← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج، حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته، جاءه جبريل ﵇ بأمر الله تعالى فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذنى فغطنى «١» حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة ثم أرسلنى فقال: اقرأ باسم ربك الذى خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضى الله عنها فقال: زملونى زملونى، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسى. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عمها- وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل- فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ . فقال ورقة: والذى نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتنى يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر، الذى كان يأتى موسى، وإنه لنبىّ هذه الأمة، فقولى له: فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة. فلما قضى رسول الله ﷺ اعتكافه وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة وهو يطوف بالكعبة فقال: يابن أخى، أخبرنى بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله ﷺ . فقال له ورقة: والذى نفسى بيده، إنك لنبى هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس

стр. 37

الأكبر الذى جاء موسى، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه. ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه. ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله. ٢٠- بدء التنزيل فابتدئ رسول الله ﷺ بالتنزيل فى شهر رمضان، يقول الله عزوجل: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ. ثم تتام الوحى إلى رسول الله ﷺ ، وهو مؤمن بالله مصدق بما جاء منه. ومضى رسول الله ﷺ على أمر الله، على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى. فآمنت به خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاء من الله، وكانت أول من آمن بالله ورسوله، وصدق بما جاء منه، فخفف الله بذلك عن نبيه ﷺ ، لا يسمع شيئا مما يكرهه، من رد عليه وتكذيب له، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها. ثم فتر الوحى عن رسول الله ﷺ فترة، حتى شق ذلك عليه فأحزنه، فجاءه جبريل بسورة الضحى، يقسم له ربه، وهو الذى أكرمه بما أكرمه، ما ودعه وما قلاه، يقول تعالى: وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى. وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى. أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى. وَوَجَدَكَ عائِلًا

стр. 38

فَأَغْنى. فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ. وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ. فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد من به من النبوة، سرّا إلى من يطمئن إليه من أهله. ٢١- فرض الصلاة وافترضت الصلاة عليه ﷺ ، أتاه جبريل وهو بأعلى مكة، فهمز له يعقبه فى ناحية الوادى فانفجرت منه عين، فتوضا جبريل ﵇، ورسول الله ﷺ ينظر إليه، ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله ﷺ كما رأى جبريل يتوضأ، ثم قام جبريل، فصلى به، وصلى رسول الله ﷺ بصلاته. ثم انصرف جبريل ﵇. فجاء رسول الله ﷺ خديجة فتوضأ لها، ليريها كيف الطهور للصلاة، كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله ﷺ ، ثم صلى بها رسول الله ﷺ كما صلى به جبريل، فصلت بصلاته. ويقول ابن عباس: لما افترضت الصلاة على رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ فصلى به الظهر حين مالت الشمس، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق، ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر، ثم جاءه فصلى به الظهر من غد حين كان ظله مثله، ثم صلى العصر به حين كان ظله مثليه. ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس، ثم صلى به العشاء

стр. 39

الآخرة حين ذهب ثلث الليل الاول، ثم صلى به الصبح مسفرا غير مشرق. ٢٢- إسلام على بن أبى طالب وكان أول ذكر من الناس آمن برسول الله ﷺ ، وصلى معه، وصدق بما جاءه من الله تعالى: على بن أبى طالب بن عبد المطلب ابن هاشم، وهو يومئذ ابن عشر سنين. وكان من نعمة الله على على بن أبى طالب، ومما صنع الله له، وأراد ربه من الخير، أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله ﷺ للعباس عمه، وكان من أيسر بنى هاشم: يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلا، وتأخذ أنت رجلا، فقال العباس: نعم. فانطلقنا حتى أتيا أبا طالب فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لى عقيلا فاصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله ﷺ عليّا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه. فلم يزل علىّ مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله ﵎ نبيّا، فاتبعه على رضى الله عنه وآمن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه.

стр. 40

وكان رسول الله ﷺ إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه على بن أبى طالب مستخفيا من أبيه أبى طالب، ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا. فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال لرسول الله ﷺ : يا بن أخى، ما هذا الدين الذى أراك تدين به؟ قال: أى عم، هذا دين الله، ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم، بعثنى الله به رسولا إلى العباد، وأنت- أى عم- أحق من بذلت له النصيحة، ودعوت إلى الهدى، وأحق من أجابنى إليه وأعاننى عليه. فقال أبو طالب: أى ابن أخى، إنى لا أستطيع أن أفارق دين آبائى وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشىء تكرهه ما بقيت. ٢٣- إسلام زيد بن حارثة ثم أسلم زيد بن حارثة. وكان حكيم بن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق، فيهم زيد بن حارثة وصيف، فدخلت عليه عمته خديجة بنت خويلد، وهى يومئذ عند رسول الله ﷺ ، فقال لها: اختارى يا عمة أى هؤلاء الغلمان شئت فهو لك، فاختارت زيدا، فأخذته، فرآه رسول الله ﷺ عندها، فاستوهبه منها، فوهبته له، فأعتقه رسول الله ﷺ وتبناه، وذلك قبل أن يوحى إليه. وكان أبوه حارثة قد جزع عليه جزعا شديدا، ثم قدم عليه وهو عند رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ :

стр. 41

«إن شئت فأقم عندى، وإن شئت فانطلق مع أبيك» ؟ فقال: بل أقيم عندك. فلم يزل عند رسول الله ﷺ حتى بعثه الله فصدقه، وأسلم، وصلى معه. ٢٤- إسلام أبى بكر ثم أسلم أبو بكر بن أبى قحافة، واسمه عتيق. واسم أبى قحافة عثمان ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى ابن غالب بن فهر. فلما أسلم أبو بكر رضى الله عنه أظهر إسلامه، ودعا إلى الله وإلى رسوله. وكان أبو بكر رجلا مألفا «١» لقومه، محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألقونه، لعلمه وتجارته وحسن مجالسه، فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به قومه، ممن يغشاه ويجلس إليه. ٢٥- من اسلم بدعوة أبى بكر فأسلم بدعاء أبى بكر عثمان بن عفان بن أبى العاصى بن أمية بن عبد شمس،

стр. 42

والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب، وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وسعد بن أبى وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن مرة بن كلاب، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن مرة بن كعب بن لؤى. فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له فأسلموا وصلوا، وكان رسول الله ﷺ يقول: ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردده، إلا ما كان من أبى بكر بن أبى قحافة، ما تلبث عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه. ٢٦- من أسلموا بعد ذلك ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، والأرقم بن أبى الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ابن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى، وأخواه قدامة، وعبد الله، ابنا مظعون، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، وامرأته فاطمة بنت الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، أخت عمر بن الخطاب، وأسماء بنت أبى بكر، وعائشة بنت أبى بكر- وهى يومئذ صغيرة- وخباب بن الأرت، حليف بنى زهرة، وعمير بن أبى وقاص- أخو سعد بن أبى وقاص- وعبد الله

стр. 43

ابن مسعود بن الحارث- حليف بنى زهرة- ومسعود بن ربيعة بن عمرو بن سعد ابن عبد العزى- من القارة- وسليط بن عمرو بن عبد شمس، وأخوه حاطب ابن عمرو وعياش بن أبى ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وامرأته أسماء بنت سلامة التميمية، وخنيس بن حذافة بن قيس بن عدى، وعامر بن ربيعة- من عنز بن وائل- وعبد الله بن جحش بن رئاب، وأخوه أبو أحمد بن جحش، وجعفر بن أبى طالب، وامرأته أسماء بنت عميس بن النعمان، وحاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب، وامرأته فاطمة بنت المجلل بن عبد الله، وأخوه حطاب بن الحارث، وامرأته فكيهة بنت يسار، ومعمر بن الحارث بن معمر بن حبيب، والسائب بن عثمان بن مظعون بن حبيب ابن وهب، والمطلب بن أزهر بن عبد عوف، وامرأته رملة بنت أبى عوف ابن صبيرة، والنحام نعيم بن عبد الله بن أسيد، وعامر بن فهيرة- مولى أبى بكر الصديق- وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وأبو حذيفة مهشم بن عتبة بن ربيحة بن عبد شمس، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف- حليف بنى عدى بن كعب- وخالد، وعامر، وعاقل، وإياس- بنو البكير ابن عبد ياليل بن ناشب- وعمار بن ياسر- حليف بنى مخزوم بن يقظة- وصهيب بن سنان، أحد النمر بن قاسط. ثم دخل الناس فى الإسلام أرسالا من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به. ٢٧- الجهر بالدعوة ثم إن الله أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه

стр. 44

منه وأن يبادى الناس بأمره، وأن يدعوه إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه، ثلاث سنين من مبعثه، ثم قال الله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وقال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وقال جل شأنه: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ. وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلوا ذهبوا فى الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فى شعب من شعاب مكة، إذا ظهر عليهم نفر من المشركين، وهم يصلون، فنا كروهم وعابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم. فضرب سعد بن أبى وقاص يومئذ رجلا من المشركين بعظم فشجه، فكان أول دم هريق فى الإسلام. فلما بادى رسول الله ﷺ قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك ناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليل. وحدب على رسول الله ﷺ عمه أبو طالب، ومنعه وقام دونه. ومضى رسول الله ﷺ على أمر الله مظهرا لأمره، لا يرده عنه شىء. فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ لا يعتبهم» من شىء

стр. 45

أنكروه عليه، من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه، فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبى طالب: عتبة، وشيبة- ابنا ربيعة بن عبد شمس- وأبو سفيان بن حرب ابن أمية، وأبو البخترى العاصى بن هشام بن الحارث بن أسد ابن عبد العزى، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى وأبو جهل عمرو ابن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة والعاص بن وائل بن هاشم، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آبائنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا، وردهم ردّا جميلا، فانصرفوا عنه. ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم اشتد الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتعادوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ بينها، وحض بعضهم بعضا عليه. ثم إنهم مشوا إلى أبى طالب مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنّا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك فى ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا عنه. فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله ﷺ ولا خذلانه.

стр. 46

ثم بعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا بن أخى، إن قومك قد جاءونى فقالوا لى كذا وكذا، فأبق علىّ وعلى نفسك، ولا تحمّلنى من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه رأى أنه خاذله، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال رسول الله ﷺ : «يا عم، والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته» . ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى، ثم قام. فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخى. فأقبل رسول الله ﷺ . فقال: اذهب يا بن أخى فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشىء أبدا. ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ﷺ وإسلامه، وإجماعه لفراقهم فى ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد، أنهد «١» فتى فى قريش وأجمله، فخذه واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذى قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل.

стр. 47

فقال: والله لبئس ما تسوموننى. أتعطوننى ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابنى تقتلونه، هذا والله ما لا يكون أبدا. فقال المطعم بن عدى بن نوفل: والله يا أبا طالب، لقد أنصفك قومك. وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا. فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفونى، ولكنك قد أجمعت خذلانى ومظاهرة القوم علىّ، فاصنع ما بدا لك. فاشتد الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضا. ٢٨- تآمر قريش على المسلمين ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من فى القبائل منهم من أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسوله ﷺ منهم بعمه أبى طالب. وقد قام أبو طالب، حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون فى بنى هاشم وبنى المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه، من منع رسول الله ﷺ ، والقيام دونه. فاجتمعوا إليه، وقاموا معه، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبى لهب، عدو الله. ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم،

стр. 48

وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا. قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول: كاهن قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما هو بكلام الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه. قالوا: فنقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا منه بذلك، فجعلوا يجلسون بطرق الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره. وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ ، فانتشر ذكره فى بلاد العرب كلها. فلما انتشر أمر رسول الله ﷺ فى العرب ويلغ البلدان. (م ٤- الموسوعة القرآنية- ج ١)

стр. 49

ذكر بالمدينة، ولم يكن حى من العرب أعلم بأمر رسول الله ﷺ ، حين ذكر وقبل أن يذكر، من هذا الحى من الأوس والخزرج، وذلك لما كانوا يسمعون من أحبار اليهود، وكانوا لهم حلفاء ومعهم فى بلادهم. ٢٩- ما لقى الرسول من قومه ثم إن قريشا اشتد أمرهم، للشقاء الذى أصابهم فى عداوة رسول الله ﷺ ، ومن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله ﷺ سفهاءهم، فكذبوه وآذوه ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله ﷺ مظهر لأمر الله لا يستخفى به مباد لهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم على كفرهم. واجتمع أشرافهم يوما فى الحجر فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم. فبينما هم فى ذلك، إذ طلع رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول، فعرف ذلك فى وجه رسول الله ﷺ ، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرف ذلك فى وجه رسول الله ﷺ ، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: «أتسمعون يا معشر قريش. أما والذى نفسى بيده، لقد جئتكم بالذبح «١» » . فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه

стр. 50

وصاة «١» ليهدئه بأحسن ما يحمد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فو الله ما كنت جهولا. فانصرف رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا فى الحجر، فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه. فبينماهم فى ذلك طلع عليهم رسول الله ﷺ ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به يقولون: أنت الذى تقول كذا وكذا؟ - لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم- فيقول رسول الله ﷺ : نعم، أنا الذى أقول ذلك. فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه. فقام أبو بكر رضى الله عنه دونه، وهو يبكى ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله؟ فانصرفوا عنه. ٣٠- إسلام حمزة ثم إن أبا جهل مر برسول الله ﷺ عند الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله ﷺ ، ومولاة لعبد الله بن جدعان فى مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه، فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة فجلس معهم. فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه أن أقبل متوشحا قوسه، راجعا من صيد له- وكان صاحب صيد يخرج له، وكان إذا رجع من صيده لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على

стр. 51

ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى فى قريش وأشد شكيمة، فلما مر بالمولاة- وقد رجع رسول الله ﷺ إلى بيته- قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد آنفا من أبى جهل، وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يكلمه محمد ﷺ . فاحتمل حمزة الغضب، لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى ولم يقف على أحد، معدّا لأبى جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا فى القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضر به بها فشجه شجة منكرة، ثم قال: أنشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول، فرد ذلك على إن استطعت! فقامت رجال من بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإنى قد والله سببت ابن أخيه سبّا قبيحا. ونم حمزة رضى الله عنه على إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله ﷺ من قوله. فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. ٣١- ما كان بين عتبة والرسول وحين أسلم حمزة، ورأت قريش أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون، قال عتبة بن ربيعة، وكان سيدا، وهو جالس فى نادى قريش، ورسول الله ﷺ جالس فى المسجد وحده: يا معشر

стр. 52

قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا بن أخى، إنك منا حيث قد علمت من الشرف فى العشيرة، والمكان فى النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. فقال له رسول الله ﷺ : قل يا أبا الوليد، أسمع، قال: يابن أخى، إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا «١» تراه، لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع «٢» على الرجل حتى يداوى منه. حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله ﷺ يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاسمع منى. قال: أفعل. فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ. وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ. ثم مضى رسول الله ﷺ

стр. 53

فيها يقرؤها عليه. فلما سمعها منه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها يسمع منه. ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها، فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك. فقام عتبة إلى أصحابه. فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائى أنى قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعونى واجعلوها بى، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذى سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيى فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. ٣٢- الرسول واشراف قومه وجعل الإسلام يفشو بمكة فى قبائل قريش فى الرجال والنساء، وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين، فاجتمع أشراف قريش من كل قبيلة بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه. فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم. فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه رأى، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم، حتى جلس إليهم. فقالوا له: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، وما بقى أمر قبيح إلا قد

стр. 54

جئته فيما بيننا وبينك، وإن كنت غير قابل منا شيئا عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا، ولا أقل ماء، ولا أشدّ عيشا منّا، فسل ربك الذى بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التى قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا. فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثنى به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه علىّ أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بينى وبينكم. قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تتمول، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغى، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال رسول الله ﷺ : ما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثنى بشيرا ونذيرا. قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل. فقال رسول الله ﷺ : ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل. وقام عنهم رسول الله ﷺ حزينا آسفا، لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه.

стр. 55

فقال أبو جهل: يا معشر قريش، إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإنى أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد فى صلاته فضخت به رأسه، فأسلمونى عند ذلك أو امنعونى، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله لا نسلمك لشىء أبدا، فامض لما تريد. فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان رسول الله ﷺ قبلته إلى الشام، فكان إذا صلى جعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام يصلى، وقد غدت قريش فجلسوا فى أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل. فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على الحجر، حتى قذف الحجر من يده. وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته قط ولا أنيابه لفحل قط، فهم أن يأكلنى. فلما قال لهم ذلك أبو جهل، قام النضر بن الحارث، فقال: يا معشر قريش، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم فى صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر! لا والله ما هو بساحر! وقلتم: كاهن! لا والله ما هو بكاهن! وقلتم: شاعر! لا والله

стр. 56

ما هو بشاعر! وقلتم: مجنون! لا والله ما هو بمجنون! يا معشر قريش، فانظروا فى شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم. وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذى رسول الله ﷺ ، وبنصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسا فذكر فيه بالله، خلفه فى مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش، أحسن حديثا منه، فهلم إلىّ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا منى؟ ٣٣- أول جهر بالقرآن واجتمع يوما أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهره لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله ابن مسعود، أنا. قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه. قال: دعونى فإن الله سيمنعنى. فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام فى الضحى، وقريش فى أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ: (بسم الله الرّحمن الرّحيم) رافعا بها صوته الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ثم استقبلها يقرؤها. فتأملوه فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن مسعود؟ ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد. فقاموا إليه فجعلوا يضربون فى وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثروا فى وجهه، فقالوا له: هذا الذى خشينا عليك. فقال: ما كان أعداء الله أهون علىّ منهم الآن، وائن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا؟ قالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون.

стр. 57

٣٤- استماع قريش إلى قراءة الرسول وخرج ليلة أبو سفيان بن حرب، وأبو جهل بن هشام، والأخنس ابن شريق، ليستمعوا من رسول الله ﷺ ، وهو يصلى من الليل فى بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع القمر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض. لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم فى نفسه شيئا، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثانية أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود. فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان فى بيته، فقال: أخبرنى يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذى حلفت به كذلك. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه فى بيته فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف

стр. 58

الشرف، أطعموا وأطعمنا، وأعطوا وأعطينا، حتى إذا كنا كفرسى رهان قالوا: منا نبى يأتيه الوحى من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. فقام عنه الأخنس وتركه. ٣٥- عدوان قريش على المستضعفين من المسلمين ثم إن قريشا عدوا على من أسلم يعذبون من استضعفوا منهم، فيفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذى يصيبه، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله. وكان بلال، لبعض بنى جمح، مولى من مواليهم، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب، وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره فى بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى. فيقول بلال وهو فى ذلك البلاء: أحد، أحد. حتى مر به أبو بكر الصديق رضى الله عنه يوما، وهم يصنعون ذلك به وكانت دار أبى بكر فى بنى جمح، فقال لأمية بن خلف: ألا تتقى الله فى هذا المسكين! حتى متى؟ قال: أنت الذى أفسدته فأنقذه مما ترى. فقال أبو بكر: أفعل، عندى غلام أسود أقوى منه. على دينك، أعطيكه به. قال: قد قبلت فقال: هو لك. فأعطاه أبو بكر عنه غلامه ذلك، وأخذه فأعتقه. ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، بلال سابعهم. فقال أبوه أبو قحافة: يا بنى، إنى أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذا فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك! فقال أبو بكر: يا أبت، إنما أريد ما أريد لله.

стр. 59

وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه- وكانوا أهل بيت الإسلام- إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة. فيمر بهم رسول الله ﷺ ، فيقول: صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة. فأما أمه فقتلوها، وهى تأبى إلا الإسلام. وكان أبو جهل إذا سمع بالرجل قد أسلم، له شرف، أنبّه، وإن كان تاجرا قال: لتكسدن تجارتك، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به. ٣٦- الهجرة الاولى إلى الحبشة فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه. فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة فى الإسلام. فكان جميع من لحق بأرض الحبشة، وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارا وولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا. فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد آمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش إلى النجاشى، فيردهم عليهم ليفتنوهم فى دينهم، ويخرجوهم من ديارهم التى اطمأنوا بها وآمنوا فيها.

стр. 60

فبعثوا عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص بن وائل، وجمعوا لهما هدايا للنجاشى، ولبطارقته، ثم بعثوا إليه فيهم وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشى فيهم، ثم قدما إلى النجاشى هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم. فخرجا حتى قدما على النجاشى. فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن بكلما النجاشى، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد لجأ إلى بلد الملك غلمان مناسفهاء، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم. فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قدّما هدايا هما إلى النجاشى، فقبلها منهما، ثم كلماه وكلمه البطارقة، فغضب النجاشى وقال: لا أسلمهم أبدا حتى أدعوهم فأسألهم عما يقولون، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاورونى. فأرسل النجاشى إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم فقال لهم: ما هذا الدين الذى فارقتم فيه قومكم؟ فقال له جعفر بن أبى طالب: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، فصدقناه وآمنا به، فعدا علينا قومنا فعذبونا ليردونا إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك. فقال لهما النجاشى: انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون.

стр. 61

٣٧- إسلام عمر بن الخطاب ولما قدم عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبى ربيعة على قريش، ولم يدركا ما طلبا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وردهما النجاشى بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب- وكان رجلا ذا شكيمة لابرام ما وراء ظهره- امتنع به أصحاب رسول الله ﷺ وبحمزة، حتى غلبوا قريشا. وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ إلى الحبشة. وتقول أم عبد الله بنت أبى حثمة: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر زوجى فى بعض حاجاتنا، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علىّ وهو على شركه- وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا- فقال: إنه للانطلاق يا أم عبد الله! قلت: نعم، والله لنخرجن فى أرض الله آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله مخرجا. فقال: صحبكم الله. ورأيت له رقة لم أكن أراها. ثم انصرف وقد أحزنه خروجنا. فجاء عامر بحاجته تلك فقلت له: يا أبا عبد الله. لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا! قال: أطمعت فى إسلامه؟ قلت: نعم. قال: فلا يسلم الذى رأيت حتى يسلم حمار الخطاب..... يأسا منه، لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام. وكانت أخته فاطمة بنت الخطاب، عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قد أسلمت، وأسلم بعدها سعيد بن زيد، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر.

стр. 62

وكان نعيم بن عبد الله النحام، من بنى عدى بن كعب، قد أسلم، وكان أيضا يستخفى بإسلامه خوفا من قومه. وكان خبّاب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطا من أصحابه قد ذكروا أنهم قد اجتمعوا فى بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء، ومع رسول الله ﷺ عمه حمزة ابن عبد المطلب، وأبو بكر، وعلى بن أبى طالب، فى رجال من المسلمين، ممن كان أقام مع رسول الله ﷺ بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة. فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا هذا الذى فرق أمر قريش فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بنى عبد مناف تار كيك تمشى على الأرض، وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم! فقال: وأى أهل بيتى؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، واختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما. فرجع عمر عائدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها (طه) يقرئهما إياها، فلما سمعوا صوت عمر، تغيب خبّاب فى مخدع لهم، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها. وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال:

стр. 63

ما هذه الهيمنة «١» التى سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا، قال: بلا والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه. وبطش بختنه سعيد بن زيد. فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها. فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى، وقال لأخته: أعطنى هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرءون آنفا أنظر ما هذا الذى جاء به محمد، وكان عمر كاتبا، فلما قال ذلك، قالت له أخته: إنا نخشاك عليها. قال: لا تخافى، وحلف لها بآلهته ليردنها- إذا قرأها- إليها. فلما قال ذلك طمعت فى إسلامه، فقالت له: يا أخى، إنك نجس، على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر. فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها (طه) ، فقرأها، فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه. فلما سمع ذلك خباب خرج إليه، فقال له: يا عمر، والله إنى لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإنى سمعته أمس وهو يقول: «اللهم أيّد الإسلام بأبى الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر» . فقال له عند ذلك عمر: فدلنى يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم. فقال له خباب: هو فى بيت عند الصفا، معه فيه نفر من أصحابه.

стр. 64

فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فضرب عليهم الباب. فلما سمعوا صوته، قام رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فنظر من خلال الباب فرآه متوشحا السيف. فرجع إلى رسول الله ﷺ وهو فزع، فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف. فقال حمزة بن عبد المطلب: فأذن له، فإن كان يريد خيرا بذلناه له، وإن كان يريد شرّا قتلناه بسيفه. فقال رسول الله ﷺ : ائذن له. فأذن له الرجل. ونهض رسول الله ﷺ حتى لقيه فى الحجرة، فأخذ بمجمع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة، وقال: ما جاء بك يا بن الخطاب؟ فو الله ما أرى أن تنتهى حتى ينزل الله بك قارعة. فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأؤمن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله. فكبّر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله ﷺ أن عمر قد أسلم. فتفرق أصحاب رسول الله ﷺ من مكانهم، وقد عزوا فى أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ ، وينتصفون بهما من عدوهم. وكان عمر يقول: لما أسلمت تلك الليلة تذكرت أى أهل مكة أشد لرسول الله ﷺ عداوة حتى آتيه فأخبره أنى قد أسلمت؟ قلت: أبو جهل، فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه، فخرج إلىّ (م ٥- الموسوعة القرآنية- ج ١)

стр. 65

أبو جهل فقال: مرحبا وأهلا يابن أختى، ما جاء بك؟ قلت: جئت لأخبرك أنى قد آمنت بالله وبرسوله محمد وصدقت بما جاء به. فضرب الباب فى وجهى وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به. ٣٨- تحالف الكفار وحديث الصحيفة ولما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا وقرارا، وأن النجاشى قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو فى القبائل، اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بنى هاشم، وبنى المطلب، على ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم. فلما اجتمعوا لذلك كتبوه فى صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة فى جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم. فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب ابن عبد المطلب فدخلوا معه فى شعبه واجتمعوا إليه، وخرج من بنى هاشم أبو لهب إلى قريش فظاهرهم. ولقى أبو جهل حكيم بن حزام، معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهى عند رسول الله ﷺ ، ومعه فى الشعب، فتعلق به، وقال: أتذهب إلى بنى هاشم! والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة. فجاءه أبو البخترى بن هاشم فقال: ما لك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى

стр. 66

بنى هاشم. فقال له أبو البخترى: طعام كان لعمته عنده بعثت إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خلّ سبيل الرجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه. فأخذ له أبو البخترى عظم بعير فضربه فشجه، ووطعه وطعا شديدا. وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه فيشمتوا بهم. ورسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا، سرّا وجهرا، مناديا بأمر الله لا يتقى فيه أحدا من الناس. ٣٩- ما لقى الرسول من اذى قومه فجعلت قريش حين منعه الله منها، وقام عمه وقومه من بنى هاشم وبنى المطلب دونه وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به، يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه، وجعل القرآن ينزل فى قريش بأحداثهم وفيمن نصب لعداوته منهم، فمنهم من سمى لنا، ومنهم من نزل فيه القرآن فى عامة من ذكر الله من الكفار، فكان ممن سمى لنا من قريش ممن نزل فيه القرآن: أبو لهب بن عبد المطلب، وامرأته أم جميل بنت حرب بن أمية حمالة الحطب، وإنما سماها الله تعالى حمالة الحطب لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله ﷺ حيث يمر، فأنزل الله تعالى فيها: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ. سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ. ثم إن أم جميل حمالة الحطب حين سمعت ما نزل فيها وفى زوجها من القرآن أتت رسول الله ﷺ وهو جالس فى المسجد عند الكعبة ومعه

стр. 67

أبو بكر الصديق، وفى يدها فهر من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله ﷺ فلا ترى إلا أبا بكر. فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقد بلغنى أنه يهجونى، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهرفاه. وكانت قريش إنما تسمى رسول الله ﷺ مذمما، ثم يسبونه. فكان رسول الله ﷺ يقول: ألا تعجبون لما يصرف الله عنى من أذى قريش؟ يسبون ويهجون مذمما، وأنا محمد. وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، إذا رأى رسول الله ﷺ همزه ولمزه، فأنزل الله تعالى فيه: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ. الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ. يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ. وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ. نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ. الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ. فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ. وكان خباب بن الأرت صاحب رسول الله ﷺ ، قينا بمكة يعمل السيوف، وكان قد باع من العاص بن وائل سيوفا عملها له، حتى كان له عليه مال، فجاءه يتقاضاه. فقال له: يا خباب، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذى أنت على دينه أن فى الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب، أو فضة أو ثياب، أو خدم؟ قال خباب: بلى فقال: فأنظرنى إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هنا لك حقك فو الله لا تكون أنت وصاحبك يا خباب آثر عند الله منى ولا أعظم حظّا فى ذلك. فأنزل الله تعالى فيه:

стр. 68

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً. أَطَّلَعَ الْغَيْبَ إلى قوله تعالى: وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً. وجلس رسول الله ﷺ يوما مع الوليد بن المغيرة فى المسجد فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم فى المجلس، وفى المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ ، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه. ثم قام رسول الله ﷺ وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمى حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعرى: والله ما قام النضر ابن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا: أكل ما يعبد من دون الله فى جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى بن مريم «﵉» فعجب الوليد ومن كان معه فى المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ من قول ابن الزبعرى، فقال رسول الله ﷺ : إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته. فأنزل الله تعالى عليه فى ذلك: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ.

стр. 69

وكان الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى، حليف بنى زهرة، وكان من أشراف القوم وممن يستمع منه، فكان يصيب من رسول الله ﷺ ، ويرد عليه، فأنزل الله تعالى فيه: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، إلى قوله تعالى زَنِيمٍ وكان أبىّ بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، وعقبة بن أبى معيط، متصافيين، حسنا ما بينهما، فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله ﷺ وسمع منه، فبلغ ذلك أبيّا، فأتى عقبة فقال له: ألم يبلغنى أنك جالست محمدا وسمعت منه؟ وجهى من وجهك حرام أن أكلمك- واستغلظ من اليمين- إن أنت جلست إليه أو سمعت منه، أو لم تأته فتتفل فى وجهه. ففعل ذلك عدو الله عقبة بن أبى معيط. لعنه الله. فأنزل الله تعالى فيهما. وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا إلى قوله تعالى: لِلْإِنْسانِ خَذُولًا. ومشى أبىّ بن خلف إلى رسول الله ﷺ يعظم بال قد تكسّر، فقال: يا محمد، أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما رمّ، ثم فتّه فى يده ثم نفخه فى الريح نحو رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : نعم، أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك الله النار. فأنزل الله تعالى فيه: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. واعترض رسول الله ﷺ ، وهو يطوف بالكعبة: الأسود بن

стр. 70

المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمى- وكانوا ذوى أسنان فى قومهم- فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت فى الأمر، فإن كان الذى تعبد خيرا مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظّنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد، كنت قد أخذت بحظك منه. فأنزل الله تعالى فيهم: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ. أى إن كنتم لا تعبدون الله إلا أن أعبد ما تعبدون، فلا حاجة لى بذلك منكم، لكم دينكم جميعا ولى دينى. ووقف الوليد بن المغيرة مع رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ يكلمه وقد طمع فى إسلامه، فبينا هو فى ذلك إذ مر به ابن أم مكتوم الأعمى، فكلم رسول الله ﷺ ، وجعل يستقرئه القرآن، فشق ذلك منه على رسول الله ﷺ حتى أضجره، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد، وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا وتركه. فأنزل الله تعالى فيه: عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى إلى قوله تعالى: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. ٤٠- رجوع مهاجرى الحبشة وبلغ أصحاب رسول الله ﷺ ، الذين خرجوا إلى أرض

стр. 71

الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيا. فجميع من قدم عليه مكة من أصحابه من أرض الحبشة ثلاثة وثلاثون رجلا. ٤١- ابن مظعون ورده لجوار الوليد ولما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء- وهو يغدو وبروح فى أمان من الوليد بن المغيرة- قال: والله إن غدوى ورواحى آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابى وأهل دينى يلقون من البلاء والأذى فى الله ما لا يصيبنى، لنقص كبير فى نفسى، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: لم يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، قد رددت إليك جوارك. فقال له: لم يابن أخى؟ لعله آذاك أحد من قومى. قال: لا، ولكنى أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فاردد علىّ جوارى علانية كما أجرتك علانية. فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد علىّ جوارى. قال: صدق وجدته وفيّا كريم الجوار، ولكنى قد أحببت ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره. ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب فى مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد: ألا كل شىء ما خلا الله باطل قال عثمان: صدقت. قال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل

стр. 72

قال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد بن ربيعة: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه فى سفهاء معه، قد فارقوا ديننا فلا تجدن فى نفسك من قوله. فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضرها. والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا بن أخى إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت فى ذمة منيعة. فيقول عثمان: بل والله، إن عينى الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها فى الله، وإنى لفى جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلم يا ابن أخى، إن شئت فعد إلى جوارك. فقال: لا. ٤٢- استجارة أبى سلمة بابى طالب ثم إن أبا سلمة لما استجار بأبى طالب، مشى إليه رجال من بنى مخزوم، فقالوا له: يا أبا طالب، لقد منعت منا ابن أخيك محمدا، فمالك ولصاحبنا تمنعه منا؟ قال: إنه استجار بى، وهو ابن أختى، وإن أنا لم أمنع ابن أختى لم أمنع ابن أخى. فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه فى جواره من بين قومه، والله لتنتهن عنه أو لتقومن معه فى كل ما قام فيه، حتى يبلغ ما أراد. فقالوا: بل تنصرف عما تكره يا أبا عتبة، وكان لهم وليّا وناصرا على رسول الله ﷺ ، فأبقوا على ذلك. فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول، ورجا أن يقوم معه فى شأن رسول الله صلى الله

стр. 73

عليه وسلم، وقال شعرا يحرضه على نصرته ونصرة رسول الله ﷺ . ٤٣- أبو بكر ورده لجوار بن الدغنة وقد كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرا، حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين، لقيه ابن الدغنة أخو بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فقال ابن الدغنة: أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجنى قومى وآذونى وضيقوا علىّ. قال: ولم؟ فو الله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع فأنت فى جوارى. فرجع معه، حتى إذا دخل مكة قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إنى فد أجرت ابن أبى قحافة، فلا يعرضن له أحد إلا بخير. فكفوا عنه. وكان لأبى بكر مسجد عند باب داره فى بنى جمح، فكان يصلى فيه، وكان رجلا رقيقا، إذا قرأ القرآن استبكى، فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته. فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة، فقالوا له: يابن الدغنة، إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى، وقرأ ما جاء به محمد يرق ويبكى، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فانهه ومره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء،

стр. 74

فمشى ابن الدغنة إليه فقال له: يا أبا بكر، إنى لم أجرك لتؤذى قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذى أنت فيه، وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد علىّ جوارى. قال: قد رددته عليك. فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحافة قد رد علىّ جوارى فشأنكم بصاحبكم. فلقيه سفيه من سفهاء قريش، وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه ترابا. فمر بأبى بكر الوليد بن المغيرة- أو العاصى بن وائل- فقال أبو بكر: ألا ترى إلى ما يصنع هذا السفيه؟ قال: أنت فعلت ذلك بنفسك. ٤٤- نقض الصحيفة ثم إنه قام فى نقض تلك الصحيفة، التى تكاتبت فيها قريش على بنى هاشم وبنى المطلب، نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام ابن عمرو بن ربيعة بن الحارث، وذلك أنه كان ابن أخى نضلة بن هاشم ابن عبد مناف لأمه، فكان هشام لبنى هاشم واصلا، وكان ذا شرف فى قومه، فكان يأتى بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب فى الشعب ليلا، قد أوقره طعاما، حتى إذا أقبل به فم الشعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه، فيدخل الشعب عليهم، ثم يأتى به قد أوقره بزّا فيفعل به مثل ذلك.

стр. 75

ثم إنّه مشى إلى زهير بن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت أمة عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب، وأخوالك حيث قد علمت، لا يباعون ولا يبتاع منهم، أما إنى أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبى الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدا. قال: ويحك يا هشام! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله أن لو كان معى رجل آخر لقمت فى نقضها حق أنقضها. قال: قد وجدت رجلا. قال: فمن هو؟ قال: أنا. قال له زهير: ابغنا رجلا ثالثا. فذهب إلى المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه؟ أما والله لئن أمكنتموهم من هذه، لتجدنهم إليها منكم سراعا. قال: ويحك! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: ابغنا ثالثا. قال: قد فعلت. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبى أمية. قال: ابغنا رابعا. فذهب إلى أبى البخترى بن هشام، فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدى، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير ابن أبى أمية، والمطعم بن عدى. وأنا معك. قال: ابغنا خامسا. فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذى تدعونى إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمى له القوم. فاتعدوا خطم الحجون ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، فأجمعوا أمرهم
следующие страницы →