فأخبرنى أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب فى أهل السموات السبع:
حمزة بن عبد المطلب، أسد الله، وأسد رسوله.
ثم أمر رسول الله ﷺ بحمزة فسجى ببردة، ثم صلى عليه، فكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى، فيوضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة.
وأقبلت صفية بنت عبد المطلب، لتنظر إليه، وكان أخاها لأبيها وأمها، فقال رسول الله ﷺ لا بنها الزبير بن العوام: القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أمه، إن رسول الله ﷺ ، يأمرك أن ترجعى، قالت: ولم؟ وقد بلغنى أن قد مثّل بأخى، وذلك فى الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله. فلما جاء الزبير إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره بذلك. قال: خل سبيلها، فأتته، فنظرت إليه، فصلّت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله ﷺ فدفن.
ثم قال رسول الله ﷺ ، يومئذ، حين أمر بدفن القتلى:
أنظروا إلى عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام، فإنهما كانا متصافيين فى الدنيا، فاجعلوهما فى قبر واحد.
ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، فلقيته حمنة بنت جحش، فلما لقيت الناس نعى إليها أخوها عبد الله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب، فاسترجعت واستغفرت له، (م ١٢- الموسوعة القرآنية- ج ١)
стр. 177
ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت. فقال رسول الله ﷺ : إن زوج المرأة منها لبمكان، لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها.
ومر رسول الله ﷺ بدار من دور الأنصار من بنى عبد الأشهل وظفر، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله ﷺ ، فبكى، ثم قال: لكن حمزة لا بواكى له، فلما رجع سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، إلى دار بنى عبد الأشهل، أمرا نساءهم أن يتحزمن، ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله ﷺ .
ولما سمع رسول الله ﷺ بكاءهن على حمزة خرج عليهن، وهن على باب مسجده يبكين عليه، فقال: ارجعن يرحمكن الله، فقد آسيتن بأنفسكن.
ومر رسول الله ﷺ بامرأة من بنى دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نعوا لها، قالت:
فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، وهو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل، تريد صغيرة.
فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى أهله، وناول سيفه ابنته فاطمة، فقال: اغسلى عن هذا دمه يا بنية، فو الله لقد صدقنى اليوم، وناولها على بن أبى طالب سيفه، فقال: وهذا أيضا، فاغسلى عنه دمه،
стр. 178
فو الله لقد صدقنى اليوم، فقال رسول الله ﷺ : لئن كنت صدقت القتال، لقد صدق معك سهل بن حنيف، وأبو دجانة.
ثم إن رسول الله ﷺ قال لعلى بن أبى طالب: لا يصيب المشركون منا مثلها، حتى يفتح الله علينا.
وكان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال.
فلما كان الغد من يوم الأحد، لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذن مؤذن رسول الله ﷺ فى الناس بطلب العدو، فأذن مؤذنه:
ألا يخرجن معنا أحد حضر إلا أحد يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبد الله ابن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إن أبى كان خلفنى على أخوات لى سبع، وقال: يا بنى، إنه لا ينبغى لى ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذى أو ثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسى، فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن، فأذن له رسول الله ﷺ ، فخرج معه، وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبا للعدو، وليبلغهم أنه خرج فى طلبهم، ليظنوا به قوة، وأن الذى أصابهم، لم يوهنهم عن عدوهم.
وكان رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، من بنى عبد الأشهل، شهد أحدا مع رسول الله ﷺ ، قال: شهدت أحدا مع رسول الله ﷺ ، أنا وأخ لى، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ ، بالخروج فى طلب العدو، قلت لأخى أو قال لى: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ ؟ والله مالنا من دابة
стр. 179
نركبها، ومامنا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ ، وكنت أيسر جرحا، فكان إذا غلب حملته عقبة- مرة- ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.
فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهى من المدينة على ثمانية أميال، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.
وقد مر به معبد بن أبى معبد الخزاعى، وكانت خزاعة، مسلمهم ومشركهم، عيبة نصح لرسول الله ﷺ ، بتهامة، لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال: يا محمد، أما والله لقد عز علينا ما أصابك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج رسول الله ﷺ بحمراء الأسد، حتى لقى أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا حد أصحابه وأشرافهم وقادتهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرّن على بقيتهم، فلنقرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا، قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج فى أصحابه يطلبكم فى جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه فى يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شىء لم أر مثلة قط، قال: ويحك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى أرى نواصى الخيل، قال: فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم، لنستأصل بقيتهم. قال: فإنى أنهاك عن ذلك.
ثم إن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد، وأراد الرجوع إلى المدينة، ليستأصل بقية أصحاب رسول الله ﷺ ، قال لهم صفوان
стр. 180
ابن أمية بن خلف: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذى كان، فارجعوا، فرجعوا،
فقال النبى ﷺ ، وهو بحمراء الأسد، حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: والذى نفسى بيده، لقد سومت لهم حجارة، لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب.
وأخذ رسول الله ﷺ فى جهة ذلك، قبل رجوعه إلى المدينة، معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس، وهو جد عبد الملك ابن مروان، أبو أمه عائشة بنت معاوية، وأبا عزة الجمحى، وكان رسول الله ﷺ أسره ببدر، ثم منّ عليه، فقال: يا رسول الله، أقلنى، فقال رسول الله ﷺ : والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول:
خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير. فضرب عنقه.
وكان يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين، ومحن به المنافقين، وممن كان يظهر الإيمان بلسانه، وهو مستخف بالكفر فى قلبه، ويوما أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته.
وكان جميع من استشهد مع رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار خمسة وسبعين رجلا.
٦٩- يوم الرجيح
وقدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل والقارة
стр. 181
فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلاما، فابعث معنا نقرا من أصحابك يفقهوننا فى الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائح الإسلام. فبعث رسول الله ﷺ نفرا ستة من أصحابه، وهم مرثد بن أبى مرثد الغنوى، حليف حمزة بن عبد المطلب، وخالد بن البكير الليثى، حليف بنى عدى بن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، أخو بنى عمرو بن عوف ابن مالك بن الأوس، وخبيب بن عدى، أخو بنى جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنة بن معاوية، أخو بنى بياضة بن عمرو بن زريق ابن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، وعبد الله بن طارق، حليف بنى ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس.
وأمر رسول الله ﷺ على القوم مرثد بن أبى مرثد الغنوى، فخرج مع القوم، حتى إذا كانوا على الرجيع، ماء لهذيل بناحية الحجاز، على صدور الهداة «١» غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم وهم فى رحالهم، إلا الرجال بأيديهم السيوف، قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم، فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم.
فأما مرثد بن أبى مرثد، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت، فقالوا:
والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا.
فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه، ليبيعوه من سلافة بنت سعد ابن شهيد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد: لئن قدرت على
стр. 182
رأس عاصم، لتشربن فى قحفه الخمر، فمنعته الدبر «١» ، فلما حالت بينه وبينهم الدبر قالوا: دعوه يمسى، فنذهب عنه، فنأخذه. فبعث الله الوادى، فاحتمل عاصما، فذهب به. وقد كان عاصم قد أعطى الله عهدا ألا يمسه مشرك، ولا يمس مشركا أبدا، تنجسا، فكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول، حين بلغه:
إن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا فى حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه فى حياته.
وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدى، وعبد الله بن طارق، فلانوا ورقوا، ورغبوا فى الحياة، فأعطوا بأيديهم، فأسروهم، ثم خرجوا إلى مكة، ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران «٢» ، ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره ﵀، بالظهران.
وأما خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة، فقدموا بهما مكة، فابتاع خبيبا حجير بن أبى إهاب التميمى، حليف بنى نوفل، لعقبة بن الحارث بن عامر نوفل، وكان أبو إهاب أخا الحارث بن عامر لأمه، ليقتله بأبيه.
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية، ليقتله بأبيه، أمية بن خلف، وبعث به صفوان بن أمية مع مولى له، يقال له نسطاس، إلى التنعيم، وأخرجوه من الحرم ليقتلوه، واجتمع رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال
стр. 183
له أبو سفيان، حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا عندنا الآن فى مكانك نضرب عنقه، وأنك فى أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن فى مكانه الذى هو فيه، تصيبه شوكة تؤذيه، وأنى جالس فى أهلى. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا، ثم قتله نسطاس، يرحمه الله.
ثم خرجوا بخبيب، حتى إذا جاءوا به إلى التنعيم ليصلبوه، قال لهم:
إن رأيتم أن تدعونى حتى أركع ركعتين، فافعلوا، قالوا: دونك فاركع.
فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم، فقال: أما والله لولا أن تظنوا أنى إنما طولت جزعا من القتل، لاستكثرت من الصلاة.
فكان خبيب بن عدى أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين.
ثم رفعوه على خشبة، فلما أو ثقوه، قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يصنع بنا، ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا. ثم قتلوه ﵀.
٧٠- حديث بئر معونة
فأقام رسول الله ﷺ بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة، ثم بعث رسول الله ﷺ أصحاب بئر معونة فى صفر، على رأس أربعة أشهر من أحد.
وقدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأ سنة على رسول الله ﷺ المدينة، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، ودعاه، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد، لو بعثت رجالا من
стр. 184
أصحابك إلى أهل نجد، فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله ﷺ : إنى أخشى عليهم أهل نجد، قال أبو براء:
أنا لهم جار، فابعثهم، فليدعوا الناس إلى أمرك.
فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو، أخا بنى ساعدة، فى أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين. فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهى بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم، كلا البلدين منها قريب، وهى إلى حرة بنى سليم أقرب.
فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ ، إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر فى كتابه، حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بنى عامر، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا:
لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدا وجوارا، فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم، فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم فى رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم، يرحمهم الله، إلا كعب بن زيد، فإنهم تركوه وبه رمق، فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا ﵀.
وكان فى سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى، ورجل من الأنصار، فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا، فإذا القوم فى دمائهم، وإذا الخيل، التى أصابتهم واقفة، فقال الأنصارى لعمرو بن أمية: ما ترى؟ قال! أرى أن نلحق برسول الله ﷺ ، فنخبره الخبر، فقال الأنصارى: لكنى ما كنت لأرغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لتخبرنى عنه الرجال، ثم قاتل القوم حتى قتل.
стр. 185
وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر، أطلقه عامر بن الطفيل، وجز ناصيته، وأعتقه عن رقبة، زعم أنها كانت على أمه.
فخرج عمرو بن أمية، حتى إذا كان بالقرقرة «١» ، أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه فى ظل هو فيه. وكان مع العامر بين عقد من رسول الله ﷺ وجوار، لم يعلم به عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا:
ممن أنتما؟ فقالا: من بنى عامر، فأمهلهما، حتى إذا ناما، عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثأرا من بنى عامر، فيما أصابوا من أصحاب رسول الله ﷺ . فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، قال رسول الله ﷺ : لقد قتلت قتيلين لأدينهما.
ثم قال ﷺ : هذا عمل أبى براء، قد كنت لهذا كارها متخوّفا.
فبلغ ذلك أبا براء، فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب أصحاب رسول الله ﷺ بسببه وجواره، وكان فيمن أصيب عامر ابن فهيرة.
٧١- إجلاء بنى النضير
ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بنى النضير يستعينهم فى دية ذينك القتيلين من بنى عامر، اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمرى، للجوار الذى كان رسول الله ﷺ عقد لهما، وكان بين بنى النضير وبين بنى عامر عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم فى دية ذينك
стр. 186
القتيلين، قالوا: نعم، يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه- ورسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد- فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقى عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقى عليه صخرة كما قال، ورسول الله ﷺ فى نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلىّ، رضوان الله عليهم.
فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة، فلما استلبث النبى ﷺ أصحابه، قاموا فى طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلا المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ ، حتى انتهوا إليه ﷺ ، فأخبرهم الخبر، بما كانت اليهود أرادت من الغدر به.
وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم، والسير إليهم.
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. ثم سار بالناس حتى نزل بهم، وذلك فى شهر ربيع الأول، فحاصرهم ست ليال، ونزل تحريم الخمر، فتحصنوا منه فى الحصون،
فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخيل، والتحريق فيها
، فنادوه: أن يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟
وقد كان رهط من بنى عوف بن الخزرج، منهم عدو الله عبد الله ابن أبىّ بن سلول، ووديعة، ومالك بن أبى قوقل، وسويدا وداعس،
стр. 187
قد بعثوا إلى بنى النضير: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله فى قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، ففعل.
فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن عتبة بابه فيضعه على ظهر بعيره، فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. وخلوا الأموال لرسول الله ﷺ ، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار. إلا أن سهل بن حنيف، وأبا دجانة سماك بن خرشة، ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله ﷺ .
ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان، يأمين بن عمير، أبو كعب ابن عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما، فأحرزاها.
٧٢- غزوة ذات الرقاع
ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد غزوة بنى النضير، شهر ربيع الآخر وبعض جمادى، ثم غزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان، واستعمل على المدينة أباذر الغفارى، حتى نزل نخلا «١» ، وهى غزوة ذات الرقاع، وإنما قيل لها: غزوة ذات الرقاع، لأنهم رقعوا فيها راياتهم. فلقى بها جمعا عظيما من غطفان، فتقارب الناس، ولم تكن بينهم حرب، وقد خاف الناس
стр. 188
بعضهم بعضا، حتى صلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس.
ولما قدم رسول الله ﷺ من غزوة ذات الرقاع، أقام بها بقية جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجبا.
٧٣- غزوة بدر الآخرة
ثم خرج فى شعبان إلى بدر، لميعاد أبى سفيان، حتى نزله.
واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبىّ بن سلول الأنصارى، فأقام عليه ثمانى ليال ينظر أبا سفيان. وخرج أبو سفيان فى أهل مكة حتى نزل مجنة، من ناحية الظهران، ثم بدا له فى الرجوع، فقال: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإنى راجع، فارجعوا، فرجع الناس. فسماهم أهل مكة جيش السويق، يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق.
ولما قام رسول الله ﷺ على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده أتاه محشى بن عمرو الضمرى، وهو الذى كان وادعه على بنى ضمرة فى غزوة ودان، فقال: يا محمد، أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ قال: نعم، يا أخا بنى ضمرة، وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك. قال: لا والله يا محمد ما لنا بذلك منك من حاجة.
٧٤- غزوة دومة الجندل
ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة، فأقام بها أشهرا، حتى مضى ذو الحجة، وهى سنة أربع، ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 189
دومة الجندل، فى شهر ربيع الأول، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفارى. ثم رجع رسول الله ﷺ قبل أن يصل إليها، ولم يلق كيدا، فأقام بالمدينة بقية سنته.
٧٥- ثم كانت غزوة الخندق فى شوال سنة خمس
وكان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود، منهم: سلام بن أبى الحقيق النضرى، وحيى بن أخطب النضرى، وكنانة بن أبى الحقيق النضرى، وهوذة بن قيس الوائلى، وأبو عمار الوائلى، فى نفر من بنى النضير، ونفر من بنى وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم عليه، حتى نستأصله. فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه.
فلما قالوا ذلك لقريش، سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا لذلك، واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من يهود، حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه. وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها
стр. 190
عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فى بنى فزارة، والحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى، فى بنى مرة، ومسعر بن رخيلة، فيمن تابعه من قومه أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله ﷺ ، وما أجمعوا له من الأمر، ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه رسول الله ﷺ ترغيبا للمسلمين فى الأجر، وعمل معه المسلمون فيه، فدأب فيه ودأبوا، وأبطأ عن رسول الله ﷺ وعن المسلمين فى عملهم ذلك، رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله ﷺ ، ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته نائبة، من الحاجة التى لا بد له منها، يذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، ويستأذنه فى اللحوق بحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبة فى الخير، واحتسابا له.
ولما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق، أقبلت قريش، حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، فى عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا إلى جانب واحد، وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، فى ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم.
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وأمر بالذرارى والنساء فجعلوا فى الآطام.
وخرج عدو الله حيى بن أخطب النضرى، حتى أتى كعب بن أسد
стр. 191
القرظى، صاحب عقد بنى قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه، وعاقده على ذلك وعاهده. فلما سمع كعب بحيى بن أخطب، أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيى: ويحك يا كعب! افتح لى، قال: ويحك يا حيى! إنك امرؤ مشئوم، وإنى قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بينى وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، قال ويحك افتح لى أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دونى إلا عن جشيشك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب، جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى انزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم إلى جانب أحد، قد عاهدونى وعاقدونى على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه، فقال له كعب: جئتنى والله بذل الدهر، ويحك يا حيى، فدعنى وما أنا عليه، فإنى لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيى بكعب يفتله فى الذروة والغارب، حتى سمح له، على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدا، أن أدخل معك فى حصنك، حتى يصيبنى ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ .
فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ الخبر وإلى المسلمين، بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ بن النعمان، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن دليم، أحد بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة، أخو بنى الحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير، أخو بنى عمرو بن عوف، فقال: انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقّا، فألحنو لى لحنا
стр. 192
أعرفه، ولا تفتوا فى أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم، فاجهروا به للناس. فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، فيما نالوا من رسول الله ﷺ ، وقالوا: من رسول الله؟
لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاعتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة.
ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما، إلى رسول الله ﷺ ، فسلموا عليه، ثم قالوا: عضل والقارة- أى كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع، خبيب وأصحابه- فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين.
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير، أخو بنى عمرو بن عوف: كأن محمدا يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.
وحتى قال أوس بن قيظى، أحد بنى حارثة بن الحارث: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو، وذلك عن ملأ من رجال قومه، فائذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج المدينة. فأقام رسول الله ﷺ ، وأقام عليه المشركون بعضا وعشرين ليلة، قريبا من شهر، لم تكن بينهم حرب إلا المراماة بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء، بعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن (م ١٣- الموسوعة القرآنية- ج ١)
стр. 193
يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة فى ذلك. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به، لابد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟
قال: بل شىء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأننى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب. فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله ﷺ : فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا.
فأقام رسول الله ﷺ والمسلمون، وعدوهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبدود بن أبى قيس، أخو بنى عامر بن لؤى، وعكرمة بن أبى جهل، وهبيرة بن أبى وهب، المخزوميان، وضرار بن الخطاب الشاعر، ابن مرداس، أخو بنى محارب بن فهر، تلبسوا للقتال، ثم خرجوا على خيلهم، حتى مروا بمنازل بنى كنانة، فقالوا: تهيئوا يا بنى كنانة للحرب، فستعلمون من الفرسان
стр. 194
اليوم، ثم أقبلوا تعتق بهم خيلهم، حتى وقفوا على الخندق، فلما رأره قالوا:
والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.
ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق، فضربوا خيلهم، فاقتحمت منه فجالت بهم فى السبخة بين الخندق وسلع، وخرج على بن أبى طالب رضى الله عنه فى نفر من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التى أقحموا منها بخيلهم.
وأفبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبدود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه.
فلما وقف هو وخيله، قال: من يبارز؟ فبرز له على بن أبى طالب، فقال له: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه؟ قال له: أجل، قال له على: فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لى بذلك. قال: فإنى أدعوك إلى النزال. فقال له: يا بن أخى، فو الله ما أحب أن أقتلك، قال له على:
لكنى والله أحب أن أقتلك، فحمى عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقره، وضرب وجهه ثم أقبل على علىّ، فتنازلا وتجاولا، فقتله على رضى الله عنه، وخرجت خيلهم منهزمة، حتى اقتحمت من الخندق هاربة.
وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه، فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان، أتى رسول الله ﷺ ،
стр. 195
فقال: يا رسول الله: إنى قد أسلمت، وإن قومى لم يعلموا بإسلامى، فمرنى بما شئت. فقال رسول الله ﷺ : إنما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة.
فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بنى قريظة، وكان لهم نديما فى الجاهلية، فقال: يا بنى قريظة، قد عرفتم ودى إياكم، وخاصة ما بينى وبينكم، قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم، فقال لهم:
إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثفة لكم، على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه. فقالوا له: لقد أشرت بالرأى ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لأبى سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودى لكم وفراقى محمدا، وإنه قد بلغنى أمر قد رأيت على حقّا أن أبلغكموه، نصحا لكم فاكتموا عنى، فقالوا: نفعل، قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه:
إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، من قريش وغطفان، رجالا من أشرافهم، فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقى منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا
стр. 196
ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلى وعشيرتى، وأحب الناس إلىّ، ولا أراكم تتهمونى، قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عنى، قالوا: نفعل، فما أمرك؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنع الله لرسوله ﷺ أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل فى نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا القتال، حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا، حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى أن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل فى بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذى حدثكم نعيم بن مسعود لحق. فأرسلوا إلى بنى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة، حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذى ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها. وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل فى بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا.
فأبوا عليهم، وخذل الله بينهم. وبعث الله عليهم الريح فى ليال شانية باردة
стр. 197
شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم، وتطرح أبنيتهم. فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم، وما فرق الله من جماعتهم، دعا حذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم، لينظر ما فعل القوم ليلا.
قال حذيفة: فذهبت فدخلت فى القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء. فقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذى كان إلى جنبى، فقلت: من أنت؟ قال: فلان ابن فلان.
ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذى نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإنى مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه، فوثب به على ثلاث، فو الله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله ﷺ إلى «أن لا تحدث شيئا حتى تأتينى» ثم شئت لقتلته بسهم.
قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلى فى مرط لبعض نسائه، مراجل، فلما رآنى أدخلنى إلى رجليه، وطرح علىّ طرف المرط، ثم ركع وسجد، وإنى لقيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
ولما أصبح رسول الله ﷺ انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح.
стр. 198
فلما كانت الظهر، أتى جبريل رسول الله ﷺ ، معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج، فقال: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة، فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم.
فأمر رسول الله ﷺ مؤذنا، فأذن فى الناس، من كان سامعا مطيعا، فلا يصلينّ العصر إلا ببنى قريظة. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
وقدم رسول الله ﷺ علىّ بن أبى طالب برأيته إلى بنى قريظة، وابتدرها الناس. فسار على بن أبى طالب، حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله ﷺ ، فرجع حتى لقى رسول الله ﷺ بالطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابث، قال: لم؟ أظنك سمعت منهم لى أذى؟ قال: نعم يا رسول الله، قال لو: رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا. فلما دنا رسول الله ﷺ من حصونهم. قال: يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا.
ومر رسول الله ﷺ بنفر من أصحابه بالصورين «١» قبل أن يصل إلى بنى قريظة فقال: هل مر بكم أحد؟ قالوا: يا رسول الله، قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبى، على بغلة بيضاء عليها رحالة، عليها قطيفة ديباج. فقال
стр. 199
رسول الله ﷺ ذلك جبريل، بعث إلى بنى قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب فى قلوبهم.
ولما أتى رسول الله ﷺ بنى قريظة نزل على بئر من آبارها من ناحية أموالهم، يقال لها: بئرأنىّ.
وتلاحق به الناس، فأتى رجال منهم من بعد العشاء الآخرة، ولم يصلوا العصر، لقول رسول الله ﷺ : «لا يصلينّ أحد العصر إلا ببنى قريظة» ، فشغلهم ما لم يكن منه بد فى حربهم، وأبوا أن يصلوا، لقول رسول الله ﷺ : «حتى تأتوا بنى قريظة» فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة،
فما عابهم الله بذلك فى كتابه، ولا عنفهم به رسول الله ﷺ ، وحاصرهم رسول الله ﷺ خمسا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار وقذف الله فى قلوبهم الرعب.
وقد كان حيى بن أخطب دخل مع بنى قريظة فى حصنهم، حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه. فلما أيقنوا بأن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنى عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هى؟
قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فو الله لقد تبين لكم إنه لنبى مرسل، وإنه للذى تجدونه فى كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره قال:
فإذا أبيتم على هذه، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، لم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد،
стр. 200
فإن نهلك نهلك، ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمرى لنجدن النساء والأبناء، قالوا: نقتل هؤلاء المساكين! فما خير العيش بعدهم؟ قال:
فإن أبيتم علىّ هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة، قالوا: نفسد سبتنا علينا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ؟ قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما.
ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ : أن ابعث إلينا أبا لبابة ابن عبد المنذر أخا بنى عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، لنستشيره فى أمرنا. فأرسله رسول الله ﷺ إليهم، فلما رأواه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون فى وجهه، فرقّ لهم. وقالوا له:
يا أبا لبابة! أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه. إنه الذبح. قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماى من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله ﷺ . ثم انطلق أبو لبابة على وجهه،
ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط فى المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكانى هذا حتى يتوب الله على مما صنعت، وعاهد الله ألا أطأ بنى قريظة أبدا، ولا أرى فى بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا.
فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره، وكان قد استبطأه، قال:
أما إنه لو جاءنى لاستغفرت له، فأما إذ قد فعل ما فعل، فما أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه.
стр. 201
ثم إن توبة أبى لبابة نزلت على رسول الله ﷺ من السحر، وهو فى بيت أم سلمة. فقالت أم سلمة: سمعت رسول الله ﷺ من السحر وهو يضحك، فقلت: مم تضحك يا رسول الله، أضحك الله سنك؟ قال: تيب على أبى لبابة، قالت: قلت: أفلا أبشره يا رسول الله؟
قال: بلى، إن شئت. فقامت على باب حجرتها- وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب- فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذى يطلقنى بيده، فلما مر عليه رسول الله ﷺ خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.
وقد أقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته فى كل وقت صلاة، فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع، ثم إن ثعلبة بن سعية، وأسيد ابن سعية، وأسد بن عبيد، وهم نفر من بنى هدل، ليسوا من بنى قريظة ولا النضير، هم بنو عم القوم، أسلموا تلك الليلة التى نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ . وخرج فى تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظى، فمر بحرس رسول الله ﷺ ، وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟ قال: أنا عمرو بن سعدى- وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة فى غدرهم برسول الله ﷺ ، وقال: لا أغدر بمحمد أبدا- فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمنى إقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله.
فخرج على وجهه حتى أتى باب مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض
стр. 202
إلى يومه هذا، فذكر لرسول الله ﷺ شأنه، فقال: ذاك رجل نجاه الله بوفاته. فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت فى أموال إخواننا بالأمس ما قد علمت- وقد كان رسول الله ﷺ قبل بنى قريظة قد حاصر قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبىّ بن سلول، فوهبهم له- فلما كلمته الأوس، قال رسول الله ﷺ : ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال رسول الله ﷺ : فذاك إلى سعد بن معاذ. وكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ فى خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها: رفيدة، فى مسجده، كانت تداوى الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله ﷺ قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: اجعلوه فى خيمة رفيدة، حتى أعوده من قريب. فلما حكمه رسول الله ﷺ فى بنى قريظة، أتاه قومه، فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما جميلا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله ﷺ ، وهم يقولون:
يا أبا عمرو، أحسن فى مواليك، فإن رسول الله ﷺ ، وهم يقولون:
يا أبا عمرو، أحسن فى مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه فى الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الأشهل، فنعى لهم رجال بنى قريظة، قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التى سمع منه، فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين، قال رسول الله ﷺ : قوموا
стр. 203
إلى سيدكم- فأما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد رسول الله ﷺ الأنصار، وأما الأنصار، فيقولون: قد عم بها رسول الله ﷺ فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمر، إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد بن معاذ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم، وعلى من هاهنا، فى الناحية التى فيها رسول الله ﷺ ، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه إجلالا له. فقال رسول الله ﷺ : نعم، قال سعد: فإنى أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذرارى والنساء.
فقال رسول الله ﷺ لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» ، ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله ﷺ بالمدينة فى دار بنت الحارث، امرأة من بنى النجار، ثم خرج رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة، التى هى سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم فى تلك الخنادق، يخرج بهم إليه أرسالا، وفيهم عدو الله حيى بن أخطب، وكعب بن أسد، رأس القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة. ولقد قالوا لكعب بن أسد، وهم يذهب بهم إلى رسول الله ﷺ أرسالا: يا كعب، ما تراه يصنع بنا؟ قال: فى كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعى لا ينزع، وأنه من ذهب به منكم لا يرجع؟ هو والله القتل. فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ .
وأتى بحيى بن أخطب عدو الله، وعليه حلة له من الوشى قد شقها عليه
стр. 204
من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها- مجموعة يداه إلى عنقه بحبل- فلما نظر إلى رسول الله ﷺ قال: أما والله ما لمت نفسى فى عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل. ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بنى إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه. قالت عائشة: ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة قالت عائشة: والله إنها لعندى تحدث معى، وتضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله ﷺ يقتل رجالها فى السوق، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟
قالت: أنا والله. قالت: قلت لها: ويلك! ما لك؟ قالت: أقتل. قلت: ولم؟ قالت:
لحدث أحدثته. قالت: فانطلق بها، فضربت عنقها، فكانت عائشة تقول: فو الله ما أنسى عجبا منها، طيب نفسها وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل.
وكان ثابت بن قيس بن الشماس قد أتى الزبير بن باطا القرظى، وكان الزبير قد من على ثابت بن قيس بن شماس فى الجاهلية، أخذه يوم بغاث فجز ناصيته، ثم خلى سبيله، فجاءه ثابت وهو شيخ كبير، فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفنى؟ قال: وهل يجهل مثلى مثلك، قال: إنى قد أردت أن أجزيك بيدك عندى، قال: إن الكريم يجزى الكريم. ثم أتى ثابت بن قيس رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنه قد كانت للزبير علىّ منّة، وقد أحببت أن أجزيه بها، فهب لى دمه، فقال رسول الله ﷺ :
هو لك، فأتاه فقال: إن رسول الله ﷺ قد وهب لى دمك، فهو لك، قال: شيخ كبير لا أهل له ولا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة؟ قال: فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله: هب لى امرأته وولده، قال: هم لك. قال: فأتاه، فقال: قد وهب لى رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 205
أهلك وولدك، فهم لك، قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: ماله؟ قال:
هو لك.
فأتاه ثابت فقال: قد أعطانى رسول الله ﷺ مالك، فهو لك، قال: أى ثابت، ما فعل الذى كان وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذارى الحى، كعب بن أسد، قال: قتل. قال: فما فعل سيد الحاضر والبادى حيى بن أخطب؟ قال: قتل، قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا، وحاميتنا إذا فررنا، عزال بن سموءل؟ قال: قتل. قال: فما فعل المجلسان؟
يعى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة، قال: ذهبوا، قتلوا قال:
فإنى أسألك يا ثابت بيدى عندك إلا ألحقتنى بالقوم، فو الله ما فى العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله فتلة دلو ناضح «١» حتى ألقى الأحبة، فقدمه ثابت، فضرب عنقه.
ثم إن رسول الله ﷺ قسم أموال بنى قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين. ثم بعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأنصارى، أخا بنى عبد الأشهل، بسبايا من سبايا بنى قريظة إلى نجد، فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا.
وكان رسول الله ﷺ قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو، إحدى نساء بنى عمرو بن قريظة، فكانت عند رسول الله ﷺ حتى توفى عنها وهى فى ملكه، وقد كان رسول الله ﷺ عرض عليها أن يتزوجها، ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول
стр. 206
الله، بل تتركى فى ملكك، فهو أخف علىّ وعليك، فتركها. وقد كانت حين سباها قد تعصت بالإسلام، وأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله ﷺ ، ووجد فى نفسه لذلك من أمرها. فبينما هو مع أصحابه، إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرنى بإسلام ريحانة، فجاءه فقال: يا رسول الله، قد أسلمت ريحانة، فسره ذلك من أمرها.
ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق، قال رسول الله ﷺ :
لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، لو كنتم تغزونهم.
فلم تغزهم قريش بعد ذلك، وكان هو الذى يغزوها حتى فتح الله عليه مكة.
ولما انقضى شأن الخندق، وأمر بنى قريظة، وكان سلام بن أبى الحقيق، وهو أبو رافع. فيمن حزّب الأحزاب على رسول الله ﷺ ، وكانت الأوس قبل أحد قتلت كعب بن الأشرف، فى عداوته لرسول الله ﷺ ، وتحريضه عليه، استأذنت الخروج رسول الله ﷺ فى قتل سلام بن أبى الحقيق، وهو بخيبر، فأذن لهم.
٧٦- غزوة بنى لحيان
ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهرى ربيع، وخرج فى جمادى الأولى، على رأس ستة أشهر من فتح قريظة، إلى بنى لحيان، يطلب بأصحاب الرجيع: خبيب بن عدى وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام، ليصيب من القوم غرة. فخرج من المدينة ﷺ ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فسلك على غراب، جبل بناحية المدينة، على طريقه إلى الشام، ثم استقام به الطريق، على المحجة من طريق
стр. 207
مكة، فأغذ السير سريعا، إلى بلد يقال له: ساية، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا فى رءوس الجبال، فلما نزلها رسول الله ﷺ ، وأخطأه من غرتهم ما أراد، قال: لو أنا هبطنا عسفان، لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة. فخرج فى مئتى راكب من أصحابه، حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين من أصحابه، حتى بلغا كراع الغميم، ثم كر،
وراح رسول الله ﷺ قافلا، وهو يقول حين وجه راجعا: آيبون تائبون، إن شاء الله، لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر فى الأهل والمال.
٧٧- غزوة ذى قرد
ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة، فلم يقم بها إلا ليال قلائل، حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى، فى خيل من غطفان، على لقاح لرسول الله ﷺ بالغابة، وفيها رجل من بنى غفار وامرأة له، فقتلوا الرجل، واحتملوا المرأة فى اللقاح.
وكان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمى، غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله، ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله، معه فرس له يقوده، حتى إذا علا ثنية الوداع، نظر إلى بعض خيولهم فأشرف فى ناحية سلع، ثم صرخ: واصباحاه! ثم خرج يشتد فى آثار القوم، وكان مثل السبع، حتى لحق بالقوم، فجعل يردهم بالنبل، ويقول إذا رمى: خذها وأنا ابن الأكوع، فإذا وجهت الخيل نحوه، انطلق هاربا، ثم عارضهم، فإذا أمكنه الرمى رمى، ثم قال: خذها وأنا ابن الأكوع.
وبلغ رسول الله ﷺ صياح ابن الأكوع، فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع! فترامت الخيول إلى رسول
стр. 208
الله ﷺ . فلما اجتمعوا إلى رسول الله ﷺ أمر عليهم سعد بن زيد، ثم قال: اخرج فى طلب القوم، حتى ألحقك فى الناس.
فخرج الفرسان فى طلب القوم، حتى تلاحقوا. واستعمل رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم، وسار رسول الله ﷺ ، حتى نزل بالجبل من ذى قرد، وتلاحق به الناس، فنزل رسول الله ﷺ به، وأقام عليه يوما وليلة، وقسم رسول الله ﷺ فى أصحابه فى كل مائة رجل جزورا، وأقاموا عليها، ثم رجع رسول الله ﷺ قافلا حتى قدم المدينة. فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعض جمادى الآخرة ورجبا.
٧٨- غزوة بنى المصطلق
ثم غزا بنى المصطلق من خزاعة، فى شعبان سنة ست، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفارى. وكان بلغ رسول الله ﷺ ، أن بنى المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبى ضرار، أبو جويرية بنت الحارث، زوج رسول الله ﷺ . فلما سمع رسول الله ﷺ بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء يقال له: المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بنى المصطلق وقتل من قتل منهم، ونفل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه.
فبينما رسول الله ﷺ على ذلك الماء، وردت واردة الناس.
ومع عمر بن الخطاب أجير له من بنى غفار، يقال له: جهجاه بن مسعود، يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهنى، حليف بنى عوف بن الخزرج على (م ١٤- الموسوعة القرآنية- ج ١)
стр. 209
الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهنى: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد الله بن أبىّ بن سلول، وعنده رهط من قومه، فيهم:
زيد بن أرقم، غلام حدث، فقال: أو قد فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتوهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم، لتحولوا إلى غير داركم.
فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله ﷺ وذلك عند فراغ رسول الله ﷺ من عدوه، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول الله ﷺ :
فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه! لا، ولكن أذن بالرحيل، وذلك فى ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس.
وقد مشى عبد الله بن أبىّ بن سلول إلى رسول الله ﷺ .
حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله: ما قلت ما قال، ولا تكلمت به- وكان فى قومه شريفا عظيما- فقال من حضر رسول الله ﷺ من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام قد أوهم فى حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، حدبا على ابن أبىّ بن سلول ودفعا عنه.
فلما استقل رسول الله ﷺ وسار، لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة، وسلم عليه، ثم قال: يا نبى الله، والله لقد رحت فى ساعة منكرة، ما كنت تروح فى مثلها، فقال له رسول الله ﷺ : أو
стр. 210
ما بلغك ما قال صاحبكم؟ قال: وأى صاحب يا رسول الله؟ قال: عبد الله بن أبىّ، قال: وما قال؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: فأنت يا رسول الله والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز.
ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فو الله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا.
ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض، فوقعوا نياما. وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ ، ليشغل الناس عن الحديث الذى كان بالأمس، من حديث عبد الله ابن أبى، ثم راح رسول الله ﷺ بالناس، وسلك الحجاز، حتى نزل على ماء بالحجاز، فويق النقيع، يقال له: بقعاء.
فلما راح رسول الله ﷺ هبت على الناس ريح شديدة، آذتهم وتخوفوها، فقال رسول الله ﷺ : لا تخافوها، فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار.
فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت، أحد بنى قينقاع، وكان عظيما من عظماء يهود، وكهفا للمنافقين، مات فى ذلك اليوم.
ثم إن عبد بن عبد الله بن أبى أتى رسول الله ﷺ ، فقال:
يا رسول الله إنه بلغنى أنك تريد قتل عبد الله بن أبى فيما بلغك عنه، فإن كنت لابد فاعلا، فمرنى به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده منى، وإنى أخشى أن تأمر به غيرى فيقتله، فلا تدعنى نفسى أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبى يمشى فى الناس، فأقتله، فأقتل رجلا
стр. 211
مؤمنا بكافر، فأدخل النار. فقال: رسول الله ﷺ : بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقى معنا. وجعل بعد ذلك إذا حدث الحدث، كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب، حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لى لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. قال عمر:
قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمرى.
وكان رسول الله ﷺ قد أصاب من بنى المصطلق سبيا كثيرا، فقاسمه المسلمون، وكان فيمن أصيب يومئذ من السبابا، جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار. ولما انصرف رسول الله ﷺ من غزوة بنى المصطلق، ومعه جويرية بنت الحارث- وكان بذات الجيش- دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة، وأمره بالاحتفاظ بها، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأقبل أبوها الحارث بن أبى ضرار بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التى جاء بها للفداء، فرغب فى بعيرين منها، فغيبهما فى شعب من شعاب العقيق، ثم
أتى إلى النبى ﷺ وقال: يا محمد، أصبتم ابنتى، وهذا فداؤها. فقال رسول الله ﷺ : فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق، فى شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، فو الله ما اطلع على ذلك إلا الله، فأسلم الحارث
، وأسلم معه ابنان له، وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين، فجاء بهما، فدفع الإبل إلى النبى ﷺ ، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت، وحسن إسلامها،
стр. 212
فخطبها رسول الله ﷺ إلى أبيها، فزوجه إياها، وأصدقها أربعمائة درهم.
٧٩- حديث الإفك
وتقول عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بنى المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع، فخرج سهمى عليهن معه، فخرج بى رسول الله ﷺ ، وكنت إذا رحل لى بعيرى، جلست فى هودجى، ثم يأتى القوم الذين يرحلون لى ويحملوننى، فيأخذون بأسفل الهودج، فيرفعونه، فيضعونه على ظهر البعير، فيشدونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير، فينطلقون به. فلما فرغ رسول الله ﷺ من سفره ذلك، رجع قافلا، حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا، فبات به بعض الليل، ثم أذن فى الناس بالرحيل، فارتحل الناس، وخرجت لبعض حاجتى، وفى عنقى عقد لى، فيه جزع ظفار «١» ، فلما فرغت انسل من عنقى ولا أدرى، فلما رجعت إلى الرحل، ذهبت ألتمسه فى عنقى، فلم أجده، وقد أخذ الناس فى الرحيل، فرجعت إلى مكانى الذى ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافى، الذين كانوا يرحلون لى البعير، وقد فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج، وهم يظنون أنى فيه، كما كنت أصنع، فاحتملوه، فشدوه على البعير، ولم يشكوا أنى فيه، ثم أخذوا برأس البعير، فانطلقوا به، فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب. قد انطلق الناس.
стр. 213
فتلففت بجلبابى، ثم اضطجعت فى مكانى، وعرفت أن لو قد افتقدت لرجع إلى، فو الله إنى لمضطجعة إذ مر بى صفوان بن المعطل السلمى، وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس، فرأى سوادى، فأقبل حتى وقف علىّ- وقد كان برانى قبل أن يضرب علينا الحجاب- فلما رآنى قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله ﷺ ، وأنا متلففة فى ثيابى، قال: ما خلفك برحمك الله؟ قالت: فما كلمته، ثم قرب البعير، فقال: اركبى، واستأخر عنى. قالت: فركبت، وأخذ برأس البعير، فانطلق سريعا، يطلب الناس، فو الله ما أدركنا الناس، وما اقتقدت حتى أصبحت. ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجل بقود بى البعير، فقال أهل الإفك ما قالوا، فاضطرب العسكر، ووالله ما أعلم بشىء من ذلك.
ثم قدمنا المدينة، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة، ولا يبلغنى من ذلك شىء، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ ، وإلى أبوى، لا يذكرون لى منه قليلا ولا كثيرا، إلا أنى قد أنكرت من رسول الله ﷺ بعض لطفه بى، كنت إذا اشتكيت رحمنى، ولطف بى، فلم يفعل ذلك بى فى شكواى تلك، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل علىّ وعندى أمى تمرضنى، قال: كيف تيكم، لا يزيد على ذلك، حتى وجدت فى نفسى، فقلت: يا رسول الله، حين رأيت ما رأيت من جفائه لى: لو أذنت لى فانتقلت إلى أمى، فمرضتنى؟ قال: لا عليك. فانتقلت إلى أمى، ولا علم لى بشىء مما كان، حتى نقهت من وجعى بعد بضع وعشرين ليلة. وكنا قوما عربا، لاتتخذ فى بيوتنا هذه الكنف التى تتخذها الأعاجم، نعاقها ونكرهها، إنما كنا نذهب فى فسح المدينة، وإنما كانت النساء يخرجن
стр. 214
كل ليلة فى حوائجهن، فخرجت ليلة لبعض حاجتى، ومعى أم مسطح بنت أبى رهم بن المطلب بن عبد مناف، وكانت أمها خالة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فو الله إنها لتمشى معى إذ عثرت فى مرطها، فقالت: تعس مسطح، قلت:
بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا، قالت: أو ما بلغك الخير يا بنت أبى بكر؟ قلت: وما الخبر؟ فأخبرتنى بالذى كان من قول أهل الإفك، قالت: قلت: أو قد كان هذا؟ قالت: نعم والله لقد كان. قالت:
فو الله ما قدرت على أن أقضى حاجتى، ورجعت. فو الله ما زلت أبكى حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدى، وقلت لأمى: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به، ولا تذكرين لى من ذلك شيئا. قالت: أى بنية، خففى عليك الشأن، فو الله لقلما كانت امرأة حسناء، عند رجل يحبها. لها ضرائر، إلا كثرن وكثر الناس عليها. قالت:
وقد قام رسول الله ﷺ فى الناس يخطبهم ولا أعلم بذلك، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، ما بال رجال يؤذوننى فى أهلى، ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت منهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتى إلا وهو معى.
وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبىّ بن سلول، فى رجال من الخزرج، مع الذى قال مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله ﷺ ، ولم تكن من نسائه امرأة تناصبنى «١» فى المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله تعالى بدينها، فلم تقل إلا خيرا، وأما حمنة بنت جحش، فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادنى لأختها، فشقيت بذلك.
стр. 215
فلما قال رسول الله ﷺ تلك المقالة، قال أسيد بن حضير:
يا رسول الله، إن يكونوا من الأوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج، فمرنا بأمرك، فو الله إنهم لأهل أن نضرب أعناقهم، قالت: فقام سعد بن عبادة- وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا- فقال: كذبت لعمر الله، لا نضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد: كذبت لعمر الله، ولكنك منافق، تجادل عن المنافقين، وتساور الناس، حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر. ونزل رسول الله ﷺ ، فدخل على. فدعا على بن أبى طالب رضوان الله عليه، وأسامة بن زيد، فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى علىّ خيرا وقاله، ثم قال: يا رسول الله، أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل.
وأما علىّ فإنه قال: يا رسول الله، إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية، فإنها ستصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة ليسألها، قالت: فقام إليها على بن أبى طالب، فضربها ضربا شديدا، ويقول: اصدقى رسول الله ﷺ ، قالت: فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا، إلا أنى كنت أعجن عجينى، فآمرها أن تحفظه، فتنام عنه، فتأتى الشاة فتأكله.
ثم دخل على رسول الله ﷺ ، وعندى أبواى، وعندى امرأة من الأنصار، وأنا أبكى، وهى تبكى معى، فجلس، فحمدالله، وأثنى عليه، ثم قال: يا عائشة، إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس، فاتقى الله، وإن كنت قد فارفت سوءا