وقد تناقل بعض طلبة العلم في عصرنا أَن " حتى " للخلاف القوي، " ولو " للخلاف الضعيف، وقيل بالعكس فيهما، و " وإن " للخلاف المتوسط. وهذا لا يُعَوَّل عليه.
ولم أَرَ قيد ذلك في كتاب سوى إِشارات لبعض علماء عصرنا، منهم الشيخ محمد بن إبراهيم- رحمه الله تعالى- في تقرير له كما في: " فتاويه ": (٢/ ٢٦٠) إذ قال: " حتى: للخلاف المتوسط " انتهى. والشيخ علي الهندي- أَثابه الله- في رسالته " مقدمة في بيان مصطلحات الفقه الحنبلي ": (ص/ ٤٢) وفي طبعتها الثانية باسم: " التحفة السنية ": ص/ ٩٢ حكاها على أن: " حتى " للخلاف القوي " وإن " للمتوسط " ولو " للضعيف، وتابعه على غلطه من نقل عنه.
وفي: " الشرح الممتع لزاد المستقنع " للشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين: (٤/ ١٨١) قال ما نصه:
" وقد ذكر بعض المتأخرين: أنهم إذا قالوا: " ولو كذا " فالخلاف قوي، وإذا قالوا: " وإن كذا " فالخلاف أقل، وإذا قالوا: " حتى " فالخلاف ضعيف " انتهى.
وأنت ترى اضطرابهم في منزلتها الحكمية في الخلاف؟
والذي أراه أن هذا حكم ينبني على الاستقراء التام، ولا أراه يطرد، وإنما هي: " حروف للخلاف في المذهب " فقط، بل منهم من يستعمل
стр. 317
بعضها في غير خلاف وإنما لدفع الإيهام، أي: إِيهام الخلاف، كقول صاحب " زاد المستقنع " في: " باب الرجعة،: " فله رجعتها في عدتها ولو كرهت " يعني لا اعتبار لكراهتها، وهذا بإجماع المسلمين؛ لنص القرآن الكريم. وقال صاحب " زاد المستقنع " أيضا في: " باب صوم التطوع ": " ويحرم صوم العيدين ولو في فرض " والتحريم لا خلاف فيه في المذهب.
وقال أيضا في " باب الآنية ": " يُباح استعماله ... ولو على أنثى ".
وهذا لا خلاف فيه في المذهب.
والخلاصة:
أَن هذه الحروف الثلاثة: " حتى، ولو وإن " يستعملها الأَصحاب للإشارة إلى الخلاف في المذهب، وقد تأتي لتحقيق الحكم، ونفي الاشتباه والإيهام، وما سوى ذلك مما ذكر تحكم. والله أعلم
ولِإشارة هذه الحروف إلى مطلق الخلاف تجد لدى المالكية منها حرفين: " ولو "، " وإِن " كما في " شرح الخرشي: ١/٤٨ " و " جواهر الِإكليل للأُبي: ١/ ٥ " و " مواهب الجليل للحطاب: ١/٣٩ " (١) .
стр. 318
المدخل السادس: في التعريف بالإمام أحمد
المولود في ٢٠/ ٣/ ٦٤ هـ- المتوفى ضحوة يوم الجمعة ١٢/ ٣/ ٢٤١ هـ
عن ٧٧ عاما و " ١١ " شهرًا و " ٢٢ " ليلة.
- رحمه الله تعالى-
وفيه خمسة أبحاث:
المبحث الأول: عيون المعارف في ترجمته
المبحث الثاني: الإمام أحمد محدث وفقيه
المبحث الثالث: مَدَى تأثر فقه أحمد ومذهبه بفقه الشافعي ومذهبه.
المبحث الرابع: خبر القول بخلق القرآن: فتنة ثم محنة ثم نصرة. ومواجهة أحمد لها في مراحلها كافة
المجث الخامس: في معرفة الخصال التي تميز بها الإمام أحمد - رحمه الله تعالى-
стр. 319
المدخل السادس: في التعريف بالإمام أحمد
المولود في ٢٠/ ٣/ ٦٤ هـ- المتوفى ضحوة يوم الجمعة ١٢/ ٣/ ٢٤١ هـ
تستفاد ترجمته- رحمه الله تعالى- من الكتب المفردة في ترجمته، وسيرته، وخبر محنته، وهي نحو أَربعين كتابًا، تأتي تسميتها في: " المدخل السابع " عن علماء المذهب، وإن أَوْفى الكتب المطبوعة منها على الِإطلاق، كتاب ابن الجوزي. ت سنة (٥٩٨ هـ) : " مناقب الإمام أَحمد بن حنبل " فإِنه- رحمه الله تعالى- استفرغ جُلَّ ما في الكتب المسندة في ترجمة أَحمد، في نحو ستمائة: " ٦٠٠ "، صفحة، فالمترجمون للِإمام بعد ابن الجوزي عيال عليه.
وإذا تأملت أَسانيده فيها، رأيتها من كتب متعددة، وجُلُّها من كتاب الخلال. ت سنة (٣١١ هـ) والخطيب. ت سنة (٤٦٣ هـ) في مناقب أحمد.
وتستفاد ترجمته تبعًا من كتب السير والتراجم، والطبقات، والتواريخ، وقد سَمَّى محقق: " سيرأعلام النبلاء " منها ثمانية
стр. 320
وعشرين كتالًا: (١١/ ١٧٧- ١٧٨) .
وأَوفاها ما في: " السير " للذهبي: (١١/١٧٧- ٣٥٨) ، فانَّه استوفى عيون ما في ترجمته، وبخاصة: " خبر القول بخلق القرآن ". واتَكَأ على كتاب ابن الجوزي المذكور.
والعجب أن ابن جرير، لم يترجم له في: " تاريخه " كما أَن ابن عساكر لم يذكر خبر المحنة في: " تاريخه "
وتستفاد ترجمته أيضا من تراجم تلاميذه، ومن تراجم أَقرانه، ومن تراجم شيوخه، ومن تراجم خصومه.
وأَستخلص هُنَا عرضا موجزا لأَهم الأَنباء في ترجمة هذا الإمام، تحت رؤوس المسائل لعيون المعارف في حياته المباركة، من الرحلة به حملًا في بطن أمه، إلى حمله على أَكتاف أَعيان الأمة، وتشييعه من أهل الملة إلى بطن الأَرض في مقبرة باب حرب من بغداد، دار السلام
فإلى بيانها:
стр. 321
المبحث الأول: عيون المعارف في ترجمته
نَسَبُهُ:
هو: وحيد أَبويه: أَبو عبد الله، أَحمد بن محمد، بن حنبل بن هلال بن أسد، ويتصل نسبه إلى:
مازن، بن شيبان، بن ذهل، بن ثعلبة، وينتهي إلى: ربيعة، بن نزار، بن معد، بن عدنان
فهو المازني ثم (١) الشيباني ثم الذهلي ثم الربعي ثم النزاري ثم العدناني.
البصريون أَجداده، ثم السرخسي جده " حنبل "، ثم المروزي.
أَبوه " محمد "، ثم البغدادي هو في الولادة، والمنشأ، والوفاة.
هذا هو المعتمد في سياق نسبه، وقد وقع في سياقه لدى بعضهم خطآن:
أَحدهما: جعله من: " ذهل بن شيبان " والصحيح أَنه من: " شيبان بن ذهل بن ثعلبة "، وذهل بن ثعلبة، هو عم ذهل بن شيبان. وكان الإمام أحمد- رحمه الله تعالى- يحلف على أن هذا
стр. 322
خطأ، وأَنه من " شيبان بن ذهل بن ثعلبة ".
ثانيهما: ساق الخطيب بسنده في: " تاريخه " عن أَحمد بن عبد الله العجلي، أَنه قال:
" وأحمد بن محمد بن حنبل، يكنى: أَبا عبد الله، سدوسي، من أَنفُسهم ... ".
والخطيب- رحمه الله تعالى- ساق نسب الإمام أَحمد إلى:
مازن بن شيبان، لا إلى: سدوس بن شيبان ... وهذا هو المعتمد عند عامة مترجميه.
ويدل عليه ما حكي في ترجمته- أيضا- من أَن الإمام أَحمد، كان يتردد إلى مسجد في البصرة، يصلي فيه، يقال له: " مسجد مازن " فلما سُئِلَ عن ذلك، قال " إِنه مسجد آبائي ".
فأَحمد- رحمه الله تعالى- " مازني "، " شيباني " من ولد مازن ابن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، لا من ولد ذهل بن شيبان، فيكون أَرفع في النسب؛ إِذ ذهل بن ثعلبة هو عم لذهل بن شيبان.
و" شيبان " سيدة قبائل ربيعة في الجاهلية والإسلام.
وكان منهم: المثنى بن حارثة، أَول فاتح للعراق.
ومنهم: محارب بن دثار السدوسي الشيباني الكوفي، قاضي الكوفة. ت سنة (١١٦ هـ) وهو القائل:
" لما أكرهت على القضاء بكيت، وبكى عيالي، فلما عُزلت عن
стр. 323
القضاء، بكيت وبكى عيالي ".
ثم هو من ربيعة، وربيعة أَخو مُضَر وربيعة ومضر يلتقيان بنزار جد رسول الله ﷺ
فها هو أَحمد من قبيلة عربية صليبة لا أَعجمية، ولا مهجنة، وخؤولته أَعمامه، كما في خبر أمه الآتي، ومع ذلك نص أَقرانه أَن من فضائله: أَنه كان لايفتخر بعربيته.
منازل بني شيبان في الإسلام:
كانت منازل بني شيبان في الإسلام " بالبصرة "، فهي دار أَجداد الإمام أَحمد بن محمد بن حنبل، وعشيرته؛ ولهذا لَمَّا اشتد عُوْدُهُ كان يتردد إلى مسجد في البصرة يصلي فيه يُقال له: " مسجد مازن " فلما سُئِلَ عن ذلك قال: " إِنَه مسجد آبائي ".
ثم انتقل بعض أَجداده إلى أَرض فارس، ولا نعلم عن تاريخ الانتقال ولا أَول من انتقل، إلا أَن جده حنبل " كان واليًا على " سرخس " ثم كان والده في " مرو " ومن أَجنادها.
ثم عاد أَحمد حملًا إلى بغداد، فبها وُلدَ، وبها نشأ، وبها مات ودُفِن- رحمه الله تعالى-.
تاريخ ولادته ووفاته:
روى عبد الله بن أحمد، عن أَبيه، أنه قال: " قَدِمَتْ بي امِّي حَمْلًا من خراسان، وَوُلدْتُ سنة (١٦٤ هـ)
وقال ابنه صالح:
стр. 324
" جِيْءَ بِهِ من مرو حَمْلا ".
وأَفادت الروايات أَنه وُلدَ في بغداد في العشرين من شهر ربيع الأول عام (١٦٤ هـ)
وقيل: في ربيع الآخر.
وقيل: كانت ولادته بمرو، وجيء به مع أمه إلى بغداد، وهو طفل.
والمعتمد الأول؛ لأَنه من قول أَحمد عن نفسه، وهو بها أَعلم.
وتوفي في بغداد، محموما، ضحوة يوم الجمعة، العاشر، وقيل: الحادي عشر وقيل: الثاني عشر، من شهر ربيع الأول عام ٢٤١ هـ، وغُسِّلَ، وصُلي عليه، ودُفِنَ في هذا اليوم، يوم وفاته. وغلط من قال: وفاته في شهر ربيع الآخر.
وكان عمره يوم مات: سبعة وسبعين عامًا وأحد عشر شهرًا واثنتين وعشرين ليلة
وقد ذكرَ مترجموه كثرة من حضر جنازته من الرجال، ومن النساء، واسترسل المؤرخون في ذكر العدد التقريبي لمن حضر جنازته، حتى من الكفار، ومن أَسلم منهم ذلك اليوم.
وأمَّا مَا حُكِي من أنه أسلم يوم مات أحمد عشرون ألفًا فهو من رواية الوركاني وهو مجهول، كما بينت ذلك في: " التأصيل " وساق المترجمون له، من الرؤى الحسنة عجبًا- رحمه الله تعالى رحمة واسعة- آمين.
стр. 325
وقال أبو الحسن ابن الزاغوني (١) :
" كُشف قبر أحمد حين دفن الشريف أبو جعفر بن أبي موسى إلى جانبه فوجد كفنه صحيحًا لم يبل، وجنبه لم يتغير، وذلك بعد موته بمائتين وثلاثين سنة ".
ابن حنبل:
انفرد الإمام مالك- رحمه الله تعالى- بنسبة مذهبه إلى اسمه فيُقال: " المذهب المالكي "
أَما أَبو حنيفة النعمان بن ثابت، فنسبة مذهبه إلى كنيته ، فيُقال: " المذهب الحنفي "
وأَما محمد بن إِدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، فينسب مذهبه إلى جده: " شافع " الذي اشتهر بالنسبة إِليه هو، فيُقال له: " الإمام الشافعي " ويُقال لمذهبه: " المذهب الشافعي ".
وأَما أَحمد بن محمد بن حنبل، فاشتهر عند الناس بالنسبة إلى جده، فيُقال: " الإمام أَحمد بن حنبل " و " ابن حنبل " ويقال في النسب إلى مذهبه: "المذهب الحنبلي ".
ويظهر أَن لِجَدِّه " حنبل " من الشهرة، والمكانة، ما جعل الحفيد " أَحمد " لا يُعرف إلَّا به، فيُقال: أَحمد بن حنبل. والله أعلم.
كنيته:
كنيته " أبو عبد الله " وعبد الله، هو الابن الثاني له، والأول هو ابنه:
стр. 326
صالح، فلماذا تكنى بعبد الله دون صالح، والعادة جارية بتكني الأَب بأَكبر أَبنائه؟
فلعله تكنى بأبي عبد الله قبل أَن يتزوج، ويولد له، فغلبت عليه.
وهذا جَارٍ في الناس، كما قيل:
لَهَا كُنْيَة عمرو ... وَلَيْسَ لها عمرو
أَو أَنه ولد له ابن أَول ما ولد وسماه عبد الله، ومات في صغره، ويمَنَّى به، فغلبت عليه.
- وإذا عرفنا أَن الإمام أَحمد لم يتزوج إلَّا بعد الأَربعين من عمره بتتبع الأَخبار والروايات في ترجمته نجد مجموعة منها في خبر ما قبل الأَربعين من عمره كان يدعى فيها بأَبي عبد الله، وهذا دليل مادي على سلامة أَحد هذين التعليلين وَأَوَّلهما أَوْلَى. وكم في بطون التاريخ، والسير من معالم، طويت معالمها، وغابت أَخبارها، فهذا: شيخ الإسلام أَبو إسماعيل الهروي: عبد الله بن محمد الأنصاري. ت سنة (٤٨١ هـ) لا يعرف له سوى ابنيه: مجاهد، وعبد الهادي، فمن أين جاءت تكنيته بأَبي إسماعيل؟ يدور في هذا تعليلات كثيرة، والله أعلم.
- آل الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى -:
آل الإمام أَحمد: الشيبانيون نَسَبًا، البغاددة وطنًا، وهم: أصول، وفروع، وحواشٍ، وزوجات، ذِكرهم على النحو الآتي:
١- أبوه وجده:
كان أبوه محمد: من أجناد مرو لكن ما لبس زي الجند قط،
стр. 327
وأصله من البصرة، وكان كريمًا جوادًا مُمَدَّحًا، فَتح داره بخراسان لوفود العرب، فيقوم بالضيافة، والإكرام.
توفي وهو ابن ثلاثين عامًا، ولذا قال أَحمد: لم أَر جدي، ولا أَبي.
وكان جده: حنبل، واليًا على سرخس، ومن القائمين بالدعوة العباسية.
وهذه السابقة مِن جَدِّه، لم تشفع له عند المأمون، والمعتصم، والواثق، من خلفاء بني العباس في موقفهم من أَحمد الإمام، فهل من مُعتبر (١) ؟.
٢- والدته الشيبانية:
هي: صفية بنت ميمونة- هكذا- بنت عبد الملك الشيباني من بني عامر وعبد الملك هذا من وجوه بني عامر وساداتهم.
هكذا وجدت اسمها.
فهذه الوالدة المباركة، ترملت من زوجها، وكان أَحمد وحيدها، وكانت أمه قد وُفِّقَتَ حينما رحلت به إلى بغداد دار العلم آنذاك
وفي هذه النقاط الثلاث كان الشافعي كذلك، فقد ترملت أمه في شبابها، فحملت وحيدها: محمد بن إدريس من غزة إلى مكة، دارالإسلام الأولى، ومثابة العلم والعلماء.
٣- أَعمامه: عبد الله، وعمر وإسحاق ت سنة (٢٥٣ هـ) ، أبناء حنبل. فعبد الله، ولد له: أحمد، وقد سمع من الإمام أحمد أشياء
стр. 328
وإسحاق ولدَ له: حنبل. ت سنة (٢٧٣ هـ) وقد روى عن الإمام أَحمد.
وعمر وُلدَت له: ريحانة زوجة الإمام أَحمد.
فهؤلاء ستة نفر.
وفي " المغني لابن قدامة: ٣/٤٨٧ " ذكر عَبْثَر ابن عَمِّ الإمام أحمد وذكر الخطيب في: " تاريخ بغداد: ١٢/ ٣١٨ ": خَتَن عبد الله. وفي: " ١١/٣٤٣ " ذكر: غلام أحمد.
٤- أَولاده: للِإمام أَحمد عشرة أَولاد، ثمانية بنين، وابنتان، هم:
صالح، وعبد الله، وزهير، والحسن والحسين، والحسن، ومحمد، وسعيد، وزينب، وفاطمة.
٥- زوجاته: كان له- رحمه الله تعالى- زوجتان من العرب، وجاريتان، كما يأتي:
١- أَول زواج له كان بعد بلوغه أَربعين عاما كانت زوجته عباسة: بنت الفضل، من نسل العرب من الرَّبَض أَقامت معه ثلاثين عامًا، لم يختلف معها بكلمة واحدة.
ولدت له: ابنه صالحًا أَبا الفضل القاضي بطرسوس. ولد سنة (٢٠٣ هـ) وت سنة (٢٦٦ هـ) بأَصبهان وله ثلاث وستون سنة، وهو أكبر من أخيه عبد الله بعشر سنين.
ولصالح ثلاثة أَبناء، هم: أَحمد، وعلي، وزهير ت سنة (٣٠٣ هـ) ، ولأحمد ابن اسمه: محمد بن أحمد بن صالح بن الإمام
стр. 329
أَحمد. ت سنة (٣٣٠ هـ) يكنى أبا جعفر.
وقد توفيت عباسة في حياة الإمام أَحمد، وكان يثني عليها كثيراَ
٢- زوجته: أم عبد الله: ريحانة- بنت عم الإمام أَحمد: عمر تزوجها بعد وفاة أم صالح، وولدت له: راوية المسند: ابنه: عبد الله، فقط. وماتت في حياته.
وعبد الله يكنى: أَبا عبد الرحمن، ولد سنة (٢١٣ هـ) وتوفي سنة (٢٩٥ هـ) ببغداد عن عمر ناهز سبعة وسبعين عامًا مثل أبيه، صلى عليه ابن أَخيه زهير بن صالح
٣- جارية اسمها: حُسْن، اشتراها بعد وفاة أم عبد الله. ولدت له بقية أَولاده: أم علي: زينب، والحسن، والحسين- توأمان- وَمَاتَا قُربَ ولادتهما ثم: الحسن ومحمد، وعاشا نحو أَربعين عاماَ، ثم سعيد، وُلدَ قبل موت والده بنحو خمسين يومًا، وقد ولي قضاء الكوفة
وأَما ابنه زهير ويكنى أَبا العباس فمذكور في ترجمة: الحسن بن أَيوب البغدادي من: " الطبقات " لابن أَبي يعلى. ولم أَقف على غير هذا. وفي ترجمة ابن أبي موسى الهاشمي: عبد الخالق بن عيسى ت سنة (٤٧٠ هـ) من " الطبقات " ذكر خبر قبره مع الإمام أَحمد في القبر فأنكرَ ذلك أبو محمد التميمي، وقال: " كيف تدفنونه في قبر الإمام أحمد، وبنت أحمد مدفونة معه في القبر؟ فإن جاز دفنه مع الإمام فلا يجوز دفنه مع ابنته، فقال بعض العوام: اسكت، فقد زوجنا
стр. 330
بنت أَحمد من الشريف، فسكت التميمي، وقال: ليس هذا يوم كلام " انتهى.
فلعلَّها فاطمة، التي ذكرها المقريزي في: " المقفى " ولم يتبين من أي زوجاته المذكورات.
٤- جارية اشتراها، وسماها: " ريحانة ".
قال ابن المنادي:
" استأذن أَحمد زوجته في أَن يتسرى طلبًا للاتباع، فأَذنت له، فاشترى جارية بثمن يسير وسماها: ريحانة، استنانًا برسول الله ﷺ . " انتهى.
" صفته:
كان شيخًا رَبْعَةً، وقيل: طُوالاً أَسمر شديد السمرة، حسن الوجه، مخضوبًا يخضب بالحِنَّاء خِضَابًا ليس بالقاني، وفي لحيته شعرات سُود.
تعلوه سكينة، ووقار وخشية، وكان مهيبًا في ذات الله، حتى لقال أبو عبيد: ما هبت أَحدًا في مسألة ما هبت أحمد بن حنبل ". وكانت ثيابه غلاظًا بيضاء، يعتم، ويتزر.
وكان نظيفًا في مَلْبَسِهِ.
وكان يَتَنَوَّر في بيته، وما دخل حَمَّامًا قط.
وكان أَكثر جلوسه متربعاً.
- فراسة العلماء عنه في صغره:
بدت عليه النجابة وهو غَضٌ يختلف إلى الكُتَّاب، واشتهر
стр. 331
بالشغف الشديد في التعلم، والرغبة في العلم وهو في سن الصبا وتميز بالورع، وعفة اللسان، والقلم، وهو في ريعان الشباب.
قال أَبو سهل الحافظ الهيثم بن جميل الأَنطاكي في أَحمد:
" إِن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه " انتهى.
فلله أَبوه، ما أَصدق فراسته، فقد كان حجة على أهل زمانه إلى الآخر، فسبحان المنعم المتفضل.
- أَحمد في صِغَرِهِ يرفض أَن يكون وَشَّاء:
أَرسل معه عَمُّه أَوراقًا إلى ديوان الخليفة فغاب أَحمد طويلًا، دون أَن يَرُدَّ عَلَى عَمِّه، وسِنُّهُ عند ذلك صغيرة.
فلما قابله عَمُّه سأله عن الأَوراق، فعرف أَنه لم يوصلها، فسأله: لماذا لم توصلها فأَجاب أَحمد الغلام:
" ما كنت لأَرفع تلك الأَخبار، لقد أَلقيت بها في البحر، فجعل عمه يسترجع، ويقول: هذا غلام يتورع فكيف نحن ... ؟ " (١) انتهى
- تواضعه (٢) :
كان- ﵀ آية في التواضع ومثالًا يحتذى في ذلك، وسيرته خير شاهد على ما نقول، وهو عربي صليبه ولاشك، ومما يشهد لتواضعه أَنه لم يكن يفخر بعروبته.
стр. 332
يقول الحافظ الناقد الجليل يحيى بن معين- رفيق حياته وصديقه-: ما رأيت خيرًا من أَحمد بن حنبل، ما افتخر علينا بالعربية قط ولا ذكرها.
وقد سُئِلَ مرة عن ذلك وهل هو عربي؟ فقال: نحن قوم مساكين.
وَيَحْكِي ابن الجوزي أَن أَحمد كان من أَحب الناس وأَكرمهم نفسا وأَحسنهم عشرة وأَدبًا، كثير الإطراق والتقى، معرضًا عن القبح واللغو لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث، وذكر الصالحين والزهاد في وقار، وسكون، ولفظ حسن، وإذا لقيه إِنسان بش به، وأَقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعا شديدًا، وكانوا يكرمونه، ويعظمونه.
- إِجابته الدعوة:
كان من مظاهر تواضعه، وتطبيقه للسنن: إِجابته للدعوة في المناسبات المشروعة، مثل الزواج، والختان وكان في حضوره، ملاطفًا للناس، متواضعاً، لكن كان أَمَّارًا بالمعروف، نَهَّاءً عن المنكر، يُقَوّمُ السلوك، ويزيل المنكر، فإن لم يمكنه انصرف.
وكان ربما بذل شيئًا من المال؛ لإدخال السرور.
وله في ذلك حكايات، ومواقف كريمة.
- تعبده وزهده غير المتكلف:
إن أعظم صفة أخذت بمجامع قلبي، هي ما أَفاض به مترجموه - رحمه الله تعالى - في أخبار تعبده، وزهده، وتألُّهه، وقراءته
стр. 333
القرآن، وورعه، مما لا ينقضي منه العجب، لكنها المعونة الربانية، والعناية الِإلهية، وهي بحق تقضي له بالإمامة في العلم والدِّين، إِذ العالم لا يكون عالمًا حتى يكون عاملًا، تَقَبَّلَ الله مِنَّا ومنه، آمين.
وكان من هديه: أنه لا يُظهر النسك.
وكثيرًا ما يقول: اللهم سَلِّم، سَلّم.
وكانت الدنيا لا يجري لها ذكر على لسانه.
قال تلميذه أَبو داود- صاحب السنن- ت سنة (٢٧٥ هـ) : " لقيت مائتين من مشايخ العلم، فما رأيت مثل أَحمد بن حنبل، لم يكن يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أَمر الدنيا، فإذا ذُكِر العلم تكلم " انتهى.
قال ابن كثير- رحمه الله تعالى-:
" وقد صَنَّف أَحمد عن الزهد كتابًا حافلًا عظيمًا، لم يسبق إلى مثله، ولم يلحقه أحد فيه، والمظنون بل المقطوع به: أنه إنما كان يأخذ بما أَمكنه منه- ﵀ " انتهى.
وجاء في " السير: ١١/ ١٩٢ " قال الرمادي: سمعت عبد الرزاق وذكر أَحمد بن حنبل فدمعت عيناه، فقال: بلغني أَن نفقته نفدت، فأخذت بيده فأَقمته خلف الباب، وما معنا أَحد، فقلت له: إنه لا تجتمع عندنا الدنانير إذا بعنا الغلة أشغلناها في شيء، وقد وجدت عند النساء عشرة دنانير فخذها ... فقال لي: يا أبا بكر لو قبلت من أحد شيئًا قبلت منك
стр. 334
وفي مجال ورعه وتقواه كان يقول: ما كتبت حديثًا إلًا وقد عملت به، حتى مر بي أَن النبي ﷺ احتجم وأَعطى أَبَا طَيبة دينارًا فأَعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت.
- حبه للوحدة:
قال عنه ابنه عبد الله: كان أَصبر الناس على الوحدة، وبِشْرٌ لم
يكن يصبر على الوحدة، كان يخرج إلى ذا إلى ذا
وكان يقول: أَشتهي مكانًا لايكون فيه أَحد من الناس
ويقول رأيت الخلوة أَروح لقلبي
وقال تلميذه إبراهيم الحربي: كان يجيب في العرس، والِإملاك والختان، ويأكل.
وذكر غيره أَن أَحمد ربما استعفى من الإجابة، وكان إذا رأى إناء فضة، أو منكرًا، خرج.
وكان يحب الخمول والانزواء عن الناس، ويعود المريض.
وكان يكره المشي في الأَسواق، ويؤثر الوحدة.
وقال محمد بن الحسن بن هارون: رأيت أَبا عبد الله إذا مشى في الطريق، يكره أَن يتبعه أَحد. انتهى
أَقول: فليعتبر من إذا مشى معه مَنْ لا يُفْرَحُ بِهِ، أو احتوشه بعض الطلاَّب، ضاقت الطريق به؟
- بعده عن الشهرة:
من كان موصوفًا بالزهد، والورع، والتواضع، وصدق اللجأ إلى
стр. 335
الله، والتعبد، ودوام الذكر، وقراءة القرآن، وتبليغ العلم؛ خاف على نفسه " الشهرة " وكرهها، وَفرَّ من أَسبابها وأَخذ بالتوقي منها
وقد ضرب الإمام أَحمد في حربها، شوطًا بعيد المدى في دقائق حياته، حتى كان يقول:
" لو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر ".
ولهذا قال في وصفه عيسى بن محمد الرملي:
" عن الدُّنيا ما كان أَصبره، وبالماضين ما كان أَشبهه، وبالصالحين ما كان أَلحقه، عَرَضت له الدُّنيا فَأَبَاهَا، والبِدع فنفاها " رواهما الذهبي في: " السير ".
ولهذا كان- رحمه الله تعالى- لا يظهر النسك ويقول:
(أُريد أَن أَكون في بعض تلك الشعاب حتى لا أعرف، قد بُليت بالشهرة، إِني لأَتمنى الموت صباحًا ومساءً) .
وكان ينهى من رآه آخذا ببعض أَسباب الشهرة مثل تشمير الثياب فوق المعتاد، ولبس المرء غير لبس أهل بلده، وهكذا، مما ساقه ابن الجوزي عنه في كتابه: " تلبيس إِبليس " وفَصَّلْتُ القول فيه في رسالة باسم: " الفرق بين حَدِّ الثوب والأزرة ".
قال ابن الجوزي- رحمه الله تعالى- بسنده:
وقال أحمد- رحمه الله تعالى-:
" القلانس من السماء، تنزل على رؤوس قوم، يقولون برؤوسهم
стр. 336
هكذا، وهكذا- المعنى لا يريدونها- وقوله: هكذا وهكذا، أي يميلون رؤوسهم أن يتمكن منها، ومعنى الكلام: أنهم لايريدون الرئاسة، وهي تقع عليهم ... " انتهى.
أَقول: فما بالنا نبذل النفس، والنفيس، ونغض الطرف عن أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، متربصين شيئًا من ذلك، ثم لا نكتفي بهذا الإثم بل نزيده إثمًا بتخريجه فقهاً؛ ليفيد شرعيته؛ ولهذا نزلت القيمة بنزول القيم وارتفع أَهل الأهواء، والماديون، والسَّفل (١) .
- إِجلال علماء زمانه له وهيبته عندهم (٢) :
كان علماء زمانه: يجلونه، ويقصدونه بالسلام عليه.
قال أَبو عبد الله: كان لنا عند يزيد بن هارون توهم في شيء فكلمته فأَخرج كتابه، فوجده كما قلت، فَغيَره، فكان إذا جلس يقول: يا ابن حنبل، ادن يابن حنبل، ادن ها هنا.
وقال ميمون بن الأَصِبغ: كنا عند يزيد بن هارون، وكان عنده المعيطي، وأبو خيثمة، وأحمد، وكانت في يزيد- ﵀ مداعبة، فذاكره المعيطي بشيء، فقال له يزيد: فقدتك، فتنحنح أحمد فالتفت إِليه، فقال: من ذا؟ قالوا: أحمد بن حنبل، فقال: إلَّا أَعلمتموني أَنه ها هنا؟
стр. 337
قال المروزي: فسمعت بعض الواسطيين يقول: ما رأيت يزيد ابن هارون ترك المزاح لأَحد إلَّا لأَحمد بن حنبل.
ويقول أَحد تلامذته: كنا نهاب أَن نرد أَحمد في شيء أو نُحَاجَّهُ فيه ".
ويقول آخر دخلت على إِسحاق بن إبراهيم - والي بغداد - وفلان وفلان من السلاطين فما رأيت أهيب من أحمد بن حنبل، صرْتُ إليه أكلمه في شيء فَوَقَعَتْ عَلَيَّ الرعدة حين رأيته من هيبته.
- كرمه:
مع قلة ذات اليد، وأَن حاله كانت كفَافًا، بل ربما لحقته فاقة، كان يبذل ما في يده، ولا يؤخر ما في يومه لِغَدِه.
- مصدر نفقته:
مُسْلِم يَتَعَفَّفُ من أُعطيات السلطان، والأَخذ من أَيدي الناس وإن لحقته فاقة، يظن الظَّانُّ أَن لديه من الثراء، ما ينافس به أهل الدنيا في دنياهم، لا. ولكن كان لديه الكنز الذي لا ينفد: " القناعة "، والعفة، وضبط النفس، وعلو الهمة.
إِن غاية مَا ذَكرَتْهُ المصادر أَن له دارًا في بغداد، ملحق بها جوانب مؤجرة، فينفق من غِلالها.
وثم مصدران آخران:
تقوته من عمل يده:
ومن وقائعه في ذلك أَنه زمن الرحلة إلى عبد الرزاق في
стр. 338
اليمن، كان يعمل " التكك " (١) ويبيعها، يتقوت بها (٢) .
- حوانيت كان يؤجرها: وقد ذكر مترجموه من حسن تعامله مع شاغليها، وعطفه عليهم، ما يقضي بورعه، وسماحة نفسه، وزهده، وانصرافه بكليته عن الدنيا.
وَلَعَلَّ قلة ذات يده، وتقلله من الدنيا، كان سببًا في نبوغه في العلم والفقه في الدِّين.
ومن شواهد ذلك أنه جرت بين أبي الوليد الباجي، المتوفى سنة (٤٧٤ هـ) وابن حزم، المتوفى سنة (٤٥٦ هـ) - رحمهما الله تعالى- مناظرة، فلما انقضت قال الفقيه أبو الوليد: " تعذرني، فإن أكثر مطالعتي كانت على سُرج الحُرَّاس ". قال ابن حزم: " وتعذرني أيضا، فإن أكثر مطالعتي كانت على منابر الذهب والفضة " قال ياقوت بعد ذلك (٣) : " أراد ابن حزم أن الغِنى أضيع لطالب العلم من الفقر وهذا مشاهد، فالضِّدَّان لا يجتمعان، كحُبِّ القرآن وحُبِّ الغناء وحب المال وحب العلم، والولاية والتجارة، وبقدر ما يحصل من العنصر الداخل يضعف الجانب الآخر، والقوة لمن غلب، فاحذر أن تُغلب في دينك وعلمك وعملك. والله المستعان
رفضه أعطيات السلطان:
اذأ كان الإمام أَحمد في رحلاته قد رفض الأخذ من شيخه
стр. 339
بواسط: يزيد بن هارون، ورفض عطاء شيخه عبد الرزاق في اليمن، ورفضه من رفيقه في السفر إلى اليمن: إسحاق بن راهويه، ورفضه من يحيى بن معين، ورفضه من جار له بمكة حِيْنَ سُرِقَتْ ثيابه، فما بالك بأعطيات السلطان له؟.
إنَّه ما قبل- رحمه الله تعالى- أعطيات السلطان قط، في أَخبار يطول ذكرها، وهي من ضنائن السلوك، وضبط النفس. وإلى الله الشكوى، فما لنا من هذا إلَّا الرواية؟
وكان يقبل الهدية من غير السلطان، ويثيب عليها بأَكثر منها.
نعم، رفع الله المحنة عن الإمام أَحمد وعن المسلمين بولاية المتوكل وكان دفع له مالاً فلم يقبله، فأَلزمه به ففرقه بعد ما قبله وأَجرى المتوكل على أَهله وولده، أَربعة آلاف في كل شهر حتى مات المتوكل، لكن الإمام أَحمد اعترض على ولديه: صالح، وعبد الله، وعمه، لأَنهم قبلوا مال الخليفة المتوكل، ويقول لهم: لِمَ تأخذونه، والثغور معطلة، والفيء غير مقسوم بين أَهله؟
وأَقول: اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كَسْرَنا، فما بقي إلَّا من يقول:
أَنا للأُعطيات أَنا.
وما أجمل ما قاله مصعب بن عبد الله الزبيري:
" ومن في ورع أحمد؟ يرتفع على جوائز السلطان، حتى يُظن أنه الكِبر ويكري نفسه مع الجمالين، حتى يُظن أنه الذل، ويقطع نفسه عن مباشرة عامة الناس وغشيان خاصتهم أنْسًا بالوِحدة، فلا
стр. 340
يراه الرائي إلا في مسجد، أو عيادة مريض، أو حضور جنازة، ولم يقض لنفسه بعض ما قضيناه من شهوات " انتهى.
- تاريخ بدء طلبه للحديث:
بدأ- رحمه الله تعالى- في طلب الحديث سنة (١٧٩ هـ) . في العام الذي مات فيه الإمامان: مالك، وحماد بن زيد، أَي: وهو في سنِّ السادسة عشرة من عمره.
وكان أَول سماعه من: هشيم بن بَشير الواسطي سنة (١٧٩ هـ)
وأَول من كتب أَحْمَدُ عنه الحديثَ: هو أَبو يوسف
- رحلاته:
لعل أَول من اشتهر بأَنه طاف البلاد، وجاب الأَمصار، في طلب الحديث، متتبعا محاريب العلم، وأَئمته الهداة في السنن والفقه في الدِّين، هو الإمام أَحمد؟ فقد رحل من بغداد إلى: المصرين: الكوفة، والبصرة، وإلى: عبادان، وإلى: الجزيرة، وإلى: واسط، وإلى الحرمين: مكة والمدينة، ورحل ماشيًا إلى صنعاء اليمن، وارتحل ماشيا إلى: طرسوس، مرابطا، وغازياً، ورحل إلى الشام.
ومنعته قلة ذات اليد، من الرحلة إلى " الرَّيِّ " ليأخذ عن محدِّثها: جرير بن عبد الحميد.
وتارة منعته أمه من الرحلة، شفقة عليه.
ووعد شيخه الشافعيَّ بالرحلة اليه في مصر لكن حالت المنية
стр. 341
دون ذلك، بوفاة الإمام الشافعي سنة (٢٠٤ هـ) - رحمه الله تعالى-. وكانت رحلاته هذه نتيجة وَلَعِهِ بالعلم، والطَّلَب، ولهذا رَوَى
عنه ابنه صالح، قال:
(رَأَى رجل مع أَبي محبرة، فقال له: يا أَبا عبد الله، أَنت قد بلغت هذا المبلغ، وأَنت إِمام المسلمين، فقال: " من المحبرة إلى المقبرة ")
ومع هذا العمل الصالح، كان حريصًا على توفر ركنه: " الِإخلاص " فيقول: " إِظهار المحبرة من الرياء ".
ولهذا نفع الله بعلمه، واشتهرت في العالمين ثقته وأَمانته وجلالة قدره- رحمه الله تعالى-.
وإلى بيان موجز عن رحلاته:
[١] كانت أَولى رحلاته في طلب الحديث إلى: الكوفة سنة وفاة شيخه هشيم سنة (١٨٣ هـ) .
وكان أَجل شيوخه فيها وكيع، وكانت صلته به على نحو صلة زفر بأَبي حنيفة، لكن هذا في تلقي الرأي، وأَحمد في تلقي السنة.
وكان في رحلته هذه في حال شظف في العيش؛ إذ كان يتوسد اللبن من قلة ذات اليد، وقد حُمَّ فرجع إلى أمِّه في بغداد.
[٢] ثم رحل إلى ما هو أبعد منها عن بغداد: " البصرة " دار آبائه وأَجداده من بني شيبان، دخلها أَول ما دخلها في أَول شهر رجب سنة (١٨٦ هـ) ، ثم سنة (١٩٠ هـ) ، ثم (١٩٤ هـ) ، ثم سنة
стр. 342
(٢٠٠ هـ) ، ثم رحلة خامسة.
والتقى فيها بأَعلامها: ابن علية، وابن مهدي، وابن القطان.
[٣] ورحل إلى: عبادان سنة (١٨٦ هـ)
[٤] ورحل إلى: واسط سنة (١٨٧ هـ) وهو في طريقه إلى مكة.
لأَداء فريضة الحج، وأَخذ فيها عن: يزيد بن هارون.
[٥] ورحل إلى: " طرسوس " ماشيًا على قدميه.
[٦] وبعد أَن أَنهى أَمصار قطره، صَوَّب سفره إلى الحجاز لأَداء فريضة الحج سنة (١٨٧ هـ) فأَخذ في مكة عن: ابن عيينة، ثم الشافعي.
ثم حج تطوعًا أَربعًا، منها في: سنة (١٩٧ هـ) ، وسنة (١٩٨ هـ) .
فهذه خمس حجات كان في ثلاث منها يحج ماشيًا، ومرتين راكبًا وكان في حجته سنة (١٩٨ هـ) يفتي الناس في الموسم في مسجد الخيف.
[٧] ورحل ماشيًا إلى صنعاء (١) اليمن سنة (١٩٨ هـ) ، وأَقام عند شيخه محدِّث اليمن: عبد الرزاق بن همام، مدة سنتين
وفيها أَخذ عن: إبراهيم بن عقيل، وكان عَسِراً في الرواية.
[٨] ورحل إلى الشام.
стр. 343
كثرة شيوخه (١) :
كان له شُيوخ كُثر، منهم في المسند ما يزيد عن " ٢٨٠ " شيخاً، كذا ذكر الذهبي، وقد أُفردت في عصرنا بكتاب بلغ بهم مؤلفه: (٢٩٢) شيخا (٢)
وهم من أَقطار الأَرض من: بغداد، والبصرة، والكوفة، والحجاز، والشام، والجزيرة، واليمن.
وكان أُستاذه وشيخه الذي اختص به لملازمته والتخرج عليه، الحافظ أَبو سهل هشيم بن بشر الواسطي، إِذ لازمه من سنة (١٧٩ هـ) إلى سنة (١٨٣ هـ) .
قال الِإمام أَحمد (٣) :
" كتبت من هشيم سنة (١٧٩ هـ) ، ولزمناه إلى سنة (١٨٣ هـ) ، وكتبنا منه كتاب الحج، نحوًا من أَلف حديث، وبعض التفسير وكتاب القضاء، وكُتُبًا صغارًا ".
وشأنه في هذا شأن الأَئمة في ملازمة شيخ يتخذ الطلب عليه أَساسًا في حياته العلمية، وتحصيله، مع الاختلاف إلى غيره.
وهذا أَبو حنيفة اختص بأستاذه حماد بن أبي سليمان، وبه تَفَقَّه. ومالك اختص بأستاذه ابن هرمز
стр. 344
والشافعي اختص بأُستاذه مالك.
وقد سمَّاهم ابن الجوزي في: " المناقب " وساقهم على حروف المعجم، فيمن وقعت له تسميته.
- أَدب أَحمد مع شيوخه:
يحدِّث أَحمد عن حاله مع شيخه هشيم فيقول (١) :
" وكان هشيم كثير التسبيح، ولازمته أَربعة، أو خمسة- أَعوام- ما سألته عن شيء- هيبةً- إِلاَّ مرتين، في الوتر ومسألة أخرى عن أَشعث ".
هكذا الأَدب، وصدق الطلب، وإخلاص العمل، وإجلال الشيوخ فأَين هذا من بعض الطلبة المتعالمين، الذين يتنمرون على شيوخهم بأَسئلة يصنعونها؛ ليظهروا عجزه، وفضلهم عليه؛ وهؤلاء حقيق أَن يفشلوا، ولا ينجحوا، وقد شُوْهِدَ هذا.
أما الذين يسألون للوشاية، فَصُدَّ عنهم، وَوَلِّهم دُبرك.
- رواية شيوخه عنه (٢) :
حدَّث عن الإمام أَحمد، جُملة كبيرة من شيوخه، عقد ابن الجوزي لتسميتهم " الباب الحادي عشر "، نحو عشرين شيخًا حدَّثوا عنه، منهم الإمام الشافعي
стр. 345
قال الذهبي- رحمه الله تعالى: (و-حدَّث عنه- أبو عبد الله الشافعي، لكن الشافعي لم يُسَمِّه، بل قال: حدَّثني الثقة) انتهى.
- كثرة تلامذته:
تلاميذه الرواة الآخذون عنه، وحَمَلَةُ المسائل عنه قد أفردهم بالتأليف تلميذ تلامذته: الخلال. ت سنة (٣١١ هـ) ثم ابن المنادي. ت سنة (٣٣٦ هـ) ، ثم الجنابذي. ت سنة (٦١١ هـ) وقد فرغ لهم ابن أبي يعلى. ت سنة (٥٢٦ هـ) الجزء الأول من " الطبقات " وبلغ بهم (٥٧٧) نفسًا، وعقد لهم ابن الجوزي " الباب الثاني عشر " من كتابه في مناقب أحمد ويأتي تفصيل ذلك في: المدخل السابع.
هذا فضلًا عما يذكر في ترجمته من كثرة الآخذين عنه، مِمَّن لم تقع تسميتهم، ومن كان يحضر درسه، ومجالسه، وقد ذكر مترجموه، أنه كان يحضر درسه ومجلسه ما يزيد على خمسة آلاف، ما بين كاتب، ومستمع، ومتأدب بأدب، وملتمس حُسْنَ دَلِّ وسمت.
- غرامه بالكتب (١) :
قال أبو زرعة: " حُزِرَتْ كُتُبُ أحمد، يَوْمَ مات، فبلغت اثني عشر حِمْلًا، وعِدْلًا ما كان على ظهر كتاب منها: حديث فلان، ولا في بطنه: حدَّثنا فلان، كل ذلك كان يحفظه " انتهى.
стр. 346
* إِمامته في علم الجرح والتعديل ومعرفة الرجال:
إِمامته في معرفة الرجال كمعرفته في عقبه، وفضلا عن إِمامته وبصيرته في ذلك فهو من المعتدلين المتحلين بالِإنصاف، ومجانبة الِإفراط والتفريط.
وله في ذلك: " العلل ومعرفة الرجال " و " الأَسامي والكنى " و " التاريخ " و " حديث شعبة ".
* روايته في الكتب الستة (١) :
قال الذهبي- رحمه الله تعالى-:
" حَدَّث عنه البخاري حديثًا، وعن أَحمد بن الحسن، عنه حديثًا آخر في المغازي، وَحَدَّث عنه مسلم، وأَبو داود بجملة وافرة، وروى أَبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، عن رَجُلٍ، عنه " انتهى
* من نفائس أقواله:
- منها " قال الميموني: قال لي أَحمد: يا أَبا الحسن، إياك أَن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إِمام "
أَقول: أَين هذا الهدي السني المقتصد في السنة من الذين يستظهرون سننًا، وهدياً في عصرنا لم تكن معروفة في عمر التاريخ الإسلامي؟ ثم هم يجالدون عليها، ثم يتدينون ببغض من لم يَتَسَنَّنْ
стр. 347
بها، والله يعلم ما في أَنفسكم فاحذروه.
- ومنها: " قال الورَّاق: سمعت أَحمد بن حنبل يقول: ما شبهت الشباب إِلاَّ بشيء كان في كُمِّي فسقط ".
- ومنها: قال عبد الله بن أَحمد، سمعت أَبي يقول: " قولوا لأَهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز ".
* مؤلفاته:
الإمام أَحمد - رحمة الله تعالى- عن كبار المصنفين في الإسلام، له المؤلفات الجامعة، والمصنفات الماتعة، ويكفيه شرفًا كتابه العظيم: " المسند " ديوان الإسلام لسنة النبي- ﵊ وقد بلغت كتبه نحو الثلاثين، وَقَارَبَت كُتب المسائل عنه المائتين.
وبجانب هذا كان ينهى عن وضع الكتب " في الرأي "، ويصفه بأَنه بدعة، والروايات عنه في النهي عن الكتابة عنه منشورة، وأَخبارها مسطورة.
ومنها ما رواه ابنه عبد الله عنه في: " مسائله: ١٨٢١ " وقد ذُكِرَ وضع الكتب عنده فقال:
" أَكرهها. هذا أَبو حنيفة وضع كتابًا، فجاء أَبو يوسف فوضع كتابًا، وجاء محمد بن الحسن فوضع كتاباَ، فهذا لا انقضاء له، كل ما جاء رجل وضع كتابًا، وهذا مالك وضع كتاباَ، وجاء الشافعي أيضا، وجاء هذا - يعني: أَبا ثور- وهذه الكتب وَضْعُها بدعة، كل ما جاء رجل وضع كتابًا وترك حديث رسول ﷺ وأصحابه ".
стр. 348
كما تظافرت الروايات عنه في نهيه لتلاميذه عن الكتابة عنه شيئًا من أَجوبته وفتاويه، وَعَلَّلَ ذلك بأَنه رأي، والرأي قد يتغير، وَعَلَّلَ ذلك مرة أخرى وأَرشد طلابه بأن ينصرفوا إلى حديث رسول الله ﷺ ويتركوا تقييد الرأي وكتابته، فإن الرأي قد يخطىء.
لكن لما اطمأن- رحمه الله تعالى- إلى إشباع النفوس بالسنة والحديث، وأَن هذا هو العلم، وأنه لا يجوز أن يصرف عن الوحيين صارف، طفق العلية من أَصحابه وتلاميذه يكتبون عنه أَجوبته، وفتاويه، ومنهم من كان يعرضها عليه.
وهذا نظير نهي النبي ﷺ كتابة شيء عنه ﷺ سوى القرآن، فلما أمن ﷺ على عظمة منزلة القرآن في نفوس الصحابة، وزالت خشية الانشغال عنه، وخوف اختلاطه بغيره، أَذن ﷺ بتدوين الحديث عنه، فأملى، وأمر، وأذن ﷺ بكتابة الحديث عنه.
وبعد فإلى بيان مؤلفات الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-:
١- المسند. طبع مرارا
٢- فضائل الصحابة. مطبوع في مجلدين.
٣- العلل ومعرفة الرجال. مطبوع
٤- الأَسامي والكنى. طبع.
٥- حديث شعبة.
٦- التاريخ.
٧- الزهد. مطبوع
стр. 349
٨- الورع. مطبوع
٩- الرد على الزنادقة والجهمية. طبع مرارا
١٠- كتاب أهل الردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض ونحو ذلك. وهل هو تأليف مستقل للإمام أم جزء من كتاب الخلال: " الجامع لعلوم الإمام أحمد "؟ مطبوع.
١١- الإيمان. مخطوطته في: المتحف البريطاني كما في: تاريخ التراث العربي: ١/ ٣/ ٢٢٦.
١٢- طاعة الرسول ﷺ .
١٣- الإمامة.
١٤- نفي التشبيه.
١٥- المقدم والمؤخر في القرآن.
١٦- جوابات القرآن.
١٧- الناسخ والمنسوخ، مصورته في مكتبة الشيخ حماد الأنصاري بالمدينة.
١٨- رسالة في الصلاة. مطبوعة. وهي في: " طبقات ابن أبي يعلى: ١/٣٤٨- ٣٨١.
١٩- حديث الشيوخ.
٢٠- المناسك الكبير.
٢١- المناسك الصغير.
٢٢- الفرائض.
٢٣- كتاب الأشربة. مطبوع
стр. 350
٢٤- كتاب الوقوف والوصايا. مطبوع
٢٥- أَحكام النساء طبع
٢٦- الترجل. طبع
وهذه الثلاثة يظهر- والله أعلم- أَنها من كتاب: " الجامع " للخلال " وإن وجدت نسخ خطيه مفردة لها.
ولم أَذكر كتاب: " التفسير " الذي قيل: إِنه يبلغ مائة وعشرين أَلف حديث، لأَن نقد الذهبي لنسبته، وإنكار وجود تفسير له، مقنع كما في ترجمته للِإمام أَحمد من: " السير ١١/٣٢٨، وفي ١٣/٥٢٢ ".
وأما رسائله- رحمه الله تعالى- ...
فهي في الاعتقاد، وقد ساق ابن أَبي يعلى في: " الطبقات " منها ست رسائل هي:
١- " رسالة الاصطخري: ١/ ٢٤- ٣٦ "
٢- " رسالة الربعي الحسن بن إسماعيل: ١/ ١٣٠- ١٣١ "
٣- رسالة عبدوس بن مالك العطار ١/ ٢٤١- ٢٤٦ "
٤- " رسالة محمد بن عوف الطائي: ١/ ٣١١- ٣١٣ "
٥- " رسالة السنة رواية الأَتدراني والسرخسي: ١/٣٢٩- ٣٣٠ "
٦- " رسالة الإمام أَحمد إلى مسدد بن مسرهد، المتوفى سنة (٢٢٨ هـ) : ١/ ٣٤١- ٣٤٥ "
стр. 351
* تاريخ تأليفه للمسند:
أَلَّف " المسند " قبل المحنة، وما سمعه ابنه عبد الله إلَّا بعدها في حدود سنة (٢٢٧ هـ) أو سنة (٢٢٨ هـ) .
* سعة حفظه:
الأخبار عنه في هذا تطول، ومنها:
عن أَحمد الدورقي، عن أَبي عبد الله قال: نحن كتبنا الحديث من ستة وجوه، وسبعة لم نضبطه، فكيف يضبطه من كتبه من وجه واحد؟
قال عبد الله بن أَحمد: قال لي أَبو زرعة: أَبوك يحفظ أَلف أَلف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأَبواب. قال الذهبي بعدها: فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أَبي عبد الله، وكانوا يعدون في ذلك المكرر، والأَثر، وفتوى التابعي، وما فُسِّر، ونحو ذلك، وإلاَّ فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك " انتهى.
стр. 352
المبحث الثاني: إِمامته في الفقه (١)
ينتظم الإمام عقد الصفوة المباركة من أئمة المسلمين في الفقه، والدِّين، وَلاَ أدَلَّ على امتلاكه الطاقة الكبرى في الفقه، وتبوئه موقع الريادة فيه، من انتصابه للفتيا، وتسجيل آلاف الفتاوى، مقدرة بنحو ستين أَلف فتوى.
قال تلميذه عبد الوهاب بن عبد الحكم الوَرَّاق:
" ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، قيل له: وأيش الذي بان لك من فضله، وعلمه على سائر من رأيت؟ قال رجل سئل عن ستين ألف مسألة، فأجاب فيها بأن قال: حدَّثنا، وأخبرنا ".
وهي مدونة في عشرات كتب المسائل، التي رواها مئات التلاميذ عنه، بل من كبار شيوخه من يرجع إليه، ويستفتيه، ويرجع إلى رأيه في الفقهيات، كما يأخذون عنه الروايات أمثال الأئمة:
стр. 353
الشافعي، ويزيد بن هارون، وابن مهدي، وعبد الرزاق، ووكيع، ويحيى ابن آدم، وأَبي ثور، وكان يقول- وهو شيخه-: (أَحمد، شيخنا، وإمامنا) .
ولهذا قال أَبو القاسم ابن الجَبُّلي:
" أَكثر الناس يظنون أَن أَحمد إِنما كان أَكثر ذكره لموضع المحنة، وليس هو كذاك، كان أَحمد بن حنبل، إذا سُئِلَ عن المسألة كأن علم الدنيا بين عينيه " انتهى من كتاب ابن الجوزي " مناقب الإمام أَحمد ": " الباب التاسع: في بيان غزارة علمه وقوة فهمه وفقهه ".
وفيه ساق أَمثلة عجيبة من دقة فقه الإمام، وبصيرته النافذة في مآخذ الأَحكام. وما كان أَغنانا عن البحث في هذا، لأَن ثبوت إمامة أَحمد في الفقه، ومعرفته فيه، وغوصه في فهم نصوص الوحيين الشريفين، وفقه الصحابة والتابعين، وشهرة ذلك كالشمس إلَّا أَنها تغرب، وهذا واضح للعيان لمن وقف على أَفعاله، وأقواله في أَجوبته وفتاويه التي بلغت عشرات الأَسفار يكتبها عنه مئات الأصحاب، وقد شهد بفقهه الأَئمة الكبار من شيوخه، وأَقرانه، وتلامذته، ممن لهم قدم صدق في الإسلام والعلم والورع والإيمان من أَئمة أهل العلم في الأَقطار، في بغداد، والحجاز واليمن، والشام، ومصر، وبلاد العجم، وقد ساق الذهبي أقوالهم في: " تاريخ الإسلام " و " السير " وغيره في غيرها من سابق ولاحق، فَمِنَ الذين نَعَتُوْه بِالفقه:
стр. 354
شيخه وتلميذه: الإمام الشافعي (١) ، وشيخه عبد الرزاق (٢) ، قال:
" ما رأيت أَحدًا أَفقه ولا أَورع من أَحمد بن حنبل ".
قال الذهبي بعده (٣) :
" قلت: قال هذا، وقد رأى مثل الثوري، ومالك، وابن جريج ".
ومن الذين نعتوه بالفقه: أَبو عبيد القاسم بن سَلَّام (٤) " وأَبو ثور (٥) ، وعبد الله بن المديني (٦) ، وابن وارة (٧) ، والنسائي (٨) ، وصالح بن محمد جزرة (٩) ، والبوشنجي (١٠) ، وأَبو زرعة الرازي (١١) ، وإبراهيم بن خالد (١٢) ، وإسحاق ابن راهويه (١٣) ، ويحيى بن آدم (١٤) ، وإبراهيم الحربي (١٥) ،
стр. 355
وأَبو حاتم الرازي (١) ، والعجلي (٢) ، ويحيى بن معين (٣) ، كل هؤلاء نعتوه بالفقه، ومنهم من فَضَّله على غيره، وأَلحقه بطبقة التابعين؛ بل منح لقب: " الإمام "، وقد سمى ابن الجوزي بعض من لقبوه بالإمام، منهم (٤) :
علي بن المديني، وأَبو عبيد القاسم بن سلام، وبشر بن الحارث، ويحيى بن آدم القرشي، والذهلي، وأَبو ثور.
ولما ساق الذهبي كلمة المروزي في تفضيل أَحمد على أَهل زمانه قال (٥) :
" قلت: كان أَحمد عظيم الشأن، رأسًا في الحديث، وفي الفقه، وفي التأله، أثنى عليه خلق من خصومه، فما الظن بإخوانه وأَقرانه ... ؟ ".
وقال أيضا في: " السير ١١/٢٩١-٢٩٣ ": " وإلى الإمام أَحمد، المنتهى في معرفة السنة علما، وعملًا، وفي معرفة الحديث وفنونه، ومعرفة الفقه وفروعه، وكان رأسًا في الزهد، والورع، والعبادة، والصدق " انتهى
قال الربيع بن سليمان، قال الشافعي (٦) : " أَحمد إِمام في ثمان خصال: إِمام في الحديث، إمام في الفقه، إِمام في اللغة، إِمام في