الوسع في استنباط الأَحكام منها.
ولهذا كان لهم في الأمة من عظيم المقام، وصدق القيام، ما به تأيد هذا الدِّين، وبلغ ما يراه الناس من هذا المبلغ العظيم. وكان من آثاره الحِسان، هذه الجهود المتكاثرة المباركة في استنباط الأَحكام من نصوص الوحيين الشريفين، وتدوينها، والجلد العظيم على نشرها، وتوسيع دائرتها، وتدوينها في متون، وشروح، وحواشٍ وما إِليها، الكل يلتمس الارتواء من هذه الشريعة المباركة، فكلهم من رسول الله يقتبس، ومن شريعته يلتمس، وما هم بالمعصومين.
ثالثاً: يجب على المسلمين تعلم كتاب الله- تعالى- وسُنَّةِ رسوله ﷺ ، والعمل بما علموا منهما وإن تعلم الوحيين في هذا الزمان، أَيسر منه بكثير في القرون المتقدمة؛ لسهولة معرفة جميع ما يتعلق بذلك مجموعا، مرتباً، مفهرساً، مطبوعا، مقرب التناول وقد حث الله المسلمين في محكم كتابه على تدبره، فقال - سبحانه-: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) [آل عمران/٧٩]
وقال ﷺ : " خيركم من تعلَّم القرآن وعَلَّمه ".
والسنة قطرة من بحره الزاخز كما قال- تعالى-: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... ) الآية [الأحزاب/٢١]
وقد أنكر الله على من لم يكن كذلك، فقال- تعالى-: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد/٢٤]
стр. 72
وقال- سبحانه-: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [الفرقان/ ٣٠]
لهذا فإن إِعراض كثير من أهل الأقطار عن الوحيين الشريفين، وتقليص الاقتباس من نورهما في كراسي التعليم، والاكتفاء بالمذاهب المدونة: من أعظم الباطل، وهو مخالف لأَئمة تلك المذاهب. وقد أَنتج هذا البلاء العظيم: تحكيم القوانين الوضعية، ثم تهدئة عواطف الأمة بدعوى المماطلة: " تقنين الشريعة ".
وأَنتج: " الغَزْوَ الفِكْرِيَّ " بشتى ضروبه، وأشكاله.
رابعاً: يجب على العوام الذين لا قُدرة لهم على التعلم، سؤال أهل العلم، والعمل بما أفتوهم به.
وهذا هو " التقليد " في الاصطلاح الحادث (١) ، وحقيقته:
" الأَخذ بمذهب الغير من غير معرفة دليله ".
وهو على قسمين: جائز وغير جائز
القسم الأول: التقليد الجائز وهو على نوعين:
١- تقليد العامي عالما أهلا للفتيا، فيما ينزل به من أمور دينه.
وهذا العامي يجوز له أن يقلد من شاء من العلماء من غير
стр. 73
حَجْر في كل نازلة تَمُرّ به، راغباً الوصول إلى الاقتداء، والتأسي، لا تتبع الرّخص، والتَشهي وهذا تقليد مشروع مجمع على شرعيته.
٢- تقليد المضطر اضطراراً حقيقياً، فهذا معذور مثل:
من لا قدرة له على الفهم.
من له قدرة على الفهم لكن عاقته عوائق عن التعليم.
أو هو في أَثناء التعليم، لكن لم ينضج بعد.
أَو لم يجد كفؤاً يتعلم منه.
ونحو ذلك.
القسم الثاني: التقليد غير الجائز وهو على ثلاثة أنواع:
١- كل حكم ظهر دليله من كتاب، أو سنة، أَو إجماع سالم من المعارض، فهذا لا يجوز فيه " التقليد " بحال، ولا " الاجتهاد "، وإنما يجب فيه: " الاتباع "
وحقيقة الاتباع: هو الأخذُ بِمَا ثَبَتَتْ عليه حجة من كتاب أو سنة أو إجماع سالم من المعارض.
٢- تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاده: مجتهداً آخر خلاف ما ظهر له هو
٣- تقليد رجل واحد من العلماء، دون غيره من جميع أهل العلم فهذا لم يحصل لأحد من الصحابة- ﵃ ولا من أحد منهم، ولا في أحد من أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية. ولم يقل به أحد من أهل العلم طيلة تلك القرون، وإنَّما
стр. 74
حدثت بدعة القول به في القرن الرابع الهجري.
وقد أَجرى ابن عبد البر، المتوفى سنة (٤٦٣ هـ) - رحمه الله تعالى- في " جامعه "، وابن القيم، المتوفى سنة (٧٥١ هـ) - رحمه الله تعالى- في: " إِعلام الموقعين ": المحاكمةَ بين دعاة التقليد على هذا الوجه، وبين المانعين، ببحوث طويلة الذيل، لكنها قصيرة في نظر المنصف أَمثال هذين الإمامين؛ لقصور حجة المجيز، وظهور حجة عدم الجواز على القول بالجواز.
وقد ساق شيخنا محمد الأَمين الشنقيطي، المتوفى سنة (١٣٩٣ هـ) - رحمه الله تعالى- مقاصد الشيخين في كلامهما في: " أَضواء البيان ": (٧/٤٨٨- ٥٣٩) .
ولابن القيم- رحمه الله تعالى- كلمات حسان، لم أَستطع تجاوزها دون سياق لها؛ لأَنها جامعة مانعة، وهذا نصها: " ٤/ ٢٦٢- ٢٦٤ ":
(ولم يوجب الله ولا رسوله على أَحدِ من الناس أَن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أَهلها من هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به؛ فالعامي لا مذهب له؛ لأَن المذهب إِنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيراَ بالمذاهب على حسبه، ولمن قرأ كتاباَ في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله، وأما مَنْ لم يتأهَّل لذلك البتة بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك؛ لم يصِرْ كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أَنا فقيه، أو نحوي، أو كاتب؛
стр. 75
لم يصر كذلك بمجرد قوله.
يوضحه أَن القائل إِنَّه شافعي أو مالكي أو حنفي، يزعم أَنه متبع لذلك الإمام، سالك طريقه، وهذا إِنَّما يصح له إِذا سلك سبيلَه في العلم والمعرفة والاستدلال، فأَما مع جهله وبُعْده جدّا عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه، فكيف يصح له الانتساب إِليه إلَّا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى؟ والعامي لا يتصور أَن يصح له مذهب، ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أَحدا قط أَن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويَدعُ أقوال غيره.
وهذه بدعة قبيحة حَدَثَتْ في الأمة، لم يقل بها أَحد من أَئمة الإسلام وهم أَعلى رتبة وأَجل قدراً وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك وأَبعد منه قول من قال: يلزمه أَن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأَبعد منه قول من قال: يلزمه أَن يتمذهب بأَحد المذاهب الأَربعة.
فيالله العجب! ماتت مذاهب أَصحاب رسول الله ﷺ ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أَئمة الإسلام، وبطلت جملةً، إلَّا مذاهب أَربعة أَنفسٍ فقط من بين سائر الأَئمة والفقهاء؟ وهل قال ذلك أَحد من الأَئمة أو دعا إليه أو دلَّت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أَوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على مَنْ بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجبُ ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان
стр. 76
والمكان والحال، فذلك أيضا تابع لما أَوجبه الله ورسوله، ومَنْ صحح للعامي مذهباً قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إِليه هو الحق، فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، وهذا الذي قاله هؤلاء لو صح؛ للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه، وتحريمُ تَمذْهُبه بمذهب نظير إِمامه أو أَرجح منه، أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها، بل يلزم منه أَنه إِذا رأى نص رسول الله ﷺ أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه؛ أَن يترك النصَّ وأَقوال الصحابة ويُقَدم عليها قول من انتسب إليه.
وعلى هذا فله أن يستفتي مَنْ شاء من أَتباع الأئمة الأَربعة وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أَن يتقيد بأَحد من الأَئمة الأربعة بإِجماع الأمة، كما لا يجب على العالم أَن يتقيد بحديث أَهل بلده أو غيره من البلاد، بل إِذا صح الحديث وجب عليه العمل به حِجازيُّا كان أو عراقيّا أو شاميّا أو مصريُّا أو يمنياً، وكذلك لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين، بل إذا وافقت القراءة رَسْم المصحف الإمام وصَحَّت في العربية وصح سَنَدُها (١) ؟ جازت القراءة بها وصحت الصلاة بها اتفاقا، بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان وقد قرأ بها رسول الله ﷺ والصحابة بعده؛ جازت القراءة بها ولم تبطل الصلاة بها على أصح الأقوال، والثاني: تبطل الصلاة بها، وهاتان روايتان
стр. 77
منصوصتان عند الإمام أحمد، والثالث: إِن قرأ بها في ركن لم يكن مؤديا لفرضه، وإن قرأ بها في غيره لم تكن مبطلة، وهذا اختيار أَبي البركات ابن تيمية، قال: لأَنه لم يتحقق الِإتيان بالركن في الأَول ولا الإتيان بالمبطل في الثاني، ولكن ليس له أَن يتبع رُخَصَ المذاهب وأًخْذُ غرضه من أَي مذهب وجده فيه، بل عليه اتباع الحق بحسب الِإمكان) انتهى.
خامسًا: عقد الشورى في مسائل الخلاف:
إِن الله - سبحانه - هو الذي خلقنا من نفس واحدة كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) الآية [النساء/١]
وجعلنا أمة واحدة: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأَنبياء/ ٩٢]
وجعل الرابطة بين المسلمين: الأخوة الإسلامية: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات/ ١٠]
وقطع كل رابطة دونها من الروابط العرقية، والوطنية، والمالية، فقال- سبحانه-: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة/ ٢٤]
وجعل معبودها واحداً، ونبيها واحداً، وقبلتها واحدة، وقطع كل
стр. 78
ما يتسرب إلى صدع هذه الوحدة، أو شق هذه الجماعة والله العليم الحكيم، قد دعى الأمة إلى هذه الوحدة، وفي سابق علمه سبحانه أَن الخلاف في المسائل النظرية، والعملية، وتباين وجهات النظر، واختلاف المدارك والفهوم، لابد أَن يكون، وهذا أَمر طبعي لمن منحهم الله العقل والتمييز؛ لهذا ومحافظة على عدم شق هذه الوحدة دعاهم إلى الشورى، وهذا من أَدلّ الدلائل، وأَعظم الوسائل المفيدة إلى أَنه ليس كل خلاف مذموماً، بل مع سلامة المقاصد " خلاف محمود " لتتسعَ المدارك والفهوم.
من هنا كان الخلاف جارياً بين الأَئمة الأربعة أَنفسهم كما جرى بين من قبلهم، ومن بعدهم إلى أَن يشاء الله. وهذا الخلاف يفتح سيولة فكرية، وثراءً علميًّا، في فحص النصوص واستقراء دلالتها المتنوعة، وهذا ما حصل في أي خلاف فقهي، ومنه: " الخلاف الفقهي بين الأَئمة الأربعة " فالموفق المسدد هو الذي يتخذ من هذا الخلاف في قلبه وعقله " مجلس شورى " يعقده للمناظرة بين آرائهم، ويحكمهم إلى الكتاب والسنة، فينظر أَهداها، وأَقربها، وأَطوعها للنص، ويأخذ به.
إذا انتهينا إلى الترجيح، فلا تشنيع، ولا تأثيم، على صاحب القول المرجوح، بل نُنزل خلافه على واحد من أَسباب الاعتذار المعلومة، والتي نرى جملتها في: " رفع الملام عن الأَئمة الأعلام " وليكن في عقدة كل عالم: أن القول الذي اختاره ورجحه، يحتمل الخطأ، وأن يكون مقابله هو الصواب؛ لهذا كم رأينا من إمام
стр. 79
رجع عن رأي له إلى مقابله؛ لدليل ظهر له، وتعليل بان له على خلاف ما سبق. وهذا يدل على نبل وفضل، ودين وعقل، وأَنه متلمس للحق أَبداً
وليكن في عقدة كل عالم: أَن الِإثم محطوط عن المجتهد في الدنيا والآخرة، وأَنه في الآخرة كذلك لمن يكشف عن هذه المسائل الخلافية الاجتهادية التي يخوض غمارها المجتهدون، ويصرفون لها قواهم، والله- سبحانه- أَكرم من أَن يفضح عبده بين يديه على رؤوس الخلائق وهو باذل جهده ووسعه
وانظر إلى لطف الله تعالى في عبده داود ﵇ لما فاقه سليمان بمعرفة الحكم، لم يعنفه، ولم يؤثمه؛ لأَنه صدر منه ما صدر عن اجتهاد بلغه علمه.
حاشا من لم يكن من أَهل الاجتهاد، فإِنه لا يجوز له اختراق الحمى، ولا يجوز إِقراره، ويجب على أهل العلم والهدى تخطئته، وهو آثم محاسب على تفريطه
فيا أَيها المنتسب إلى مذهب الإمام أَحمد، أَو الشافعي، أو مالك، أو أَبي حنيفة: احذر أَن تكون مِمَّن أَعماهم تعصب الانتساب واجعل ذلك الإمام، ومن لحقه على مذهبه، أَدلاء لك إلى الدليل، واعقد قلبك على أمور ثلاثة:
١- كتب المذهب دليل لك إلى فهم الدليل
٢- اجعل الدليل لك غاية ومطلباً، وذخراً، ومدخراً، وعلماً، وعملاً
٣- حذارِ من الوقيعة في أئمة العلم والدِّين
стр. 80
سادساً: التزم فقه الدَّليل، مع احترام أَئمة العلم والدِّين في القديم والحديث، فلا نغلو فيهم، ولا نَجْفُوهم.
وعليه فاعقد قلبك على كلمة الفصل في الأَئمة الأربعة- رحمهم الله تعالى- على ما يأتي:
أَنهم من خيار علماء المسلمين، وفقهائهم، ولهم قدم صدق في الإسلام وجهود جليّة كريمة في الفقه، وأَبواب العلم، ونشره، والذبّ عن الحرمات، وصيانة الملة من الدخولات، والأَهواء، والبدع المضلة.
وأَنهم ليسوا بالمعصومين، بل الواحد منهم بين الأَجر والأَجرين في فروع الدِّين.
وأَن حقيقة اتباعهم: الأَخذ بالدليل من السنة والتنزيل.
وأَن الوحيين الشريفين، حاكمان على أقوالهم، وآرائهم.
وأَن أقوالهم، مهمة لنا؛ للاستعانة بها على معرفة الحق بدليله.
وأَنه لا يجوز الاستغناء بمذاهبهم عن طلب الدليل.
وأَنهم لما هم عليه من العلم والهدى، أَقرب منَّا للصواب في اجتهاداتهم، من اجتهادنا لأَنفسنا.
وأَن علينا الاحتياط لأَنفسنا في دنيانا، ويوم العرض على ربنا، فننظر في أَقرب أقوالهم وأَهداها إلى الحق والاحتياط، وأَبعدها عن الاشتباه، فنأخذ به.
سابعاً- اتفق الأئمة الأربعة- رحمهم الله تعالى- على منع تقليدهم، وما من إمام منهم إلَّا وقال: " إذا صح الحديث فهو مذهبي "
стр. 81
لهذا فإِن الأَخذ بالدليل، وإن خالف رأي صاحب المذهب؛ هو تقليد له في صورة: ترك التقليد.
لكن أًبَى الأَتباع إلَّا التقليد الأَصم، والتعصب الأَعمى، وفي هذا عدة بلايا: مخالفة المقلِّد هدي النبي ﷺ ، ومخالفته لِإمام المذهب، ومنابذة النص؛ وكل هذه مآثم جلبها له: التعصب المقيت. نعوذ بالله من الهوى.
ثامناً: أَجمع المسلمون أَنه لا يجوز للمقلِّد أَن يقول: هذا حلال، وهذا حرام، فيما قَلَّد غيره فيه في مواضع الاجتهاد، ولكن يقول: هذا هو حكم كذا في مذهب الإمام الذي قلدته، أو استفتيته فأَفتى به.
تاسعا: كل حكم فرعي مُدَوَّن في أَي مذهبٍ لا يخلو من واحد من ثلاثة أًقسام:
١- قِسم الحق فيه ظاهر بين لقيام الدليل من كتاب، أو سنة، أَو إٍجماع وهو في كل باب من أَبوال الفقه، ظاهر كثير.
فهذا يجب الأَخذ به على سبيل الاتباع لصاحب الشريعة ﷺ لا على سبيل التقليد لصاحب ذلك المذهب؛ لأَنه تشريع عام للأُمة، ليس من مجالات الاجتهاد.
٢- قِسْمٌ مرجوح؛ لمخالفته الدليل
فهذا لا يجوز الأخذ به، ولا تقليد ذاك الإمام به، بل يجب دفعه، وترك الالتفات إلى العمل به
стр. 82
وهو على قلة في كل مذهب، لكن مُعَدَّل نسبتها في كل مذهب يختلف من مذهب إلى آخر حسب الركون إلى الرأي في ذلك المذهب قلة وكثرة
فالإمام أَبو حنيفة- رحمه الله تعالى- أخذت عليه مسائل خالف فيها الدليل، وهو أَكثر الأَئمة المتبوعين في ذلك؛ لأَنه أَكثرهم رأياً.
فمنها في مذهبه:
تركه العمل بحديث القضاء بالشاهد واليمين في الأَموال
وتركه العمل بحديث التغريب للزاني البكر
وفي الصلاة: عدم لزوم الطمأنينة فيها، وأَن تكبيرة الِإحرام لا تتعين للدخول فيها، ولا السلام للخروج منها.
وغيرها كثير بسطها ابن القيم- رحمه الله تعالى- في: " إعلام الموقعين ".
ومنها في مذهب الإمام مالك- رحمه الله تعالى- وهو أَقل من سابقه الإمام أَبي حنيفة:
كراهة صيام الست من شوال
وأَن إفراد صيام يوم الجمعة: حسن غير مكروه
وعدم الجهر بآمين.
وعدم رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه.
وعدم قول الإمام: ربنا ولك الحمد
والقول بعدم خيار المجلس
ومنها في مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى-: وهو أقل
стр. 83
من سابقيه- رحمة الله على الجميع-:
نقض الوضوء بمجرد لمس المرأة الأجنبية بدون حائل
ومنها في مذهب الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- وهو أَقل من الأَئمة الثلاثة قبله، بل هي على ندرة في مذهبه:
صيام يوم الشك احتياطاً، وهو يوم الثلاثين من شعبان؛ إذا كانت السماء مغيمة. وسيأتي في آخر " المبحث السادس " بيان الغلط على الإمام
٣- قِسم من مسائل الاجتهاد، التي تجاذبتها الأَدلة، فهذا محل نظر الفقيه.
وهذا القسم كثير في كل مذهب؛ لأَن الوقائع متجددة، والنوازل متكررة، والمستجدات غير متناهية.
ثم هذا القسم في كل مذهب على أَربعة أَنواع:
أ- ما تصح نسبته إلى ذلك الإمام
ب- ما لا تصح نسبته إِليه وقد نسب إليه.
ج- ما ألحق بعده على قواعد مذهبه تخريجاً عليه
د- ما زاده بعض المتأخرين على مذهبه وقتاً بعد وقت مما لا يقره هو، بل في مذهبه ما ينقضه.
فيا من شُغفت بالتقليد، تَرَفَّق، لا تنسب إلى من تُقَلدهُ ما هو بريء منه، فتقع في تأثيم نفسك مرتين، مرة في التقليد الأصم، ومرة في التجاوز بنسبة ذلك إلى من تقلده، وهو بريء منه.
عاشرا: باب الاجتهاد مفتوح بِشَرْطِه فَلاَ تَلْتَفِت إلى دعوى انقراض
стр. 84
عصر الاجتهاد وسَد بابه، فهي مِن نفثات متعصبة المذاهب الذين لا يُبِيْحُوْنَ لأَنفسهم الخروج عما في كتب مذهبهم، فيريدون من ورائها أَن لا يخرج أَحد عليهم باجتهاد يخترق به المذاهب بالدليل والبرهان، فيقول لهم: أَنتم تقلدون المذهب الفلاني بكذا، والله - سبحانه- يقول كذا، ورسول الله ﷺ يقول كذا.
وهذا يُثير الدهماء على المقلدة، ويُوجههم للدليل، وفيه ما فيه من سَلْب حظوظ النفس. والله المستعان
وقد سَرَت هذه زَمَناً، ثم اخترقها المصلحون، بل أَصبح الاجتهاد ضرورة فقهية لمستجدات الحياة المعاصرة، يستحيي متعصب من القول بهذه المقولة وهو أَول من يجتازها وما هذه المقولة في فسادها، إلَّا كقولهم: " أَهل الحديث ليسوا فقهاء ".
وقول الشعوبية للغض من العرب: " أَكثر المحدّثين من غير العرب ".
وهذه وأمثالها تأتي من قصور النظر تارة، والحمية تارة، والتتابع على الغلط تارة، والتفريط تارة وطريق الِإنصاف: التثبت والوسطية:
فَلاَ تُوغِلَنَ إذا مَا سَبَحْتَ ... فَإِنَّ السَّلاَمَةَ في السَّاحِلِ
стр. 85
المبحث الخامس: الاجتهاد في الفقه الإسلامي وأثره في الثروة الفقهية في كل مذهب
وإِذ تمهدت هذه المقدمات عن حقيقة المذهب، وحقيقة: " الفقه " وأَن مدار فقه الإمام أَحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى- صاحب المذهب الفقهي المنسوب إِليه، ومدار فقه المذاهب الأربعة، والاختلاف بينها- بل بين العلماء سلفا وخلفا- في الفروعيات هو على: " المسائل الاجتهادية في أَفعال المكلفين " تأتي المناسبة جلية ظاهرة في عقد هذا التمهيد عن: " الاجتهاد في الفقه الإسلامي " وبيان مجالاته فيه، وتشخيص سبب كثرة الثروة الفقهية باختلاف فهوم الأَئمة فيما شاء الله من الفروع الفقهية. وإليك البيان: معلوم في مطالع الشرع المطهَّر صلاحيته لكل زمان ومكان، إِذْ جاءت أَحكامه رحمة للناس مبنية على رعاية المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، ورفع الحرج والمشقة عَن مَنْ أتم الله عليهم النعمة بالإيمان بها، غاية في إقامة القسط والعدل: العدل الذي ترسم معالمه الشريعة ذاتها، لا على التفلسف، والملاينة، والنزول على الرغبات، ومجاراة الناس، وتسويغ أعمالهم
وتأسيسا على هذا أعطى الشرع المطهر من انبسطت يداه،
стр. 86
ودَرَجَتْ خُطَاه في سَنَنِ التحقيق: منصبَ إِعمال الفِكْر، وإجالةَ النظر بالتفهم والتفقه والتدبّر في فهم النصوص وتطبيقها على الواقعات المستجدة، وباستخراج الدليل للواقعة من الكتاب والسنة، وإلحاق ما لا نص فيه منها على ما ورد به النص بما اكتسبَ بَعْدُ اسم " الاجتهاد " ومعتمله اسم: " المجتهد ".
وقد تسلَّم الصحابة ﵃ منصب الأستاذية في هذا، وتتابع عليه أَهلوه من علماء الشريعة على توالي العصور، بالتفقه وبذل الجهد الفِكري.
وبه: استمر دُولاب الحياة مترابط الحلقات بالدِّين، وحبل الله المتين، وصار جسراً ممتداً في الإسلام، معلناً الخلود والنفاذ واستلهام الحوادث والواقعات، والصمود أَما ظروف الحياة ومواجهات العصور وإذا سبرت الحال لميزان عصور القوة والنضوج والترقي من عصور الضعف والتهري، حملك هذا إلى معرفة مدى توفر العقول الحاملة لملكة الاجتهاد الحقيقي في الأُمة، الذي يسعى به مكتمل أَدواته إلى ما يريده الله من عباده.
كل هذا قد عُلِمَ في سُلَّم المسلمات الشرعية في إِطار الطواعية والانقياد لله تعالى، ومنها ما أَوجبه الله من طاعة رسول الله ﷺ على جميع الناس كما في نحو أَربعين موضعاً من التنزيل الكريم، وطاعته ﷺ طاعة لله تعالى، وهذا عين العبودية لله وحده لا شريك له، وذلك دين الإسلام. والأصل: الأخذ بالنص عند ظهوره، فيسقط معه كل اجتهاد أو قياس أو تقليد، وهذه لا تكون إلَّا عند الاضطرار
стр. 87
ولذا كان الأَصل في شأن الفقيه: أن يكون مستقلاً لا يتقيد بمذهب معين، إنما يتقيد بنصوص الكتاب والسنة وما يؤدِّيه إِليه اجتهاده المقبول، وهو مأجور أَخطأ أَم أَصاب. وهذا كما أَنه عين الطواعية لله ورسوله، فهو من أَعظم الأَسباب لِإثراء الفقه، وتنميه الملكات الفقهية، والنشوء والتربية على مبدأ البحث واستقلال الفكر سَيْرا على منهاج النبوة.
وعليه فقد انعقدَ الإجماع على أَنَّه لا يجوز لِعَالِم أَن يُقلِّد غيره
إِذا كان قد اجتهدَ وتبين له الحق، والِإجماعُ أيضا على أَن التقليد المحرَّم بالنص والِإجماع هو كل تقليد يعارض قول الله تعالى، وقول رسوله ﷺ ، وأَن الشريعة لا يمكن حصرها بمذهب معين، أو قول مقنن، وأَنها حجة على كل مذهب ولا يجوز بحال أَن يحتج بالمذهب عليها، وما المذهب إلَّا قطرة من بحرها الزاخر.
وما الأَخذ بالدليل إِلاّ َتقليد في صورة ترك التقليد، لقول كل إِمام: " إِذا صحَّ الحديث فهو مذهبي " ولذا رفض العلماء مقولة من قال بسد باب الاجتهاد، ورأوها عمليه إِجهاض للفقه الإسلامي، وأَن الذمم مشغولة بتحقيقه، ولا تبرأ بسده على أَهله، بل قال الشوكاني - رحمه الله تعالى- كلمته المشهورة: " سَدُّ باب الاجتهاد دعوة إلى نسخ الشريعة " نعم: سد الباب على غير المتأهل، دفعاً لفساد الفتيا بغير علم، والقول على الله بلا علم أساس كُلِّ بَلِيّهٍ في الدِّين؛ ولذا صار حفظ الدين رأس مقاصد الإسلام الخمسة: حفظ الدين، فالنفس، فالعقل، فالعرض، فالمال
стр. 88
وقد عُلِمَ على سبيل اليقين والقطع ضرورة الحياة وسياسة العمران إلى قيام منصب الاجتهاد الفقهي، إذْ الواقعات متجددة لا تقبل الحصر والنص لم يرد في كل حادثة، وهي غير متناهية، فصار نصب القياس والتفقه واجباً، وهذا الواجب لا يتم إلَّا بأَن يسعى مَنْ بَسَطَ الله يده إلى سبل التعلم التي تؤهل الكفاءات العلمية في مهد عنايتها، وتنمية مداركهم على يد من استقامت موازينهم وخلصت نِيَّاتُهم، لاسيما والآلات العلمية متوفرة في هذا الزمن أكثر وأَسهل من ذي قبل، فالشأن في التوجيه لحملها على سنن الشرع، وبهذا يكون في ساحة المسلمين واحدة من كبرى الضمانات التي تعصمهم من التموج والأَهواء والاضطراب في أَمر الدِّين والدّنيا.
وقد صَنَّفَ أهل العلم: أَصْحَابَ المدارِك الفقهية إلى طبقات ومراتب بين الاجتهاد والتقليد، على اختلاف بينهم، فمنهم من جعلهم ثلاث طبقات
١- طبقة المجتهدين، ويقال: بإطلاق.
٢- طبقة المجتهدين في المذهب.
٣- طبقة أَرباب الترجيح.
ومنهم من زاد:
٤- طبقة المحافظين في المذهب.
٥- طبقة المقلدة.
إلى غير ذلك مما يُعلم من النظر في تفاريق كلام الأصوليين في أخريات مباحث الاجتهاد والتقليد من كتب الأصول
стр. 89
والمتعين على أهل العلم والإيمان أَن يقولوا من حيث يعلمون وأَن يكفوا عما لا يعلمون، وأن يسيروا في الأُمة سيرة سلفهم الصالح في رعاياهم، وَمَنْ لم تنبسط حاله في الفقه فإنه يقف عند حده ولا يتجاوز طوره. والمتأهل ينزل في الساحة ولا يتخلى عنها لمتعالم يُفسِد على الناس دينهم ودنياهم؛ ولذا تَخَلَّصوا وخلَّصوا الأمة من أَسْر الضغط بالتقليد في جميع صوره وأَشكاله، وسلكوا بها طريقاَ بين ذلك قواماَ " فيبذل الفقيه المتأهل الوسع في الطلب، بحيث يحس من نفسه العجز عن زيد الطلب لاستخراج الأَحكام العملية من أَدلتها التفصيلية " وهذه حقيقة الاجتهاد وكلمة " الاستخراج " هنا أَولى على سبيل التنظير أو الاجتهاد في تطبيق النص على الواقعة، وبذله هذا لا يخلو أَن يكون واجباً عينياً إن وقعت له الحادثة أو سئل عنها وخاف فَوْتَهَا، أو وجوبا كفائيا إِن لم يخف فَوْتَها، أو سبيله الندب فيما عدا ذلك.
وهذا الذي له حق بذل الوسع هو من يملك أَسبابه من فقيه النفس المتبحِّر في الكتاب والسنة والأحكام الشرعية المشتركة بينهما، راسخا في أصول الفقه بالبيّنة لا بالتبعية المذهبيّة، بصيراً بمواطن الإجماع والخلاف الفقهي ومداركه، قائلاً بالقياس عالماً به، عارفاً بوجوه دلالة اللفظ المختلفة، وعلوم الآلة، صدراً في اللغة العربية وبالجملة: تمكِّنه هذه الأسباب من إناطة الأحكَام بمداركها الشرعيّة، قد أنس من نفسه ذلك، وكثيراَ ما تنتشر في الناس أهليّته، فمتى كان
стр. 90
كذلك؛ صح وصف العالم بالمجتهد، وصح اجتهاده، وصار قبوله متى كان عدلاَ مقيماَ للفرائض والسنن.
ولعلَه بعد هذا التطواف المعتصر من كلام أهل العلم، تستشرف النفس إلى معرفة مجالات الاجتهاد، ومن هنا فاعلم أَنَّ الأَحكام تدور في قالبين:
* الأول: ما كان من كتاب أو سنة أو إِجماع قطعي الثبوت والدلالة، أو معلوماً من الدِّين بالضرورة، كمسائل الاعتقاد وأَركان الإسلام، والحدود، والفضائل، والمقدرات كالمواريث، والكفارات ... ونحو ذلك. فهذه لا مسرح للاجتهاد فيها بإِجماع، وطالما أَنَّها ليست محلاً للاجتهاد فلا يُقال فيها: كل مجتهد مصيب، بل المجتهد فيها مقطوع بخطئه وإثمِه، بل وكفره في مواضع.
* الثاني: ما سوى ذلك؛ وهو ما كان بنص قطعي الثبوت ظني الدلالة، أو عكسِهِ، أو طرفاه ظنيان، أو لا نص فيه مطلقاً من الواقعات والمسائل، والاقضيات المستجدة، فهذه محل الاجتهاد في أُطرِ الشريعة، وعلى هذا معظم أَحكام الشريعة؛ فهذا محل الاجتهاد ومجاله.
ولا يسبق إلى فهمك هنا أَنَّ المراد بالقطعي: " الحديث المتواتر " وبالظني: " حديث الآحاد " على ما دَرَجَ عليه عامة أهل الأصول؛ كلا، ثم كلا، لأنَّهم بهذا يُفرِّقون بين شرعي وشرعي،
стр. 91
ويستدلون للتفريق؛ بل في جميع مباحث الأصول، بآحاد الأَدلَّة من مفردات العربية، وأَبيات الأَعراب، فانظر كيف يستدلون على الشرع بالآحاد وينكرون دلالة السنة الآحادية في الشرع في الاعتقاد، أو يجعلونها ظنية الثبوت في الأَحكام؛ فما هذا أريد، ولكن أريد بالظنِّي هنا " ما وقع فيه خلاف له حظ من النظر بين التحسين والتضعيف، أَو الحديث الضعيف ضعف حفظ وما جرى مجرى ذلك.. والله أعلم
وقد يكون الحكم هنا من الوضوح والبيان ما يلتحق بالقسم الأول، وقد تتزاحم الدلائل فيكون التفهم والتفقه والتفتيش عن وجوه الترجيح لأَحد القولين أَو الأقوال من غيره، وهنا يصح أن يقال في حق من له بذل الوسع. " كل مجتهد عند نفسه مصيب " لا يلحقه إِثم وإن أَخطأ فالمصيب مأجور والمخطئ معذور إذ الحق في واحِد من القولين أو الأقوال كما أَن القبلة في واحدة من الجهات.
* وهناك قالب ثالث: هو مجال لنظر الفقيه، وذلك في فهم النص ومدى انطباقه على الواقعة، ومن جهة ما يرد عليه من إِطلاق أو تقييد، أو ربطه بعلة وتحرير قيامها أو زوالها، وهل النص مما سار فيه النبي ﷺ على مقتضى العادة أو الجِبلة أو لاَ؟ أو أن النصّ مما قام الدليل على اختصاص النبي ﷺ به أو لا؟ إلى غير ذلك من وجوه التفقُه في الأدلَّة، وما ترمي إليه مقاصد الشرع من حفظ
стр. 92
المصالح ودرء المفاسد في مصادره الأَصليّة، وقواعده الكليّة، ومصادره التبعيّة: كالاستحسان، والاستصلاح، والعرف، والمصالح المرسلة، وسدّ الذرائع. ونحوها من مسالك التفقُّه المقدَّرة بميزان الشرع الصحيح لا بالهوى والتشهِّي.
تنبيه مهم:
لقد أخطا خَطأً فاحشاً من قال بشمول: تغيُّر الفتوى (١) بتغيُّر الزمان في القالبين المذكورين، فإِنَّها بالنسبة للأَول ثابتة لا تتغير ولا تتبدَّل. وما علمت في المتقدمين من قال عن هذه القاعدة بشمولها، بل كلامهم عنها يفيد أَنَّها قاعدة فرعية صورية وليست حقيقية، إِذْ يضربون لها المثال بتغير الأَعراف، وهذا محكوم بقواعد العرف والعادة، ومن هنا فهي صورية لا حقيقية، وابن القيم- رحمه الله تعالى- مع جلالة قدره قد توسع بضرب المثال لها بما لا يسلم له- ﵀.
وليعلم هنا أن هذه القاعدة مع مسألة البحث هذه " فتح باب الاجتهاد " يستغلهما فقهاء المدرسة العصرانية الذين اعتلّت أَذواقهم، وساورتهم الأَهواء، ومجاراة الأَغراض، فهذا يشيد حججاً لإباحة الربا، وذلك لوقف تنفيذ الحدود ... وهكذا وكلها شبه على أًساس
стр. 93
هار مُتَدَاع للسقوط وبأَول معول. فيجب على من ولاَّه الله أَمرَ المسلمين: معالجةُ هذه الأَذواق الفاسدة بتحجيمها، والقضاء عليها، لتسلم الأمَّة من أَمراضها واعتلالها، ورضي الله عن ابن مسعود إِذْ يقول: " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وعليكم بالأَمر العتيق ".
* وإذْ قَدْ تَمهدت هذه الجمل المهمة في تحرير محل الخلاف مما لا يقبل الخلاف، وأَن أَصل التشريع لا خلاف فيه البتة، وأَن الخلاف الحاصل إِنَّما جاء في بعض الفروعيات من قبل اختلاف " فهوم المجتهدين " لا غير، تعلم الجواب عن السؤال الجاري، وتصويره كالآتي:
" مع عقد الِإيمان بكمال الدِّين وشموله، وإحكامه، ومقتضاه:
أَن لله في كل قضيّة حكْماً مَعلُوْما لا يتعدد؛ إِذْ الحق واحد لا يتعدد، لكن نرى مواضع خلاف بين فقهاء الشرع، ونحن نُسَلِّم ونُؤْمِن بالشرع المطهر في مواطن الإجماع ومواضع الخلاف، لكن كيف ندفع سؤال من يرد على خاطره التساؤل في مواطن الاختلاف من جهتين:
* الأُولى: من جهة أَن الدين المنزَّل من عند الله لا يختلف ولا تضطرب أحكامه، فكيف حصل هذا الاختلاف المتناقض في عين واحدة، يُقال فيها: حلال، وحَرام، في آن واحد؟
* الثانية: من جهة المجتهدين، كيف يقول المجتهد: هذا
стр. 94
حلال، ويقول الآخر هذا حرام، والعين واحدة؟ وأَن هذا يؤدِّي إلى القدح في ثقة المجتهدين، فكيف الجواب عن السؤال؟؟
*الجواب:
قال الله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: ٥٤]
قال ابن أَبي يعلى، المتوفى سنة (٥٢٦ هـ) في ترجمة ابن أَبي حاتم الرازي: عبد الرحمن بن محمد بن إِدريس الرازي، المتوفى سنة (٣٢٧ هـ) : " قرأت في كتاب الرد على الجهمية: حدثنا صالح بن أَحمد بن حنبل قال: سمعت أَبي- ﵁ يقول: قال الله تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) فأخبر بالخلق، ثم قال: والأمر، فأَخبر أن الأَمر غير الخلق (١)
يقول. قد مَيَّزَ الله بين الخلق والأمر، سَمى هذا أمرا، وسَمَّى هذا خلقاً، وفَرَّقَ بينهما، فقال. أَلا له الخلق والأمر، وكل مخلوق داخل في الخلق. وبقي الأمر والأمر ليس بمخلوق قال الله تعالى: (ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ) ، فأَنزل كلامه غير مخلوق " انتهى.
стр. 95
وهذا الفهم الثاقب من الإمام أَحمد- رحمه الله تعالى- ومن أَحمد بن سنان الواسطي- رحمه الله تعالى- في رواية ابن أَبي حاتم عنه- رحمهما الله تعالى- لتفسير قول الله تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) هو من التفسير السهل الممتنع، وقد أَزال إِشكالاً يُثار في سبب اختلاف علماء الأَمصار مع عقد الِإيمان على كمال الشرع المطهر وإحكام أَحكامه ... وقد طالت في الجواب عنه مطارحات العلماء لتحصيل الجواب، على أن ذلك الاختلاف غير قادح في الدين، ولا في علماء الشرع المجتهدين المختلفين، بدءاً من سؤال أَبي حيان التوحيدي، المتوفى سنة (٤١٤ هـ) والجواب عنه لمسكويه، المتوفى سنة (٤٢١ هـ) كما في كتابهما: " الهوامل والشوامل ": (ص: ٣٢٨- ٣٣٢) .
ومروراً بكلمات العلماء الكاشفة لوجه الحق في الجواب. منهم: ابن قتيبة في: " تأويل مشكل القرآن ": (ص: ٤٠- ٤٢) ، والداني في: (الجامع. ص ٤٧ " وابن الجزري في: " النشر ١/ ٤٩ " وأَبو حيان في: " البحر المحيط: ٣/ ٣٥٥ " والشاطبي في: " الموافقات: ٣/ ٨٥- ٨٧ " وابن تيمية في: " الفتاوى: ١٣/ ٣٩١- ٣٩٢ " و " اقتضاء الصراط المستقيم: ص ٣٧- ٣٩ " و " رفع الملام عن الأَئمة الأعلام " وغيرها له.
والسيوطي في كتابه: " جزيل المواهب في اختلاف المذاهب " والشوكاني في: " الأَجوبة الشوكانية على الأسئلة الحفظية ".
стр. 96
وابن الوزير في: " العواصم: ٣/ ٢٨ " والمعلمي في: " الأَنوار الكاشفة: ص ٣٤ " وبدر الدين الحسيني في: " التعليم والِإرشاد: ص ١٣٦ - ١٤٠ " وما حررته في: " التقنين والِإلزام " من كتاب: " فقه النوازل ".
ولم يعرج واحد منهم على حل الِإشكال بهذه الآية الكريمة، وتفسير الإمام أَحمد لها، الذي مفاده: أَن الله- سبحانه- قد ميَز بين الخلق والأَمر وهذا دليل تغايرهما، وإثبات الفرق بين المخلوق وغير المخلوق؟ ولهذا صارت هذه الآية الكريمة من أَشد الأدلة القرآنية على الجهمية في دعواهم الباطلة بخلق القرآن، والخلق قد تم في ستة أَيام، ومع ذلك مازال الانتفاع يتجدد، واكتشاف المخلوقين لمخلوقات الله يَحْصُل شيئاً فشيئاَ، وكله خلق الله منذ الأَزل، وكذلك " الأَمر " أَمر الله، والدين دينه، والشرع شرعه، الذي تنزل على قلب نبيه ورسوله محمد ﷺ ديناَ قيِّماً كاملاً تماماً على الذي أنزل، لينفذ في خلقه أَمره في علاقتهم مع خالقهم، وفي علاقتهم مع خلقه، وقرنَ سبحانه خبر خلقه بأَمره؛ لحملهم على العمل بأَمره- أَي: دينه وشرعه- في شؤون دنياهم وأخراهم، وكما أَن خلقه لا يخرج عنه شيء لغيره سبحانه، فكذلك أَمره، وتشريعه: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) سبحانه، فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وسمانا مسلمين، وجعلَ من أصول الإسلام ومعاقد الإيمان: ملازمة الإسلام حتى الممات، وإسلامَ الوجه لله على الإخلاص والِإحسان والرضا والتسليم بشرع الله وحكمه، وأَن الله- سبحانه- قد أَكملَ الدِّين وأَتمَّ النعمة ببعثة خاتم
стр. 97
الأَنبياء والمرسلين، وأَن هذه الشريعة الإسلامية المباركة هي روح العالم، ونوره، وحياته، والدنيا مظلمة ملعونة إلَّا ما طلع عليه نور هذه الشريعة الميمونة، وأَن من معاقد الِإيمان: التسليم بنسخها لجميع الشرائع، وصلاحيتها لكل زمان وجنس ومكان، وأَنها وافية شاملة لجميع المستجدات والجزئيات، لا يعزب عن حكم الله فيها ذرة في الأَرض ولا في السموات.
وَأَنَ مَنْ لَمْ يُشْرق في قلبه نور هذه الشريعة؛ فهو في موت وظلمة وضلالة، وكُفر وعِمَايَة.
وأن جميع أَحكام الشريعة تقوم على نوعين من الأَحكام هما نعمتان من نعم الله على هذه الأمة المرحومة أمة الإسلام:
الأول: نوع لا يقبل الخلاف أَصلاً، وهو نعمة الأسس الكبرى التي يلتقون عليها، ويبنون عليها جامعتهم، مهما تناءت ديَارُهم وتنوعت أَجناسهم، في مصادر الدِّين الأصلية وأصوله المليّة، ويسميها بعضهم: " القطعيات "، فتوحيد الله والشهادتان وأَركان الإسلام، ومعاقد الِإيمان، وركن ألِإحسان، وأصول الشريعة الملية، وقواعدها الكلية، والضروريات الخمس التي تدور على المحافظة عليها أَحكام الشريعة، والأَخلاقيات والفضائل والمقدرات، وحجية الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، هي مسَلَّمَة لا شِية فيها، فلا يتطرق إليها خلاف، ولا يحوم حولها اختلاف
стр. 98
وهي أَوعية رحيبة تَحْوي جميع الفروع والجزئيات، وتصبُّ فيها جميع المستجدات والواقعات.
وأَن جملة واسعة عن هذه التفريعات هي كذلك محل إجماع، ولا يعرف فيها خلاف بين علماء الإسلام.
وأَن من محامد الشرع المطهَّر وجود اختلاف التنوع في بعض من هذه الجزئيات وهذا من رحمة الله بعباده، وتكثير أُجور أُمة محمد ﷺ ، وبعث الشوق للتنقل من صفة عبادة إلى صفة لها أخرى. وهذه المسلمات بمنزلة الدِّين المشترك بين الأَنبياء ليس لأَحد الخروج عنه البتة.
فهي فوق مستوى الخلاف والجدل، فكل المسلمين يؤمنون بها ويذعنون لها، ويرجعون إليها، وتجمع بين المسلمين علماً، واعتقاداً، وعملاً، ملتقين على روح الاجتماع ونبذ التفرُّق والنزاع.
وأَن الخلاف في شيء منها: شقوة وعذاب، وفتنة وفساد، وكُفر وضلال وعلى هذا تتنزل الآيات والسنن الناهية عن الفرقة والاختلاف، وإثارة الخلاف المحرم المحروم من الصواب في جهاته الثلاث:
١- خلاف في ما لا يقبل الخلاف أَصلاً من الأصول والكليات.
٢- وخلاف في محل إجماع وما لا يعرف فيه خلاف من الفروع.
стр. 99
والجزئيات. وهو مندرج في النوع قبله.
٣- وخلاف يحمله التشهي.
ومن دوافعه: الغرور النفسي، إعجاب كل ذي رأي برأيه، والنار الموقدة بين الجوانح لحب الصدارة، والتطلع إلى المناصب، والشهرة: " ها أنذا فاعرفوني " والعصبية لمقلد، أو مذهب، أو جنس، أو بلد، أو حزب، أو جماعة، والملاينة لِوَالٍ على غرار " خُفّ أو جَنَاح ". وكل هذا من الهلكة في الحق، واتباع الهوى، والبغي، والغِش للمسلمين بإِخراج القول على الله ودينه وشرعه بلا علم في صورة العلم، والفِرية في صُورة القُربة
والآيات في ذم هذا الخلاف، وأَنَّ أَربابه هم دعاة التفرق- كثيرة في كتاب الله تعالى- كما في سورة البقرة: ٢١٣، وآل عمران: ١٩، ١٠٣، ١٠٥، والأنعام: ١٥٩، والأنفال: ٤٦، والروم: ٣٠- ٣٢، والجاثية: ١٦، ١٧، وغيرها.- والله أعلم
فهذه الثلاثة لا تأتي بها الشريعة، وهي محل المروي في ذم الرأي وأَنه عن واحد من الخلاف في هذه الجهات الثلاث يصدر أَهل الأَهواء وأَهواؤهم، والمبتدعة- وبدعهم، وتنجم الفرق الضالة، وتنفصل عن الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة: جماعة المسلمين؛ لأَنهم قدَّموا الهوى على الشرع، ومن هنا سُمُّوا بأَهل الأَهواء؛ لغلبته
стр. 100
على عقولهم واشتهاره فيهم، فآلت النسبة بين الرأيين المحمود والمذموم بعيدة الملتمس.
وبهذا التقرير تعلم أَنه لم يرد في الشرع المطهر خلاف في أيٍّ منه أَصلاً أو فرعا البتة، وأَن الخلاف الدائر والحوار الحاصل بين علماء الشرع المطهَّر من الصحابة- ﵃ فمن بعدهم إِنما جاء من قِبَلِ فُهوم المجتهدين لا من حيث الواقع في نفس الأَمر وأَن خلافهم هذا منحصر في فروعيات تنطوي تحت أي من الأصول المذكورة، خاصة في الفقهيات العملية المكتسبة وبعض المصادر التبعية، ويسميها بعضهم: " الظنيات ".
وهذا هو " النوع الثاني " من الأَحكام التي يدور عليها حكم كثير من الفقهيات في فقه الشريعة، وهي نعمة إِعطاء المجتهدين من أمة محمد ﷺ حق النظر، وحق تقرير المصالح في حدود الأَصل المجمع عليه: " طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ " والخلاف فيها لا يمس وحدة المسلمين الحقيقية.
وبهذا التقرير فقولهم: " الاجتهاد في الشريعة الإسلامية " فيه عموم وإطلاق، يخرج عن حَدِّ المراد، وهو " الاجتهاد في أَحكام أَفعال العبيد الفقهية لا العقدية، ولا في باب الفضائل والأَخلاق، فهذه لا خلاف فيها أصلاً، والخلاف في جزئيات من فروعها يُعدّ من: الخلاف النادر ثم هو خلاف في مرتبة الحكم التكليفي لا في أصل
стр. 101
المشروعية، فليتنبه لهذا فإِنَّه مهم، وليكن التعبير الدقيق: " الاجتهاد في الفقه الإسلامي " (١) .
ونظير هذا: ما كثر فيه التصنيف من أهل عصرنا عن: " تاريخ التشريع الإسلامي " ومعلوم أن التشريع اكتمل في عصر الرسالة بوفاة رسول الله ﷺ ، والتشريع بهذا ثبت، واستقر، لا كما يخطئ فيه بعضهم، متابعة لنفثات " المستشرقين " من:أن " التشريع الإسلامي يتطور " وهذه نظرة خاطئة تعود على الشريعة بالنكث والتحريف والتبديل؛ لذا يعبر بقولنا: " تاريخ الفقه الإسلامي " (٢)
والخلاف الحاصل بين أهل العلم في هذا النوع من الشرعيات يجمع أمورا:
١- من له حق الاجتهاد:
قال الله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) وقال سبحانه: " فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
стр. 102
يَحْذَرُونَ) ووقال سبحانه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) . فهذه الآيات الكريمة، تشير إلى وجود طائفة من أهل الاستنباط والذكر والفقه في الدَين، لهم قدرة البيان عن أَحكام النوازل والواقعات، وأَنَ هذا عمل ممدود في حياة الأمَة يجب توفره، ولا يجوز خلو العصر منه، ومن قال خلاف ذلك مِنْ أسَرَاءِ التقليد، فقد دَعَى إلى الجهل بالشريعة، ونسخها.
وعليه فإن الذي له حق الاجتهاد كما في هذه الآيات، وتفاريق كلام أهل العلم البياني لها: هو الفقيه العدل المتأهل للاجتهاد، المستكمل لأَدواته علماً، وعملاً، وورعاً، ونُصحاً فيبذل الفقيه جهده في استخراج الأَحكام الشرعية العملية المكتسبة من الأَدلة الشرعية التفصيلية على أصولها المقررة تفصيلاً
على أن القول بتجزئة الاجتهاد هو القول المختار
وبه يعلم أَنه لا عبرة بخلاف من ليس أَهلاً للاجتهاد، ولا بالخلاف الشاذ، ولا بالرخص الغثة، ولا بالخلاف بعد الاتفاق
وإذا أردت الوقوف على تفاصيل ذلك فانظر في كتاب ابن عبد البر " جامع بيان العلم وفضله ... ": " باب جامع بيان ما يلزم الناظر في اختلاف العلماء "
٢- مجالاته:
فروعيات فقهية منطوية تحت أي من أصول الشريعة، مضى
стр. 103
تفصيلها في صدر هذا المبحث.
والأَمر كما قال الشاطبي- رحمه الله تعالى- في: " الموافقات ":
" إِن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أَتت بأمور كلية وعبارات مطلقه تتناول أَعدادا لا تنحصر " انتهى.
وما هذا إلَّا لأن النوازل والمستجدات غير متناهية، والنصوص محدودة متناهية، فكان من رحمة الله بعباده: التشريع بأمور كلية، تستلهم الواقعات، ويسلك أَهل الذكر إليها طرائق إلى الاجتهاد، ببذل الفقيه الوسع في استخراج وتحصيل الحكم من الدليل الشرعي بالشورى، والقياس، وأَدوات النظر والاستنباط، وتحقيق المناط
٣- أَسبابه:
جُملتها: اختلاف فُهوم المجتهدين لا في نفس الأَمر.
فالمجتهد بمنزلة المترائي للهلال قد يراه لقوة بصره وقد لا يراه لضعف بصره، وهكذا الحكم الفرعي قد يحصل للمجتهد الصواب لقوة بصيرته، وقد يفوت عليه لِضَعْف عرض لَهُ، قال الله تعالى. (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) .
وقد أفردت المصنفات في معرفة أَسباب الخلاف لابن عبد البر، المتوفى سنة (٤٦٣ هـ) ، والبطليوسي، وابن تيمية، والسيوطي والسندي، والدهلوي، والشوكاني، وغيرهم، وكلها تَصُبُّ في هذا السبب: " اختلاف فهوم المجتهدين، سواء بلغه النص أو لم يبلغه
стр. 104
ومن أَنواعه الآتية تعرف أسبابه تفصيلا:
٤- أنواعه: خمسة هي:
(أ) اختلاف فهوم المجتهدين في تطبيق معايير القبول والرد على المروي فيحصل الخلاف في ثبوته
(ب) اختلاف فهوم المجتهدين في فقه النص المحتمل لأَكثر من وجه من جهات كثيرة تتعلق بالمبنى والمعنى، من حيث مدلولات الأَلفاظ واختلاف حقائقها لغة وشرعاً وعرفاً.
ومن حيث التكييف الفقهي في الأَصل الذي تُرَدُّ إِليه المسألة الفرعية، ومن هنا جاء بيان الفقهاء لما يسمونه: " ثمرة الخلاف " أو " أَثر الخلاف " وبيان " أَثر الخلاف في تكييف الأَحكَام الفقهية " من المهمات العلمية الموجودة في تفاريق كلامهم. ولابن خلدون لفتة نفيسة عنه في مقدمته: في الفصل الخامس عشر من الباب السادس: (٢/١٤٠)
ومن حيث التعارض، والمرجحات، والِإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص، والناسخ والمنسوخ.
(ج) اختلاف لسبب خارج عن النص وهو اختلاف في فهم الواقع
(د) اختلاف بسبب اختلاف حال المكلف، فقد يكون السبب خارجاً عن اختلاف الفهم من فقيه إلى فقيه، وإنَّما لاختلاف
стр. 105
أَحوال الِإنسان- ذاته- المتلبس بالواقعة الذي يتراوح حاله بين الضرورة والحاجة، والتوسع والرفاهية، فيحف بهذا من الأحوال ما لا يحف بالآخر فيتفاوت الحكم من مراتب التكليف في حق كل منهما.
(هـ) ومن وراء هذه الأَنواع: اختلاف المفاهيم في أي القولين أَولى بالصواب، مع الاتفاق على أَصل المشروعية، وهذا كثير وقد بسطه الدهلوي في: " حجة الله البالغة: ١/١٥٨- ١٦٠ "
٥- حُكْمُه:
هذا الخلاف بنوعيه وأَسبابه من جنس تنوع شرائع الأَنبياء، هم متفقون على الأَصل الجامع، وإن تنوعت واختلفت شرائعهم ببعض الأقوال والأَعمال.
وهو بُنية الاجتهاد الذي لا ينقطع بل هو مستمر إلى يوم القيامة.
وهو فرض كفاية، لا يجوز خُلُوُّ الزمان من مجتهد مطلق أو مقيد، حتى يأتي أمر الله؛ للحديث المتفق عليه عن ثوبان- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله ".
وهذا الخلاف هو الذي يتنزل عليه قولهم: " كل مجتهد عند نفسه مصيب " وقولهم: " لا إنكار في مسائل الخلاف " وقولهم: " إذا صح الحديث فهو مذهبي " و " ترتب الأجرين لمن أصاب والأجر
стр. 106
الواحد للمخطئ " مع اعتقاد أَن الحق واحد. وقد رجع كبار الصحابة ﵃ في مسائل لما اتضح لهم الدليل، وهكذا المهتدون بهديهم إِلى يومنا هذا، فالرجوع يكون لدليل، وهذا عين الاقتداء ومحض الطواعية لله ولرسوله ﷺ ، فإِن كان رجوعاً إلى رأي مجرد فهو تقليد، ومن لم يرجع إلى الفهم السوي للدليل بين له حتى يعلم الصواب من الخطأ، وتبرأ الذمم.
٦- حِكْمَته:
تترجم هذه بآثاره، أو حِكمته، أو فائدته، وهي:
١- أَن الاختلاف بهذا الاعتبار من كمال الشريعة وشمولها، وسعتها، والتوسعة على العباد والرحمة بهم.
وكونه رحمة للخلق وتوسعة عليهم، هو من جهة مَنح الشرع المطهر للمجتهد: الاجتهاد في استنباط أَحكام النوازل من الأَدلة الشرعية، لا أَن يقول الِإنسان بقول أَحدهم من غير أَن يكون الصواب لجانب ذلك القول كما حرره ابن عبد البر في: " جامعه ": (٢/ ٨٢- ٨٣) . أَما الأَخذ على التخيير، فَهوَ فيما ورد في الشرع من مسائل فيها: " اختلاف تنوع " لا تضاد.
وقد جاءت الشريعة باختلاف التنوع بخاصة في العبادات كما في صيغ: الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتحيات، والصلاة الإبراهيمية، والدعاء بين السجدتين، والسلام، وغيرها كثير مع ما فيها
стр. 107
من تفضيل بعضها على بعض.
وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول: ما يسرني أَن أَصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا، لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا وإذا اختلفوا فأَخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا، كان في الأمر سعة. " الفتاوى: (٣٠/ ٨٠) ".
ورحم الله الإمام أَحمد فإِن تلميذه إِسحاق بن بهلول الأَنباري سمى كتابه: " كتاب الاختلاف " فقال له أَحمد: سَمَهِ " كتاب السعة " كما في ترجمته من: " الطبقات ".
وفي ترجمة: طلحة بن مصرف- رحمه الله تعالى- من " الحلية: (٥/١١٩) " قال عنه موسى الجهني: " كان طلحة إِذا ذكر عنده الاختلاف، قال: لا تقولوا: الاختلاف، ولكن قولوا: السعة " انتهى. وقال ابن قدامة- رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه: " المغني ": " أَما بعد: فإِن الله برحمته وطوله وقوته وحوله، ضمن بقاء طائفة من هذه الأمة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك، وجعلَ السبب في بقائهم بقاءَ علمائهم، واقتداءهم بأئمتهم وفقهائهم، وجعلَ هذه الأُمة مع علمائها كالأمم الخالية مع أنبيائها، وأَظهرَ في كل طبقة من فقهائها أَئمة يُقتدى بها، ويُنتهى إلى رأيها، وجعل في سلف هذه الأمَّة أئمة من الأعلام، مَهَّدَ بِهم قواعد الإسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة
стр. 108
قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة ... " انتهى
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في: " الفتاوى: ١٤/١٥٩ ": " والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من خفاء الحكم، ولهذا صنَّف رجل كتاباَ سمّاه: كتاب الاختلاف، فقال أحمد: سمه كتاب السعة، وأن الحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه؛ لما في ظهوره من الشدة عليه، ويكون من باب قوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) " انتهى.
وقال أيضًا: " ٣٠/ ٨٠ " في جواب له على منع الإلزام بالمختلف فيه: ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وكان عمر بن عبد العزيز ... وذكره " انتهى.
وقال الشيخ مرعي الحنبلي كما في: " عمدة التحقيق " لسعيد الباني: (ص ٣٧) : " إن اختلاف المذاهب في هذه الملة رحمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، فاختلافها خصيصة لهذه الأمَّة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة انتهى.
ويتحصَّل من هذا التقرير أن هذا النوع من الخلاف ضرورة تمليه: الشريعة، واللغة، واختلاف أحوال البشر وتغيُّر أنماط الحياة
стр. 109
وأَن من يدعو إلى جمع الناس على رأي واحد، أو مذهب واحد في كل ما جاز فيه الخلاف، فقد رام الشطط، ونفخ في غير ضرم، وتحجر رحمة الله وهي أَوسع.
وهُنا يورد بعض طلبة العلم: قول الله تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) وهذا من الخطأ في فهم كتاب الله تعالى.
وبيانه: أَن أهل الاجتهاد من علماء أمة محمد ﷺ ليس الخلاف ملازماً لهم في كل أمور دينهم، فهم غير داخلين في قوله تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) وإنَّما هم داخلون فيمن تداركهم الله برحمته في قوله- سبحانه-: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) فهم مرحومون بإجماعهم على أصول الدين وفروعه المجمع عليها ومشمولون بالرحمة باختلافهم؛ لاختلاف الفهوم في الفروع غير المتفق عليها، توسعة من الله عليهم ورحمة بهم؛ لاختلاف أَحوالهم، وتعدد نوازلهم، فآل اختلافهم فيها كاتفاقهم فيما سواها، الكل رحمة من الله لهم. وللعلاَّمة الشاطبي- رحمه الله تعالى- فضل التنبيه المفصَّل
على ذلك في: " الاعتصام: ٢/١٦٨-١٧٣ " فلينظر والله أعلم.
٢- وبه تعرف عُمق فقه السلف حين نهوا عن: " الأغلوطات " (١)
وهي السؤال عما لم يقع، وعن التعمق في ذلك، وهو ما عرف بعد
стр. 110
باسم: " الفقه التقديري "، لأنه حكم على الصورة المنقدحة في الذهن دون معرفة مَا يَحف بِها، فَتُرِكَ ذلك واجتهاد الناس لما فيه من أمور مستقبلية تؤثر على النتيجة الحكمية، حسب اختلاف الأَزمان، وحسب اختلاف الأَشخاص، وحسب اختلاف الأَحوال والأَماكن، وحسب اختلاف الأَعراف والعوائد، وحسب تقدير المصالح العامة والخاصة.
قال الزمخشري عند قول الله تعالى. (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) : " الشرائع مصالح تختلف باختلاف الأَحوال والأَوقات فلكل وقت حكم يكتب على العباد، أَي: يفرض عليهم على ما يقتضيه استصلاحهم " انتهى
وهذا يوقفك بانبساط على معنى قول الله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: ٨٩] فهو تبيان لكل شيء بأصوله وقواعده الكبيرة الكلية الشاملة، كل واحدة منها كَالجِذْع تتفرع منه الأَغصان.
وكم وراء هذا المنهج الاستنباطي من حِكَمٍ ومصالح، منها: ترويض النفوس على إِجالة النظر، والصبر والدأب، وتحريك الثروة الفقهية طلباَ لمزيد الربح من استنباط الأَحكام، وعمارة الحواس باستخراجها، وهذا من فضائل هذا الدّين، وسعته وشموله، وأَنه دين رحمة وسعة ورأفة بالخلق من الخالق، ولهذا رأينا جهود العلماء