← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيا. فجميع من قدم عليه مكة من أصحابه من أرض الحبشة ثلاثة وثلاثون رجلا. ٤١- ابن مظعون ورده لجوار الوليد ولما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء- وهو يغدو وبروح فى أمان من الوليد بن المغيرة- قال: والله إن غدوى ورواحى آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابى وأهل دينى يلقون من البلاء والأذى فى الله ما لا يصيبنى، لنقص كبير فى نفسى، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: لم يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، قد رددت إليك جوارك. فقال له: لم يابن أخى؟ لعله آذاك أحد من قومى. قال: لا، ولكنى أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فاردد علىّ جوارى علانية كما أجرتك علانية. فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد علىّ جوارى. قال: صدق وجدته وفيّا كريم الجوار، ولكنى قد أحببت ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره. ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب فى مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد: ألا كل شىء ما خلا الله باطل قال عثمان: صدقت. قال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل

стр. 72

قال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد بن ربيعة: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه فى سفهاء معه، قد فارقوا ديننا فلا تجدن فى نفسك من قوله. فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضرها. والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا بن أخى إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت فى ذمة منيعة. فيقول عثمان: بل والله، إن عينى الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها فى الله، وإنى لفى جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلم يا ابن أخى، إن شئت فعد إلى جوارك. فقال: لا. ٤٢- استجارة أبى سلمة بابى طالب ثم إن أبا سلمة لما استجار بأبى طالب، مشى إليه رجال من بنى مخزوم، فقالوا له: يا أبا طالب، لقد منعت منا ابن أخيك محمدا، فمالك ولصاحبنا تمنعه منا؟ قال: إنه استجار بى، وهو ابن أختى، وإن أنا لم أمنع ابن أختى لم أمنع ابن أخى. فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه فى جواره من بين قومه، والله لتنتهن عنه أو لتقومن معه فى كل ما قام فيه، حتى يبلغ ما أراد. فقالوا: بل تنصرف عما تكره يا أبا عتبة، وكان لهم وليّا وناصرا على رسول الله ﷺ ، فأبقوا على ذلك. فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول، ورجا أن يقوم معه فى شأن رسول الله صلى الله

стр. 73

عليه وسلم، وقال شعرا يحرضه على نصرته ونصرة رسول الله ﷺ . ٤٣- أبو بكر ورده لجوار بن الدغنة وقد كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرا، حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين، لقيه ابن الدغنة أخو بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فقال ابن الدغنة: أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجنى قومى وآذونى وضيقوا علىّ. قال: ولم؟ فو الله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع فأنت فى جوارى. فرجع معه، حتى إذا دخل مكة قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إنى فد أجرت ابن أبى قحافة، فلا يعرضن له أحد إلا بخير. فكفوا عنه. وكان لأبى بكر مسجد عند باب داره فى بنى جمح، فكان يصلى فيه، وكان رجلا رقيقا، إذا قرأ القرآن استبكى، فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته. فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة، فقالوا له: يابن الدغنة، إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى، وقرأ ما جاء به محمد يرق ويبكى، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فانهه ومره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء،

стр. 74

فمشى ابن الدغنة إليه فقال له: يا أبا بكر، إنى لم أجرك لتؤذى قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذى أنت فيه، وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد علىّ جوارى. قال: قد رددته عليك. فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحافة قد رد علىّ جوارى فشأنكم بصاحبكم. فلقيه سفيه من سفهاء قريش، وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه ترابا. فمر بأبى بكر الوليد بن المغيرة- أو العاصى بن وائل- فقال أبو بكر: ألا ترى إلى ما يصنع هذا السفيه؟ قال: أنت فعلت ذلك بنفسك. ٤٤- نقض الصحيفة ثم إنه قام فى نقض تلك الصحيفة، التى تكاتبت فيها قريش على بنى هاشم وبنى المطلب، نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام ابن عمرو بن ربيعة بن الحارث، وذلك أنه كان ابن أخى نضلة بن هاشم ابن عبد مناف لأمه، فكان هشام لبنى هاشم واصلا، وكان ذا شرف فى قومه، فكان يأتى بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب فى الشعب ليلا، قد أوقره طعاما، حتى إذا أقبل به فم الشعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه، فيدخل الشعب عليهم، ثم يأتى به قد أوقره بزّا فيفعل به مثل ذلك.

стр. 75

ثم إنّه مشى إلى زهير بن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت أمة عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب، وأخوالك حيث قد علمت، لا يباعون ولا يبتاع منهم، أما إنى أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبى الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدا. قال: ويحك يا هشام! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله أن لو كان معى رجل آخر لقمت فى نقضها حق أنقضها. قال: قد وجدت رجلا. قال: فمن هو؟ قال: أنا. قال له زهير: ابغنا رجلا ثالثا. فذهب إلى المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه؟ أما والله لئن أمكنتموهم من هذه، لتجدنهم إليها منكم سراعا. قال: ويحك! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: ابغنا ثالثا. قال: قد فعلت. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبى أمية. قال: ابغنا رابعا. فذهب إلى أبى البخترى بن هشام، فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدى، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير ابن أبى أمية، والمطعم بن عدى. وأنا معك. قال: ابغنا خامسا. فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذى تدعونى إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمى له القوم. فاتعدوا خطم الحجون ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، فأجمعوا أمرهم

стр. 76

وتعاقدوا على القيام فى الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم، فأكون أول من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبى أمية عليه حلة فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يباع ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل، وكان فى ناحية المسجد: كذبت والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حيث كتبت. قال أبو البخترى: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقر به. قال المطعم بن عدى: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. فقال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل، تشوور فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس فى ناحية المسجد، فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا «باسمك اللهم» . ٤٥- إسلام الطفيل بن عمرو وكان رسول الله ﷺ ، على ما يرى من قومه، ببذل لهم النصيحة ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش، حين منعه الله منهم، يحذرون الناس ومن قدم عليهم من العرب. وكان الطفيل بن عمرو الدوسى يحدث أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل

стр. 77

الذى بين أظهرنا قد أعضل «١» بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئا. قال: فو الله ما زالوا بى حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، حتى حشوت فى أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا «٢» فرقا من أن يبلغنى شىء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه. قال: فعدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلى عند الكعبة. قال: فقمت منه قريبا، فأبى الله إلا أن يسمعنى بعض قوله: فسمعت كلاما حسنا. فقلت فى نفسى: واثكل أمى! والله إنى لرجل لبيب شاعر ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذى يأتى به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته. فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لى كذا وكذا، للذى قالوا، فو الله ما برحوا يخوفوننى أمرك حتى سددت أذنى بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنى قولك، فسمعته قولا حسنا، فأعرض علىّ أمرك. قال: فعرض علىّ رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا علىّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه. قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبى الله، إنى

стр. 78

امرؤ مطاع فى قومى، وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام. ولقد أسلم بإسلام الطفيل أبوه وزوجته ونفر من قومه. ٤٦- الإسراء والمعراج ثم أسرى برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس من إيلياء، وقد فشا الإسلام بمكة فى قريش، وفى القبائل كلها. وأتى رسول الله ﷺ بالبراق- وهى الدابة التى كانت تحمل عليها الأنبياء قبله- فحمل عليها، ثم خرج به صاحبه، يرى الآيات فيما بين السماء والأرض، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم الخليل وموسى وعيسى فى نفر من الأنبياء قد جمعوا له، فصلى معهم، ثم أتى بثلاثة آنية: إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء. فقال رسول الله ﷺ : فسمعت قائلا يقول حين عرضت على: إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته، وإن أخذ الخمر غوى وغوت أمته، وإن أخذ اللبن هدى وهديت أمته قال: فأخذت إناء اللبن، فشربت منه، قال لى جبريل ﵇: هديت وهديت أمتك يا محمد. ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى مكة، فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس هذا والله الأمر «١» البين! والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد فى ليلة واحدة ويرجع إلى مكة؟ فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب

стр. 79

الناس إلى أبى بكر، فقالوا له: هل لك يا أبا بكر فى صاحبك؟ يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. فقال لهم أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك، فو الله إنه ليخبرنى أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض فى ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبى الله، أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم. قال: يا نبى الله، فصفه لى، فإنى قد جئته، فقال رسول الله ﷺ : فرفع لى حتى نظرت إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصفه لأبى بكر، ويقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول الله، كلما وصف له منه شيئا، قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله، حتى إذا انتهى، قال رسول الله ﷺ لأبى بكر: وأنت يا أبا بكر الصديق فيومئذ سماه الصديق. ٤٧- خروج الرسول إلى الطائف ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تنال منه فى حياة عمه أبى طالب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف، يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه. ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله ، فخرج إليهم وحده. ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف، وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد باليل بن عمرو

стр. 80

ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير، فجلس إليهم رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه. فقال له أحدهم: هو ينزع ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لا أنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغى لى أن أكلمك. فقام رسول الله ﷺ من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عنى. وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه عنه فيثيرهم ذلك عليه. فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، وألجئوه إلى بستان لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل شجرة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقى من سفهاء أهل الطائف. فلما اطمأن رسول الله ﷺ قال: اللهم إليك أشكو ضعف قوّتى، وقلّة حيلتى، وهوانى على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى؟ إن لم يكن بك علىّ غضب فلا أبالى، ولكن عافيتك هى أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بى غضبك، أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك. فلما رآه ابنا ربيعة: عتبة وشيبة، وما لقى، تحركت له رحمهما «١» ، فدعوا

стр. 81

غلاما لهما نصرانيّا، يقال، له: عدّاس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، فضعه فى هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله ﷺ ، ثم قال له: كل. فلما وضع رسول الله ﷺ فيه يده قال: باسم الله، ثم أكل، فنظر عداس فى وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ : ومن أهل أى البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ قال: نصرانى، وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول الله ﷺ : من قرية الرجل الصالح يونس بن متى. فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله ﷺ : ذاك أخى، كان نبيّا وأنا نبى. فأكب عدّاس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه. فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك يا عداس! مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قالا: يا سيدى، ما فى الأرض شىء خير من هذا، لقد أخبرنى بأمر ما يعلمه إلا نبى. قال له: ويحك يا عداس! لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه. ٤٨- عرض الرسول نفسه على قبائل مكة ثم قدم رسول الله ﷺ مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافة وفراق دينه، إلا قليلا مستضعفين، ممن آمن به، فكان رسول الله ﷺ يعرض نفسه فى المواسم، إذا كانت، على قبائل العرب يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبى مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين لهم الله ما بعثه به.

стр. 82

ويحدث ابن عباس فيقول: إنى لغلام شاب مع أبى بمنى، ورسول الله ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول: يا بنى فلان، إنى رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بى، وتصدقوا بى وتمنعونى، حتى أبين عن الله ما بعثنى به. قال: وخلفه رجل أحول وضىء، له غديرنان عليه حلة عدنية. فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بنى فلان، إن هذا يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. قال: فقلت لأبى: يا أبت، من هذا الذى يتبعه ويرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب. وأتى رسول الله ﷺ بنى عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. فقال له: أفنهدف «١» نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه. فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم، قد كانت أدركته السن، حتى لا يقدر أن يوافى معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه

стр. 83

بما يكون فى ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان فى موسهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بنى عبد المطلب، يزعم أنه نبى، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا: فقال: فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال: يا بنى عامر، هل لهما من تلاف؟ والذى نفس فلان بيده، ما تقوّلها إسماعيلى «١» قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم؟ فكان رسول الله ﷺ على ذلك من أمره، كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام، ويعرض عليهم نفسه، وما جاء به من الله من الهدى والرحمة، وهو لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب، له اسم وشرف إلا تصدى له، فدعاه إلى الله، وعرض عليه ما عنده. ٤٩- إسلام الانصار وقدم أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بنى عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج. فسمع بهم رسول الله ﷺ ، فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: هل لكم فى خير مما جئتم له؟ فقالوا له: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله بعثنى إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل على الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ، وكان غلاما حدثا: أى قوم، هذا والله خير مما جئتم له. فأخذ أنس بن رافع حفنة

стр. 84

من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمرى لقد جئنا لغير هذا. فصمت إياس، وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج. فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه ﷺ ، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله ﷺ فى الموسم الذى لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع فى كل موسم، فبينما هو عند العقبة وجد رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا. ولما لقيهم رسول الله ﷺ قال: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمن موالى يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عزوجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكان مما صنع الله بهم فى الإسلام، أن يهود كانوا معهم فى بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شىء قالوا لهم: إن نبيّا مبعوث الآن، قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبى الذى توعدكم به يهود، فلا تسبقكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركه قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقد

стр. 85

عليهم، فتدعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا. فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ . حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة فبايعوا رسول الله ﷺ . فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب ابن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقهم فى الدين، فكان يسمى المقرئ بالمدينة: مصعب، وكان ينزل على أسعد بن زرارة بن عدس أبى أمامة، وهو أول من جمع بمن أسلم بالمدينة، وكانوا أربعين رجلا. ٥٠- مبايعة الأنصار للرسول وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 86

العقبة، من أوسط أيام التشريق، حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته، والنصر لنبيه، وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله. يقول كعب بن مالك: ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، قال: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التى واعدنا رسول الله ﷺ لها، ومعنا أبو جابر عبد الله ابن عمرو بن حرام، سيد من سادتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من سادتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة، فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا. فنمنا تلك الليلة مع قومنا فى رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ ، نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا فى الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا. فاجتمعنا فى الشعب ننتظر رسول الله ﷺ ، حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج- وكانت العرب إنما يسمون هذا الحى

стр. 87

من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها- إن محمدا منا حيث قد علمتم، قد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو فى عز من قومه ومنعة فى بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه فى عز ومنعة من قومه وبلده. فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتكلم رسول الله ﷺ ، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب فى الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعونى مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، والذى بعثك بالحق نبيّا، لتمنعك مما نمنع منه أزرنا «١» ، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة «٢» ، ورثناها كابرا عن كابر. فاعترض القول- والبراء يكلم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها- يعنى اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ﷺ ، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم «٣» ، أنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالتم. وقال رسول الله ﷺ : أخرجوا إلى منكم اثنى عشر نقيبا،

стр. 88

ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثنى عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. ثم إن رسول الله ﷺ قال للنقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومى- يعنى المسلمين- قالوا: نعم. وكان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثم بايع بعده القوم. ثم قال رسول الله ﷺ : ارفضوا إلى رحالكم. فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والله الذى بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا؟ فقال رسول الله ﷺ : لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم ، فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا. فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش، حتى جاءونا فى منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخر جونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حى من العرب أبغض إلينا، أن تنشب الحرب بيننا وبينهم، منكم. فانبعث من هناك من مشركى قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شىء، وما علمناه. ونفر الناس من «منى» ، فبحث القوم الخبر، فوجدوه قد كان، وخرجوا فى طلب القوم، فأدركوا سعد بن عباد بأذاخر «١» ، والمنذر بن عمرو، أخا

стр. 89

بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج وكلاهما، كان نقيبا. فأما المنذر فأعجز القوم وأما سعد فأخذوه، فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه، ويجذبونه بجمته، وكان ذا شعر كثير. ٥١- الهجرة إلى المدينة وكان رسول الله ﷺ قبل بيعة العقبة لم يؤذن له فى الحرب، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل. وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم، فهم من بين مفتون فى دينه ومن بين معذب فى أيديهم، ومن بين هارب فى البلاد فرارا منهم، منهم من بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة، وفى كل وجه. فلما عتت قريش على الله عزوجل، وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه ﷺ ، وعذبوا ونفوا من عبده، ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه، أذن الله عزوجل لرسوله ﷺ فى القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليه. فلما أذن الله تعالى له ﷺ فى الحرب، وبايعه هذا الحى من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه، وأوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله ﷺ أصحابه من المهاجرين من قومه، ومن معه بمكة من المسلمين، بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: إن الله عزوجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها. فخرجوا أرسالا، وأقام رسول الله ﷺ بمكة ينتظر أن يأذن له ربه فى الخروج من مكة، والهجرة إلى المدينة.

стр. 90

فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين من قريش، من بنى مخزوم: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة، وكان قدم على رسول الله ﷺ مكة من أرض الحبشة، فلما آذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار، خرج إلى المدينة مهاجرا. وتقول أم سلمة: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لى بعيره، ثم حملنى عليه، وحمل معى ابنى سلمة فى حجرى، ثم خرج بى يقود بعيره، فلما رأته رجال بنى المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علام نتركك تسير بها فى البلاد! فنزعوا خطام البعير من يده فأخذونى منه. وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رهط أبى سلمة، فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابنى سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسنى بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجى أبو سلمة إلى المدينة ففرق بينى وبين زوجى وبين ابنى، فكنت أخرج كل غداة أجلس بالأبطح فما أزال أبكى حتى أمسى، سنة أو قريبا منها، حتى مربى رجل من بنى عمى، أحد بنى المغيرة، فرأى ما بى فرحمنى، فقال لبنى المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة! فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها! فقالوا لى: الحقى بزوجك إن شئت. ورد بنو عبد الأسد إلى عند ذلك ابنى، فارتحلت بعيرى، ثم أخذت ابنى فوضعته فى حجرى، ثم خرجت أريد زوجى بالمدينة، وما معى أحد من خلق الله، فقلت أتبلغ بمن لقيت

стр. 91

حتى أقدم على زوجى، حتى إذا كنت بالتنعيم «١» لقيت عثمان بن طلحة بن أبى طلحة، فقال لى: إلى أين يا بنت أبى أمية؟ فقلت: أريد زوجى بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ فقلت، لا والله، إلا الله وبنى هذا. قال: والله مالك من مترك، فأخذ بخطام البعير، فانطلق معى يهوى بى، فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط، أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بى، ثم استأخر عنى، حتى إذا نزلت استأخر ببعيرى، فحط عنه، ثم قيده فى الشجرة، ثم تنحى عنى إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيرى فقدمه فرحله، ثم استأخر عنى، وقال: اركبى، فإذا ركبت واستويت على بعيرى أتى فأخذ بخطامه، فقاده، حتى ينزل بى. فلم يزل يصنع ذلك بى حتى أقدمنى المدينة، فلما نظر إلى قرية بنى عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك فى هذه القرية- وكان أبو سلمة بها نازلا- فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة. فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت فى الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبى سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة. ثم خرج عمر بن الخطاب، وعياش بن أبى ربيعة المخزومى، حتى قدما المدينة. قال عمر بن الخطاب: اتعدت، لما أردنا الهجرة إلى المدينة، أنا وعياش ابن أبى ربيعة، وهشام بن العاصى بن وائل السهمى، التناضب «٢» ، وقلنا

стр. 92

أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه، فأصبحت أنا وعياش ابن أبى ربيعة عند التناضب، وحبس عنا هشام، وفتن فافتتن. فلما قدمنا المدينة نزلنا فى بنى عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل ابن هشام، والحارث بن هشام، إلى عياش بن أبى ربيعة، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما، حتى قدما علينا المدينة، ورسول الله ﷺ بمكة، وقالا: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرق لها. فقلت له: يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو الله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر لاستظلت. فقال: أبر قسم أمى، ولى هنالك مال آخذه. فقلت: والله إنك لتعلم أنى لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالى ولا تذهب معهما. فأبى علىّ إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك، قلت له: أما إذا فعلت ما فعلت، فخذ ناقتى هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب، فانج عليها. فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال له أبو جهل: يابن أخى، والله لقد استغلظت بعيرى هذا، أفلا تعقبنى على ناقتك هذه؟ قال: بلى. فأناخ، وأناخا ليتحول عليها، فلما استوى بالأرض عدوا عليه، فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن. ثم إنهما حين دخلا به مكة دخلا به نهارا موثقا، ثم قالا: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا.

стр. 93

٥٢- هجرة الرسول إلى المدينة وأقام رسول الله ﷺ بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له فى الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن، إلا على بن أبى طالب، وأبو بكر بن أبى قحافة الصديق رضى الله عنهما، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة، فيقول له رسول الله ﷺ : لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا ، فيطمع أبو بكر أن يكونه. ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا، وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له فى دار الندوة- وهى دار قصى بن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها- يتشاورون فيها ما يصنعون فى أمر رسول الله ﷺ . حين خافوه. فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا. فتشاوروا ثم قال قائل منهم: احبسوه فى الحديد، وأغلقوا عليه باباثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيرا، والنابغة، ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم. ثم قال

стр. 94

قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا، فننقيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا فو الله ما نبالى أين ذهب، ولا حيث وقع. إذا غاب عنا فرغنا منه، فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لى فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابّا جليدا نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه فى القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل «١» ، فعقلناه لهم. وتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه. فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بايه يرصدونه متى ينام، فيثبون عليه. فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلى بن أبى طالب: نم على فراشى وتسج ببردى هذا الحضرمى الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شىء تكرهه منهم. وكان رسول الله ﷺ ينام فى برده ذلك إذا نام. وخرج عليهم رسول الله ﷺ ، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمدا. قال: خيبكم الله! قد والله خرج عليكم محمد، ثم جعلوا

стр. 95

يتطلعون فيرون عليّا على الفراش متسجيا يبرد رسول الله ﷺ ، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام على رضى الله عنه عن الفراش، فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذى حدثنا. وكان أبو بكر رضى الله عنه رجلا ذا مال، فكان حين استأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة، فقال له رسول الله ﷺ : لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبا ، قد طمع بأن يكون رسول الله ﷺ إنما يعنى نفسه، حين قال له ذلك، فابتاع راحلتين، فاحتبسهما فى داره، يعلفهما إعدادا لذلك. تقول عائشة: كان رسول الله ﷺ لا يخطئ أن يأتى بيت أبى أحد طرفى النهار إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذى أذن فيه لرسول الله ﷺ فى الهجرة، والخروج من مكة بين ظهرى قومه، أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فى ساعة كان لا يأتى فيها. فلما رآه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله ﷺ إلا لأمر حدث. فلما دخل ﷺ تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ ، وليس عند أبى بكر إلا أنا وأختى أسماء بنت أبى بكر، فقال، رسول الله ﷺ : أخرج عنى من عندك،

стр. 96

فقال: يا رسول الله إنما هنا ابنتاى، وما ذاك؟ فداك أبى وأمى. فقال: إن الله قد أذن لى فى الخروج والهجرة. فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله. قال: الصحبة. ثم قال: يا نبى الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا. فاستأجرا عبد الله بن أريقط، رجلا من بنى الدئل بن بكر، وكانت أمه امرأة من بنى سهم بن عمرو- وكان مشركا- يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. ولم يعلم بخروج رسول الله ﷺ أحد حين خرج، إلا على بن أبى طالب. وأبو بكر الصديق، وآل أبى بكر، أما على، فإن رسول الله ﷺ أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدى عن رسول الله ﷺ الودائع التى كانت عنده للناس وكان رسول الله ﷺ ليس بمكة أحد عنده شىء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته، ﷺ . فلما أجمع رسول الله ﷺ الخروج، أتى أبا بكر بن أبى قحافة، فخرجا من خوخة لأبى بكر فى ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور- جبل بأسفل مكة- فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبى بكر أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون فى ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما، يأتيهما إذا أمسى فى الغار. وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما. وانتهى رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى الغار ليلا، فدخل (م ٧- الموسوعة القرآنية- ج ١)

стр. 97

أبو بكر رضى الله عنه قبل رسول الله ﷺ ، فلمس الغار، لينظر أفيه سبع أو حية، يقى رسول الله ﷺ بنفسه. فأقام رسول الله ﷺ فى الغار ثلاثا ومعه أبو بكر، وجعلت قريش فيه، حين فقدوه، مائة ناقة، لمن يرده عليهم. وكان عبد الله بن أبى بكر يكون فى قريش نهاره معهم، يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون فى شأن رسول الله ﷺ وأبى بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر. وكان عامر بن فهيرة، مولى أبى بكر رضى الله عنه، يرعى فى رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبى بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا عبد الله بن أبى بكر غدا من عندهما إلى مكة، اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفى عليه. حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذى استأجراه ببعيريهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها بسفرتها، ونسيت أن تجعل لها عصاما «١» ، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما، ثم علقتها به. فكان يقال لأسماء بنت أبى بكر: ذات النطاق، لذلك. فلما قرب أبو بكر، رضى الله عنه، الراحلتين إلى رسول الله ﷺ ، قدم له أفضلهما، ثم قال: اركب، فداك أبى وأمى. فقال رسول الله ﷺ : إنى لا أركب بعيرا ليس لى. قال: فهى لك يا رسول الله بأبى أنت وأمى. قال: لا، ولكن ما الثمن الذى ابتعتها به؟ قال: كذا

стр. 98

وكذا. قال: قد أخنتها به. قال: هى لك يا رسول الله فركبها وانطلقا، وأردف أبو بكر الصديق رضى الله عنه عامر بن فهيرة مولاه خلفه، ليخدمهما فى الطريق. وتقول أسماء: لما خرج رسول الله ﷺ ، وأبو بكر رضى الله عنه، أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبى بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبى بكر؟ قلت: لا أدرى والله أين أبى؟ فرفع أبو جهل يده- وكان فاحشا خبيثا- فلطم خدى لطمة طرح منها قرطى ثم انصرف، فمكثنا ثلاث ليال وما ندرى أين وجه رسول الله ﷺ ، وكانوا أربعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، الصديق رضى الله عنه، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر، وعبد الله بن أريقط دليلهما. وتقول أسماء: ولما خرج رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر ماله كله، ومعه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف، فانطلق بها معه. قالت: فدخل علينا جدى أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إنى لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قلت: كلا يا أبت! إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. قالت: فأخذت أحجارا فوضعتها فى كوة فى البيت الذى كان أبى يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال، فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفى هذا بلاغ لكم، ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكنى أردت أن أسكن الشيخ بذلك.

стр. 99

ويقول سراقة بن مالك: لما خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرا إلى المدينة، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن يرده عليهم. قال: فبينا أنا جالس فى نادى قومى إذ أقبل رجل منّا، حتى وقف علينا، فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا علىّ آنفا، إنى لأراهم محمدا وأصحابه فأومأت إليه بعينى: أن اسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان، يتبعون ضالة لهم. قال: لعله، ثم سكت، ثم مكثت قليلا، ثم قمت فدخلت بيتى، ثم أمرت بفرسى، فقيد لى إلى بطن الوادى، وأمرت بسلاحى، فأخرج لى من دبر حجرتى، ثم أخذت قداحى التى أستقسم بها، ثم انطلقت، فلبست لأمتى «١» ، ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره «لا يضره» ، وكنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المائة الناقة، فركبت على أثره، فبينما فرسى يشتد بى عثر بى فسقطت عنه، فقلت: ما هذا؟ ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره «لا يضره» ، فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت فى أثره، فبينما فرسى يشتد بى عثر بى فسقطت عنه، فقلت: ما هذا؟ ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره «لا يضره» فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت فى أثره، فبينما فرسى يشتد بى عثر بى فسقطت عنه فقلت: ما هذا؟ ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره «لا يضره» ، فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت فى أثره. فلما بدا لى القوم ورأيتهم، عثر بى فرسى، فذهبت يداه فى الأرض، وسقطت عنه، فعرفت حين رأيت ذلك، أنه قد منع منى، فناديت القوم فقلت: أنا سراقة بن جعشم، انظرونى أكلمكم، فو الله لا أريبكم ولا يأتيكم منى شىء تكرهونه فقال رسول

стр. 100

الله ﷺ لأبى بكر: قل له: وما تبتغى منا؟ فقال ذلك أبو بكر. قلت: تكتب لى كتابا يكون آية بينى وبينك. قال: اكتب له يا أبا بكر. ثم ألقاه إلىّ، فأخذته، فجعلته فى كنانتى، ثم رجعت، فسكت فلم أذكر شيئا مما كان، حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله ﷺ ، وفرغ من حنين والطائف، خرجت ومعى الكتاب لألقاه، فرفعت يدى بالكتاب، ثم قلت: يا رسول الله، هذا كتابك لى، أنا سراقة بن جعشم، فقال رسول الله ﷺ : يوم وفاء وبر، ادنه، فدنوت منه فأسلمت. ويقول رجال من أصحاب رسول الله ﷺ : لما سمعنا بمخرج رسول الله ﷺ من مكة، كنا نخرج إذا صلينا الصبح، إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله ﷺ ، فو الله لا نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك فى أيام حارة، حتى إذا كان اليوم الذى قدم فيه رسول الله ﷺ ، جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله ﷺ حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من اليهود، فصرخ بأعلى صوته: يا بنى قيلة «١» ، هذا جدكم قد جاء. فخرجنا إلى رسول الله ﷺ ، وهو فى ظل نخلة، ومعه أبو بكر رضى الله عنه فى مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله ﷺ قبل ذلك، وركبه الناس- وما يعرفونه من أبى بكر- حتى زال الظل عن رسول الله ﷺ ، فقام أبو بكر وأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك. فنزل رسول الله ﷺ على كلثوم بن هدم، أخى بنى عمرو ابن عوف.

стр. 101

ونزل أبو بكر الصديق رضى الله عنه على خبيب بن أساف. وأقام على بن أبى طالب ﵇ بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التى كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله ﷺ ، فنزل معه على كلثوم ابن هدم. فأقام رسول الله ﷺ بقباء، فى بنى عمرو بن عوف، يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجده. ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة، فأدركت رسول الله ﷺ الجمعة فى بنى سالم بن عوف، فصلاها فى المسجد الذى فى بطن الوادى، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. ٥٤- مسجد الرسول بالمدينة وبيته فأتاه رجال من بنى سالم بن عوف فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا فى العدد والعدة والمنعة. قال: خلوا سبيلها، فإنها مأمورة، لناقته، فخلوا سبيلها، فانطلقت، حتى إذا وازنت دار بنى بياضة، تلقاه رجال من بنى بياضة، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا، إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت، حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة اعترضه رجال من بنى ساعدة فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت، حتى إذا وازنت دار بنى الحارث بن الخزرج، قالوا: يا رسول الله، هلم إلينا إلى العدد والعدة

стр. 102

والمنعة. قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت، حتى إذا مرت بدار بنى عدى بن النجار- وهم أخواله دنيا- اعترضه رجال من بنى عدى بن النجار، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلى أخوالك، إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خلوا سبيلها، فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت، حتى إذا أنت دار بنى مالك بن النجار، بركت على باب مسجده ﷺ ، وهو يومئذ مريد لغلامين يتيمين من بنى النجار، فلما بركت، ورسول الله ﷺ عليها لم ينزل، وثبت فسارت غير بعيد، ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت إلى خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه، فنزل عنها رسول الله ﷺ ، فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه فى بيته: ونزل عليه رسول الله ﷺ ، وسأل عن المريد لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابنى عمرو، وهما يتيمان لى، وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدا. فأمر به رسول الله ﷺ أن يينى مسجدا، ونزل رسول الله ﷺ على أبى أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه، فعمل فيه رسول الله ﷺ ليرغب المسلمين فى العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار، ودأبوا فيه. فأقام رسول الله ﷺ فى بيت أبى أيوب حتى بنى له مسجده ومساكنه. وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله ﷺ ، فلم يبق بمكة منهم أحد إلا مفتون أو محبوس، ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله ﵎، وإلى رسول الله ﷺ ، إلا أهل دور

стр. 103

مسمون: بنو مظعون من بنى جمح، وبنو جحش من رئاب، حلفاء بنى أمية، وبنو البكير، من بنى سعد بن ليث، حلفاء بنى عدى بن كعب، فإن دورهم غلقت بمكة هجرة، ليس فيها ساكن. ولما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم، عدا عليها أبو سفيان بن حرب، فباعها من عمرو بن علقمة، فلما بلغ بنى جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم، ذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا خيرا منها فى الجنة؟ قال: بلى. قال: فذلك لك. فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة كلمه أبو أحمد بن جحش فى دارهم، فأبطأ عليه رسول الله ﷺ ، فقال الناس لأبى أحمد: يا أبا أحمد، إن رسول الله ﷺ يكره أن ترجعوا فى شىء من أموالكم أصيب منكم فى الله ، فأمسك عن كلام رسول الله ﷺ . ٥٥- المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وأخى رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال: تآخوا فى الله أخوين أخوين، ثم أخذ بيد على بن أبى طالب، فقال: هذا آخى. فلما اطمأن رسول الله ﷺ بالمدينة، واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين، واجتمع أمر الأنصار، استحكم أمر الإسلام، فقامت الصلاة، وفرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود، وفرض الحلال والحرام، وتبوّأ

стр. 104

الإسلام بين أظهرهم، وكان هذا الحى من الأنصار هم الذين تبوءوا الدار والإيمان. ٥٦- حديث الآذان وقد كان رسول الله ﷺ حين قدم المدينة إنما يحتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها، بغير دعوة، فهم رسول الله ﷺ حين قدمها أن يجعل بوقا كبوق اليهود الذين يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه. فبينما هم على ذلك، إذ رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، أخو بلحارث بن الخزرج، النداء، فأتى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله، إنه طاف بى هذه الليلة طائف، مربى رجل عليه ثوبان أخضران، يحمل ناقوسا فى يده، فقلت له: يا عبد الله، أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حىّ على الصلاة، حىّ على الصلاة، حىّ على الفلاح، حىّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أخبر بها رسول الله ﷺ ، قال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه، فليؤذن بها، فإنه أندى صوتا منك. فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب، وهو فى بيته، فخرج إلى رسول الله ﷺ ، يجر رداءه، وهو يقول: يا نبى الله، والذى بعثك

стр. 105

بالحق، لقد رأيت مثل الذى رأى، فقال رسول الله ﷺ : فلله الحمد على ذلك. ٥٧- الرسول ويهود المدينة ونصبت عند ذلك أحبار يهود لرسول الله ﷺ العداوة، بغيا وحسدا وضغنا، لما خص الله تعالى به العرب من أخذه رسوله منهم، وانضاف إليهم رجال من الأوس والخزرج، ممن كان بقى على جاهليته، فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومهم عليه، فظهروا بالإسلام واتخذوه جنة من القتل، ونافقو فى السر، وكان هواهم مع يهود، لتكذيبهم النبى ﷺ ، وجحودهم الإسلام، وكانت أحبار يهودهم هم الذين يسألون رسول الله ﷺ ويتعنتونه، ويأتونه باللبس، ليلبسوا الحق بالباطل، فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسألون عنه، إلا قليلا من المسائل فى الحلال والحرام، كان المسلمون يسألون عنها. وكان من حديث عبد الله بن سلام حين أسلم، وكان حبرا عالما، قال: لما سمعت برسول الله ﷺ عرفت صفته واسمه وزمانه الذى كنا نتوقع له، فكنت مسرّا لذلك، صامتا عليه، حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة. فلما نزل بقباء، فى بنى عمرو بن عوف، أقبل رجل حتى أخبر بقدومه، أنو فى رأس نخلة لى أعمل فيها، وعمتى خالدة بنت الحارث تحتى جالسة، فلما

стр. 106

سمعت الخبر بقدوم رسول الله ﷺ كبرت، فقالت لى عمتى، حين سمعت تكبيرى: خيبك الله! والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما زدت! فقلت لها: أى عمة، هو والله أخ موسى بن عمران، وعلى دينه، بعث بما بعث به. فقالت: أى ابن أخى، أهو النبى الذى كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟ فقلت لها: نعم. فقالت: فذاك إذن. قال: ثم خرجت إلى رسول الله ﷺ ، فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتى، فأمرتهم فأسلموا. وكان من حديث مخيريق، وكان حبرا عالما، وكان رجلا غنيّا كثير الأموال من النخل، وكان يعرف رسول الله ﷺ بصفته، وما يجد فى علمه، وغلب عليه إلف دينه، فلم يزل على ذلك، حتى إذا كان يوم أحد، وكان يوم أحد يوم السبت، قال: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم. ثم أخذ سلاحه، فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ بأحد، وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت هذا اليوم، فأموالى لمحمد ﷺ يصنع فيها ما أراه الله. فلما اقتتل الناس، قاتل حتى قتل، فكان رسول الله ﷺ يقول: مخيربق خير يهود. وقبض رسول الله ﷺ أمواله ، فعامة صدقات رسول الله ﷺ بالمدينة منها. وكان حيى بن أخطب، وأخوه أبو ياسر بن أخطب، من أشد يهود

стр. 107

للعرب حسدا، إذ خصهم الله تعالى برسوله ﷺ ، وكانا جاهدين فى رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله تعالى فيهما: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وكان ممن انضاف إلى يهود: جلاس بن سويد بن الصامت، وأخوه الحارث بن سويد. وجلاس الذى قال- وكان ممن تخلف عن رسول الله ﷺ فى غزوة تبوك-: ائن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمر. فرفع ذلك من قوله إلى رسول الله ﷺ عمير بن سعد، وكان فى حجر جلاس، خلف جلاس على أمه بعد أبيه، فقال له عمير بن سعد: والله يا جلاس، إنك لأحب الناس إلىّ، وأحسنهم عندى يدا، وأعزهم على أن يصيبه شىء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لأفضحنك، ولئن صمت عليها ليهلكن دينى، ولإحداهما أيسر على من الأخرى. ثم مشى إلى رسول الله ﷺ ، فذكر له ما قاله جلاس، فحلف جلاس بالله لرسول الله ﷺ : لقد كذب على عمير، وما قلت ما قال عمير بن سعد. فأنزل الله فيه: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ. فزعموا أنه تاب فحسنت توبته، حتى عرف منه الخير والإسلام. وأخوه الحارث بن سويد، الذى قتل المجذر بن ذياد البلوى، وقيس بن زيد، أحد

стр. 108

بنى صيعة، يوم أحد، خرج مع المسلمين، وكان منافقا، فلما التقى الناس عدا عليهما فقتلهما ثم لحق بقريش. ونبتل بن الحارث، وهو الذى قال له رسول الله ﷺ من أحب أن ينظر إلى الشيطان، فلينظر إلى نبتل بن الحارث. وكان رجلا جسيما أسود ثائر شعر الرأس، أحمر العينين، أسفع الخدين، وكان يأتى رسول الله ﷺ ، يتحدث إليه، فيسمع منه، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذى قال: إنما محمد أذن من حدثه شيئا صدقه. فأنزل الله فيه. وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. ومربع بن قيظى، وهو الذى قال لرسول الله ﷺ ، حين أجاز فى بستانه ورسول الله ﷺ عامد إلى أحد: لا أحل لك يا محمد، إن كنت نبيّا، أن تمر فى بستانى، وأخذ فى يده حفنة من تراب، ثم قال: والله لو أعلم أنى لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله ﷺ دعوه. فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصيرة. فضربه سعد بن زيد، أخو بنى عبد الأشهل، بالقوس فشجه. وعبد الله بن أبىّ بن سلول، وكان رأس المنافقين وإليه يجتمعون،

стр. 109

وهو الذى قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فى غزوة بنى المصطلق، وفى قوله ذلك، نزلت سورة «المنافقون» بأسرها. وكان ممن تعوذ بالإسلام ودخل فيه مع المسلمين وأظهره، وهو منافق، من أحبار يهود: زيد بن اللصيت، الذى قاتل عمر بن الخطاب رضى الله عنه بسوق بنى قينقاع، وهو الذى قال، حين ضلت ناقة رسول الله ﷺ : يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته! فقال رسول الله ﷺ ، وجاءه الخبر بما قال عدو الله فى رحله، ودل الله ﵎ رسوله ﷺ على ناقته: إن قائلا قال: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء ولا يدرى أين ناقته؟ وإنى والله ما أعلم إلا ما علمنى الله وقد دلنى الله عليها، فهى فى هذا الشعب، قد حبستها شجرة بزمامها. فذهب رجال من المسلمين، فوجدوها حيث قال رسول الله ﷺ ، وكما وصف. ورافع بن حريملة، وهو الذى قال له الرسول الله ﷺ ، حين مات: قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين. وكان هؤلاء المنافقون يحضرون إلى المسجد فيستمعون أحاديث المسلمين ويسخرون ويستهزئون بدينهم، فاجتمع يوما فى المسجد منهم ناس، فرآهم رسول الله ﷺ يتحدثون بينهم خافضى أصواتهم، قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم رسول الله ﷺ فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا.

стр. 110

ففى هؤلاء من أحبار يهود، والمنافقين من الأوس والخزرج، نزل صدر سورة البقرة إلى المائة منها. وكان يهود يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور، أخو بنى سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته. فقال سلام ابن مشكم، أحد بنى النضير: ما جاءنا بشىء نعرفه، وما هو بالذى كنا نذكره لكم، فأنزل الله فى ذلك من قولهم: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. وقال رافع بن حريملة، ووهب بن زيد، لرسول الله ﷺ : يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا، نتبعك ونصدقك. فأنزل الله تعالى فى ذلك من قولهما: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ. ولما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ ، فقال رافع ابن حريملة: ما أنتم على شىء، وكفر بعيسى وبالإنجيل، فقال رجل من
следующие страницы →