضيت منها، دفعتها عليه، فوقعت فى ثنته حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل نحوى، فغلب فوقع، وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتى، ثم تنحيت إلى العسكر، ولم تكن لى بشىء حاجة غيره. وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ حتى قتل، وكان الذى قتله ابن قمئة الليثى، وهو يظن أنه رسول الله ﷺ ، فرجع إلى قريش، فقال: قتلت محمدا. فلما قتل مصعب بن عمير، أعطى رسول الله ﷺ اللواء إلى على بن أبى طالب، وقاتل على بن أبى طالب ورجال من المسلمين. ولما اشتد القتال يوم أحد، جلس رسول الله ﷺ تحت راية الأنصار، وأرسل رسول الله ﷺ إلى على بن أبى طالب

стр. 166

رضوان الله عليه: أن قدم الراية. فتقدم علىّ، فقال: أنا أبو القصم، فناداه أبو سعد بن أبى طلحة، وهو صاحب لواء المشركين: أن هل لك يا أبا القصم فى البراز من حاجة؟ قال: نعم. فبرزا بين الصفين، فاختلفا ضربتين، فضربه على فصرعه، ثم انصرف عنه، ولم يجهز عليه، فقال له أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلنى بعورته، فعطفتنى عنه الرحم، وعرفت أن الله قد قتله. وقاتل عاصم بن ثابت بن أبى الأفلح، فقتل مسافع بن طلحة، وأخاه الجلاس بن طلحة، كلاهما يشعره سهما، فأتى أمه سلافة، فيضع رأسه فى حجرها، فتقول: يا بنى، من أصابك؟ فيقول: سمعت رجلا حين رمانى وهو يقول. خذها وأنا ابن أبى الأقلح، فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر، وكان عاصم قد عاهد الله ألا يمس مشركا أبدا، ولا يمسه مشرك. والتقى حنظلة بن أبى عامر الغسيل وأبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة ابن أبى عامر، رآه شاد بن الأسود، وهو بن شعوب، قد علا أبا سفيان، فضربه شداد فقتله. فقال رسول الله ﷺ : إن صاحبكم، يعنى حنظلة، لتغسله الملائكة فسألوا أهله وما شأنه؟ فسئلت صاحبته عنه، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة. ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف، حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها.

стр. 167

ويقول الزبير: والله لقد رأيتنى أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هو ارب، مادون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر، حين كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا أن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم، بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم. ثم إن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لقريش، وكان اللواء مع صؤاب، غلام لبنى أبى طلحة، حبشى، وكان آخر من أخذه منهم، فقاتل به حتى قطعت يداه، ثم برك عليه، فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه، وهو يقول: اللهم هل أعزرت. وانكشف المسلمون، فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة، حتى خلص العدو إلى رسول الله ﷺ . فأصيب بالحجارة، حتى وقع لشقه، فأصيبت رباعيته، وشج فى وجهه، وكلمت شفته، وكان الذى أصابه عتبة بن أبى وقاص. ووقع رسول الله ﷺ فى حفرة من الحفر التى عمل أبو عامر، ليقع فيها المسلمون، وهم لا يعلمون، فأخذ على بن أبى طالب بيد رسول الله ﷺ ، ورفعه طلحة بن عبيد الله، حتى استوى قائما، ومص مالك بن سنان، أبو أبى سعيد الخدرى، الدم عن وجه رسول الله ﷺ ، ثم ازدرده، فقال رسول الله ﷺ : من مس دمى دمه لم تصبه النار.

стр. 168

وقال رسول الله ﷺ ، حين غشيه القوم: من رجل يشرى لنا نفسه؟ فقام زياد بن السكن فى نفر خمسة من الأنصار- وبعض الناس يقول: إنما هو عمارة بن يزيد بن السكن- فقاتلوا دون رسول الله ﷺ رجلا ثم رجلا، يقتلون دونه حتى كان آخرهم زياد، أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه، فقال رسول الله ﷺ : ادنوه منى، فأدنوه منه، فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله ﷺ . ويقول عمارة: خرجت أول النهار، وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعى سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وهو فى أصحابه، والدولة والربح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون، انحزت إلى رسول الله ﷺ ، فقمت أبا شر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمى عن القوس، حتى خلصت الجراح إلىّ. ولما ولى الناس عن رسول الله ﷺ أقبل رجل يقول: دلونى على محمد، فلا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبت مع رسول الله ﷺ ، فضربنى هذه الضربة، ولكن فلقد ضربنه على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان. وترس دون رسول الله ﷺ أبو دجانة بنفسه، يقع النبل فى ظهره، وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل. ورمى سعد بن أبى وقاص دون رسول الله ﷺ . قال سعد: فلقد رأيته يناولنى النبل وهو يقول: ارم، فداك أبى وأمى، حتى إنه ليناولنى السهم ماله نصل، فيقول: ارم به.

стр. 169

ثم إن رسول الله ﷺ : رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها، فأخذها قتادة بن النعمان، فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عين قتادة ابن النعمان، حتى وفعت على وجنته، فردها رسول الله ﷺ بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدهما. وانتهى أنس بن النضر، عم أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب، وطلحة ابن عبيد الله فى رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله ﷺ ، قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل. ولقد وجدوا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه. وكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة، وقول الناس: قتل رسول الله ﷺ : كعب بن مالك، قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المعفر، فناديت بأعلى صوتى: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله ﷺ ، فأشار إلىّ رسول الله ﷺ : أن أنصت. فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به، ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، رضوان الله عليهم، والحارث ابن الصمة، ورهط من المسلمين.

стр. 170

فلما أسند رسول الله ﷺ فى الشعب، أدركه أبى بن خلف وهو يقول: أى محمد، لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله ﷺ : دعوه، فلما دنا، تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها رسول الله ﷺ منه، انتفض بها انتفاضة، تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذ انتفض بها - والشعراء: ذباب له لدغ- ثم استقبله فطعنه فى عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا. وكان أبىّ بن خلف، يلقى رسول الله ﷺ بمكة، فيقول: يا محمد، إن عندى العوذ، فرسا أعلفه كل يوم فرقا «١» من ذرة، أقتلك عليه، فيقول رسول الله ﷺ : بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش وقد خدشه فى عنقه خدشا غير كبير، فاحتقن الدم، قال: قتلنى والله محمد! قالوا له: ذهب والله فؤادك، والله إن بك من بأس، قال: إنه قد كان قال لى بمكة: أنا أقتلك، فو الله لو بصق علىّ لقتلنى. فمات عدو الله بسرف «٢» ، وهم قافلون به إلى مكه. فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى فم بالشعب، خرج على بن أبى طالب حتى ملأ درقته ماء من المهراس، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه

стр. 171

وسلم، ليشرب منه، فوجد له ريحا، فعافه، فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول: اشتد غضب الله على من أدمى وجه نبيه. وكان سعد بن أبى وقاص يقول: والله ما حرصت على قتل رجل قط، كحرصى على قتل عتبة بن أبى وقاص، وإن كان ما علمت لسيىء الخلق مبغضا فى قومه، ولقد كفانى منه قول رسول الله ﷺ : اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسوله. فبينا رسول الله ﷺ بالشعب، معه أولئك النفر من أصحابه، إذ علت عالية من قريش الجبل. فقال رسول الله ﷺ : اللهم إنه لا ينبغى لهم أن يعلونا! فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين، حتى أهبطوهم من الجبل. ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد كان رسول الله ﷺ ظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض ﷺ لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به، حتى استوى عليها. فقال رسول الله ﷺ : أوجب طلحة، حين صنع برسول الله ﷺ ما صنع. ثم إن النبى ﷺ صلى الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التى أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودا. ولما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد، رفع حسيل بن جابر، وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان، وثابت ابن وقش، فى الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه، وهما شيخان كبيران: لا أبا لك أما تنتظر؟ فو الله ما بقى لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول

стр. 172

الله ﷺ ، لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله ﷺ ؟ فأخذا أسيافهما، ثم خرجا، حتى دخلا فى الناس، ولم يعلم بهما، فأمه ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما حسيل بن جابر، فاختلفت عليه أسياف المسلمين، فقتلوه ولا يعرفونه، فقال حذيفة: أبى، فقالوا: والله إن عرفناه، وصدقوا. قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فأراد رسول الله ﷺ أن يديه، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده ذلك عند رسول الله ﷺ خيرا. ثم إن رجلا منهم كان يدعى حاطب بن أمية بن رافع، وكان له ابن يقال له يزيد بن حاطب أصابته جراحة يوم أحد، فأتى به إلى دار قومه وهو بالموت، فاجتمع إليه أهل الدار، فجعل المسلمون يقولون له من الرجال والنساء: أبشر يابن حاطب بالجنة، قال: وكان حاطب شيخا قد عسا فى الجاهلية، فنجم يومئذ نقافة، فقال: بأى شىء تبشرونه، بجنة من حرمل؟ غررتم والله هذا الغلام من نفسه. ويقول عاصم بن عمر بن قتادة: كان فينا رجل أتى «١» لا يدرى ممن هو، يقال له: قزمان، وكان رسول الله ﷺ يقول، إذا ذكر له: إنه لمن أهل النار. فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا، فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتته الجراحة، فاحتمل إلى دار بنى ظفر، فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان،

стр. 173

فأبشر، قال: بماذا أبشر؟ فو الله إن قاتلت إلا عن أحساب قومى، ولولا ذلك ما قاتلت. فلما اشتدت عليه جراحته، أخذ سهما من كنانته، فقتل به نفسه. وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق، فإنه لما كان يوم أحد، قال: يا معشر يهود، والله لو علمتم أن نصر محمد عليكم لحق، قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم، فأخذ سيفه وعدته، وقال: إن أصبت فمالى لمحمد سيصنع فيه ما يشاء، ثم غدا إلى رسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قتل، فقال رسول الله ﷺ : مخيريق خير يهود. وكان عمرو بن الجموح رجلا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد، فلما كان يوم أحد، أرادوا حبسه، وقالوا له: إن الله قد عذرك، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن بنى يريدون أن يحبسونى عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، فو الله إنى لا أرجو أن أطأ بعرجتى هذه فى الجنة، فقال رسول الله ﷺ : أما أنت فقد عذرك الله، فلا جهاد عليك. فقال لبنيه: ما عليكم ألا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة، فخرج معه، فقتل يوم أحد. ووقعت عند بنت عتبة، والنسوة التى معها، يمثلن بالقتلى، من أصحاب رسول الله ﷺ ، يجد عن الآذان والأنف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدما وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها

стр. 174

وقرطتها وحشيّا، غلام جبير بن مطعم، وبقرت عن كبد حمزة، فلاكتها، فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها. ثم إن أبا سفيان بن حرب، حين أراد الانصراف، أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته، فقال: أنعمت فعال «١» ، إن الحرب سجال، يوم بيوم، أعل هبل- أى أظهر دينك- فقال رسول الله ﷺ : قم يا عمر فأجبه، فقال: الله أعلى وأجل، لاسواه، قتلانا فى الجنة، وقتلاكم فى النار. فلما أجاب عمر أبا سفيان، قال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندى من ابن قمئة وأبر، لقول ابن قمئة لهم: إنى قد قتلت محمدا. ولما انصرف أبو سفيان ومن معه، نادى: إن موعدكم بدر للعام القابل. فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: قل: نعم، هو بيننا وبينكم موعد. ثم بعث رسول الله ﷺ على بن أبى طالب، فقال: اخرج فى آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون؟ فإن كانوا قد جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة. والذى نفسى بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم. قال على: فخرجت فى آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة.

стр. 175

وفرغ الناس لقتلاهم، فقال رسول الله ﷺ : من رجل ينظر لى ما فعل سعد بن الربيع؟ أفى الأحياء هو أم فى الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد، فنظر فوجده جريحا فى القتلى وبه رمق. قال: فقلت له: إن رسول الله ﷺ أمرنى أن أنظر، أفى الأحياء أنت أم فى الأموات؟ قال: أنا فى الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ عنى السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيّا عن أمته، وأبلغ قومك عنى السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله، أن خلص إلى نبيكم ﷺ ومنكم عين تطرف. قال: ثم لم أبرح حتى مات، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته خبره. وخرج رسول الله ﷺ ، يلتمس حمزة بن عبد المطلب، فوجده ببطن الوادى قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به فجدع أنفه وأذناه. فقال رسول الله ﷺ حين رأى ما رأى: لولا أن تحزن صفية، ويكون سنة من بعدى لتركته، حتى يكون فى بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرنى الله على قريش فى موطن من المواطن، لأمثلن بثلاثين رجلا منهم. فلما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا: ولئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر، لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب. ولما وقف رسول الله ﷺ على حمزة قال: لن أصاب بمثلك أبدا، ما وقفت موقفا قط أغيظ إلى من هذا! ثم قال: جاءنى جبريل

стр. 176

فأخبرنى أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب فى أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب، أسد الله، وأسد رسوله. ثم أمر رسول الله ﷺ بحمزة فسجى ببردة، ثم صلى عليه، فكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى، فيوضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة. وأقبلت صفية بنت عبد المطلب، لتنظر إليه، وكان أخاها لأبيها وأمها، فقال رسول الله ﷺ لا بنها الزبير بن العوام: القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أمه، إن رسول الله ﷺ ، يأمرك أن ترجعى، قالت: ولم؟ وقد بلغنى أن قد مثّل بأخى، وذلك فى الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله. فلما جاء الزبير إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره بذلك. قال: خل سبيلها، فأتته، فنظرت إليه، فصلّت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله ﷺ فدفن. ثم قال رسول الله ﷺ ، يومئذ، حين أمر بدفن القتلى: أنظروا إلى عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام، فإنهما كانا متصافيين فى الدنيا، فاجعلوهما فى قبر واحد. ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، فلقيته حمنة بنت جحش، فلما لقيت الناس نعى إليها أخوها عبد الله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب، فاسترجعت واستغفرت له، (م ١٢- الموسوعة القرآنية- ج ١)

стр. 177

ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت. فقال رسول الله ﷺ : إن زوج المرأة منها لبمكان، لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها. ومر رسول الله ﷺ بدار من دور الأنصار من بنى عبد الأشهل وظفر، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله ﷺ ، فبكى، ثم قال: لكن حمزة لا بواكى له، فلما رجع سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، إلى دار بنى عبد الأشهل، أمرا نساءهم أن يتحزمن، ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله ﷺ . ولما سمع رسول الله ﷺ بكاءهن على حمزة خرج عليهن، وهن على باب مسجده يبكين عليه، فقال: ارجعن يرحمكن الله، فقد آسيتن بأنفسكن. ومر رسول الله ﷺ بامرأة من بنى دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نعوا لها، قالت: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، وهو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل، تريد صغيرة. فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى أهله، وناول سيفه ابنته فاطمة، فقال: اغسلى عن هذا دمه يا بنية، فو الله لقد صدقنى اليوم، وناولها على بن أبى طالب سيفه، فقال: وهذا أيضا، فاغسلى عنه دمه،

стр. 178

فو الله لقد صدقنى اليوم، فقال رسول الله ﷺ : لئن كنت صدقت القتال، لقد صدق معك سهل بن حنيف، وأبو دجانة. ثم إن رسول الله ﷺ قال لعلى بن أبى طالب: لا يصيب المشركون منا مثلها، حتى يفتح الله علينا. وكان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال. فلما كان الغد من يوم الأحد، لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذن مؤذن رسول الله ﷺ فى الناس بطلب العدو، فأذن مؤذنه: ألا يخرجن معنا أحد حضر إلا أحد يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبد الله ابن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إن أبى كان خلفنى على أخوات لى سبع، وقال: يا بنى، إنه لا ينبغى لى ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذى أو ثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسى، فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن، فأذن له رسول الله ﷺ ، فخرج معه، وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبا للعدو، وليبلغهم أنه خرج فى طلبهم، ليظنوا به قوة، وأن الذى أصابهم، لم يوهنهم عن عدوهم. وكان رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، من بنى عبد الأشهل، شهد أحدا مع رسول الله ﷺ ، قال: شهدت أحدا مع رسول الله ﷺ ، أنا وأخ لى، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ ، بالخروج فى طلب العدو، قلت لأخى أو قال لى: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ ؟ والله مالنا من دابة

стр. 179

نركبها، ومامنا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ ، وكنت أيسر جرحا، فكان إذا غلب حملته عقبة- مرة- ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهى من المدينة على ثمانية أميال، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة. وقد مر به معبد بن أبى معبد الخزاعى، وكانت خزاعة، مسلمهم ومشركهم، عيبة نصح لرسول الله ﷺ ، بتهامة، لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال: يا محمد، أما والله لقد عز علينا ما أصابك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج رسول الله ﷺ بحمراء الأسد، حتى لقى أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا حد أصحابه وأشرافهم وقادتهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرّن على بقيتهم، فلنقرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا، قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج فى أصحابه يطلبكم فى جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه فى يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شىء لم أر مثلة قط، قال: ويحك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى أرى نواصى الخيل، قال: فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم، لنستأصل بقيتهم. قال: فإنى أنهاك عن ذلك. ثم إن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد، وأراد الرجوع إلى المدينة، ليستأصل بقية أصحاب رسول الله ﷺ ، قال لهم صفوان

стр. 180

ابن أمية بن خلف: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذى كان، فارجعوا، فرجعوا، فقال النبى ﷺ ، وهو بحمراء الأسد، حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: والذى نفسى بيده، لقد سومت لهم حجارة، لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب. وأخذ رسول الله ﷺ فى جهة ذلك، قبل رجوعه إلى المدينة، معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس، وهو جد عبد الملك ابن مروان، أبو أمه عائشة بنت معاوية، وأبا عزة الجمحى، وكان رسول الله ﷺ أسره ببدر، ثم منّ عليه، فقال: يا رسول الله، أقلنى، فقال رسول الله ﷺ : والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير. فضرب عنقه. وكان يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين، ومحن به المنافقين، وممن كان يظهر الإيمان بلسانه، وهو مستخف بالكفر فى قلبه، ويوما أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته. وكان جميع من استشهد مع رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار خمسة وسبعين رجلا. ٦٩- يوم الرجيح وقدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل والقارة
следующие страницы →