* تاريخ تأليفه للمسند:
أَلَّف " المسند " قبل المحنة، وما سمعه ابنه عبد الله إلَّا بعدها في حدود سنة (٢٢٧ هـ) أو سنة (٢٢٨ هـ) .
* سعة حفظه:
الأخبار عنه في هذا تطول، ومنها:
عن أَحمد الدورقي، عن أَبي عبد الله قال: نحن كتبنا الحديث من ستة وجوه، وسبعة لم نضبطه، فكيف يضبطه من كتبه من وجه واحد؟
قال عبد الله بن أَحمد: قال لي أَبو زرعة: أَبوك يحفظ أَلف أَلف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأَبواب. قال الذهبي بعدها: فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أَبي عبد الله، وكانوا يعدون في ذلك المكرر، والأَثر، وفتوى التابعي، وما فُسِّر، ونحو ذلك، وإلاَّ فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك " انتهى.
стр. 352
المبحث الثاني: إِمامته في الفقه (١)
ينتظم الإمام عقد الصفوة المباركة من أئمة المسلمين في الفقه، والدِّين، وَلاَ أدَلَّ على امتلاكه الطاقة الكبرى في الفقه، وتبوئه موقع الريادة فيه، من انتصابه للفتيا، وتسجيل آلاف الفتاوى، مقدرة بنحو ستين أَلف فتوى.
قال تلميذه عبد الوهاب بن عبد الحكم الوَرَّاق:
" ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، قيل له: وأيش الذي بان لك من فضله، وعلمه على سائر من رأيت؟ قال رجل سئل عن ستين ألف مسألة، فأجاب فيها بأن قال: حدَّثنا، وأخبرنا ".
وهي مدونة في عشرات كتب المسائل، التي رواها مئات التلاميذ عنه، بل من كبار شيوخه من يرجع إليه، ويستفتيه، ويرجع إلى رأيه في الفقهيات، كما يأخذون عنه الروايات أمثال الأئمة:
стр. 353
الشافعي، ويزيد بن هارون، وابن مهدي، وعبد الرزاق، ووكيع، ويحيى ابن آدم، وأَبي ثور، وكان يقول- وهو شيخه-: (أَحمد، شيخنا، وإمامنا) .
ولهذا قال أَبو القاسم ابن الجَبُّلي:
" أَكثر الناس يظنون أَن أَحمد إِنما كان أَكثر ذكره لموضع المحنة، وليس هو كذاك، كان أَحمد بن حنبل، إذا سُئِلَ عن المسألة كأن علم الدنيا بين عينيه " انتهى من كتاب ابن الجوزي " مناقب الإمام أَحمد ": " الباب التاسع: في بيان غزارة علمه وقوة فهمه وفقهه ".
وفيه ساق أَمثلة عجيبة من دقة فقه الإمام، وبصيرته النافذة في مآخذ الأَحكام. وما كان أَغنانا عن البحث في هذا، لأَن ثبوت إمامة أَحمد في الفقه، ومعرفته فيه، وغوصه في فهم نصوص الوحيين الشريفين، وفقه الصحابة والتابعين، وشهرة ذلك كالشمس إلَّا أَنها تغرب، وهذا واضح للعيان لمن وقف على أَفعاله، وأقواله في أَجوبته وفتاويه التي بلغت عشرات الأَسفار يكتبها عنه مئات الأصحاب، وقد شهد بفقهه الأَئمة الكبار من شيوخه، وأَقرانه، وتلامذته، ممن لهم قدم صدق في الإسلام والعلم والورع والإيمان من أَئمة أهل العلم في الأَقطار، في بغداد، والحجاز واليمن، والشام، ومصر، وبلاد العجم، وقد ساق الذهبي أقوالهم في: " تاريخ الإسلام " و " السير " وغيره في غيرها من سابق ولاحق، فَمِنَ الذين نَعَتُوْه بِالفقه:
стр. 354
شيخه وتلميذه: الإمام الشافعي (١) ، وشيخه عبد الرزاق (٢) ، قال:
" ما رأيت أَحدًا أَفقه ولا أَورع من أَحمد بن حنبل ".
قال الذهبي بعده (٣) :
" قلت: قال هذا، وقد رأى مثل الثوري، ومالك، وابن جريج ".
ومن الذين نعتوه بالفقه: أَبو عبيد القاسم بن سَلَّام (٤) " وأَبو ثور (٥) ، وعبد الله بن المديني (٦) ، وابن وارة (٧) ، والنسائي (٨) ، وصالح بن محمد جزرة (٩) ، والبوشنجي (١٠) ، وأَبو زرعة الرازي (١١) ، وإبراهيم بن خالد (١٢) ، وإسحاق ابن راهويه (١٣) ، ويحيى بن آدم (١٤) ، وإبراهيم الحربي (١٥) ،
стр. 355
وأَبو حاتم الرازي (١) ، والعجلي (٢) ، ويحيى بن معين (٣) ، كل هؤلاء نعتوه بالفقه، ومنهم من فَضَّله على غيره، وأَلحقه بطبقة التابعين؛ بل منح لقب: " الإمام "، وقد سمى ابن الجوزي بعض من لقبوه بالإمام، منهم (٤) :
علي بن المديني، وأَبو عبيد القاسم بن سلام، وبشر بن الحارث، ويحيى بن آدم القرشي، والذهلي، وأَبو ثور.
ولما ساق الذهبي كلمة المروزي في تفضيل أَحمد على أَهل زمانه قال (٥) :
" قلت: كان أَحمد عظيم الشأن، رأسًا في الحديث، وفي الفقه، وفي التأله، أثنى عليه خلق من خصومه، فما الظن بإخوانه وأَقرانه ... ؟ ".
وقال أيضا في: " السير ١١/٢٩١-٢٩٣ ": " وإلى الإمام أَحمد، المنتهى في معرفة السنة علما، وعملًا، وفي معرفة الحديث وفنونه، ومعرفة الفقه وفروعه، وكان رأسًا في الزهد، والورع، والعبادة، والصدق " انتهى
قال الربيع بن سليمان، قال الشافعي (٦) : " أَحمد إِمام في ثمان خصال: إِمام في الحديث، إمام في الفقه، إِمام في اللغة، إِمام في
стр. 356
القرآن، إِمام في الفقر، إِمام في الزهد، إِمام في الورع، إِمام في السنة " انتهى.
وقد شرحها مع ضِعْفِها ابن أَبي يعلى في " الطبقات ".
فالإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- مُحَدّث يمحص الروايات صحيحها من سقيمها، وراجحها من مرجوحها، وناسخها من منسوخها وعامها من خاصها، ومطلقها من مقيدها ... وهذه منقبة له بالاتفاق والإجماع من الموافق والمخالف.
والإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- فقيه يمحص معاني النصوص وأَلفاظ الرواة.
وهو لغوي بارع، يعرف منازل الكلام، وموارده، ومصادره، ونحو العربية، وبلاغتها، ويكفينا في هذا إِضافة إلى أَنه عربي من ذُرَى شيبان، شهادة سَيِّدِ من نطق بالضاد في زمانه، شيخه، وتلميذه الإمام الشافعي بأَن أَحمد: " إِمام في اللغة ". وقد قال أَحمد:
" كتبت من العربية أكثر مما كتب أَبو عمرو بن العلاء ".
وكان- رحمه الله تعالى- لا يلحن في الكلام، ويؤدِّب أَولاده على اللحن، وقد ضرب ابنته زينب، وانتهرها على اللحن.
وهكذا جمع الله له بين الفقهين: فقه الإسناد، وفقه المتون والألفاظ بحقائقها اللغوية والشرعية.
ولا غرابة كان فقهه: " فقه دليل "، وإلاَّ فكيف يفقه النص من لا يعرف منزلة سنده؟.
стр. 357
ومع هذا فإِن العصبية دفعت بأَقوام إلى الشغب على الِإمام والنيل من أهل مذهبه فصاغوا قولتهم عن الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- بأَنه: " محدث وليس بفقيه ".
واستقوها من تصرف الإمام الطبري: محمد بن جعفر المولود سنة (٢٢٤ هـ) والمتوفى مدفونًا بداره ليلا في بغداد سنة (٣١٠ هـ) في كتابه: " اختلاف الفقهاء " من أَنه لم يضم إلى خلاف الثلاثة خلاف الإمام أَحمد ... (١) ؟
من هنا نبيّن كائنة الحنابلة مع الإمام الطبري وأقوال الناس في توجيهها، ومحملها، حتى يتبين للمنصف اضمحلال تلك المقولة، وضمور مستندها.
* كائنة الحنابلة مع الطبري:
في ترجمة: الإمام محمد بن جرير الطبري، شيخ المفسرين، المتوفى سنة (٣١٠ هـ) - رحمه الله تعالى- ذكر ياقوت ت سنة (٦٢٦ هـ) في تاريخه " معجم الأدباء " وابن الأثير في: " تاريخه: الكامل " (٦/ ١٧١) وابن السبكي ت سنة (٧٧١ هـ) في: الطبقات ٣/ ١٢٤- ١٢٥ " وابن كثير ت سنة (٧٧٤ هـ) : في تاريخه:
стр. 358
١١/١٤٥ ": كائنة الحنابلة مع الطبري:
(فلما قدم- أي الطبري- إلى بغداد من طبرستان بعد رجوعه إليها: تعصب عليه أَبو عبد الله الجصاص، وجعفر بن عرفة، والبياضي، وقصده الحنابلة فسألوه عن أَحمد بن حنبل في الجامعِ يوم الجمعة وعن حديث الجلوس على العرش، فقال أَبو جعفر أما أَحمد بن حنبل فلا يعد خلافه، فقالوا له: فقد ذكره العلماء في الاختلاف، فقال: ما رأيته رُوي عنه ولا رأيت له أَصحابًا يُعَوَّلُ عليهم، وأَما حديث الجلوس على العرش فمحال، ثم أَنشد:
سبحان من ليس له أَنيس ... ولا له في عرشه جليس
فلما سمع ذلك الحنابلة منه، وأَصحاب الحديث، وثبوا ورموه بمحابرهم، وقيل: كانت ألوفًا، فقام أَبو جعفر بنفسه ودخل داره فرموا داره بالحجارة حتى صار على بابه كالتل العظيم، وركب نازوك صاحب الشرطة في عشرات ألوف من الجند يمنع عنه العامة ووقف على بابه يومًا إلى الليل وأَمر برفع الحجارة عنه، وكان قد كتب على بابه:
سبحان من ليس له أَنيس ... ولا له في عرشه جليس
فأَمر نازوك بمحو ذلك وكتب مكانه بعض أَصحاب الحديث:
لأَحمد منزل لا شك عامل ... إذا وافى إلى الرحمن وافد
فَيُدْنِيْهِ ويُقْعِدُهُ كريمًا ... على رغم لهم في أنف حاسد
فَخَلا في داره، وعمل كتابه المشهور في الاعتذار إليهم، وذكر
стр. 359
مذهبه، واعتقاده، وجرح من ظن فيه غير ذلك، وقرأ الكتاب عليهم، وفيه فضل أَحمد بن حنبل، وذكر مذهبه وتصويب اعتقاده، ولم يزل في ذكره إلى أَن مات ولم يخرج كتابه في الاختلاف حتى مات، فوجدوه مدفونا في التراب فأَخرجوه ونسخوه، أعني " اختلاف الفقهاء " انتهى.
فهذه المصادر تتفق هي وغيرها على أمور
١- أَن ابن جرير- رحمه الله تعالى- احتجب في داره.
٢- وأنه لما مات سنة (٣١٠ هـ) دفن في داره ليلًا ومنعوا من دفنه نهارًاه.
٣- وأن ذلك بسبب ما وصل إِليه من أَذى.
ثم اختلفوا فيمن آذاه وسببه.
* فياقوت يُعَلِّلُهُ بأَمرين من الحنابلة، هما:
١- تأويله حديث الاقعاد على العرش
٢- عدم ذكره لخلاف أحمد في كتابه: " اختلاف الفقهاء ".
* وابن الأَثير، يذكر قول ابن مسكويه من أن سببه:
دعوى العامة عليه: الرفض والِإلحاد، لكن يرده ابن الأَثير ويذكر أن السبب تأليفه كتابه المذكور، وقيام الحنابلة عليه.
* وابن السبكي يرى أَنه إنَّما احتجب عن الأراذل من العامة، وأَما الحنابلة فهم أقل شأنًا من أن يمنع بسببهم.
* وابن كثير: يرى أَن السبب رمي داود الظاهري له بالرفض
стр. 360
والإلحاد، بسبب تأليفه كتابا عن: غديرخم في مجلدين، وكتابًا جمع فيه طرق حديث الطير، وأنه كان يقول بجواز مسح القدمين في الوضوء، فقلد الحنابلة داود فآذوا ابن جرير تدينًا.
هذه خلاصة ما ذكره المؤرخون في هذه الكائنة، ومعلوم أَن الفقرتين (١، ٢) لا خلاف فيهما، وتبقى الفقرة الثالثة في معرفة من آذاه، وسببه، ويظهر ما يلي:
١- ما ذكره ابن السبكي، لا ينبغي الالتفات إِليه، ولا التعويل عليه؛ لما عرف من العداوة بينه وبين الحنابلة، فهذا من تقادح الأَقران، بل بلغ به الحال- تجاوز الله عنا وعنه- إلى الوقوع في شيخه الإمام الذهبي كما في ترجمته له وفي ترجمته لوالده، وفي ترجمته أبي الحجاج المزي من كتابه: " طبقات الشافعية الكبرى ١٠/٣٩٩-٤٠٠، ٩/١٠٣ " وقد رد عليه الحافظ السخاوي - رحمه الله تعالى- في: " الإعلان بالتوبيخ ص/ ١٠١، ١٣٥- ١٣٦ " والشوكاني في: " البدر الطالع ".
٢- ما ذكره ابن الأَثير عن ابن مسكويه، وذكره بأَبسط منه ابن كثير من أَن السبب ما رُمي به من الرفض والإلحاد فيكفينا في رده، بعد المطالبة بثبوته، ودونه خَرْطُ القتاد: رد ابن الأَثير له، ورد ابن كثير كذلك في قولهما: وحاشاه من ذلك.
٣- بقي السبب الثالث الذي ذكره ياقوت وابن الأثير وهو تأليفه كتابه: " اختلاف الفقهاء " وفيه خلاف الأئمة الثلاثة دون ذكر
стр. 361
خلاف الإمام أحمد، زاد ياقوت: وتأويله حديث الجلوس على العرش.
قال ابن الأثير: " فقيل له- أي ابن جرير- في ذلك فقال: لم يكن فقيهًا وإنَّما كان محدثا، فاشتد ذلك على الحنابلة، وكانوا لا يُحْصَوْنَ كثرة ببغداد، فشغبوا عليه، وقالوا ما أَرادوا ... ".
أقول: لِنفرض أَن هذا هو السبب، فإن اعتذار ابن جرير- رحمه الله تعالى- في عدم ذكر الإمام أحمد في كتابه اختلاف الفقهاء، واضح، أنه لا يريد نفي كون الإمام أحمد فقيهًا وإنَّما يريد نفي كونه فقيهًا متبوعًا؛ فابن جرير ولد سنة (٢٢٤ هـ) في حياة الإمام أَحمد المتوفى سنة (٢٤١ هـ) ثم توفي ابن جرير سنة (٣١٠ هـ) ومذهب الإمام أَحمد لم يتكون إقراء فروعه في هذه الفترة، فكان في طور رواية تلامذته له، وجمع الخلال له، المتوفى سنة (٣١١ هـ) أي بعد ابن جرير بعام واحد، وأول مختصر في فقهه كان من تأليف الخِرَقي المتوفي سن (٣٣٤ هـ) ، فصار بدءُ إقرائه في الكتاتيب كما في تلقن القاضي أَبي يعلى له، وعلى يد أبي يعلى، المتوفى سنة (٤٥٨ هـ) الذي تولى القضاء وشيخه الحسن بن حامد، المتوفى سنة (٤٠٣ هـ) بدأ ظهور المذهب، وتكونه، وتكاثر أَتباعه، والاشتغال في تهذيبه، وتدوين المتون والأصول، وكل هذا بعد وفاة الإمام ابن جرير بزمن كما هو ظاهر فرحم الله ابن جرير ما أبره حينما قال: " أما أحمد فلا يعد خلافه، فقالوا له، فقد ذكره العلماء في الاختلاف، فقال: ما
стр. 362
رأيته رُوي عنه، ولارأيت له أُصحابًا يعول عليهم " انتهى.
أَي يعول عليهم في التمذهب الفروعي كما جرى عليه أَتباع الأَئمة الثلاثة: أَبي حنيفة، ومالك، والشافعي؛ لتقدمهم عليه في الرتبة الزمانية، ثم صار التمذهب بمذهب أَحمد في مرحلة زمانية متأخرة عن وفاة ابن جرير على ما بينته.
وهذا من الوضوح بمكان مكين لمن تأمله، لكن ما فهم الأَصحاب كلامه ومراده فوقع ما وقع. ولله الأَمر من قبل ومن بعد.
ولا أرى هذا التخريج في الاعتذار عن ابن جرير إلَّا من وضع الأمور في نصابها.
وله نظائر تخرج من مآزق في التحطط على أهل العلم والإيمان.
منها ما أعتذر به ابن كثير- رحمه الله تعالى- عما نسب إلى ابن جرير من أَنه يقول بقول الرافضة من أَن فرض القدمين في الوضوء هو " المسح ".
قال ابن كثير- رحمه الله تعالى-: (والذي عوَّل عليه كلامه في التفسير أَنه يوجب غسل القدمين، ويوجب مع الغسل دلكهما، ولكنه عَبَّرَعن الدلك بالمسح، فلم يفهم كثير من الناس مراده، ومن فهم مراده نقلوا عنه أَنه يوجب الغسل والمسح، وهو الدلك، والله أعلم) انتهى
وذكرت لهذا نظائر في: (التعالم) والله أعلم.
ويزاد هنا نظير قول الطبري: " ولا رأيت له- أي أحمد-
стр. 363
أصحابًا يعول عليهم ": قول الإمام أَحمد، لما سُئِلَ عن أبي حنيفة، وعمرو بن عبيد، قال: أَبو حنيفة أَشد على المسلمين من عمرو بن عبيد؛ لأَن له أَصحابًا ... ".
كما في: " تاريخ بغداد: ١٣/١١٤ " فإن أحمد لم يُرد أَن عمرو بن عبيد لا أَصحاب له البتة؛ وِانما أَرأد أَنه ليس له أَصحاب في مثل غلوه في الاعتزال والقدر (١) .
هكذا تنزل كلمات الأَئمة منازلها، فهي بحاجة إلى نظر سديد، وتأمل دقيق، وتخلص العصبية والهوى. والله المستعان
ثم يبدو بَعْدُ أَمران لابد من التنبيه عليهما:
الأول: أن ابن جرير يلتقي مع الإمام أحمد وأصحابه في صفاء الاعتقاد، والجري فيه على طريقة السلف بلا تأويل، ولا تفويض، ولا تشبيه، مع النزوع إلى فقه الدليل، وكان- رحمه الله تعالى- رأسًا في العلم، حتى انتسب له بعض أهل العلم مثل: المعافى بن زكريا النهرواني الجريري ت سنة (٣٩٠ هـ) نسبة إلى ابن جرير في التمذهب؛ ولهذا ترى في تراجم بعضهم: وكان جريري المذهب، فهو- رحمه الله تعالى- رأس منافس في الترأس والاتباع، فلعلَّ ما هنا أثَر على ما هنالك، واِن كان- رحمه الله تعالى- أَجَلَّ وَأَوْرَعَ وَأَتْقَى لِرَبّه مِن التَّأثرِ بِذَلك.
الثاني: إن كان المتعصبة يريدون بقولتهم " ليس بفقيه " فقه
стр. 364
الرأي الذي لم يؤصل على الدليل فنعم، وهي منقبة، وإن أريد أنه غير فَقيه: فقه الدليل، فهذا من جحود المحسوس، ونكران الملموس. وعلى كل حال فتلك شكاة ظاهر عنك عارها، وتحتجر المقولة في صدر قائلها؛ إِذ لا رصيد لها من الواقع، ولا دليل يسندها، والعبرة بالحقائق، والكُلُ إلى الله صائر.
ولعله بهذا تحصل القناعة للمنصفين، وتنقشع عن أبصارهم غشاوة المُشَنِّعين، ونكون قد أدينا بعض ما لعلمائنا علينا من حرمة يجب أن تُرعى، وحق يلزم أن يُؤَدَّى.
وإذا تجلَّى الحق لناظريه، فليعلم الناظر فيه، أَن هذه الدعوى: " الإمام أحمد محدِّث وليس بفقيه " هي من ولائد التحطط على عموم المحدثين، ورميهم من المغبونين، بأنهم: " زوامل أَسفار "؟
وقد قام الخطيب البغدادي ت سنة (٤٦٣ هـ) بتفنيد هذه الفرية وأن بواعثها أغراض نفسانية بلا مرية، وكشف عنها في كتابه النافع: " الفقيه والمتفقه " فاستجلى أَسبابها وجلى عن وجوه ردها، وسار من بعده على نهجه، فهم بها عيال عليه.
стр. 365
المبحث الثالث: مَدَى تأثر فقه أحمد ومذهبه بفقه الشافعي ومذهبه
وُلدَ الإمام الشافعي سنة (١٥٠ هـ) وتوفي سنة (٢٠٤ هـ) ، والإمام أَحمد ولد سنة (١٦٤ هـ) وتوفي سنة (٢٤١ هـ) فيكون أَدرك من حياة الشافعي أَربعين عاما، وقد تتلمذ عليه واستفاد منه، وَبِالمِثْلِ فإِن الشافعي اعترف بفضل الإمام أَحمد وأَثنى عليه كثيرًا، وأَخذ عنه، وكان لمنزلته عنده يزوره فلما قيل له، أنشد:
قالوا يزورك أَحمد وتزوره ... قلت الزِّيارة كلها من أَجله
إن زرته فلفضله أو زارني ... فبفضله فالفضل في الحالين له
قيل: أَجابه أحمد- رحمه الله تعالى- بقوله:
إن زُرتنا فبفضل منك تَمنحنا ... أو نحن زُرْنا فللفضل الذي فيكا
فَلاَ عدمنا كلا الفضلين منك ولا ... نال الذي يتمنى فيك شانيكا
ذكر ذلك أبو الثناء الحميدي، المتوفى سنة (١٠٣٠ هـ) كما في ترجمته من: " النعت الأكمل " للغزي. ولم أر ذِكْرَ الجواب بهما لغيره. والشافعي- رحمه الله تعالى- دخل بغداد مرتين، أقام في رحلته الأولى سنتين ونصف، وفيها صَنَّفَ كُتبهُ القديمة، ورحلته الثانية أقام بها شهرًا ولم يصنف فيها شيئًا.
стр. 366
فلهذه العلاقة العلمية والودية لاشك أثر على كل منهما كما أثرت العلاقة فيما بين أحمد، وإسحاق بن راهويه، المتوفى سنة (٢٣٨ هـ) ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى - في: " الفتاوى: ٣٤/ ١١٣ ":
(وموافقته- أي أحمد- للشافعي، وإسحاق، أَكثر من موافقته لغيرهما، وأصوله بأصولهما أَشبه منها بأصول غيرهما، وكان يُثني عليهما، ويُعظمهما، ويُرجح أصول مذهبهما على من ليست أصول مذهبه كأصول مذهبهما.ومذهبه: أَن أصول فقهاء الحديث أَصح من أصول غيرهم، والشافعي وإسحاق، هما عنده من أَجل فقهاء الحديث في عصرهما، وجمع بينهما في مسجد الخيف، فتناظرا في " مسألة إجارة بيوت مكَة " ... ) انتهى (١)
ثم إِن هذين الإمامين يشتركان في خدمة الحديث الشريف وفقهه، مما صار له الَأَثر على فقههما، وتلاقي فُهُوْمِهِمَا في الاستنباط والتعليل، وصار له أَثر على أتباعهما في خدمة السنة النبوية؛ ولهذا برز في كلا المذهبين أَعلام على قدم الإمامة في علم الحديث
فمن الشافعية: الخطيب، والنووي، وابن كثير والذهبي، وابن حجر.
ومن الحنابلة: عبد الغني بن سرور المقدسي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن عبد الهادي.
وكان من أَثر الفقه الشافعي بالفقه الحنبلي، سلوك بعض
стр. 367
الأصحاب طريقة بعض الشافعية في صناعة التأليف في الفقه، وذلك من لدن أَول متن في المذهب: " مختصر الخِرَقي "؛ إذ أَلَّفهُ على طريقة المزني في " مختصره " كما في: " الفتاوى ٤/ ٤٥٠ ".
وهكذا من سار على طريقة الخرقي وترتيبه من الأصحاب.
وهذا الفخر ابن تيمية ت سنة (٦٢٢ هـ) - رحمه الله تعالى- له: " تخليص المطلب ... " و " ترغيب القاصد ... " و " بلغة الساغب ... " وهذه الثلاثة على طريقة الغزالي الشافعي في: " البسيط "، و " الوسيط " و " الوجيز " (١) .
وهذا العلاَّمة المرداوي ت سنة (٨٨٥ هـ) جرى في كتابه: " الِإنصاف ... " على طريقة ابن قاضي عجلون في تصحيحه لمنهاج النووي وغيره من كتب التصحيح (٢) .
ومنه أَن يحيى بن يحيى الأَزجي ت بعد سنة (٦٠٠ هـ) في كتابه: " نهاية المطلب في علم المذهب " حذا فيه حذو " نهاية المطلب " لِإمام الحرمين الجويني الشافعي، كما في: " ذيل الطبقات " وقد فرح بعضهم بهذا التقارب بين المذهبين، فادَّعى أَنه لا حاجة لمذهب الإمام أَحمد؛ لعدم وجود خلاف بينهما إلا في مسائل قليلة نحو ست عشرة مسألة؟
وقد ذكر هذه الدعوى الشيخ يوسف بن عبد الهادي الحنبلي،
стр. 368
المتوفى سنة (٩٠٩ هـ) - رحمه الله تعالى- في كتابه. " مناقب الإمام أَحمد " ورد عليها فيه، ثم أَفرد كتابا لنقضها باسم: " قرة العين فيما حصل من الاتفاق والاختلاف بين المذهبين ".
ولم يقدر لنا الاطلاع على الكتابين، لكن الشيخ أحمد بن محمد المنقور التميمي، المتوفى سنة (١١٢٥ هـ) - رحمه الله تعالى- ذكر في مجموعه: " الفواكه العديدة في المسائل المفيدة " الإشارة الى ذلك، ونقل كلام ابن عبد الهادي الآتي ذكره في: كتب المفردات " من الباب العاشر ".
والخلاصة أن المسائل بين الأئمة الأربعة تجري على أنواع:
١- مسائل اتفقوا عليها وانظر " الإفصاح " لابن هبيرة، و " رحمة الأمة " للدمشقي.
٢- مسائل اختلفوا فيها على قولين أو ثلاثة أو أربعة.
ومن أمثلة أربعة الأقوال: مسألة الافتراش والتورك في جلوس التشهد في الصلاة: فأَبو حنيفة مذهبه: الافتراش في كل تشهد. ومالك: التورك، والشافعي: الافتراش في التشهد الأول والتورك في كل تشهد يليه سلام، وأحمد: " الافتراش في التشهد الأول، وفي الثنائية والتورك في التشهد الأخير ".
وتقدر المسائل التي خالف فيها أَحمد مذهب الشافعي بنحو عشرة آلاف مسألة.
٣- ومن مسائل الخلاف ما يحصل فيه بعضها انفراد واحد
стр. 369
عن الثلاثة، ولهذا أَلف أَهل كل مذهب مفردات ذلك المذهب.
ومنها كتب في مفردات مذهب الإمام أَحمد.
وليس الخلاف والانفراد هو الشاهد على الاستقلال، لكن الشاهد: ما ثبت في أَجوبة الإمام على فتوى المفتين في أَكثر من ستين أَلف مسألة، رواها عنه تلامذته، ودونوها في كتب " المسائل عنه " وفيها من الفقه، والتعليل، والتدليل، ودقة النظر ما يبهر العقول، ويرسم للمتفقه طريق الفقه في الدِّين واستنباط دقائق الأَحكام من أَدلة التشريع، فرحمة الله على الجميع، آمين.
стр. 370
المبحث الرابع: خَبَر القول بخلق القرآن: فِتْنَةٌ. ثم مِحْنةٌ. ثم نصْرةٌ
مدة (٢٣) عامًا
من بدايتها فتنة في عهد المأمون سنة (٢١٢ هـ)
إلى نهايتها نُصرة في عهد المتوكل سنة (٢٣٤ هـ)
ومواجهة الإمام أَحمد لها في مراحلها -رحمه الله تعالى-.
* دور فِتْنه القول بخلق القرآن:
كان أمر الناس جاريًا على السُّنَةِ والسَّدَادِ من إِثبات صفة الكلام لله- تعالى- وأَن القرآن كلام الله، وَلَمْ يَفُهْ أَحد- وحاشاهم- بخلاف ذلك. هذا الأَصل العقدي كغيره من قضايا الاعتقاد محل إجماع، واجتماع من جميع الصحابة- ﵃ وعليه عامة التابعين، وَمؤَدَّاهُ حَتْمًا: أَنه غير مخلوق. وقد وردت روايات مرفوعة بأَن كلام الله غير مخلوق، لكن لا يصح منها شيء كما بينته في: " التحديث " قال الذهبي- رحمه الله تعالى (١) -:
стр. 371
(كان الناس أمة واحدة، ودينُهم قائمًا في خلافة أَبي بكر وعمر، فلما استُشهد قُفْلُ بابِ الفتنة عمرُ ﵁، وانكسر الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذُبحَ صبرا، وتفرقت الكلمةُ وتمت وقعةُ الجمل، ثم وقعةُ صِفّين، فظهرت الخوارجُ، وكفَّرت سادةَ الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب.
وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القَدَريَّةُ، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية والمجسمة بخُراسان في أَثناء عصر التابعين مع ظهور السُنَّة وأَهلها، إلى بعد المئتين، فظهر المأمون الخليفة- وكان ذكيا متكلمًا، له نَظَر في المعقول- فاستجلب كتبَ الأَوائل، وعرَّب حِكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخب ووضع، ورفعت الجَهميةُ والمعتزلةُ رؤوسها، بل والشيعة، فإِنه كان كذلك، وآل به الحال إلى أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن، وامتَحنَ العُلماءَ، فلم يُمْهَلْ، وهَلَكَ لِعامه، وخلَّى بعده شرًا وبلاءً في الدِّين، فإِن الأمة ما زالت على أَن القرآن العظيم كلام الله تعالى وحيُه تنزيلُه، لا يعرفون غيرَ ذلك، حتى نبغ لهم القولُ بأنَّ كلام الله مخلوق مجعول، وأَنه إِنما يضاف إلى الله تعالى إِضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله، فأنكر ذلك العلماء ولم تكن الجهمية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأَمين، فلما وَلي المأمون، كان منهم، وأَظهر المقالة) انتهى.
فهذه المقالة الفاسدة، الباطلة، الكافرة، أول من فاه بها: اليهود، والصابئون، والمشركون، والفلاسفة الضالون.
نطق بها يهودي باليمن، فأخذها عنه: لبيد بن الأعصم اليهودي،
стр. 372
ساحر النبي ﷺ ، وعن لبيد، أَخذها ابن أُخته وزوج ابنته: طالوت اليهودي، فزرعها هذا في العراق، وهي دار إِسلام (١) .
وأَول من نطق بها عن طالوت في الِإسلام. أبان بن سمعان، في العراق بحد المائة، فقتله خالد بن عبد الله القسري، وأَحرقه بالنار ثم تتابع على القول بها في العراق جمع من الموالي:
فعن أَبان أَخذها: الجعد بن درهم، المقتول عليها بمرو سنة (١١٨ هـ) بأَمر هشام بن عبد الملك، على يد عامله: خالد بن عبد الله القسري، وقيل: بل مات حتف أنفه، وَجَعْدٌ هو أستاذ آخر خلفاء بني أُمية: " مروان بن محمد "، المشهور بمروان الحمار؛ لصبره وَجَلَدِه على الشدائد، وكان ينسب إلى مؤدبه، فيقال: " مروان الجعد " ولشؤمه عليه ختمت به دولة بني أمية.
وعن الجعد، تلقاها: الجهم بن صفوان، المقتول عليها سنة (١٢٨ هـ) وصار له أتباع على هذه الضلالة يقدمهم يوم القيامة.
فقد أَخذ هذه المقالة ودعا إِليها: بشر بن غياث المريسي، المتوفى سنة (٢١٨ هـ) وكان والده يهوديًا قَصَّابا، صَبَّاغًا في بغداد وبِشْرٌ لم يلق الجهم، لكنه ورِثَ منه الشقاء، لهذا لم يُشَيّعْهُ أَحَدٌ من العلماء، وحكم الأَئمة بكفره، وردوا عليه مقالته، هو وقرينه: " ابن الثلجي " ومن أهمها: " رَدُّ الدارمي عثمان بن سعيد على بشر
стр. 373
المريسي العنيد ".
وفي كتاب: " الأَوائل " للعسكري (١) ، أَن أَول ما اختلف الناس في " خلق القرآن " كان في أَيام الإمام أَبي حنيفة، المتوفى سنة (١٥٠ هـ) - رحمه الله تعالى- مع تلميذه أَبي يوسف، فأَباها أَبو يوسف ونفاها، وقال أَبو حنيفة: " القرآن مخلوق "؛ ولهذا قال مترجموه: استتيب أَبو حنيفة على الكفر مرتين، كما صحح ذلك المعلمي- رحمه الله تعالى- في: " التنكيل ". وكان ذلك في عهد الرشيد العباسي؛ ولذا كان بشر الشر مختفيًا في دعوته هذه؛ لأن الرشيد كان واقفًا في وجه هذه المقالة، وأَهل الأَهواء، لم يداخلوا بلاط الخلافة، وأَعْرَاقُهُم صافية لم تُهجن بَعْدُ.
دَوْرُ المحنهِ:
فلما مات الرشيد، سنة (١٩٣ هـ) توالى على الانتصار لهذه المقولة ولداه: فنشأت في أيام المأمون، ثم استفحلت جدّا في أَيام المعتصم، ثم استمرت على هذا المنوال في أيام حفيده: الواثق بن المعتصم، وثلاثتهم أمهاتهم: أم ولد.
- المحنة في عهد المأمون: " دور نشأة الامتحان بها ":
كانت هذه المقولة إلى وفاة الرشيد، " فتنة " تدور في فلك البحث، والمناظرة، وكان القول بها من المتبنين لها، على وَجَلٍ، وخوف، وكان القائل بها مقموعًا، والمقولة مكبوتة، والألسنة مكفوفة،
стр. 374
ولم يتدخل أَحد من الولاة بالانتصار لها؛ إذ كان الولاة على الإسلام، والسنة، لم تداخلهم هذه الأَهواء الفاسدة، والمقولات الباطلة، والأعراق الدخيلة. حتى تولى تلميذ أَبي الهذيل العلاف المعتزلي: سابع خلفاء بني العباس الخليفة المأمون بن هارون الرشيد، المتوفى سنة (٢١٨ هـ) فصار من أمره ما صار من تعريب كتب اليونان، ولهذا نقل الصفدي في: " شرح لامية العجم " عن شيخه، شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- قوله: " ما أظن أن الله يغفل عن المأمون، ولابد أن يُقَابَل على ما اعتمده مع هذه الأمة من إِدخال هذه العلوم الفلسفية بين أَهلها " انتهى.
وقد توغل الفرس في خلافته، وداخله أهل الكلام، وخاصة " بطانة السوء ": " أرباب الاعتزال والتجهم ".
فكانت روحه متشبعة بالاعتزال، والمعتزلة من حوله على بلاط الخلافة، قد اتخذهم له شعارًا، ودثارًا، منهم: ثمامة بن الأَشرس، و " أَحمد البدعة ": أحمد بن أبي دؤاد، المشؤوم على هذه الأمة، النافخ في كير هذه الفتنة، فكان يُحسن لَهُ هذه المقولة، ويدعوه إليها، حتى استجاب المأمون لها، وفي عام ٢١٢ هـ. فتح باب القول فيها، وإعلان المناظرة عليها في مجلسه وهو في بغداد، ولم يتجرأ قَبْلُ على مراغمة الناس على القول بها، لوجود شيخ أهل السنة في زمانه: يزيد بن هارون، لما له من سلطان على النفوس، والقلوب، وأمر العامة على الولاة عسير فلما مات يزيد سنة (٢٠٦ هـ) ، والمأمون في حال غيابه عن بغداد، وهو في طرسوس، ابتعادًا عن مواجهة العامة والخاصة، وما للعلماء من
стр. 375
نفوذ على قلوب العامة، وفي حال ضعف وتخلف صحة المأمون، دعاه أَحمد البدعة، على حمل الناس عليها، ومراغمتهم على القول بها، فأَخذ المأمون في هذه الخطة المشؤومة " محنة القول بخلق القرآن " سنة وفاته عام (٢١٨ هـ) نعوذ بالله من سوء الخاتمة، ومن بطانة السوء وهكذا شؤم مخالطة أهل الأَهواء، وكان متولي كبرها ثلاثة نفر:
١- أَحمد البدعة، النافخ في كير هذه الفتنة، المشؤوم على هذه الأمة رئيس قضاة المأمون: أحمد بن أَبي دؤاد ت سنة (٢٤٠ هـ)
٢- خادمه في بغداد: المصعبي: إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب الخزاعي ت سنة (٢٣٥ هـ) .
صاحب الشرطة في بغداد، أَيام المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل.
كان المأمون يبعث له وهو في طرسوس سنة (٢١٨ هـ) ، الكتاب يتلوه الكتاب حتى بلغت في هذا العام خمسة كتب، ساقها المؤرخون منهم ابن جرير الطبري في: " تاريخه: ٢/ ١١٢-١٢١ "، وكان ثانيها في شهر ربيع الأول عام ٢١٨ هـ.
بدأ بكتابه الأول بدعوة العلماء إلى دار الشرطة ببغداد، وأخذ جوابهم على القول بخلق القرآن، ثم بعث أجوبتهم إليه، وخص من لهم مناصب من العلماء، وجعل عقوبة من لم يجب العزل من
стр. 376
منصبه.
ولم يلتفت لكتابه أَحد من العلماء الأحرار الطلقاء.
فكتب ثانية له ببعث سبعة من المحدِّثين، هم:
محمد بن سعد، كاتب الواقدي، ويزيد بن هارون، وابن معين، وأَبو خيثمة زهير بن حرب وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أَبي مسعود، وأَحمد بن إبراهيم الدورقي.
وتحت التهديد، والامتحان، أجابوا مكرهين.
فلما علِمَ الإمام أَحمد تمنى أَن لو صبروا، وقاموا لله، لكان الأَمر قد انقطع، وقال: " هم أَول من ثلم هذه الثلمة " لأَنهم أَجابوا، وهم عيون البلد، فاجْتُرِأَ عَلَى غيرهم.
وكان أَحمد لا يرى التحديث عمن أَجاب في الفتنة، ولَمْ يُصَلِّ عَلَى من أَجاب، منهم: أَبو نصر التمار.
ثم تتابعت كتب المأمون، وكان من الذين أَجابوا: أَبو معمر القطيعي، وكان من شدة إِدلاله بالسنة يقول: لو تكلمت بغلتي لقالت: إِنَّها سُنية. وأخذ في المحنة، فَأَجَابَ، فَلَمَّا خرج قال: كفرنا وخرجنا.
ثم اشتدت لهجة المأمون في كتبه، فجعل فيها عقوبة من لم يُجِبِ " الحبس "، وأَمر بإحضار علماء بغداد، وامتحانهم على ذلك، فلم يجب أربعة منهم، وهم:
стр. 377
أَحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد، المشهور بلقب: " سجادة " وقد أَجاب الأخيران بَعْدُ تقية، وأَصر أَحمد ومحمد بن نوح، على الحق: " القرآن كلام الله غير مخلوق ".
من هنا حُبس الشيخان، وقُيدا، وحُملا على جمل مُتَعادِلَيْن وَبُعِثَ بهما إلى المأمون في طرسوس، وكان أحمد في الطريق يسأل الله أن لا يرى المأمون، فمات المأمون وهما، في الطريق سنة (٢١٨ هـ) .
فَرُدَّا إلى بغداد، ومات محمد بن نوح في الطريق بمحل اسمه: " عانات " فَحُلَّت أقياده، وغُسِّل، وصلى عليه الإمام أحمد، ودُفِعَ بأَحمد إلى السجن في بغداد.
هذا ولا يشك الدارسون لخبر هذه المحنة، أَن هذه الكتب التي بعث بها المأمون إلى عامله المذكور، من صُنع ابن أبي دؤاد، ونسجه.
٣- صحفي الفتنة: فرخ الاعتزال، تلميذ ثمامة بن الأشرس، والنظام: الجاحظ: عمرو بن بحر بن محبوب البصري الكناني، مولاهم المعتزلي ت سنة (٢٥٥ هـ) وهو أول من لقب بالجاحظ، ويلقب أيضا بالحدقي.
كان ينشر المناظرة، ويروجها، ويلبس على أنظار الخاصة، والدهماء، وقد أهدى كتابه: " البيان والتَّبَين " لابن ابي دؤاد، فأجازه
стр. 378
عليه خمسة آلاف درهم، وأَخذ ينشر في الناس، مديحه لأَحمد البدعة، ومقادحه في أَحمد السنة.
وكان من العقوبات التي فرضها المأمون على من لم يقل بخلق القرآن، إلزامه القضاة بعدم قبول شهادة من لا يقر بهذه المقالة، وكان قاضيه على مصر هارون بن عبد الله بن محمد الزهري ثم العوفي، من ذرية عبد الرحمن بن عوف، قد تسامح في ذلك فَصُرِفَ عن القضاء وولَّى مكانه محمد بن أبي ليلى (١) .
هذه صورة لخطوات الفتنة، فالمحنة، وبينما هي على أَشدها كذلك في عهد المأمون هذا، إِذ ينازعه المرض فَلَمَّا أحس بدنو الأَجل، كانت وصيته لأَخيه المعتصم الخليفة بعده، أَن يواصل أَمر المحنة على القول بخلق القرآن، وحمل الناس عليه، ولهذا بلغ البلاء أَشده في عهد المعتصم، وإليك خبره.
* المحنة في عهد المعتصم: " دور استفحال المحنة " (٢) :
تَوَلَّى المعتصم محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن
стр. 379
عبد الله المنصور العباس الملقب بالمعتصم بالله، وهو أَول من لقب بالمعتصم بالله، وأول من أضاف اسم الله إلى لقبه سنة (٢١٨ هـ) وأمه أم ولد كذلك، وكان يسمى المثمن لأَنه ثامن خلفاء بنى العباس حتى مات سنة (٢٢٧ هـ) .
ولم يكن على درجة المأمون في معلوماته، بل كان موصوفًا بالجهل، وهو القائل:
" لا حول ولا قوة إلَّا بالله: خليفة أُمِّيٌ، ووزير عَامِّي "؛ وذلك لما مرت عليه كلمة: الكلأ فلم يعرف معناها، لا هو، ولا وزراؤه.
اسْتَلَم أَمر الخلافة، وابن أَبي دؤاد، على بلاط الخلافة يترجل، وأَذناب الاعتزال من حوله، يواصلون مسيرة الامتحان بخلق القرآن، متسترين بالسلطان، يحثونه على إِنفاذ وصية المأمون، ويحسنون له أَنه لا استقرار لِحُكْمِهِ إلَّا بذلك.
وفي هذه النوبة تسلطت الأَضواء على السجين المكبل، المعذَّب الإمام أَحمد بن حنبل الذي باء المعتصم بالأَمر بضربه في عهده حَتَّى خُلِعَتْ يَدَاه، إذ لم يضرب قبل في عهد المأمون، ولا بعد في عهد الواثق، وإليك خبره في هذا العهد:
بقي أَحمد مقيدًا في بغداد يُنقل من سجن إلى سجن، حتى حُوِّل إلى سجن العامة، وكان يصلي بأهل السجن، وهو مقيد، فصار مُكْثُه نحوًا من ثلاثين شهرًا.
وكلان يناظره في السجن رجلان هما: أحمد بن محمد بن
стр. 380
رباح، وأَبو شعيب الحجام، وكانا كلما فَرَغَا من مناظرته، زاداه قيدًا على قيوده وآلت به الحال إلى إِثقاله بالقيود، وجعله في سجن ضيق، مظلم لا نور فيه. وكان دعا ربه أَن لا يرى المأمون، فمات في نفس العام وأحمد يُساق إليه في الطريق مقيدًا بالحديد سنة (٢١٨ هـ) .
وكان ممن توفي في السجن عام ٢١٧ هـ شيخ دمشق ومحدثها أَبو مسهر الغساني عبد الأَعلى بن مسهر ببغداد سنة (٢١٨ هـ) في حبس المأمون؟ لكونه لم يجب إلى القول بأن القرآن مخلوق.
ثم حمل الإمام أحمد- رحمه الله تعالى- على دابة إلى المعتصم في العشر الأَواخر من رمضان عام (٢١٩ هـ) ، فيناظره المشؤوم: أحمد البدعة وجمع كثير من أصحابه المعتزلة في مجالس متعددة، يحاجه هذا، ثم يحاجه آخر وهكذا يستلمه واحد بعد آخر وأحمد البدعة، يحاج تارة، وتارة يستعمل " الحرب النفسية " مع الإمام أَحمد السنة، فينظر إليه نظرات الغضب، فإذا انقطع أَحد من أَصحابه في المحاجة، اعترض المشؤوم أحمد البدَعة، ومن المسمين في محاجة الإمام أحمد في مجالس المعتصم، والواثق: عبد الرحمن ابن إسحاق، وبرغوث المعتزلي، ورجلان من أَصحاب ابن أَبي دؤاد، لم يسميا.
* دَوْرُ النُّصْرَة:
وكان الإمام أحمد، لا يلتفت إلى أحمد البدعة، ولا ينظر اليه،
стр. 381
وكان يرفض أَحيانًا محاجته؛ لأَنه عامي، فيزداد غيظ أَحمد البدعة، وينزل من عيون الحضور.
والإمام أحمد: في هذه المجالس المتعاقبة يرى أن الأخذ بالتقية، والإجابة في الفتنة: هضم للِإسلام والمسلمين، فاستمر وهو صابر ثابت، محتسب، صَلْبٌ، مصمم، مصر على كلمة الحق، وقرع شبَه الباطل بحجج الحق الظاهر، ومَا ضُبطَ عليه لحن قط، والناس في رحبة الدار خلق لا يحصيهم إلَّا الله تعالى في أيديهم الصحف والأَقلام والمحابر يكتبون ما يقوله أحمد. وأما ما يصيبه من الأذى، والابتلاء على رؤوس الملا، فحدِّث ولا حرج:
إحضار الجلادين معهم السياط، يُضْرَبُ بها الإمام حتى يسقط، فإذا أفاق لُعن وسُبَّ، ومع نخسه بقوائم السيوف، وسحبه على وجهه، وخلع يديه بشدهما في خشبتين حتى ينخلعا، وتطرح على ظهره الحصر والبواري، والإمام أَحمد في كل هذه الأَحوال مقيد، وفي بعضها وهو في حال الصيام. استمر الإمام على هذه الحال ثمانية وعشرين شهرًا.
والمعتصم في هذه الأحوال، يرقُّ للإمام أحمد، ويقوٍل: لولا أَني وجدتك في يد من كان قبلي، ما عرضت لك، ويريد أن يُخلي سبيله، وأحمد البدعة يصرفه عما يريد، ويهول عليه سوء العاقبة إن أطلقه وخَلَّى سبيله.
ثم استدعى المعتصم عَمَّ الإمام أحمد، وقال لهم: ها هو
стр. 382
صحيح البدن، فقال: نعم، قال: سلمته إِليكم. وما هذا إِلًا لعظم منزلة الإمام أَحمد في نفوس العامة والخاصة، فخاف أَن يموت من الضرب فتخرج عليه عامة بغداد، ولو خرجوا عليه لربما عجز عنهم. وخلع عليه المعتصم ثيابًا ورياشا، فلما وصل أَحمد إلى داره
خلع ما كان عليه، وأَمر به فبيع، وتصدَّق بثمنه.
هذا ملخص خبر محنته أَيام المعتصم حتى مات المعتصم سنة (٢٢٧ هـ) .
استمرت من السنة التي مات فيها المأمون إلى تَوَلِّي أَخيه المعتصم سنة (٢١٨ هـ) : ثمانية وعشرون شهرًا ابتداء من شهر جمادى الآخرة، حتى شهر ذي الحجة عن عام سنة (٢٢٠ هـ) وبعدها أَطلقه المعتصم من السجن، ورفع عنه المحنة وعن غيره، وعاش الإمام طليقًا يحضر الجمعة والجماعة، بعد برئه من مرض ما لحقه من الضَّرْبِ والتعذيب، يباشر التدريس، والفتوى، والتحديث وذلك لمدة سبع سنين دأبا حتى مات المعتصم سنة (٢٢٧ هـ) .
* عفوه عمَّن آذاه إلَّا صاحب بدعة:
بدن يُعذب، لكن روحه في نعيم، وأنس بالله- ، وصبر واحتساب في ذات الله، ونصرة دينه، وإيثار للدين على الدّنيا؛ لهذا لما أفلت الفتنة في عهد المعتصم، كان من سمو نفسه، وعالي خلقه، وشرف طبعه: إعلانه العفو عن كل من آذاه وأنه في حل إلا صاحب بدعة، وجعل المعتصم في حِل يَوْمَ فتَحَ بابل، وعمورية.
стр. 383
* المحنة في عهد الواثق: " دور استمرارها ":
مات المعتصم سنة (٢٢٧ هـ) ، ثم تولى ابنه الواثق، وهو من أم وَلَدٍ كذلك، وكانت وفاته سنة (٢٣٢ هـ) .
ولم يُؤثر عنه أَنه أَلحق بالإمام أَحمد أذى، أو محنة في الفتنة؛ لأَنه علم مقام الإمام أَحمد من العامة والخاصة، فخشي ثورتهم عليه، ولأَن ذلك يزيد أَحمد منزلة عند الناس ويزيد فكره ذيوعًا وانتشارًا، لكن لقاء تحريك ابن أَبي دؤاد لها، وتأليفه للخليفة ضد الإمام أَحمد، وتعاون قضاة السوء معه، وتخوفهم من الإمام أَحمد لمَّا انبسط في التحديث، كتب الواثق كتابه إلى عامله إِسحاق بن إِبراهيم، ينهى فيه الإمام أَحمد عن مساكنته وليذهب حيث شاء ... عندئذِ قطع أَحمد التحديث في آخر سنة (٢٢٧ هـ) واختبأ بين داره، ودُور أَصدقائه، وما زال كذلك حتى هلك الواثق سنة (٢٣٢ هـ) . وفي موت المعتصم، تم تَوَلِّي الواثق، قال دِعْبِل بن علي الخزاعي المتوفى سنة (٢٤٦ هـ) :
خليفة مات لم يحزن له أَحد ... وآخر قام لم يفرح به أَحد
ثم أَجج هؤلاء المبتدعة الفتنة مُتَسَتِّرِيْنَ بالواثق، فاشتد أَحمد البدعة، وأَذناب الفتنة، يتابعون علماء أهل السنة، ويمتحنونهم، فاشتد أمر المحنة على علماء أهل السنة، وألحقهم صُنُوْفَ الأذى:
فسلَّط الواثق غَضْبَتَهُ على الإمام أَحمد بن نصر الخزاعي، فقتله الواثق بيده؛ لامتناعه عن القول بخلق القرآن، وذلك سنة (٢٣١ هـ)
стр. 384
فرؤي أَحمد بن نصر حين قُتل، قال رأسه: " لا اله إلَّا الله ".
وكان رأسه إلى غير القبلة، فتديره الريح إلى القبلة، وبقي الرأس منصوبًا ببغداد، والبدن مصلوبًا بسامراء، ست سنين إلى أن أَنزل سنة (٢٣٧ هـ) فجُمع وَدُفِنَ- رحمة الله تعالى عليه-.
ولعل الدافع لقتله ما ذكر في ترجمته، من أَنه هو وسهل بن سلامة بَايَعَا الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن سهلا بايع المأمون لما قدم، فلزم ابن نصر بيته، ثم تحرك في آخر أيام الواثق، فاحتشد الناس حوله، فخاف الواثق من تفاقم شأنه، في خبر يطول ذكره، فصار ما صار وإلى الله المصير.
وتسلط الواثق على الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأَذرمي، شيخ أبي داود، والنسائي، وغيرهما، فجيء به مسجونا، مقيدا، مهانًا، ليناظر أَحمد البدعة، فجرت بينهما مناظرة طويلة كما في: " النجوم الزاهرة: ٢/ ٢٦١- ٢٦٢ ".
وانتهت المناظرة بخروج الأذرمي على ابن أبي دؤاد، فَحُلَّ قَيْدُ الشيخ، وبكى الواثق، وصرفه مكرما وقيل: إن الواثق تاب من القول بخلق القرآن بسببه.
والحافظ نعيم بن حماد مات في سجن الواثق.
ومن مصر صاحب الإمام الشافعي وتلميذه: البويطي- نسبة إلى بويط من عَمَلِ مصر-: أبو يعقوب يوسف بن يحيى القرشي؛ إذ جيء به مصفدًا بالحديد، فسجنه حتى مات في السجن سنة
стр. 385
(٢٣١ هـ) في عهد الواثق.
وجريمته: أَنه لم يجب أَحمد البدعة إلى مقالته.
وكان من أمر الواثق لما استخلف أنه كتب إلى قاضي مصر محمد بن الحارث بن أبي الليث، المتوفى سنة (٢٥٠ هـ) ببغداد: بامتحان الناس في القرآن، فَهربَ كثير منهم، وملأ السجون بالكثير ممن أنكر المسألة، وكتب على أبواب المساجد " لا إله إلا الله رب القرآن وخالقه ".
ثم عوقب بالسجن، والضرب، والطرد، في ولاية المتوكل، نعوذ بالله من الخذلان والضلالة (١) .
* رفع الفتنة والمحنة في عهد المتوكل:
في عهد المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن هارون الرشيد - وهو من أم ولد كذلك- ولد سنة (٢٠٦ هـ) وتوفي سنة (٢٤٧ هـ) : رفع الله به المحنة، وأَظهر السنة، وأَفل نجم التجهم والاعتزال، وكتب بذلك إلى الآفاق سنة (٢٣٤ هـ) .
ووضعت الحرب أَوزارها، وفرح بذلك المسلمون، وخاب الفاتنون.
(وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) والحمد لله رب العالمين.
- هذا مجمل خبر القول بخلق القرآن، في أدواره الثلاثة: فِتْنة،
стр. 386
ثم مِحْنَةٌ ثم نُصْرَةٌ.
ويمكن تلخيصها محنة، ثم نصرة، في العناوين الآتية:
* المدَّعِي: أَحمد البدعة:
أَحمد بن أَبي دؤاد، المولود سنة (١٦٠ هـ) والمتوفى سنة (٢٤٠ هـ) ببغداد، كان له مجد في: الثراء، والقضاء، والحظوة لدى الخلفاء، لكن أَبغضته العامة، لفساد معتقده، وإيقاده الفتن.
قام هذا السبأي الماكر بالنَّوْبَةِ عن الجهمية والمعتزلة بدعوى خلق القرآن، متسترًا بثلاثة من خلفاء بني العباس على التعاقب: المأمون، فالمعتصم، فالواثق.
ويمثلهم في الساحة الجاحظ عمرو بن بحر الكناني مولاهم المعتزلي، المتوفى سنة (٢٥٥ هـ) فهو الصحفي المتحدّث بلسان المعتزلة، ناشر وقائع الدعوى مُمَوّهًا بظهور ابن أَبي دؤاد على ابن حنبل الإمام!
وفي التنفيذ: الجلواز " المصعبي " المسكين، عسى أَن تكون غايته أَنه: " خادم مأمور " فقد بقي هذا المسكين صاحب الشرطة في بغداد في أَيام: المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل. نعوذ بالله من الشقاء.
" المدَّعى عليه: أحمد السنة:
الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المولود سنة (١٦٤ هـ) المتوفى سنة (٢٤١ هـ)
стр. 387
نوْظِرَ في عهد المأمون، ثم سجنه ببغداد، ثم حُمِلَ مقيدًا إِليه في طرسوس، ثم أُعيد إلى سجنه ببغداد؛ إِذ مات المأمون وهو في الطريق محمولًا مقيدًا معادلًا على جمل مع صاحبه: محمد بن نوح، والذي مات في الطريق- رحمة الله عليه- ثم ضُرِبَ أَحمد في عهد المعتصم، ثم أفرج عنه من سجنه، ومنع من الدرس في عهد الواثق، ثم انتهت الدعوى بظهوره على ابن أَبي دؤاد في عهد المتوكل.
كان له من المنزلة في قلوب العامة والخاصة ما ملأ الكتب من محبته وتقديره، والثقة به، واتخاذه قدوة في إِحياء الشرع المطهر.
ثبت- رحمة الله تعالى عليه- في مواجهة هذه المكيدة محتسبًا هذه الفتنة لِصَدِّها عن أهل الإسلام في قالب أهل السنة والجماعة، مكتويًا بنارها، صابرا على محنتها، مطفئًا لضلالها في كوكبة علماء الأمة وخيارها، الذين اتحد موقفهم على معتقدهم الحق: " القرآن كلام الله غير مخلوق ".
* الظرف العقدي لزمن الفتنة: في هذه الحقبة: شاع الرفض والتجهم، والاعتزال، والخوض بالقدر، وسب الأصحاب، ودعوى خلق القرآن.
* محل الدعوى:
نشأت هذه الفتنة أول ما نشأت في: " اليمن " ثم زُرعت في: " العراق " وفيها رمت بثقلها، وعنها انتشرت في الآفاق في: مصر والشام، وبلاد فارس، وغيرها وكان محل الدعوى منها في: " بغداد "
стр. 388
وجُلَّ القائلين بخلق القرآن من موالي بغداد.
* موضوع الدعوى: " القرآن مخلوق ":
إِنَّها دعوى الجهم بن صفوان، الذي انحاز بأَتباعه عن جماعة المسلمين بهذه المقالة الكافرة، ثم افترقوا فيها إلى ثلاث فرق:
فقالت طائفة منهم: " القرآن مخلوق ".
وقالت طائفة منهم: " القرآن كلام الله " وسكتت، وهي الواقفة الملعونة.
وقالت طائفة: " أَلفاظنا بالقرآن مخلوقة " وهم اللفظية المبتدعة.
* مدة الدعوى:
بدأت فتنة بعد المائة الأُولى من الهجرة، ثم استمرت في خفاء حتى شيدها وأَعلنها ابن أَبي دؤاد منذ عام ٢١٢ هـ، ثم بدأ الامتحان بها منذ عام ٢١٨ هـ. حتى تجلت في عام ٢٣٤ هـ.
أَي: كانت مدة الدعوى سبعة عشر عامًا.
* حجة المدعي: " هي هباء وغاية في الوهن والوَهَاء، إِنَّها: " مدرسة الرأي المذموم " في إِخضاع النص للعقل، والعقل يحركه الهوى، والهوى لا عاصم له، مفروضًا بقوة السلطان، مستعملًا نفوذه أَدوات مراغمة له.
* حجة المدعى عليه: هي أجْلَى من ابن جَلاَ إنها: " مدرسة النص " في إخضاع العقل للنص- والنص معصوم- يحركه سلطان الحق، ونفوذه على القلوب المفروض على الناس بقوة الإيمان
стр. 389
بالنص المعصوم.
فهو يمتلك سلطان الحق المبين، وحجة الِإيمان المتين، ويقين الصادقين، وبركة الناصحين.
ومن نظر فيما جرى فيها من محاورات، ومناظرات، مما هو منثور في الكتب المؤلفة عن هذه المحنة، ومن بطون التراجم والسير رأى في ذلك عجبا، لكن أعظم حجة واجه بها الإمام أَحمد خصومه، هو ذلك الدليل العظيم:، " السبر والتقسيم " وقد أَفاض شيخنا محمد الأمين الشنقيطي، المتوفى سنة (١٣٩٣ هـ) بمكة - رحمه الله تعالى- في الحديث عن هذا الدليل في تفسيره: " ٤/٣٦٥- ٣٨٤ " وكان مما ذكره مما يتعلق بموضوع بحثنا قوله: " ٤/ ٣٧٨-٣٨٠ ": إن هذا الدليل. " السبر والتقسيم " هو أول سبب لضعف المحنه العظمى على المسلمين في عقائدهم بالقول بخلق القرآن العظيم، وكان خلاصة هذا الدليل الذي ألقم به الإمام أحمدُ خَصمَهُ أحمد بن أبي دؤاد، حَجَراً: " أن الشيخ يقول لابن أبي دؤاد: مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها، لا تخلو بالتقسيم الصحيح من أحد أمرين: إما أن يكون النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون، عالمين بها، أو غير عالمين بها ولا واسطة بين العلم وغيره، فَلاَ قِسْمَ ثالث البتة، ثم إنه رجع بالسبر الصحيح إلى القسمين المذكورين، فبيَّن أَن السبر الصحيح، يُظهر أن أحمد بن أبي دؤاد ليس على كل تقدير من التقديرين.
стр. 390
أَمَّا عَلَى أن النبي كان عالما بها هو وأَصحابه- وتركوا الناس ولم يدعوهم إليها- فدعوة ابن أبي دؤاد إليها مخالفة لما كان عليه النبي وأصحابه من عدم الدعوة لها، وكان يسعه ما وسعهم.
وأَما على كون النبي وأصحابه غير عالمين بها، فلا يمكن لابن أبي دؤاد أن يدَّعي أنه عالم بها مع عدم علمهم بها، فظهر ضلاله على كل تقدير ولذلك سقط من عين الواثق، وتركَ لذلك الواثقُ امتحانَ أهل العلمِ، فكان هذا الدليل أول مصدر تاريخي لضعف هذه المحنة الكبرى، حتى أَزالها الله بالكلية على يد المتوكل- رحمه الله تعالى- وفي هذا منقبة تاريخية عظيمة لهذا الدليل المذكور " انتهى.
ومما يُذكر استطرادًا ما في: " الِإتقان " للسيوطي، وفي غيره (١) :
أنه قد استدل جماعة بأن القرآن غير مخلوق، أن الله ذكر الِإنسان في ثمانية عشر موضعًا، وقال: إنه مخلوق، وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعا ولم يقل: إنه مخلوق، ولما جمع بينها غاَيَرَ، فقال: " الرحمن علَّم القرآن. خلق الِإنسان "
* ماذا لحق المدعى عليه من الأَذى: يقلبه المدعي الآثم بعصا الولاة على الشوك بالضرب أَمام جموع المسلمين، والسجن مع المجرمين، وحجبه عن الدنيا بجميع مقوماتها، وسجن روحه عن الدرس وإفادة الطالبين.