← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الجزء الأول الباب الأول حياة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم

стр. 2

١- الجزيرة العربية قبل مبعث الرسول ﷺ كان إلى الغرب والشمال من الجزيرة العربية المملكة البيزنطية «الروم» ، وفى يديها مصر والشام، وإلى الشرق والجنوب منها مملكة الفرس وفى يديها العراق واليمن، وكلتا المملكتين كانت طامعة فى السيطرة على الجزيرة العربية، وكانت بينهما بسبب ذلك حروب طاحنة امتدت حقبة طويلة. ولقد أظل الإسلام الجزيرة والحرب قائمة، لم تخمد نارها إلا مع العام الثامن والثلاثين بعد الستمائة. وحين أخفق الروم فى بسط نفوذهم على الجزيرة حربا أخذوا ينفذون إليها سلما، فمدوا أيديهم إلى الغساسنة فى شمالى الجزيرة يجعلون منهم أعوانهم على هذا الغزو السامى، وكما فعل الرومان فعل الفرس، فإذا هم الآخرون يمدون أيديهم إلى المناذرة، ملوك الحيرة فى الشرق، يجعلون منهم أعوانهم على الوقوف أمام الغزو الرومانى. وإذ كان الروم نصارى لقن الغساسنة طرفا من النصرانية، وإذ كان الفرس مجوسا أخذ المناذرة بطرف من المجوسية، وإذا النصرانية تعرف طريقها إلى الجزيرة العربية عن طريق الشام، كما التمست المجوسية طريقها إلى الجزيرة العربية عن طريق الحيرة، وإذ الحرب التى كان يلتقى فيها السيف بالسيف، تصبح وقد التقى فيها الرأى بالرأى، يقف المجوس، ومن ورائهم اليهود والنصارى، ويقف النصارى للمجوس واليهود، والجزيرة العربية تشهد هذا الصراع فى الرأى فتشارك فيه، موزعة بين المجوسية واليهودية والنصرانية، ويزيد البيئة العربية توزعا توزع اليهود إلى ربانيين وقرائين وسامريين، وتوزع النصارى إلى يعاقبة ونساطرة وأريوسيين، هذا إلى توزع الجزيرة العربية توزعا آخر بين عبادة الكواكب وعبادة الأصنام، وإذ العرب أوزاع

стр. 3

فى الرأى، أشتات فى الفكر، يمسك كل بما يحلو له ويطيب، وإذا هم قد نبذوا الكثير مما توارثوه من شريعة إبراهيم وإسماعيل لا يستمسكون منه إلا ببقية قليلة، كانت تتمثل فى تعظيم الكعبة، والحج إلى مكة، وإذا هم بعد هذا أمة أضلتها الضلالات، واستهوتها الموبقات، واستحوذت عليها الخرافات، تذل للأصنام، وتستنيم للكهان، وتستولى الأزلام، وإذا أخلاقها تراق وتهون على موائد الخمر والميسر، وإذا عدلها يفوته عليها بغى الأقوياء، وإذا أمنها ليس لها منه إلا هباء. ويقال: إن أول ما كانت عبادة الحجارة فى بنى إسماعيل، فكان لا يظعن من مكة ظاعن منهم، حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسح فى البلاد، إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما له، فحيثما نزلوا وضعوه، فطافوا به كطوافهم بالكعبة حتى خرج بهم ذلك إلى إن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة، حتى نسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات. وكان فيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بتعظيم البيت، والطواف به، والحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه. وكان الذين اتخذوا تلك الأصنام من ولد إسماعيل وغيرهم: هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، اتخذوا «سواعا» برهاط «١» . وكلب بن وبرة، من قضاعة، اتخذوا «ودّا» بدومة الجندل «٢» . وأنعم، وطيىء، وأهل جرش، من مذحج، اتخذوا «يغوث بجرش» «٣» .

стр. 4

وخيوان- بطن عن همدان- اتخذوا «يعوق» بأرض همدان من أرض اليمن. وذو الكلاع من حمير، اتخذوا «نسرا» بأرض حمير. وكان لخولان صنم يقال له: «عميانس» يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما. وكان لبنى ملكان بن كنانة بن خزيمة صنم يقال له: «سعد» صخرة طويلة بفلاة من أرضهم. وكان روس صنم، يقال له: «ذو الكفين» . واتخذت قريش صنما على بئر فى جوف الكعبة يقال له: «هبل» . واتخذوا «أسافا» و «نائلة» على موضع زمزم، ينحرون عندهما. واتخذ أهل كل دار فى دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسّمح به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجّه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله. وكانت لبنى كنانة «العزى» بنخلة «١» . وكانت «اللات» لثقيف، بالطائف. وكانت «مناة» للأوس والخزرج، ومن دان بدينهم من أهل يثرب. وكان «ذو الخلصة» لدوس وخثعم، وبجيلة. وكانت «فلس» لطيىء. وكان لحمير وأهل اليمن ببيت بصنعاء يقال له: «رثام» . وكانت «رضاء» بينا لنى ربيعة بن كعب بن سعد. وكان «ذو الكعبات» لمكر وتغلب، ابنى وائل.

стр. 5

٢- الإرهاصات بمولد الرسول تلك كانت حال الجزيرة العربية من توزع دينى جر إلى توزع اجتماعى، فشخصت أبصار القلة الواعية من رجالات الجزيرة الراشدين إلى السماء تنشد العون وتستمطر الرحمة، وجمعت البلبلة الفاشية بين أربعة من هذه القلة الواعية، وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد ابن عمرو بن نقيل، ينظرون لأنفسهم ولأمتهم، فما انتهوا إلى رأى، وإذا هم أشتات حين انفضوا كما كانوا أشتاتا حين اجتمعوا، لأن الأمر كان أجل من أن يحمل عبئه غير رسول مؤيد من السماء. وكانت الإرهاصات تشير إلى ميلاد هذا الرسول، وإلى أن هذا الرسول اسمه محمد، وأحمد، وبهما كان يسمى ﷺ ، يقول تعالى: النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ. [الأعراف/ ١٥٦] ، ويقول تعالى: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف ٦] ، ويقول تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ [الأنعام ٣٠] ، ويقول تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران ٩٣] ، فمما لا شك فيه ولا تعترضه شبهة أنه لا يجوز للخصم المخالف أن يستشهد على خصمه بما فى كتابه، وينتصر عليه بالتسمية من غير أصل ثابت عنده، أو مرجع واضح لديه، وهل الاستشهاد على هذا إلا بمنزلة الاستشهاد على المحسوس، الذى لا يكاد يقع الاختلاف فيه؟ وعلى الرغم مما دخل إلى التوراة من تحريف وتبديل فثمة فيها ما يحمل هذه الإشارة إلى محمد، ولقد جاء هذا التحريف والتبديل إلى التوراة بعد ما خرّب بختنصر بيت المقدس، وأحرق التوراة، وساق بنى إسرائيل إلى أرض بابل.

стр. 6

ويقال إن عزيزا أملاها فى آخر عمره على واحد من تلامذته، وكان هذا الإملاء لا شك عن حفظ فردى، وعن هذه النسخة المملاة كانت النسخ المختلفة، وكان هذا التحريف. ويستدلون على ذلك بما فى التوراة من أخبار عما كان من أمر موسى ﵇، وكيف كان موته، ووصيته إلى يوشع بن نون، وحزن بنى إسرائيل وبكاؤهم عليه، وهذا ونحوه لا يجوز عقلا إن يكون من كلام الله ولا من كلام موسى. ثم إنه ثمة توراة فى أيدى السامرة تخالف تلك التى فى أيدى سائر اليهود فى التواريخ والأعياد وذكر الأنبياء، كما أنه ثمة توراة فى اليونانية تخالف التوراة العبرانية فى السنين بما يربى على ألف وأربعمائة سنة، وهذا التخالف محال إن يتصف به كتاب من عند الله. وينقل صاحب البدء والتاريخ عن نسخة من التوراة لأبى عبد الله المازنى: يا داود، قل لسليمان من بعدك إن الأرض لى أورثها محمدا ليست صلاتهم بالطنابير، ولا يقدسونى بالأوتار. وفيها: إن الله يظهر من صهيون إكليلا محمودا. والإكليل هو الرياسة والإمامة، والمحمود: محمد ﷺ . وفى التوراة العبرية، من قول الله تعالى لإبراهيم: سمعت دعاءك فى إسماعيل، هاه باركت إياه، وكثرت عدده وأنميته جدّا جدّا حتى لا تعد كثرته اثنا عشر ملكا يولد، وأظهره لأمه عظيمة. وفيها: وجاء الرب من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من فاران. وساعير جبال فلسطين حيث ظهر عيسى، وفاران: مكة،

стр. 7

وتجد فى التوراة العربية (سفر التثنية، الإصحاح ١٨، الآية: ١٥) : يقيم لك الرب إلهك نبيّا من وسطك من إخوتك مثلى له تسمعون. ولقد جاء بعد موسى عيسى، وهو من بنى إسرائيل، ومقتضى الآية أن يكون ثمة نبى مرتقب بعد عيسى، ومحمد من ولد إسماعيل، وإسماعيل أخو إسحاق، وإسحاق جد بنى إسرائيل، وإخوتهم هم بنو إسماعيل. وتزكّى هذا الآية الثامنة عشرة من الإصحاح الخامس والعشرين، من سفر التكوين حيث تقول: وسكنوا- أى أبناء إسماعيل- من حويلة إلى شور التى إمام مصر، حينما تجىء نحو أشور أمام جميع إخوته نزل. وكذا تزكيه الآية الثانية عشرة من الإصحاح السادس عشر، من سفر التكوين: وأمام إخوته يسكن. وفى إنجيل يوحنا (الإصحاح: ١٤، الآية: ١٥، الإصحاح: ١٦، الآية: ٦- ٧ م) ما يشير إلى إتيان الفار قليط، ومعنى الفار قليط: الكثير الحمد، وهذا المعنى هو ما تعطيه كلمة أحمد، التى هى من أسماء النبى. غير أن النص العربى من الإنجيل، جعل مكان الفار قليط فى الموضعين: المعزى. ففى الموضع الأول يقول الإنجيل: ومتى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذى من عند الأب ينبثق فهو يشهد لى. والنص فى غير النسخة العربية، على لسان عيسى وهو يخاطب الحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم الفار قليط روح الحق الذى لا يتكلم من تلقاء نفسه وهو يشهد لى بما شهدت له، وما جئتكم به سرّا يأتيكم به جهرا. وفى الموضع الثانى يقول: وأما الآن فأنا ماض إلى الذى أرسلنى وليس

стр. 8

أحد منكم يسألنى أين تمضى ... ؟ لكنى أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتكم المعزى، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. والنص فى غير النسخ العربية: إن الفاقليط روح الحق الذى أرسله أبى باسمى هو الذى يعلمكم كل شىء. والفارقليط لا يحكم ما لم أذهب. وفى سفر رؤيا يوحنا (الإصحاح: ١٩، الآية: ١١، ١٥) : «ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أمينا وصادقا وبالعدل يحكم ويحارب» . ومحمد يدعى الأمين الصادق. وفيه أيضا (١٩: ١٥) «ومن فمه يخرج سيف ماض لكى يضرب به الأمم وهو سير عاهم بعصا من حديد وهو يدوس معصرة خمر» . والقرآن الكريم فى مضاء السيف أذعنت له الأمم، ومحمد حرم الخمر وما حرمها عيسى. ٣- نصب الرسول والعرب كلها من ولد إسماعيل، ومن عدنان تفرقت القبائل، وهو عدنان ابن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرج بن يعرب بن يشجب بن نابت (نبت) ابن إسماعيل، وأم إسماعيل: هاجر، من أم العرب «١» . فولد عدنان رجلين: معد بن عدنان، وعك بن عدنان. وولد معد بن عدنان أربعة نفر: قضاعة بن معد، وقنص بن معد، ونزار ابن معد، وإياد بن معد.

стр. 9

وكان قضاعة بكر معد الذى به يكنى، فتيامن إلى حمير بن سبأ، وكان اسم سبأ عبد شمس، وإنما سمى سبأ، لأنه أول من سبى فى العرب. وأما قنص بن معد فهلكت بقيتهم. وكان منهم النعمان بن المنذر، ملك الحيرة. وولد نزار بن معد: مضر بن نزار، وربيعة بن نزار، وأنمار بن نزار، وإياد بن نزار. فولد مضر بن نزار رجلين: إلياس بن مضر، وعيلان بن مضر. فولد إلياس بن مضر ثلاثة نفر: مدركة بن إلياس وكان اسمه عامرا، وطابخة بن إلياس، وكان اسمه عمرا، وقمعة بن إلياس، وكان اسمه عميرا، وأمهم خندف، امرأة من اليمن. فولد مدركة بن إلياس رجلين: خزيمة بن مدركة، وهذيل بن مدركة. فولد خزيمة بن مدركة أربعة نفر: كنانة بن خزيمة، وأسد بن خزيمة، وأسدة بن خزيمة، والهون بن خزيمة. فولد كنانة بن خزيمة أربعة نفر: النضر بن كنانة، ومالك بن كنانة، وعبد مناة بن كنانة، وملكان بن كنانة. فولد النضر بن كنانة رجلين: مالك بن النضر، ويخلد بن النضر. فولد مالك بن النضر: فهر بن مالك، وهو قريش، فمن كان من ولده فهو قرشى، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشى. فولد فهر بن مالك أربعة نفر: غالب بن فهر: ومحارب بن فهر. والحارث بن فهر. وأسد بن فهر.

стр. 10

فولد غالب بن فهر رجلين: لؤى بن غالب، وتيم بن غالب. فولد لؤى بن غالب أربعة نفر: كعب بن لؤى، وعامر بن لؤى، وسامة ابن لؤى، وعوف بن لؤى. فأما سامة بن لؤى فخرج إلى عمان، فبينما هو يسير على ناقته، إذ وضعت رأسها ترتع، فأخذت حية بمشفرها فهصرتها، حتى وقعت الناقة لشقها، ثم نهشت الحية «سامة» فقتلته. وأما عوف بن لؤى فإنه خرج فى ركب من قريش، حتى إذا كان بأرض غطفان آخاه ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فشاع نسبه فى بنى ذبيان. وولد كعب بن لؤى ثلاثة نفر: مرة بن كعب. وعدى بن كعب، وهصيص بن كعب. فولد مرة بن كعب ثلاثة نفر: كلاب بن مرة، وتيم بن مرة، ويقظة ابن مرة. فولد كلاب بن مرة رجلين: قصى بن كلاب، وزهرة بن كلاب. فولد قصى بن كلاب أربعة نفر وامرأتين: عبد مناف بن قصى، وعبد الدار بن قصى، وعبد العزى بن قصى، وعبد قصى بن قصى، وتخمر بنت قصى، وبرة بنت قصى. فولد عبد مناف- واسمه المغيرة بن قصى- أربعة نفر: هاشم ابن عبد مناف، وعبد شمس بن عبد مناف، والمطلب بن عبد مناف، ونوفل ابن عبد مناف.

стр. 11

فولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر وخمس نسوة: عبد المطلب بن هاشم، وأسد بن هاشم، وأبا صيفى بن هاشم، ونضلة بن هاشم، والشفاء، وخالدة، وضعيفة، ورقية، وحية. فولد عبد المطلب بن هاشم عشرة نفر وست نسوة: العباس، وحمزة، وعبد الله وأبا طالب، واسمه عبد مناف- والزبير، والحارث، وحجلا، والمقوم، وضرارا، وأبا لهب- واسمه عبد العزى- وصفية، وأم حكيم البيضاء، وعاتكة، وأميمة، وأروى، وبرة. فولد عبد الله بن عبد المطلب، رسول الله ﷺ ، سيد ولد آدم محمدا، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب (شيبة) بن هاشم (عمرو) ابن عبد مناف (المغيرة) بن قصى (زيد) بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة (عامر) بن مضر بن معد بن عدنان. وأمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. وأمها: برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. وأم برة: أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. وأم أم حبيب: برة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب ابن لؤى بن غلب بن فهر بن مالك بن النضر.

стр. 12

فرسول الله ﷺ أشرف ولد آدم حسبأ، وأفضلهم نسبأ، من قبل أبيه وأمه، ﷺ . ٤- ولاية البيت ولما توفى إسماعيل بن إبراهيم، ولى البيت بعده ابنه نابت بن إسماعيل، ثم ولى البيت بعده مضاض بن عمرو الجرهمى. ونشر الله ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم ولاة البيت والحكام، لا ينازعهم ولد إسماعيل فى ذلك لخؤولتهم وقرابتهم. ثم إن جرهما بغوا بمكة، فظلموا من دخلها من غير أهلها، وأكلوا مال الكعبة الذى يهدى لها. فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، وغبشان من خزاعة، ذلك، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة، فآذنوهم بحرب فاقتتلوا فغلبهم بنو بكر وغبشان، فنفوهم من مكة. ثم إن غبشان، من خزاعة، وليت البيت دون بنى بكر بن عبد مناة، وكان الذى يليه عمرو بن الحارث الغبشانى، وقريش إذ ذاك متفرقون فى قومهم من كنانة، فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى. ثم إن قصى بن كلاب خطب إلى حليل بن حبشية ابنته «حبى» ، فرغب فيه حليل فزوجه فولدت له عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا. فلما انتشر ولد قصى، وكثر ماله، وعظم شرفه، هلك حليل، فرأى قصى أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبنى بكر، وأن قريشا نخبة إسماعيل بن إبراهيم وصريح ولده، فكلم رجالا من قريش وبنى كنانة ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبنى بكر من مكة، فأجابوه. فكتب إلى أخيه

стр. 13

من أمه: رزاح بن ربيعة، يدعوه إلى نصرته، والقيام معه، فخرج رزاح ومعه إخوته، فيمن تبعهم من قضاعة، وهم مجمعون لنصرة قصى. وكان الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر يلى الإفاضة للناس بالحج من عرفة، وولده من بعده، وكان يقال له ولولده: صوفة، وإنما ولّى ذلك الغوث بن مر لأن أمه كانت امرأة من جرهم، وكانت لا تلد، فنذرت إن هى ولدت رجلا أن تصدق به على الكعبة عبدا لها يخدمها ويقوم عليها، فولدت: الغوث، فكان يقوم على الكعبة مع أخواله من جرهم، وولده من بعده حتى انقرضوا. وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفة أو تجيز بهم إذا نفروا من منى. فإذا كان يوم النفر أتو الرمى الجمار، ورجل من صوفة يرمى للناس، لا يرمون حتى يرمى. فكان ذوو الحاجات المتعجلون يأتونه فيقولون له: قم فارم حتى نرمى معك. فيقول: لا والله، حتى تميل الشمس. فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجل يرمونه بالحجارة، ويستعجلون بذلك، ويقولون له: ويلك! قم، فارم، فيأبى عليهم، حتى إذا مالت الشمس قام فرمى، ورمى الناس بعده. فإذا فرغوا من رمى الجمار وأرادوا النقر من «منى» أخذت صوفة بجانبى العقبة فحبسوا الناس وقالوا: أجيزى صوفة، فلم يجز أحد من الناس حتى يمروا، فإذا نفرت صوفة ومضت خلى سبيل الناس، فانطلقوا بعدهم.

стр. 14

فلما كان ذلك العام فعلت صوفة كما كانت تفعل، فأتاهم قصى بن كلاب بمن معه من قومه من قريش، وكنانة وقضاعة عند العقبة، فقال: لنحن أولى بهذا منكم، فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدا، ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصى على ما كان بأيديهم من ذلك، وانصرف أخوه رزاح بن ربيعة إلى بلاده بمن معه من قومه. ٥- ولاية قصى البيت فولّى قصى البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكه فملكوه، إلا أنه قد أقر للعرب ما كانوا عليه، حتى جاء الإسلام، فهدم الله به ذلك كله. وكان قصى أول بنى كعب بن لؤى أصاب ملكا، فكانت إليه الحجابة، والسقاية، والرفادة «١» ، والندوة «٢» ، واللواء «٣» . فحاز قصى شرف مكة كلها، وسمته قريش مجمعا، لما جمع من أمرها، وتيمنت بأمره، فما تنكح امرأة، ولا يتزوج رجل من قريش، وما يتشاورون فى أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم، إلا فى داره. فكان أمره فى قومه من قريش فى حياته، ومن بعد موته، كالدين

стр. 15

المتبع لا يعمل بغيره، واتخذ لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضى أمورها. فلما كبر قصى ورقّ عظمه، وكان عبد الدار يكره، وكان عبد مناف قد شرف فى زمان أبيه وذهب كل مذهب، وكذلك عبد العزى، وعبد قصى، قال قصى لعبد الدار: أما والله يا بنى لألحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك: لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له، ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك، ولا يشرب أحد إلا من سقاينك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك، ولا تقطع قريشا أمرا من أمورها إلا فى دارك. فأعطاه دار الندوة، التى لا تقضى قريش أمرا من أمورها إلا فيها، وأعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة. فجعل قصى إليه كل ما كان بيده من أمر قومه، وكان، قصى لا يخالف ولا يرد عليه شىء صنعه. ٦- ولاية هاشم بن عبد مناف الرفادة والسقاية ثم إن قصى بن كلاب هلك، فأقام أمره فى قومه وفى غيرهم بنوه من بعده، وأقامت على ذلك قريش معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع. ثم إن بنى عبد مناف بن قصى: عبد شمس، وهاشما، والمطلب، ونوفلا، أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدى بنى عبد الدار بن قصى، مما كان قصى جعل إلى عبد الدار، من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم فى قومهم، فتفرقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة مع بنى عبد مناف على رأيهم، يرون أنهم أحق به من بنى عبد الدار

стр. 16

لمكانهم فى قومهم، وكانت طائفة مع بنى عبد الدار، يرون ألا ينزع منهم ما كان قصى جعل إليهم. فكان صاحب أمر بنى عبد مناف عبد شمس بن عبد مناف، وذلك أنه كان أسن بنى عبد مناف، وكان صاحب أمر بنى عبد الدار عامر ابن هاشم بن عبد مناف. وكان بنو أسد بن عبد العزى بن قصى، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة بن كعب، وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر، مع بنى عبد مناف. وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو عدى بن كعب، مع بنى عبد الدار. وخرجت عامر بن لؤى، ومحارب بن فهر، فلم يكونوا مع واحد من الفريقين. وعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على ألا يتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضا، وأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا، ثم غمس القوم أيديهم فيها، فتعاقدوا وتعاهدوا وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم وتوكيدا على أنفسهم، فسموا: المطيبين. وتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا مؤكدا على ألا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا، فسموا: الأحلاف. (م ٢- الموسوعة القرآنية- ج ١)

стр. 17

فبينا الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب، إذ تداعوا إلى الصلح، على أن يعطوا بنى عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبنى عبد الدار كما كانت، ففعلوا ورضى كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب، وثبت كل قوم مع من حالفوا، فلم يزالوا على ذلك، حتى جاء الله تعالى بالإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «ما كان من حلف فى الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة» ، يريد المعاقدة على الخير ونصرة الحق. فولّى الرفادة والسقاية هاشم بن عبد مناف، وذلك أن عبد شمس كان رجلا سفارا قلّما يقيم بمكة، وكان مقلا ذا ولد، وكان هاشم موسرا، فكان إذا حضر الحاج قام فى قريش فقال: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته، وإنه يأتيكم فى هذا الموسم زوّار الله وحجّاج بيته، وهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، فاجمعوا لهم ما تصنعون لهم به طعاما أيامهم هذه التى لا بد لهم من الإقامة بها، فإنه والله لو كان مالى يسع لذلك ما كلفتكموه. فيخرجون لذلك خرجا من أموالهم، كل امرىء بقدر ما عنده، فيصنع به للحجاج طعاما حتى يصدروا من مكة. وكان هاشم فيما يزعمون أول من سن الرحلتين لقريش رحلتى الشتاء والصيف، وأول من أطعم الثريد بمكة، وإنما كان اسمه عمرا، فما سمى هاشما إلا بهشمه الخبز بمكة لقومه. ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغزة من أرض الشام تاجرا، فولّى السقاية

стр. 18

والرفادة من بعده المطلب بن عبد مناف، وكان أصغر من عبد شمس وهاشم، وكان ذا شرف فى قومه وفضل، وكانت قريش إنما تسميه الفضل لسماحته وفضله. ٧- ولاية المطلب ثم عبد المطلب ما كان يليه هاشم وكان هاشم بن عبد مناف قدم المدينة، فتزوج سلمى بنت عمرو، فولدت لهاشم: عبد المطلب، فسمته شيبة. فتركه هاشم عندها حتى كان غلاما دون المراهقة أو فوق ذلك. ثم خرج إليه عمه المطلب ليقبضه فيلحقه ببلده وقومه، فقالت له سلمى: لست بمرسلته معك، فقال لها المطلب: إنى غير منصرف حتى أخرج به معى. أن ابن أخى قد بلغ، وهو غريب فى غير قومه، ونحن أهل بيت شرف فى قومنا، نلى كثيرا من أمورهم، وقومه وبلده وعشيرته خير له من الإقامة فى غيرهم. وقال شيبة: لست بمفارقها إلا أن تأذن لى، فأذنت له، ودفعته إليه. فاحتمله المطلب ودخل به مكة مردفه معه على بعيره، فقالت قريش: عبد المطلب ابتاعه، فبها سمى شيبة: «عبد المطلب» . فقال المطلب: ويحكم، إنما هو ابن أخى هاشم، قدمت به من المدينة. ثم هلك المطلب بأرض اليمن، فولى عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة، بعد عمه المطلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله

стр. 19

لقومهم من أمرهم، وشرف فى قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه. وعظم خطره فيهم. ٨- حفر زمزم ثم إن عبد المطلب بينما هو نائم فى الحجر إذ أمر بحفر زمزم، فلما بين لعبد المطلب شأنها، ودل على موضعها، غدا بمعوله، ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره، وقام ليحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش حين رأوا جده، فقالوا: والله لا نتركك تحفر عند وثنينا هذين اللذين فنحر عندهما إساف ونائلة. فقال عبد المطلب لابنه الحارث: ذد عنى حتى أحفر، فو الله لأمضين لما أمرت به. فلما عرفوا أنه غير نازع خلّوا بينه بين الحفر، وكفّوا عنه. فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدائه الطى، فكبر وعرف أنه قد صدق. وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت بئارا بمكة: حفر عبد شمس بن عبد مناف «الطوى» ، وهى البئر التى بأعلى مكة، عند دار محمد بن يوسف الثقفى. وحفر هاشم بن عبد مناف «بذر» ، وهى البئر التى على فم شعب أبى طالب. وحفر أمية بن عبد شمس «الحفر» لنفسه. وحفرت بنو أسد بن عبد العزى «سقية» . وحفرت بنو عبد الدار «أم أحراد» .

стр. 20

وحفرت بنو جمح «السنبلة» . وحفرت بنو سهم «الغمر» . فعفت زمزم على البئار التى كانت قبلها، وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام، ولفضلها على ما سواها من المياه، ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها، وعلى سائر العرب. ٩- نذر عبد المطلب وكان عبد المطلب بن هاشم قد نذر حين لقى من قريش ما لقى عند حفر زمزم: لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرن أحدهم لله عند الكعبة. فلما توافى بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم، ثم أخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه وقالوا: كيف نصنع؟ قال: ليأخذ كل رجل منسكم قدحا، ثم يكتب فيه اسمه، ثم ائتونى، ففعلوا ثم أتوه. ثم قال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بنى هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذى نذر، فأعطاه كل رجل منهم قدحه الذى فيه اسمه. وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر بنى أبيه، كان هو والزبير

стр. 21

وأبو طالب لفاطمة بنت عمرو بن عبد بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر. وكان عبد الله أحب ولد عبد المطلب إليه، فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله فأخذه عبد المطلب بيده، وأخذ الشفرة، ثم أقبل به ليذبحه، فقامت إليه قريش فقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه، فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا زال الرجل يأتى بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا، انطلق به إلى الحجاز، فإن به عرافة لها تابع، فسلها، ثم أنت على رأس أمرك، إن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته. فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوها بخير، فركبوا حتى جاءوها فسألوها، وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه، وما أرادوا به، ونذره فيه، فقالت لهم: ارجعوا عنى اليوم حتى يأتينى تابعى فأسأله، فرجعوا من عندها، فلما خرجوا عنها قام عبد المطلب يدعو الله، ثم عدوا عليها، فقالت لهم: قد جاءنى الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا: عشرة من الإبل- وكانت كذلك- قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم. فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا على ذلك من الأمر، قام

стр. 22

عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل، وعبد المطلب قائم يدعو الله ، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل عشرين، وقام عبد المطلب يدعو الله ، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل ثلاثين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل أربعين. وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل خمسين. وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل سبعين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل ثمانين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل تسعين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل مائة. وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب، فقال: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات. فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله، فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية، وعبد المطلب قائم يدعو الله، فضربوا فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثالثة، وعبد المطلب قائم يدعو الله، فضربوا فخرج القدح على الإبل، فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع.

стр. 23

١٠- زواج عبد الله بآمنة: ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد عبد الله، فمر به على امرأة من بنى أسد بن عبد العزى بن قصى، وهى أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهى عند الكعبة، فقالت له، حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبى. قالت: لك مثل الإبل التى نحرت عنك وتزوجنى. قال: أنا مع أبى ولا أستطيع خلافه ولا فراقه. فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وهو يومئذ سيد بنى زهرة نسبا وشرفا. فزوّجه ابنته آمنة بنت وهب، وهى يومئذ أفضل امرأة فى قريش نسبا وموضعا. فدخل عليها مكانه، فحملت برسول الله ﷺ . ثم خرج من عندها فأتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت. فقال لها: مالك لا تعرضين علىّ اليوم ما كنت عرضت بالأمس؟ قالت له: فارقك النور الذى كان معك بالأمس. وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، أنه سيكون فى هذه الأمة نبى. ١١- ولادته ﷺ وأتيت آمنة حين حملت برسول الله ﷺ ، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولى: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى، من أرض الشام. ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب، أبو رسول الله ﷺ ، أن هلك، وأم رسول الله ﷺ حامل به. وكان مولده ﷺ بمكة عام الفيل، بعد قدوم أبرهة بخمسين

стр. 24

ليلة، وكان أول يوم من المحرم عام الفيل، يوم الجمعة، وقدم الفيل يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثمانمائة واثنتين وثمانين للإسكندر الرومى، وست عشرة ومائتين من تاريخ العرب الذى أوله حجة الغدر، وسنة أربع وأربعين من ملك أنو شروان بن قباذ ملك العجم. وولد ﷺ لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول، وقيل لاثنتى عشرة ليلة خلت منه. والصحيح أن ولادته كانت يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول، كما حقق ذلك المرحوم محمود حمدى الفلكى فى رسالته، وهذا اليوم يوافق العشرين من أبريل سنة ٥٧١ م، وكانت ولادته ﷺ بالدار التى عند الصفا، والتى كانت بعد لمحمد بن يوسف أخى الحجاج، فصيرتها الخيزران، زوج المهدى، مسجدا. وكانت قابلته التى نزل على يديها الشفاء، أم عبد الرحمن بن عوف. فلما وضعته أمه ﷺ أرسلت إلى جده عبد المطلب: أنه قد ولد لك غلام، فأته فانظر إليه، فأتاه فنظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت به أن تسميه. ١٢- حديث رضاعه ﷺ فأخذه عبد المطلب فدخل به الكعبة، فقام يدعو الله ويشكر له ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها، والتمس لرسول الله ﷺ المراضع، فاسترضع له امرأة من بنى سعد بن بكر، يقال لها: حليمة بنت أبى ذؤيب. واسم أبيه الذى أرضعه ﷺ : الحارث بن عبد العزى. وإخوته من الرضاعة، عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة بنت الحارث، وهى الشيماء، غلب ذلك على اسمها فلا تعرف فى قومها إلا به، وهم لحليمة بنت أبى ذؤيب.

стр. 25

وكانت حليمة بنت أبى ذؤيب تحدث أنها خرجت من بلدها- مع زوجها وابن لها صغير ترضعه- وفى نسوة من بنى سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء. وذلك فى سنة شهباء لم تبق شيئا. قالت: فخرجت على أتان لى قمراء «١» ، معنا شارف «٢» ، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذى معنا، من بكائه من الجوع، ما فى ثديى ما يغنيه، وما فى شارفنا ما يغذيه، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج. فخرجت على أتانى تلك حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه، إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبى الصبى فكنا نقول: يتيم، وما عسى أن تصنع أمه وجده! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى. فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبى: والله إنى لا أكره أن أرجع من بين صواحبى، ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. قال: لا عليك أن تفعلى، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره، فلما أخذته رجعت به إلى رحلى، فلما وضعته فى حجرى أقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك. وقام زوجى إلى شارفنا تلك، فإذا هى حافل، فحلب منها ما شرب، وشربت معه، حتى انتهينا ريّا وشبعنا، فبتنا بخير ليلة.

стр. 26

قالت: يقول صاحبى حين أصبحنا: اعلمى والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة. فقلت: والله إنى لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا. وركبت أنا أتانى، وحملته عليها معى، فو الله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شىء من حمرهم، حتى إن صواحبى ليقلن لى: يا ابنة أبى ذؤيب، ويحك! وأربعى «١» علينا، أليست هذه أتانك التى كنت خرجت عليها، فأقول لهن: بلى والله، إنها لهى هى. فيقلن: والله إن لها لشأنا. قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بنى سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمى تروح على حين قدمنا به شباعا لبنا، فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها فى ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم! اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبى ذؤيب. فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمى شباعا لبنا. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا «٢» . قالت: فقدمنا به على أمه، ونحن أحرص شىء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت بنى عندى حتى يغلظ، فإنى أخشى عليه وباء مكة. قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا، فرجعنا به. وبعد أشهر حملته حليمة إلى أمه، فكان رسول الله ﷺ مع

стр. 27

أمه آمنة بنت وهب، وجده عبد المطلب بن هاشم، فى كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا لما يريد به من كرامته. ١٣- وفاة أمه وكفالة جده عبد المطلب له فلما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب بالأيواء، بين مكة والمدينة، وكانت قد قدمت به على أخواله من بنى عدى بن النجار، تزيره إياهم، فماتت وهى راجعة به إلى مكة. فكان رسول الله ﷺ مع جده عبد المطلب بن هاشم، وكان يوضع لعبد المطلب فراش فى ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. فكان رسول الله ﷺ يأتى، وهو غلام شديد، حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب، إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابنى، فوالله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع. ١٤- موت عبد المطلب وكفالة عمه أبى طالب فلما بلغ رسول الله ﷺ ثمانى سنين هلك عبد المطلب بن هاشم، وذلك بعد الفيل بثمانى سنين. فلما هلك عبد المطلب بن هاشم ولّى زمزم والسقاية عليها بعده العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا، فلم تزل إليه حتى قام الإسلام

стр. 28

وهى بيده، فأقرها رسول الله ﷺ ، على ما مضى من ولايته. وكان رسول الله ﷺ بعد عبد المطلب مع عمه أبى طالب. وكان عبد المطلب يوصى به عمه أبا طالب، وذلك لأن عبد الله أبا رسول الله ﷺ ، وأبا طالب، أخوان لأب وأم، أمهما فاطمة بنت عمرو ابن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم، فكان أبو طالب هو الذى يلى أمر رسول الله ﷺ بعد جده، فكان إليه ومعه. وكان رجل من «لهب» ، «١» وكان عاثفا، فكان إذا قدم مكة أتاه رجال من قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف لهم فيهم، فأتى أبو طالب بالنبى ﷺ وهو غلام مع من يأتيه، فنظر إلى رسول الله ﷺ ، ثم شغله عنه شىء، فلما فرغ قال: الغلام، علىّ به، فلما رأى أبوطالب حرصه عليه غيبه عنه، فجعل يقول: ويلك! ردوا علىّ الغلام الذى رأيت آنفا، فوالله ليكونن له شأن. فانطلق به أبو طالب. ١٥- حديث بحيرى الراهب ثم إن أبا طالب خرج فى ركب تاجرا إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير تعلق به رسول الله ﷺ ، فرقّ له، وقال: والله لأخرجن به معى، ولا يفارقنى ولا أفارقه أبدا. فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب- يقال له: بحيرى فى صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية، فلما نزلوا ذلك

стр. 29

العام ببحيرى، وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا بعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لها طعاما كثيرا، وذلك لشىء رآه وهو فى صومعته: رأى رسول الله ﷺ فى الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا فنزلوا فى ظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتدلت أغصان تلك الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها. فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته ثم أرسل إليهم فقال: إنى قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، عبدكم وحركم. فقال له رجل منهم: والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم، فما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد احببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم. فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم، لحداثة سنه، فى رحال القوم تحت الشجرة. فلما نظر بحيرى فى القوم لم ير الصفة التى يعرف، فقال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامى. قالوا له: يا بحيرى، ما تخلف عنك أحد ينبغى أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سنّا، فقال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى، إن كان للوم بنا أن يتخلف ابن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم.

стр. 30

فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى فقال له: يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتى عما أسألك عنه- وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما- فقال رسول الله ﷺ : لا تسألنى باللات والعزى، فوالله ما أيغضت شيئا قط بغضهما. فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتنى عما أسألك عنه، فقال له: «سلنى عما بدا لك» فجعل يسأله عن أشياء من حاله فى نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله ﷺ يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التى عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابنى. قال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا. قال: فإنه ابن أخى: قال: فما فعل أبوه؟ قال، مات وأمه حبلى به. قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرّا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم. فأسرع به إلى بلاده. فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة، حين فرغ من تجارته بالشام، وشب رسول الله ﷺ ، والله تعالى بكاؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلا، وأفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحسنهم جوارا،

стр. 31

وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التى تدنّس الرجال تنزها وتكرّما، حتى كان اسمه فى قومه الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة. فلما بلغ رسول الله ﷺ أربع عشرة سنة، هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة، وبين قيس عيلان، فشهد رسول الله ﷺ بعض أيامهم، أخرجه أعمامه معهم، فكان ينبل على أعمامه، أى يرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها. ١٦- زواجه ﷺ من خديجة ولما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وعشرين سنة، تزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤى بن غالب، وكان سنها حين ذاك، أربعين عاما. وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال فى مالها بشىء تجعله لهم. فلما بلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج فى مال لها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة. فقبله رسول الله ﷺ ، وخرج فى مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام.

стр. 32

ثم باع رسول الله ﷺ سلعته التى خرج بها، واشترى ما أراد أن يشترى، ثم أقبل قافلا إلى مكة، ومعه ميسرة. فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعف. وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة، يلتقى نسبها مع نسبه فى جده الأعلى قصى، كما يلتقى نسبها مع نسب أمه فى كلاب بن مرة مع ما أراد الله بها من كرامته. فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها به بعثت إلى رسول الله ﷺ فقالت له: يا بن عم، إنى قد رغبت فيك لقرابتك وشرفك فى قومك، وأمانتك وحسن خلقك، وصدق حديثك. ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، كل قومها كان حريصا على ذلك منها، لو يقدر عليه. ١٧- خلاف قريش فى بنيان الكعبة فلما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليقفوها، ويهابون هدمها. وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت، فأخذوا خشبها، فأعدوه لتسقيفها. وكان بمكة رجل قبطى نجار، فتهيأ لهم فى أنفسهم بعض ما يصلحها. فلما أجمعوا أمرهم فى هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا فى بنائها من كسبكم (م ٣- الموسوعة القرآنية- ج ١)

стр. 33

إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغى، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم فى هدمها، فأخذ المغول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم إنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين. فتربص الناس تلك الليلة وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شىء، فقد رضى الله صنعنا، فهدمنا. فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس- أساس إبراهيم ﵇ وأفضوا إلى حجارة خضراء أخذ بعضها بعضا، فانتهوا عن ذلك الأساس. ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها، حتى بلغ البنيان موضع الركن، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى أعدوا للقتال. فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى بن كعب ابن لؤى على الموت، وأدخلوا أيديهم فى ذلك الدم فى تلك الجفنة، فسموا: لعقة الدم. فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا، ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد وتشاوروا وتناصفوا. ثم إن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان عامئذ أسن قريش كلها، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد، يقضى بينكم فيه، ففعلوا.

стр. 34

فكان أول داخل عليهم رسول الله ﷺ ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد. فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال رسول الله ﷺ : هلم إلىّ ثوبا، فأتى به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده، ثم بنى عليه. ١٨- علم اليهود والنصارى بمبعثه ﷺ وكانت الأحبار من يهود، والرهبان من النصارى، والكهان من العرب قد تحدّثوا بأمر رسول الله ﷺ قبل مبعثه، لما نقارب من زمانه. ويحدث رجال من المسلمين: أن مما دعانا إلى الإسلام، لما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبى يبعث الآن، فكنّا كثيرا ما نسمع ذلك منهم. فلما بعث الله رسول الله ﷺ أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى، فبادرناهم إليه، آمنا به وكفروا به. وكان سلمة، من أصحاب بدر، يقول: كان لنا جار من يهود فى بنى عبد الأشهل، فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بنى عبد الأشهل، فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار، فقالوا له: ويحك يا فلان، أو ترى

стр. 35

هذا كائنا؟ قال: نعم. فقالوا له: ويحك يا فلان، فما آية ذلك؟ قال: نبى مبعوث من نحو هذه البلاد- وأشار بيده إلى مكة واليمن- فقالوا: ومتى نراه؟ فنظر إلىّ- وأنا من أحدثهم سنّا، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فو الله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدا رسولا ﷺ . ١٩- مبعثه ﷺ ولما بلغ محمد رسول الله ﷺ أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، وبشيرا للناس كافة. وكان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من النبوة، حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به، الرؤيا الصادقة، لا يرى رسول الله ﷺ رؤيا فى نومه إلا جاءت كفلق الصبح، وحبب الله تعالى إليه الخلوة، فلم يكن شىء أحب إليه من أن يخلو وحده. ومكث رسول الله ﷺ كذلك إلى أن جاءه جبريل ﵇ بما جاءه من كرامة الله، وهو بحراء فى شهر رمضان، وكان رسول الله ﷺ يعتكف فى حراء ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاء من المساكين، فإذا قضى رسول الله ﷺ اعتكافه من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته. حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته، من السنة التى بعثه الله تعالى فيها، وذلك الشهر رمضان، خرج رسول الله

стр. 36

صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج، حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته، جاءه جبريل ﵇ بأمر الله تعالى فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذنى فغطنى «١» حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة ثم أرسلنى فقال: اقرأ باسم ربك الذى خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضى الله عنها فقال: زملونى زملونى، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسى. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عمها- وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل- فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ . فقال ورقة: والذى نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتنى يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر، الذى كان يأتى موسى، وإنه لنبىّ هذه الأمة، فقولى له: فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة. فلما قضى رسول الله ﷺ اعتكافه وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة وهو يطوف بالكعبة فقال: يابن أخى، أخبرنى بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله ﷺ . فقال له ورقة: والذى نفسى بيده، إنك لنبى هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس

стр. 37

الأكبر الذى جاء موسى، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه. ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه. ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله. ٢٠- بدء التنزيل فابتدئ رسول الله ﷺ بالتنزيل فى شهر رمضان، يقول الله عزوجل: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ. ثم تتام الوحى إلى رسول الله ﷺ ، وهو مؤمن بالله مصدق بما جاء منه. ومضى رسول الله ﷺ على أمر الله، على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى. فآمنت به خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاء من الله، وكانت أول من آمن بالله ورسوله، وصدق بما جاء منه، فخفف الله بذلك عن نبيه ﷺ ، لا يسمع شيئا مما يكرهه، من رد عليه وتكذيب له، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها. ثم فتر الوحى عن رسول الله ﷺ فترة، حتى شق ذلك عليه فأحزنه، فجاءه جبريل بسورة الضحى، يقسم له ربه، وهو الذى أكرمه بما أكرمه، ما ودعه وما قلاه، يقول تعالى: وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى. وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى. أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى. وَوَجَدَكَ عائِلًا

стр. 38

فَأَغْنى. فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ. وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ. فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد من به من النبوة، سرّا إلى من يطمئن إليه من أهله. ٢١- فرض الصلاة وافترضت الصلاة عليه ﷺ ، أتاه جبريل وهو بأعلى مكة، فهمز له يعقبه فى ناحية الوادى فانفجرت منه عين، فتوضا جبريل ﵇، ورسول الله ﷺ ينظر إليه، ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله ﷺ كما رأى جبريل يتوضأ، ثم قام جبريل، فصلى به، وصلى رسول الله ﷺ بصلاته. ثم انصرف جبريل ﵇. فجاء رسول الله ﷺ خديجة فتوضأ لها، ليريها كيف الطهور للصلاة، كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله ﷺ ، ثم صلى بها رسول الله ﷺ كما صلى به جبريل، فصلت بصلاته. ويقول ابن عباس: لما افترضت الصلاة على رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ فصلى به الظهر حين مالت الشمس، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق، ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر، ثم جاءه فصلى به الظهر من غد حين كان ظله مثله، ثم صلى العصر به حين كان ظله مثليه. ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس، ثم صلى به العشاء

стр. 39

الآخرة حين ذهب ثلث الليل الاول، ثم صلى به الصبح مسفرا غير مشرق. ٢٢- إسلام على بن أبى طالب وكان أول ذكر من الناس آمن برسول الله ﷺ ، وصلى معه، وصدق بما جاءه من الله تعالى: على بن أبى طالب بن عبد المطلب ابن هاشم، وهو يومئذ ابن عشر سنين. وكان من نعمة الله على على بن أبى طالب، ومما صنع الله له، وأراد ربه من الخير، أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله ﷺ للعباس عمه، وكان من أيسر بنى هاشم: يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلا، وتأخذ أنت رجلا، فقال العباس: نعم. فانطلقنا حتى أتيا أبا طالب فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لى عقيلا فاصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله ﷺ عليّا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه. فلم يزل علىّ مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله ﵎ نبيّا، فاتبعه على رضى الله عنه وآمن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه.

стр. 40

وكان رسول الله ﷺ إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه على بن أبى طالب مستخفيا من أبيه أبى طالب، ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا. فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال لرسول الله ﷺ : يا بن أخى، ما هذا الدين الذى أراك تدين به؟ قال: أى عم، هذا دين الله، ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم، بعثنى الله به رسولا إلى العباد، وأنت- أى عم- أحق من بذلت له النصيحة، ودعوت إلى الهدى، وأحق من أجابنى إليه وأعاننى عليه. فقال أبو طالب: أى ابن أخى، إنى لا أستطيع أن أفارق دين آبائى وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشىء تكرهه ما بقيت. ٢٣- إسلام زيد بن حارثة ثم أسلم زيد بن حارثة. وكان حكيم بن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق، فيهم زيد بن حارثة وصيف، فدخلت عليه عمته خديجة بنت خويلد، وهى يومئذ عند رسول الله ﷺ ، فقال لها: اختارى يا عمة أى هؤلاء الغلمان شئت فهو لك، فاختارت زيدا، فأخذته، فرآه رسول الله ﷺ عندها، فاستوهبه منها، فوهبته له، فأعتقه رسول الله ﷺ وتبناه، وذلك قبل أن يوحى إليه. وكان أبوه حارثة قد جزع عليه جزعا شديدا، ثم قدم عليه وهو عند رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ :
следующие страницы →