← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 23611

المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد وتخريجات الأصحاب

بكر أبو زيد

Полный текст (1 073 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مداخل الكتاب المدخل الأَول: معارف عامة عن التمذهب المدخل الثاني: معارف عامة عن المذهب الحنبلي المدخل الثالث: التعريف بأصول المذهب المدخل الرابع: التعريف بمصطلحات المذهب. المدخل الخامس: التعريف بطرق كيفية معرفة المذهب، ومسالك الترجيح فيه. المدخل السادس: التعريف بالِإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - المدخل السابع: التعريف بعلماء المذهب. المدخل الثامن: التعريف بكتب المذهب.

стр. 37

المدخل الأول: معارف عامة عن التمذهب أَبحاث هذا المدخل، صالحة لدراسة كل مذهب فقهي، وإِنَّما تُفرغ المعلومات المناسبة لكل مذهب، في بعض جوانب مباحثه.

стр. 38

المدخل الأول: معارف عامة عن التمذهب وفيه ستة أَبحاث: المبحث الأَول: التعريف بلفظ: " المذهب " لغة واصطلاحا. المبحث الثاني: التعريف بلفظ: " الفقه ": لغة، وشرعاً، واصطلاحاً. المبحث الثالث: أنواع الفقه المدون في كل مذهب. المبحث الرابع: تاريخ التمذهب والحث على فقه الدليل وأن الانتساب لمذهبٍ يعني الوفاق، لا العصبية والشقاق. المبحث الخامس: الاجتهاد في الفقه الإسلامي، وأَثره في الثروة الفقهية في كل مذهب. المبحث السادس: شروط نقل المذهب، وأسباب الغلط فيه.

стр. 39

المبحث الأَول: التعريف بلفظ: " المذهب " قبل الدخول في تعريف لفظ: " المذهب " لابد من الِإشارة إلى قاعدة تفسير اللفظ، وبيان معناه على ما يأتي، وهو: إن كان المراد بيان معنى اللفظ " لغة " فيؤخذ المفهوم والمعنى حسب قواعد اللغة وأصولها وإن كان المراد مفهومه وفَسْرَه في حقيقته الشرعية، فيؤخذ معناه حسب المراد شرعا لما يحف به من حال التشريع وإن كان المراد بيان مفهومه اصطلاحاً، فيبين معناه حسب مراد المتكلم به، صاحب الاصطلاح لذا فالتعريف بلفظ: " المذهب " في المراحل الآتية: ١- ماهية " المذهب " وحقيقته لغة (١) : " المذهب ": اسم مصدر أَصل مادته: " ذَهَبَ " على وزن: " فَعَلَ " فِعْلٌ ثلاثي صحيح غير معتل وكل معانيه، وما تصرف منه تدور على معنيين: " الحسن و " الذهاب إلى الشيء والمضي إلى طريقه "

стр. 40

وأسماء المصدر له ثلاثة: " ذَهَاباَ " و " ذُهُوْباً "، و " مذْهَبًا " والذي يعنينا هنا: مَصْدَرُه: " المذهب " على وَزْن: " مَفْعَل " من: " الذهاب إلى الشيء والمُضي إِليه " ٢- حقيقته العرفية: ولفظ: " المذهب " هنا، يُعْنَى به: المذهب الفروعي ينتقل إِليه الِإنسان، وطريقة فقيه يسلكها المتابع المتمذهب له. ويُقال: ذهب فلان إلى قول أبي حنيفة، أَو مالك، أَو الشافعي، أو أحمد، أَي: أخذ بمذهبه وسلك طريقه في فقهه، رواية، واستنباطًا، وتخريجاً على مذهبه فآل إٍلى " حقيقة عرفية " بجامع سلوك الطريقين بين الحقيقة اللغوية، والعرفية الاصطلاحية ولهذا تجدهم في المذهب يقولون: طريق أَحمد في كذا، أَي مذهبه، كما يُقال: مذهب أَحمد ويقولون: " المذهب كذا " حقيقة اصطلاحية عرفية في الأحكام الفروعية الاجتهادية، من باب إِطلاق الشيء على جزئه الأَهمِّ، كقول النبي ﷺ : " الحج عرفة ". وأَما ما كانت أَحكامه بنص صريح من كتاب أو سنة، فهذا لا يختص بالتمذهب به إمام دون آخر وإنَّما هو لكل المسلمين، منسوباً إلى الله وإلى رسوله ﷺ (١) فلا اجتهاد فيه، ولا تقليد فيه

стр. 41

لِإمام دون آخر، بل هو سنة وطريقة ماضية لكل مسلم. وهذا المولود الاصطلاحي عرفاً: " المذهب " لَحِقَ الأئمة الأَربعة: أبا حنيفة. ت سنة (١٥٠هـ) ، ومالكا. ت سنة (١٧٩ هـ) ، والشافعي. ت سنة (٢٠٤ هـ) ، وأَحمد. ت سنة (٢٤١ هـ) ، بعد وفاتهم- رحمهم الله تعالى- وذلك فيما ذهب إِليه كُل واحد منهم. وَلاَ عِلْمَ لِوَاحِدٍ منهم بهذا الاصطلاح فضلاً عن أَن يكون قال به، أَو دلَّ عليه، أَو دعا إِليه. وذلك امتداد لما كان عليه المسلمون من الصحابة- ﵃ فَمَن بعدهم، من التابعين، وتابعي التابعين، من نشر الكتاب والسنة، والائتمام برسول الله ﷺ " ولذا قيل: إن نِسْبةَ المذهب إلى صاحبه، لا يخلو من تسامح، فما كان مالك ولا غيره من أَئمة المذاهب، يدعون أحدا إلى التمسك بمنهجهم في الاجتهاد، ولا كان عندهم منهاج محدد في اجتهادهم، إنما كانوا يتبعون في ذلك منهج من سبقهم من علماء التابعين، وهؤلاء عن الصحابة إلى رسول الله ﷺ ولم يحدث هذا إلَّا في القرن الرابع الهجري، عندما دعت الظروف إلى هذا النوع من الالتزام بمنهاج معين في الفقه ... ولم تكن المذاهب قد استقرت على رأس المائة الثالثة، رغم ما قيل من أنه في هذا التاريخ كان قد بطل نحو خمسمائة مذهب (١) وإن كانت

стр. 42

بذرة المذاهب قد بدأت قبل هذا العصر بزمان؛ إذْ كان أَهل المدينة يعتمدون على فتاوى ابن عمر، وأَهل مكة على فتاوى ابن عباس، وأَهل الكوفة على فتاوى ابن مسعود، فكان هذا أَول غرس لأَصل التمذهب بالمذاهب (١) . ٣- ماهية " المذهب " وحقيقته اصطلاحًا (٢) : تقدَّم بيان حقيقته لغة، والنقل إلى: الحقيقة العرفية وتاريخ انتقالها في التمذهب الفقهي الفروعي، فما هو الحد لها في الاصطلاح؟ دارت كلمة الأَصحاب في بيان حقيقة مذهب الإنسان، على أَمرين: على: " الاعتقاد " أَو على " القول " وما في حكمه. أَما اعتماد حقيقة مذهب الِإنسان على الاعتقاد (٢) ، فقال القاضي نجم الدِّين أَبو عبد الله أَحمد بن حمدان الحنبلي. المتوفى سنة (٦٩٥ هـ) : " وقيل: مذهب كل أَحد- عرفاَ وعادة- ما اعتقده جزماَ أَو ظناَ " انتهى. ومن القائلين به: أَبو الحسين البصري: محمد بن علي بن الطيب الشافعي المعتزلي، المتوفى سنة (٤٣٦ هـ) قال (٣) :

стр. 43

" مذهب الإنسان هو اعتقاده، فمتى ظننا اعتقاد الإنسان أَو عرفناه ضرورة، أَو بدليل مجمل أَو مفصل، قلنا: إنَّه مذهبه ... " انتهى. وأَما اعتماده على " القول ولوازمه " فقال أَبو الخطَّاب الكلوذاني الحنبلي. ت سنة (٥١٠ هـ) ، وابن حمدان الحنبلي، المتوفى سنة (٦٩٥ هـ) ، والشمس ابن مفلح الحنبلي، المتوفى سنة (٧٦٣ هـ) - بعبارات متقاربة- واللفظ لأَبي الخطاب (١) : " مذهب الِإنسان: ما قاله، أَوْ دَلَّ عليه بما يجري مجرى القول من تنبيه أَو غيره، فإِن عدم ذلك لم تجز إضافته إِليه " انتهى. وقال أَبو الخطاب أَيضا (١) : " مذهبه ما نص عليه، أَوْ نبَه عليه، أَو شملته علته التي عَلَّل بها " انتهى. وقال ابن حمدان (٢) : " مذهبه: ما قاله بدليل ومات قائلاً به " انتهى. وقال ابن مفلح (٣) : " مذهب الِإنسان ما قاله، أَو جرى مجراه من تنبيه أَو غيره " انتهى. وَلاَ تبَاعُدَ- بحمد الله- فالخلاف الحاصل في العِبَارات لا في الاعْتِبَارَات فالاعتقاد هو الباعث على القول، والقول وما في معناه هو

стр. 44

المنبعث عنه، فيمكن أن يُقال: حقيقة مذهب الإنسان: " ما قاله معتقداً له بدليله ومات عليه، أوما جرى مجرى قوله أو شملته علته " والله أعلم. فقولنا: " ما قاله معتقدا له بدليله ومات عليه ". هذا هو القدر المتفق عليه فيما تصح نسبته للمجتهد وهو " المذهب حقيقة "، وما بقي فهو " المذهب اصطلاحًا " وهو من ناحية إضافة المذهب إليه من جهة القياس، ولازم المذهب، وفعله، وما إلى ذلك مما نراه في طرق معرفة المذهب ومما صار للأًصحاب من مسالك وطرق في فهم كلامه، وتنزيل رواياته، والتخريج عليها، فهي محل خلاف في نسبتها لمذهب إمام المذهب، ثم إن الأصحاب- أحسن الله إليهم- رسموا لكلا الوجهين معالم، وأثبتوا لها أصولاً، ورسموا لها طرقاً، يتفرع منها اجتهادهم في الاختيار والترجيح، والتحقيق، والتنقيح للمعتمد من المذهب، ثم التخريج من محققي المذهب؛ فآلت الكيفية التي يُعْرَفُ بها المذهب المعتمد في طريقين: الطريق الأول: أخذ المذهب ومعرفته من كتب الإمام، وكتب الرواية عنه. الطريق الثاني: أخذ المذهب ومعرفته من طريقة الأصحاب في كتبهم المعتمدة في المذهب والحديث عنها بتفصيل في الفصلين الآتيين في " المدخل السابع " فصار- مثلاً- مذهب الإمام أحمد، هو:

стр. 45

" ما ذهب إِليه في كتبه، أَو المروي عنه " هذا بالِإجماع، " أَو المخرج على قوله في المسائل الاجتهادية " على الخلاف وهذه حقيقة: " المذهب الحنبلي "، وهي لكل واحد من المذاهب الثلاثة المتبوعة.

стр. 46

المبحث الثاني: التعريف بلفظ: " الفقه " *وفيه: ١- ماهية: " الفقه " لغة (١) : أَصل مادته: " فَقُه " على وزن: " فَعَُِلَ ": فِعْلٌ ثلاثي صحيح غير معتل. مثلث العيني لفعله الماضي، وكسر العين، وضمها، مذكوران عند أهل اللغة. أما " فَقَهَ " بفتحها، فقد ذَكرَها الحافظ ابن حجر (٢) في: " فتح الباري: ١/ ١٦٥ " لُغَةً ثالثة، ويظهر أَنها من فائت المعاجم اللسانية المنتشرة في أَيدي الناس اليوم. أَما عين المضارع: " يفقُهُ " فعينه مُثَنَّاةٌ بالفتح، والضم، فقط ومصدره: " الفقه " سماعي غير مقيس وتدور معانيه، وما تصرف منه على معنيين اثنين: " العلم "

стр. 47

و " الفهم "، وجانب " الفهم " فيه أَخص من جانب " العلم ". زاد الزمخشري معنىً ثالثاً هو الشق والفتح (١) ، وتبِعه ابن الأَثير (٢) ، وهذا مطرد في قواعد اللسان العربي والقاعدة هنا: أَن كل لفظ في العربية، صارت فاؤه فاءً، وعينه قافاً، فإنه يَدُلُّ على هذا المعنى، مثل: " فقه " و " فقا " و " فقح " و " فقز " و " فقس " و " فقع " وغيرها. ويكون إطلاق الفقيه على العالم بهذا المعنى، باعتبار أَنه يشق الأَحكام، ويفتح المستغلق منها. ٢- ماهية: " الفقه " شرعاً: وإذا وقفت على حقيقة هذه المادة في لسان العرب: " الفقه " فاعلم أَنه بمعناه الشرعي من الأَلفاظ الإسلامية التي لا يعرف إِطلاقها قبل الإسلام، بمعنى: " أَن لفظ فقيه، وعالم: لمن فقه وفهم في دين الإسلام وأَحكامه " ونظائره كثيرة من " تطور الدلالات " في: الأَسباب الإسلامية، والحقائق الشرعية، لأَلْفَاظٍ جَمَّةٍ، لم يعهد إِطلاقها على تلك المعاني قبل مجيء الإسلام، منها هذا اللفظ، ولفظ: " الأَدب، والمنافق، والفاسق، والعقيدة " ونحوها كثير وبخاصة في الألفاظ التي تطلق على الشعائر الدينية

стр. 48

ثم تطورت تلك الأَلفاظ، ونحوها منذ ظهور الإسلام، بل كان اللفظ الواحد يمر بعدة مراحل ودلالات، منها: لفظ: " التأويل " فهو في لسان المتقدمين بمعنى: " التفسير " وعند كثير من المتأخرين، يرادف معنى: " التحريف " (١) ومنها لفظ الفقه مع استمرار ارتباطه بأصل معناه اللغوي واشتقاقه، وإليك البيان: جاءت هذه الكلمة وما تصرف منها في عشرين آية من كتاب الله- تعالى-. منها قول الله- تعالى-: " فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ " [التوبة/ ١٢٢] . أَي ليكونوا علماء بالدِّين، وأَما في السنة النبوية، فقد كثرت النصوص التي تعني بالفقه: " الفقه في الدّين " كما في الحديث الصحيح في دعاء النبي ﷺ لابن عباس- ﵄: " اللهم علِّمه التأويل وفقهه في الدين " وأصله في الصحيحين أَي: علمه وفهمه تأويله، وقد صار- ﵁ كذلك؛ لذا لقب: " بِحَبْرِ الأمة " و " تُرْجُمَانِ القرآن "

стр. 49

من هنا غلبَ هذا اللفظ: " الفقه " على: " عِلم الدِّين " ويُقال: " الفقه في الشريعة " ويُقال: " علم الشريعة " وذلك؛ لشرفه. وهذا كما غَلَب اسم: " النجم " على: " الثُّرَيا ". ولهذا فإِذا رأيت في كلام الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين هذه الكلمة: " فِقْه " و " فقيه " و " فقه في الدِّين " و " أَهل الفقه "، و " فقهاء المسلمين " و " فقهاء أَهل الأَرض " و " الشريعة " و " علماء الشريعة " و " الدين " و " علماء الدِّين " بمعنى " علماء الإسلام " فجميعها على هذا المعنى العام الشامل الذي ينتظم: العلم والفهم في دين الإسلام، في أيٍّ مِنْ أَحكامه: في الاعتقاد، والآداب، والأَحكام لأَفعال العبيد. وهذه الحقيقة الشرعية لكلمة: " فِقْه " و " فقيه " مرتبطة بالحقيقة اللغوية لها بجامعِ: العلم والفهم. ٣- الفقه الأكبر (١) : ومما يدل على شمولية لفظ: " الفقه " لِعِلْم الدين في هذه الحقبة الزمنية المباركة، إِطلاق أَبي حنيفة. ت سنة (١٥٠هـ) - رحمه الله تعالى- على: " التوحيد ": " الفقه الأَكبر " وهو أَول من أَطلقَ ذلك في الإسلام؛ إِذ جعله عنوان كتابه فيه، وقد طُبعَ بهذا الاسم، وله عدة شروح، وتكلم الناس في نسبته إِليه، والذي عليه الأَكثر صحة نسبته إليه ثم تلاه كتاب للإمام الشافعي. ت سنة (٢٠٤ هـ) ﵀

стр. 50

تعالى- بهذا الاسم: " الفقه الأَكبر " وهو في مسائل الاعتقاد والتوحيد وقد طبع عام ١٩٠٠م وقد تكلَّم الناس في نسبته إِليه؟ ولم يحصل لي التحرير عن نسبة الكتابين، ولعلّي أَتمكن من ذلك في كتاب: " معجم المؤلفات المنحولة ". ٤- لقب: " القُرَّاء ": قال ابن خلدون. ت سنة (٨٠٨ هـ) في: " الفصل الثالث عشر " من: " الباب السادس " في: " المقدمة: ٢/ ١٢٨ ": " ثم إِن الصحابة كلهم لم يكونوا أَهل فتيا، ولا كان الدِّين يؤخذ من جميعهم، وإنما كان ذلك مختصًّا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه، ومتشابهه، ومحكمه، وسائر دلالته، بما تلقوه من النبي ﷺ أَو ممن سمعه منهم من عِلْيتهم، وكانوا يسمون لذلك: " القرَّاء " أَي: الذين يقرؤون الكتاب؛ لأَن العرب كانوا أمة أُميّة، فاختص من كان منهم قارئاً للكتاب بهذا الاسم؛ لغرابته يومئذٍ، وبقي الأَمر كذلك صدر الملة " انتهى. فهذا من ابن خلدون، يفيد تلقيب العلماء بالقراء، وواضح من سياقه أَمران: الأَول: أَنه يطلق على الذين يقرؤون القرآن، ويفقهون معانيه، ويعرفون أَحكامه، ودلالاته، حتى تأهلوا للفتيا. الثاني: أنه لقب شريف يطلق عليهم، لا أنهم لا يُعْرَفُوْنَ إلا بهذا اللقب

стр. 51

وقد تُعُقِّب (١) في جعله: " اسم القُرَّاء مقابلاً لاسم الفقهاء؛ محتجاً عليه بأَثر ابن مسعود- ﵁: " إنَّك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه ... إلى أَن قال: وسيأتي على الناس زمان: قليل فقهاؤه، كثير قراؤه ... " رواه مالك في " الموطأ " برقم/ ٩١ ص/ ١٢٤. وهذا مِمَّا لا يوافق عليه، للأمرين المذكورين؛ ولأَن القرَّاء في الِإطلاق المذكور هم الذين جمعوا بين قراءة القرآن وفقهه، وسيأتي زمان يكثر فيه: " القراء " الذين لا فقه لهم، فيكون اسم: " القراء " من المشترك اللفظي، وهذا كثير في اللغة والاصطلاح. والأَصل: أن الكلام إذا قاله صاحب الاستقراء، فإنَّه يُسلم له بدليله، وإِن أَطلقه بلا دليل صار في دائرة الإمكان ولا نبادره بالإنكار، كيف وحمل كلامه على الصحة ظاهر كما رأيَت؟ والله أَعلم. ٥- ماهية: " الفقه " اصطلاحًا: مضت الحال والناس على تبادل لفظ " الفقه " ولواحقه على: " الحقيقة الشرعية " المتقدمة، ومن المؤكَّدِ أَن الأَئمة الأَربعة، مضوا لسبيلهم، وهم لا يعرفون غير هذا، وأَن الاصطلاح الحادث بِقَصْرِ مَعْنى الفقه على: " أَحكام المكلفين " لم يتكون إلَّا بعد أَن أَخذت اجتهاداتهم في النمو وأَخَذَ أَتباع كل مذهب بِتَطْويْرها، والعِنَاية بها، ونشرها، فصارت اجتهادات كل إمام في " مذهب فقهي فروعي " وماهيته الشرعية التي اصطلحوا عليها، وقصروا معناه عند الإطلاق

стр. 52

عليها، هي: كما روى الخطيب البغدادي. ت سنة (٤٦٣ هـ) عن أَبي إِسحاق إِبراهيم بن علي الفقيه الفيروزآبادي يقول: " الفقه: معرفة الأَحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد " والأَحكام الشرعية هي: الواجب، والمندوب، والمباح، والمحظور والمكروه، والصحيح، والباطل ... " انتهى. والتعريف الجامع له بهذا الاعتبار أن يقال الفقه هو " العلم بالأَحكام الشرعية العملية من أَدلتها التفصيلية ". وصار إِذا أطلق لفظ: " الفقه " و " الفقيه " و " علم الفقه " من هذه المرحلة من أَواخر القرن الرابع فما بعد إلى يومنا هذا إِنما تعني الفقه بحقيقته الاصطلاحية الخاصة هذه، لا بحقيقته الشرعية النصية العامة، والله أَعلم.

стр. 53

المبحث الثالث: أنواع الفقه المدوَّن في كل مذهب هذا مبحث نفيس في غاية الأهمية، تَمَّ لِي- بعد توفيق الله تعالى- بالتأمل، والتتبع والاستقراء؛ ذلك أن الفقه المدوَّن في كل مذهب يدور في خمسه أنواع: النوع الأَول: أَحكام التوحيد ، وأصول هذا الدِّين العَقدية في توحيد الله في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته. والإيمان الجامع بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، إلى آخر قضايا الاعتقاد، وأصول الدين والملة. فهذا النوع لا يصح أن يُقال فيه: مذهب فلان كذا، ولا الأخذ به مقلداً له فيه؛ لأنها أحكام قطعية لعموم الأمة، معلومة منه بالضرورة (١)

стр. 54

وله أَلقاب منها: " التوحيد " " الاعتقاد " " السنة ". " الشريعة ". " الأصول ". " الأَصل ". " أصول الدِّين ". " الفقه الأَكبر ". وهو علم قائم بنفسه، أفردت فيه المؤلفات الكثيرة. وربما أدرجت أصوله في بعض كتب الفقه الفروعية، كما عمل ابن أَبي زيد القيرواني المالكي في: " الرسالة ". والهاشمي الحنبلي. ت سنة (٤٢٨ هـ) في: " الِإرشاد ". ولم يختلف المسلمون- ولله الحمد- من الصحابة- ﵃ فمن سار على نهجهم في شيء من أمور العقيدة إلاَّ في " مسألة واحدة " هي: " مسألة اللفظ " كما استقرأه ابن قتيبة- رحمه الله تعالى- وَبينه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- في مواضع (١) وهم لا يختلفون بأن كلام الله غير مخلوق وأنهم بريئون من الأَقوال المبتدعة. ولم يختلف المسلمون - ولله الحمد - في تفسير آية من آيات الصفات إلا في آية الساق، ثم اتفقوا على تفسيرها بما فَسَّرها به النبي ﷺ في الحديث الصحيح: " ثم يكشف ربنا عن ساقه " (٢) . وأَمَّا غلط بعض العلماء في تفسير بعض الآيات إِضافة إلى نصوص إِثبات بعض الصفات، فقد حصل هذا في مواضع، كما في تفسير قول الله- تعالى-: "وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ" [البقرة/١١٥] إذ جعلوها من آيات الصفات، وليس كذلك،

стр. 55

فمعناها كما قال مجاهد، والشافعي: " فَثَم قبلة الله " وصفة الوجه ثابتة لله- سبحانه- في آيات، وأَحاديث أُخر (١) والله أَعلم. النوع الثاني: أَحكام فقهية (٢) قطعية، بِنَصّ من كتاب، أَو سنة، أَو إجماع سالم من معارض مثل وجوب أَركان الإسلام، وتحريم الربا، والزنا، والخمر، والسرقة. وهكذا. فهذه أَحكام شرعية عامة لجميع الأمة، معلومة من الدين بالضرورة، فلا يختص بها مذهب دون آخر، ولا فقيه دون فقيه، ولا يوصف الحكم فيها بأَنه مذهب فلان، ولا أَن الآخذ بها مقلد له فيها. ألا ترى أَنه لو قال قائل: مذهب فلان وجوب الصلاة، أو الزكاة، ونحو ذلك، لكان قولاً يمجه السمع، وينفر منه الطبع، ويأباه الله، ورسوله، والمؤمنون؛ لأَنه حكم شرعي عام، معلوم من دين الله بالضرورة. النوع الثالث: أَحكام فقهية اجتهادية عن إمام المذهب، بطريق: " الروايات المطلقة " أَو " التنبيهات " وما في ذلك من تقاسيم باعتبارات مبينة في

стр. 56

" الفصل الأول " من " المدخل الخامس ". فهذه الأَحكام التي توصل إِليها هذا الإمام مستنبطاً لها من نصوص الوحيين الشريفين، باذلاً وسعه، موظفاَ ما منحه الله من مدارك الاجتهاد والنظر هي: " مذهبه " وهي " اختياره " وهي: " قوله ورأيه ". وهذا هو النوع الأم الذي يُوصف بأَنه المذهب، من غير تجوز، فصح إطلاقنا عليه: " المذهب حقيقة " وقد حوى مذهب الإمام أَحمد من فقهه هذا عددا غير قليل من كتب المسائل والرواية المسندة عنه التي حوت نحو ستين أَلف مسألة. وله في المسألة رواية واحدة، وقد يكون له روايتان، وقد يكون له ثلاث روايات فأكثر. وعند التعدد، يكون نظر الأصحاب في مسالك الترجيح والاختيار، كما ستراه- إِن شاء الله- في: " الفصل الثالث " من " المدخل السابع " النوع الرابع: أَحكام فقهية اجتهادية، من عمل الأصحاب تخريجاً على المذهب، وهي: " التخريجات ". وهي ما صح أن نطلق عليه: " المذهب اصطلاحًا". وهذه: " التخاريج " وقع فيها الاختلاف بين الأصحاب، فهذا

стр. 57

يخرج الحكم بالجواز وآخر يخرجه بالكراهة، أَو التحريم، وهكذا، ثم اختلفوا: هل اجتهادات الأَصحاب هذه، الجارية على أصول وقواعد مذهب الإمام، تلحق بمذهبه، فتنسب إِليه، أَو لا؟ هذا النوع بمسائله مبين في: " الفصل الثاني " من " المدخل السابع " النوع الخامس: أَحكام فقهية اجتهادية من عمل الأَصحاب من باب اجتهاداتهم في استنباط الأَحكام دون الارتباط بالتخريج على المذهب. وهذه موجودة في كل مذهب، يدرجها الفقيه في كتاب المذهب بحكم ما يرد في عصره من واقعات، قد لا يجد لها تخريجاً في المذهب، فيجتهد في استنباط الحكم من أصول الشريعة، أو مقايسته بما هو أشبه به من فروع الشريعة، فيدرجه في مؤلفه من كتب ذلك المذهب ومنه ما يكون غلطا مضاعفاَ؛ إِذ يغلط المستفيد فيلحقه بالمذهب رواية، أو تخريجاً، ويغلط المستنبط فلا يصح له ما استنبطه. ولذا عقد الشيخ ابن قاسم- رحمه الله تعالى- في مقدمة حاشيته على: " الروض المربع " فائدةً هذا نصها: " كتب المتأخرين: " وقال مجدد الدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: أكثر ما في الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه، فضلاً عن نص رسول الله ﷺ ، يعرف ذلك من- عرفه،

стр. 58

وقال نحو ذلك في كتب المتأخرين من أهل المذاهب. ولشيخ الإسلام عن أهل عصره نحو ذلك. فكيف بكتب عصرنا " " وقال ابن القيم: المتأخرون يتصرفون في نصوص الأئمة، ويبنونها على ما لم يكن لأَصحابها ببال، ولا جرى لهم في مقال، ويتناقله بعضهم عن بعض، ثم يلزمهم من طرد لوازم لا يقول بها الأَئمة، فمنهم من يطردها ويلزم القول بها، ويضيف ذلك إلى الأَئمة، وهم لا يقولون به؛ فيروج بين الناس بجاه الأَئمة، ويفتى به، ويحكم به والإمام لم يقله قط بل يكون نص على خلافه. وقال: لا يحل أن ينسب إلى إمامه القول، ويطلق عليه أنه قول، بمجرد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها، أو طالعها من كلام المنتسبين إليه، فإنه قد اختلطت أقوال الأَئمة وفتاويهم، بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم، فليس كل ما في كتبهم منصوصاً عن الأَئمة، بل كثير منه يخالف نصوصهم، وكثير منه لا نص لهم فيه، وكثير منهم يخرج على فتاويهم، وكثير منهم أفتوا به بلفظه، أو بمعناه، فلا يحل لأَحد أن يقول: هذا قول فلان ومذهبه، إلا أن يعلم يقيناَ أنه قوله ومذهبه. ا. هـ وإذا تتبع المنصف تلك الكتب، واستقرأ حال تلك الأتباع، وعرضها على الكتاب والسنة، وعلى أصول الأَئمة، وما صح عنهم، وجدها كما قالوا ﵏. وقد يؤصِّل أتباعهم ويفصِّلون على ما هو عن مذاهب أئمتهم الصحيحة بمعزل، يعرف ذلك من كان خبيراً

стр. 59

بأصولهم ونصوصهم، ومع ذلك، عند بعضهم: كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته، لا يلتفت إلى ما سواه، ولو جاءته الحجة كالشمس في رابعة النهار " انتهى. ومن أَمثلته في كتب الحنابلة: تقرير بعض الحنابلة للتأذين الجماعي في المسجد الواحد، كما في: " الِإنصاف " ولا سلف له في الرواية عن الإمام. وتقرير كثير من الحنابلة: للذِّكْر عند كل عضو من أعضاء الوضوء، مع أنه لا يصح فيه حديث، ولا يثبت عن أحد من الأَئمة الأَربعة. كما في: " الِإنصاف: ١/ ١٣٧- ١٣٨ ". وفيه تقرير بعض الأصحاب مسح العنق في الوضوء، ولا يصح فيه حديث، ولم تثبت به الرواية عن الإمام أحمد. وفيه: ١/٤١٣ استحباب بعض الأَصحاب أَن يقول في آخر القنوت: " وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ... " الآية. ولا دليل عليه. ولم يكن في الرواية عن أحمد. وتقرير بعض الأَصحاب مشروعية شد الرحال إلى قبر النبي ﷺ في أواخر " كتاب الحج " فلا رواية في هذا عن الإمام أحمد، ولا يخرج على مذهبه، وإنما هو تفقه الصاحب، وهو غلط، يرده حديث النبي ﷺ : " لا تشد الرحال إِلا إلى ثلاثة مساجده ... " الحديث ومنه قولهم في: " كتاب الوقف " بنفوذ الوقف على بعض الأمور المبتدعة، مثل الوقف على بناء القباب وتشييد المشاهد عليها وهذا

стр. 60

لا رواية فيه عن أحمد، ولا يُخَرَّجُ على شيء من مذهبه، وهو ترك للسنة الصحيحة في النهي عن البناء على القبور وتشريفها ولابن القيم- رحمه الله تعالى- في: " إِعلام الموقعين " بحث نفيس مطول في إبطال شروط الواقفين غير الشرعية، وأَنها تصرف في الأَقرب لمقصد الواقف من المصارف الشرعية. ومن أمثلته: تلك المسألة التي عُدَّت من مفردات الحنابلة، وطالت فيها مطارحات العلماء، وبلغت المؤلفات فيها مبلغاً، كما تراها في: " كتب الصيام " من: " المدخل الثامن " هي مسألة: " وجوب صيام يوم الشك " فليس الوجوب رواية عن أحمد، ولا هو قياس مذهبه وإنما هو من فقه بعض متقدمي الأَصحاب، ومع كثرة القائلين به منهم، وشهرتهم، وتطاول الزمن، عُدَّ مذهباً لأَحمد، وصوابه: أنه من فقه بعض الأَصحاب، كما نبَه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- وغيره. ولهذا فعليك أيها الفقيه: التثبت والتورع عند نِسْبةِ الأقوال في المذاهب المتبوعة، فتأمل متى تقول في مَسْألة ما: هي مذهب أحمد، أو الرواية عن أحمد، أو رواية في مذهبه، أو تخريج عليه، أو من تخريج فلان وفلان على مذهبه، أو قياس المذهب، أو مذهب الحنابلة، وهكذا من الأَلفاظ المصطلح عليها، مراداً بها ما تعنيه من عزو وتخريج. والله أعلم.

стр. 61

المبحث الرابع: تاريخ التمذهب، والحث على فقه الدليل وأَن الانتساب لمذهب يعني الوفاق، لا العصبية، والشقاق كان أَمر الناس جارياً على السَّلامة والسَّداد، من الإسلام والسنة، في صدر هذه الأمة، من عصر الصحابة- ﵃ إلى غاية القرون المشهود لها بالفضل، والخيرية: الشريعة ظاهرة، والسنة قائمة، والبدع مقموعة، والأَلسن عن الباطل مكفوفة، والعلماء عاملون، ولعلمهم ناشرون، والعامي يستفتي من يثق به وتطمئن إِليه نفسه ممن لقيه من علماء المسلمين، لم يتخذوا من دون الله وَليْجَةَ، ولا إماماً من دون رسول الله ﷺ ، ولا كتاباً غير كتاب الله- تعالى- ولا سنة سوى سنة رسول الله ﷺ وهديه، مع كثرة فقهاء الصحابة ﵃ ومنهم الخلفاء الأَربعة الراشدون، ومع وفرة علماء التابعين، وتابعيهم، وتابعي تابعيهم، وفي العصر الواحد نحو خمسمائة عالم يصلح كل واحد منهم أَن يكون إِماماً يُتمذهب له، ويُقَلَّدُ في قوله ورأيه، لكن يأَبى الله ورسوله، والمؤمنون، أَن يتخذ من شهد لهم رسول الله ﷺ بالفضل والخيرية إماما دون رسول الله ﷺ ينصبونه حاكماَ على السنة والدَّليل، وينزلونه منزلة النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم

стр. 62

وكانت الحال جارية على السَّداد في أَعقاب تلك القرون، وفيها الأَئمة الأَربعة المشهورون، جرت أَحوالهم في ركاب سلفهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم على الخير والهدى، والبِر والتقوى، والعلم ونشره، والفقه وتبليغه، وتنقيح مسائله؛ ولعنايتهم الفائقة، وظهور فضلهم، احتوشهم الطلاَّب، وكثر حولهم الأصحاب، وتنافسوا في جمع أقوالهم، وتصنيفها، وتأصيلها، والتقعيد لها، حتى بلغ أَثَرُ كل منهم مبلغاً، واتُّخِذ مَذْهَبَاً، وَصَاحِبَهُ إماماً وكان الأصحاب في كَل مذهب مقتصرون على ذلك، ثم أخذ هذا يتقوَّى شيئاً، فشيئاً، حتى تمكنت من النفوس عوامل العصبية، والانتصار والحمية، والتنافس في المذهبية، وَمِن هُنَا انعقدت آصرة التعصب المذهبي، وبلغت إلى بلاط الولاة، وقام سوقها في الدروس والِإجازات، وتطوير المذهب بالتخريج إلى إمام الواقعات، والمستجدات، فصار أهل السنة إلى هذه المذاهب الأَربعة المشهورة، درساً، وتدريساً، وقراءة، وإقراء، وكتابة، وتأليفاً، وقضاء، وفتياً، وعلماً، وعملاً، وصار لها من القبول والانتشار، ما بلغ مبلغ الليل والنهار، وانصرف الناس إِليها كالعنق الواحد، فآلَ جُلّ الخليقة من المسلمين إلى قسمين اثنين: القسم الأَول: منتسب إلى ذلك الإمام، اتَّخذه مستدلا واقتنى كتب مذهبه، لمعرفة استدلاله، ثم عرضها على الوحيين الشريفين، فما كان مؤيداً بالدليل، أخذ به، ومَا لاَ فَلاَ، مع الولاء لكل عالم من علماء أهل السنة، والاستفادة من فقههم، وحسن أثرهم، ودَعَا إلى

стр. 63

الوفاق، ونبذ أَسباب الشقاق، وعقد لاختلافهم " مجلس المناظرة والشورى " إلى الأَدلة الشرعية، وفي عُقْدَةِ رأيه: التَّسْلِيْمُ لِلدَّليل، وَلمَا قَامَ على ترجيحه الدليل القسم الثاني: متَعَصِّبٌ ذَمِيم أَخْلَدَ إلى حضيض التقليد، ولم يَدْرِ ما يُبدئ في الفقه، وما يعيد، هَجَرَ القرآن، والسُّنة، والقدوة بصاحب هذه الرسالة ﷺ ، وَنَصَبَ إِمَامَهُ غير المعصوم مَحِلَّ النبي المعصوم، فجعله الواسطة بينه، وبين رَبّه، فلا يدين بدليل، ولا تعليل سليم، وجعل: " المتن في المذهب " له قرآنًا، وشُروحه " له سنة وَتِبْيَانًا، فالحق عنده ما قاله، أَو استروحه هو من مذهب إمامه، وإن خالف الدليل، لقد هجر هذا الفريق القرآن، واتخذوه لِلرّقي والسلوان وعدلوا عن السنة وجعلوها للتبرك وقضاء الأَزمان، وأَوجدوا الشقاق! وتشقيق الأمة حتى بلغ الحال إِلى أَن الحنفي المتعصب لا يصلي خلف الشافعي، ولا يزوجه، وأَنه بمنزلة الذمي. وبهذا يظهر فساد قول أَبي الحسن الكرخي من الحنفية: (كل آية تخالف ما عليه أَصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ) . وبطلان قول من أَبصر أَنوار الدليل فلم تنفتح لها بصيرته لتعصبه المذهبي فقال: (لم أخالفه حيُّا فلا أخالفه ميتاً) وقول بعضهم: فلعنة ربنا أعداد رمل ... على من رد قول أبي حنيفة

стр. 64

وقول قاضي دمشق محمد بن موسى الباساغوني الحنفي. ت سنة (٥٠٦) هـ: " لو كانِ لي أمر لأَخذتُ الجزية من الشافعية " انتهى من ترجمته في. " ميزان الاعتدال ". وقول القاضي عياض- رحمه الله تعالى- مع جلالته: ومالك المرتضى لا شك أَفضلهم ... إِمام دار الهدى والوحي والسنن وقول محمد بن إبراهيم البوشنجي- رحمه الله تعالى: وإنِّي حياتي شافعي فإِن أَمت ... فتوصيتي بعدي بأَن يتشفعوا وقول أبي إسماعيل الأنصَاري الهروي- رحمه الله تعالى -: أَنا حنبليٌّ ما حييت واِن أَمت ... فوصيتي للناس أَن يتحنبلوا (١) والمنصف يلتزم قول الإمام مالك- رحمه الله تعالى-: (ما منا إلَّا مَن رَدَّ أَوْ رُدَّ عليه إلَّا صاحب هذا القبر) وأَشار إلى قبر النبي ﷺ وقال الصاوي في " حاشيته على الجلالين " عند قول الله- تعالى-: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الآية: الكهف/ ٢٣، ٢٤] . (ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأَربعة، ولو وافق قول الصحابة، والحديث الصحيح، والآية، فالخارج عن المذاهب الأَربعة، ضال مضل، وربما أَدَّاه ذلك للكفر، لأَن الأَخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر) انتهى بلفظه.

стр. 65

وهذا القول الشنيع، قد نقله شيخنا الأَمين- رحمه الله تعالى- في: (أَضواء- البيان:٧/٤٣٧- ٤٦٣) ورد عليه ردًّا بليغاً، وفَنَّدَه، وأَغلظ على مقالته فهذا فريق تباعد عن الكتاب، والسنة، فضلَّ الطريق، ومالت به العصبية ذات الشمال، وذات اليمين- نعوذ بالله من صنيعه- وقد عظمت بهم المحنة، واشتدت بهم الأزمة، وكان الناس في أَمر مريج، واضطراب شديد! مِنْ هُنَا وَقَعَ التجاذب في المسلم بين داعيين: داعي الدليل الأَحق، وداعي التقليد الأَعمى الأَصم، وصار من الأَبحاث المتولِّدة بعد انقراض القرون الثلاثة المفضلة. وقد قال كل فيه قولاً، وبحث آخر فيه بحثاً، وثالث أَلَّف فيه رسالة، أَو رسالتين ورابع كتب فيه كتاباً، أَو كتابين، وخامس ما ترك مناسبة إلَّا وذكره، كُلّ على مراده ومشربه. وما زال دولاب التطاحن والتكاثر فيه مستمراً حتى عصرنا، فهو محل سجال، ومعترك نزال، ووقع بسببه مشاحنات، وبغضاء، وتكفير وتبديع، وتفسيق وتضليل، وتقاطع، وتدابر، حتى نشبت في بعض الأَصقاع حروب أَبادت الفريقين، وهيشات أُهْدِرت بسببها دِمَاءُ من شاء الله من المسلمين وما زال الأمر كذلك حتى تَطَامَنَتِ الفتنة بقلم الحافظين: حافظ المشرق: الخطيب البغدادي، المتوفى سنة (٤٦٣ هـ) - رحمه الله تعالى- في كتابه: " الفقيه والمتفقه " وحافظ المغرب: ابن

стр. 66

عبد البر، المتوفى سنة (٤٦٣ هـ) - رحمه الله تعالى- في كتابه: " جامع بيان العلم وفضله " إِذ حَرَّرا كلمة الفصل بالانتصار لداعي الدليل، والقدح في الدعوة إلى التعصب الذميم، والصدَ عن الدليل، فَلاَح لَدَى المنصفين الحق المبين من الزيْفِ والمَيْنِ، لكن هذه قضية للهوى والحظوظ النفسانية فيها غارة ومدخل، وغاية ومطلب؛ لأَن أمور القضاء، والفتيا، كانت ترْسَمُ على مذهب كذا، والسلطة معهم، فيصعب اقتحام الدعوى عليهم. لكَن ما شعر الناس إلا وصوت جهير ينطلق من الأرض المباركة، من رُبى دمشق الشام، يُعْلِنُ على رؤوس الأَشهاد: فساد التعصب المذهبي، وغلط المقلدة، وتغليط الدعوة إلى سدِّ باب الاجتهاد، وأَن حقيقة ذلك نسخ للشريعة، والصيحة في وجوه دعاة التعصب المذهبي، وأَنه بدعة حادثة بعد القرون الفاضلة، وأَن قول من قال بوجوب تقليد فقيه في دين الله لاَ يُخْرَجُ عن قوله إلى الدليل، ولا إلى غيره من المجتهدين: ضلال عظيم، وبدعة في المسلمين. وأَن الواجب هو الطواعية لله، ودينه، وشرعه، ورسوله- ﷺ لا غير إلى آخر تلك الحقائق الِإيمانية، والدعوات الشرعية، فقال في ذلك، وخطب، وكاتب، وكتب، وأَنكر على الفَعَلةِ، واستنكر، ونصح، وأَرشد ذلكم هو شيخ الإسلام أَبو العباس تقي الدِّين أَحمد ابن عبد الحليم ابن تيمية النميري الحراني ثم الدمشقي، المولود سنة (٦٦١ هـ) والمتوفى سنة (٧٢٨ هـ) - رحمه الله تعالى-؛ فأثرت دعوته الإصلاحية هذه، وهَيَّأَ الله له أعوانا، وتلاميذ، في غرتهم:

стр. 67

شمس الدِّين أَبو عبد الله محمد ابن قيم الجوزية، المتوفى سنة (٧٥١ هـ) - رحمه الله تعالى- تلميذه، وصاحب التصانيف المفيدة فكان لهذين الإمامين من المباحثات الدقيقة ما تقر به عيون الذين يؤثرون طاعة الله ورسوله، وطاعة أهل العلم والهدى على أهل التعصب والهوى ثم استمرت هذه المدرسة الأَثرية المباركة، تسير في كل ناحية، ويظهر لها في كل عصر عالم وداعية، حتى أَخذ ظِلُّ هذه المحنة يتقلص، وغشاوته تنجلي، وَآلت الدعوة إلى التقليد، والحَجْرِ على العقول، والصَّدِّ عن الدليل " في زاوية، يأباها الله ورسوله والمؤمنون، وَمَا يَسْكنُ إِليها إلَّا متجرئ على الِإثم، متحمل آثام من يقلده في بدعته. هذه إِلماعة مختصرة عما كان عليه أمر الناس، وما حدث بعد من التمذهب، ثم انشقاقهم فيه إلى فريقين إلَّا بقايا من أهل العلم كانوا على ما كان عليه الأَئمة الأربعة- رحمهم الله تعالى- حتى عصر الخلفاء الأَربعة- ﵃ اكتسبوا، لَقَب: " أَهل الحديث " هذا اللقب المنيف، الذي كان من قَبْلُ لِشُيُوْخ القرون المفضلة، ثم قيام ورثتهم في القرن الثامن الهجري بإِحياء مآثرهم، ودلالة الناس على مدرستهم، تترسم خُطى النبوة والرسالة، ومدارج الصحابة، وَقَفْوَ التابعين لهم بإحسان في الخُطُوَات الآتية: أولا: أن الله- سبحانه- قد قَضَى، وحكم، وأمر، وألزم، وعهد إلينا: ألَّا نعبد إلَّا إيَّاه، وألاَّ نعبده إلا بما شرع، وهذا مقتضى الشهادتين.

стр. 68

وهذا هو أصل الملة، بل عليه مدار بعثة جميع أَنبياء الله ورسله- ﵈. فحكمه وأَمره- سبحانه- في آيات، منها: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [يوسف/ ٤٠] وأَمره في قوله- تعالى-: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) [التوبة/ ٣١] وقوله- سبحانه-: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [لبينة/ ٥] وحكمه في قوله- تعالى-: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) [الأنعام/٥٧] وقضاؤه في مثل قوله- تعالى- (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء/٢٣] وعهده في قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [يس/٦٠-٦١] وإلزامه عباده بتوحيده في قوله تعالى: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الفتح/٢٦] قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى- في آخر رسالته، رواية

стр. 69

الاصطخري: كما في: " الطبقات لابن أَبي يعلى: ١/ ٣١ ": (والدين إِنَّما هو كتاب الله ، وآثار وسنن، وروايات صحاح عن ثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة، يصدق بعضها بعضاً، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ وأَصحابه- رضوان الله عليهم- والتابعين وتابعي التابعين، ومن بعدهم من الأَئمة المعروفين المقتدى بهم، المتمسّكين بالسنة، والمتعلقين بالآثار لا يعرفون بدعة، ولا يطعن فيهم بكذب، ولا يُرْمَوْن بخلاف، وليسوا بأَصحاب قياس ولا رأي، لأَن القياس في الدين باطل، والرَّأي كذلك وأبطل منه، وأَصحاب الرأي والقياس في الدِّين مبتدعة ضلال، إلَّا أَن يكون في ذلك أَثر عمن سلف من الأَئمة الثقات ومن زعم أَنه لا يرى التقليد، ولا يقلد دينه أحداً. فهو قول فاسق عند الله ورسوله ﷺ ، إِنَّما يريد بذلك إبطال الأَثر وتعطيل العلم والسنة، والتفرد بالرأي والكلام والبدعة والخلاف وهذه المذاهب والأَقاويل التي وصفتُ مذاهب أَهل السنة والجماعة والآثار، وأَصحاب الروايات، وحملة العلم الذين أَدركناهم وأَخذنا عنهم الحديث، وتعلمنا منهم السنن، وكانوا أَئمة معروفين ثقات أَصحاب صدق، يقتدى بهم ويؤخذ عنهم، ولم يكونوا أَصحاب بدعة، ولا خلاف ولا تخليط، وهو قول أَئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم فتمسكوا بذلك رحمكم الله وتَعَلَّموه وعَلِّموه. وبالله التوفيق) انتهى.

стр. 70

ثانياً: أَن الواسطة بيننا وبين الله: هو رسول الله ﷺ فنشهد بالله، أَنه قد بلَّغَ الرسالة، وأَدَّى ألأَمانة، وختم الله به النبوة والرسالة، وأَكمل الله به الديانة، وجعل شريعته ناسخة لكل شريعة، قاضية على كل نحلة، ووجهة. فيجب على كل مسلم الاقتداء برسول الله ﷺ والتأسي به، واتباع سنته، فإِن من أَطاعه أَطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وقد قال الله- تعالى-: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [القصص/٥٠] فالنبي ﷺ هو المبين عن ربه، وعلماء أمته مستقون من شريعته، مستدلون بما أَوحاه الله إِليه، فهم وسائط في البلاغ والاستدلال، ونقل هذا الدِّين، ونشره. وفي " الطبقات " أَيضاً قال الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى-: (الدال: الله . والدليل: القرآن. والمبين: الرسول ﷺ . والمستدل: أولو العلم. هذه قواعد الإسلام) انتهى وأولو العلم المستدلون للأَحكام الشرعية، هم: " أولو الأمر " المذكورون في قول الله- تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء/٥٩] فالعالم، المفتي المجتهد، وفي مقدمتهم علماء صحابة رسول الله ﷺ ، الواحد منهم قائم في هذه الأمة مقام النبي ﷺ في وراثة الشريعة، وتبليغها للناس، وتعليمها للجاهل بها، والنذارة بها، وبذل

стр. 71

الوسع في استنباط الأَحكام منها. ولهذا كان لهم في الأمة من عظيم المقام، وصدق القيام، ما به تأيد هذا الدِّين، وبلغ ما يراه الناس من هذا المبلغ العظيم. وكان من آثاره الحِسان، هذه الجهود المتكاثرة المباركة في استنباط الأَحكام من نصوص الوحيين الشريفين، وتدوينها، والجلد العظيم على نشرها، وتوسيع دائرتها، وتدوينها في متون، وشروح، وحواشٍ وما إِليها، الكل يلتمس الارتواء من هذه الشريعة المباركة، فكلهم من رسول الله يقتبس، ومن شريعته يلتمس، وما هم بالمعصومين. ثالثاً: يجب على المسلمين تعلم كتاب الله- تعالى- وسُنَّةِ رسوله ﷺ ، والعمل بما علموا منهما وإن تعلم الوحيين في هذا الزمان، أَيسر منه بكثير في القرون المتقدمة؛ لسهولة معرفة جميع ما يتعلق بذلك مجموعا، مرتباً، مفهرساً، مطبوعا، مقرب التناول وقد حث الله المسلمين في محكم كتابه على تدبره، فقال - سبحانه-: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) [آل عمران/٧٩] وقال ﷺ : " خيركم من تعلَّم القرآن وعَلَّمه ". والسنة قطرة من بحره الزاخز كما قال- تعالى-: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... ) الآية [الأحزاب/٢١] وقد أنكر الله على من لم يكن كذلك، فقال- تعالى-: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد/٢٤]

стр. 72

وقال- سبحانه-: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [الفرقان/ ٣٠] لهذا فإن إِعراض كثير من أهل الأقطار عن الوحيين الشريفين، وتقليص الاقتباس من نورهما في كراسي التعليم، والاكتفاء بالمذاهب المدونة: من أعظم الباطل، وهو مخالف لأَئمة تلك المذاهب. وقد أَنتج هذا البلاء العظيم: تحكيم القوانين الوضعية، ثم تهدئة عواطف الأمة بدعوى المماطلة: " تقنين الشريعة ". وأَنتج: " الغَزْوَ الفِكْرِيَّ " بشتى ضروبه، وأشكاله. رابعاً: يجب على العوام الذين لا قُدرة لهم على التعلم، سؤال أهل العلم، والعمل بما أفتوهم به. وهذا هو " التقليد " في الاصطلاح الحادث (١) ، وحقيقته: " الأَخذ بمذهب الغير من غير معرفة دليله ". وهو على قسمين: جائز وغير جائز القسم الأول: التقليد الجائز وهو على نوعين: ١- تقليد العامي عالما أهلا للفتيا، فيما ينزل به من أمور دينه. وهذا العامي يجوز له أن يقلد من شاء من العلماء من غير

стр. 73

حَجْر في كل نازلة تَمُرّ به، راغباً الوصول إلى الاقتداء، والتأسي، لا تتبع الرّخص، والتَشهي وهذا تقليد مشروع مجمع على شرعيته. ٢- تقليد المضطر اضطراراً حقيقياً، فهذا معذور مثل: من لا قدرة له على الفهم. من له قدرة على الفهم لكن عاقته عوائق عن التعليم. أو هو في أَثناء التعليم، لكن لم ينضج بعد. أَو لم يجد كفؤاً يتعلم منه. ونحو ذلك. القسم الثاني: التقليد غير الجائز وهو على ثلاثة أنواع: ١- كل حكم ظهر دليله من كتاب، أو سنة، أَو إجماع سالم من المعارض، فهذا لا يجوز فيه " التقليد " بحال، ولا " الاجتهاد "، وإنما يجب فيه: " الاتباع " وحقيقة الاتباع: هو الأخذُ بِمَا ثَبَتَتْ عليه حجة من كتاب أو سنة أو إجماع سالم من المعارض. ٢- تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاده: مجتهداً آخر خلاف ما ظهر له هو ٣- تقليد رجل واحد من العلماء، دون غيره من جميع أهل العلم فهذا لم يحصل لأحد من الصحابة- ﵃ ولا من أحد منهم، ولا في أحد من أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية. ولم يقل به أحد من أهل العلم طيلة تلك القرون، وإنَّما

стр. 74

حدثت بدعة القول به في القرن الرابع الهجري. وقد أَجرى ابن عبد البر، المتوفى سنة (٤٦٣ هـ) - رحمه الله تعالى- في " جامعه "، وابن القيم، المتوفى سنة (٧٥١ هـ) - رحمه الله تعالى- في: " إِعلام الموقعين ": المحاكمةَ بين دعاة التقليد على هذا الوجه، وبين المانعين، ببحوث طويلة الذيل، لكنها قصيرة في نظر المنصف أَمثال هذين الإمامين؛ لقصور حجة المجيز، وظهور حجة عدم الجواز على القول بالجواز. وقد ساق شيخنا محمد الأَمين الشنقيطي، المتوفى سنة (١٣٩٣ هـ) - رحمه الله تعالى- مقاصد الشيخين في كلامهما في: " أَضواء البيان ": (٧/٤٨٨- ٥٣٩) . ولابن القيم- رحمه الله تعالى- كلمات حسان، لم أَستطع تجاوزها دون سياق لها؛ لأَنها جامعة مانعة، وهذا نصها: " ٤/ ٢٦٢- ٢٦٤ ": (ولم يوجب الله ولا رسوله على أَحدِ من الناس أَن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أَهلها من هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به؛ فالعامي لا مذهب له؛ لأَن المذهب إِنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيراَ بالمذاهب على حسبه، ولمن قرأ كتاباَ في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله، وأما مَنْ لم يتأهَّل لذلك البتة بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك؛ لم يصِرْ كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أَنا فقيه، أو نحوي، أو كاتب؛

стр. 75

لم يصر كذلك بمجرد قوله. يوضحه أَن القائل إِنَّه شافعي أو مالكي أو حنفي، يزعم أَنه متبع لذلك الإمام، سالك طريقه، وهذا إِنَّما يصح له إِذا سلك سبيلَه في العلم والمعرفة والاستدلال، فأَما مع جهله وبُعْده جدّا عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه، فكيف يصح له الانتساب إِليه إلَّا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى؟ والعامي لا يتصور أَن يصح له مذهب، ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أَحدا قط أَن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويَدعُ أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حَدَثَتْ في الأمة، لم يقل بها أَحد من أَئمة الإسلام وهم أَعلى رتبة وأَجل قدراً وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك وأَبعد منه قول من قال: يلزمه أَن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأَبعد منه قول من قال: يلزمه أَن يتمذهب بأَحد المذاهب الأَربعة. فيالله العجب! ماتت مذاهب أَصحاب رسول الله ﷺ ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أَئمة الإسلام، وبطلت جملةً، إلَّا مذاهب أَربعة أَنفسٍ فقط من بين سائر الأَئمة والفقهاء؟ وهل قال ذلك أَحد من الأَئمة أو دعا إليه أو دلَّت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أَوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على مَنْ بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجبُ ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان
следующие страницы →