فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعارفا او لغير ذلك كما ذكر في التفاسير وفيه دليل على وجوب الوقوف بعرفات لان الاضافة مأمور بها وهي موقوفة على الحضور فيها والوقوف بها وما لم يتم الواجب الا به فهو واجب فيكون الوقوف واجبا فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتلبية والتهليل والتسبيح والتحميد والثناء والدعوات عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الامام وعلى الميقدة وفي المغرب الميقدة هو موضع بالمشعر الحرام على قزح كان اهل الجاهلية يوقدون عليها النار وتقييد محل الذكر والوقوف بقوله عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ للتنبيه على ان الوقوف فيما يقرب من جبل قزح أفضل من الوقوف في سائر مواضع ارض مزدلفة وذلك لا ينافى صحة الوقوف فى جميع مواضعها كما ان عرفات كلها موضع الوقوف لكن الوقوف بقرب جبل الرحمة أفضل واولى والمشعر العلم اى للعبادة. والشعائر العلامات من الشعار وهو العلامة ووصفه بالحرام لحرمته فلا يفعل فيه ما نهى عنه وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ اى كما علمكم كيف تذكرونه مثل كون الذكر ذكرا كثيرا وعلى وجه التضرع والخيفة والطمع ناشئا عن الرغبة والرهبة ومشاهدة جلال المذكور وجماله كما قال ﵇ (الإحسان ان تعبد الله كأنك تراه) فالمقصود من الكاف مجرد التقييد لا التشبيه اى اذكروه على الوجه الذي هداكم اليه لا تعدلوا عما هديتم اليه كما تقول افعل كما علمتك وليس هذا تكرارا لقوله فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ لان الاول لبيان محل الذكر والوقوف وتعليم النسك المناسب لذلك المحل وأوجب بالثاني ان يكون ذكرنا إياه كهدايته إيانا اى موازيا لها في الكم والكيف وَإِنْ هى المخففة واللام هي الفارقة كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ اى من قبل ما ذكر من هدايته إياكم لَمِنَ الضَّالِّينَ غير العالمين بالايمان والطاعة قال القاشاني ان الله تعالى هدى اولا الى الذكر باللسان في مقام النفس. ثم الى الذكر بالقلب وهو ذكر الافعال اى تصور آلاء الله ونعمائه ثم الى ذكر السر وهو معاينة الافعال ومكاشفة علوم تجليات الصفات.
ثم الى ذكر الروح وهو مشاهدة أنوار تجليات الصفات مع ملاحظة نور الذات. ثم الى ذكر الخفي وهو مشاهدة جمال الذات مع بقاء الاثنينية. ثم الى ذكر الذات وهو الشهود الذاتي بارتفاع البعد وان كنتم من قبل الهدى الى هذه المقامات لمن الضالين عن طريق هذه الاذكار انتهى ولما امر بذكر الله تعالى إذا فعلت الافاضة امر بان تكون الافاضة من حيث أفاض الناس مرتبا الأمر الثاني على الاول بكلمة ثم فقال ثُمَّ أَفِيضُوا اى ارجعوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ اى من عرفة لا من المزدلفة كانت قريش وحلفاؤها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن اهل الله وسكان حرمه فلا نخرج من الحرم ويستعظمون ان يقفوا مع الناس بعرفات لكونها من الحل وسائر العرب كانوا يقفون بعرفات اتباعا لملة ابراهيم ﵇ فاذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزدلفة فانزل الله هذه الآية فأمرهم ان يقفوا بعرفات وان يفيضوا منها كما يفعله سائر الناس والمراد بالناس العرب كلهم غير الحمس. والحمس في الأصل جمع احمس وهو الرجل الشجاع والأحمس ايضا الشديد الصلب في الدين والقتال وسميت قريش وكنانة وجديلة وقيس حمسا لتشددهم في دينهم وكانوا لا يستظلون ايام منى ولا يدخلون البيوت من ابوابها وكذلك كان من حالفهم او تزوج منهم وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من جاهليتكم في تغيير المناسك ومخالفتكم
стр. 317
فى الموقف إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر ذنب المستغفر وينعم عليه فامر النبي ﵇ أبا بكر رضي الله تعالى عنه ان يخرج بالناس جميعا الى عرفات فيقف بها- روى- ان الله تعالى يباهى ملائكته باهل عرفات ويقول (انظروا الى عبادى جاؤا من كل فج عميق شعثا غبرا اشهدوا انى غفرت لهم) ويروى ان الشيطان ما رؤى في يوم هو أصغر واحقر وأذل منه يوم عرفة وما ذلك الا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إذ يقال ان من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الا الوقوف بعرفة وفي الحديث (أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن ان الله تعالى لا يغفر له) والحجة الواحدة أفضل من عشرين غزوة في سبيل الله وقيل ان البعير إذا حج عليه مرة بورك في أربعين من أمهاته وإذا حج عليه سبع مرات كان حقا على الله ان يرعاه في رياض الجنة ومصداق ذلك ما قال النهرانى ﵀ بلغني ان وقاد تنور حمام اتى بسلسلة عظام حمل ليوقدها قال فألقيتها في المستوقد فخرجت منه فألقيتها فعادت فخرجت فعدت فألقيتها الثالثة فعادت فخرجت بشدة حتى وقعت في صدرى وإذا بصوت هاتف يقول ويحك هذه عظام جمل قد سعى الى مكة عشر مرات كيف تحرقها بالنار وإذا كانت هذه الرأفة والرحمة بمطية الحاج فكيف به ثم ان الفضل على ثلاثة اقسام بالنسبة الى احوال العبد فان التنوع راجع الى تغيير احوال العباد لا الى تغيير صفة من صفات الحق تعالى. فالاول منها ما يتعلق بالمعاش الإنساني من المال والجاه ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضروري وهذا الفضل مفسر بالرزق قال الله تعالى وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ.
والثاني منها ما يتعلق بالمصالح الاخروية للعبد وهو نوعان ما يتعلق باعمال البدن على وفق الشرع ومتابعة الشارع ومجانبة طريق الشيطان المنازع قال تعالى يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وما يتعلق باعمال القلب وتزكية النفس قال تعالى وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً. والقسم الثالث منها ما يتعلق بالله تعالى وهو نوعان ما يتعلق بمواهب القربة قال تعالى وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً اى قربا كبيرا فانه اكبر من الدنيا والآخرة وما يتعلق بمواهب الوصلة قال تعالى ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعنى فضل مواهب الوصلة أعظم من الكل ولكل قسم من هذه الاقسام الثلاثة مقام في الابتغاء. اما الذي يتعلق بالمصالح الاخروية وهو فضل الرحمة فمقام ابتغائه بترك الموجود وبذل المجهود وهو فى السير الى عرفات. واما الذي يتعلق بالله وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه عند الوقوف بعرفات وعرفات اشارة الى المعرفة وهي معظم اركان الوصلة. واما الذي يتعلق بالمصالح الدنيوية وهو فضل الرزق فمقام ابتغائه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الافاضة. ففى الآية تقديم وتأخير اى إذا أفضتم من عرفات فليس عليكم إلخ وذلك لان حال اهل السلوك في البداية ترك الدنيا والتجريد عنها. وفي الوسط التوكل والتفريد. وفي النهاية المعرفة والتوحيد فلا يسلم الشروع في المصالح الدنيوية الا لاهل النهاية لقوتهم في المعرفة وعلو همتهم بان يطهر الله قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنية ويملأها نورا بالالطاف الخفية فلا اعتبار للدنيا وشهواتها ونعيم الآخرة ودرجاتها عند الهمم العالية فلا يتصرفون في شىء منها وتصرفهم بالله وفي الله ولله لا لحظوظ النفس بل لمصالح الدين وإصابة الخير الى الغير كذا في التأويلات النجمية: قال في المثنوى
стр. 318
كار پاكانرا قياس از خود مگير ... گر چهـ ماند در نوشتن شير شير
اللهم اجعل هممنا مقصورة على جنابك آمين فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ اى اتممتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج وفرغتم منها فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ يعنى فاتركوا عادة الجاهلية واتبعوا سنن الإسلام واشتغلوا بذكر رب الأنام وكانت العرب إذا قضوا مناسكهم وقفوا بمنى بين المسجد والجبل ويذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن ايامهم يريد كل واحد منهم بذلك حصول الشهرة والترفع له بمآثر سلفه فناهم الله عن ذلك وأمرهم بان يجعلوا بدل ذكرهم آباءهم ذكر الله تعالى وتمجيده والثناء عليه إذ الخير كله من عنده وآباؤهم عبيده ونالوا ما نالوا بافضاله: قال السعدي قدس سره
گر از حق نه توفيق خيرى رسد ... كى از بنده خيرى بغيري رسد
أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً مجرور معطوف على الذكر بجعله ذاكرا على المجاز اى اذكروه ذكرا كان مثل ذكركم المتعلق بآبائكم او كذكر هو أشد منه وابلغ ذكرا او تحقيقه ان افعل انما يضاف الى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك وجهك احسن وجه اى احسن الوجوه فاذا نصب ما بعده كان غير الذي فبله كقولك زيد امره عبدا فالفراهة للعبد لا لزيد والمذكور قبل أشد هنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال أشد ذكرا انما قياسه ان يقال للذكر أشد ذكر جرا اضافة فوجه النصب انه يجعل الذكر ذاكرا مجازا ويجوز نسبة الذكر الى الذكر بان يسمع انسان الذكر فيذكر فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه فَمِنَ النَّاسِ اى من الذين يشهدون الحج مَنْ يَقُولُ فى ذكره مقتصرا على طلب الدنيا رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا اى ايتاءنا ومنحتنا في الدنيا خاصة من الجاه والغنى والنصرة على الأعداء وما هو من الحظوظ العاجلة وهم المشركون لانهم لا يسألون في حجهم الا الدنيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ اى نصيب وحظ لان همه مقصور على الدنيا حيث سأل في أعز المواقف احقر المطالب واعرض عن سؤال النعيم الدائم والملك العظيم وَمِنْهُمْ اى من الذين يشهدون الحج مَنْ يَقُولُ فى ذكره طالبا خير الدارين رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً هى الصحة والكفاف والتوفيق للخير وفي التيسير الحسنة جامعة لكل الخيرات في الدارين وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً هى الثواب والرحمة قال الشيخ ابو القاسم الحكيم حسنة الدنيا عيش على سعادة وموت على شهادة وحسنة الآخرة بعث من القبر على بشارة وجواز على الصراط على سلامة وَقِنا اى احفظنا عَذابَ النَّارِ بالعفو والمغفرة وعن على كرم الله وجهه ان الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحوراء وعذاب النار المرأة السوء: قال السعدي
چومستور باشد زن خوب روى ... بديدار او در بهشتست شوى
وتلخيصه أكثروا ذكر الله وسلو. سعادتكم في داريه وترك ذكر من قصر دعاءه على طلب الآخرة فقط لان طالب الآخرة فقط بحيث لا يحتاج الى طلب حسنة من الدنيا لا يوجد فى الدنيا أُولئِكَ اشارة الى الفريق الثاني وهم الداعون بالحسنتين لانه تعالى ذكر حكم الفريق الاول بقوله وما له فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا من للتبعيض اى لهم
стр. 319
نصيب عظيم كائن من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة او من أجل ما كسبوا لانهم استحقوا ذلك الثواب الحسن بسبب أعمالهم الحسنة ومن أجلها فتكون من ابتدائية لان العلة مبدأ الحكم ثم اومأ الى قدرته محذرا من الموت وحاثا على اعمال الخير بقوله وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ والحساب يراد به نفس الجزاء على الأعمال فان الحساب سبب للاخذ والعطاء واطلاق اسم السبب جائز شائع اى يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة لعدم احتياجه الى عقد يد او وعى صدر او نظر وفكر فاحذروا من الإخلال بطاعة من هذا شأن قدرته او يوشك ان يقيم القيامة ويحاسب الناس وفي خطبة بعض المتقدمين ولت الدنيا حذاء ولم يبق الاصابة كصبابة الإناء فليبادر المؤمن الى الطاعات واكتساب الحسنات والذكر في كل الحالات قال الحسن البصري اذكروني بما يذكر الصغير أباه فانه أول ما يتكلم يقول يا اب يا اب فعلى كل مسلم ان يقول يا رب يا رب وعن النبي ﵇ (أغبط أوليائي عندى مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة احسن عبادة ربه وأطاعه في السر وكان غامضا فى الناس لا يشار اليه بالأصابع وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك) ثم نقر بيده فقال (هكذا عجلت منيته قلت بواكيه قل ثراؤه) وكان رسول الله ﷺ يكثر ان يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار والاشارة فاذا قضيتم مناسك وصلتكم وبلغتم مبلغ الرجال البالغين من اهل الكمال فلا تأمنوا مكر الله ولا تهملوا وظائف ذكر الله فاذكروا الله كما تذكرون في حال طفوليتكم آباءكم للحاجة والافتقار بالعجز والانكسار وفي حال رجوليتكم للحجة والافتخار بالمحبة والاستظهار فاذكروا الله افتقارا وافتخارا او أشد ذكرا وأكد في الافتخار لانه يمكن للطفل الاستغناء عن الله بولي وكذلك البالغ يحتمل ان يفتخر بغير الله ولكن العباد ليس لهم من دون الله من ولى ولا واق فمن الناس من اهل الطلب والسلوك من يقول بتسويل النفس وغرورها بحسبان الوصول والكمال عند النسيان وتغير الأحوال ربنا آتنا في الدنيا حسنة يعنى تميل نفسه الى الدنيا وتنسى المقصد الأصلي ويظن الطالب الممكور انه قد استغنى عن الاجتهاد فاهمل وظائف الذكر ورياضة النفس ومخاطرة القلب ومراقبة السر فاستولت عليه النفس وغلب عليه الهوى واستهوته الشياطين في الأرض حيران حتى أوقعته في اودية الهجران والفراق وما له في الآخرة من خلاق ومنهم اى من اهل الوصول وارباب الفتوة من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة نعمة من النعم الظاهرة كالعافية والصحة والسعة والفراغة والطاعة واستطاعة البدن والوجاهة والإرشاد والأخلاق وفي الآخرة حسنة نعمة من النعم الباطنة هي الكشوف والمشاهدات وانواع القربات والمواصلات وقنا عذاب النار اى نار القطيعة وحرقة الفراق أولئك لهم نصيب اى لهؤلاء البالغين الواصلين نصيب وافر مما كسبوا من المقامات والكرامات ومما سألوا من إيتاء الحسنات والله سريع الحساب لكلا الفريقين فيما سألوه اى يعطيهم بحسب نياتهم على قدر هممهم وطوياتهم كذا في التأويلات النجمية وَاذْكُرُوا اللَّهَ اى كبروه أعقاب الصلوات وعند ذبح القرابين ورمى الجمار وغيرها فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فى ايام التشريق هي ثلاثة ايام بعد يوم النحر. أولها يوم القر وهو الحادي عشر
стр. 320
من ذى الحجة يستقر الناس فيه بمنى. والثاني يوم النفر الاول لان بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى. والثالث يوم النفر الثاني وهذه الأيام الثلاثة مع يوم النحر ايام رمى الجمار وايام التكبير ادبار الصلوات وفي الحديث (كبر دبر كل صلاة من يوم عرفة الى آخر ايام التشريق) وسميت معدودات لقلتهن كقوله تعالى دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ اى قليلة. والأيام المعلومات في قوله تعالى وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فى ايام معلومات في سورة الحج عشر ذى الحجة آخرهن يوم النحر وفي الكواشي معدودات جمع معدودة وايام جمع يوم ولا ينعت المذكر بمؤنث فلا يقال يوم معدودة وقياسه فى ايام معدودة لان الجمع قد ينعت بالمؤنث كقوله تعالى لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قالوا ووجهه انه اجرى معدودات على لفظ ايام وقابل الجمع بالجمع مجازا انتهى فَمَنْ تَعَجَّلَ اى استعجل
وطلب الخروج من منى فِي يَوْمَيْنِ فى تمام يومين بعد يوم النحر واكتفى برمى الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمى في اليوم الثالث فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بهذا التعجيل وهو مرخص له فعند ابى حنيفة ﵀ ينفر قبل طلوع الفجر من اليوم الثالث ومحصله ان على الحاج ان يبيت بمنى الليلة الاولى والثانية من ايام التشريق ويرمى كل يوم بعد الزوال احدى وعشرين حصاة عند كل جمرة سبع حصيات ورخص في ترك البيتوتة لرعاء الإبل واهل سقاية الحاج ثم كل من رمى اليوم الثاني من ايام التشريق وأراد ان ينفر بعد البيتوتة في الليلة الاولى والثانية من ايام التشريق ورمى يوميهما فذلك له واسع لقوله تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه ان يبيت حتى يرمى اليوم الثالث ثم ينفر وَمَنْ تَأَخَّرَ عن الخروج حتى رمى في اليوم الثالث قبل الزوال او بعده ثم يخرج إذا فرغ من رمى الجمار كما يفعل الناس الآن وهو مذهب الشافعي والإمامين فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بترك الترخص والمعنى انهم مخيرون بين التعجيل والتأخير فان قلت أليس التأخير بأفضل قلت بلى ويجوز ان يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار وان كان الصوم أفضل وانما أورد بنفي الإثم تصريحا بالرد على اهل الجاهلية حيث كانوا فريقين منهم من جعل المتعجل آثما ومنهم من جعل المتأخر آثما فورد القرآن بنفي الإثم عنهما جميعا لِمَنِ اتَّقى خبر مبتدأ محذوف اى الذي ذكر من التخيير ونفى الإثم عن المتعجل والمتأخر لمن اتقى اى مختص بمن اتقى المناهي لانه الحاج على الحقيقة والمنتفع به لانه تعالى قال إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ومن كان ملوثا بالمعاصي قبل حجه وحين اشتغاله به لا ينفعه حجه وان كان قدادى الفرائض ظاهرا وَاتَّقُوا اللَّهَ اى حال الاشتغال باعمال الحج وبعده ليعتد بأعمالكم فان المعاصي تأكل الحسنات عند الموازنة وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ اى تبعثون وتجمعون للجزاء على أعمالكم وهو تأكيد للامر بالتقوى وموجب للامتثال به فان علم بالحشر والمحاسبة والجزاء كان ذلك من أقوى الدواعي الى ملازمة التقوى وكانوا إذا رجعوا من حجهم يجترئون على الله بالمعاصي فشدد في تحذيرهم قال ابو العالية يجيئ الحاج يوم القيامة ولا اثم عليه إذا اتقى فيما بقي من عمره فلم يرتكب ذنبا بعد ما غفر له في الحج والمذنب المصر إذا حج فلا يقبل منه لعوده الى ما كان عليه فعلامة الحج المبرور ان يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة فاذا
стр. 321
رجع من الحج المبرور رجع وذنبه مغفور ودعاؤه مستجاب فلذلك يستحب تلقيه بالسلام وطلب الاستغفار منه والحج المبرور مثل حج ابراهيم بن أدهم مع رفيقه الصالح الذي صحبه من بلخ فرجع من حجه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة وخرج عن ملكه وماله واهله وعشيرته وبلاده واختار بلاد الغربة وقنع بالأكل من عمل يده اما من الحصاد او من نظارة البساتين قال بعضهم الحر الكريم لا ينقض العهد القديم وإذا دعتك نفسك الى نقض عهد مولاك فقل لها معاذ الله ان ربى احسن مثواى: وفي المثنوى
نقض ميثاق وشكست توبها ... موجب لعنت شود در انتها «١»
چون ترازوى تو كژ بود ودغا ... راست چون جويى ترازوى جزا «٢»
وعن بعضهم قدمت من الحج مع قوم فدعتنى نفسى الى امر سوء فسمعت هاتفا ناحية البيت يقول ويلك ألم تحج ويلك ألم تحج فعصمنى الله الى الساعة ولا شك ان بعض الأعمال يكون حجابا للمرء إذا استند اليه واعتمد عليه- حكى- ان بعض الأتراك كان يلازم مجلس شيخ الإسلام احمد النامقى الجامى قدس سره ويرى فوق قفاه نورا كالترس فاتفق له ان يحج فلما رجع زالت عنه تلك الحال فسأل الشيخ عن سببه فقال انك كنت قبل الحج صاحب تضرع ومسكنة والآن غرك حجك وأعطيت نفسك قدرا ومنزلة فلذا نزلت عن رتبتك ولم تر النور. ومما يجب على الحاج اتقاؤه المحارم وان لا يجعل نفقته من كسب حرام فان الله لا يقبل الا الطيب- وحكى- عن بعض من حج انه توفى في الطريق في رجوعه فدفنه أصحابه ونسوا الفأس في قبره فنبشوه ليأخذوا الفأس فاذا عنقه ويداه قد جمعتا في حلقة الفأس فردوا عليه التراب ثم رجعوا الى اهله فسألوهم عن حاله فقالوا صحب رجلا فاخذ ماله فكان يحج منه وفي الحديث (من حج بيت الله من كسب الحلال لم يخط خطوة الا كتب الله له بها سبعين حسنة وحط عنه سبعين خطيئة ورفع له سبعين درجة) ذكره في الخالصة وإذا أراد أن يحج بمال حلال ليس فيه شبهة فانه يستدين للحج ويقضى دينه من ماله وعن ابى القاسم الحكيم انه كان يأخذ جائزة السلطان فكان يستقرض لجميع حوائجه وما يأخذه من السلطان كان يقضى به ديونه وعن ابى يوسف قال هذا جواب أبيح في مثل هذا كذا في خزانة الفتاوى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ اى تستحسن ظاهر قوله وتعده حسنا مقبولا فان الاعجاب استحسان الشيء والميل اليه والتعظيم له قال الراغب التعجب حيرة تعرض للانسان عند الجهل بسبب الشيء وحقيقة أعجبني كذا ظهر لى ظهورا لم اعرف سببه فِي الْحَياةِ الدُّنْيا متعلق بالقول اى يسرك ما يقوله في معنى الدنيا وحقها لان دعواه محبتك انما هو لطلب حظ من الدنيا فكلامه إذا في الدنيا لا في الآخرة او يعجبك قوله في الدنيا بحلاوته وفصاحته لا في الآخرة لما انه يظهر هناك كذبه وقبحه وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ اى يقول الله شاهد أن ما في قلبى من المحبة والإسلام موافق لما في لسانى وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ اى أشد في العداوة والخصومة للمسلمين على ان الخصام مصدر كالقتال والجدال واضافة الألد اليه بمعنى فى. واللدد شدة الخصومة نزلت في الأخنس بن شريف الثقفي وكان حسن المنظر حلو المنطق بوالي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويدعى الإسلام ودعوى
стр. 322
المحبة والخلوص بدون المواطأة من فعل الملاحدة والزنادقة والمحب لا يفعل الا ما يحب محبوبه قال الشاعر تعصى الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمرى في الفعال بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ان المحب لمن أحب مطيع قال الحافظ
بصدق كوش كه خورشيد زايد از نفست ... كه از دروغ سيه روى كشت صبح نخست
وَإِذا تَوَلَّى اى أدبر وانصرف عن مجلسك او إذا غلب وصار واليا سَعى فِي الْأَرْضِ السعى سير سريع بالاقدام وقد يستعار للجد في العمل والكسب وانما جيئ بقوله في الأرض مع ان السعى على كلا المعنيين لا يكون الا في الأرض للدلالة على كثرة فساده فان لفظ الأرض عام يتناول جميع اجزائها وعموم الظرف يستلزم عموم المظروف فكأنه قيل أي مكان حل فيه من الأرض أفسد فيه فيلزم كثرة فساده لِيُفْسِدَ فِيها علة لسعى وَيُهْلِكَ الإهلاك الاضاعة الْحَرْثَ اى الزرع وَالنَّسْلَ ما خرج من كل أنثى من أجناس الحيوان يقال نسل ينسل إذا خرج منفصلا والحرث والنسل وان كانا في الأصل مصدرين فالمراد بهما هاهنا معنى المفعول فان الولد نسل أبويه اى مخرج منفصل منهما وذلك كما فعله الأخنس بثقيف إذ بيتهم اى أتاهم ليلا وأهلك مواشيهم وزرعهم لانه كان بينه وبينهم عداوة او كما يفعله ولاة السوء بالقتل والاتلاف او بالظلم حتى يمنع الله بشؤمه القطر فيهلك الحرث والنسل وفي الحديث (لما خلق الله تعالى اسباب المعيشة جعل البركة في الحرث والنسل) فاهلاكهما غاية الإفساد وفي الحديث (يجاء بالوالي يوم القيامة فينبذ به على جسر جهنم فيرتج به الجسر ارتجاجة لا يبقى منه مفصل إلا زال عن مكانه فان كان مطيعا لله في عمله مضى وان كان عاصيا انخرق به الجسر فيهوى به في جهنم مقدار خمسين عاما) وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ اى لا يرتضيه ويبغضه ويغضب على من يتعاطاه فان قيل كيف حكم الله تعالى بانه لا يحب الفساد وهو بنفسه مفسد للاشياء قيل الإفساد في الحقيقة إخراج الشيء من جالة محمودة لا لغرض صحيح وذلك غير موجود في فعل الله تعالى ولا هو آمر به ولا محب له وما نراه من فعله ونظنه بظاهره فسادا فهو بالاضافة إلينا واعتبار ناله كذلك فاما بالنظر الإلهي فكله صلاح وَإِذا قِيلَ لَهُ اى لهذا المنافق والمفسد على نهج العظة والنصيحة اتَّقِ اللَّهَ خف من الله في صنعك السوء واترك ما تباشره من الفساد والنفاق أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ اى حملته الانفة التي فيه وحميته الجاهلية على الإثم والذنب الذي نهى عنه او على رد قول الواعظ لجاجا وعنادا من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه فالباء للتعدية وصلة الفعل الذي قبلها فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ مبتدأ وخبر اى كافيه دخول النار والخلود فيها على ما عمله وهو وعيد شديد وَلَبِئْسَ الْمِهادُ اى والله لبئس الفراش جهنم قال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه من اكبر الذنب عند الله ان يقال للعبد اتق الله فيقول عليك نفسك وقيل لعمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه اتق الله فوضع خده على الأرض تواضعا لله تعالى ثم انه تعالى لما وصف في الآية المتقدمة حال من يبذل دينه لطلب الدنيا ذكر
стр. 323
فى هذه الآية من يبذل دنياه ونفسه لطلب الدين وما عند الله يوم الدين فقال وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اى يبيعها ويبذلها فان المكلف لما بذل نفسه في طاعة الله من الصوم والصلاة والحج والجهاد والزكاة وتوصل بذلك الى وجدان ثواب الله صار المكلف كأنه باع نفسه من الله تعالى بما نال من ثوابه وصار تعالى كأنه اشترى منه نفسه بمقابلة ما أعطاه من ثوابه وفضله ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ اى طلبا لرضاه وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ولذلك يكلفهم التقوى ويعرضهم للثواب ومن جملة رأفته بعباده ان ما اشتراه منهم من أنفسهم وأموالهم انما هو خالص ملكه وحقه ثم انه تعالى يشترى منهم ملكه الخالص المحصور بما لا يعد ولا يحصى من فضله ورحمته رحمة وإحسانا وفضلا وإكراما وقيل نزلت في صهيب بن سنان الرومي خرج من مكة يريد الهجرة الى النبي ﵊ بالمدينة وهو ابن مائة سنة اتبعه نفر من مشركى قريش وقتلوا نفرا كانوا معه وكان معه كنانة
فيها سهامه وكان راميا مصيبا فقال يا معشر قريش لقد علمتم انى من ارماكم رجلا والله لا أضع سهمى الا في قلب رجل وايم الله لا تصلون الى حتى ارمى بكل سهم في كنانتى ثم اضرب بسيفى ما بقي في يدى ثم افعلوا ما شئتم ولن ينفعكم كونى فيكم فانى شيخ كبير ولى مال في دارى بمكة فارجعوا وخذوه وخلونى وما انا عليه من الإسلام ففعلوا وسار هو الى المدينة فلما دخلها لقيه ابو بكر فقال له ربح البيع يا صهيب فقال وما ذاك يا أبا بكر فأخبره بما نزل فيه ففرح بذلك صهيب. فيشرى حينئذ بمعنى يشترى لجريان الحال على صورة الشراء لانه اشترى نفسه من المشركين ببذل ماله لهم واعلم ان المؤمنين باعوا باختيارهم أنفسهم فكان ثمن نفس المؤمن الجنة اما الأولياء فانهم باعوا باختيارهم أنفسهم فكان ثمن نفس الأولياء مرضاة الله تعالى وبينهما فروق كثيرة فعلى السالك ان يخرج من أوطان البشرية ويغترب عن ديار الاقران حتى يكون مجاهدا حقيقيا وشهيدا معنويا قال عليه الصلاة (والسلام طوبى للغرباء) وقال ايضا (من مات غريبا فقد مات شهيدا) يشير بذلك الى الانقطاع من الخلق الى الخالق وذلك لا يكون الا بمخالفة الجمهور في العادات والشهوات وفي الحديث (يا انس ان استطعت ان تكون ابدا على وضوء فافعل فان ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له شهادة) وذلك لان الوضوء واشارة الى الانفصال عما سوى الله تعالى كما ان الصلاة اشارة الى الاتصال بالله تعالى وفي الحديث ايضا (دم على الطهارة يوسع عليك الرزق) فالطهارة الصورية سبب لتوسيع الرزق الصوري وكذا طهارة الباطن سبب لتوسيع الرزق المعنوي من المعارف والإلهامات والواردات وعند ذلك يحيى القلب بالحياة الطيبة وتموت النفس عن صفاتها وليس ذلك الا اثر الجهاد الحقيقي فمن تخلص من قيد النفس ومات بالاختيار فهو حى ابدا: وفي المثنوى
اى بسا نفس شهيد معتمد ... مرده در دنيا وزنده مى رود
ولا بد للعبد من العروج من الخلق الى الخالق ومن الحاجة التامة لنفسه الى الغنى التام بالحق في تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات فاذا فر الى الله ووصل الى جماله وغرق في مشاهدة جلاله شاهد سر قوله تعالى قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ وأول الأمر ترك الأموال ثم ترك الأولاد ثم ترك النفس. فعند الاول يتجلى توحيد الافعال. وعند الثاني يتجلى توحيد الصفات. وعند الثالث
стр. 324
يتجلى توحيد الذات وهو أعلى الدرجات فعلى العاقل إكثار ذكر الله فانه سبب لتصفية الباطن وصقالة القلب قال تعالى وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ولا فلاح أعظم من ان يصل الطالب الى المطلوب اللهم اجعلنا مفلحين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم على ان الخطاب للمنافقين ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً اى استسلموا لله تعالى وأطيعوه جملة ظاهرا وباطنا. فالسلم بمعنى الاستسلام والطاعة وكافة حال من ضمير الفاعل في ادخلوا وهذه حال تؤكد معنى العموم في ضمير الجمع فان قولك قام القوم كافة بمنزلة قاموا كلهم وتاء كافة وقاطبة وعامة ليست للتأنيث وان كان أصلها ان تدل عليه بل انما دخلت لمجرد كون الكلمة منقولة الى معنى كل وجميع او المعنى ادخلوا في الإسلام بكليته ولا تخلطوا به غيره فالخطاب لمؤمنى اهل الكتاب فانهم كانوا يراعون بعض احكام دينهم القديم كما روى ان عبد الله بن سلام وأصحابه كانوا يتمسكون ببعض شرائع التوراة من تعظيم السبت وتحريم لحم الإبل وألبانها وأشياء كانوا يرون الكف عن ذلك مباحا في الإسلام وان كان واجبا في شريعتهم فثبتوا على ذلك مع اعتقادهم حلها استيحاشا من مفارقة العادة وقالوا يا رسول الله ان التوراة كتاب الله فدعنا فلنقرأ منها في صلاتنا بالليل فقال ﵇ (لا تتمسكوا بشئ مما نسخ ودعوا ما ألفتموه ولا تستوحشوا من النزوع عنه) فانه لا وحشة مع الحق وانما هو من تزيين الشيطان وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ جمع خطوة بالضم والسكون وهو ما بين القدمين اى لا تسلكوا مسالكه ولا تطيعوه فيما دعاكم اليه من السبل الزائغة والوساوس الباطلة إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة يريد ان يفسد عليكم بهذه الوساوس إسلامكم فَإِنْ زَلَلْتُمْ الزلل في الأصل عثرة القدم ثم يستعمل في العدول عن الاعتقاد الحق والعمل الصائب فالمعنى اخطأتم الحق وتعديتموه علما كان او عملا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ اى الحجج والشواهد على ان ما دعيتم الى الدخول فيه هو الحق فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب على امره لا يعجزه الانتقام منكم حَكِيمٌ لا ينتقم الا بالحق وفي الآية تهديد بليغ لاهل الزلل عن الدخول في السلم فان الوالد إذا قال لولده ان عصيتنى فانت عارف بي وبشدة سطوتى لاهل المخالفة يكون قوله هذا ابلغ في الزجر من ذكر الضرب وغيره وكما انها مشتملة على الوعيد منبئة عن الوعد ايضا من حيث انه تعالى اتبعه بقوله حكيم فان اللائق بالحكمة ان يميز بين المحسن والمسيئ فكما يحسن ان ينتظر من الحكيم تعذيب المسيئ فكذلك ينتظر منه إكرام المحسن واثابته بل هذا أليق بالحكمة واقرب الى الرحمة هَلْ يَنْظُرُونَ استفهام في معنى النفي ونظر بمعنى انتظر اى ينتظر من بترك الدخول في السلم ويتبع خطوات الشيطان إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ اى الا إتيان الله اى عذابه على حذف المضاف لان الله تعالى منزه عن المجيء والذهاب المستلزمين للحركة والسكون لان كل ذلك محدث فيكون كل ما يصح عليه المجيء والذهاب محدثا مخلوقا له والإله القديم يستحيل ان يكون كذلك. وسئل على رضى الله عنه أين كان تعالى قبل خلق السموات والأرض قال أين سؤال عن المكان وكان الله تعالى ولا مكان وهو اليوم على ما كان ومذهب المتقدمين في هذه الآية وما شاكلها ان يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها الى الله لانه لا يأمن في تعيين مراد
стр. 325
الله تعالى من الخطأ فالاولى السكوت ومذهب جمهور المتكلمين ان لا بد من التأويل على سبيل التفصيل فِي ظُلَلٍ كائنة مِنَ الْغَمامِ والظلل جمع ظلة وهي ما أظلك والغمام السحاب الأبيض الرقيق سمى غماما لانه يغم اى يستر ولا يكون السحاب ظلة الا إذا كان مجتمعا متراكما فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة تكون في غاية الكثافة والعظم وكل قطعة ظلة وَالْمَلائِكَةُ اى ويأتيهم الملائكة فانهم وسائط في إتيان امره تعالى بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة. وتلخيصه قد قامت الحجج فلم يبق الا نزول العذاب فان قلت لم لم يأتهم العذاب في الغمام كما فعل بقوم يونس وقوم عاد وقوم شعيب قلت لان الغمام مظنة الرحمة فاذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول لان الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم كما ان الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب
كان أسر فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الخير اى الغيث ومن ثمه اشتد على المتفكرين في كتاب الله تعالى قوله وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فان تفسيره على ما قالوا عملوا أعمالا حسبوها حسنات فاذا هي سيآت وذلك لتجويزهم ان يكون عملهم كذلك فيجيئهم الشر من حيث يتوقعون الخير فخافوا من ذلك- روى- أن محمد بن واسع تلا هذه الآية فقال آه آه الى ان فارق الدنيا وَقُضِيَ الْأَمْرُ اى أتم امر إهلاكهم وفرغ منه وهو عطف على يأتيهم داخل في حيز الانتظار وانما عدل الى صيغة الماضي دلالة على الحقيقة فكأنه قد كان وَإِلَى اللَّهِ لا الى غيره تُرْجَعُ الْأُمُورُ اى امور الخلق وأعمالهم هو القاضي بينهم يوم القيامة والمثيب والمعاقب فينبغى للمؤمن ان يكون في جانب الانقياد ويحترز عن الهوى وخطوات الشيطان وعن النبي ﵇ انه قال (ان الله تعالى اظهر الشكاية من أمتي) وقال (انى طردت الشيطان لاجلهم فهم يعصوننى.
ويطيعون الشيطان) : قال السعدي قدس سره كجا سر بر آريم ازين عار وننك كه با او بصلحيم وبا حق بجنگ نظر دوست نادر كند سوى تو چودر روى دشمن بود روى تو ندانى كه كمتر نهد دوست پاى چوبيند كه دشمن بود در سراى فمن أعظم الطاعات طرد الشيطان وأن يتهم النفس دائما كما روى ان رجلا صام أربعين سنة ثم دعا الحاجة ومع ذلك لم تجب دعوته وذم نفسه وقال يا مأوى الشر ذلك من شرك فاوحى الى نبى ذلك الزمان قل له ان قتلك لنفسك أحب الى من صيام أربعين سنة: قال السعدي
خورنده كه خيرى بر آيد ز دست ... به از صائم الدهر دنيا پرست
واعلم ان في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ معنى عاما ومعنى خاصا فالعام خطاب عام مع جميع من آمن اى ادخلوا في شرائط الإسلام في الباطن كما في الظاهر ومن شرائطه ما قال النبي ﵇ (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس) واما المعنى الخاص فخطاب خاص مع شخص الإنسان وجميع اجزائه الظاهرة والباطنة فينبغى ان يدخل أركانه في الإسلام بالفعل. فالعين بالنظر. والاذن بالسمع. والفم بالأكل. والفرج
стр. 326
بالشهوة. واليد بالبطش. والرجل بالمشي ودخول واحد منها في الإسلام بأن يستسلم لاوامر الحق ويجتنب واهيه بل يترك ما لا يعنيه أصلا ويقع على ما لا بد له منه. ودخول جميع اجزائه الظاهرة في شرائع الإسلام ميسر للمنافق. فاما إدخال اجزائه الباطنة فمعركة ابطال الدين ومنزلة الرجال البالغين فدخول النفس في الإسلام بخروجها عن كفر صفاتها الذميمة وترك مألوفاتها واطمئنانها بالعبودية ليستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين به بخطابه تعالى إياها كقوله تعالى يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ الآية. ودخول القلب في الإسلام بتصفيته عن رذائل اخلاق النفس وتحليته بشمائل أخلاق الروح. ودخول الروح في الإسلام بتخلقه بأخلاق الله وتسليم الاحكام الازلية وقطع النظر والتعلق عما سوى الله بتصرف جذبات الالوهية. ودخول السر في الإسلام بفنائه في الله وبقائه بالله وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ اى لا تكونوا على سيرته وصفته وهي الإباء والاستكبار فانه ضد الإسلام إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ لعداوته الغريزية لكم لاختلاف جبلته وجبلتكم وقصوره عن نور فطرتكم لكونه نارى الخلقة لا يطلب منكم الا ان تكونوا ناريين مثله لا نوريين فهو عدو في الحقيقة في صورة المحب فَإِنْ زَلَلْتُمْ اى زلت أقدامكم عن صراط الإسلام الحقيقي مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ دلائل تجليات أفعال الصفات فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ فلعزته لا يهدى اليه كل ذليل دنى الهمة قصير النظر حَكِيمٌ يهدى من يشاء الى سرادقات عزته هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ الا ان يتجلى الله في ظل صفات قهرية من جملة تجليات الصفات الساترة لشمس الذات وهو ملائكة القوى السماوية وَقُضِيَ فى اللوح الْأَمْرُ امر إهلاكهم وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ بالفناء كذا في التأويلات النجمية سَلْ أمر للرسول ﵇ بالسؤال او لكل أحد يصلح ان يخاطب بَنِي إِسْرائِيلَ يعنى هؤلاء الموجودين في عصرك من رؤساء بنى إسرائيل كَمْ آتَيْناهُمْ اى آتينا آبائهم وأسلافهم مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ اى معجزة ظاهرة على أيدي أنبيائهم لا يخفى على المتفكر أنها من عند الله كالعصا واليد البيضاء وإنزال المن والسلوى وغيرها او المراد آيات كتبهم الشاهدة على صحة دين الإسلام. قوله كم آتيناهم محل هذه الجملة النصب او الخفض على انها مفعول ثان للسؤال فانه يتعدى الى مفعولين الى الاول بنفسه والى الثاني بحرف الجر اما عن واما الباء نحو سألته عن كذا وبكذا قال الله تعالى فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً وقد يحذف حرف الجر فمن ثمة جاز في محل كم النصب والخفض بحسب التقديرين وتمييزكم من آية بينة والأحسن إذا فصل بين كم ومميزها ان يؤتى بمن وهذا السؤال سؤال تقريع وتبكيت كما يسأل الكفرة يوم القيامة وتقرير لمجيئ البينات فكم استفهامية خبرية وليس المراد حقيقة الاستفهام وَمَنْ يُبَدِّلْ التبديل تصيير الشيء على غير ما كان عليه اى يغير نِعْمَةَ اللَّهِ التي هي آياته الباهرة فانها سبب للهدى الذي هو أجل النعم وتبديلهم إياها أن الله أظهرها لتكون اسباب هداهم فجعلوها اسباب ضلالتهم فكفروا بها وتركوا الشكر عليها مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ اى من بعد ما وصلت اليه وتمكن من معرفتها والتصريح بذلك مع ان التبديل لا يتصور قبل المجيء للاشعار بانهم قد بدلوها بعد ما وقفوا على تفاصيلها فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
стр. 327
تعليل للجواب كأنه قيل ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشد عقوبة فانه شديد العقوبة لمن بدل النعمة في الدنيا والآخرة وقد عاقبهم في الدنيا بالقتل وذلك في بنى قريظة وبالإجلاء وذلك فى بنى النضير ويوم القيامة يعذبون في السعير قال ابن التمجيد وتبديل النعمة جرم بغير علم ومع العلم أشد جرما ولذلك كان وعيد العلماء المقصرين أشد من الجاهلين بالاحكام لان الجهل قد يعذر به وان كان الاعتذار به غير مقبول في باب التكاليف زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا اى حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وتهافتوا فيها معرضين عن غيرها والتزيين من حيث الخلق والإيجاد مستند الى الله تعالى إذ ما من شىء الا وهو خالقه وكل من الشيطان والقوى الحيوانية وما في الدنيا من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين بالعرض وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا اى يستهزئون بالفقراء من المؤمنين كعبد الله بن مسعود وعمار وصهيب وحبيب وبلال وغيرهم رضى الله تعالى عنهم ويستر ذلونهم ويقولون تركوا لذات الدنيا وعذبوا أنفسهم بالعبادات وفوتوا الراحات وكراماتها وهو عطف على زين ومن للابتداء فكأنهم جعلوا السحرية مبتدأة منهم وَالَّذِينَ اتَّقَوْا يعنى أطاعوا الله واختاروا الفقر من المؤمنين وانما ذكروا بعنوان التقوى للايذان بان اعراضهم عن الدنيا للاتقاء عنها لكونها مخلة بتبتلهم الى جناب القدس شاغلة لهم وللاشارة الى انه لا يسعد عنده الا المؤمن المتقى فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعنى فوق المشركين لانهم في أعلى عليين وهم في أسفل سافلين فتكون الفوقية حقيقة او لانهم في اوج الكرامة وهم في حضيض الذل والمهانة فتكون الفوقية مجازا. ويوم منصوب بالاستقرار الذي تعلق به فوقهم وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ اى في الدارين بِغَيْرِ حِسابٍ كثير «بي اندازه» لانه تعالى لا يخاف نفاد ما عنده لانه غنى لا نهاية لمقدوراته فالله تعالى يوسع بحسب الحكمة والمشيئة على عباده فمنهم من تكون التوسعة عليه استدراجا كهؤلاء الكفرة وقارون واضرابهم ومنهم من تكون كرامة كاغنياء المؤمنين وسليمان وأمثالهم قال رسول الله ﷺ (وقفت على باب الجنة فرأيت اكثر أهلها المساكين ووقفت على باب النار فرأيت اكثر أهلها النساء) وإذا اهل الجسد محبوسون الا من كان منهم من اهل النار فقد امر به الى النار: قال الحافظ
ازين رباط دو در چون ضرورتست رحيل ... رواق وطاق معيشت چهـ سر بلند و چهـ پست
بهست ونيست مرنجان ضمير وخوش دل باش ... كه نيستيست سرانجام هر كمال كه هست
ببال و پر مرو از ره كه تير پرتابى ... هوا كرفت زمانى ولى بخاك نشست
- يحكى- ان عيسى ﵇ سافر ومعه يهودى فكان مع عيسى ثلاثة أقراص فأعطاها اليهودي وقال احفظها ثم بعد ساعة أكل اليهودي واحدا منها فقال عيسى أعط الاقراص الثلاثة فقدم قرصين فقال اين ثالثها فقال اليهودي لم تكن اكثر من هذا فمشيا حتى شاهد من عيسى عجائب فأقسم عليه عيسى لذلك حتى يقر بالقرص الثالث فلم يقر فلحقا بثلاث لبنات من الذهب فقال اليهودي اقسم ذلك فقال عيسى واحدة لى وواحدة لك وواحدة لمن أكل القرص الثالث فقال اليهودي انا أكلت القرص الثالث فقال عيسى ابعد عنى فقد شاهدت قدرة الله ولم تقر به والآن قد أقررت بالدنيا فترك اللبنات عند اليهودي ومشى وجاء ثلاثة من اللصوص وقتلوا اليهودي
стр. 328
وأخذوا اللبنات ثم بعثوا من جملتهم واحدا ليأتى لهم بطعام فلما غاب عنهما تشاورا في قتله وقالا إذا رجع قتلناه وأخذنا نصيبه فذهب واشترى سما فطرحه في الطعام الذي اشتراه حتى يأكل ذلك الطعام صاحباه فيموتا ويأخذ اللبنات فلما قدم عليهما قاما وقتلاه ثم أكلا الطعام فماتا فعبر عليهم عيسى فوجد اليهودي وهؤلاء الثلاثة مقتولين فتعجب من ذلك فنزل جبريل وأخبره بالقصة فينبغى للعاقل ان لا يغتر بكثرة الدنيا وان لا يهتم في جمعها بل يزرع فيها بذر العمل كى يحصد في الآخرة لان الدنيا مزرعة الآخرة ولا ينبغى للاغنياء ان يحقروا الفقراء بالغرور بكثرة دنياهم ولا يسخروا منهم لان هذه الصفة من صفات الكفرة: قال السعدي
چومنعم كند سفله را روزكار ... نهد بر دل تنك درويش بار
چوبام بلندش بود خود پرست ... كند بول وخاشاك بر بام پست
والاشارة في الآية ان الله إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريه آياته في الملك والملكوت فان تغير بأحواله او تعجب بكماله فيقبل على شىء من مرادات النفس ويبدل نعمته بموافقة النفس ورضاها فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ بان يغير عليه أحواله ويسلب عنه كماله ويشهده قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ومن شدة عقابه انه إذا أذنب عبد ذنبا صغيرا ولم يتب منه وأصر عليه ان يعاقبه بالابتداء بكبيرة مثل تبدل النعمة ليعاقبه بزوال النعمة فى الدنيا ودوام النقمة في العقبى. وايضا من شدة عقابه ان زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا ويمكر بهم حتى يغلب عليهم حب الدنيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا من فقرائهم وكبرائهم حملهم شدة العقوبة على الوقيعة في أوليائه واستحقار أحبابه وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ من درجات أعلى عليين ودركات أسفل سافلين بِغَيْرِ حِسابٍ بغير نهاية الى أبد الآباد فان ما لا نهاية له لا مدخل له تحت الحساب وفيه معنى آخر بغير حساب يعنى ما يرزق العبد في الدنيا من الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب وما يرزق العبد في الآخرة من النعيم المقيم فبغير حساب كذا في التأويلات النجمية كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً اى جماعة واحدة متفقين في الايمان واتباع الحق من وقت آدم الى مبعث نوح ﵉ وكان بينهما عشرة قرون كل قرن ثمانون سنة كما عند الأكثر فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ اى فاختلفوا فبعث إلخ بدلالة قوله تعالى لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مُبَشِّرِينَ بالثواب لمن آمن وأطاع وَمُنْذِرِينَ محذرين بالعقاب لمن كفر وعصى وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ أي كتاب او مع كل واحد منهم ممن له كتاب كتابه الخاص لا مع كل واحد منهم على الإطلاق إذ لم يكن لبعضهم كتاب وانما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم وعموم النبيين لا ينافى خصوص الضمير العائد اليه بمعونة المقام بِالْحَقِّ اى حال كون ذلك الكتاب ملتبسا بالحق والعدل والصدق شاهدا به لِيَحْكُمَ اى الله تعالى بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ اى في الحق الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ اى في الحق إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ اى الكتاب المنزل لازالة الاختلاف والتعبير عن الانزال بالايتاء للتنبيه من أول الأمر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما في تضاعيفه من الحق فان الانزال لا يفيد تلك الفائدة اى عكسوا الأمر
стр. 329
حيث جعلوا ما انزل لا زالة الاختلاف سببا لاستحكامه ورسوخه مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ اى رسخت في عقولهم ومن متعلق بما اختلف ولم تمنع الا من ذلك كقولك ما قام الا زيد يوم الجمعة بَغْياً بَيْنَهُمْ مفعول له لقوله وما اختلف فالاستثناء متعلق بثلاثة أشياء والتقدير وما اختلف فيه الا الذين إلخ وما اختلفوا فيه الا من بعد إلخ وما كان الاختلاف الا للبغى والتهالك على الدنيا وللحسد والظلم كما فعل قابيل بهابيل وما قتله لاشكال الحق عليه بل حسدا منه على أخيه وهكذا في كل عصر وهذا فعل الرؤساء ثم العامة اتباعا لهم وفعلهم مضاف إليهم فتبين ان الاختلاف في الحق امر متقادم في الإسلام فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالكتاب لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ متعلق بهدى وما موصولة ومعناه هدى الى ما اختلفوا فيه مِنَ الْحَقِّ بيان لما بِإِذْنِهِ اى بأمره وتيسيره ولطفه وإرادته ورحمته حتى ابصروا الحق بنور التوفيق من الباطل وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا يضل سالكه أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ خاطب به النبي ﵇ والمؤمنين بعد ما ذكر اختلاف الأمم على الأنبياء بعد مجئ الآيات تشجيعا لهم على الثبات على المصابرة على مخالفة الكفرة فان عاقبة الأمر النصر. وأم منقطعة الاخبار المتقدم الى الإنكار المدلول عليه بهمزة الاستفهام اى ما كان ينبغى ان تحسبوا ذلك فتقدر ببل والهمزة قيل إضراب عن وتظنوا او لم حسبتموه وَلَمَّا يَأْتِكُمْ اى والحال لم يجئكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا اى صفة الذين مضوا مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين ولم تبتلوا بعد بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مثل في الفظاعة والشدة وهو متوقع ومنتظر مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ بيان له على الاستئناف كأنه قيل كيف ن ن مثلهم وحالهم العجيبة فقيل مستهم البأساء اى الشدة من الخوف والفاقة وَالضَّرَّاءُ اى الآلام والأمراض وَزُلْزِلُوا اى ازعجوا إزعاجا شديدا بما أصابهم من الشدائد حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ اى انتهى أمرهم من الشدة الى حيث اضطرهم الضجر الى ان يقول الرسول وهو اعلم الناس بشؤون الله وأوثقهم بنصره والمؤمنون المقتدون بآثاره المستضيئون بانواره مَتى اى يأتى نَصْرُ اللَّهِ الذي وعدناه طلبا وتمنيا له واستطالة لمدة الشدة والعناء فان الشدة وان قصر فهو طويل في عين المبتلى بها فلا محالة يستبطئ النصر فاجابهم الله بقوله أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ إسعافا لهم الى طلبتهم من عاجل النصر اى أنا ناصر أوليائى لا محالة ونصرى قريب منهم فان كل آت قريب ولما كان الجواب بذكر القرب دل ذلك على ان السؤال كان واقعا عن زمان النصر أقريب هو أم بعيد ولو كان السؤال عن وقوع أصل النصر بمعنى انه هل يوجد أولا لما كان الجواب مطابقا للسؤال وفي الآية اشارة الى ان الوصول الى الله والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات كما قال ﵇ (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) كذا في تفسير القاضي: ونعم ما قيل
فلك مشام كسى خوش كند ببوى مراد ... كه خاك معركه باشد عبير وعنبر او
وعن خباب بن الأرت رضى الله تعالى عنه قال لما شكونا الى رسول الله ﷺ ما نلقى من المشركين قال (ان من كان قبلكم من الأمم كانوا يعذبون بانواع البلاء
стр. 330
فلا يصرفهم ذلك عن دينهم حتى ان الرجل كان يوضع على رأسه المنشار فيشق فلقتين ويمشط الرجل بأمشاط الحديد بما دون العظم من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه وايم الله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء الى حضرموت لا يخشى الا الله والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون) قالوا كل نبى بعث الى أمته اجهد حتى قال متى نصر الله ووقع ذلك للرسول ﵇ حين وقع له ضجر شديد قبل فتح مكة فقال في يوم الأحزاب حيث لم يبق لاصحابه صبر حتى ضجوا وطلبوا النصرة فارسل الله ريحا وجنودا وهزم الكفار بهما. ومن شدائده ﵇ غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدة الخوف والبرد وضيق العيش وانواع الأذى كما قال تعالى وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ ولو اطلعت على ما أصابهم من عداوة اليهود واسرار النفاق وأذى القوم يمينا وشمالا ببذل المجهود حين هاجروا الى المدينة لكفى ذلك عبرة في هذا الباب فنحن اولى بمقاساة أمثال هذه الشدائد خصوصا في هذا الزمان الذي لا تجد بدا من طعن الناس وإذا هم إذ البلاء على الأنبياء ثم على الأولياء تم الأمثل فالامثل
غبار لازمه آسيا بود صائب ... أمان ز حادثه آسمان چهـ ميخواهى
قال في التأويلات النجمية عند قوله تعالى كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً الآية الخصال الذميمة التي عليها اكثر الناس كلها عارضة لهم فانهم كانوا حين أشهدهم الله على أنفسهم امة واحدة وولد وأعلى الفطرة لقوله ﵇ (كل مولود يولد على فطرة الإسلام فأبواه يهود انه أو ينصرانه او يمجسانه) وما قال ﵇ او يسلمانه لمعنيين. أحدهما ان الكفر يحصل بالتقليد ولكن الايمان الحقيقي لا يحصل به. والثاني ان الأبوين الأصلين هما الأنجم والعناصر فعلى التقديرين الولد بتربية الآباء والأمهات يضل عن سبيل الحق ويزل قدمه عن الصراط المستقيم التوحيد والمعرفة ولو كان نبيا يحتاج الى هاد يهدى الى الحق كما قال تعالى لنبينا ﷺ (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) ولكل من السعادة والشقاوة كتاب كما قال ﵇ (ما من نفس الا وقد كتب في كتابها من اهل الجنة او النار وكتب شقية او سعيدة) فقالوا أفلا نتكل على كتابنا يا رسول الله وندع العمل قال (اعملوا فكل ميسر لما خلق له اما اهل الشقاوة فييسرون لعمل اهل الشقاوة واما اهل السعادة فييسرون لعمل اهل السعادة) فلا بد من مقاساة بأساء الترك والتجريد والفقر والافتقار حتى يحصل دخول جنة الجمال ودار القرار فلم يضجروا من طول مدة الحجاب وكثرة الجهاد في الفراق وعيل صبرهم عن مشاهدة الجمال وذوق الوصال وطلبوا نصر الله بالتجلى على قمع صفات النفوس مع قوة مصابرتهم وحسن تحملهم لما يقول المحبوب ويريد بهم حتى جاء نصر الله فرفع الحجاب وظهر أنوار الجمال يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ اى أي شىء يتصدقون به من اصناف أموالهم نزلت حين حث النبي ﵇ على التصدق في سبيل الله وسأل عمرو بن الجموح وهو شيخ همّ أي فان وله مال عظيم فقال ماذا ننفق يا رسول الله من أموالنا واين نضعها قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ اى أي شىء أنفقتم من أي خير كان وهو بيان للمنفق والمال يسمى خيرا لان حقه ان يصرف الى جهة الخير فصار بذلك كأنه نفس الخير فَلِلْوالِدَيْنِ فان قلت كيف طابق الجواب السؤال وهم قد سألوا عن بيان ما ينفقون وأجيبوا ببيان المصرف قلت قد تضمن قوله ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ بيان ما ينفقونه
стр. 331
وهو كل خير وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لان النفقة لا يعتد بها الا ان تقعع موقعها وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى اى المحتاجين وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ولم يتعرض للسائلين والرقاب اما اكتفاء بما ذكر في المواقع الاخر واما بناء على دخولهم تحت عموم قوله تعالى وَما اى أي شىء تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فانه شامل لكل خير واقع في أي مصرف كان فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ اى ان تفعلوا خيرا فان الله يعلم كنهه ويوفى ثوابه. والمراد بهذه الآية الحث على بر الوالدين وصلة الأرحام وقضاء حاجة ذى الحاجة على سبيل التطوع ولا ينافيه إيجاب الزكاة وحصر مصارفها فى الأصناف الثمانية كما ذكر في قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ كُتِبَ اى فرض عَلَيْكُمُ الْقِتالُ اى قتال الكفرة والجمهور على ان الجهاد فرض على الكفاية مثل صلاة الجنازة ورد السلام وَهُوَ اى والحال ان القتال كُرْهٌ لَكُمْ شاق عليكم مكروه فالكره مصدر بمعنى الكراهة نعت به للمبالغة كأن القتال في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له وهذه الكراهة من حيث نفور الطبع منه لما فيه من مؤونة المال ومشقة النفس وخطر الروح لا انهم كرهوا امر الله تعالى وكراهة الطبع لا توجب الذم بل تحقق معنى العبودية إذا فعل ذلك اتباعا للشرع مع نفرة الطبع فاما كراهة الاعتقاد فهى من صفات المنافقين وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وهو جميع ما كلفوه من الأمور الشاقة التي من جملتها القتال وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لان في الغزو احدى الحسنيين اما الظفر والغنيمة واما الشهادة والجنة. وعسى كلمة تجرى مجرى لعل وهي من العباد للترجى ومن الله للترجية وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وهو جميع ما نهوا عنه من الأمور المستلذة التي من جملتها القعود عن الغزو وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ لما فيه من فوات الغنيمة والاجر وغلبة الأعداء وتخريب الديار وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما هو خير لكم دينا ودنيا فلذا يأمركم به وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذلك ولذلك تكرهونه: قال في المثنوى ما التصوف قال وجدان الفرح فى الفؤاد عند إتيان الترح «١» جمله در زنجير بيم وابتلا ميروند اين ره بغير أوليا «٢» يعنى ان المقلد يجرى الى الحضرة بالاضطرار بخلاف الولي قال ذو النون المصري ﵀ انما دخل الفساد على الخلق من ستة أشياء. الاول ضعف النية بعمل الآخرة. والثاني صارت أبدانهم رهينة لشهواتهم. والثالث غلب عليهم حلول الأمل مع قرب الاجل. والرابع آثروا رضى المخلوقين على رضى الخالق. والخامس اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم وراء ظهورهم. والسادس جعلوا قليل زلات السلف حجة أنفسهم ودفنوا كثير مناقبهم فعلى العاقل ان يجاهد مع النفس والطبيعة ليرتفع الهوى والشهوات والبدعة ويتمكن في القلوب حب العمل بالكتاب والسنة قال ابراهيم الخواص ﵀ كنت في جبل لكام فرأيت رمانا فاشتهيته فدنوت فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة فمضيت وتركتها فرأيت رجلا مطروحا قد اجتمع عليه الزنابير فقلت السلام عليك فقال وعليك السلام يا ابراهيم فقلت كيف عرفتنى فقال من عرف الله لا يخفى عليه شىء فقلت له ارى لك حالا مع الله فلو سألته ان يحميك ويقيك الأذى من هذه الزنابير فقال
стр. 332
وارى لك حالا مع الله فلو سألته ان يقيك شهوة الرمان فلدغ الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا فتركته ومشيت: قال السعدي قدس سره
مبر طاعت نفس شهوت پرست ... كه هر ساعتش قبله ديكرست
كند مرد را نفس اماره خوار ... اگر هوشمندى عزيزش مدار
وفي التأويلات القاشانية كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ قتال النفس والشيطان وَهُوَ كُرْهٌ مكروه لَكُمْ مر أمر من طعم العلقم وأشد من ضغم الضيغم. وحقيقة الجهاد رفع الوجود المجازى فانه الحجاب بين العبد والرب كما قيل وجودك ذنب لا يقاس عليه ذنب آخر وكما قال ابن منصور
بينى وبينك انى قد يزاحمنى ... فارفع بجودك لى انى من البين
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لاحتجابكم بهوى النفس وحب اللذة العاجلة عما في ضمنه من الخير الكثير واللذة العظيمة الروحانية التي تستحقر تلك الشدة السريعة الانقضاء بالقياس الى ذلك الخير الباقي واللذات السرمدية وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً من اللذات الجسمانية وتمتعات النفس وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ للنفس بحرمانها من اللذات الروحانية وَاللَّهُ يَعْلَمُ ان في كراهة النفوس ما أودع من راحة القلوب وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ان حياة القلوب في موت النفوس وفي حياة النفوس موت القلوب كما قال قدس سره
اقتلوني اقتلوني يا ثقات ... ان في قتلى حياتا في حيات «١»
خنجر وشمشير شد ريحان من ... مرك من شد بزم ونركسدان من «٢»
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ روى ان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش وهو ابن عمته ﷺ اخت أبيه في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين سعد بن ابى وقاص الزهري وعكاشة بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان السلمى وأبا حذيفة بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكير وكتب لاميرهم عبد الله بن جحش كتابا وقال (سر على اسم الله ولا تنظر فى الكتاب حتى تسير يومين فاذا نزلت فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض لما امرتك ولا تكرهن أحدا من أصحابك على السير معك) فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فاذا فيه (بسم الله الرّحمن الرّحيم اما بعد فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بها عير قريش لعلك ان تأتينا منها بخير) فلما نظر في الكتاب قال سمعا وطاعة ثم قال لاصحابه ذلك وقال انه نهانى ان اكره أحدا منكم فمن كان يريد الشهادة فلينطلق ومن كره فليرجع ثم مضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد حتى كاد يقعد فوق القزع بموضع من الحجاز يقال له بحران فاضل سعد بن ابى وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى بقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف فبينماهم كذلك مرت عير قريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة الطائف فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة واخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان فلما رأوا اصحاب رسول الله هابوهم فقال عبد الله ابن جحش ان القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم فحلقوا رأس
стр. 333
عكاشة ثم اشرف عليهم فقال قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوا وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة وكانوا يرونه من جمادى وهو من رجب فتشاور القوم وقالوا ان تركتموهم الليلة ليدخلن الحرم فليمنعن منكم فاجمعوا أمرهم في مواقعة القوم فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو ابن الحضرمي بسهم فقتله وكان أول قتيل من المشركين وهو أول قتيل في الهجرة واستأسروا الحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله وكان أول اسيرين في الإسلام وأفلت نوفل على فرس له فاعجزهم واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ فقالت قريش قد استحل محمد الشهر الحرام شهرا يأمن فيه الخائف وينذعر فيه الناس لمعايشهم اى يتفرقون في البلاد فسفك فيه الدماء وأخذ الجرائب وعير بذلك اهل مكة من كان بها من المسلمين وقالوا يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه وبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال ﵇ لابن جحش وأصحابه (ما أمرتكم بالقتال فى الشهر الحرام) ووقف العير والأسيرين اى جعلها وموقوفة وما قسمها بين الغانمين وابى ان يأخذ شيأ من ذلك ينتظر الاذن من الله فعظم ذلك على اصحاب السرية وظنوا ان قد هلكوا وسقط في أيديهم وقالوا يا رسول الله انا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا الى هلال رجب فلا ندرى أفي رجب أصبناه أم في جمادى فاكثر الناس في ذلك فانزل الله هذه الآية فاخذ رسول الله العير فعزل منها الخمس وكان أول خمس في الإسلام وقسم الباقي بين اصحاب السرية وكانت أول غنيمة في الإسلام وبعث اهل مكة في فداء اسيريهم فقال بل نقفهما حتى يقدم سعد وعتبة وان لم يقدما قتلناهما بهما فلما قدما فاداهما فاما الحكم بن كيسان فاسلم واقام مع رسول الله بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيدا واما عثمان بن عبد الله فرجع الى مكة فمات بها كافرا واما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا وقتله الله فطلب المشركون جيفته بالثمن فقال صلى الله تعالى عليه وسلم خذوه فانه خبيث خبيث الجيفة والدية. والمعنى يسألك المسلمون استعلاما او الكفار تعنتا عن الشهر الحرام اى رجب سمى به لتحريم القتال فيه قِتالٍ فِيهِ بدل اشتمال من الشهر لان الشهر مشتمل على القتال قُلْ يا محمد في جوابهم قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ اثم عظيم عند الله وقتال مبتدأ خبره كبير وجاز الابتداء بالنكرة لانها وصفت بفيه. والأكثر ان هذه الآية مفسوخة بقوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مبتدأ قد تخصص بالعمل فيما بعد اى ومنع عن الإسلام الموصل للعبد الى الله تعالى وَكُفْرٌ بِهِ اى بالله تعالى وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف على سبيل الله وحيث كان الصد عن سبيل الله فردا من افراد الكفر به تعالى لم يقدح العطف المذكور في حسن هذا العطف لانه ليس بأجنبي محض اى منع المسلمين عن دخول مكة وزيارة بيت الله وَإِخْراجُ أَهْلِهِ اى اهل المسجد وهو النبي ﵇ والمؤمنون مِنْهُ اى من المسجد الحرام وهو عطف على وكفر به وجعل المسلمين اهل المسجد وان كانوا خارحين عن مكة لانهم قائمون بما يجب عليهم من حقه لانهم يصيرون أهلا له في العاقبة فسماهم باسم العاقبة ولم يسم الكفار اهل المسجد وان كانوا بمكة لان مقامهم
стр. 334
بمكة عارض أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ خبر للاشياء المعدودة اى هذه الأشياء الاربعة اكبر اثما وعقوبة من قتل المسلمين ابن الحضرمي في الشهر الحرام لان القتال يحل بحال والكفر لا يحل بحال ولانهم كانوا متأولين في القتال لانهم شكوا في اليوم ولا تأويل للكفار في الكفر وَالْفِتْنَةُ اى ما ارتكبوه من الإخراج والشرك وصد الناس عن الإسلام ابتداء وبقاء أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ اى أفظع من قتل الحضرمي في الشهر إحرام فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن أنيس الى مؤمنى مكة إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله من مكة ومنعهم المسلمين عن البيت وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ بيان لاستحكام عداوتهم وإصرارهم على الفتنة في الدين اى لا يزال الكفار عن قتالكم ايها المؤمنون حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ اى كى يصرفوكم
عن دينكم الحق الى دينهم الباطل إِنِ اسْتَطاعُوا اشارة الى تصلبهم في الدين وثبات قدمهم فيه كأنه قيل وأتى لهم ذلك وهو كقول الرجل لعدوه ان ظفرت بي فلا تبق على ولا ترحمنى وهو واثق بانه لا يظفر به وهو تطييب لقلوب المؤمنين وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ اظهار التضعيف لسكون الدال الثانية وبالفتح والإدغام على التحريك لالتقاء الساكنين بأخف الحركات والارتداد النكوص وهو تحذير من الارتداد اى من يفعل ذلك باضلالهم واغوائهم فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ بان لم يرجع الى الإسلام. وفيه ترغيب في الرجوع الى الإسلام بعد الارتداد الى حين الموت فَأُولئِكَ المصرون على الارتداد الى حين الموت حَبِطَتْ بطلت وتلاشت أَعْمالُهُمْ التي كانوا عملوها في حالة الإسلام حبوطا لا تلافى له قطعا فِي الدُّنْيا وهو قطع حياته وقتله عند الظفر به لارتداده وفوات موالاة المسلمين ونصرهم والثناء الحسن وزوال النكاح وحرمانه من مواريث المسلمين ونحو ذلك مما يجرى على نفس المرتد واهله وماله وَالْآخِرَةِ وهو الثواب وحسن المآب لان عبادتهم لم تصح في الدنيا فلم يجازوا عليها في الآخرة وليس المراد من احباط العمل ابطال نفس العمل لان الأعمال اعراض كما توجد تفنى وتزول واعدام المعدوم محال بل المراد به ما ذكر من ان الردة الحادثة تزيل ثواب الايمان السابق وثواب ما سبق من ثمراته. وظاهر الآية يقتضى ان تكون الوفاة على الردة شرطا لثبوت الاحكام المذكورة وهي حبوط الأعمال في الدنيا والآخرة وكون صاحبها من اصحاب النار خالدا فيها وان لا يثبت شىء من هذه الاحكام ان اسلم المرتد بعد ردته ولهذا احتج الشافعي بهذه الآية على ان الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت صاحبها عليها وعند ابى حنيفة ﵀ ان الردة تحبط الأعمال مطلقا اى وان رجع مسلما تمسكا. بعموم قوله تعالى وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وقوله وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ويتفرع عليه مسألتان. الاولى ان جماعة من المتكلمين قالوا شرط صحة الايمان والكفر حصول الوفاة عليهما فلا يكون الايمان ايمانا الا إذا مات المؤمن عليه وايضا لا يكون الكفر كفرا الا إذا مات الكافر عليه والمسألة الثانية ان المسلم إذا صلى ثم ارتد والعياذ بالله ثم اسلم في الوقت قال الشافعي لا إعادة عليه. وقال ابو حنيفة يلزمه قضاء ما ادى وكذا الكلام في الحج وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ
стр. 335
ملازموها هُمْ فِيها خالِدُونَ كدأب سائر الكفرة فلا بد للمؤمن من العمل الصالح ومن الصون عما يبطله وسبب الارتداد عدم اليقين والا فكيف يحوم حول الموحد الحقيقي شيطان وشرك وهو قد تخلص من البرازخ والقيود ووصل الى الرب المعبود والعمل الصالح هو ما أريد به وجه الله فان غيره فاسد لا ينفع لصاحبه أصلا: قال الحافظ
فردا كه پيشگاه حقيقت شود پديد ... شرمنده رهروى كه عمل بر مجاز كرد
واحسن الحسنات التوحيد لانه أس الكل ولذلك لا يوزن قال ﵇ (ان كل حسنة تعملها توزن يوم القيامة الا شهادة ان لا اله الا الله فانها لا توضع في ميزان لانها لو وضعت فى ميزان من قالها صادقا ووضعت السموات والأرضون السبع ما فيهن كان لا اله الا الله أرجح من ذلك) وجميع الأعمال الصالحة يزيد في نور الايمان. فعليك بالطاعة والحسنات والوصول الى المعارف الالهية فان العلم بالله أفضل الأعمال ولذلك لما قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال (العلم بالله) فقيل نسأل عن العمل وتجيب عن العلم فقال (ان فقيل العمل ينفع مع العلم وان كثير العمل لا ينفع مع الجهل) وذلك انما يحصل بتصفية الباطن مع صيقل التوحيد وانواع الاذكار ولا يعقلها الا العالمون: قال في المثنوى
ذكر حق كن بانك غولانرا بسوز ... چشم نركس را ازين كركس بدوز
قال الشيخ الحسن محمد بن السراج سمعت الجنيد قدس سره يقول رأيت إبليس في المنام كأنه عريان فقلت ألا تستحيى من الناس فقال لو كان هؤلاء من الناس لما اتلاعب بهم كما يتلاعب الصبيان بالكرة فقلت ومن الناس فقال قوم في المسجد الشونيزى قد انحلوا جسمى واحرقوا قلبى كلما هممت بهم اشاروا الى الله تعالى فاكاد احرق بنور ذكرهم قال فانتبهت وجئت الى المسجد الشونيزى بليل فلما دخلت المسجد إذا انا بثلاث انفس جلوس ورؤسهم مغطاة بمرقعاتهم فلما أحسوا بي اخرج واحد رأسه فقال يا أبا القاسم أنت كلما قيل بشئ صرت تقبله وتسمعه انظر الى اجتهادهم في طاعة الله وصفاء أسرارهم عما سواه تعالى فهم من اهل الإسلام الحقيقي يقول الفقير ناظم هذه الدرر قال لى شيخى العلامة أبقاه الله بالسلامة في قوله ﵇ (بدا الإسلام غريبا وسيعود غريبا) المراد بالإسلام هو الإسلام الحقيقي وصاحب لا يرتد ابدا وكونه غريبا ان لا يوجد له أنيس: قال في المثنوى
بود كبرى در زمان بايزيد ... كفت او را يك مسلمان سعيد
كه چهـ باشد كر تو اسلام آورى ... تا بيابى صد نجات سرورى
گفت اين اسلام اگر هست اى مريد ... آنكه دارد شيخ عالم با يزيد
مؤمن ايمان اويم در نهان ... گر چهـ مهرم هست محكم بر دهان
باز ايمان گر خود ايمان شماست ... نى بدان ميلستم ونى مشتهاست
آنكه صد ميلش سوى ايمان بود ... چون شما را ديد ز آن فاتر شود
ز انكه نامى بيند ومعنبش نى ... چون بيابانرا مفازه گفتنى
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا نزلت في السرية فان الله تعالى لما فرج عنهم بالآية السابقة ما كانوا فيه من الغم الشديد بقتالهم في الشهر الحرام طمعوا فيما عند الله من ثوابه فقالوا يا رسول الله
стр. 336
لا عقاب علينا فيما فعلنا فهل نعطى اجرا وثوابا ونطمع ان يكون سفرنا هذا سفر غزو وطاعة فأنزل الله تعالى هذه الآية لانهم كانوا مؤمنين مهاجرين وكانوا بسبب هذه المقاتلة مجاهدين والمعنى ثبتوا على ايمانهم فلم يرتدوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا اى فارقوا منازلهم وأهلهم وَجاهَدُوا المجاهدة استفراغ ما في الوسع اى حاربوا المشركين فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى طاعته لاعلاء دينه أُولئِكَ يَرْجُونَ بمالهم من مبادى الفوز رَحْمَةِ اللَّهِ اى ثوابه ولا يحبط أعمالهم كاعمال المرتدين اثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو للايران بانهم عالمون بان العمل غير موجب للاجر وانما هو بطريق التفضل منه تعالى لا لان في فوزهم اشتباها وَاللَّهُ غَفُورٌ مبالغ في مغفرة ما فرط من عباده خطأ رَحِيمٌ يجزل لهم الاجر والثواب قال قتادة هؤلاء خيار هذه الامة ثم جعلهم الله اهل رجاء كما تسمعون وانه من رجاء طلب ومن خاف هرب- روى- انه مر ابو عمر البيكندى يوما بسكة فرأى أقواما أرادوا إخراج شاب من المحلة لفساده وامرأة تبكى قيل انها امه فرحمها ابو عمر فشفع له إليهم وقال هبوه منى في هذه المرة فان عاد الى فساده فشأنكم فوهبوه منه فمضى ابو عمر فلما كان بعد ايام اجتاز بتلك السكة فسمع بكاء العجوز من ورلء ذلك الباب فقال في نفسه لعل الشاب عاد الى فساده فنفى من المحلة فدق عليها الباب وسألها عن حال الشاب فقالت انه مات فسألها عن حاله فقالت لما قرب اجله قال لا تخبري الجيران بموتى فلقد آذيتهم فانهم سيشتموننى ولا يحضرون جنازتى فاذا دفنتنى فهذا خاتم لى مكتوب عليه بسم الله الرحمن الرحيم فادفنيه معى فاذا فرغت من دفنى فتشفعى لى الى ربى ففعلت وصيته فلما انصرفت عن رأس القبر سمعت صوته يقول انصرفي يا أماه فقد قدمت على رب كريم ونعم ما قيل ببهانه ميدهد ببها نميدهد- قيل- ان الحجاج لما أحضرته الوفاة كان يقول اللهم اغفر لى فان الناس يزعمون انك لا تفعل ومات بواسط سنة خمس وتسعين وهي مدينته التي انشأها وكان يوم موته يسمى عرس العراق ولم يعلم بموته حتى أشرفت جارية من القصر وهي تبكى وتقول ألا ان مطعم الطعام ومفلق الهام قد مات ثم دفن ووقف رجل من اهل الشام على قبره فقال اللهم لا تحرمنا شفاعة الحجاج وحلف رجل من اهل العراق بالطلاق ان الحجاج في النار فاستفتى طاووس فقال يغفر الله لمن يشاء وما أظنها الا طلقت فيقال انه استفتى الحسن البصري فقال اذهب الى زوجتك وكن معها فان لم يكن الحجاج في النار فما يضركما انكما في الحرام فقد وقفت من هذا المذكور على ان الله تعالى غفور رحيم يغفر لعبده وان جاء بمثل زبد البحر ذنبا فاللازم للعباد الرجاء من الله تعالى قال الراغب وهذه المنازل الثلاثة التي هي الايمان والمهاجرة والجهاد هى المعنية بقوله اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ ولا سبيل الى المهاجرة الا بعد الايمان ولا الى جهاد الهوى الا بعد هجران الشهوات ومن وصل الى ذلك فحق له ان يرجو رحمته واعلم ان الهجرة على قسمين. صورية وقد انقطع حكمها بفتح مكة كما قال ﵇.
(لا هجرة بعد الفتح) . ومعنوية وهي السير عن موطن النفس الى الله افتح كعبة القلب وتخليصها من أصنام الشرك والهوى فيجرى حكمها الى يوم القيامة. وكذا الجهاد في سبيل الله على قسمين.
أصغر وهو الجهاد مع الكفار. واكبر وهو الجهاد مع النفس وانما كان هذا الجهاد اكبر لان غاية
стр. 337
الاول إصلاح الظاهر وغاية الثاني إصلاح الباطن وهو أصعب وأقوى. وايضا غاية الاول الوصول الى الجنة والرحمة. وغاية الثاني الوصول الى مشاهدة الحق والجمال المطلق. وايضا غاية الاول الشهادة. وغاية الثاني الصديقية والصديقون أعلى منزلة من الشهداء كما قال تعالى فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ فقدم ذكر الصديقين على ذكر الشهداء فاذا وصل المرء الى صلاح النفس بالجهاد الأكبر الذي هو أعز من الكبريت الأحمر يرحم العباد ولا يقصد لهم الضرر- حكى- ان بعضهم جاء الى بعض المشايخ وخدمه وقال له أريد أن تعلمنى الاسم الأعظم فقال له وفيك اهلية له قال نعم قال اذهب الى باب البلد ثم أخبرني بما جرى فيه فذهب وجلس على باب البلد فاذا بشيخ حطاب معه حطب على حمار فضربه جندى وأخذ حطبه ظلما فلما رجع الرجل الى الشيخ وأخبره بالقصة قال له الشيخ لو كنت تعلم الاسم الأعظم ما تصنع بالجندى قال كنت ادعو عليه بالهلاك فقال له الشيخ اعلم ان الحطاب هو الذي علمنى الاسم الأعظم واعلم ان الاسم الأعظم لا يصلح الا لمن يكون على هذه الصفة من الصبر والرحمة على الخلق والشفقة عليهم: قال السعدي قدس سره
مكن تا توانى دل خلق ريش ... وگر ميكنى ميكنى بيخ خويش
ثم ان قلة الكلام من انفع الأشياء في إصلاح النفس كما ان اللقمة الطيبة انفع في إصلاح الطبيعة وصفاء القلب: قال في المثنوى
طفل جان از شير شيطان باز كن ... بعد از آنش با ملك انباز كن
تا تو تاريك وملول وتيره ... دانكه با ديو لعين همشيره
لقمه كو نور افزود وكمال ... آن بود آورده از كسب حلال
روغنى كايد چراغ ما كشد ... آب خوانش چون چراغى را كشد
يَسْئَلُونَكَ قال ابن عباس رضى الله عنهما ما رأيت قوما كانوا خيرا من اصحاب رسول الله ﷺ ما سألوه الا عن ثلاث عشرة مسألة كلها في القرآن ما كانوا يسألونه الا عما ينفعهم وينفع المسلمين عَنِ الْخَمْرِ اى عن حكم تعاطيها بقرينة الجواب لان الحل والحرمة والإثم والطاعة انما هي من عوارض افعال المكلفين ولا اثم في ذوات الأشياء وأعيانها ويدخل فى تعاطى الخمر البيع والشراء وغيرهما مما يدخل تحت التصرف على خلاف الشرع. والخمر مصدر خمره اى ستره سمى به من عصير العنب ما على واشتد وقذف بالزبد لتغطيتها العقل والتمييز كأنها نفس الستر كما سميت سكرا لانها تسكرهما اى تحجزهما وَعن تعاطى الْمَيْسِرِ مصدر ميمى من يسر كالموعد والمرجع يقال يسرته إذا قمرته واشتقاقه اما من اليسر لانه أخذ المال بيسر من غير كد وتعب واما من اليسار لانه سلب له ويدخل فيه جميع انواع القمار والشطرنج وغيرهما حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب قُلْ فِيهِما اى في تعاطى الخمر والميسر واستعمالهما إِثْمٌ كَبِيرٌ لما ان الاول مسلبة للعقول التي هي قطب الدين والدنيا مع كون كل منهما متلفة للاموال وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ من كسب الطرب والمغالاة بثمن الخمر إذا جلبوها من الأطراف وفيها تقوية الضعيف وهضم الطعام والاعانة على الباءة اى الجماع
стр. 338
وتسلية المحزون وتشجيع الجبان وتسخية البخيل وتصفية اللون وإنطاق الفتى العي وتهييج الهمة. ومنافع الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب وانتفاع الفقراء بلحم الجزور فانهم كانوا يفرقونها على المحتاجين قال الواقدي وربما قمر الواحد منهم في مجلس مائة بعير فيصيب مالا عظيما بلا نصب ولا ثمن ثم يعطيه المحتاجين فيكتسب المدح والثناء وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وفي الخمر إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهي تسفه الحليم ويصير شاربها بحيث يلعب ببوله وعذرته وقيئه كما ذكر ابن ابى الدنيا انه مر على سكران وهو يبول فى يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ ويقول الحمد لله الذي جعل الإسلام نورا والماء طهورا.
وفي الميسر انه إذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه وقصده بالسوء قال المفسرون تواردت في الخمر اربع آيات نزلت بمكة وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً فطفق المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذ ثم ان عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة رضى الله تعالى عنهم قالوا أفتنا يا رسول الله في الخمر فانها مذهبة للعقل فنزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ الآية فشربها قوم وقالوا نأخذ منفعتها ونترك إثمها وتركها آخرون وقالوا لا حاجة لنا فيما فيه اثم كبير ثم ان عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه دعا ناسا منهم فشربوا وسكروا فام أحدهم فقرأ قل يا ايها الكافرون اعبد ما تعبدون الى آخر السورة بدون لا في لا اعبد فنزلت لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى الآية فقل من يشربها وقالوا لا خير في شىء يحول بيننا وبين الصلاة وشربها قوم في غير حين الصلاة حتى كان الرجل يشربها بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر ويشرب بعد الصبح فيصحو إذا جاء وقت الظهر ثم اتخذ عتبان بن مالك ضيافة ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى سكروا منها ثم انهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الاشعار فانشد سعد قصيدة فيها هجاء الأنصار وفخر لقومه فاخذ رجل لحى البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد الى رسول الله وشكا اليه الأنصاري فقال عمر اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ فى المائدة الى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقال عمر انتهينا يا رب. وحرمت الخمر في السنة الثالثة من الهجرة بعد غزوة الأحزاب بايام قال القفال والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب انه تعالى علم ان القوم كانوا ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم به كثيرا وعلم انه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج وهذا الرفق ثم لما نزل التحريم أريقت الخمر قال ابن عمر رضى الله عنهما خرجنا بالحباب الى الطريق فمنا من كسر حبه ومنا من غسله بالماء والطين ولقد غودرت ازقة المدينة بعد ذلك حينا كلما مطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت منها ريحها وحرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش اعجب منها وما حرم الله عليهم شيأ أشد من الخمر- روى- ان جبريل ﵇ قال للنبى ﵇ ان الله تعالى شكر لجعفر الطيار رضى الله عنه اربع خصال كان عليها في الجاهلية وهو عليها في الإسلام فسأل النبي ﵊ جعفرا عن ذلك فقال يا رسول الله لولا ان الله اطلعك عليها لما أخبرتك بها ما شربت الخمر قط لانى رأيتها تزيل العقل
стр. 339
وانا الى ان أزيد فيه أحوج منى الى ان ازيله. وما عبدت صنما قط لانى رأيته لا يضر ولا ينفع. وما زنيت قط لغيرتى على أهلي. وما كذبت قط لانى رأيته دناءة قال عمرو ابن الأدهم من أكابر سادة بنى تميم ذا ما للخمر لو كان العقل يشترى ما كان شىء انفس منه فالعجب لمن يشترى الحمق بما له فيدخله في رأسه فيقئ في جيبه ويسلح في ذيله وعن على ﵁ لو وقعت قطرة في بئر فبنيت في مكانها منارة لم اوذن عليها ولو وقعت في بحر ثم جف فنبت فيه الكلأ لم ارعه وعن ابن عمر ﵄ لو ادخلت إصبعي فيها لم تتبعنى وهذا هو الايمان والتقى حقا فينبغى للمسلم ان لا يخطر بباله شرب الخمر فضلا عن شربها وينقطع عن شاربها فانه إذا خالط شارب الخمر يخاف عليه ان يصيبه من عثاره: قال الحسين الواعظ الكاشي
ترا رحمان همى گويد كه اى مؤمن مخور باده ... ترا ترسا همى گويد كه در صفرا مخور حلوا
نمى مانى زنا پاكى براى گفته رحمان ... بمانى شهد وشكر را براى گفته ترسا
وعن بعض الصحابة انه قال من زوج ابنته لشارب الخمر فكأنما ساقها الى الزنى معناه ان شارب الخمر يقع منه الطلاق وهو لا يشعر. فالذى يجب على الولي ان لا يزوج ابنته ولا أخته من فاسق ولا ممن يتعاطى المنكرات واعلم ان خل الخمر حلال ولو بعلاج كالقاء الماء الحار او الملح او الخبز ولا يكره تخليلها وفي الحديث (خير خلكم خل خمركم) هذا هو البيان في الخمر واما الميسر فهو القمار والياسر القامر وكان اصل الميسر في الجزور وذلك ان اهل الثروة من العرب كانوا يشترون جزور او يضمنون ثمنه ولا يؤدونه ليظهر بالقمار انه على من يجب فينحرونها ويجزئونها عشرة اجزاء وقيل ثمانية وعشرين ثم يسهمون عليها بعشرة قداح يقال لها الأزلام والأقلام سبعة منها لها أنصباء الفذ وله نصيب واحد والتوأم وله نصيبان والرقيب وله ثلاثة والحلس وله اربعة والنافس وله خمسة والمسبل وله ستة والمعلى وله سبعة وثلاثة منها لا أنصباء لها وهي المنيح والسفيح والوغد ثم يجعلون القداح في خريطة تسمى الربابة ويضعونها على يدى عدل عندهم يسمى المجيل والمفيض ثم يجيلها ويجلجلها اى يحركها باليد ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا قدحا فمن خرج له قدح من ذات الأنصباء أخذ النصيب المعين له ومن خرج له قدح مما لا نصيب له وهو الثلاثة لم يأخذ شيأ وغرم ثمن الجزور وكانوا يدفعون تلك الأنصباء الى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لا يدخل فيه ويسمونه البرم وهو اللئيم العديم المروءة والكرم فهذا اصل القمار الذي كانت العرب تفعله فنهى المسلمون عنه واختلف في الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين او هو اسم لجميع انواع القمار فقال بعض العلماء المراد من الآية جميع انواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما وروى أن رجلا خاطر رجلا على ان يأكل كذا كذا بيضة على كذا كذا من المال فقال على ﵁ هذا قمار وعن ابن سيرين كل شىء فيه خطر فهو من الميسر وعن النبي ﵇ (إياكم وهاتين الكعبتين المشئومتين فانهما من مياسر العجم) يريدان النرد والشطرنج ميسر يشير به الى انهما حرام واما السبق في الخف والحافر والنشاب فخص بدليل: قال السعدي قدس سره
كهل كشتى وهمچنان طفلى ... شيخ بودى وهمچنان شابى
стр. 340
تو ببازى نشسته در چپ وراست ... ميرسد نير چرخ پرتابى
جاى گريه است بر مصيبت پير ... كه تو كودك هنوز لعابى
والاشارة في الآية ان خمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة من العنب والتمر والزبيب والحبوب كالحنطة والشعير والذرة فكذلك خمر الباطل من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها وهذه خمور نسكر منها النفوس والعقول الانسانية وفيها اثم كبير ولهذا كل مسكر حرام وما يسكر كثيره فقليله حرام. ومنها ما يسكر القلوب والأرواح والاسرار فهو شراب الواردات في أقداح المشاهدات من ساقى تجلى الصفات فاذا دارت على النفوس وانخمدت شهواتها وسكرت القلوب بالمواجيد عن المواحيد والأرواح بالشهود عن الوجود والاسرار بلحظ الجمال عن ملاحظة الكمال فهذا شراب نافع للناس حلال فالعجب كل العجب ان قوما اسكرهم وجود الشراب وقوما اسكرهم شهود الساقي كقولهم
فاسكر القوم دور كأس ... وكان سكرى من المدير
وفي المثنوى
ما اگر قلاش اگر ديوانه ايم ... مست آن ساقى وآن پيمانه ايم «١»
مست مى هشيار گردد از دبور ... مست حق نايد بخود از نفخ صور «٢»
جرعه چون ريخت ساقئ الست ... بر سر اين شوره خاك زير دست «٣»
جوش كرد آن خاك وما زان چوششيم ... جرعه ديگر كه بس بي كوششيم
وأتم الاعراض عن كؤس الوصال في النهاية اكبر من نفع الطلب الف سنة في البداية وكما ان سكران الخمر ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات واما اثم الميسر فهو ان آثار القمار هي شعار اكثر الديار في سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش في المقال وانه كبير عند الأخيار بعيد عن خصال الأبرار واما نفعه فعدم الالتفات الى الكونين وبزل نقوش العالمين في فردانية نقش الكعبتين وإثمهما اكبر من نفعهما لان إثمهما للعوام ونفعهما للخواص والعوام اكثر من الخواص وقليل ما هم كذا في التأويلات النجمية قدست نفسه الزكية وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ هو كما يصلح سؤالا عن جنس المنفق يصلح سؤالا عن كميته وقدره فانه لما نزل قوله تعالى قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ قال عمرو بن الجموح ما أنفق فنزل قوله قُلِ الْعَفْوَ اى أنفقوا العفو وهو نقيض الجهد وهو المشقة ونقيضه اليسر والسهولة فكأنه قيل قل أنفق ما سهل وتيسر ولم يشق عليك إنفاقه فالعفو من المال ما يسهل إنفاقه والجهد من المال ما يعسر إنفاقه والقدر المنفق انما يكون إنفاقه سهلا إذا كان فاضلا عن حاجة نفسه وعياله ومن عليه مؤونته كَذلِكَ اى مثل ما بين ان العفو أصلح من الجهد والكاف في محل النصب صفة لمصدر محذوف اى تبيينا مثل هذا التبيين وافراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين باعتبار القبيل او الفريق او القوم مما هو مفرد اللفظ ومجموع المعنى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الدالة على الاحكام الشرعية لا بيانا ادنى منه وتبيين الآيات تنزيلها مبينة الفحوى واضحة المدلول لا انه تبيينها بعد ان كانت مشتبهة وملتبسة لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
стр. 341
اى لكى تتفكروا في امور الدارين فتأخذوا بما هو أصلح لكم وأسهل في الدنيا وانفع في العقبى وتنجنبوا عما يضركم في العقبى قال البغوي يبين الله لكم الآيات في امر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا وفي اقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها وهذه الآية ترغب في التصدق لكن بشرط ان يكون ذلك من فضل المال وعفوه وعن النبي ﵇ ان رجلا أتاه ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي فقال يا رسول الله خذها منى صدقة فو الله لقد أصبحت ما املك غيرها فاعرض عنه رسول الله فاتاه من الجانب الايمن فقاله مثله فاعرض عنه ثم أتاه من الجانب الأيسر فاعرض عنه فقال (هاتها) مغضبا فاخذها منه فخذفها حذفا لو أصابه لشجه او عقره ثم قال (يجيئ أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس انما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيها) وفي لفظ العفو اشارة الى ان ما يعطيه المرء ينبغى ان يعفو اثره عن قلبه عند الانفاق يعنى بطيب القلب لان اصل العفو المحو والطمس ثم الإخراج عن فاضل الأموال على قدر الكفاية طريقة الخواص. فاما خاص الخاص فطريقهم الإيثار وهو ان يؤثر غيره على نفسه وبه فاقه الى ما يخرج وان كان صاحبه الذي يؤثر به غنيا قال الله تعالى وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ان نتصدق ووافق ذلك ما لا عندى فقلت اليوم اسبق أبا بكر ﵁ فجئت بنصف مالى فتصدقت به فقال لى رسول الله (ما أبقيت لاهلك يا عمر) قلت نصف ما لى يا رسول الله ثم قال لابى بكر (ما أبقيت لاهلك) قال أبقيت لهم الله ورسوله فقلت لا اسابقك بشئ بعدها روى ان النبي ﵇ قال عند ذلك (ما بينكما ما بين كلاميكما) ومنه يعرف فضل ابى بكر على عمر لكن الفاضلية من وجه لا تنافى المفضولية من وجه آخر فان الكامل ليس يلزمه ان يكون كاملا في جميع الأمور وانما التقدم والتأخر بالنظر الى العلم بالله قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره كان ابو بكر غالب المعرفة وعمر غالب الشريعة وعثمان غالب الطريقة وعلى غالب الحقيقة وان كانوا كاملين في المراتب الأربع انتهى كلامه: قال الحسين الواعظ الكاشي
مايه توفيق كرم كردن است ... گنج يقين ترك درم كردن است
زاد ره مرگ زنان دادن است ... زندگى عشق ز جان دادن است
فسخاوة العوام اعطاى المال وسخاوة الخواص بذل الروح وهو قليل
هست جوانمرد درم صد هزار ... كار چوبا جان فتد آنست كار
وحث النبي ﵇ أصحابه على الصدقة فجعل الناس يتصدقون وكان ابو امامة الباهلي جالسا بين يديه ﵇ وهو يحرك شفتيه فقال له النبي ﵇ (ماذا تقول حيث تحرك شفتيك) قال انى ارى الناس يتصدقون وليس معى شىء اتصدى به فاقول في نفسى سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر فقال صلى الله تعالى عليه وسلم (هؤلاء الكلمات خير لك من مد ذهبا تتصدق به على المساكين)
تا زنده ايم ذكر لبش در زبان ماست ... يادش أنيس ومونس جان وروان ماست
стр. 342
- يروى- ان أول من قال سبحان الله جبريل ﵇ وذلك انه لما خلقه الله وقع نظره على العرش وعظمته فقال سبحان الله فمن قالها نال ثواب جبريل. وأول من قال الحمد لله آدم الصفي ﵊ حين نفخ فيه الروح فمن قالها نال نصيبا من فضل آدم. وأول من قال لا اله الا الله نوح النجى ﵇ حين مشاهدة الطوفان وشدة البلاء فمن قالها أخذ حظا وافرا من ثواب نوح. وأول من قال الله اكبر ابراهيم الخليل ﵇ حين شاهد فداء إسماعيل وهو الكبش فمن قالها نال فيضا من فيض ابراهيم اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين آمين يا رب العالمين وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى اى عن مخالطتهم لان السؤال عن الشيء ينصرف الى ما هو معظم المقصود منه وهو هاهنا المخالطة والكفالة وذلك بعد نزول قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً فتركوا مخالطتهم ومؤاكلتهم حتى لو كان عند رجل يتيم يجعل له بيتا على حدة وطعاما على حدة وعزلوا اموال اليتامى عن أموالهم وكان يصنع لليتيم طعام فيفضل منه شىء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد فاشتد ذلك عليهم فقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله مالكلنا منازل يسكنها اليتامى ولا كلنا نجد طعاما وشرابا نفردهما لليتيم فنزلت هذه الآية قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ اى مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولاموالهم خَيْرٌ من مجانبتهم وترك الخلطة والنظر عليهم. وإصلاح مصدر حذف فاعله تقديره وإصلاحكم لهم خير للجانبين اى جانبى المصلح والمصلح له اما الاول فلما فيه من الثواب واما الثاني فلما فيه من توفر اموال اليتامى والتزايد وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ وتعاشروهم على وجه ينفعهم فَإِخْوانُكُمْ اى فهم إخوانكم في الدين الذي هو أقوى من العلاقة النسبية ومن حق الأخ ان يخالط الأخ بالإصلاح والنفع قال ابن عباس ﵄ المخالطة ان تأكل من تمره ولبنه وقصعته وهو يأكل من تمرك ولبنك وقصعتك وهذا إذا أصاب من مال اليتيم بقدر عمله له او دونه فلا يزيد على اجر مثله وقد قال تعالى وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ وقد تكون المخالطة بخلط المال وتناول الكل منه وهو منهى شرعا قال ابو عبيد هذه الآية عندى اصل لما يفعله الرفقاء في الاسفار فانهم يتخارجون النفقات بينهم بالسوية وقد يتفاوتون في قلة المطعم وكثرته وليس كل من قل مطعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه فلما كان هذا في اموال اليتامى واسعا كان في غيرهم أوسع ولولا ذلك لخفت ان يضيق فيه الأمر على الناس وقد حملت المخالطة على المصاهرة وهو ان يكون ابنا فيزوجه ابنته او تكون بنتا فيزوجها ابنه فتتأكد الالفة ويخلطه بنفسه وبعشيرته إيناسا لوحشته وازالة لوحدته وهو مروى عن الحسن وَاللَّهُ يَعْلَمُ بمعنى المعرفة المتعدية الى واحد الْمُفْسِدَ لمال اليتيم مِنَ الْمُصْلِحِ لماله اى لا يخفى على الله من داخلهم بإفساد وإصلاح فيجازيه على حسب مداخلته فاحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح وفي تقديم المفسد مزيد تهديد ومن لتضمين العلم معنى التمييز اى يعلم من يفسد في أمورهم عند المخالطة مميزا له ممن يصلح فيها وَلَوْ شاءَ اللَّهُ اعناتكم وهو الحمل على مكروه ولا يطيقه لَأَعْنَتَكُمْ لحملكم على العنت وهو المشقة فلم يطلق لكم مداخلتهم يقال عنت فلان إذا وقع في امر يخاف منه التلف إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب يقدر على الاعنات
стр. 343
حَكِيمٌ يحكم ما تقتضيه الحكمة وتسع له
الطاقة وهو دليل على ما يفيده كلمة لو من انتفاء مقدمها واعلم ان مخالطة الأيتام من اخلاق الكرام وفي الترحم عليهم فوائد جمة قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (من وضع يده على رأس يتيم ترحما عليه كانت له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة) وفي الحديث (ثلاثة في ظل عرش الله يوم القيامة امرأة مات عنها زوجها وترك عليها يتامى صغارا فخطبت فلم تتزوج وقالت أقيم على اليتامى حتى يغنيهم الله او يموت) يعنى اليتيم (او هي ورجل له مال صنع طعاما فاطاب صنيعه واحسن نفقته فدعا اليه اليتيم والمسكين وواصل الرحم يوسع له في رزقه ويمد له في اجله ويكون تحت ظل عرشه) قال الله تعالى (يا موسى كن لليتيم كالاب الرحيم وكن للارامل كالزوج الشفيق وكن للغريب كالاخ الرفيق أكن لك كذلك) : قال الحافظ
تيمار غريبان سبب ذكر جميلست ... جانا مگر اين قاعده در شهر شما نيست
وفي الحديث (انا وكافل اليتيم) اى القائم بمصالحه سواء كان من مال نفسه أم من مال اليتيم وسواء كان اليتيم قريبا أم لا (كهاتين في الجنة) وأشار بالسبابة والوسطى يعنى ان كافل اليتيم يكون فى الجنة مع حضرة النبي ﵊ لا ان درجته تبلغ درجته: قال الشيخ سعدى قدس سره
چوبينى يتيمى سر افكنده پيش ... مده بوسه بر روى فرزند خويش
ألا تا نگريد كه عرش عظيم ... بلرزد همى چون بگريد يتيم
ويجتنب كل الاجتناب عن إخلال حق من حقوقه وأكل حبة من ماله وعن ظلمه وقهره- يحكى- ان رستم بن زال بارز مع إسفنديار فلم يقدر عليه مع زيادة قوته وكان إسفنديار يجرحه في كل حمل دون رستم وكان بدن إسفنديار كجلد السمك لا يعمل فيه شىء ثم ان رستم تشاور مع أبيه زال في ذلك فقال له أبوه انك لا تقدر عليه الا ان تعمل سهما ذا فقارين وتصيب به عينى إسفنديار ففعل ذلك فرمى فاصاب فغلب عليه بذلك فيحكى في سبب ذلك ان إسفنديار كان قد ضرب في شبيبته يتيما بغصن ففقأ به عينه وابكاه ثم ان اليتيم أخذ ذلك الغصن وغرسه فلما صار شجرا أخذ رستم غصنا من أغصانه ونحت منه سهمه الذي أصاب به عينى إسفنديار ويؤدب اليتيم الذي في حجره كتأديبه ولده فانه مسئول عنه يوم القيامة ويصلح حاله والتأديب على انواع. منها الوعيد. ومنها الضرب. ومنها حبس المنافع والعطية والبر فإن بين النفوس تفاوتا فنفس تخضع بالغلظة والشدة ولو استعملت معها الرفق والبر لافسدها ونفس بالعكس وقد جعل الله الحدود والتعزير لتأديب العباد على قدر ما يأتون من المنكر فادب الأحرار الى السلطان وادب المماليك والأولاد الى السادات والآباء وهو مأجور على التأديب ومسئول عنه قال الله تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وفي الحديث كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) وفي قوله تعالى وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ اشارة الى ان المرء ينبغى ان يتعود الاكل مع الناس فان شر الناس من أكل وحده وفي الحديث (ان من أحب الطعام الى الله ما كثرت عليه الأيدي) ذكره في العوارف وذكر في المصابيح ان اصحاب النبي ﵇ قالوا يا رسول الله انا نأكل ولا نشبع قال (لعلكم تفترقون) قالوا نعم قال (فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله
стр. 344
تعالى) ومن اللطائف ما يحكى انه قيل لجمين صاحب النوادر أتغديت عند فلان قال لا ولكن مررت ببابه وهو يتغدى فقيل كيف علمت قال رأيت غلمانه بايديهم قسى البنادق يرمون الطير في الهواء قيل لبخيل من أشجع الناس فقال من يسمع وقع اضراس الناس فلا تنشق مرارته وفي الحديث (من أضاف مؤمنا فكأنما أضاف آدم ومن أضاف اثنين فكانما أضاف آدم وحواء) كذا في الرسالة العلية لحسين الواعظ وَلا تَنْكِحُوا بفتح التاء اى لا تتزوجوا الْمُشْرِكاتِ اى الحربيات فان الكتابيات وان كانت من المشركات الا انه يجوز تزوجها عند الجمهور استدلالا بقوله تعالى في سورة المائدة وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شىء أصلا حَتَّى يُؤْمِنَّ اى يصدقن بالله وبمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم- روى- انه ﵇ بعث مرثدا الغنوي الى مكة ليخرج منها أناسا من المسلمين سرا فاتته عتاق وكان يهواها في الجاهلية فقالت ألا تخلو فقال ان الإسلام حال بيننا فقالت هل لك ان تتزوج بي فقال نعم ولكن استأمر رسول الله ﵇ فاستأمره فنزلت وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ مع ما بها من خساسة الرق وقلة الخطر خَيْرٌ بحسب الدين والدنيا مِنْ مُشْرِكَةٍ اى امرأة مشركة مع مالها من شرف الحرية ورفعة الشأن وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ تلك المشركة بجمالها ومالها ونسبها وبغير ذلك من مبادى الاعجاب وموجبات الرغبة والواو للحال ومعنى كونها للحال كونها عاطفة لمدخولها على حال محذوفة قبلها والتقدير خير من مشركة على كل حال ولو في هذه الحالة والمقصود من مثل هذا التركيب استقصاء الأحوال وفي تفسير الكواشي لو هنا بمعنى ان وكذا كل موضع وليها الفعل الماضي وكان جوابها مقدما عليها والمعنى وان كانت المشركة تعجبكم وتحبونها فان المؤمنة خير لكم وَلا تَنْكِحُوا بضم التاء من الانكاح الْمُشْرِكِينَ اى الكفار أعم من الوثني وغيره اى لا تزوجوا منهم المؤمنات سواء كن حرائر أم إماء حَتَّى يُؤْمِنُوا ويتركوا ما هم عليه من الكفر قال ابن الشيخ في حواشيه اى لا تزوجوهم الصغيرات من بناتكم ومن في حكمهن ممن هو تحت ولايتكم ولا تزوج البالغات من المؤمنات منهم أنفسهم فقوله ولا تنكحوا من قبيل تغليب الذكور على الإناث ولا خلاف فى هذا الحكم فان المشرك هنا باق على عمومه ولا يحل تزويج المؤمنة من الكافر البتة على اختلاف انواع الكفر وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ مع ما به من ذل المملوكية خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ مع ما به من عز المالكية وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ بماله وجماله وخصاله أُولئِكَ المذكورون من المشركين والمشركات يَدْعُونَ من يقارنهم ويعاشرهم إِلَى النَّارِ اى الى ما يؤدى إليها من الكفر والفسوق فلابد من الاجتناب عن مقارنتهم ومقاربتهم وَاللَّهُ اى وأولياؤه يعنى المؤمنين حذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه تفخيما لشأنهم يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ اى الى الاعتقاد الحق والعمل الصالح الموصلين إليهما فهم الاحقاء بالمواصلة بِإِذْنِهِ متعلق بيدعو اى يدعو ملتبسا بتوفيقه الذي من جملته ارشاد المؤمنين لمقارنيهم الى الخير ونصيحتهم إياهم وَيُبَيِّنُ آياتِهِ المشتملة على الاحكام الفائقة والحكم الرائقة لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ اى لكى يتذكروا ويعملوا بما فيها فيفوزوا بما دعوا اليه من الجنة والغفران
стр. 345
وإيراد التذكر هاهنا للاشعار بانه واضع لا يحتاج الى التفكر كما في الاحكام السابقة ففى الآية نهى عن مواصلة الكفار وترغيب في مواصلة المؤمنين ولا ينبغى للمؤمن ان تعجبه المشركة بمالها وجمالها فان من المسلمات من تدفع التعجب وفي المحيط مسلم رأى نصرانية سمينة ونمنى ان يكون هو نصرانيا حتى يتزوجها يكفر وهذا من حماقته فان السمان الحسنة كثيرة في الملة الحنيفية ولكن علة الضم هي الجنسية كما قال تعالى الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانية او مشركة وميل الطباع القذرة الى الدنيا العذرة قال تعالى الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ: ونعم ما قيل
همه مرغان كند با جنس پرواز ... كبوتر با كبوتر باز با باز
ومن بلاغات الزمخشري لا ترض لمجالستك الا اهل مجانستك اى لا ترض ان يكون لك جليس من غير جنسك فان العذاب الشديد ليس الا هو قال في اسئلة الحكم واما اختلاف الأخلاق فمن تعارف الأرواح بعضها ببعض في عالم الأرواح قبل تلاقى الأشباح في عالم الشهادة فمن تعارف روحه بروح صالح صلح بتعارفه الأزلي فمن هنا اختلاف الأخلاق صلاحها وفسادها فلا بد من مناسبة اما من الجهة الجسمانية او من الجهة الروحانية فالجهة الجسمانية راجعة الى قابلية الطين والطبيعة الروحانية راجعة الى المناسبة الروحانية السابقة انتهى قال الامام السخاوي في المقاصد الحسنة عند قوله ﵇ (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) سبب ورود هذا الحديث ما روته عائشة ﵂ ان امرأة كانت بمكة تدخل على نساء قريش تضحكهن فلما هاجرن ووسع الله تعالى دخلت المدينة قالت عائشة فدخلت على فقلت لها فلانة الى من قدمت قالت إليكن قلت فأين نزلت قالت على فلانة امرأة كانت تضحك بالمدينة قالت عائشة ودخل رسول الله ﷺ فقال (فلانة المضحكة عندكم) قالت عائشة نعم قال (فعلى من نزلت) قالت على فلانة المضحكة قال (الحمد لله ان الأرواح) إلخ: قال بعضهم بينى وبينك في المحبة نسبة مستورة عن سر هذا العالم نحن اللذان تحاببت أرواحنا من قبل خلق الله طينة آدم انتهى كلام السخاوي: قال الحسين الكاشفى
جاذب هر جنس را هم جنس دان ... جنس بر جنس است عاشق جاودان
وفي المثنوى
تلخ با تلخان يقين ملحق شود ... كى دم باطل قرين حق شود
طيبات آمد بسوى طيبين ... مر خبيثين را خبيثاتست هين
واعلم انه ركر في العقول الميل الى الخير ومخالفة الشر فللعاقل ان يتذكر فان من كان بصيرا بنفسه ومتأملا في حاله ينقطع عن إخوانه الداعين الى خلاف الحق ويصيخ الى داعى الهوى وقد قال بعض كبار العجم (الله بسى باقى هوس) قال تعالى إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا والمقربون قد فروا الى الله تعالى من جميع ما في ارض الوجود ولم يلتفتوا الى شىء سوى وجهه الكريم ولم يريدوا من المولى غير المولى فكانوا احسن نية وعملا وهذا صراط مستقيم اللهم ألهمنا رشدنا واعدنا من شر نفسنا انك أنت المجيب وَيَسْئَلُونَكَ لعل حكاية الاسئلة
стр. 346
الثلاثة بالواو وحكاية ما عداها بغير عطف انهم سألوا عن هذه الحوادث في وقت واحد فكأنه قيل يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن الانفاق والسؤال عن كذا وعن كذا بخلاف ما عداها فانهم سألوها في اوقات متفرقة عَنِ الْمَحِيضِ مصدر كالمجيئ والمبيت والحيض هو اللوث الخارج من الرحم في وقت معتاد والسؤال فيه نوع إبهام الا انه تبين بالجواب ان سؤالهم كان عن مخالطة النساء في حالة الحيض قُلْ هُوَ أَذىً اى الحيض شىء مستقذر مؤذ من يقربه نفرة منه وكراهة له- روى- ان اهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحيض ولا يؤاكلوهن كدأب المجوس واليهود واستمر الناس على ذلك الى ان سأل عن ذلك أبو الدحداح فى نفر من الصحابة فقال يا رسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حضن أنقربهن أم لا فنزلت فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ المحيض هنا اسم لمكان ظهور الحيض وهو الفرج اى فاجتنبوا مجامعتهن لما روى ان المسلمين أخذوا بظاهر الاعتزال فأخرجوهن من بيوتهم فقال ناس من الاعراب يا رسول الله البرد شديد والثياب قليلة فان آثرناهن هلك سائر اهل البيت وان استأثرنا بها هلكت الحيض فقال ﷺ (انما أمرتم ان تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم يأمركم باخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم) وهو الاقتصاد بين افراط اليهود وتفريط النصارى فانهم كانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض وَلا تَقْرَبُوهُنَّ بالجماع حَتَّى يَطْهُرْنَ من الحيض او ينقطع دمهن فذهب ابو حنيفة ﵀ الى ان له ان يقربها إذا كانت أيامها عشرة بعد انقطاع الدم وان لم تغتسل وفي اقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل او يمضى عليها وقت صلاة فَإِذا تَطَهَّرْنَ اى اغتسلن فان التطهر هو الاغتسال فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ اى من المأتى الذي حلله لكم وهو القبل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ من الذنوب وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ المتنزهين عن الفواحش والاقذار كمجامعة الحائض والإتيان في غير المأتى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ اى مواضع حرث لكم شبهن بها لما بين ما يلقى في أرحامهن من النطف وبين البذور من المشابهة من حيث ان كلا منهما مادة لما يحصل منه. والفرق بين الحرث والزرع ان الحرث إلقاء البذر وتهيئة الأرض والزرع مراعاته وانباته ولهذا قال تعالى أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ فأثبت لهم الحرث ونفى عنهم الزرع فَأْتُوا حَرْثَكُمْ لما عبر عنهن بالحرث عبر عن مجامعتهن بالإتيان أَنَّى شِئْتُمْ أنى هنا بمعنى كيف اى كيف شئتم ومن أي شق وجهة أردتم بعد ان يكون المأتى واحدا وهو موضع الحرث لان الدبر ليس موضع الحرث فلم يمكن حمل قوله أنى شئتم على التخيير في الامكنة حتى يجوز إتيان النساء في أدبارهن فيكون محمولا على التخيير في الكيفيات ويدل على هذا ما روى في سبب نزول الآية من ان اليهود كانوا يزعمون ان من اتى امرأته في قبلها من دبرها يأتى ولده أحول فذكر ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فنزلت الآية ردا عليهم ببيان ان المقصود من عقد النكاح هو إتيان موضع الحراثة على أي كيفية كانت وفي الحديث (ملعون من اتى امرأته في دبرها) وهو اللواطة الصغرى والإتيان فى دبر الذكر اكبر لواطة منه قال الامام من قبل غلاما بشهوة فكأنما زنى بامه سبعين مرة ومن زنى مع امه مرة فكأنما زنى بسبعين بكرا ومن زنى مع البكر مرة فكانما زنى بسبعين الف
стр. 347
امرأة وحكم اللواطة التعزير والحبس في السجن حتى يتوب وعندهما يحد حد الزنى فيجلد ان لم يكن محصنا ويرجم ان كان محصنا وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من الأعمال الصالحة ما يكون الثواب الموعود له ذخيرة محفوظة لكم عند الله ليوم احتياجكم اليه ولا تكونوا في قربانهن على قيد قضاء الشهوة بل كونوا في قيد تقديم الطاعة مع ملاحظة الحكم المقصود من شرع النكاح وهو
فصل للولد وَاتَّقُوا اللَّهَ بالاجتناب عن معاصيه التي من جملتها ما عد من الأمور وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ
الهاء راجع الى الله تعالى فلا بد من حذف مضاف اى ملاقوا جزائه فتزودوا ما لا تفضحون به وَبَشِّرِ يا محمد الْمُؤْمِنِينَ الذين تلقوا ما خوطبوا به من الأوامر والنواهي بحسن القبول والامتثال بما يقصر عنه البيان من الكرامة والنعيم المقيم
در أمان خانه ايمان بنشين ايمن باش ... كرامان بايدت البته مرو زين مأمن
فالعلامة في ذلك ان الذي يكون إيمانه عطاء يمنعه إيمانه من الذنوب ويرغبه في الطاعات والذي هو عارية لا يمنعه من الذنوب ولا يرغبه في الطاعات اى لا يحثه على الطاعات لانه لا تدبير له في مكان هو فيه عارية اى لا يسققر الايمان في مكان هو فيه عارية وفي قوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ اشارة الى ان على المرء ان يتذكر مرجعه ومصيره ويتدارك ما ينتفع به في معاده من الأعمال الصالحة واقل المرتبة العمل للآخرة. واما أعلى المراتب وأفضل المقاصد والمطالب فالله تعالى كما قال تعالى قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ وذلك لان العمل لله تعالى لا لطلب الجنة ولا لخوف النار وفي التأويلات النجمية كما ان للنساء محيضا في الظاهر وهو سبب نقصان ايمانهن لمنعهن عن الصلاة والصوم فكذلك للرجال محيض في الباطن هو سبب نقصان ايمانهم لمنعهم عن حقيقة الصلاة وهي المناجاة وعن حقيقة الصوم وهي الإمساك عن مشتهيات النفس وكما ان المحيض هو سيلان الدم من الفرج فكذلك الهوى هو غلبات دواعى الصفات البشرية والحاجات الانسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الأذى وقد قيل قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفا فحينئذ منعت النفس عن الصلاة والصوم في الحقيقة وان كانت مشغولة بهما. وطبقات المؤمنين ثلاث العوام والخواص وخاص الخاص. اما العوام فلما كانوا اهل الغيبة عن الحقيقة أبيح لهم السكون الى اشكالهم إذا كان على وصف الاذن وقيل لهم نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ انى شئتم واما الخواص فلما كانوا بوصف الحضور يلزم عليهم المساكنة الى أمثالهم وقيل لهم قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فهم سلكوا مسالك التفريد حتى وصلوا الى كعبة التوحيد. واما خاص الخاص فهم الرجال البالغون الواصلون الى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بخلافة الحق فهم رجال الله وما دون الله نساؤهم فقيل لهم نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فهم الأنبياء وخواص الأولياء فكما ان الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها انى شاؤا وكيف شاؤا وما يشاؤن الا ان يشاء الله فقد فنيت مشيئتهم في مشيئة الله وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته فيقدمون لانفسهم لا بانفسهم بل هو المقدم لما يقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ يعنى يا خواص الأولياء المتصرفين في حرث الدنيا والآخرة اتقوا الله بالله فانكم ملاقوا الله لا يحجبكم عنه شىء وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بأنهم ملاقوا الله ايضا ان اتقوا الله بالله يعنى مرتبة خواص
стр. 348
الأولياء ميسرة للمؤمنين إذا سعوا في طلبها حق سعيها: قال الحافظ
جمال يار ندارد نقاب و پرده ولى ... غبار ره بنشان تا نظر توانى كرد
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ روى ان بشير ابن نعمان الأنصاري كان قد طلق زوجته التي هي اخت عبد الله بن رواحة وأراد ان يتزوجها بعد ذلك وكان عبد الله قد حلف على ان لا يدخل على بشير ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين أخته فاذا قيل له في ذلك قال قد حلفت بالله ان لا افعل ولا يحل لى الا ان لا احفظ يمينى وابر فيه فانزل الله تعالى هذه الآية. والعرضة فعلة بمعنى المعروض جعل اسما لما يعرض دون الشيء اى يجعل قدامه بحيث يصير حاجزا ومانعا منه من عرض العود على الإناء اى جعل العود على الإناء وستره به بحيث يكون حاجزا وحائلا بين الإناء وما يتوجه اليه والمغني لا تجعلوا ذكر الله والحلف به مانعا لما حلفتم عليه من انواع الخير كالبر والاتقاء والإصلاح فان الحلف بالله لا يمنع ذلك فيكون لفظ الايمان مجازا مرسلا عن الخيرات المحلوف عليها سمى المحلوف عليه يمينا لتعلق اليمين به واللام في لأيمانكم متعلق بقوله عرضة تعلق المفعولية لا تعلق العلية لان العرضة ما عرضته دون الشيء فاعترضه اى ما تجعله أنت قدام شىء آخر فيقع قدامه فيكون المعنى لا تجعلوا الحلف بالله شيأ عرض او وقع قدام المحلوف عليه الذي هو البر والخير ويصير مانعا من الإتيان به وان تبروا عطف بيان لايمانكم اى للامور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح وَاللَّهُ سَمِيعٌ لايمانكم عَلِيمٌ بنياتكم حتى ان تركتم الحلف تعظيما لله وإجلالا له من ان تستشهدوا باسمه الكريم في الأغراض العاجلة يعلم ما في قلوبكم ونيتكم فحافظوا على ما كلفتموه وفي المثنوى
از پى آن گفت حق خود را سميع ... تا ببندى لب ز گفتار شنيع
از پى آن گفت حق خود را بصير ... كه بود ديدويت هر دم نذير
از پى آن گفت حق خود را عليم ... تا نينديشى فسادى تو ز بيم
والآية عامة في كل من كان يحلف بالله ان لا يحسن لاحد ولا يتقى من العصيان فيعمل ما اشتهت نفسه وان لا يصلح بين الناس إذا وقع فيهم العداوة والبغضاء فكانه قال تعالى كل ذلك خير وطاعة لا يمنعها حلفكم فان حلفتم عليها فلتكفروا عن حلفكم ولتفعلوا تلك الخيرات من البر والتقوى والإصلاح بين الناس ولا تقولوا نحن حلفنا بالله فنخاف من اليمين به ان نفعله فنحنث فى يميننا فالحنث اولى من البر فيما يتعلق بالبر والتقوى والإصلاح قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير) والكفارة قبل اليمين غير جائزة وبعد الحنث واجبة اتفاقا. ولا تجوز قبل الحنث بعين اليمين عند اسحق ﵀ وفي الشرعة ولا يروج سلعته اى متاعه بالحلف لا صادقا ولا كاذبا لانه ان كان كاذبا فقد جاء باليمين الغموس وهي من الكبائر التي تزر الديار بلاقع وان كان صادقا قد جعل الله عرضة لايمانه وأساء فيه إذ الدنيا اخس من ان يقصد ترويجها بذكر الله من غير ضرورة ومن حلف بالله في كل قليل وكثير انطلق لسانه بذلك ولا يبقى اليمين في قلبه فلا يؤمن اقدامه على الايمان
стр. 349
الكاذبة فيختل ما هو الغرض الأصلي من اليمين وفي الخبر ويل للتاجر من بلى والله ولا والله وفي بستان العارفين ويكره ان يصل على النبي ﵇ في عرص السلعة فيقول صلى الله على محمد ما أجود هذا وقال ﵇ (التجار هم الفجار) قيل ولم يا رسول الله وقد أحل الله البيع فقال (لانهم يحلفون ويأثمون ويتحدثون فيكذبون) ولا يحلف على الله بشئ نحوان يقول والله ليفعلن الله كذا ولو اقسم ولى الله مثل القسم المذكور لابره الله وصدقه في يمينه كرامة له وكان ابو حفص ﵀ يمشى ذات يوم فاستقبله رستاقى مدهوش فقال له ابو حفص ما أصابك قال ضل حمارى ولا املك غيره فوقف ابو حفص وقال وعزتك لا اخطو خطوة ما لم ترد حماره فظهر الحمار في الوقت كذا في شرح المشارق لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ اللغو ما سقط من الكلام عن درجة الاعتبار يقال لغا لغوا إذا قال باطلا فِي أَيْمانِكُمْ جمع يمين وهو الحلف وسميت بها لمعنيين. أحدهما انها من اليمين التي هي اليد اليمنى وكانوا إذا تحالفوا في العهود تصافحوا بالايمان فسميت بذلك. والثاني ان اليمين هي القوة قال تعالى لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ وسميت به لان الحالف يتقوى بيمينه على حفظ ما حلف عليه من فعل او ترك والمراد باللغو في الايمان ما لا عقد معه ولا قصد وهو ان يحلف الرجل بالله على شىء يظن انه صادق فيه وليس كذلك سواء كان الذي يحلف عليه ماضيا او غيره فليس له اثم ولا كفارة هذا عند ابى حنيفة واما عند الشافعي فلغوا ليمين ما سبق اليه اللسان بلا قصد الحلف نحو لا والله وبلى والله مما يوكدون به كلامهم من غير اخطار الحلف بالبال ولو قيل لواحد منهم سمعتك تحلف في المسجد الحرام لانكر ذلك ولعله قال لا والله الف مرة. وفي الآية معنيان أحدهما لا يعاقبكم الله باللغو في ايمانكم ظنا انكم صادقون فيه وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ المؤاخذة مفاعلة من الاخذ وهي المعاقبة هاهنا بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ انطوت عليه واقترفت قلوبكم من قصد الإثم بالكذب في اليمين وهو ان يحلف الرجل على ما يعلم انه خلاف ما يقوله وهي اليمين الغموس وسميت بالغموس لانغماس صاحبها في الإثم بها. وثانيهما لا تلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه ولكن تلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من اليمين لا بكسب اللسان وحده وفي التيسير ان هذه الآية فى مؤاخذة الآخرة فاما المؤاخذة المذكورة في قوله تعالى وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فهى المؤاخذة بالكفارة لكنها في اليمين المعقودة فالآيتان في مؤاخذتين مختلفتين وَاللَّهُ غَفُورٌ حيث لم يؤاخذكم باللغو مع كونه ناشئا عن قلة المبالاة حَلِيمٌ حيث لم يعجل بالمؤاخذة وفيه إيذان بان المؤاخذة المعاقبة لا إيجاب الكفارة إذ هي التي تتعلق بها المغفرة والحلم دونه والفرق بين الحليم والصبور انه الذي لا يشمئز من الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتر به غيظ ولا يحمله على المسارعة الى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش كما قال الله تعالى وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وحظ العبد من وصف الحليم ظاهر فالحلم من محاسن خصال العباد وفي الحديث (ان الرجل المسلم ليدرك بالحلم مرتبة الصائم القائم) : قال الحسين الواعظ الكاشفى
علم با حلم حال روى بود ... علم بي حلم خاك كوى بود
стр. 350
بردبارى چوزينت خردست ... هر كرا حلم نيست زيور نيست
ثم انه قال قال العلماء إذا حلف بشئ فحنث ان كان مستقبلا فعليه كفارة وهو اليمين المنعقدة وان كان ماضيا فان كان الحالف عالما بالواقع وحلف على خلافه فاليمين كبيرة ولا كفارة عند ابى حنيفة في الكبائر وعند الشافعي تجب الكفارة فيه وهو اليمين الغموس وان كان الحالف جاهلا بالواقع ويرى انه صادق فيه وليس كذلك فلا كفارة فيه وهو يمين اللغو عند ابى حنيفة واليمين الغموس عند الشافعي ويحكم فيه بالكفارة واليمين بالله او باسم من أسمائه او بصفة من صفاته فاليمين بالله ان يقول والذين أصلي له والذي نفسى بيده واليمين بأسمائه كقوله والله والرحمن ونحوه واليمين بصفته كقوله وعزة الله وعظمته وجلال الله
وقدرته ونحوها ومن حلف بغير الله مثل ان قال والكعبة وبيت الله ونبى الله او حلف بابيه ونحوه فلا يكون يمينا ولا تجب به الكفارة إذا خالف وهي يمين مكروهة قال الشافعي وأخشى ان تكون معصية وفي الحديث (من حلف بغير الله فقد أشرك بالله) معناه من حلف بغير الله تعالى معتقدا تعظيم ذلك الغير فقد أشرك المحلوف به مع الله في التعظيم المختص به ولو لم يكن على قصد التعظيم والاعتقاد به فلا بأس به كقوله لا وابى ونحو ذلك كما جرت به العادة قال على الرازي أخاف الكفر على من قال بحياتي وبحياتك وما أشبهه ولولا ان العامة يقولونه ولا يعلمونه لقلت انه الشرك لانه لا يمين الا بالله ولا يحلف بالبراءة من الإسلام فمن فعل ذلك صادقا لن يرجع الى الإسلام سالما وان كان كاذبا خيف عليه الكفر وفي الحديث (من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال) وظاهر الحديث يدل على ان المسلم ان قال ان افعل كذا فانا يهودى ففعل يكفر وبه عمل الشافعي وقال الحنفية لا يكفر فحملوا الحديث على التهديد واما ان علقه بالماضي كقوله ان فعلت كذا فانا يهودى وقد فعل فقد اختلفت الحنفية والصحيح انه لا يكفر ان كان يعلم انه يمين وان كان عنده انه يكفر بالحلف يكفر لانه رضى بالكفر وهو محمل الحديث عند الأكثر وفي الفتاوى البزازية والفتوى على انه يمين يلزم عليه الكفارة والاشارة في الآية ان ما يجرى على الظواهر من غير قصد ونية في البواطن ليس له كثير خطر في الخير والشر ولا زيادة اثر ولو كان له اثر في الخير لما عاب على قوم يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وكذا ما يجرى على اللسان بنية القلب بلا فعل الجوارح لو كان مؤثرا في القبول لما عاب قوما بقوله كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ولو كان له اثر في البر لما وسع على قوم بقوله لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وما عفا عن قوم بقوله إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وذلك لان القلب كالارض للزراعة والجوارح كالآلات للحراثة والأعمال والأقوال كالبذر فالبذر ما لم يقع في الأرض المربية للزراعة لا ينبت وان كان في آلة من آلات الحراثة فافهم جدا واما ان كان لما يجرى على الظواهر من الخير ادنى آثار في القلب ولو كان مثقال ذرة فان الله من كمال فضله وكرمه لا يضيعه حتى يكون القليل كثيرا والصغير عظيما وان كان لما يجرى على الظواهر من الشر ادنى اثر في القلب فان الله تعالى من غاية لطفه وإحسانه لا يؤاخذ العبد به بل يحلم عنه ويتوب عليه
стр. 351
ويغفر له كما قال وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ كذا في التأويلات النجمية لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ الإيلاء الحلف وحقه ان يسعمل بعلى لكن لما ضمن هذا القسم معنى البعد عدى بمن اى للذين يبعدون من نسائهم مؤلين تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ اى انتظار هذه المدة وإضافته الى الظرف على الاتساع في الظرف بجريه مجرى المفعول به كما يقال بينهما مسيرة يوم اى مسيرة في يوم اى لهم ان ينتظروا في هذه المدة من غير مطالبة بفيئ او طلاق. والإيلاء من الزوجة ان يقول الرجل والله لا أقربك اربعة أشهر فصاعدا على التقييد بالأشهر او لا أقربك على الإطلاق ولو حلف على ان لا يطأها اقل من اربعة أشهر لا يكون مؤليا بل هو حالف إذا وطئها قبل مضى تلك المدة يجب عليه كفارة يمين على الأصح. وللايلاء حكمان حكم الحنث وحكم البر. فحكم الحنث وجوب الكفارة بالوطئ في مدة الإيلاء ان كان اليمين بالله ولزوم الجزاء من نحو الطلاق او العتاق او النذر المسمى ان كان القسم بذلك وحكم البر وقوع طلقة بائنة عند مضى مدة الإيلاء وهي اربعة أشهر ان كانت المنكوحة حرة وان كانت المنكوحة امة الغير تبين بمضى شهرين قال قتادة كان الإيلاء طلاقا لاهل الجاهلية وقال سعيد بن المسيب كان ذلك من ضرار اهل الجاهلية كان الرجل لا يحب امرأته ولا يحب ان يتزوجها غيره فيحلف ان لا يقربها ابدا فيتركها لا أيما ولا ذات بعل وكانوا في ابتداء الإسلام يفعلون ذلك ايضا فازال الله ذلك الضرر عنهن وضرب للزوج مدة يتروى فيها ويتأمل فان رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعله وان رأى المصلحة في المفارقة فارقها فَإِنْ فاؤُ اى ان رجعوا عما حلفوا عليه من ترك الجماع فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر للمولى بفيئته التي هي كتوبته اثم حنثه عند تكفيره او ما قصد بالإيلاء من ضرار المرأة وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ اصل العزم او العزيمة عقد القلب على إمضاء شىء تريد فعله اى حققوه وأكدوه بان ثبتوا في المدة على ترك القربان حتى مضت المدة فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لطلاقهم عَلِيمٌ بغرضهم فيه والاشارة في تحقيق الآيتين ان يعلم العبد ان الله لا يضيع حق أحد من عباده لا على نفسه ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها اسيرة فى يد الزوج فالله تعالى تولى الأمر بمراعاة حقها فامر الزوج بالرجوع إليها او تسريحها فاذا كان حق صحبة الاشكال محفوظا عليك حتى لو أخللت به أخذك بحكمه فحق الحق أحق بان يجب مراعاته وفي تعيين تربص اربعة أشهر في الفيء اشارة عجيبة وهي انها مدة تعلق الروح بالجنين كما قال ﵇ (ان أحدكم يجمع خلقه) اى يحرز ويقر مادة خلقه (فى بطن امه) اى في رحمها من قبيل ذكر الكل وارادة الجزء (أربعين يوما) وعن ابن مسعود ﵁ ان النطفة إذا وقعت في الرحم فاراد الله ان يخلق منها تنشر في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعرة فتمكث أربعين ليلة ثم تنزل دما في الرحم فذاك جمعها (ثم تكون علقة) وهي قطعة دم غليظ جامد (مثل ذلك) أربعين يوما (ثم تكون مضغة) وهي قطعة لحم قدر ما تمضغ (مثل ذلك ثم يرسل الله اليه الملك فينفخ فيه الروح) وهذا يدل على ان التصوير يكون في الأربعين الثالثة (ويؤمر بأربع كلمات) يعنى يؤمر الملك بكتابة اربع قضاها وهو معطوف على قوله تكون علقة لان الكتابة في الأربعين الثانية (يكتب رزقه) روى على صيغة المجهول والمعلوم (واجله) وهو يطلق على مدة الحياة كلها
стр. 352
وهو المراد هنا وعلى منتهاها ومنه قوله تعالى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ وعمله وشقى وهو من وجبت له النار او سعيد وهو من وجبت له الجنة قدم ذكر الشقي لانه اكثر الناس كذا قال القاضي المراد بكتبه هذه الأشياء إظهارها للملك والا فقضاؤه تعالى سابق على ذلك. فاذا تمهد هذا فمن وقع له من اهل القصد وقفة او فترة في أثناء السلوك من ملالة النفس او نفرة الطبع فعلى الشيخ وعلى الاصحاب ان لا يفارقوه في الحقيقة وان يتعاونوا بالهمم العلية لاستجلابه ويتربصوا اربعة أشهر الرجوع فان فاء الى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة واستغفر مما جرى منه ونفخ فيه روح الارادة مرة اخرى اقبلوا عليه وعفوا عما لديه فان هذا ربيع لا يرعاه الا المهزولون وربع لا يسكنه الا المعزولون ومنهل لا يرده الا اللاهون وباب لا يقرعه الا الماكثون بل هذا شراب لا يذوقه الا العارفون وغناء لا يطرب عليه الا العاشقون وان عزموا بعد مضى اربعة أشهر طلاق منكوحة المواصلة وأصروا على ذنب المفارقة فلهم التمسك بعروة هذا فراق بينى وبينك فان الله سميع بمقالتهم عليم بحالتهم: قال السعدي قدس سره
نه ما را در ميان عهد ووفا بود ... جفا كردى وبد عهدى نمودى
هنوزت گر سر صلحست باز آي ... كزان محبوبتر باشى كه بودى
قال أوحد المشايخ في وقته ابو عبد الله الشيرازي رأيت رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول من عرف طريقا الى الله فسلكه ثم رجع عنه عذبه الله بعذاب لم يعذب به أحدا من العالمين كذا في لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية وَالْمُطَلَّقاتُ المراد بها ذوات الأقراء من الحرائر المدخول بهن لانه لا عدة على غير المدخول بها وان عدة من لا تحيض لصغر او كبر او حمل بالأشهر ووضع الحمل وان عدة الامة قرءان او شهران واصل التطليق رفع القيد اى المخليات من حبال أزواجهن يَتَرَبَّصْنَ خبر في معنى الأمر اى ليتربصن وينتظرن بِأَنْفُسِهِنَّ الباء للتعدية اى يحملن انفسهن على التربص ويجعلنها متربصة ثَلاثَةَ قُرُوءٍ نصب على الظرفية اى مدة ثلاثة قروء فلا تتزوجن الى انقضائها. والقروء جمع قرء وهو من الاضداد في كلام العرب يقع على الطهر والحيض والمشهور انه حقيقة فيهما كالشفق اسم للحمرة والبياض جميعا. ذهب ابو حنيفة وأصحابه الى ان القروء هي الحيض لان الله تعالى جعل الاعتداد بالأشهر بدلا من الاعتداد بالقرء كما قال وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ فلما شرع ذلك عند ارتفاع الحيض دل على ان الأصل كان هو الحيض وتمسك الشافعي بقوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ على ان المراد بالقروء الاطهار لان اللام في لعدتهن للوقت ووقت العدة لا يجوز ان يكون وقت الحيض لانه تعالى امر بالطلاق والطلاق في وقت الحيض منهى عنه. وجوابه ان معناه فطلقوهن مستقلات لعدتهن وهي الحيض الثلاث فالطلاق يقع ثم تأخذ المرأة وتشرع في العدة وليس معنى الآية ان الطلاق واقع في العدة وفائدة الخلاف بين الشافعي وابى حنيفة ان مدة العدة عند الشافعي اقصر وعند ابى حنيفة أطول حتى لو طلقها فى حال الطهر يحسب بقية الطهر قرأ وان حاضت عقيبه في الحال فاذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها وعند ابى حنيفة ما لم تطهر من الحيضة الثالثة ان كان الطلاق في حال الطهر
стр. 353
او من الحيضة الرابعة ان كان الطلاق في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ اى يخفين ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ من الحبل والحيض بان تقول المرأة لست بحامل او لست بحائض وهي حائض لتبطيل حق الزوج من الولد والرجعة وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها ان تضع وربما أسقطت الحمل خوفا ان يعود ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها او كتمت حيضها استعجالا للطلاق لان الطلاق السنى انما يكون في الطهر. وفيه دليل على قبول قولهن في ذلك نفيا واثباتا إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ اى فلا يجترئن على ذلك فان قضية الايمان بالله واليوم الآخر الذي يقع فيه الجزاء والعقوبة منافية له قطعا. وفيه تهديد شديد على النساء وليس المراد ان ذلك النهى مشروط بكونها مؤمنة لان المؤمنة والكافرة في هذا الحكم سواء وَبُعُولَتُهُنَّ جمع بعل والبعلة المرأة واصل البعل السيد والمالك سمى الزوج بعلا لقيامه بامر زوجته كانه مالك لها ورب والتاء في البعولة لتأنيث الجمع فان الجمع لكونه بمعنى الجماعة في حكم المؤنث والتاء زائدة لتأكيد التأنيث ودلت تسمية الزوج بعلا بعد طلاقها الصريح على ان النكاح قائم والحل ثابت والضمير لبعض افراد المطلقات لان هن عام شامل للمطلقة بالطلاق الرجعى والبائن ولا حق لازواج المطلقات البوائن في النكاح والرجعة أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ الى النكاح والرجعة إليهن فِي ذلِكَ اى في زمان التربص فان حق الرجعة انما يثبت للزوج ما دامت فى العدة وإذا انقضى وقت العدة بطل حق الرد والرجعة. وافعل هنا بمعنى الفاعل والمعنى ان أزواجهن حقيقون بردهن إذ لا معنى للتفضيل هنا فان غير الأزواج لا حق لهم فيهن البتة ولا حق ايضا للنساء في ذلك حتى لوابت من الرجعة لم يعتد بذلك إِنْ أَرادُوا اى الأزواج بالرجعة إِصْلاحاً لما بينهم وبينهن وإحسانا إليهن ولم يريدوا مضارتهن كما كانوا يفعلونه في الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته فاذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم بعد مدة طلقها يقصد بذلك تطويل العدة عليها وليس المراد به شرطية قصد الإصلاح بصحة فان الرجعة صحيحة وان راجعها مضارا بها بل
هو الحث عليه والزجر عن قصد الضرار ثم انه تعالى لما بين ان المقصود من الرجعة إصلاح حالها لا إيصال الضرر إليها بين ان لكل واحد من الزوجين حقا على الآخر فقال وَلَهُنَّ عليهم من الحقوق مِثْلُ الَّذِي لهم عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ قوله بالمعروف متعلق بما تعلق به لهن من الاستقرار اى استقر لهن بالمعروف اى بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفهن ما ليس لهم ولا يعنف أحد الزوجين صاحبه ووجه المماثلة بين الحقين هو الوجوب واستحقاق المطالبة لا الاتحاد في جنس الحقوق مثلا إذا استحقت المرأة على الزوج المهر والنفقة والمسكن لا يستحق هو عليها ايضا جنس هذه الحقوق وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ اى زيادة في الحق وفضل فيه وفضل الرجل على المرأة في العقل والدين وما يتفرع عليهما مما لا شك فيه وفضله المناسب بهذا المقام أمران. الاول كون ما يستحق هو عليها أفضل وأزيد مما تستحق هي عليه فانه مالك لها مستحق لنفسها لا تصوم تطوعا الا باذنه ولا تخرج من بيتها الا باذنه وقادر على الطلاق فاذا طلقها فهو قادر على مراجعتها شاءت المرأة او أبت. واما المرأة
стр. 354
فلا تملك شيأ من هذه الأمور وانما حقها فيه المهر والكفاف وترك الضرار. والثاني ما أشار اليه الزجاج بقوله معناه ان المرأة تنال من الرجل من اللذات المتفرعة على النكاح مثل ما ينال الرجل منها وله الفضيلة عليها بنفقته والقيام عليها فالفضيلة على هذا فضيلة ما التزمه في حقها مما يتعلق بالرحمة والإحسان كالتزام المهر والنفقة والمسكن والذب عنها والقيام بمصالحها ومنعها عن مواقع الآفات عن ابى هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (لو كنت آمرا لاحد ان يسجد لاحد غير الله لا مرت المرأة ان تسجد لزوجها) لما عظم الله من حقه عليها قال تعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فكان قيام المرأة بخدمة الرجل آكد وجوبا لهذه الحقوق الزائدة وَاللَّهُ عَزِيزٌ يقدر على الانتقام ممن يخالف أحكامه حَكِيمٌ تنطوى شرائعه على الحكم والمصالح واعلم ان مقاصد الزوجية لا تتم الا إذا كان كل واحد من الزوجين مراعيا حق الآخر مصلحا لاحواله مثل طلب النسل وتربية الولد ومعاشرة كل واحد منهما الآخر بالمعروف وحفظ المنزل وتدبير ما فيه وسياسة ما تحت أيديهما الى غير ذلك مما يستحسن شرعا ويليق عادة وفي الحديث (جهاد المرأة حسن التبعل) يقال امرأة حسنة التبعل إذا كانت تحسن عشرة زوجها والقيام بما عليها فى بيت الزوج وفي الحديث (أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة) كما في رياض الصالحين. ومن الحقوق التزين قال ابن عباس ﵄ انى لا تزين لامرأتى كما تتزين لقوله تعالى وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ويقال ان المرأة مثل الحمامة إذا نبت لها جناح طارت كذا الرجل إذا زين امرأته بالثياب فلا تجلس بالبيت. وقال رجل ما دخل دارى شر قط فقال حكيم ومن اين دخلت امرأتك: قال السعدي قدس سره
دلارام باشد زن نيك خواه ... ولى از زن بد خدايا پناه
وقال بعضهم
عصمت زن را بمقام جمال ... جلوه حرامست مگر با حلال
- حكى- انه كان في بنى إسرائيل رجل صالح وكان له امرأة يحبها حبا شديدا فبعث الله اليه ان يسأله ثلاث حوائج فقال لامرأته حوائجى كثيرة لا أدرى ما اعمل فقالت امرأته اسأل حاجة لى وحاجتين لك قال ما تريدين قالت اسأل ربك ان يصيرنى في صورة ما كانت صورة احسن منها وأجمل فسأل ربه فاضاء البيت من حسنها وجمالها فقامت لتخرج من بيتها فقال زوجها الى اين تذهبين قالت الى بعض السلاطين انا لا أضيع حسنى وجمالى بمثلك ومنع الزوج خروجها ثم بلغ الخبر الى بعض السلاطين فجاء أعوانه وأخذوها من زوجها جبرا فقال الرجل اللهم بقي لى عندك حاجتان اجعلها قردة فمسخها الله تعالى قردة فردها الملك من عنده فجاءت الى زوجها ثم قال الرجل اللهم ردها كما كانت اولا فذهبت الحوائج كلها عبثا لا هي افلحت ولا هو والاشارة ان المطلقات لما امرن بالعدة وفاء لحق الصحبة وان كان الانقطاع من الزوج لا من الزوجة امرن ان لا يقين غير مقامه بالسرعة ويصبرون حتى يمضى مقدار من المدة الى آخر
العدة وكلها دلالات على وفاء الربوبية في رعاية العبودية فان الله تعالى من كمال كرمه يرخى زمام الفضل
стр. 355
بالاصطناع وان كان من العبد الفصل والانقطاع ويمهل العبد الى انقضاء عدة الجفاء ولا يعرض عنه سريعا لاقامة شرط الوفاء لعل العبد في مدة العدة يتنبه من نوم الغفلة وتتحرك داعيته فى ضمير قلبه من نتائج محبة ربه وان ابتلاه بمحنة الفرقة فيقرع بإصبع الندامة باب التوبة ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والاوبة فيقال من كمال الفضل والنوال يا قارع الباب دع نفسك وتعال من طلب منا فلاحا فليلزم عتبتنا مساء وصباحا الطَّلاقُ اى التطليق الرجعى المتقدم ذكره الذي قال تعالى فيه وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ مَرَّتانِ اى دفعتان وذلك لا يكون الا على سبيل التفريق فان من اعطى الى آخر درهمين لم يجز أن يقال أعطاه مرتين حتى يعطيه إياهما دفعتين فالجمع بين الطلقتين والثلاث في الإيقاع حرام عند ابى حنيفة ﵀ الا انه سنى الوقوع لا سنى الإيقاع فالطلاق الذي يثبت فيه للزوج حق المراجعة هو ان يوجد طلقتان فقط واما بعد الطلقتين بان طلق ثلاثا فلا يثبت للزوج حق الرجعة البتة ولا تحل له المرأة الا بعد زوج آخر ثم قوله الطَّلاقُ مَرَّتانِ وان كان ظاهره الخبر فان معناه الأمر لان حمله على ظاهره يؤدى الى وقوع الخلف في خبر الله تعالى لانه قد يوجد إيقاع الطلاق على وجه الجمع ولا يجوز الخلف في خبر الله فكان المراد منه الأمر كأنه قيل طلقوهن مرتين اى دفعتين فَإِمْساكٌ اى فالحكم بعد هاتين الطلقتين إمساك لهن بِمَعْرُوفٍ وهو ان يراجعها لا على قصد المضارة بل على قصد الإصلاح وحسن المعاشرة أَوْ تَسْرِيحٌ اى تخلية بِإِحْسانٍ بان يترك المراجعة حين تبين بانقضاء العدة. ومعنى الإحسان في التسريح انه إذا تركها ادى إليها حقوقها المالية ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها وجملة الحكم في هذا الباب ان الحر إذا طلق زوجته طلقة او طلقتين بعد الدخول بها يجوز له ان يراجعها من غير رضاها ما دامت في العدة وان لم يراجعها حتى تنقضى عدتها او طلقها قبل الدخول بها او خالعها فلا تحل له الا بنكاح جديد بإذنها واذن وليها فان طلقها ثلاثا فلا تحل له ما لم تنكح زوجا غيره واما العبد إذا كانت تحته امة فطلقها طلقتين فانها لا تحل له الا بعد نكاح زوج آخر والاعتبار بالمرأة في عدد الطلاق عند ابى حنيفة ﵀ فيملك العبد على زوجته الحرة ثلاث طلقات ولا يملك الحر على زوجته الامة إلا طلقتين وَلا يَحِلُّ لَكُمْ- روى- ان جميلة بنت عبد الله بن ابى بن سلول كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس فاتت رسول الله ﵇ وقالت لا انا ولا ثابت ولا يجمع رأسى ورأسه شىء والله ما اعيبه في دين ولا خلق ولكنى اكره الكفر فى الإسلام ما أطيقه بعضا انى رفعت جانب الخباء فرأيته اقبل في عدة فاذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها فنزلت فاختلعت منه بحديقة أصدقها اى سماها ثابت صداقا لها يعنى لما قالت جميلة ما قالت قال ثابت يا رسول الله مرها فلترد على الحديقة التي أعطيتها فقال ﵇ لها (ما تقولين) قالت نعم وأزيده فقال ﵇ (لا حديقته فقط) ثم قال لثابت (خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها) ففعل وكان ذلك أول خلع في الإسلام. والخطاب في لكم مع الاحكام ليطابق قوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ فانه خطاب مع الحكام والحكام وان لم يكونوا آخذين ومؤتين حقيقة الا انهم هم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم هم الذين يأخذون