ومن أقواله الحكمية المختلف فيها بين الِإباحة والندب:
جوابه بالرد إلى مشيئة السائل: " إن شاء فعل ". " إِن شاءت فعلت ". " إِن شاؤوا فعلوا "
فحكمه الجواز والتوسعة، وقيل: الندب والاستحباب.
ومن أقواله الحكمية المترددة بين الإباحة، والندب، والوجوب:
جوابه بالاستحسان للفعل (١) ، مثل: حسن. هذا حسن. يحسن. هذا أَحسن
فيه أقوال ثلاثة:
١- الِإباحة. ذكره ابن حامد
٢- الندب على الصحيح من المذهب. وعليه جماهير الأصحاب، وقدمه شيخ الإسلام في: " المسودة " وابن مفلح في: " الفروع " والمرداوي في: " الانصاف ".
٣- الوجوب. نص على اختياره ابن حامد في: " تهذيب الأَجوبة ".
أقول: لعله يتحصل قول رابع، وهو الحكم عليه بما يحف به من القرائن، وهذا ليس فيه إحداث قول جديد؛ لأَنه لا يخرج عن الأقوال المذكورة.
ومن أقواله الحكمية المترددة بين التحريم والكراهة (٢) :
" لا ينبغي ". " لا ينبغي ذلك ". فهما للتحريم، وقد يأتيان للكراهة
стр. 247
وقوله. " هذا حرام " ثم قال: " أَكرهه " أَو " لايعجبني " فحرام، وقيل: يكره
وقوله: " ويُشَنَّع " " هذا أشنع عند الناس " وجهان: المنع، وقيل: لا (١) .
وقيل في الجميع وجه ثالث: أنه بحسب ما يحف به من القرائن.
* قوله: " لايعجبني ":
فيه مثل الخلاف في قوله: " يعجبني ":
١- يُفيد: الكراهة
٢- يُفيد: التحريم. وهو اختيار ابن حامد
٣- حَمْلُهُ على ما تفيده القرائن من: كراهة، أو تحريم، أو إِباحة
* قوله: " لايعجبني وقد قال بعض الناس " هو مثل: جوابه بحكاية الخلاف، دون ترجيح (٢)
أَي: فَحُكمه: التوقف
وقد يكون مال في قوله: " وقد قال به بعض الناس ": إلى الرخصه، قرره ابن حامد.
* جوابه بالِإنكار والتعجب مثل: جعل يعجب ويضحك. سبحان الله، متعجباً (٣)
عقد له ابن حامد فصلاً بعنوان. " فصل بيان الِإنكار بالتعجب " واختار ابن حامد: إِفادته التحريم، مثلها في قوله: لا يعجبني
стр. 248
* جوابه بنفي استحسان الفعل (١) ، مثل: لا أَستحسنه. ليس حسناً. ليس هو حسناً.
وفيه أقوال ثلاثة:
١- حَملُهُ على النهي كراهة للتنزيه وقدم حكايته من ذكره.
٢- حَملُهُ على النهي تحريماً.
٣- حَمْلُهُ على كراهة التنزيه ما لم تأتِ قرينة تصرفه إلى التحريم.
الجواب بالكراهة: أَكره، أَكرهه، أَكره كذا، يُكره كذا.
فيه خلاف على ثلاثة أقوال:
القول الأول (٢) : يفيد الِإيجاب: وجوب الفعل لما كَرِه تَرْكَه، ووجوب الترك لما حَرُم فعله.
وبه قال: الحسن بن حامد، وشيخه غلام الخلال، والخلال.
القول الثاني (٣) : يفيد جوابه بالكراهية: الكراهة تنزيها وبه قال طائفة من الأصحاب.
اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والطوفي، وقدمه ابن حمدان في رعايتيه.
стр. 249
القول الثالث (١) : النظر إلى القرائن في كل مسألة أجاب فيها بالكراهة، فتحمل الكراهة على ما تدل عليه من أَحكام التكليف، ومن القرائن: أَن يكون سُئِلَ عن مسألة فأَجاب عنها بالتحريم ثم سئل عنها فأَجاب بالكراهية، فيحمل جوابه بالكراهة على التحريم لا على الخلاف بأَن له في المسألة قولين.
واِن لم يكن له فيها صريح حكم قَبْلُ؛ حُمل الجواب بالكراهية على التنزيه
وهو اختيار أَبي يعلى، وابن حمدان.
* ومن أقواله الحكمية المختلف فيها بين الجواز والكراهة:
قوله: أَجبن عنه، قال ابن حامد: " جملة المذهب أَنه إِذا قال: " أَجبن عنه؛ فإِنه أذن بأَنه مذهبه، وأَنه ضعيف لا يقوى القوة التي يقطع بها، ولا يضعف الضعف الذي يوجب الرد، ثم اختلف فقيل: للجواز وقيل: يكره. وقيل: يفيد التوقف ".
* ومن أقواله الحكمية المختلف فيها بين التحريم والتوقف:
قوله: أَخشى. أَخشى أَن يكون، أَو: أَخشى أن لا يكون. أَخاف أَن يكون. أَو: لا يكون.
فهذه أَلفاظ ظاهرة في المنع. فهي مثل: يجوز أو لا يجوز كما قاله ابن مفلح
وقيل: بالتوقف، وضعفه ابن حامد، ولم يعول الأصحاب على القول بأنه للتوقف.
стр. 250
* ومن أقواله الحُكمية المفيدة بأَن حكم المسألة المسئول عنها ثانياً من جنس حكم المسألة التي أَجاب عنها قَبْلُ، لكن الأَخيرة أَجاب بقوله: أَشَدُّ، أَهْوَن، أَدْوَن، أَيْسَر فيكون حكمها حكم الأولى: وجوباً، أو أستحباباً، أو تحريماً، أو كراهة، لكن الحكم في المسئول عنها أَخيراً أَشد في الوجوب مثلاً، وقيل: الأولى النظر إلى القرائن (١) .
مصطلح الأصحاب في التعبير عن هذا القِسم:
ويُعَبر الأصحاب عن هذا القسم بأَلفاظ منها:
" أَوما إِليه أَحمد " " أَشار إِليه أَحمد ". " دَلَّ كلامه عليه ".
و" ظاهر كلام الإمام كذا " (٢) ، فإِنه إذا لم يعين القائل لفظ كلام الإمام؛ صارت عهدة فهمه عليه.
قال ابن مفلح- رحمه الله تعالى-:
" وقول أَحد صحبه - في تفسير مذهبه، وإخباره عن رأيه، ومفهوم كلامه، وفعله: مذهبُه في الأَصح - كإِجابته في شيء بدليل، والأَشهر، وقول صحابي " انتهى.
- القسم الثالث: معرفة مذهب المجتهد من نص آية، أَو حديث، أو أَثر (٣) :
ولهذا القسم عِدَّة صُور، تندرج كل مجموعة منها تحت نوع من
стр. 251
أَنواعه الثلاثة، وهي:
* النوع الأول: معرفة مذهب المجتهد من جوابه للمستفتي
بنص آية، أو حديث، أو أَثر عن الصحابة- ﵃ فهذا النوع يُستفاد منه ثلاثة أمور:
١- أَن جوابه بآية، أو حديث، أو أَثر، هو بمثابة نص قوله المبين في أَول هذا الطريق، على أَن يراعى فيه ظاهر النص الذي احتج به، فظاهره هو مذهبه، ما لم يلحق النص بتفسير له.
٢- أَن جوابه به يكون إِثباتاً لحجية المروي من السنة والأَثر، وصحته.
٣- وهو إِيذان بأَن ذلك هو معنى النص المذكور في جوابه، وتفسير له.
* النوع الثاني: معرفة مذهب المجتهد من روايته.
ولهذا صُور:
الصورة الأولى: أَخذ مذهب المجتهد من روايته ورأيه من مرويه إذا كان له قول يوافقه، فهو زيادة في تثبيت رأيه
الصورة الثانية: مثلها، إلا أنه ليس له قول في المسألة مطلقاً يضاده، ولا رد للمروي بقادح، أو صارف.
فمرويه هُنا بمثابة قوله، ورأيه.
وذلك لعموم وجوب الأخذ بالدليل.
قال أحمد- رحمه الله تعالى-: " اذا كان الكتاب والسنة فهو الأمر "
стр. 252
وعلى هذا أَلَّف المروزي كتابه: " السنن بشواهد الحديث " فَسَاقَ مروياته من طريق الإمام أَحمد، معتبراً روايته رَأياً له.
وهذه الصورة انتصر لها ابن حامد في: " تهذيب الأَجوبة ". وَرَد عَلَى من خالف من بعض الأصحاب، ومن تابعهم من الشافعية، لكن قوَّى خلافهم المرداوي، وقدمه ابن حمدان، وذكر الخلاف، وأَطلقه ابن مفلح، وابن بدران.
الصورة الثالثة والرابعة: مروية إذا حكم بصحته، أو حكم بصحته ورد ما يخالفه.
عقد لهما ابن حامد باباَ في: تهذيبه " وانتصر للقول بهما مذهباً للإمام أحمد.
والخلاف فيهما نحو ما في الصورة الثانية.
الصورة الخامسة: تنقيح المجتهد عدم صحة الحديث أو ما
يُروى في الباب مطلقا وهذه لها حالتان:
١- نفي صحة المروي ومَا دَلَّ عليه
٢- نفي صحة المروي مع القول بموجبه لأدلة أخرى في المسألة.
النوع الثالث: أَخذ مذهب المجتهد من المروي من غير روايته.
لهذا صورتان:
الصورة الأولى: أن لايكون للمجتهد في المسألة قول، فإذا صَحَّ الحديث فهو مذهبه، ويؤخذ مذهبه منه.
الصورة الثانية: أن يكون للمجتهد في المسألة قول يخالف ذلك
стр. 253
المروي، فهل مذهبه ما قاله ورآه، أَم الذي يوافق ذلك المروي؟ فيه قولان:
الأول: نعم، يكون مذهبه ما دل عليه الدليل وينسب إليه؟ إذا قرر ذلك من له رتبة الاجتهاد.
الثاني: عدم جواز نسبة ذلك إلى مذهب الإمام، والواجب الأَخذ بالدليل، وترك ما خالفه، وهذا هو الحق. والله أعلم.
- القسم الرابع: معرفة مذهب الإمام أَحمد من جوابه بالاختلاف:
لا يختلف الأصحاب أَن جوابه بالاختلاف غير مؤذن للسائل بجواز أَخذه بأَي القولين شاء، وإنما هو إِعلام للسائل بحكاية ما في المسألة من خلاف، وإشعار بتوقفه عن البت والقطع بقول فيها.
وهذا من الإمام في ندرة من أَجوبته، إِذ عَلِم الأصحاب من تتبعها، وجود جواب له على البت، أو قرائن تدل عليه، وأَن هذه الندرة إِنَّما تحصل في حين حتى تستبين له النازلة، ويتضح أَمرها، وربما بقي على توقفه طلباً للسلامة، ولقوة الخلاف فيها، فهو في نظر إلى الدليل، ومقاصد التشريع، كما وَضحه ابن حامد في: " تهذيب الأَجوبة ": (٣٦٨- ٣٦٩، ٥ ٣٩- ٣٩٥) ، وقد رد ابن حامد- أيضا- في: " تهذيب الأَجوبة ": على من انتقد على الإمام أَحمد من الشافعية، جوابه بالاختلاف، وقابلهم الحنابلة بأن هذا أولى من مسلك الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- من قوله: في المسألة قولان متباعدان. وهي في نظر الإنصاف نقائض مذهبية؟ إذ لكُلّ وجهة فيما
стр. 254
ذهب إِليه لا تخرج عن دائرة الخلاف المحمود، وكل يؤخذ من قوله ويرد، إلَّا صاحب الحوض المورود، وَكُلّ يَلْتَمِسُ سُنَتهُ، ويتهدى طريقته ﷺ ، فرحمة الله عليهم أَجمعين،
وقد تتبع الأصحاب أَجوبة الإمام أَحمد بالاختلاف فتحصل من تتبعهم عدة أَنواع هي:
١- جوابه باختلاف الصحابة على الإجمال أو التفصيل، ثم ينص على اختياره لأَحد القولين أو الأقوال، أو يقويه، ويثبته؛ فيكون هذا مذهبه، لايختلف الأصحاب في ذلك (١) .
٢- جوابه باختلاف الصحابة دون قطع منه باختيار، ثم يسأل ثانية فيجيب على القطع والبت؛ فمذهبه ما قطع به (٢) .
٣- جوابه باختلاف الصحابة، وأَن السنة كذا (٣) ؛ فمذهبه ما دلَّت عليه السنة لا غير، وانتصر له ابن حامد، وابن حمدان، وقال المرداوي: وهو الصواب.
وقيل: مذهبه قول الصحابي
وقيل: مذهبه الأَحوط منها.
وقيل: ينظر في قول الصحابي إِن كان تفسيرا للسنة أو تقييداً لمطلقها، أو بياناً لمجملها، فهو قوله وإلا فلا.
стр. 255
٤- جوابه باختلاف الصحابة بحكايته على سبيل الإجمال، أَو التفصيل (١) .
فيه قولان: أحدهما: مذهبه ما كان أقرب إلى الدليل.
الثاني: التوقف
٥- جوابه باختلاف الصحابة والتابعين (٢)
فمذهبه مذهب من كان أَقوى دليلاً، فإِن تكافآ في الدليل، فمذهبه ما قاله الصحابي.
٦- جوابه باختلاف العلماء (٣) .
مثل قوله. فيه خلاف. وقوله: لا أقول فيها شيئا قد اختلفوا، أو ذَكَر القولين- مثلاً- ومن قال بكل منهما
فكل هذا محمول على التوقف، ثم هو على نُدرة وقِلة، كما تقدَّم.
٧- جوابه باختلاف العلماء، ثم يتوقف (٤) .
فلا ينسب له قول، بل هو متوقف في المسألة.
٨- جوابه باختلاف العلماء، ثم يتبعه بالبت والقطع (٥) .
فالمذهب ما كان منه على البت والقطع بلا خلاف، ولا يؤثر عليه ذكره الخِلافَ.
стр. 256
٩- جوابه باختلاف العلماء ثم أَبدى التوقف، ثم سئِلَ ثانية فأجاب على القطع والبت، فمذهبه هو ما أفتى به مُبيَّناً مُفسَّرا على القطع، ولا يلتفت إلى ما كان قبل من الاختلاف والتوقف (١) .
١٠- جوابه على البَتِّ بدليله، ثم أتبعه بذكر وحكاية مذهب المخالف، فمذهبه هو ما أثبته وقطع به، وذكره للخلاف بعد لا يؤثر على ما ذهب إِليه، وإنما هو من باب البيان، وحكاية الواقع، أو له دخل بما رآه، وقطع به، فهو لا يباين جوابه (٢) .
١١- جوابه بأحد القولين، أو الأقوال في المسألة، ناسباً له إلى من قال به، أو مشيراً إليه، كقوله: هذا رخص فيه بعض الناس (٣) . وقوله: قال بجوازه بعضهم. وقوله: قال فلان كذا، وقوله: قد كرهه قوم. فيكون ما حكاه هو مذهبه، وهذا في اختيار جماعة من الأصحاب منهم: ابن حامد، وابن حمدان، وقيل: لا.
والصحيح: أنه مذهبه ما لم يصرف عن ذلك قرينة.
١٢- جوابه باختلاف العلماء، ثم تصريحه بعده بالتخيير وأنه من الاختلاف المباح، فيكون مذهبه على التخيير للسائل (٤) .
١٣- نَصّه على الحكم في الجواب، ثم اتباعه بقوله: " ولو
стр. 257
قال قائل، أو ذهب ذاهب إلى كذا " مخالفا لِمَا نَصَّ عليه.
اختلف: هل يكون ما ذكره بعد نص جوابه: مذْهَبًا له أم لا؟
على قولين:
ذهب الأَكثر إلى إنه ليس مذهباً له. وذكر ابن حمدان في الرعاية احتماله مذهباً له، قال المرداوي:
" وهو متوجه " (١)
١٤- جوابه بقوله: " يَحْتَمِلُ قَوْلَين " (٢)
قال القاضي وغيره: هو كروايتين.
- الطريق الثانى (٣) : الفعل:
طرق معرفة مذهب المجتهد من " فعله " الذي فعله تعبداً على سبيل التأسي والاقتداء بصاحب الشرع ﷺ أو لتعليم السنن؛ لأَن من شرط المجتهدِ: الوَرَعَ، والعالم الفقيه المتأهل الوَرع يَبْعُدُ أَن يفعل ذلك إلا على سبيل المتابعة للهدي النبوي أو تعليمه والِإرشاد إِليه، لاسيما من كان على درجة من الورع والزهد والتوقي، مثل الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- وهذا يخرج أفعال الجبلة وما يصدر من فعل في حال غياب النص عن المجتهد؛ لنسيان أو عدم ثبوت، أو نحو ذلك من العوارض الصارفة عن اعتماد مطلق الفعل مذْهَبًا
стр. 258
للمجتهد وحتى لا ينزل غير المعصوم منزلة المعصوم.
والتأسي في هذا على طرفين: الاعتبار وعليه أَكثر الأصحاب، وعدم الاعتبار وبه قال بعضهم كما بينه ابن حامد في " تهذيب الأَجوبة " ٢٨٥- ٢٨٩. والحق ما قدمته. والله أَعلم.
- الطريق الثالث: السكوت:
معرفة مذهب المجتهد من جهة السكوت على نوعين:
- النوع الأَول (١) : " الإقرار " عما يقع أَمامه بمرأى ومسمع منه.
وهذا عكس الطريق قبله فالأَكثر على عدم اعتباره طريقاً لنسبة الفقه في الواقعة للمجتهد، وذهب بعضهم إلى اعتباره.
والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إِليه الأكثر من عدم اعتباره مطلقاً، لكن ينظر فيما يحف بإِقراره وسكوته من قول أو فعل سابق، أو لاحق، أو أَنه يرى السكوت وعدم إِبداء الرأي في هذه المسألة؛ لعارض اقتضى السكوت، أو لأَنه في مهلة النظر أو لأَن غيره كفاه، أو أَنه لم يتبين له رأي فيها، أو لسبب خفي لم نطلع عليه، أو ما جرى مجرى ذلك، فيكون مذهبه بعاضد، وإلاَّ فلا ينسب إلى ساكت قول.
- النوع الثاني (١) : معرفة مذهب المجتهد، إذا أَفتى بحكم فاعترض عليه، فسكت، فهل مذهبه سكوته أم ما أفتى به؟
стр. 259
وهنا الأَصل أَن مذهبه ما أَفتى به، وهذا هو الطريق الأول في معرفة المجتهد وهو معرفة فقهه من قوله.
وهذا السكوت الذي اعترضه عند المباحثة ينزل منزلته حسبما يحف به، فقد يكون سكت خوفاً من فتنة، أوإفضاء إلى جدل، أو أَن المُبَاحِثَ له غير أَهل، أو دلالة على وهاء معارضته، فيكون مذهبه ما أَفتى به لا سكوته العارض، أو أَن سكوته كان بعد مناقشة قطعت منه الحجة على ما أَفتى به، فيكون مذهبه ما سكت عنه. والله أعلم. وقد يجيب الإمام أَحمد على سؤال، ثم يعارضه بعض أصحابه.
على الجواب بإيراد، ونحوه، فيجيبه الإمام بقوله:
" لا أقنع بهذا " أي لا أَرضى بهذا الإيراد، فمعنى هذا ثبوته عند جوابه، وأَن ما ذكره المعارض لا يؤثر عنده على صحة الجواب وسلامته (١)
- الطريق الرابع: التوقف (٢) :
التوقف: هو السكوت عن حكم في المسألة؟ لتعارض الأدلة أَو لغير ذلك من الأَسباب، سواء كان من الإمام أو الأصحاب.
فحقيقة التوقف في المسألة: هو عدم إِفصاح المجتهد عن رأي له في المسألة؛ لتعارض الأَدلة، وتعادلها عنده في الظاهر لا في نفس
стр. 260
الأَمر والتوقف دليل سعة العلم بالأدلة، ومدارك الأَحكام، والخلاف، ومآخذه.
والمتوقف وإن كان لا رأي له، لكن إذا سئلنا عن مسألة توقف فيها الإمام، قلنا: مذهبه فيها الوقف.
والمجتهد قد يتوقف ابتداء عندما تعرض له النازلة، ثم لا يبت فيها، أو يبت فيها ويقطع بحكم لها بعد استكمال تصورها عنده في واقعها وفقهها، وقد يبت ثم يُبدي التوقف وهكذا.
ومذهبه: آخر الأمرين، من توقف أو بتّ بالحكم.
وقد سلك هذا الطريق الأَئمة الكبار، في عدد مما يعرض لهم من النوازل، والواقعات، والمسائل، والأقضيات؛ حتى صار من المقرر في " أَحكام القضاء " أَن القاضي إذا توقف ولم يتضح له وجه الحكم، دفعها إلى غيره لنظرها والبت فيها.
وقد ذكرت في كتاب: " التعالم " أَمثلة كثيرة استقرائية لدى بعضهم، ولضرب المثال لدى آخرين، منهم: الحافظ ابن أَبي حاتم، والحافظ ابن حجر الشافعي، وغيرهما. كل هذا للتدليل على بالغ الورع مع ما بلغوه من سامي المكانة في العلم.
وفي المذهب هنا حصل بالتتبع أن التوقف فيه على قسمين:
قسم في توقف الإمام، وقسم في توقف الأصحاب، وهذا بيانها:
- القسم الاول: توقف الإمام أحمد في الجواب؛ لتعارض
стр. 261
الأَدلة وتعادلها عنده، وهذا هو المراد عند الِإطلاق، وهو على أَنواع:
- النوع الأول (١) : جوابه باختلاف الأَدلة، أو الصحابة، أو التابعين، أو الناس، مع عدم القطع والبت، فهذا توقف منه في المسألة، ما لم توجد قرينة تدل على البت فهو مذهبه، أو سُئِلَ ثانية فأَفتى، فالذي أَفتى به هو مذهبه.
ولهذا النوع زيادة بيان مضى في أخريات " الطريق الأول ".
- النوع الثاني (١) : جوابه بقوله: دعه، دعها الساعة، لا أَعرف، لا أَدري، ما أَدري، ما سمعت. فجوابه بواحد من هذه الأَلفاظ إيذان بتوقفه في الحال، ما لم توجد قرينة تدل على حكم له بين في المسألة. وقال عبد العزيز غلام الخلال: إن هذا مؤذن بالحكم، وقوله: لا أَدري- مثلاً- إنكار على السائل: كيف يسأل وحكمه بيِّن؟ وقد يحكي الإمام أقوال الصحابة، ثم يقول: لا أَدري. أي يتوقف عن اختيار واحد منها.
- النوع الثالث (٢) : جوابه بلفظ يشعر بالتوقف، ما لم يحف به قرينة تفيد صرفه إلى البت والقطع. ومن أَلفاظ هذا النوع: أَجبن عنه. أَتَفَزَّعُه، أَتَفَزَّع عنه. أَتهيبه. لا أَجترئ عليه. أَتَوقى. أَتوَقاه. أَستوحش منه.
- النوع الرابع: جوابه بلفظ اختلف الأصحاب فيه: هل يفيد
стр. 262
البت أو التوقف وهو: أَخشى. أَخاف أَن يكون. أَخاف أن لا يكون.
- النوع الخامس: حكاية الأصحاب عن مذهب الإمام، أَنه توقف فيه، ولم يذكر الصاحب لفظه فيه.
فالنظر في هذين النوعين موكول لنظر المجتهد في المذهب، وما يتوفر له من الدلائل على قطع الإمام بالحكم في المسألة، والله أعلم.
- القسم الثاني: توقفات الأصحاب في المذهب:
وهي على أَنواع:
- النوع الأول: التوقف عند اختلاف الرواية عن الإمام أَحمد، وتعذر الجمع، إذا جُهل تاريخهما، أو تاريخ أَحدهما، فهنا يتوقف الأصحاب عن البت برواية له على أَنها هي المذهب.
- النوع الثاني: توقف الأصحاب عند اختلاف القولين له في موضع واحد، وليس هناك ما يدل على اختياره لأَحدهما، وله مثل ذلك في ستة عشر موضعا قالوا: يحتمل أَن يكون قد تعين له الحق منهما، ومات قبل بيانه، ويحتمل أَنه لم يتبين له وكان متوقفاً؛ وإنما ذكرها لتعليم الأصحاب طريق الاجتهاد، واستخراج العلل، وبيان فروق الأَحكام كما تبين الأَحكام.
- النوع الثالث: إذا توقف الإمام أَحمد في مسألة تشبه مسألتين، فأكثر، أحكامهما مختلفة، فهل تُلحق مسألة التوقف بالأخف، أو بالأثقل، أو على التخيير؟ ثلاثة أوجه.
стр. 263
- النوع الرابع: توقف الأصحاب في الترجيح والاختيار في المذهب، وهذا معلوم.
стр. 264
الفصل الثاني: في طرق معرفة المذهب " اصطلاحاَ " من تصرفات الأصحاب في التخريج على المذهب ولازمه
стр. 265
الفصل الثاني: في طرق معرفة المذهب، اصطلاحًا من تصرفات الأصحاب في التخريج على المذهب ولازمه
مضى في " الفصل الأول " طُرق معرفة المذهب من جهة قول الإمام، وفعله، وتنبيهه، وسكوته، وتوقفه، وأَن معرفة مذهبه من جهة خطه، وأَجوبته، وأقواله، هي الطريق الأم في معرفة المذهب، وعرفت ما فيها من التقاسيم والأَنواع باعتبارات مختلفة. وأنه " المذهب حقيقة ".
والآن إلى معرفة المذهب اصطلاحاً من جهة لازم قول الإمام، ويُقال " لازم المذهب من قول الإمام: هل يكون قولا ومذهباَ له أَم لا؟ ".
ويُقال: " التخريج في المذهب ".
ولفظ: " التخريج " هُنا أطلق بمعناه العام، وإلا فإن لفظ: " التخريج " يعني أموراً:
стр. 266
١- " تخريج الأصول من الفروع " وهذا من عمل علماء أصول الفقه.
٢- " تخريج الفروع على الأصول ". وهذا من عمل الفقهاء،
وفيه أفردت مؤلفات خاصة، مثل:، "كتاب تخريج الفروع على الأصول " اللزنجاني الشافعي، وغيره.
٣- " تخريج الفروع على الفروع " وهو محل البحث في هذا الفصل، بجميع طرقه، وتقاسيمه، وأنواعه. ويقال: " التخريج في المذهب " أو " القياس فى المذهب ".
٤- " التخريج " وهو واحد من مفردات لازم المذهب، التي يسلكها الأصحاب بطريق القياس على أصول المذهب حقيقة.
٥- " النقل والتخريج " وهو واحد من مفردات لازم المذهب، التي يسلكها الأصحاب بطريق القياس على المذهب حقيقة؛ لنقل حكمين مختلفين في مسألتين متشابهتين من كُلِّ واحدة إلى الأخرى، فيصبح في كل مسألة: حكم رواية، وحكم آخر نقلاً وتخريجاً
والثلاثة الأَخيرة هي محل البحث هنا، وهي الطريق لِمَدِّ كتب المذهب، وكثرتها، وشَحْنِها بالفروع وأحكامها أمَامَ الواقعات، والنوازل، والمستجدات.
ومن أبرز ما في تخريج الفروع على الفروع: " مفهوم كلام
стр. 267
المجتهد: هل يكون مذهباً له كمنطوقه أم لا؟ ".
ويُقال: " توابع المنصوص في المذهب ".
وقد كنت أدرجت هذا الفصل في آخر " الفصل الأول " قبله، لكن بما أَن طُرُقَهُ من عمل الأصحاب، وفقههم في إِطار المذهب، مع شدة الخلاف في عَدّها مذْهَبًا للِإمام في أي مذهب؛ فقد رأيت إفرادها في هذا: " الفصل الثاني ".
وهذه من فقه الأصحاب في إِطار أصول المذهب، وقواعده، والتنظير بمسائله فيما لا نص فيه، ولا رواية عن الإمام حينما تعوزهم الرواية عن الإمام، ويفقدون النص عنه، فإن الفقيه المتمذهب يفزع إلى نصوص إمامه فيجيل نظره في ذلك النص: في منطوقه، ومفهومه، وعامه، وخاصه، ومطلقه، ومقيده، مستظهرا علته، مبيناً مدركه، حتى يتم له بيان الحكم التكليفي فيما لم يتكلم فيه الإمام في إطار مذهب على وجه الترجيج، أو الوجه، أو الاحتمال، أو قياس المذهب، فيحصل للفقيه المتمذهب أمران:
أولهما: بيان حكم الواقعة، أو الفرع المقرر المفترض.
وثانيهما: أَن يكون ذلك الحكم في دائرة المذهب بواحد من المسالك الممنوحة لمجتهد المذهب من الأصحاب:
الوجه. الاحتمال. التخريج. النقل والتخريج. قيانس المذهب. القول.
стр. 268
قال أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون. ت سنة (٨٠٨ هـ) (١) :
" ولما صار مذهب كل إمام عِلما مخصوصاً عند أهل مذهبه، ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد، والقياس، احتاجوا إلى تنظير المسائل في الِإلحاق، وتفريقها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذهب إمامهم، وصار ذلك كله يحتاج إلى ملكه راسخة، يقتدر بها على ذلك النوع من التنظير، أو التفرقة، واتباع مذهب إمامهم فيهما ما استطاعوا، وهذه الملكة هي علم الفقه لهذا العهد " انتهى.
وعليه: فإِن معرفة المذهب اصطلاحًا من عمل الأصحاب تنقسم إلى ثلاثة طرق:
- الطريق الأول: مفهوم كلامه. ويُقال: الاستدلال
- الطريق الثاني: تخريج الفروع على الفروع.
وفيه قسمان:
القسم الأول لازم المذهب بالتخريج عليه. ويقال:
القياس على المذهب بالتخريج عليه. ويقال: " التخريج "
ويشمل أَنواعا ستة هي:
١- قياس المذهب
٢- الوجه
стр. 269
٣- الاحتمال
٤- التخريج.
٥- النقل والتخريج
٦- الاتجاه، ويقال: التوجيه
القسم الثاني: لازم المذهب. ويُقال: أَثر الخلاف في تكييف الأَحكام الفقهية.
- الطريق الثالث: توقفات الأصحاب في المذهب. والمراد من الطرق في هذا الفصل: بعد بيان حقائقها، بيان حكم تخريج رأي في المذهب في مسألة ما بواحد من هذين الطريقين: هل يكون مذهبا لِإمإم المذهب فينسب إليه اصطلاحًا، أَم لا تجوز نسبته إليه وإنما هو من تخاريج المنتسب إِليه؟ فتكون أقوالا في المذهب، ولا تنسب إلى إمام المذهب
وثمرة الخلاف في هذه الطرق. هي أَنه على رواية الجواز.
يكون مَا خَرَّجَهُ الأصحاب: رواية مخرجة كرواية الإمام المنصوصة، وعلى المنع: يكون مَا خَرَّجَهُ الأصحاب: وَجْهاً، أو قولاً، أو احتمالاً، ونحو ذلك من الأَنواع، هو لمن خَرَّجَه (١) ، ولا تجوز نسبته إلى إمام ذلك المذهب، بل لا ينسب إلى المذهب
والآن إلى بيان هذه الطرق:
стр. 270
الطريق الأول (١) : مفهوم كلام إِمام المذهب، وهو المسمى: " الاستدلال ":
معرفة مذهب المجتهد من مفهوم كلامه من جهة دلالة كلامه، ومعناه، فيكون مَا دَلَّ عليه مذهباً له إِن لم يعارضه ما هو أَقوى منه، وهذا هو المذهب وعليه أكثر متقدمي الأصحاب.
ويترجم هذا الطريق بقولهم:
" معرفة مذهب المجتهد بطريق الاستدلال ".
وبنحوه تَرْجَمَ ابن حامد في: " التهذيب " وهو على نوعين:
- الأول: ما له حكم المنطوق.
مثاله: ما في مسائل ابنه عبد الله، أَنه قال: ووقت العصر إذا خرج وقت الظهر، إذا صار ظِلُّ كُل شيء مثله، من هُنا يُستدل على أَن مذهب أَحمد، أن آخر وقت الظهر هو أَول وقت العصر من غير زمن بينهما.
وهذا استدلال صريح له حكم ما نَصَّ عليه بقوله.
- الثاني: ما يكون استنباطاً من جوابه.
مثاله: صلاة العُرَاة، هل يصلون قياماً أَم قعوداً؟
نَصَّ الإمام أحمد في رواية ابن هانئ: يصلون جلوسا وإمامهم
стр. 271
في وسطهم.
وفي رواية المروذي: سئِلَ عن العُراة؟ قال: فيه اختلاف، إلَّا أَن إِمامهم يقوم وسطهم، وعاب على من قال: يقعد الإمام.
فلو لم تكن رواية ابن هانئ المذكورة؛ لاستدل المستدل من قول أَحمد: " إِمامهم يقوم وسطهم ": على صلاتهم قياماً، لكن هذا استدلال ضعيف؛ للنص عنه في رواية أخرى: " يصلون جلوساً ".
- الطريق الثاني: تخريج الفروع على الفروع:
وَيَشْمَلُ استخراج مذهب المجتهد، بواحد من قسمين:
القسم الأول: لازم المذهب بالتخريج عليه:
وفيه ستة أَنواع هي:
١- قياس المذهب
٢- الوجه.
٣- الاحتمال.
٤- التخريج
٥- النقل والتخريج.
٦- الاتجاه.
стр. 272
النوع الأول: تخريج الفروع على الفروع بطريق القياس (١) :
ويُعبر عنه بلفظ: " القياس على المذهب ".
وبلفظ: " التخريج بطريق القياس ".
والقياس في المذهب: هو إِثبات حكم شرعي لمسألة لا نص فيها للإمام على مسألة له فيها نص؛ لاشتراكهما في العلة عند القائس، وحكم نسبته إلى ذلك الإمام، سَوَاء قُطِعَ فيه بنفي الفارق، وهو ما يسمى عندهم باسم: " القياس بنفي الفارق " أَو: " القياس في معنى الأَصل ".
أَو نُصَّ على علته، وهو " قياس العلة ويقال له مع سابقه: " القياس الجلي "
وهما أيضا من تحقيق المناط، لإثبات علة حكم الأصل في الفرع.
أَو عُرِفَتْ عِلَّتُهُ عن طريق الاستنباط، كعلة الربا، ويقال له: " القياس الخفي " وهو من باب تخريج المناط.
стр. 273
وحاصله أن: قياس المذهب هو: تخريج فرع غير منصوص عن الإمام على فرع منصوص عنه؛ لعلة جامعة. وهو بخلاف: " التخريج " فهو قياس فرع غير منصوص عن الإمام على أصل أو قاعدة للِإمام لا على فرع له. ويأتي.
واعلم أَن قول الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى (١) :
" يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأَصلين: المجمل، والقياس ": محمول منه على إِنكار قياس خالف نصًّا، وإلاَّ فمن أصول مذهبه: " حجية القياس " كما تقدم في: " المدخل الخامس: في أصول المذهب "
ومعلوم أَن " القياس " بمعناه الأصولي العام هو (١) : " حمل فرع على أَصل في حكم بجامع بينهما "
وقيل:
" إِثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت "
أَما حقيقة: " القياس في المذهب " أي مذهبِ ما، فهو كذلك، لكن يقتصر حكمه على المنتسب لذلك المذهب، سواء اعتبرنا
стр. 274
المقيس قولاً لإمام المذهب كمنصوصه، أَم اعتبرنا الفرع المقيس وجهاً لمن خرجه في ذلك المذهب.
إِذا تقرر ذلك فاعلم أَن هذا طريق بدأ الأخذ به مبكراً في حياة الإمام، وكان الآخذ به من أَصحابه: " الأثرم ": أَبو بكر أَحمد ابن محمد بن هانئ الطائي الحافظ الفقيه، المتوفَّى سنة (٢٧٣ هـ) ؛ إذ كان صاحبه محمد بن أَبي عتاب طريف البغدادي المشهور بأَبي بكر الأَعين، المتوفَى سنة (٢٤٠ هـ) ، أَخذ بعض المسائل التي كان يدونها الأثرم عن أَبي عبد الله أَحمد بن حنبل، فدفعها إلى ابنه صالح فعرضها على- والده- أَبي عبد الله، وكان فيها مسائل في الحيض، فقال: إِيْ هذا من كلامي، وهذا ليس من كلامي، فقيل للأَثرم، فقال: إنَّما أَقيسه على قوله " (١) .
وكذلك صنع الخرقي في: " المختصر "، فإِنَه قاس على قول الإمام أحمد (٢) .
وقرر هذا ابن حامد، ثم قال: " والمأخوذ به أن نُفَصِّل، فما كان من جواب له في أَصل يحتوي مسائل خُرِّج جوابه على بعضها؛ فإنَّه جائز أن يُنسب إليه
стр. 275
بقية مسائل ذلك الأَصل من حيث القياس " (١) .
قال النووي الشافعي- رحمه الله تعالى - (٢) : " وله - أي مجتهد المذهب - أن يفتي فيما لا نص فيه لِإمامه، بما يخرجه على أصوله، وهذا الصحيح الذي عليه العمل، وإليه مفزع المفتين من مدد طويلة " انتهى.
فالخلاف الحاصل إذا هو خلاف نظري، أَمَّا في نفس الأَمر فقد تتابع على العمل به جماعة من الأصحاب، كالموفق، وغيره، كما قرره ابن مفلح- رحمه الله تعالى (٣) .
ورأيت أَبا القاسم محمد بن الخضر بن تيمية- رحمه الله تعالى - كثير الاستعمال له تصريحا في كتابه: " بلغة الساغب ... " فيبقى الخلاف في دائرة نسبة القول المخرج إلى إِمام المذهب أو إلى من خَرَّجه، وهذا الأَخير هو الذي لا ينبغي تجاوزه والله أعلم.
وفي حُكم هذ الطريق: إِلحاقا ما سكت عنه إِمام المذهب المجتهد بما نص عليه، اختلف العلماء فيه على أقوال ثلاثة (٤) :
١- الصحة والجواز، وهو قول جمهور الأصحاب في المذاهب
стр. 276
الأربعة، وعملهم في مصنفاتهم جارٍ على إثبات المذهب بالقياس مطلقاً وفي: المذهب المالكي: ألف العتبي كتابه: " المستخرجة على
المدونة ".
٢- عكسه: أي عدم الجواز إلأَ أن ينص المخرِّج على عدم الفرق بينه وبين الفرع المنصوص عليه.
٣- يجوز بشرط أن ينص إمام المذهب على علة المسألة التي أَفتى فيها.
وما دام سبق تقرير أَنَّ على من خرَّج فرعاً في مذهبه على منصوص إِمامه أن ينسبه إلى نفسه لا إِلى إِمامه؛ يبقى الخلاف نظرياً واستمرار التخريج منسوباً إلى من خرَّجه. والله أعلم.
مثاله: الترتيب والموالاة في الوضوء، من فرائض الوضوء في إحدى الروايات في المذهب، وعليه جمهور الأصحاب، فهل الترتيب والموالاة من فرائض التيمم؟
ليس فيهما نص عن الإمام، فهل تكونُ فرضيتهما في التيمم قياساً على المذهب في فرضيتهما في الوضوء؟
قيل: نعم، وعليه جمهور الأصحاب، وهو الصحيح من المذهب.
وقال المجد ابن تيمية: قياس المذهب عندي: أن الترتيب لا يجب في التيمم، وإن وجب في الوضوء؛ لأَنَّ بطون الأصابع لا يجب مسحها بعد الوجه في التيمم بالضربة الواحدة، بل يعتد
стр. 277
بمسحها معه.
وقال ابن عقيل: رأيت المتيمم بضربة واحدة قد أسقط ترتيباً مستحقاً في الوضوء، وهو أنه يعتد بمسح باطن يديه قبل مسح وجهه (١) .
وما اختاره المجد، وقرر أنه قياس المذهب، هو اختيار حفيده شيخ الإسلام ابن تيمية، والسنة تشهد له كما في حديث عمار في الصحيحين. والله أعلم
- النوع الثانى: " الوجه ":
الحكم المنقول في مسألة من بعض الأصحاب المجتهدين في المذهب ممن رأى الإمام فمن بعدهم جارياً على قواعد الإمام، وربما كان مخالفاً لقواعده إذا عضده الدليل (٢) .
ويؤخذ غالباً من نص لفظ الإمام، ومسائله المتشابهة وإيمائه، وتعليله (٣) .
والمسألة قد يكون فيها نص برواية عن الإمام، ورواية مخرجة من الأصحاب، وقد لا يكون فيها نص عن الإمام فتجدهم يقولون:
стр. 278
فيها وجه أو وجهان، مريدا بذلك عدم وجود رواية عن الإمام.
- النوع الثالث: " الاحتمال ":
في معنى الوجه، إلَّا أَن الوجه مجزوم بالفتيا به، والاحتمال: تبيين أَن ذلك صالح لكونه وجها (١) .
والاحتمال أَن يكون: إِما لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أَو لدليل مساوٍ له.
ولا يكون التخريج والاحتمال إلَّا إذا فهم المعنى.
- النوع الرابع: " التخريج ":
نقل حكم إِحدى المسألتين المتشابهتين الى الأُخرى ما لم يفرق بينهما، أَو يقرب الزمن، وهو في معنى الاحتمال (٢) .
والتخريج يكون من القواعد الكلية للِإمام، أو الشرع، أو العقل. وحاصله: بناء فرع على أَصل لجامع مشترك، فهو أَعَمُّ من، " النقل والتخريج "، إذ النقل والتخريج بناء فرع له فيه نص على فرع آخر ليخرج للِإمام فيه حكمان: حكم بالنص، وحكم بطريق النقل والتخريج، ويأتي.
стр. 279
وينتظم هذه المصطلحات الثلاثة للأصحاب كلام المرداوي في مقدمة الِإنصاف: (١/ ٦) وهذا نصه:
" وتارة يذكر- أي الموفق في المقنع - حكم المسألة، ثم يقول: " وعنه كذا. أَو قيل، أَو: قال فلان. أَو: ويتخرج. أو: ويحتمل كذا ". والأول هو المقدم عند المصنف وغيره، وقلَّ أَن يوجد ذلك التخريج أو الاحتمال إِلاَّ وهو قول لبعض الأصحاب، بل غالب الاحتمالات للقاضي أَبي يعلى في " المجرد " وغيره. وبعضها لأَبي الخطاب ولغيره، وقد تكون للمصنف، وسنبين ذلك إِن شاء الله تعالى.
فـ " التخريج " في معنى الاحتمال، و " الاحتمال " في معنى " الوجه " إلَّا أَنَّ الوجه مجزوم بالفتيا به، قاله في " المطلع " يعني من حيث الجملة، وهذا على إِطلاقه فيه نظر، على ما يأتي في أَواخر كتاب القضاء، وفي القاعدة آخر الكتاب.
و" الاحتمال ": تبيين أَن ذلك صالح لكونه وجها.
و" التخريج ": نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها، والتسوية بينهما فيه.
و" الاحتمال " يكون: إِما لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أو لدليل مساوٍ له، ولا يكون التخريج أو الاحتمال إلَّا إذا فهم المعنى " انتهى.
стр. 280
النوع الخامس: تخريج الفروع على الفروع بطريق " النقل والتخريج " قياسًا (١) :
وحقيقة هذا النوع: هو أَن يصدر من المجتهد حكم على مسألة، ثم يصدر منه حكم يخالفه على مسألة أخرى تشبهها، ولم يظهر ما يصلح موجبًا للتفريق بينهما في الحكم، فيأتي الأصحاب بسلطة هذا المصطلح: " النقل والتخريج " فينقلون حكم كل مسألة إلى الأخرى، فيصبح في كل مسألة قولان: منصوص، ومخرج.
* مثاله:
النص عن الإمام أَحمد - رحمه الله تعالى- أَن من لم يجد إِلاَّ ثوبًا نجسًا صلى فيه وأَعاد.
والنص عن الإمام أَحمد - رحمه الله تعالى- أَن من صلى في موضع نجس لا يستطيع الخروج منه، فإِنَّه يصلي فيه ولا إِعادة عليه.
نظر الأصحاب إلى هذين الحكمين المختلفين، فوجدوهما في مسألتين متشابهتين، فنقلوا حكم الإمام في مسألة الثياب إلى مسألة المكان، والعكس، فصار في المذهب لكل مسألة حكمان، ويُقال: قولان: منصوص، ومخرج بالقياس.
стр. 281
والفقهاء في حكم هذا النوع على قولين: المنع، والجواز؛ والجمهور على المنع، ومن المانعين، الذين منعوا " النوع الأول: التخريج بطريق القياس لفرع على آخر في المذهب " كما تقدم. والله أعلم
وَقَدْ جَلَّى المرداوي- رحمه الله تعالى- هذا في: " الِإنصاف: ١/ ٤٦٠- ٤٦٢ " فقال عند قول الموفق في: " المقنع ": " ويتخرج أن لا يعيد " ما نصه: " ويتخرج أن لايعيد ": بناء على الأَصل ...
- القسم الثاني: تخريج الفروع من الفروع بطريق لازم المذهب (١) :
ويعبر عنه لدى الأصوليين وغيرهم بلفظ:
- " لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟ ".
وبلفظ:
- لازم المذهب هل يكون مذهبًا لصاحبه أم لا؟ ".
وبلفظ:
- " لازم قول المجتهد: هل يكون مذهبًا وقولًا له، أم لا؟ ". ومشهور لدى الفقهاء بلفظ:
стр. 282
* " ثمرة الخلاف في تكييف الأَحكام الفقهية، هل تكون مذهبًا للمجتهد أَم لا؟ ".
وبلفظ:
" فائدة الخلاف: هل تكون مذهبًا للمجتهد، أَم لا؟ ".
وبلفظ:
" أَثر قول المجتهد في الخلافيات: هل يعتبر قولًا له، أَم لا؟)
وبلفظ:
" ما ينبني على الخلاف من أَحكام فقهية: هل تكون مذهبًا للمجتهد، أم لا؟ .
وبلفظ:
" أَثر الخلاف في تكييف الأَحكام الفقهية ".
ومؤدَّى هذه التراجم والتعريفات واحد؛ إذ هو من باب اختلاف العبارات؛ لاختلاف الاعتبارات
معناه: إذا قال المجتهد قولًا في مسألة خلافية، فهل يلزمه ما تولد عن هذا الخلاف من لازم قوله، وثمرة خلافه، فيكون له حُكمان في مسألتين:
حُكمٌ قاله، وحُكم يلزمه على إثر قوله، فيكون بمثابة ما قاله؟
стр. 283
مثاله:
القصر في السفر هل هو رخصة أَم عزيمة؟ من قال: رخصة؛ لزمه جواز الإتمام، ومن قال: عزيمة؛ لزمه عدم جواز الإتمام.
ومثاله:
الخلع هل هو طلاق أم فسخ؟
وقد عقد ابن رجب- رحمه الله تعالى- في آخر كتابه: " القواعد " فصلًا حافلًا جلب فيه مجموعة من الأمثلة لثمرة الخلاف هذه.
وابن قدامة- رحمه الله تعالى- في: " المغني " كثيرا التعرض لها كأَثر من آثار الخلاف العالي.
ولابن الساعاتي في مختصره في أصول الفقه؛ بيان ما ينبني على قضاياه المختلف فيها من الأَثر الفقهي كما أشار إلى ذلك ابن خلدون في: " المقدمة: ٢/ ١٤٠ " وهكذا عند علماء كل مذهب، رغم اختلافهم في ملزوميته لصاحب المذهب على أقوال ثلاثة: الاعتبار وعدمه، والثالث ما نزع إِليه شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- بقوله (١) :
" وعلى هذا فلازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قول الحق: فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق، ويجوز أن يُضاف إليه؛ إذا علم من حاله أنه لا
стр. 284
يمتنع من التزامه بعد ظهوره. وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأَئمة: من هذا الباب.
والثاني: لازم قوله الذي ليس بحق: فهذا لا يجب التزامه، إذ أَكثر ما فيه أَنه قد تناقض، وقد ثبت أَن التناقض واقع من كل عَالِمٍ غير النبيين، ثم إِن عُرِف من حاله أَنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يُضاف إِليه، وإلا فلا يجوز أَن يضاف إِليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه؛ لكونه قد قال ما يلزمه، وهو لا يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه، وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب أو ليس بمذهب، هو أَجود من إِطلاق أَحدهما ... " انتهى.
وهذا القول من شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى- ليس إِحداثًا لقول ثالث في المسألة؛ لأَنه يرجع إلى القولين فيها.
وإِذا تأملت ما عليه العمل في كتب المذاهب الفقهية؛ وجدت المُعَوَّلَ عليه، حتى عند الذين يقولون بعدم اعتباره - هو اعتباره؛ لجريان تقريره في المذهب.
وسواء سلمنا بجواز نسبته إلى المجتهد عن طريق اللزوم لقوله، أَم لم نسلم، فهو من أَهم مسائل العلم، وأبهجها للنفوس، إِذ يترقى بمعرفتها المتفقه إلى اتفاق الأقوال، وضبط الفُتيا والله المستعان.
- الطريق الثالث: توقفات الأصحاب في المذهب. وهذا قد مضى ذكره في آخر " الفصل الأول " من " المدخل الخامس ".
стр. 285
الفصل الثالث: في مسالك الترجيح عند الاختلاف في المذهب
وفيه أربعة أبحاث:
المبحث الأول: أنواع الاختلاف في المذهب.
المبحث الثاني: مسالك الترجيح عند الاختلاف
المبحث الثالث: معرفة المرجحات.
المبحث الرابع: من له حق الاختياروالترجيح في المذهب.
المبحث الخامس: معرفة مصطلحاتهم في حكاية الخلاف والترجيح.