← Тафсир

Тафсир · id 23612

روح البيان

إسماعيل حقي

Полный текст (5 110 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقواعد العقائد وَآتَى الْمالَ اى الصدقة من ماله عَلى حُبِّهِ حال من الضمير في آتى والضمير المجرور للمال اى آتاه كائنا على حب المال كما قال ﵇ لما سئل أي الصدقة أفضل قال (ان تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) : قال السعدي قدس سره پريشان كن امروز كنجينه جست ... كه فردا كليدش نه در دست تست كنون بر كف دست نه هر چهـ هست ... كه فردا بدندان كزى پشت دست ذَوِي الْقُرْبى مفعول أول لآتى بدلالة الحال وقدمهم لانهم أحق بالصدقة لقوله ﵇ (صدقتك على المسلمين صدقة وعلى ذى رحمك اثنتان) لانها صدقة وصلة وقال ايضا (أفضل الصدقة على ذى الرحم الكاشح) وَالْيَتامى الفقراء منهم لا الأغنياء وقدم اليتامى على سائر المصارف لان الصغير الفقير الذي لا والد له ولا كاسب أشد احتياجا من المساكين ومن ذكر بعدهم وَالْمَساكِينَ جمع مسكين والمسكين ضربان من يكف عن السؤال وهو المراد هاهنا ومن ينبسط ويسأل وهذا القسم داخل في قوله والسائلين وهو مبالغة الساكن فان المحتاج يزداد سكونه الى الناس على حسب ازدياد حاجته وَابْنَ السَّبِيلِ اى المسافر البعيد عن ماله وسمى به لملازمته له كما تقول للص القاطع ابن الطريق وللمعمر ابن الليالى ولطير الماء ابن الماء والضيف لانه جاء من السبيل فكأنه ولد منه قال ﷺ (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) وايضا (أكرموا الضيف ولو كان كافرا) وَالسَّائِلِينَ الذين الجأتهم الحاجة والضرورة الى السؤال وفي الحديث (للسائل حق ولو جاء على ظهر فرسه) : قال السعدي قدس سره نه خواهنده بر در ديكران ... بشكرانه خواهنده از در مران وَفِي تخليص الرِّقابِ بمعاونة المكاتبين جمع رقبة وهي مؤخر العنق واشتقاقها من المراقبة لانها مكان مراقبة الرقيب المشرف على القوم وإذا قيل أعتق الله رقبته يراد ان الله تعالى خلصه من مراقبة العذاب إياه. وقيل المراد بهم ارقاء يشتريهم الأغنياء لاعتاقهم. وقيل المراد بهم الأسارى فان الأغنياء يؤتون المال في تخليصهم فهذا هو البر ببذل الأموال على وفق مراد الله تعالى الى المصارف المذكورة واليهود أخلوا بذلك لانهم أكلوا اموال الناس بالباطل حيث كتموا دلائل حقية الإسلام على اتباعهم واشتروا به ثمنا قليلا وعوضا يسيرا وهو ما يعود إليهم من هدايا السفلة وَأَقامَ الصَّلاةَ المفروضة عطف على صلة من اى من آمن وآتى واقام واليهود كانوا يمنعون الناس من الصلاة والزكاة وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة على ان المراد بما مر من إيتاء المال التنفل بالصدقة قدم على الفريضة مبالغة في الحث عليه او الاول لبيان المصارف والثاني لبيان وجوب الأداء وَالْمُوفُونَ عطف على من آمن فانه في قوة ان يقال ومن أوفوا بِعَهْدِهِمْ من الأوامر والنواهي او النذور إِذا عاهَدُوا فيما بينهم وبين الله وفيما بينهم وبين الناس إذا وعدوا انجزوا وإذا حلفوا او نذروا أوفوا وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدوا وفي الحديث (من اعطى عهد الله ثم نقضه فالله لا ينظر اليه) اى انقطع نظره عنه (ومن اعطى ذمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم غدر فالنبى خصمه يوم القيامة) واليهود نقضوا العهد

стр. 282

قال الله تعالى وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ: وفي المثنوى چون درختست آدمي وبيخ عهد ... بيخ را تيمار مى بايد بجهد عهد فاسد بيخ پوسيده بود ... وز ثمار لطف ببريده بود شاخ وبرك نخل اگر چهـ سبز بود ... بإفساد بيخ سبزى نيست سود ور ندارد برك سبز وبيخ هست ... عاقبت بيرون كند صد برك دست تو مشو غره بعلمش عهد جو ... علم چون قشر است وعهدش مغز او وَالصَّابِرِينَ منصوب على المدح اى بتقدير اعنى وهو في الحقيقة والمعنى عطف على من آمن لكن غير سبكه تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته اى واعنى الذين صبروا فِي الْبَأْساءِ اى في الفقر والشدة وَالضَّرَّاءِ اى المرض والزمانة وَحِينَ الْبَأْسِ منصوب بالصابرين اى وقت الشدة والبأس شدة القتال خاصة وهو في الأصل مطلق الشدة وزيادة الحين للاشعار بوقوعه أحيانا وسرعة انقضائه واهل الكتاب أخلوا بذلك حيث كانوا في غاية الخوف والجبن والحاصل انه لما حولت القبلة وكثر خوض اهل الكتاب في نسخها صار كأنهم قالوا مدار البر والطاعة هو الاستقبال فانزل الله هذه الآية كأنه تعالى قال ما هذا الخوض الشديد في امر القبلة مع الاعراض عن كل اركان الدين فصفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب بل البر لا يحصل الا بمجموع الأمور المذكورة أُولئِكَ اى اهل هذه الصفة الَّذِينَ صَدَقُوا فى الدين واتباع الحق وتحرى البر حيث لم تغيرهم الأحوال ولم تزلزلهم الأحوال وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ عن الكفر وسائر الرذائل وتكرير الاشارة لزيادة تنويه شأنهم وتوسيط الضمير للاشارة الى انحصار التقوى فيهم والآية جامعة للكمالات الانسانية بأسرها دالة عليها صريحا او ضمنا فانها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس وقد أشير الى الاول بقوله من آمن الى والنبيين والى الثاني بقوله وآتى المال الى وفي الرقاب والى الثالث بقوله واقام الصلاة الى آخرها ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرا الى إيمانه واعتقاده وبالتقوى اعتبارا بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق واليه يشير قوله ﵇ (من عمل بهذه الآية فقد استكمل الايمان) قال شيخنا العلامه. أبقاه الله بالسلامة قيل لى في قلبى احسن اخلاق المرء في معاملته مع الحق التسليم والرضى واحسن أخلاقه فى معاملته مع الخلق العفو والسخاء انتهى كلامه وحب المال من اغلب اخلاق النفس وكذا العجلة من الأخلاق الرديئة ولذلك قيل ان الصبر أفضل من الشكر وفي الخبر (يؤتى بأشكر اهل الأرض ليجزيه الله جزاء الشاكرين ويؤتى بالصابر فيقول الله هذا أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الاجر فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين) والتحقيق ان تهذيب النفس انما يكون بالتوحيد بطريقه المخصوص كما ان اصل الايمان انما يحصل بالتوحيد والشهادة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الخطاب لائمة المؤمنين أوجب الله تعالى على الامام وعلى من يجرى مجراه ويقوم مقامه اقامة القصاص والتقدير يا ايها الائمة فرض عليكم استيفاء القصاص ان أراد ولى الدم استيفاءه ويحتمل ان يكون الخطاب متوجها على القاتل والمعنى يا ايها

стр. 283

القاتلون عمدا كتب عليكم تسليم أنفسكم عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لان القاتل ليس له ان يمتنع عن القصاص لكونه حق العبد بخلاف الزاني والشارب فان لهما الهرب من الحدود لكون ما عليهما من الحق حق الله تعالى والقصاص ان يفعل بالإنسان مثل ما فعل فهو عبارة عن التسوية والمماثلة في الأنفس والأطراف والجراحات. والقتلى جمع قتيل وفي للسبب اى بسبب قتل القتلى كما في قوله ﵇ (ان امرأة دخلت النار في هرة ربطتها) اى بسبب ربطها إياها وحسن الوقف في قوله القتلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ مبتدأ وخبر اى الحر مأخوذ ومقتول بمثله وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى سبب النزول انه كان بين حيين من احياء العرب دماء في الجاهلية وكان لاحدهما طول على الآخر اى قوة وفضل فاقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى والاثنين بالواحد فتحاكموا الى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين جاء الله بالإسلام فنزلت وأمرهم الله ان يتباروا اى يتساووا ويتعادلوا. وقوله الحر بالحر لا يفيد الحصر البتة بان لا يجرى القصاص الا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين بل يفيد شرع القصاص في القتلى بين المذكورين من غير ان يكون فيه دلالة على سائر الاقسام فان قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى جملة مستقبلة بنفسها. وقوله الحر بالحر تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر وتخصيص بعض جزئيات الجملة المستقلة بالذكر لا يمنع ثبوت الحكم لسائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن ان يكون لفائدة سوى نفى الحكم عن سائر الصور وهي ابطال ما كان عليه اهل الجاهلية من انهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل بالعبد المقتول والأنثى القاتلة بالأنثى المقتولة وليس فيه نفى جريان القصاص بين الحر والعبد والذكر والأنثى بل فيه منع عن التعدي الى غير القاتل انتهى كلامه والثوري وابو حنيفة يقتلان الحر بالعبد والمؤمن بالكافر ويستدلان بعموم قوله تعالى وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ فان شريعة من قبلنا إذا قصت علينا في القرآن من غير دلالة على نسخها فالعمل بها واجب على انها شريعة لنا وبما روى (المسلمون تتكافأ دماؤهم) وبأن التفاضل في النفس غير معتبر بدليل قتل الجماعة بالواحد وبان القصاص يعتمد المساواة في العصمة وهي بالدين او بالدار وهما سيان فيهما ومالك والشافعي لا يقتلان الحر بالعبد ولا المؤمن بالكافر كما قال الشافعي ﵀ خذوا بدمى هذا الغزال فانه رمانى بسهمى مقلتيه على عمد ولا تقتلوه اننى انا عبده وفي مذهبى لا يقتل الحر بالعبد فَمَنْ عبارة عن القاتل شرطية كانت او موصولة عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ الضميران راجعان الى من شَيْءٌ اى شىء من العفو قليل فارتفاع شىء على انه قائم مقام فاعل عفى بناء على انه في حكم المصدر اى في حكم قولك عفى عفو فان عفا وان كان لازما لا يتعدى الى المفعول به الا انه يتعدى الى المفعول المطلق فيصلح ان يقام مصدره مقام الفاعل كما في قوله تعالى فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وقولهم سير بزيد بعض السير وشىء من السير وفائدة قوله شىء الاشعار بانه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بان يعفى عن بعض الدم او عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم يجب الا الدية وعفا يتعدى الى الجاني والى

стр. 284

الذنب بعن فاذا تعدى الى الذنب بعن كما في قوله تعالى عَفَا اللَّهُ عَنْكَ عدى الى الجاني باللام يقال عفوت لفلان إذ جنى وعليه ما في الآية وعفو الجاني عبارة عن إسقاط موجب الجناية عنه وموجبها هاهنا القصاص فكأنه قيل القاتل الذي عفى له عن جناية من جهة أخيه الذي هو ولى المقتول سواء كان العفو الواقع تاما بان اصطلح القاتل مع جميع اولياء القتيل على مال او بعض العفو بان وقع الصلح بينه وبين بعض الأولياء فانه على التقديرين يجب المال ويسقط القصاص فانه قد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان هذه الآية نزلت في الصلح عن القصاص على مال وسمى الله تعالى ولى الجناية أخا للقاتل استعطافا له عليه وتنبيها على ان اخوة الإسلام قائمة بينهما وان القاتل لم يخرج من الايمان بقتله فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ خبر مبتدأ محذوف اى وإذا حصل شىء من العفو وبطل الدم بعفو البعض فالامر اتباع بالمعروف اى على ولى المقتول ان يطالب القاتل ببدل الصلح بالمعروف بترك التشديد والتضييق في طلبه وإذا أخذ الدية لا يطلب الأكثر مما وجب عليه وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ حث العفو عنه وهو القاتل على تأدية المال بالإحسان اى وعلى القاتل ان يؤدى المال الى العافي بإحسان في الأداء بترك المطل والبخس والأذى ذلِكَ اى الحكم المذكور من العفو والدية تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ اى تيسير وتوسعة لكم وَرَحْمَةٌ منه حيث لم يجزم بالعفو وأخذ الدية بل خيركم بين الثلاث القصاص والدية والعفو وذلك لان في شرع موسى ﵇ القصاص وهو العدل فقط وفي دين عيسى ﵇ العفو وهو الفضل فحسب وفي ملتنا للتشفى القصاص وللترفه الدية وللتكرم العفو فَمَنِ اعْتَدى اى تجاوز ما شرع له بَعْدَ ذلِكَ التخفيف بان قتل غير القاتل او قتل القاتل بعد العفو او أخذ الدية فقد كان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبول الدية ثم يظفر فيقتله وينبذ ماله الى أوليائه فَلَهُ باعتدائه عَذابٌ أَلِيمٌ نوع من العذاب شديد الألم اما في الدنيا فبالاقتصاص بما قتله بغير حق واما فى الآخرة فبالنار وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ اى في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة لانهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة كما قتل مهلهل بن ربيعة بأخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع فيما بينهم التشاجر والهرج والمرج وارتفاع الا من فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه أي حياة لانه إذا علم القاتل انه يقتل إذا قتل لا يقدم على القتل وإذا قتل فقتل ارتدع غيره فكان القصاص سبب حياة نفسين او اكثر وهو كلام في غاية الفصاحة والبلاغة من حيث جعل الشيء محل ضده فان ضدية شىء لآخر تستلزم ان يكون تحقق أحدهما رافعا للاخر والقصاص لاستلزامه ارتفاع الحياة ضد لها وقد جعل ظرفا لها تشبيها له بالظرف الحقيقي من حيث ان المظروف إذا حواه الظرف لا يصيبه ما يخل به ويفسده ولا هو يتفرق ويتلاشى بنفسه كذلك القصاص يحمى الحياة من الآفات فكان من هذا الوجه بمنزلة الظرف لها ولا شك فيه إذ جعل الضد حاميا لضده اعتبار لطيف في غاية الحسن والغرابة التي هي من نكات البلاغة وطرقها يا أُولِي الْأَلْبابِ اى ذى العقول الخالصة من شوب الأوهام ناداهم للتأمل في

стр. 285

حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تعملون عمل اهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به والإذعان او تتقون عن القتل مخافة القود وفيه تحذير عن القتل فان من أعظم حقوق العباد الدماء وهي أول ما يحاسب به العبد بالنسبة الى حقوق العباد كما ان الصلاة أول ما يحاسب به بالنسبة الى حقوق الله تعالى وفي الحديث (يأتى المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه ملببا قاتله بيده الاخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه هذا قتلنى فيقول الله تعالى للقاتل تعست ويذهب به الى النار) واعلم ان الذنوب على ثلاثة أوجه الاول فيما بين العبد وبين الله تعالى كالزنى واللواطة والغيبة والبهتان ما لم يبلغ الى من بهته واغتابه فاذا بلغه وجعله في حل وتاب المذنب فنرجو ان الله يغفر له وكذلك إذا زنى بامرأة ولها زوج فلم يجعله ذلك الرجل في حل لا يغفر له لان خصمه الآدمي فاذا تاب وجعله في حل فانه يغفر له ويكتفى بحل منه ولا يذكر الزنى بان قال كل حق لى عليك فقد جعلتك في حل منه ومن كل خصومة بينى وبينك وهذا صلح بالمعلوم على المجهول وذلك جائز كرامة لهذه الامة لان الأمم السالفة ما لم يذكر الذنب لا يغفر لهم والثاني ذنب فيما بينه وبين اعمال الله وهو ان يترك الصلاة والصوم والزكاة والحج فان التوبة لا تكفيه ما لم يقض الصلاة وغيرها لان شرط التوبة ان يؤدى ما ترك فاذا لم يؤد فكأنه لم يتب والثالث فيما بينه وبين عباد الله وهو ان يغصب أموالهم او يضربهم او يشتمهم او يقتلهم فان التوبة لا تكفيه الا ان يرضى عنه خصمه او يجتهد في الأعمال الصالحة حتى يوفق الله بينهما يوم القيامة فانه إذا تاب العبد وكان عليه حقوق العباد فعليه ان يردها الى أربابها وان عجز عن إيصالها وأراد الله مغفرته يقول لخصمه يوم القيامة ارفع رأسك فيرفع فيرى قصورا عالية فيقول يا رب لمن هذه فيقول الله تعالى أنت قادر عليها فان ثمنها عفوك عن أخيك فيقول قد عفوت فيقول الله تعالى خذ يد أخيك واذهبا الى الجنة والاشارة في الآية ان الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم كما كتب على نفسه الرحمة في قتلاه كما قال (من أحبني قتلته ومن قتلته فانا ديته) : وفي المثنوى كر يكى سر را ببرد از بدن ... صد هزاران سر بر آرد در زمن [١] اقتلوني يا ثقاتى لائما ... ان في قتلى حياتى دائما [٢] ان في موتى حياتى يافتى ... كم أفارق موطنى حتى متى شير دنيا جويد آشكاري وبرگ ... شير مولى جويد آزادى ومرگ چونكه اندر مرگ بيند صد وجود ... همچو پروانه بسوزاند وجود [٣] فعلى العاقل ان يقتل نفسه بالرياضات الشديدة ويحيى قلبه بالحياة الطيبة الباقية اللهم وفقنا لمداواة هذه القلوب المرضى آمين كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ اى حضر أسبابه وظهر امارته وآثاره من العلل والأمراض إذ لا اقتدار على الوصية عند حضور نفس الموت والعامل في إذا مدلول كتب لان الكتب بمعنى الإيجاب لا يحدث وقت حضور الموت بل الحادث تعلقه بالمكلف وقت حضور موته فكأنه قيل توجه عليكم إيجاب الله تعالى ومقتضى كتابه إذا حضر فعبر عن توجه الإيجاب وتعلقه بكتب للدلالة على ان هذا المعنى مكتوب في الأزل

стр. 286

إِنْ تَرَكَ خَيْراً اى مالا قليلا او كثيرا او مالا كثيرا يقال فلان ذو مال ولا يطلق ذلك لمن له مال قليل وعن عائشة ﵂ ان رجلا أراد ان يوصى قالت كم مالك قال ثلاثة آلاف قالت كم عيالك قال اربعة قالت انما قال الله ان ترك خيرا وان هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك واصل الخيران يكون لكل ما يرغب فيه مما هو نافع لانه ضد الشر قال في اخوان الصفا الخير فعل ما ينبغى في الوقت الذي ينبغى من أجل ما ينبغى الْوَصِيَّةُ نائب فاعل كتب اى فرض الإيصاء لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ممن يرث وممن لا يرث بِالْمَعْرُوفِ نصب حالا اى بالعدل لا يزيد على الثلث ولا يوصى لغنى ويدع الفقير وكان السبب في نزول هذه الآية ان اهل الجاهلية كانوا يوصون بما لهم للبعدى رياء وسمعة وطلبا للفخر والشرف ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة فصرف الله تعالى بهذه الآية في بدء الإسلام ما كان يصرف الى الأبعدين الى الوالدين والأقربين فعمل بها ما كان العمل بها صلاحا وحكمة ثم نسختها آية المواريث في سورة النساء فالآن لا يجب على أحد ان يوصى لاحد قريب ولا بعيد وإذا اوصى فله ان يوصى لكل من الأقارب والا باعد الا للوارث حَقًّا اى أحق هذه الوصية حقا عَلَى الْمُتَّقِينَ المجتنبين عن ضياع المال وحرمان القريب يعنى ان كنتم متقين بالله لا تتركوا العمل بهذا قال ابن الشيخ في حواشيه فان قيل قوله على المتقين يقتضى ان يكون هذا التكليف مختصا بالمتقين وقد دل الإجماع على ان الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين وغيرهم أجيب بان المراد بقوله حقا على المتقين انه لازم لكل من آثر التقوى وتحراها وجعلها طريقا له ومذهبا فيدخل فيه الكل فَمَنْ بَدَّلَهُ الضمير راجع الى الوصية لكونها في تأويل الإيصاء اى غير الإيصاء عن وجهه الشرعي والمشهور ان من غير إيصاء المحتضر هو الوصي او الشاهد فالوصى يغير الوصية اما في الكتابة او في قسمة الحقوق والشاهد يغيرها اما بتغيير وجه الشهادة او بكتمها ويمكن ان يكون التبديل من سائر الناس بان منعوا من وصول المال الموصى به الى مستحقه فهؤلاء كلهم داخلون تحت قوله فمن بدله بَعْدَ ما سَمِعَهُ اى بعد ما وصل اليه وتحقق لديه فَإِنَّما إِثْمُهُ اى ما اثم الإيصاء المغير او اثم التبديل الا عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ لانهم خانوا وخالفوا الشرع لا على الموصى وهو الميت فانه بريئ من الإثم إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بالإيصاء وتغييره عَلِيمٌ بثوابه وجزاء من غيره وهو يجازى كل واحد منهما بما يستحقه فَمَنْ شرطية او موصولة خافَ اى توقع وعلم فانه إذا علم خاف فهو من اطلاق اسم اللازم على الملزوم مِنْ مُوصٍ اى من الذي اوصى وهو يجوز ان يتعلق بخاف على انها لابتداء الغاية او بمحذوف على انها حال من جنفا قدمت عليه لانها في الأصل صفة له فلما تقدمت نصبت حالا جَنَفاً اى ميلا عن الحق بالخطأ في الوصية أَوْ إِثْماً اى تعمدا للجنف يعنى إذا جهل الموصى موضع الوصية او زاد على مقدار الوصية او اوصى بما لا يجوز ايصاؤه فَأَصْلَحَ الظاهر ان المراد بالمصلح هو الوصي لانه أشد تعلقا بامر الوصية الا انه لا وجه لتخصيصه بالوصى بل ينبغى ان يدخل تحته كل من يتأتى منه رفع الفساد في وصية الميت من الوالي والولي والوصي ومن يأمر بالمعروف والمفتى والقاضي والوارث بَيْنَهُمْ اى بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون فغير وصيته

стр. 287

باجرائها على طريق الشرع فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ اى لا وزر على المغير في هذا التبديل لانه تبديل باطل الى حق بخلاف الاول إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وعد للمصطح بالاثابة وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم وكون الفعل من جنس ما يؤثم لان بعض التبديل وهو التبديل الى الباطل اثم وهذا من المشاكلة الصورية لا المعنوية لان التبديل الى خير ليس من جنس الإثم لكن صورته صورة ما يؤثم واعلم ان الوصية مستحبة لحاجة الناس إليها فان الإنسان مغرور بأمله اى يرجو الحياة مدة طويلة مقصر في عمله فاذا عرض له المرض وخاف الهلاك يحتاج الى تدارك تقصيره بماله على وجه لو مات فيه يتحقق مقصده المآلى ولو انهضه البرء يصرفه الى مطلبه الحالي وفي الحديث (ان الله تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر اعماركم زيادة لكم في أعمالكم تضعونها حيث شئتم) ويوصى بفدية صلاته وصيامه لكل مكتوبة نصف صاع من الحنطة وكذا الوتر ولكل يوم من صوم رمضان ايضا نصف صاع من الحنطة وفي صوم النذر كذلك قال فى تفسير الشيخ ومن كان عليه حج او كفارة اى شىء من الواجبات فالوصية واجبة والا فهو بالخيار وعليه الفتوى ويوصى بإرضاء خصمائه وديونه- حكى- ان الامام الشافعي ﵀ لما مرض مرض موته قال مروا فلانا يغسلنى فلما مات بلغ خبر موته اليه فحضر وقال ائتوني بتذكرته فأتى بها فنظر فيها فاذا على الشافعي سبعون الف درهم دينا فكتبها على نفسه وقضاها وقال هذا غسلى إياه وإياه أراد وفي الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ قال (من لم يوص لم يؤذن له في الكلام مع الموتى) قيل يا رسول الله وهل تتكلم الموتى قال (نعم ويتزاورون) قال الامام نقلا عن بعض الائمة الاعلام الأرواح قسمان منعمة ومعذبة. فاما المعذبة فهى محبوسة مشغولة عن التزاور والتلاقي. واما المنعمة المرسلة غير المحبوسة فتتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون من اهل الدنيا فيكون كل روح مع رفيقه الذي هو على مثله عمله وهذه المعية ثابتة في دار البرزخ وفي دار الجزاء والمرء مع من أحب في هذه الدور الثلاث في كل موطن وموقف فعلى العاقل ان يختار صحبة الأخيار ويتأهب آناء الليل وأطراف النهار ولا يغتر بالمال والمنال ولا ينقطع عن الله بطول الآمال فان الدنيا فانية وكل من عليها فان فاتقوا الله كل حين وآن: قال الصائب در سر اين غافلان طول امل دانى كه چيست ... آشيان كردست مارى در كبوتر خانه والاشارة في الآية انه كُتِبَ عَلَيْكُمُ على الأغنياء الوصية بالمال وكتب على الأولياء الوصية بالحال فالاغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلث والأولياء يخرجون في مبادى أحوالهم عن الكل إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ اى يحضر قلب أحدهم مع الله ويموت بنفسه بالارادة عن الصفات الطبيعية الحيوانية كما قال ﷺ (موتوا قبل ان تموتوا) ويترك كل خير وشر كان مشربها من الدنيا والعقبى فعليه ان يوصى لِلْوالِدَيْنِ وهما الروح العلوي والبدن السفلى فان النفس توالدت وحصلت بازدواجهما وَالْأَقْرَبِينَ وهم القلب والسر وباقى المتولدات البشرية بتركه وترك كل مشرب بظهر لهم من المشارب الروحانية الباقية والمشارب الجسمانية الفانية بِالْمَعْرُوفِ اى بالاعتدال من غير إسراف يفضى الى إتلاف محترزا في الأحوال من الركون الى

стр. 288

شهوة من الشهوات وفي الأعمال مجتنبا عن الرسوم والعادات كما قال النبي ﵇ (بعثت لرفع العادات وترك الشهوات) وقال (بعثت لاتمم مكارم الأخلاق) بان يجعل المشارب مشربا واحدا والمحابيب محبوبا واحدا والمذاهب مذهبا واحدا حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ يعنى ما ذكرنا من الوصية بجملتها حق واجب على متقى الشرك الخفي ولهذا قال على المتقين وما قال على المسلمين والمؤمنين لانهم اهل الظواهر والمتقون هم اهل البواطن كما قال ﵇ (التقوى هاهنا) وأشار الى صدره واعلم ان القرآن انزل لاهل البواطن كما انزل لاهل الظواهر لقوله ﵇ (ان للقرآن ظهرا وبطنا) فظاهره الاحكام لاهل الظواهر والاحكام تحتمل النسخ كما نسخت هذه الآية في الوصية الظاهرة وباطنه الحكم والحقائق فهى لا تحتمل النسخ ابدا ولهذا قال اهل المعاني ليس شىء من القرآن منسوخا يعنى وان كان دخل النسخ في احكام ظاهره فلا يدخل في احكام باطنه فيكون ابدا معمولا بالمواعظ والاسرار والحقائق حقا على المتقين لانه مخصوص بهداية المتقين كقوله تعالى هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فحكم الوصية في حقهم غير منسوخ ابدا كذا في التأويلات النجمية قدس الله نفسه الزكية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال اصحاب اللسان يا حرف نداء وهو نداء من الحبيب للحبيب وايها تنبيه من الحبيب للحبيب وآمنوا شهادة من الحبيب للحبيب وقال الحسن إذا سمعت الله يقول يا ايها الذين آمنوا فارفع لها سمعك فانه لامر تؤمر به او لنهى تنهى عنه وقال جعفر الصادق لذة في النداء أزال بها تعب العبادة والعناء يشير الى ان المحب يبادر الى امتثال امر محبوبه حتى لوامره بإلقاء نفسه في النار كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ اى فرض عليكم صيام شهر رمضان فانه تعالى قال بعده أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وقال تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ بعد قوله شَهْرُ رَمَضانَ والصيام في الشريعة هو الإمساك نهارا مع النية من اهله عن المفطرات المعهودة التي هي معظم ما تشتهية الأنفس وهذا صوم عوام المؤمنين واما صوم الخواص فالامساك عن المنهيات واما صوم أخص الخواص فالامساك عما سوى الله تعالى كَما كُتِبَ محل كما النصب على انه صفة مصدر محذوف اى كتب كتابا كائنا مثل ما كتب وما مصدرية او على انه حال من الصيام وما موصولة اى كتب عليكم الصيام مشبها بالذي كتب عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء ﵈ والأمم من لدن آد ﵇ وفيه تأكيد للحكم وترغيب فيه وتطبيب لانفس المخاطبين فان الصوم عبادة شاقة والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله ويرغب كل أحد في إتيانه والظاهر ان التشبيه عائد الى اصل إيجاب الصوم لا الى كمية الصوم المكتوب وبيان وقته فكان الصوم على آدم ايام البيض وصوم عاشورا كان على قوم موسى والتشبيه لا يقتضى التسوية من كل وجهه كما يقال في الدعاء اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم وكما قال ﵇ (انكم سترون ربكم كالقمر ليلة البدر) فان هذا تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ المعاصي فان الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدأها كما قال ﵇ (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فانه اغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فان الصوم له وجاء) قوله الشباب جمع شاب وهو عند أصحابنا من بلغ ولم يحاوز ثلاثين كذا قاله النووي والباءة

стр. 289

النكاح والتزوج وهو المباءة في المنزل لان من تزوج امرأة بوأها منزلا والوجاء نوع من الاخصاء وهو ان يرض عروق الأنثيين ويترك الخصيتين كما هما والمعنى على التشبيه اى الصوم يقطع شهوة الجماع ويدفع شر المنى كالخصاء والأمر في الحديث للوجوب لانه محمول على حالة التوقان باشارة قوله يا معشر الشباب فانهم ذووا التوقان على الجبلة السليمة قال العلماء تسكين الشهوة يحصل بالصيام بالنهار والقيام بالليل وحذف الشهوات والتغافل عنها وترك محادثة النفس بذكرها فان قلت ان الرجل يصوم ويقوم ولا يأكل ويجد من نفسه حركة واضطرابا قلت ذلك من فرط فضل شهوة مقيمة فيه من الاول فليقطع ذلك عن نفسه بالهموم والأحزان الدائمة وذكر الموت وتقريب الاجل وقصر الأمل والمداومة على المراقبة والمحافظة على الطاعة أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ اى موقتات ومقدرات بعدد معلوم او قلائل فان القليل من المال يعد عدا والكثير يهال هيلا اى يصب صبا من غير كيل وعد فالله تعالى لم يفرض علينا صيام الدهر ولا صيام أكثره تخفيفا ورحمة وتسهيلا لامر التكليف على جميع الأمم وانتصاب أياما بمضمر دل هواى الصيام عليه اعنى صوموا اما على الظرفية او المفعولية اتساعا فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً اى مرضا يضره الصوم او يضر معه أَوْ عَلى سَفَرٍ او راكب سفر وفيه ايماء بان من سافر في أثناء اليوم لم يفطر لعدم استعلائه السفر استعلاء الراكب المركوب بل هو ملابس شيأ من السفر والرخصة انما أثبتت لمن كان على سفر وكلمة على فيها استعارة تبعية شبه تلبسه بالسفر باستعلاء الراكب واستيلائه على المركوب ينصرف فيه كيف يشاء وللدلالة على هذا المعنى عدل عن اسم الفاعل فلم يقل او مسافرا إذ ليس فيه اشارة بالاستيلاء على السفر فَعِدَّةٌ اى فعليه صوم عدة ايام المرض والسفر فعدة من العد بمعنى المعدود ومنه يقال للجماعة المعدودة من الناس عدة مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غير ايام مرضه وسفره ان أفطر متتابعا او غير متتابع والمقصود من الآية بيان ان فرض الصوم في الأيام المعدودات انما يلزم الأصحاء المعتبرين واما من كان مريضا او مسافرا فله تأخير الصوم عن هذه الأيام الى ايام اخر وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ذهب اكثر المفسرين الى ان المراد بالذين يطيقونه الأصحاء المقيمون خيرهم في ابتداء الإسلام بين أمرين بين ان يصوموا وبين ان يفطروا ويفدوا لئلا يشق عليهم لانهم كانوا لم يتعودوا الصوم ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فالمعنى اى وعلى المطيقين للصيام القادرين عليه ان أفطروا فِدْيَةٌ اى إعطاء فدية وهى طَعامُ مِسْكِينٍ وهي نصف صاع من بر او صاع من غيره والفدية في معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم عن الشيء وفي تفسير الشيخ يطيق من أطاق فلان إذا زالت طاقته والهمزة للسلب اى لا يقدرون على الصوم وهم الذين قدروا عليه في حال الشباب ثم عجزوا عنه في حال الكبر فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً اى من تبرع بخير فزاد في الفدية او تطوع تطوعا خيرا فَهُوَ اى التطوع خَيْرٌ لَهُ وذكر في الخير المتطوع ثلاثة أوجه. أحدها ان يزيد على مسكين واحد فيطعم مكان كل يوم مسكينين او اكثر. وثانيها ان يطعم المسكين الواحد اكثر من القدر الواجب. وثالثها ان يصوم مع الفدية فهو خير كله وَأَنْ تَصُومُوا فى تأويل المصدر مرفوع بالابتداء اى صومكم ايها المرضى والمسافرون

стр. 290

والذين يطيقونه خَيْرٌ لَكُمْ من الفدية إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما في الصوم من الفضيلة وبراءة الذمة والجواب محذوف ثقة بظهوره اى اخترتموه وفي الأشباه الصوم في السفر أفضل الا إذا خاف على نفسه او كان له رفقة اشتركوا معه في الزاد واختاروا الفطر انتهى وانما فضل الصوم للمسافر لان الصوم عزيمة له والتأخير رخصة والاخذ بالعزيمة أفضل واما ما روى ان النبي ﵇ (قال ليس من البر الصيام في السفر) فمحمول على ما إذا كان الصوم يضعفه حتى يخاف عليه الهلاك كذا في شرح المجمع لابن الملك والسفر المبيح للفطر مسيرة ثلاثة ايام ولياليها عند ابى حنيفة ﵀ واعلم ان الله تعالى أمرنا بصيام شهر كامل ليوافق عدد السنة فى الاجر الموعود بقوله مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها فالشهر الكامل ثلاثمائة وستة ايام شوال ستون يوما فان نقص يوم من عدد الشهر لم ينقص من الثواب روى ان رسول الله ﵇ صام ثمانية رمضانات خمسة منها كانت تسعة وعشرين يوما والباقي ثلاثين يوما وافترض الصيام بعد خمس عشرة سنة من النبوة بعد الهجرة بثلاث سنين وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بعث الله نبيه ﵇ بشهادة ان لا اله الا الله فلما صدق زاد الصلاة فلما صدق زاد الزكاة فلما صدق زاد الصيام فلما صدق زاد الحج ثم الجهاد ثم أكمل لهم الدين وأول ما فرض الصوم على الأغنياء لاجل الفقراء في زمن الملك طهمورث ثالث ملوك بنى آدم وقع القحط في زمانه فامر الأغنياء بطعام واحد بعد غروب الشمس وبامساكهم بالنهار شفقة على الفقراء وإيثارا عليهم بطعام النهار وتعبدا وتواضعا لله تعالى والصوم سبب للولوج في ملكوت السموات وواسطة الخروج عن رحم مضايق الجسمانيات المعبر عنه بالنشأة الثانية كما أشير اليه بقول عيسى ﵇ [لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين] بل مجاهدة الصوم رابطة مشاهدة اللقاء واليه يشير الحديث القدسي (الصوم لى وانا اجزى) يعنى انا جزاؤه لا حورى ولا قصورى ولهذا علق سبحانه نيل سعادة الرؤية بالجوع حيث قال في مخاطبة عيسى ﵇ (تجوع ترانى) : قال السعدي ندارند تن پروران آگهى ... كه پر معده باشد ز حكمت تهى وانما أضيف الصوم الى الله فى (الصوم لى) لانه لا رياء فيه بل سر لا يعلمه الا الله وانما يكون الله سبحانه جزاء صومه إذا امسك قلبه وسره وروحه عما سواه تعالى وهو الصوم الحقيقي عند الخواص: قال في المثنوى هر كرا دارد هوسها جان پاك ... زود بيند حضرت وايوان پاك والاشارة في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ان الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن وباطن الخطاب يشير الى ان صوم القلب والروح والسر الذين آمنوا شهود أنوار الحضور مع الله فصوم القلب صومه عن مشارب المعقولات وصوم الروح عن ملاحظة الروحانيات وصوم السر صونه عن شهود غير الله فمن امسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل ومن امسك عن الأغيار فنهاية صومه ان يشهد الحق وفي قوله ﵇ (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) عند التحقيق انها عائدة الى الحق فينبغى ان يكون صوم العبد ظاهرا وباطنا

стр. 291

لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية قوله تعالى كتب عليكم الصيام اى على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن. فصوم اللسان عن الكذب والفحش والغيبة. وصوم العين عن النظر في الغفلة والريبة. وصوم السمع عن استماع المناهي والملاهي وعلى هذا فقس الباقي. وصوم النفس عن التمني والحرص والشهوات. وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها. وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها. وصوم السر عن رؤية وجود غير الله وإثباته كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ هى اشارة الى ان اجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب كانت صائمة عن المشارب كلها فلما تعلق الروح بالقالب صارت اجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة امداد الروح بالقالب صارت اجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والحيوانية فالآن كتب عليهم الصيام وهم مركبون كما كتب على الذين من قبلكم من المفردات لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ من مشارب المركبات وتصومون فيها مع حصول استعداد الشراب ليفطروا عن مشارب يشرب بها عباد الله إذ أسقاهم ربهم شرابا طهورا فيطهركم طهورية هذا الشراب من دنس استدعاء الحظوظ الحيوانية والروحانية كما قال ولكن يريد ليطهركم فلما أفل كوكب استدعاء الحظوظ طلعت شمس استدعاء اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق انجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله (للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه) ثم اخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الاعداد في قوله أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ والاشارة فيها هو ان صومكم في ايام قلائل معدودة متناهية وثمرات صومكم في ايام غير معدودة ولا متناهية فلا يهولنكم سماع ذكره كذا في التأويلات النجمية شَهْرُ رَمَضانَ مبتدأ خبره ما بعده فيكون المقصود من ذكر هذه الجملة المنبهة على فضله ومنزلته الاشارة الى وجه تخصيصه من بين الشهور بان فرض صومه ثم أوجب صومه بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ المعهود فَلْيَصُمْهُ وسمى الشهر شهرا لشهرته ورمضان مصدر رمض إذا احترق فاضيف اليه الشهر وجعل المجموع علما ومنع من الصرف للتعريف والالف والنون وانما سمى بذلك اما لارتماض الأكباد واحتراقها من الجوع والعطش واما لارتماض الذنوب بالصيام فيه او لوقوعه ايام رمض الحر اى شدة وقوعه على الرمل وغيره قيل انهم نقلوا اسماء الشهور من اللغة القديمة فسموها بالازمنة التي وقعت هي فيها وقت التسمية فوافق هذا الشهر ايام رمض الحر فسمى به كما يسمى بربيع لموافقته الربيع وجمادى لموافقته جمود الماء او رمضان اسم من اسماء الله تعالى والشهر مضاف اليه ولذلك روى (لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان فان رمضان اسم من اسماء الله تعالى) الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ جملة الى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نزل به جبريل نجوما في ثلاث وعشرين سنة حسبما تقتضيه المشيئة الربانية وعن النبي ﵇ (نزلت صحف ابراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لاربع وعشرين) والقرآن من القرء وهو الجمع لانه مجمع علم الأولين والآخرين هُدىً لِلنَّاسِ اى انزل حال كونه هداية للناس الى سواء الصراط بما فيه من الاعجاز وغيره وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ اى وحال كونه آيات واضحات مما يهدى الى الحق ويفرق بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والاحكام فالهدى على قسمين

стр. 292

ما يكون بينا جليا وما لا يكون كذلك والاول أفضل القسمين فذكر الجنس اولا ثم اردفه بأشرف نوعيه بل بالغ فيه فكأنه قيل انه هدى بل هو بين من الهدى ولا شك انه في غاية المبالغة لانه في المرتبة الثالثة فالعطف في وبينات من باب عطف التشريف فَمَنْ الفاء للتفريع والترتيب شَهِدَ اى حضر موضع الاقامة من المصر او القرية كائنا ذلك الحاضر مِنْكُمُ الشَّهْرَ منصوب على الظرف اى في الشهر دون المفعول به لان المقيم والمسافر يشهدان الشهر فَلْيَصُمْهُ اى فليصم فيه بحذف الجار وإيصال الفعل الى المجرور اتساعا والمراد بالشاهد العاقل البالغ الصحيح لان كل واحد من الصبى والمجنون يشهد موضع الاقامة في الشهر مع انه لا يجب عليهما الصوم وهذا اى الحتم ينسخ التخيير بين الصوم والإفطار والفداء وَمَنْ كانَ مَرِيضاً وان كان مقيما حاضرا فيه أَوْ عَلى سَفَرٍ وان كان صحيحا وعلى بمعنى في وحروف الصفات يقام بعضها مقام بعض فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ اى فعليه صيام ايام اخر وأعاد تخيير المريض والمسافر وترخيصهما فى الإفطار لان الله تعالى ذكر في الآية الاولى تخيير المقيم المطيق والمسافر والمريض ونسخ فى الثانية تخيير المقيم بقوله فَلْيَصُمْهُ فلو اقتصر على هذا احتمل ان يعود النسخ الى تخيير الجميع فاعاد بعض النسخ بترخيص المسافر والمريض ليعلم انه باق على ما كان يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ حيث أباح الفطر بالسفر والمرض واليسر ما تسهل وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ اى مشقة بالصوم في المرض والسفر لغاية رأفته وسعة رحمته قال محمد بن على الترمذي قدس سره اليسر اسم الجنة لان جميع اليسر فيها والعسر اسم جهنم لان جميع العسر فيها معناه يريد الله بصومكم إدخال الجنة ولا يريد بكم إدخال النار قال شيخنا العلامة الفضلى قدس سره في الآية ان مراده تعالى بان يأمركم بالصوم يسر الدارين لا عسرهما اما اليسر فى الدنيا فالترقى الى الملكية والروحانية والوصول الى اليقظة والمعرفة واما العسر فيها فالبقاء مع البشرية والحيوانية والاتصاف بالأوصاف الطبيعية والنفسانية واما اليسر في الآخرة فهو الجنة والنعمة والقربة والوصلة والرؤية واما العسر فيها فهو الجحيم وعذابها ودركاتها انتهى كلامه وقال نجم الدين في تأويلاته يعنى يريد الله بكم اليسر الذي هو مع العسر فلا تنظر في امتثال الأمر الى العسر ولكن انظر الى اليسر الذي هو مع العسر فان العاقل إذا سقاه الطبيب شرابا مرا أمر من بلاء المرض موجبا للصحة فلا ينظر العاقل الى مرارة الشراب ولكن ينظر الى حلاوة الصحة ولا يبالى بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة انتهى: قال السعدي قدس سره وبالست دادن برنجور قند ... كه داروى تلخش بود سودمند ز علت مدار اى خردمند بيم ... چوداروى تلخت فرستد حكيم وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ اى وانما أمرناكم بمراعاة العدة بعد إيجاب صوم رمضان كما قال تعالى فَعِدَّةٌ اى فعليكم عدة ما افطرتم لتكملوا عدد ايام الشهر بقضاء ما افطرتم بسبب مرضكم

стр. 293

او سفركم وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ اى انما علمناكم كيفية القضاء وهو المدلول عليه بقوله تعالى مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مطلقا فانه يجوز ان يقضى على سبيل التوالي او التفريق لتعظموا الله حامدين عَلى ما هَداكُمْ ما مصدرية اى على هدايته إياكم الى طريق الخروج عن عهده التكليف وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ اى انما رخصنا لكم بالإفطار لكى تشكروا الله على هذه النعمة باللسان والقلب والبدن وفي الحديث (من حافظ على ثلاث فهو ولى الله حقا ومن ضيعهن فهو عدو الله حقا الصلاة والصوم والغسل من الجنابة) وفي بعض الخبر (ان الجنان يشتقن الى اربعة نفر صائمى رمضان وتالى القرآن وحافظى اللسان ومطعمى الجيران وان الله يغفر للعبد المسلم عند إفطاره ما مشت اليه رجلاه وما قبضت عليه يداه وما نظرت اليه عيناه وما سمعته أذناه وما نطق به لسانه وما حدث به قلبه) وفي الحديث (إذا كان يوم القيامة وبعث من في القبور اوحى الله الى رضوان انى أخرجت الصائمين من قبورهم جائعين عاطشين فاستقبلهم بشهواتهم من الجنان فيصيح ويقول أيها الغلمان والولدان عليكم باطباق من نور فيجتمع اكثر من عدد الرمل وقطرات الأمطار وكواكب السماء وأوراق الأشجار بالفاكهة الكثيرة والاشربة اللذيذة والاطعمة الشهية فيطعم من لقى منهم ويقول كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) وعن النبي ﵇ (انه قال رأيت ليلة المعراج عند سدرة المنتهى ملكا لم ار مثله طولا وعرضا طوله مسيرة الف الف سنة وله سبعون ألف رأس في كل رأس سبعون الف وجه في كل وجه سبعون الف لسان وعلى كل رأس الف ذؤابة من نور وعلى كل ذؤبة الف الف لؤلؤة معلقة بقدرة الله تعالى وفي جوف كل لؤلؤة بحر من نور وفي ذلك البحر حيتان طول كل حوت مقدار مائتى عام مكتوب على ظهرهن لا اله الا الله محمد رسول الله وذلك الملك واضع احدى يديه على رأسه والاخرى على ظهره وهو في حظيرة القدس فاذا سبح اهتز العرش بحسن صوته فسألت عنه جبريل فقال هذا ملك خلقه الله تعالى قبل آدم بألفي عام فقلت اين كان هذا الى هذه الغاية فقال ان الله مرجا في الجنة عن يمين العرش فكان هو فيه فامره الله في ذلك المكان ان يسبح لك ولا متك بسبب صوم شهر رمضان فرأيت صندوقين بين يديه على كل صندوق الف قفل من نور وسألت جبريل عن الصندوقين فقال سل منه فسألته فقال ان فيهما براءة الصائمين من أمتك من عذاب النار طوبى لك ولامتك) اعلم انه لا بد من النية في الأعمال خصوصا في الصوم وهي ان يعلم بقلبه انه يصوم ولا يخلو مثلا عن هذا في ليالى شهر رمضان والإمساك قد يكون للعادة او لعدم الاشتهاء او للمرض او للرياضة او يكون للعبادة فلا يتعين له الا بالنية وهي شرط لكل يوم لان صوم كل يوم عبادة على حدة ألا يرى انه لو أفسد صوم يوم لا يمنع صحة الباقي بخلاف التراويح فانه لا يلزم النية في كل شفع لان الكل بمنزلة صلاة واحدة وهو الأصح وتجوز النية الى نصف النهار دفعا للحرج وما يروى من الأحاديث في نفى الصوم الا بالتثبيت فمحمولة على نفى الفضيلة بخلاف القضاء والكفارات والنذر المطلق لان الزمان غير متعين لها فوجب التثبيت نفيا للمزاحمة ويعتبر نصف النهار من طلوع الفجر الثاني فيكون الى الضحوة الكبرى فينوى قبلها ليكون الأكثر منويا فيكون له حكم الكل حتى لو نوى بعد

стр. 294

ذلك لا يجوز لخلو الأكثر عن النية تغليبا للاكثر والاحتياط في النية في التراويح ان ينوى التراويح او ينوى قيام الليل او ينوى سنة الوقت او قيام رمضان والتراويح سنة مؤكدة واظب عليها الخلفاء الراشدون قال ﵇ (ان الله فرض عليكم الصيام وسننت قيامه) واما قول عمر رضى الله عنه نعمت البدعة هذه يعنى قيام رمضان فمعناه ان النبي ﷺ وان كان قد صلاها الا انه تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس إليها فمحافظة عمر عليها وجمع الناس إليها وندبهم بدعة لكنها بدعة محمودة ممدوحة كذا في تفسير القرطبي عند قوله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فى الجزء الاول وكان النبي ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان ويقول (قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين وفيه ليلة خير من الف شهر من حرم خيرها فقد حرم) قال بعض العلماء هذا الحديث اصل في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان قال السخاوي في المقاصد الحسنة التهنئة بالشهور والأعياد مما اعتاده الناس وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما رفعه (من لقى أخاه عنده الانصراف من الجمعة فليقل تقبل الله منا ومنك) ويروى في جملة حقوق الجار من المرفوع (ان أصابه خير هنأه او مصيبة عزاه او مرض عاده) ومن آداب الصيام حفظ الجوارح الظاهرة وحراسة الخواطر الباطنة ولن يتم التقرب الى الله تعالى الا بترك ما حرم الله قال ابو سليمان الداراني قدس سره لأن أصوم النهار وأفطر الليل على لقمة حلال أحب الى من قيام الليل والنهار وحرام على شمس التوحيد ان تحل قلب عبد في جوفه لقمة حرام ولا سيما في وقت الصيام فليجتنب الصائم أكل الحرام فانه سم مهلك للدين والسنة تعجيل الفطور وتأخير السحور فان صوم الليل بدعة فاذا اخر الإفطار فكأنه وجد صائما في الليل فصار مرتكبا للبدعة كذا في شرح عيون المذاهب ولنا ثلاثة أعياد عيد الإفطار وهو عيد الطبيعة. والثاني عيد الموت حين القبض بالايمان الكامل وهو عيد كبير. والثالث عيد التجلي في الآخرة وهو اكبر الأعياد وروى الترمذي وصححه عن زيد بن خالد (من فطر صائما كان له مثل اجره من غير ان ينقص من اجر الصائم شىء) وكان حماد بن سلمة الامام الحافظ يفطر في كل ليلة من شهر رمضان خمسين إنسانا وإذا كانت ليلة الفطر كساهم ثوبا ثوبا وكان يعد من الابدال واخرج السيوطي في الجامع الصغير والسخاوي في المقاصد عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما انه قال ﵇ (خيار أمتي في كل قرن خمسمائة والابدال أربعون فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا آخر) قالوا يا رسول الله دلنا على أعمالهم قال ﵇ (يعفون عمن ظلمهم ويحسنون الى من اساءهم ويتواسون فيما أتاهم الله) وفي الحديث (من أشبع جائعا او كسا عاريا او آوى مسافرا أعاذه الله من اهوال يوم القيامة) وكان عبد الله بن المبارك ينفق على الفقراء وطلبة العلم في كل سنة مائة الف درهم ويقول للفضيل بن عياض لولاك وأصحابك ما اتجرت وكان يقول للفضيل وأصحابه لا تشتغلوا بطلب الدنيا اشتغلوا بالعلم وانا أكفيكم المئونة وكان يحيى البرمكي يجرى على سفيان الثوري كل شهر الف درهم وكان سفيان يدعو له في سجوده ويقول اللهم ان يحيى كفانى امر الدنيا

стр. 295

فاكفه امر آخرته فلما مات يحيى رآه بعض أصحابه في النوم فقال ما صنع الله بك قال غفر لى بدعاء سفيان: قال الصائب تيره روزان جهانرا بچراغى درياب ... تا پس از مرگ ترا شمع مزارى باشد جعلنا الله وإياكم من العالمين بمقتضى كتابه ومدلول خطابه وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي وجه اتصال هذه الآية بما قبلها ان الله تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكثير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على انه تعالى خبير بأحوالهم مطلع على ذكرهم وشكرهم سميع بأقوالهم مجيب لدعائهم مجازيهم على أعمالهم تأكيدا له وحثا عليه وسبب النزول ما روى ان أعرابيا قال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فقال تعالى ايماء الى سرعة اجابة الدعاء منهم إذا سألك عبادى عنى فَإِنِّي قَرِيبٌ اى فقل لهم انى قريب بالعلم والإحاطة فهو تمثيل لكمال علمه بافعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم فيكون لفظ قريب استعارة تبعية تمثيلية وانما لم يحمل على القرب الحقيقي وهو القرب المكاني لانه ممتنع في حقه تعالى لانه لو كان في مكان لما كان قريبا من الكل فان من كان قريبا من حملة العرش يكون بعيدا من اهل الأرض ومن كان قريبا من اهل المشرق يكون بعيدا من اهل المغرب وبالعكس قال ابو موسى الأشعري لما توجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الى خيبر اشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير لا اله الا الله والله اكبر فقال ﷺ (اربعوا على أنفسكم انكم لا تدعون أصم ولا غائبا انكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم) وهذا باعتبار المشارب والمقامات واللائق بحال اهل الغفلات الجهر لقلع الخواطر كما ان المناسب لاهل الحضور الخفاء: قال السعدي دوست نزديكتر از من بمنست ... وين عجبتر كه من از وى دورم أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ تقرير للقرب المجازى المراد في هذا المقام وهو الحالة الشبيهة بالقرب المكاني وقد تقرر ان اثبات ما يلائم المستعار منه للمستعار له يرشح الاستعارة ويقررها وايضا وعد للداعى بالاجابة فان قلت انا نرى الداعي يبالغ في الدعوات والتضرع فلا يجاب قلت ان هذه الآية مطلقة والمطلق محمول على المقيد وهو قوله تعالى بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ فالمعنى أجيب دعوة الداع إذا دعانى ان شئت او إذا وافق القضاء او إذا لم يسأل محالا او كانت الاجابة خيرا له والاجابة إعطاء ما سئل والله تعالى يقابل مسألة السائل بالاسعاف ودعاء الداعي بالاجابة وضرورة المضطرين بالكفاية فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي اى فليجيبوا إذا دعوتهم للايمان والطاعة كما أجيبهم إذا دعونى لمهماتهم واستجابه واستجاب له واجابه واحد قطع مسألته بتبليغة مراده وأصله من الجوب والقطع وَلْيُؤْمِنُوا بِي امر بالثبات على ما هم عليه قال ابن الشيخ الاستجابة عبارة عن الانقياد والاستسلام والايمان عبارة عن صفة القلب وتقديمها على الايمان يدل على ان العبد لا يصل الى نور الايمان وقوته الا بتقديم الطاعات والعبادات، ومعنى الفاء فيه انه تعالى قال انا أجيب دعاءك مع انى غنى عنك مطلقا فكن أنت ايضا مجيبا لدعائى مع انك محتاج الى من كل الوجوه فما أعظم

стр. 296

هذا الكرم لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ راجين إصابة الرشد وهو الاهتداء لمصالح الدين والدنيا ومعنى الآية انهم إذا استجابوا وآمنوا اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم لان الرشيد من كان كذلك اعلم ان عدم الدعاء بكشف الضر مذموم عند اهل الشريعة والطريقة لانه كالمقاومة مع الله ودعوى؟؟ لمشاقه: وفي المثنوى تا فرود آيد بلا بي دافعى ... چون نباشد از تضرع شافعى فالتسبب واجب للعوام والمبتدئين في السلوك والتوكل أفضل للمتوسطين. واما الكاملون فليس يمكن حصر أحوالهم فالتوكل والتسبب عندهم سيان- روى- ان ابراهيم الخليل ﵇ لما القى في النار لقيه جبريل في الهواء فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا فقال فاسأل الله الخلاص فقال ﵇ حسبى من سؤالى علمه بحالي وهذا مقام اهل الحقيقة من المكملين الفانين عن الوجود وما يتعلق به والباقين بالرب في كل حال فأين أنت من هذا فاسأل الله عفوه ومغفرته وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يكلم الناس بقدر مراتبهم ولذا قال لاعرابى أرسل إبلا له توكلا عليه تعالى (اعقلها وتوكل على الله) امر بعقل الدابة لانه أراد بالتوكل التحرز عن الفوات وحث بعضهم على التوكل كتوكل الطير وذلك إذا لم يسكن الى سابق القضاء ثم اجابة الدعاء وعد صدق من الله لا خلف فيه ومن دعا بحاجة فلم تقض للحال فذلك لوجوه. منها ان الاجابة حاصلة لا محالة فان اجابة الدعوة غير قضاء الحاجة وقضاء الحاجة غير اجابة الدعوة فان اجابة الدعوة هو ان يقول العبد يا رب فيقول الله تعالى له لبيك عبدى وهذا موعود موجود لكل متوجه راشد وقضاء الحاجة إعطاء المراد وإيصال المرتاد وذلك قد يكون للحال وقد يكون بعد مدة وقد يكون في الآخرة وقد يكون الخيرة له في غيره. ومنها ان الاجابة ليست بجهة واحدة بل لها جهات وفي الحديث (دعوة المسلم لا ترد الا لاحدى ثلاث اما ان يدعو بإثم او قطعية رحم واما ان يدخر له في الآخر واما ان يصرف السوء عنه بقدر ما دعا) . ومنها ان الاجابة مقيدة بالمشيئة كما سبق. ومنها انه شرط لهذه الاجابة اجابة العبد إياه فيما دعاه اليه لقوله تعالى فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي. ومنها ان للدعاء شرائط وآدابا وهي اسباب الاجابة فمن استكملها كان من اهل الاجابة ومن اخل بها كان من اهل الاعتداء فلا يستحق الجواب والأسباب منها ما يتعلق باهل العموم ويطول ذكرها ان استوفيت هاهنا. ومنها ما يتعلق بالخصوص وهي التزكية فالاجابة موقوفة على تزكية الداعي فعليه ان يزكى البدن او لا فيصلحه بلقمة الحلال وقد قيل الدعاء مفتاح باب السماء وأسنانه لقمة الحلال وقال ﵇ (الرجل يطيل السفر يمد يده الى السماء اشعث اغبر يقول يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك) - حكى- انه كان بالكوفة أناس يستجاب دعاؤهم كلما دخل عليهم وال كانوا يدعون عليه فيهلك فدبر الحجاج الحيلة عليهم حين ولى عمل الكوفة من ابن مروان فدعاهم الى مأدبته فلما أكلوا قال امنت من دعائهم ان يستجاب حيث دخل في بطونهم طعام حرام ويزكى الداعي نفسه ويطهرها من الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمة لانها قاطعات لطريق الدعاء ويزكى قلبه عن رين التعلقات الانسانية من النفساني والروحاني ويصفيه بالاذكار وينوره بنور الأخلاق فان هذه اسباب

стр. 297

القربة بها يرفع الدعاء الى الله كما قال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ويزكى الروح عن دنس الالتفات لغير الله ليتعرض لنفخات الطافه ويزكى السر عن وصمة الشرك بان يوجهه الى الحق في الدعاء لطلب الحق لا لطلب غير الحق من الحق ليستجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه كما قال (ألا من طلبنى وجدنى ومن طلب غيرى لم يجدنى) وان الله وعد الاجابة على طلبه بالدعاء فقال أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ اى إذا طلبنى: قال السعدي خلاف طريقت بود كاوليا ... تمنا كنند از خدا جز خدا فمن اخل ببعض هذه الشرائط لم يلزمه الاجابة كمن اخل بركن من اركان الصلاة لم يلزمه القبول الا ان الجبار يجبر كل خلل وكسر يكون في اعمال العباد بفضله وكرمه وفي الحقيقة ان افضاله مع العباد مقدم على أعمالهم وانه يعطى قبل السؤال ويحقق مراد العبد بعد سؤاله بجميع النوال والدعاء على قسمين داع بالدعاء وقارئ للدعاء فللداعى يفتح أبواب السموات حتى يبلغ دعاؤه العرش وقارئ الدعاء لا يبلغ الا الاذن قال الفنارى في تفسير الفاتحة ثم لصحة التصور وجودة الاستحضار اثر عظيم في الاجابة اعتبره النبي ﵊ وحرض عليه عليا رضي الله تعالى عنه لما علمه الدعاء وفيه اللهم اهدني وسددنى فقال له اذكر بهدايتك هداية الطريق وبالسداد سداد السهم فامره باستحضار هذين الامرين وقت الدعاء فهذا هو سر اجابة دعاء الرسل والكمل والأمثل فالامثل واستقامة التوجه حال الطلب والنداء عند الدعاء شرط قوى فى الاجابة فمن تصوره تصورا صحيحا من رؤية وعلم سابقين او حاضرين حال الدعاء ثم دعاه سيما بعد امره له بالدعاء والتزامه الاجابة فانه يجيبه لا محالة اما من زعم انه يقصد مناداة زيد وهو يستحضر غيره ثم لم يجد الاجابة فلا يلومن الا نفسه إذ لم يناد القادر على الاجابة وانما توجه الى ما انشأه من صفات تصوراته بالحالة الغالبة عليه إذ ذاك لكن سؤاله قد يثمر بشفاعة حسن ظنه بربه وشفاعة المعية الإلهية وحيطته فالمتوجه بالخطأ مصيب من وجه كالمجتهد المخطئ مأجور غير محروم بالكلية انتهى كلام الفنارى وفي رسالة القشيري في الخبر المروي (ان العبد يدعو الله سبحانه وهو يحبه فيقول يا جبريل اخر حاجة عبدى فانى أحب ان اسمع صوته وان العبد ليدعوه وهو يبغضه فيقول يا جبريل اقض حاجة عبدى فانى اكره ان اسمع صوته) - حكى- انه وقع ببغداد قحط فامر الخليفة المسلمين بالخروج للاستسقاء فخرجوا واستسقوا فلم يسقوا فامر اليهود فخرجوا وسقوا فتحيرا الخليفة ودعا علماء المسلمين وسألهم فلم يفرجوا عنه فجاء سهل ابن عبد الله وقال يا امير المؤمنين انا معاشر المسلمين أحبنا الله لدين الإسلام وهدانا ويحب دعاءنا وتضرعنا فلهذا لم يعجل اجابتنا وهؤلاء ابغضهم ولعنهم فلهذا عجل اجابتهم وصرفهم عن بابه قال ﵇ (قوام الدنيا باربعة أشياء بعلم العلماء وعدل الأمراء وسخاوة الأغنياء ودعوة الفقراء) وينبغى ان يسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى العظام والادعية المأثورة عن السلف الكرام وينبغى ان يتوسل الى الله تعالى بالأنبياء والأولياء الصالحين وللدعاء أماكن يظن فيها الاجابة مثلا عند رؤية الكعبة والمساجد الثلاثة وبين الجلالتين من سورة الانعام وفي الطواف وعند الملتزم وفي البيت وعند زمزم وعند شرب مائه وعلى الصفا والمروة

стр. 298

وفي السعى وخلف المقام وفي عرفات والمزدلفة ومنى وعند الجمرات الثلاث وعند قبور الأنبياء ﵈ وقيل لا يصح قبر نبى بعينه سوى قبر نبينا ﵊ وقبر ابراهيم ﵇ داخل السور من غير تعيين وجرب استجابة الدعاء عند قبور الصالحين بشروط معروفة عند أهلها اللهم أفض علينا من بركات الصالحين أُحِلَّ لَكُمْ تقديم الظرف على القائم مقام الفاعل للتشويق فان ما حقه التقديم إذا اخر تبقى النفس مترقبة اليه فيتمكن عندها وقت وروده فضل تمكن اى أبيح لكم لَيْلَةَ الصِّيامِ اى في ليلة يوم الصوم وهي الليلة التي يصبح الرجل في غداتها صائما الرَّفَثُ اصل الرفث قول الفحش والتكلم بالقبح ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معانى الإفضاء ثم جعل كناية عن الجماع لان الجماع لا يخلو عن شىء من التصريح بما يجب ان يكنى عنه من الألفاظ الفاحشة وعن ابن عباس ﵄ الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة كالغمز والتقبيل إِلى نِسائِكُمْ عدى الرفث بالى وان كان المشهور تعديته بالباء تقول رفثت بالمرأة لتضمنه معنى الإفضاء قال تعالى وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ أراد به الجماع وكان الرجل في ابتداء الإسلام إذا امسى فى رمضان حل له الاكل والشرب والجماع الى ان يصلى العشاء الاخيرة او يرقد فاذا صلاها او رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء الى القابلة ثم ان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه واقع اهله بعد صلاة العشاء الاخيرة فلما اغتسل أخذ يبكى ويلوم نفسه فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال يا رسول الله انى اعتذر الى الله وإليك من نفسى هذه الخاطئة انى رجعت الى أهلي بعد العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لى نفسى فجامعت أهلي فقال ﵇ (ما كنت جديرا بذلك يا عمر) فقام رجال فاعترفوا بمثله فنزلت الآية وصارت زلته سببا للرحمة في جميع الامة هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ استئناف مبين لسبب الاحلال وهو صعوبة الصبر عنهن مع شدة المخالطة وكثرة الملابسة بهن وجعل كل من الرجل والمرأة لباسا للآخر لتجردهما عند النوم واعتناقهما واشتمال كل منهما على الآخر أو لأن كلا منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور وعما لا يحل كما جاء في الحديث (من تزوج فقد احرز ثلثى دينه) او المعنى هن سكن لكم وأنتم سكن لهن كما قال تعالى وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها ولا يسكن شىء الى شىء كسكون أحد الزوجين الى الآخر عَلِمَ اللَّهُ فى الأزل أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ تخونونها وتظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب بمباشرة النساء في ليالى الصوم والخيانة ضد الامانة وقد ائتمن الله العباد على ما أمرهم به ونهاهم عنه فاذا عصوه في السر فقد خانوه وقد قال الله تعالى لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ: قال الصائب ترا بگوهر دل كرده اند امانت دار ... ز دزد امانت حق را نگاه دار مخسب فَتابَ عَلَيْكُمْ عطف على علم اى قبل توبتكم وتجاوز عنكم لما تبتم مما اقترفتموه وَعَفا عَنْكُمْ اى محا اثره عنكم فَالْآنَ اى لما نسخ التحريم ظرف لقوله بَاشِرُوهُنَّ أصله فعل بمعنى حان ثم جعل اسما للزمان الحاضر وعرف بالألف واللام وبقي على الفتحة والمباشرة الزاق البشرة بالبشرة كنى بها عن الجماع الذي يستلزمها وجميع

стр. 299

ما يتبعه يدخل فيه وفيه دليل على جواز نسخ السنة بالكتاب ان كانت حرمة الاكل والشرب والجماع ثابتة بالسنة واما إذا كان ثبوت حرمتها بشريعة من قبلنا فلا على ما ذهب اليه بعضهم وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ اى واطلبوا ما قدره الله تعالى وأثبته في اللوح المحفوظ من الولد وفيه ان المباشر ينبغى ان يكون غرضه الولد والتناسل فانه الحكمة في خلق الشهوة وشرع النكاح لاقضاء الشهوة وحدها وفي الحديث (تناكحوا تناسلوا تكثروا فانى أباهي بكم الأمم يوم القيامة) وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ليالى الصوم عطف على قوله باشروهن حَتَّى يَتَبَيَّنَ يظهر لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ هو أول ما يبدو من بياض النهار كالخيط الممدود دقيقا ثم ينتشر مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ هو ما يمتد من سواد الليل مع بياض النهار فان الصبح الصادق إذا بدا يبدو كأنه خيط ممدود في عرض الأفق ولا شك انه يبقى معه بقية من ظلمة الليل بحيث يكون طرفها الملاصق لما يبدو من الفجر كأنه خيط اسود في جنب خيط ابيض لان نور الصبح انما ينشق في خلال ظلمة الليل فشبها بخيطين ابيض واسود مِنَ الْفَجْرِ اى انشقاق عمود الصبح بيان للخيط الأبيض واكتفى ببيانه عن بيان الأسود لدلالته عليه والتقدير حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل. قوله حتى يتبين غاية للامور الثلاثة اى المباشرة والاكل والشرب ففى تجويز المباشرة الى الصبح دلالة على جواز تأخير الغسل اليه وصحة صوم من أصبح جنبا لان المباشرة إذا كانت مباحة الى انفجار الصبح لم يمكنه الاغتسال الا بعد الصبح بالضرورة والا لكانت المباشرة قبل آخر الليل بقدر ما يسع الاغتسال حراما وهو مخالف لكلمة حتى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ اى اديموا الإمساك عن المباشرة والاكل والشرب في جميع اجزاء النهار إِلى غاية اللَّيْلِ وهو دخول الليل وذاك بغروب الشمس والإتمام أداؤه على التمام وفي الحديث (إذا اقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم) اى دخل وقت الإفطار وانما ذكر الإقبال والأدبار وان لم يكونا الا بغروب الشمس لبيان كمال الغروب كيلا يظن أحد انه إذا غاب بعض الشمس جاز الإفطار او لانه قد يكون في واد بحيث لا يشاهد غروب الشمس فيحتاج الى ان يعمل بهما قالوا فيه دلالة على جواز النية بالنهار في صوم رمضان وعلى نفى صوم الوصال اما الاول فلان الله تعالى لما أباح المباشرة والاكل والشرب الى الفجر تبين ان ابتداء الصوم يكون بعد الفجر فيكون قوله أتموا ثم ابتدئوا بالصوم واتموه الى الليل فيكون هو امرا بالصوم بعد الفجر والصوم ليس مجرد الإمساك بل هو الإمساك مع النية فيكون قوله ثم أتموا الصيام امرا بنية الصوم بعد الفجر واما الثاني فلان الله تعالى جعل الليل غاية الصوم وغاية الشيء مقطعه فيكون بعدها الإفطار وينتفى الوصال قال بعضهم الليل غاية وجوب الصوم فاذا دخل الليل لا يجب الصوم واما ان الصوم لا يجوز بعد دخول الليل فلا دلالة للآية عليه ولان مثل هذه الأوامر اى باشروهن وكلوا واشربوا انما يكون للاباحة والرخصة لا للوجوب فلا تدل الآية على نفى صوم الوصال ولما ظن ان حال الاعتكاف كحال الصوم في ان المباشرة تحرم فيه نهارا لا ليلا بين ان المباشرة تحرم على المعتكف نهارا وليلا معا فقال وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ اى لا تجامعوهن

стр. 300

وَأَنْتُمْ اى والحال أنتم عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ مقيمون فيها بنية الاعتكاف وهو في الشرع لزوم المسجد والمكث لطاعة الله فيه والتقرب اليه وهو من الشرائع القديمة قال تعالى أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ نزلت فيمن كان يعتكف في المسجد فاذا عرصت له حاجة الى امرأته خرج فجامعها ثم اغتسل فرجع الى المسجد فنهوا عن ذلك فالجماع يحرم على المعتكف ويفسد الاعتكاف ولفظ المساجد يدل على جواز الاعتكاف في كل مسجد الا ان المسجد الجامع أفضل حتى لا يحتاج الى الخروج الى الجمعة والاعتكاف من اشرف الأعمال إذا كان عن اخلاص لان فيه تفريغ القلب عما سوى الله تعالى قال عطاء مثل المعتكف كرجل له حاجة الى عظيم فيجلس على بابه ويقول لا أبرح حتى يقضى حاجتى فكذلك المعتكف يجلس في بيت الله ويقول لا أبرح حتى يغفر لى وفي الحديث من مشى في حاجة أخيه فكأنما اعتكف عشرين سنة ومن اعتكف يوما جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق كل خندق ابعد مما بين الخافقين) وفي الخلوة والانقطاع عن الناس فوائد جمة يسلم منه الناس وسلم هو منهم وفيها خمول النفس والاعراض عن الدنيا وهو أول طريق الصدق والإخلاص وفيها الانس بالله والتوكل والرضى بالكفاف فان المعاشر للناس والمخالط يتكلف في معيشته البتة فاذا لا يفرق غالبا بين الحلال والحرام فيقع في الهلاك ويسلم المتخلي ايضا من مداهنة الناس وغير ذلك من المعاصي التي يتعرض الإنسان لها غالبا بالمخالطة قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره التصوف عبارة عن الاجتناب عن كل ما فيه شائبة الحرمة وصون لسانه عن الكلام اللغو والخلوة والأربعون ليست الا هذا فانه وحدة في الكثرة والمقصود من الخلوة ايضا ذلك ولكن ما يكون في الكثرة على الوجه الذي ذكرنا اثبت واحكم لان ما يكون بالخلوة يزول إذا اختلط بين الناس وليس كذلك ما ذكر فطريقنا طريق النبي ﵇ وطريق الاصحاب رضي الله تعالى عنهم والنبي ﵇ لم يعين الأربعين بل الاعتكاف في العشر الأخير من رمضان نعم فعل ذلك موسى ﵇ قال تعالى وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ والخلوتية أخذوا من ذلك كذا في واقعات الهدائى قدس سره تِلْكَ اى الاحكام التي ذكرت من أول آية الصيام الى هنا حُدُودُ اللَّهِ جمع حد وهو الحاجز بين الشيئين وجعل ما شرعه الله تعالى لعباده من الاحكام حدودا لهم لكونها أمورا حاجزة بين الحق والباطل ولكونها مانعة من مخالفاتها والتخطي عنها فَلا تَقْرَبُوها اى ان تنتهوا فلا تقربوها فضلا عن تجاوزها نهى ان يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل لئلا يدانى الباطل فضلا ان يتخطى كما قال ﵇ (ان لكل ملك حمى وان حمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك ان يقع فيه) وهو ابلغ من قوله فلا تعتدوها ولما بين تعالى احكام الصوم على وجه الاستقصاء في هذه الألفاظ القليلة بيانا شافيا قال بعده كَذلِكَ اى بيانا مثل هذا البيان الوافي الواضح فالكاف في محل النصب على انه صفة مصدر محذوف يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ والآيات دلائل الدين ونصوص الاحكام والمقصود من تعظيم البيان هدايته ورحمته على عباده فى هذا البيان لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ مخالفة أوامره ونواهيه والتقوى اتقاء الشرك. ثم بعده اتقاء المعاصي والسيئات. ثم بعده اتقاء الشهوات. ثم يدع بعده الفضلات وفي الحديث

стр. 301

(لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس) : قال السعدي قدس سره ترا آنكه چشم ودهان داد وگوش ... اگر عاقلى در خلافش مكوش چو پاك آفريدت بهش باش و پاك ... كه ننگست ناپاك رفتن بخاك مرو زير بار گنه اى پسر ... كه حمال عاجز بود در سفر مكن عمر ضايع بافسوس وحيف ... كه فرصت عزيزست والوقت سيف جعلنا الله وإياكم من اهل اليقظة واليقين وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ اى لا يأكل بعضكم مال بعض بالوجه الذي لم يبحه الله تعالى ولم يشرعه كالغصب والنهب والسرقة واليمين الكاذبة وكالاكساب الخبيثة كالقمار والرشى وحلوان الكاهن والمغني والنائحة وكالحيلة ووجوه الخيانة قوله بَيْنَكُمْ نصب على الظرفية فيتعلق بقوله تَأْكُلُوا ومعنى كون الاكل بينهم وقوع التداول والتناول لاجل الاكل بينهم وليس المراد بالأكل المنهي عنه نفس الاكل خاصة لان جميع التصرفات المتفرعة على الأسباب الباطلة حرام الا انه شاع في العرف ان يعبر عن انفاق المال بأى وجه كان بالأكل لان الاكل معظم المقصود من المال وقوله بِالْباطِلِ متعلق بالفعل المذكور اى لا تأكلوها بالسبب الباطل نزلت في رجلين تخاصما في ارض بينهما فاراد أحدهما ان يحلف على ارض أخيه بالكذب فقال النبي ﵇ (انما انا بشر مثلكم يوحى الى وأنتم تختصمون الى ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما اسمع منه فمن قضيت له شيأ من حق أخيه فانما أقضي له قطعة من نار) فبكيا وقال كل واحد منهما انا حل لصاحبى فقال (اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه) قوله ألحن بحجته اى أقوم بها واقدر عليها من صاحبه والتوحى قصد الحق والاستهام الاقتراع وفيه دلالة ظاهرة على ان حكم القاضي لا ينفذ باطنا كما عند الشافعي وحمله ابو حنيفة على الأموال والاملاك دون عقود النكاح وفسخها وموضع بيانه مشبعا كتاب القضاء في الفقه وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ عطف على المنهي عنه فيكون محزوما بلا الناهية المذكورة بواسطة العاطف والأدلاء الإلقاء وضمير بها للاموال بتقدير المضاف والباء فيه مثلها في قوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ والمعنى ولا تلقوا امر الأموال والحكومة فيها الى الحكام لِتَأْكُلُوا بالتحاكم إليهم فَرِيقاً اى طائفة وبعضا مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ الباء سببية متعلقة بقوله لتأكلوا اى بما يوجب انما كشهادة الزور واليمين الكاذبة والصلح مع العلم بان المقضى له ظالم والمقضى به حق المقضى عليه وقيل ولا تلقوا بعضها الى أمراء الظلم وقضاة السوء على وجه الرشوة وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ انكم على الباطل وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح وصاحبها أحق بالتوبيخ ويقال الدنيا ثلاثة أشياء حلال وحرام وشبهة فالحرام يوجب العقاب والشبهة توجب العتاب والحلال يوجب الحساب: قال الحكيم السنائي اين جهان بر مثال مردارست ... گر كسان اندرون هزار هزار اين مر انرا همى زند مخلب ... وان مرين را همى زند منقار آخر الأمر بگذرند همه ... وز همه باز ماند اين مردار فعلى العاقل ان يجتنب عن حقوق العباد والمظالم- حكى- انه لما مات انوشروان كان يطاف

стр. 302

بتابوته في جميع مملكته وينادى مناد من له علينا حق فليأت فلم يوجد أحد في ولايته له عليه حق من درهم- روى- ان أبا حنيفة كان له على بعض المجوس مال فذهب الى داره ليطالبه به فلما وصل الى باب داره وقع نعله على نجاسة فنفض نعله فانقلعت النجاسة عن نعله ووقعت على حائط دار المجوسي فتحير ابو حنيفة ﵀ وقال ان تركتها كان ذلك شيأ يقبح جدار ذلك المجوسي وان حككتها احفر التراب من الحائط فدق الباب فخرجت الجارية فقال لها قولى لمولاك ان أبا حنيفة بالباب فخرج اليه وظن انه يطالبه بالمال وأخذ يعتذر فقال ابو حنيفة ﵀ هاهنا ما هو اولى بالاعتذار وذكر قصة الحدار وانه كيف السبيل الى التطهير فقال المجوسي فانا ابدأ بتطهير نفسى فأسلم في الحال والنكتة ان أبا حنيفة لما احترز عن ظلم ذلك المجوسي في ذلك القدر القليل فلأجل بركة ذلك اسلم المجوسي ونجا من شقاوة الابد فمن احترز عن الظلم نال سعادة الدارين والا فقد وقع في الخذلان- حكى- ان نصرانيا كان يحمل امرأته على حمار فأتى بعض قرى المسلمين فقطع واحد من الرنود ذنب حماره فوثب الحمار وسقطت المرأة وانكسرت يداها والقت حملها ايضا فذهب النصراني الى قاضى تلك القرية شاكيا فقال القاضي لذلك الرند خذ هذا الحمار وامسكه حتى ينبت ذنبه والمرأة حتى تحمل حملا وتصح عندك يداها فقال النصراني أهكذا حكم شريعتكم ثم رفع رأسه الى السماء وقال إلهي أنت حليم ولا صبر لى على هذا فاحكم يا ناظر الملهوفين ويا ناصر المظلومين فمسخ الله ذلك القاضي فصار حجرا من ساعته ففى هذه الحكاية شيئان. الاول ان هذا القاضي بظلمه وقع فيما وقع من البلاء العظيم. والثاني انه يجب الاحتراز عن الظلم وان كان المظلوم كافرا فان دعاء الكافر يسمع والاشارة في الآية ان الأموال خلقت لمصالح قوام النفس وان النفس خلقت للقيام بمراسم العبودية لقوله وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ليعلموا ان الأموال والأنفس لله فلا يتصرفون فيهما الا بامر الله وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ بهوى النفس والحرص والشهوة والإسراف على الغفلة وكلوا بالحق والقناعة والتقوية على الطاعة والقيام بالعبودية وَلا تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ وهي النفس الامارة بالسوء لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ من الأموال التي خلقت للاستعانة بها على العبودية بِالْإِثْمِ اى بالقطيعة والغفلة مستعينين بها على المعصية كالحيوانات والبهائم فيكون حاصلكم ومرجعكم ومثواكم النار ويأكلون كما تأكل الانعام والنار مثوى لهم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ حاصل الأمر ولا تعملون به كذا في التأويلات النجمية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ روى ان معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الانصاريين قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الحيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوى ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا اولا ولا يكون على حالة واحدة فأنزل الله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ وهي جمع هلال والهلال أول ما يظهر لك من نور القمر الى ثلاث ليال وسمى هلالا لان الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته من قولهم استهل الصبى إذا صرخ حين يولد واهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية قُلْ يا محمد هِيَ الاهلة مَواقِيتُ جمع ميقات من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان ان المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها الى منتهاها والزمان مدة مقسومة الى

стр. 303

الماضي والحال والمستقبل والوقت الزمان المفروض لامر لِلنَّاسِ اى لما يتعلق بهم من امور معاملاتهم ومصالحهم وَالْحَجِّ وأموره المتعلقة باوقات مخصوصة فان قلت لما كانت الاهلة مواقيت يوقت بها الناس عامة مصالحهم علم منه كونها ميقاتا للحج لانه من جملة المصالح المتوقفة على الوقت فلم خصه بالذكر قلت الخاص قد يذكر بعد العام للتنبيه على مزيته فالحج من حيث انه يراعى في ادائه وقضائه الوقت المعلوم بخلاف سائر العبادات التي لا يعتبر في قضائها وقت معين وحاصل الخطاب ان الهلال يبدو دائما ويظهر لكم على حسب مصلحتكم لقربه وبعده من الشمس كما بين في فن الهيئة قال في التيسير ثم الشمس على حالة واحدة لانها ضياء للعام وقوام لمصالح الناس والقمر يتغير لان الله علق به ما قلنا من المواقيت وذلك يعرف بهذه الاختلافات ودبر هذا التدبير لحاجة الناس الى ذلك انتهى وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها كان الأنصار إذا احرم الرجل منهم بالحج او العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه فان كان من اهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته يدخل منه ويخرج او يتخذ سلما فيصعد منه وان كان من اهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك برا الا ان يكون من الحمس وهم قريش وسببه انهم ظنوا انه لا بد فى الإحرام من تغيير جميع العادات فغيروا عادتهم في الدخول كما غيروا في اللباس والتطيب وقالوا لا ندخل بيوتا من الأبواب حتى ندخل بيت الله تعالى وكان منهم من لا يستظل بسقف بعد إحرامه ولا يأقط الأقط ولا يجز الوبر وهذه أشياء وضعوها من عند نفوسهم من غير شرع فعرفهم الله تعالى ان هذا التشديد ليس ببر ولا قربة وَلكِنَّ الْبِرَّ بر مَنِ اتَّقى المحارم والشهوات دون دخول البيت من ظهر وفي الكشاف فان قلت ما وجه اتصاله بما قبله قلت كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الاهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها معلوم ان كل ما يفعله الله تعالى لا يكون الا حكمة بالغة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شىء وأنتم تحسبونها برا وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها حال الإحرام إذ ليس فى العدول بر وَاتَّقُوا اللَّهَ فى تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ اى لكى تظفروا بالبر والهدى وللآية تأويل آخر قاله الحسن قال كان في الجاهلية من هم بسفر او امر يصنعه فمنع عن ذلك لم يدخل داره من الباب حتى يحصل له ذلك وكان قريش وقبائل العرب من خرج لسفر او حاجة ثم رجع ولم يظفر بذلك كان ذلك طيرة فنهاهم الله عن ذلك واخبر ان الطيرة ليس ببر والبر بر من لم يخف غيره وتوكل عليه- حكى الجاحظ- قال تحاورت انا وابراهيم بن سيار المعروف بالنظام حديث الطيرة فقال أخبرك انى جعت حتى أكلت الطين وما صبرت على ذلك حتى قلبت قلبى أتذكر هل ثمة رجل أصيب عنده غداء او عشاء فقصدت الأهواز وهي من بلدان فارس وما اعرف بها واحدا وما كان ذلك إلا شيئا امر به الضجر فوافيت الفرضة فلم أجد بها سفينة فتطيرت من ذلك ثم انى رأيت سفينة في صدرها خرق وهشم فتطيرت ايضا فقلت للملاح ما اسمك قال «ديو زاده» بالفارسي وهو اسم الشيطان فتطيرت وركبت معه فلما قربنا من الفرضة صحت يا حمال ومعى لحاف سمل وبعض ما لا بدلى منه فكان أول حمال أجابني

стр. 304

اعور فازددت طيرة وقلت في نفسى الرجوع اسلم ثم ذكرت حاجتى الى أكل الطين وقلت من لى بالموت فلما صرت الى الخان وانا حائر ما اصنع سمعت قرع باب البيت الذي انا فيه فقلت من هذا قال رجل يريدك فقلت من انا قال ابراهيم بن سيار النظام فقلت في نفسى هذا عدو أو رسول سلطان ثم انى تحاملت وفتحت الباب فقال أرسلني اليه ابراهيم بن عبد العزيز ويقول لك وان كنا اختلفنا في المقالة فانا نرجع بعد ذلك الى حقوق الأخلاق والحرية وقد رأيتك حيث مررت على حال كرهتها وينبغى ان يكون برحت بك حاجة فان شئت فاقم مكانك مدة شهر أو شهرين فعسى نبعث لك ببعض ما يكفيك زمينا من دهرك وان اشتهيت الرجوع فهذه ثلاثون دينارا فخذها وانصرف وأنت أحق من عذر قال فورد على امور إذ هلتنى اما واحدها فانى لم أكن ملكت قط ثلاثة دنانير والثاني انه لم يطل مقامى وغيبتى عن أهلي والثالث ما تبين لى من الطيرة انها باطلة كذا في شرح رسالة الوزير ابن زيدون فظهر انه قد يكون ما تكرهه النفس خيرا كما حكى انه وقع قحط في زمن شيخ فعين لكل من طلبته على طريق التفاؤل مكسبا فجاء في فال واحد منهم قطع الطريق فانتقل ذلك الرجل فلقى بعض الحرامية واجتمع بهم فنهبوا جماعة من التجار فبعد أخذ أموالهم ربطوا أيديهم وأمروا هذا الرجل ان يذبحهم بعيدا عنهم فتفكر الرجل فخطر بباله ان يطلقهم ويعطيهم السلاح ويطهروا الطريق من القطاع ففعلوا وهم غافلون ثم سألوا عن هذا الرجل فحكى حاله فجاؤا الى شيخه وسلموا الأموال وصاروا من جملة أحبائه فعليك بالتسليم والقبول لكى تنال المأمول: قال الصائب چون سرو در مقام رضا استاده ام ... آسوده خاطرم ز بهار وخزال خويش ثم في قوله وَلَيْسَ الْبِرُّ الآية اشارة الى ان لكل شىء سببا ومدخلا لا يمكن الوصول اليه ولا الدخول الا باتباع ذلك السبب والمدخل كقوله تعالى وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً فسبب الوصول الى حضرة الربوبية والمدخل فيها هو التقوى وهي اسم جامع لكل بر من اعمال الظاهر واحوال الباطن والقيام باتباع الموافقات واجتناب المخالفات وتصفية الضمائر ومراقبة السرائر فبقدر السلوك في مراتب التقوى يكون الوصول الى حضرة المولى كقوله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وقال ﵇ (عليكم بتقوى الله فانه جماع كل خير) فقوله وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها اى غير مدخلها بمحافضة ظواهر الأعمال من غير رعاية حقوق بواطنها بتقوى الأحوال وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى اى حق التقوى كقوله تعالى اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ قيل في معناه ان يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها اى ادخلوا الأمور من مداخلها ثم ذكر مدخل الوصول وقال وَاتَّقُوا اللَّهَ اى اتقوا بالله عما سواه يقال فلان اتقى بترسه يعنى اجعلوا الله محرزكم ومتقاكم ومفركم ومفزعكم ومرجعكم منه اليه كما كان حال النبي ﵇ يقول (أعوذ بك منك) لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لكى تنجوا وتتخلصوا من مهالك النفوس باعانة الملك القدوس كذا في التأويلات النجمية وَقاتِلُوا جاهدوا فِي نصرة سَبِيلِ اللَّهِ وإعزازه والمراد بسبيل الله دينه لانه طريق الى الله ومرضاته الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ يعنى قريشا وكان ذلك قبل ان

стр. 305

أمروا بقتال المشركين كافة المقاتلين منهم والمحاجزين لان هذه الآية أول اية نزلت في القتال بالمدينة فلما نزلت كان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه اى يقاتل من واجهه للقتال وناجزه ويكف عن قتال من لم يناجز وان كان بينه وبينهم محاجزة وممانعة ويؤيده ما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ان هذه الآية نزلت في صلح الحديبية وذلك ان النبي ﵇ خرج مع أصحابه للعمرة في ذى القعدة سنة ست من الهجرة وكانوا الفا واربعمائة فنزل في الحديبية وهو موضع في قرب مكة كثير المياه والأشجار وصدهم المشركون عن البيت الحرام فاقام شهرا وصالحه المشركون على ان يرجع ذلك العام ويأتى مكة فى العام المقبل ويعتمر فرصى بما قالوا وان يصدوهم عن البيت وكره الاصحاب قتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم فانزل الله تعالى وَقاتِلُوا الآية وَلا تَعْتَدُوا بابتداء القتال في الحرم محرمين إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ اى لا يريد بهم الخير وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ اين وجدتموهم في الحرم والحل وفي الأشهر الحرم وهم الذين هتكوا حرمة الشهر والحرم بالبداية فجازوهم بمثله واصل الثقف الحذق في ادراك الشيء علما كان او عملا فهو يتضمن معنى الغلبة وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ اى من مكة لانهم اخرجوا المسلمين منها اولا واخرج ﵊ منها ثانيا من لم يؤمن به منهم يوم الفتح وَالْفِتْنَةُ فى الأصل عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش ثم صار اسما لكل ما كان سببا للامتحان تشبيها بهذا الأصل اى المحنة التي يفتتن بها الإنسان ويمتحن كالاخراج من الوطن أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ أصعب منه لدوام تعبها وتألم النفس بها فتكون هذه الجملة متعلقة بقوله وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ تذييلا له وحثا على الإخراج والمعنى ان إخراجكم إياهم ليس أهون عليهم من القتل بل هو أشد من قتلكم إياهم فيصلح جزاء لاصرارهم على الكفر ومناجزتهم لحربكم وقتالكم قيل لبعض الحكماء ما أشد من الموت قال الذي يتمنى فيه الموت جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت ويحتمل ان تكون متعلقة بقوله وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ فيكون المقصود حث المؤمنين على قتلهم إياهم في الحرم اى لا تبالوا بقتلهم أينما وجدتموهم فان فتنتهم اى تركهم في الحرم وصدهم إياكم عن الحرم أشد من قتلكم إياهم فيه وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اى لا تفاتحوهم بالقتل هناك وهتك حرمة المسجد الحرام حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ حتى يبدأوكم بالقتال في الحرم وهذا بيان لشرط كيفية قتالهم في هذه البقعة خاصة فيكون تخصيصا لقوله وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ ثمة فَاقْتُلُوهُمْ فيه ولا تبالوا بقتالهم ثمة لانهم الذين هتكوا حرمته فاستحقوا أشد العذاب كَذلِكَ اى مثل ذلك الجزاء على ان الكاف في محل الرفع بالابتداء جَزاءُ الْكافِرِينَ يفعل بهم مثل ما فعلوا بغيرهم فَإِنِ انْتَهَوْا عن القتال وكذا عن الكفر فان الانتهاء عن مجرد القتال لا يوجب استحقاق المغفرة فضلا عن استحقاق الرحمة فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر لهم ما قد سلف وَقاتِلُوهُمْ اى المشركين حَتَّى لا تَكُونَ الى ان لا توجد ولا تبقى فِتْنَةٌ اى شرك يعنى قاتلوهم حتى يسلموا فلا يقبل

стр. 306

من الوثني الا الإسلام فان أبى قتل وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ خالصا له ليس للشيطان نصيب فيه فَإِنِ انْتَهَوْا بعد مقاتلتكم عن الشرك فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ اى فلا تعتدوا على المنتهين إذ لا يحسن ان يظلم الا من ظلم فحذف نفس الجزاء وأقيمت علته مقامه والعلة لما كانت مستلزمة للحكم كنى بها عنه كأنه قيل فان انتهوا فلا تعدوا علهم لان العدوان مختص بالظالمين والمنتهون عن الشرك ليسوا بظالمين فلا عدوان عليهم وسمى ما يفعل بالكفار عدوانا وظلما وهو فى نفسه حق وعدل لكونه جزاء الظلم للمشاركة كقوله تعالى جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ الشَّهْرُ الْحَرامُ يقابل بِالشَّهْرِ الْحَرامِ فى هتك الحرمة حيث صدهم المشركون عام الحديبية في ذى القعدة وكان بين القوم ترامى بسهام وحجارة واتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه سنة سبع من الهجرة وكرهوا ان يقاتلوهم لحرمته فنزلت هذه الآية وقيل لهم هذا الشهر الحرام بذلك الشهر وهتكه بهتكه فلا تبالوا به وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ يعنى من هتك حرمة أي حرمة كانت من حرمة الشهر وحرمة الإحرام وحرمة الحرم اقتص منه فان مراعاة هذه الحرمات انما تجب في حق من يراعيها واما من هتكها فانه يقتص منه ويعامل معه بمثل فعله والأوضح ان المراد بالحرمات كل حرمة وهي ما يجب المحافظة عليه نفسا كان او عرضا يجرى فيها القصاص فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد وهو عين التعرض للقتال فافعلوا بهم مثله وادخلوا عليهم عنوة اى قهرا وغلبة فان منعوكم في هذه السنة عن قضاء العمرة بالمقاتلة ونحوها فاقتلوهم كما قال تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ اى تجاوز بقتالكم في الشهر الحرام فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ اى بعقوبة مماثلة لجناية اعتدائه وهذا اعتداء على سبيل القصاص وهو اعتداء مأذون فيه لا على سبيل الابتداء فانه ظلم حرام وهو المراد بقوله تعالى فلا تعتدوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إذا انتصرتم ممن ظلمكم فلا تظلموهم بأخذ اكثر من حقكم ولا تعتدوا الى ما لم يرخص لكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ والمعية وهي القرب المعنوي تدل على انه تعالى يحرسهم ويصلح شؤونهم بالنصر والتمكين- روى- انه ﵇ وأصحابه دخلوا ذلك العام مكة وطافوا بالبيت ونحروا الهدى وكان المشركون شرطوا له بعد قضاء العمرة الاقامة بمكة ثلاثا وكان النبي ﵇ تزوج ميمونة بنت الحارث فاحب المقام بمكة ليولم عليها فطالبوه بالخروج منها والوفاء بما عاهد ففعل وأولم على ميمونة وبنى بها بسرف واعلم ان الله تعالى أمرنا بالغزو فى سبيله ليظهر من يدعى بذل الوجود في سبيل الله وأمرنا بالزكاة ببذل المال ليتبين من يدعى محبة الله فالغزو معيار المحبة الإلهية لان كل انسان جبل على حب الحياة والمال فامتحن بالغزو والزكاة في سبيل الله قطعا لدعوى المدعين لان الكل يدعى محبة الله وهذا هو السر في الجهاد ولهذا قال سيدنا على رضي الله تعالى عنه خير الخصال في الفتى الشجاعة والسخاوة وهما توأمان فكل شجيع سخى وعن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله تعالى عنهما قال سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما الإسلام قال (طيب الكلام واطعام الطعام وافشاء السلام) قيل فأى المسلمون أفضل قال (من سلم الناس من لسانه ويده) قيل فأى الصلاة أفضل قال (طول القيام) قيل فأى الصدقة أفضل قال (جهد من مقل) قيل فأى الايمان أفضل قال (الصبر والسماحة)

стр. 307

قيل فأى الجهاد أفضل قال (من عقر جواده وأهريق دمه) قيل فأى الرقاب أفضل قال (أغلاها ثمنا) والجهاد جهادان ظاهر وباطن فالظاهر مع الكفار والباطن مع النفس والشيطان وهذا أصعب لان الكافر ربما يرجع اما بالمحاربة او بالصلح او ببذل النفس والمال بوجه من الوجوه والشيطان لا يرجع عنك دون ان يسلب الدين: وفي المثنوى اى شهان كشتيم ما خصم برون ... ماند خصمى روبتر در اندرون كشتن اين كار عقل وهوش نيست ... شير باطن سخره خرگوش نيست سهل شيرى دان كه صفها بشكند ... شير آنست آنكه خود را بشكند قال في التأويلات القاشانية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ من الشيطان وقوى النفس الامارة وَلا تَعْتَدُوا فى قتالها بأن تميتوها عن قيامها بحقوقها والوقوف على حدودها حتى تقع في التفريط والقصور والفتور إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ لكونهم خارجين عن ظل المحبة والوحدة التي هي العدالة وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ اى أزيلوا حياتهم وامنعوهم عن أفعالهم بهواها الذي هو روحها حيث كانوا وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ مكة الصدر عند استيلائهم عليها كما أَخْرَجُوكُمْ منها باستنزالكم الى بقعة النفس وإخراجكم من مقر القلب وَالْفِتْنَةُ التي هى عبادة هواها وأصنام لذاتها وشهواتها أَشَدُّ من قمع هواها واماتتها بالكلية او محنتكم وبلاؤكم بها عند استيلائها أشد عليكم مِنَ الْقَتْلِ الذي هو اماتتها ومحوها بالكلية لزيادة الضرر والألم هناك وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الذي هو مقام القلب اى عند الحضور القلبي إذا وافقوكم فى توجهكم فانهم اعوانكم على السلوك حينئذ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فيه وينازعوكم في مطالبه ويجروكم عن حياة القلب ودين الحق الى مقام النفس ودينهم الذي هو عبادة العجل وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ من تنازعهم وتجاذب دواعيهم وتعبدهم الهوى وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ بتوجه جميعها الى جناب القدس ومشايعها للسر في التوجه الى الحق الذي ليس للشيطان والهوى فيه نصيب فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ عليهم إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ على العادين المجاوزين عن حدودهم انتهى ما في التأويلات وقال الشيخ نجم الدين قدس سره في قوله تعالى الشَّهْرُ الْحَرامُ الآية الاشارة ان ما يفوتكم من الأوقات والأوراد بتواني النفس وغلبات صفاتها فتداركوه الشهر بالشهر واليوم باليوم والساعة بالساعة والوقت بالوقت والأوراد بالاوراد واقضوا الفائت والحقوق فكل صفة من صفات النفس إذا استولت عليكم فعالجوها بضدها البخل بالسخاوة والغضب بالحلم والحرص بالترك والشهوة بالرياضة وعلى هذا القياس واتقوا الله في افراط الاعتداء احتراز عن هلاك النفس بكثرة المجاهدات واعلموا ان الله مع المتقين بالنصرة على جهاد النفس وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الانفاق صرف المال الى وجوه المصالح والمراد بالسبيل الدين المؤدى الى ثواب الله ورحمته فكل ما امر الله به من الانفاق فى إعزاز الدين وإقامته فهو داخل في هذا لآية سواء كان في اقامة الحج او العمرة او جهاد الكفار او صلة الأرحام او تقوية الضعفاء من الفقراء والمساكين او رعاية حقوق الأهل والأولاد او غير ذلك مما يتقرب به الى الله تعالى امر تعالى بالجهاد بالمال بعد الأمر به بالنفس اى واصرفوا أموالكم فى سبيل الله ولا تمسكوا كل الإمساك وَلا تُلْقُوا الإلقاء طرح الشيء حيث تراه ثم صار

стр. 308

اسما لكل طرح عرفا وتعديته بالى لتضمنه معنى الانتهاء بِأَيْدِيكُمْ الباء زائدة في المفعول به لان القى يتعدى بنفسه قال تعالى فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ ولا يقال القى بيده الا في الشر والمراد بالأيدي الأنفس فان اليد لازم للنفس وتخصيص اليد من بين سائر الجوارح اللازمة لها لان اكثر الأعمال يظهر بالمباشرة باليد والمعنى لا تطرحوا أنفسكم إِلَى التَّهْلُكَةِ اى الهلاك بالإسراف وتضييع وجه المعاش لتكون الآية نظير قوله تعالى وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً او بالكف عن الغزو والانفاق في مهماته فان ذلك مما يقوى العدو ويسلطه عليكم ويؤيده ما روى عن ابى أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه انه قال ان الله تعالى لما أعز دينه ونصر رسوله قلنا فيما بيننا انا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر الله نبيه فلو رجعنا الى أهلنا وأموالنا فاقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منا فانزل الله تعالى وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ اى الى ما يكون سببا لهلاككم من الاقامة في الأهل والمال وترك الجهاد فما زال ابو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية فى زمن معاوية فتوفى هناك ودفن في اصل سور قسطنطينية وهم يستشفون به وفي الحديث (من مات ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) وَأَحْسِنُوا اى تفضلوا على الفقراء إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ اى يريد بهم الخير- روى- ان الحجاج لما ولى العراق كان يطعم في كل يوم على الف مائدة يجمع على كل مائدة عشر انفس وكان يرسل الرسل الى الناس لحضور الطعام فكثر عليه ذلك فقال ايها الناس رسولى إليكم الشمس إذا طلعت فاحضروا للغداء وإذا اغربت فاحضروا للعشاء فكانوا يفعلون ذلك واستقل الناس يوما فقال ما بال الناس قد قلوا فقال رجل ايها الأمير انك أغنيت الناس في بيوتهم عن الحضور الى مائدتك فاعجبه ذلك وقال اجلس بارك الله عليك هذا كرم الحجاج وإحسانه الى الحلق مع كونه اظلم اهل زمانه: قال السعدي قدس سره كرم كن كه فردا كه ديوان نهند ... منازل بمقدار احسان نهند وحكى الهدائى قال اقبل ركب من بنى اسد ومن قيس يريدون النعمان فلقوا حاتما وهو المشهور بالجود فقالوا تركنا قوما يثنون عليك خيرا وقد أرسلوا إليك رسالة فقال ما هى فانشد الاسديون شعرا للنابغة فيه فلما أنشده قالوا انا نستحيى ان نسألك شيأ وان لنا لحاجة قال ما هى قالوا صاحب لنا قد أرجل يعنى فقدت راحلته فقال حاتم فرسى هذه فاحملوه عليها فاخذوها وربطت الجارية فلوها بثوبها فافلت يتبع امه وتبعته الجارية لترده فصاح حاتم ما يتبعكم فهو لكم فذهبوا بالفرس والفلو والجارية كذا في شرح رسالة ابن زيدون الوزير قيل لما عرج النبي ﵇ اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسه النار فقال ﵇ ما بال هذا الرجل في هذه الحظيرة لا تمسه النار فقال جبريل ﵇ هذا حاتم طى صرف الله عنه عذاب جهنم بسخائه وجوده كذا في أنيس الوحدة وجليس الخلوة وفي الأحاديث القدسية (يا عيسى أتريد ان تطير على السماء مع الملائكة المقربين كن في الشفقة كالشمس وفي الستر كالليل وفي التواضع كالارض وفي الحلم كالميت وفي السخاوة كالنهر الجاري) قال بعض اهل الحقيقة وهو حسن جدا وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أرواحكم وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ

стр. 309

بمنعكم أنفسكم عن الشهادة فِي سَبِيلِ اللَّهِ التي هي الحياة الابدية فتهلكوا يعنى بفوت هذه الحياة وأحسنوا تسليم أنفسكم الى الله فقد اشتراها منكم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ: وفي المثنوى مرگ بي مرگى بود ما را حلال ... برگ بي برگى بود ما را نوال ظاهرش مرگ وبباطن زندگى ... ظاهرش ابتر نهان پايندگى چون مرا سوى أجل عشق وهواست ... نهى لا تلقوا بايديكم مراست زانكه نهى از دانه شيرين بود ... تلخ را خود نهى حاجت كى شود دانه كش تلخ باشد مغز و پوست ... تلخى ومكروهيش خود نهى اوست دانه مردن مرا شيرين شده است ... بل هم احياء پى من آمده است قال في التأويلات النجمية وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ باموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بالامتناع عن تسليم المبيع فتهلكوا بمنع الثمن وهو الجنة وبافراط الاعتداء وتفريطه في جهاد النفس بالإفراط بان يبرز واحد على رهط وبالتفريط بان يفر واحد من اثنين في جهاد الكفار وَأَحْسِنُوا مع نفوسكم بوقايتها من نار الشهوات ومع قلوبكم برعايتها وحفظها من رين الغفلات ومع أرواحكم بحمايتها عن حجب التعلقات ومع اسراركم بكلاءتها عن ملاحظة المكونات ومع الخلق بدفع الأذيات واتصال الخيرات ومع الله بالعبودية في المأمورات والمنهيات والصبر على المضرات والبليات والشكر على النعم والمسرات والتوكل عليه في جميع الحالات وتفويض الأمور اليه في الجزئيات والكليات والتسليم للاحكام الازليات والرضى بالاقضية الاوليات والفناء عن الإرادات المحدثات في إرادته القديمة بالذات إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الذين هم في العبادة بوصف المشاهدة انتهى ما في التأويلات بانتخاب وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ الحج فرض على من استطاع اليه سبيلا بالاتفاق والعمرة سنة عند ابى حنيفة ﵀ لا تلزم الا بالشروع كنفل الصلاة والمعنى ان من شرع في أي واحد منهما فليتمه قالوا ومن الجائز ان لا يكون الدخول في شىء واجبا ابتداء الا انه بعد الشروع فيه يكون إتمامه واجبا لِلَّهِ متعلق بأتموا واللام لام المفعول من اجله وفائدة التخصيص به هنا ان العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر وحضور الأسواق وكل ذلك ليس لله فيه طاعة ولا قربة فامر الله بالقصد اليه لاداء فرضه وقضاء حقه والمعنى اكملوا أركانهما وشرائطهما وسائر افعالهما المعروفة شرعا لوجه الله تعالى من غير إخلال منكم بشئ منها واخلصوهما للعبادة ولا تشوبوهما بشئ من التجارة والأغراض الدنيوية واجعلوا النفقة من الحلال واركان الحج خمسة الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعى بين الصفا والمروة وحلق الرأس او التقصير فركن الحج ما لا يحصل التحلل الا بالإتيان به وواجباته هو الذي إذا ترك بجبر بالدم وسننه ما لا يجب بتركه شىء وكذا افعال العمرة تشتمل على هذه الأمور الثلاثة فاركانها اربعة الإحرام والطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة والحلق وللحج تحللان واسباب التحلل ثلاثة رمى جمرة العقبة يوم النحر وطواف الزيارة والحلق وإذا وجد شيآن من هذه الأشياء الثلاثة حصل التحلل وبالثالث حصل التحلل الثاني وبعد التحلل الاول يستبيح جميع المحظورات اى محظورات الإحرام الا النساء وبالثاني

стр. 310

يستبيح الكل واتفقت الامة على انه يجوز أداء الحج والعمرة على ثلاثة أوجه الافراد والتمتع والقران فصورة الافراد ان يحرم بالحج مفردا ثم بعد الفراغ منه يعتمر من الحل اى الذي بين المواقيت وبين الحرم وصورة التمتع ان يبتدئ بإحرام العمرة في أشهر الحج ويأتى بمناسكها ثم يحرم بالحج من مكة فيحج في هذا العام وصورة القران ان يحرم بالحج والعمرة معا بان ينويهما بقلبه ويأتى بمناسك الحج وحينئذ يكون قد اتى بالعمرة ايضا لان مناسك العمرة هي مناسك الحج من غير عكس او يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل ان يفتتح الطواف فيصير قارنا ولو احرم بالحج ثم ادخل عليه العمرة لم ينعقد إحرامه بالعمرة والأفضل عندنا من هذه الوجوه هو القران وفي الحديث (تابعوا بين الحج والعمرة فانهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفى الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور جزاء الا الجنة) فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ اى منعتم وصددتم عن الحج والوصول الى البيت بمرض او عدو او عجز او ذهاب نفقة او راحلة او سائر العوائق بعد الإحرام بأحد النسكين وهذا التعميم عند ابى حنيفة ﵀ لان الخطاب وان كان للنبى وأصحابه وكانوا ممنوعين بالعدو لكن الاعتبار لعموم اللفظ لا لخصوص السبب فَمَا اسْتَيْسَرَ اى فعليكم ما تيسر مِنَ الْهَدْيِ من اما تبعيضية او بيانية اى حال كونه بعض الهدى او الكائن من الهدى جمع هدية كتمر وتمرة وهو ما يهدى الى البيت تقربا الى الله من النعم أيسره شاة وأوسطه بقرة وأعلاه بدنة ويسمى هديا لانه جار مجرى الهدية التي يبعثها العبد الى ربه بان بعثها الى بيته والمعنى ان المحرم إذا أحصر وأراد ان يتحلل تحلل بذبح هدى تيسر عليه من بدنة او بقرة او شاة حيث أحصر في أي موضع كان عند الشافعي واما عندنا فيبعث به الى الحرم ويجعل للمبعوث على يده يوم ذبحه امارة اى علامة فاذا جاء اليوم وظن انه ذبح تحلل لقوله تعالى وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ اى لا تحللوا بحلق رؤسكم حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ حتى تعلموا ان الهدى المبعوث الى الحرم بلغ مكانه الذي وجب ان ينحر فيه. والمحل بالكسر من الحلول وهو النزول يطلق على الزمان والمكان فمحل الدين وقت وجوب قضائه ومحل الهدى المكان الذي يحل فيه ذبحه وهو الحرم عندنا لقوله تعالى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ والمراد الحرم كله لان كله يتبع البيت وهذا الحكم عام لجميع الحاج من المفرد والقارن والمتمتع والمعتمر يعنى لا يجوز له ان يحلق رأسه الا ان يذبح هديه وان لم يحصر يعنى في منى والحلق أفضل من التقصير ولو حلق ربع الرأس يكتفى به لكن حلق كله اولى اقتداء برسول الله ﷺ هذا فى الحج واما في غيره فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يحلق رأسه الا قليلا بل هو معدود ويتركه في اكثر الأزمان وكان على ﵁ يحلق رأسه منذ ما سمع قوله ﵇ (تحت كل شعرة جنابة) فَمَنْ يجوز ان تكون شرطية وموصولة كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً مرضا محوجا الى الحق حال الإحرام ومريضا خبر كان ومنكم حال منه لانه في الأصل صفة له فلما تقدم عليه انتصب حالا أَوْ بِهِ أَذىً اى الم كائن مِنْ رَأْسِهِ كجراحة او قمل او صداع او شقيقة والمعنى يثبت على إحرامه من غير حلق حتى يذبح هديه الا ان يضطر الى الحلق فان حلق ضرورة فَفِدْيَةٌ اى فعليه فدية مِنْ صِيامٍ اى صيام ثلاثة ايام أَوْ صَدَقَةٍ على ستة مساكين لكل

стр. 311

مسكين نصف صاع من بر أَوْ نُسُكٍ بضمتين جمع نسيكة وهي الذبيحة أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدناها شاة واو للتخيير فَإِذا أَمِنْتُمْ من خوفكم وبرئتم من مرضكم وكنتم في حال أمن وسعة لا في حال إحصار فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ اى فمن انتفع بالتقرب الى الله تعالى بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في اشهره او من استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة محظورات الإحرام الى ان يحرم بالحج فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ اى فعليه دم تيسر عليه بسبب التمتع وهو هدى المتعة وهو نسك عند ابى حنيفة ﵀ لا يذبحه الا يوم النحر ويأكل منه كالاضحية فَمَنْ لَمْ يَجِدْ اى الهدى فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ صيام مصدر أضيف الى ظرفه معنى وهو فى اللفظ مفعول به على الاتساع اى فعليه صيام ثلاثة ايام فِي الْحَجِّ اى في وقته واشهره بين الإحرامين إحرام العمرة وإحرام الحج ان شاء متفرقة وان شاء متتابعة والأحب ان يصوم سابع ذى الحجة وثامنه وتاسعه فلا يصح يوم النحر وايام التشريق وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ اى نفرتم وفرغتم من اعمال الحج اطلق عليه الرجوع على طريق اطلاق اسم المسبب وارادة السبب الخاص وهو النفر والفراغ فانه سبب للرجوع تِلْكَ اى صيام ثلاثة وسبعة عَشَرَةٌ فذلكة الحساب وفائدتها ان لا يتوهم ان الواو بمعنى او كما في قوله تعالى مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ وان يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا وعلمان خير من علم فان اكثر العرب لا يحسنون الحساب فكان الرجل إذا خاطب صاحبه باعداد متفرقة جمعها له ليسرع فهمه إليها وان المراد بالسبعة هو العدد دون الكثرة فانه يطلق لهما كامِلَةٌ صفة مؤكدة لعشرة فان الوصف قد يكون للتأكيد إذا أفاد الموصوف معنى ذلك الوصف نحو إلهين اثنين والتأكيد انما يصار اليه إذا كان الحكم المؤكد مما يهتم بشأنه والمحافظة عليه والمؤكد هاهنا هو رعاية هذا العدد في هذا الصوم آكده لبيان ان رعايته من المهمات التي لا يجوز إهمالها البتة ذلِكَ اشارة الى نفس التمتع عندنا والى حكم التمتع عند الشافعي وهو لزوم الهدى لمن يجده من المتمتع ولزوم بدله لمن لا يجده لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اى لازم للذى لا يسكن مكة واهل الرجل أخص الناس اليه وانما ذكر الأهل لان الغالب ان الإنسان يسكن حيث يسكن اهله فعبر بسكون الأهل عن سكون نفسه وحاضروا المسجد الحرام عندنا هم اهل مكة ومن كان منزله داخل المواقيت فلا متعة ولا قران لهم فمن تمتع او قرن منهم فعليه دم جناية لا يأكل منه وحاضروا المسجد الحرام ينبغى لهم ان يعتمروا في غير أشهر الحج ويفرد وأشهر الحج للحج والقارن والمتمتع الآفاقيان دمهما دم نسك يأكلان منه وعند الشافعي حاضروا المسجد الحرام اهل الحرم ومن هو على مسافة لا تقصر فيها الصلاة وَاتَّقُوا اللَّهَ فى المحافظة على أوامره ونواهيه وخصوصا في الحج وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن لم يتقه كى يصدكم العلم به عن العصيان: قال السعدي قدس سره مرو زير بار گنه اى پسر كه حمال عاجز بود در سفر تو پيش از عقوبت در عفو كوب كه سودى ندارد فغان زير چوب اعلم ان إتمام الحج كما يكون عن طريق الظاهر كذلك يكون عن طريق الباطن وعن بعض الصالحين انه حج فلما قضى نسكه قال لصاحبه هلم نتم حجنا ألم نسمع قول ذى الرمة

стр. 312

تمام الحج ان تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام وخرقاء اسم حبيبة الشاعر واضعة اللثام اى مكشوفة الوجه مسفرة جعل الوقوف عليها كبعض مناسك الحج الذي لا يتم الا به وحقيقة ما قال هو انه كما قطع البوادي حتى وصل الى بيته وحرمه ينبغى ان يقطع أهواء النفس ويخرق حجب القلب حتى يصل الى مقام المشاهدة ويبصر آثار كرمه بعد الرجوع عن حرمه قال في التأويلات النجمية حج العوام قصد البيت وزيارته وحج الخواص قصد رب البيت وشهوده كما قال الخليل ﵇ انى ذاهب الى ربى سيهدين وكما ان من قصد الله وطلبه وتوجه اليه بالكلية وفدى بنفسه وماله وولده في الله واتخذ ما سواه عدوا كما قال فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ كان الخليل ﵊ وهذا كله من مناسك الحج الحقيقي فلذلك جعله الله أول من بنى بيت الله وطاف وحج واذن في الناس بالحج وسن المناسك وكان الحج صورة ومعنى مقامه ﵇ وكما كان له مقام كان لنبينا ﵇ حال والحال أتم من المقام لان المقامات من المنازل والأحوال من المواهب فيمكن سلوك المقامات بغير المواهب ولا يمكن المواهب بغير سلوك المقامات فلما كان الخليل من اهل المقامات قال إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ولما كان النبي ﵊ من اهل المواهب قيل سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ فلما كان ذهابه بنفسه في الحج الحقيقي بقي في السماء السابعة وأحصر فقيل له فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فاهدى باسمعيل ولما اسرى بالنبي ﵇ وكان ذهابه بالله ما احصره شىء فقيل له وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فأتم حجه بان دنا فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى ثم اتى عمرته بان تجلى له أقمار المقصود عن كشوف التعزز بالشهود وانجلت عنانة المحبة عن شموس الوصلة وجرى بين المحبين ما جرى فأوحى الى عبده ما اوحى ثم نودى من سرادقات الجلال في إتمام الحج والا كمال يوم الحج الأكبر عند وقوفه بعرفات فى حجة الوداع وهو آخر الحجات اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا انتهى ما في التأويلات ثم اعلم ان كل قلب لا يصلح لمعرفة الرب ولا كل نفس تصلح لخدمة الرب ولا كل نفيس مال يصلح لخزانة الرب فتعجل ايها العبد في تدارك حالك وكن سخيا بمالك فان لم يكن فبنفسك وان كان لك قدرة على بذلهما فبهما ألا يرى ان ابراهيم ﵇ كيف اعطى ما له للضيفان وبدنه للنيران وولده للقربان وقلبه للرحمان حتى تعجب الملائكة من سخاوته فاكرمه الله بالخلة قال الله تعالى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا قال مالك ابن دينار خرجت الى مكة فرأيت في الطريق شابا إذا جن عليه الليل رفع وجهه نحو السماء وقال يا من تسره الطاعات ولا تضره المعاصي هب لى ما يسرك واغفر لى ما لا يضرك فلما احرم الناس ولبوا قلت له لم لا تلبى فقال يا شيخ وما تغنى التلبية عن الذنوب المتقدمة والجرائم المكتوبة والمعاصي السالفة أخشى ان أقول لبيك فيقال لى لا لبيك ولا سعديك لا اسمع كلامك ولا انظر إليك ثم مضى فما رأيته الا بمنى وهو يقول اللهم اغفر لى اللهم ان الناس قد ذبحوا وتقربوا إليك وليس لى شىء أتقرب به إليك سوى نفسى فتقبلها منى ثم شهق شهقة وخرمتا اللهم عاملنا بكمال كرمك وأوصلنا الى حضرتك العليا وحرمك الْحَجُّ بحذف المضاف اى وقته لان الحج فعل

стр. 313

والفعل لا يكون أشهرا أَشْهُرٌ هى شوال وذو القعدة وعشر ذى الحجة عندنا وانما سمى شهران وبعض شهر أشهرا مع ان جمع القلة لا يطلق على ما هو اقل من الثلاثة اقامة للبعض مقام الكل او إطلاقا للجمع على ما فوق الواحد مَعْلُوماتٌ معروفات بين الناس لانهم توارثوا علمها والشرع جاء مقررا لما عرفوه ولم يغير وقته عما كان قبله وفائدة توقيت الحج بهذه الأشهر ليعلم ان شأ من افعال الحج لا يصح الا فيها والإحرام وان كان ينعقد في غيرها ايضا عند ابى حنيفة الا انه مكروه يعنى ان الإحرام عنده من شرائط الحج قيجوز تقديمه على وقت ادائه كما يجوز تقديم الطهارة على أداء الصلاة. وقولهم وقت الحج أشهر ليس المراد به انها وقت إحرامه بل المراد انها وقت ادائه بماشرة اعماله ومناسكه والأشهر كلها وقت لصحة إحرامه لقوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ فجعل الاهلة كلها مواقيت للحج ومعلوم ان الاهلة كلها ليست مواقيت لصحة أداء الحج فتعين ان المراد انها مواقيت لصحة الإحرام حتى من احرم يوم النحر لان يحج في السنة القابلة يصح إحرامه من غير كراهة عند ابى حنيفة كذا فى حواشى ابن الشيخ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ اى أوجبه على نفسه بالتلبية او تقليد الهدى وذلك لان الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع بمجرد النية كالصلاة فلا بد من فعل يشرع به فيه وهو ما ذكرنا من التلبية او تقليد الهدى وهو جعل القلادة في عنقه وسوقه فَلا رَفَثَ اى فلا جماع وما دونه مما يفضى الى ذلك كالقبلة والغمز وهو محظور الإحرام فقبل الوقوف بعرفة مفسد وبعده موجب للبدنة وحرمت دواعيه لئلا يقع فيه والرفث وما يليه من الفسوق والجدال وان كانت على صورة النفي بمعنى ان شيأ منها لا يقع في خلال الحج الا ان المراد بها النهى لان إبقاءها خبرا على ظاهرها يستلزم الخلف في خبرا لله للعلم بان هذه الأشياء كثيرا ما تقع في خلال الحج وانما أخرجت على صورة الاخبار للمبالغة في وجوب الانتهاء عنها كأن المكلف أذعن كونها منهيا عنها فاجتنب عنها فالله تعالى يخبر بانها لا توجد في خلال الحج ولا يأتى بها أحد منكم وَلا فُسُوقَ ولا خروج من حدود الشرع بارتكاب المحظورات والفسق هو المعاصي بانواعها فيدخل فيه السباب والتنابز بالألقاب وغير ذلك وَلا جِدالَ اى لامراء مع الخدم والرفقة والمكارين لانه يفضى الى التضاغن وزوال التأليف فاما الجدال على وجه النظر في امر من امور الدين فلا بأس به فِي الْحَجِّ اى في أيامه وانما امر باجتناب ذلك وهو واجب الاجتناب في كل حال لانه مع الحج أقبح واشنع كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن والمنهي عنه التطريب الذي تخرج الحروف به عن هيآتها كما يفعله بعض القراء من الالحان العجيبة والانغام الموسيقية واما تحسين القراءة ومدها فهو مندوب اليه قال ﵇ (حسنوا القرآن بأصواتكم) فان الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا والتطريب المقبول سبب للرقة واقبال النفس وبه قال ابو حنيفة ﵀ وجماعة من السلف وَما شرطية تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ علم الله تعالى بما يفعله العبد من الخير كناية عن اثابته عليه. نهى عن ثلاثة أشياء من المعاصي ورغب في كل الطاعات فهو حث على فعل الخير عقيب النهى عن الشر فيدخل فيه استعمال الكلام الحسن مكان القبيح والبر والتقوى

стр. 314

مكان الفسوق والوفاق والأخلاق الجميلة مكان الجدال وَتَزَوَّدُوا اى اجعلوا زادكم لمعادكم وآخرتكم اتقاء القبائح فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى لا ما يتخذ من الطعام وتحقيق الكلام ان الإنسان له سفران سفر في الدنيا وسفر من الدنيا فالسفر في الدنيا لا بد له من زاد وهو الطعام والشراب والمركب والمال والسفر من الدنيا لا بد له ايضا من زاد وهو معرفة الله ومحبته والاعراض عما سواه بالاشتغال فى طاعته والاجتناب عن مخالفته ومناهيه وهذا الزاد خير من زاد المسافر في الدنيا لان زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم وزاد الدنيا فان وزاد الآخرة بوصلك الى لذات باقية خالصة. وقيل كان اهل اليمن لا يتزودون ويخرجون بغير زاد ويقولون نحن متوكلون ونحن نحج بيت الله أفلا يطعمنا فيكون كلا على الناس وإذا قدموا مكة سألوا الناس وربما يفضى بهم الحال الى النهب والغصب فقال الله تعالى تَزَوَّدُوا اى ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم من الكعك والزيت والسويق والنمر ونحوها واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى من السؤال والنهب وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ فان قضية اللب خشية الله وتقواه حثهم على التقوى ثم أمرهم بان يكون المقصود بها هو الله فيتبرأوا عن كل شىء سواه وهو مقتضى العقل المعرى عن شوائب الهوى فلذلك خص اولى الألباب بالخطاب فان من لم يتقه فكأنه لا لب له فعلى العاقل تخليص العقل من الشوائب وتهذيب النفس وتكميلها بالوصول الى أعلى المراتب: قال الشاعر ولم ار في عيوب الناس شيأ ... كنقص القادرين على التمام قال الامام اعلم ان الإنسان فيه قوى ثلاث. قوة شهوانية بهيمية وقوة غضبية. سبعية شيطانية. وقوة وهمية عقلية ملكية والمقصود من جميع العبارات قهر القوى الثلاث اعنى الشهوانية والغضبية والوهمية فقوله فَلا رَفَثَ اشارة الى قهر القوة الشهوانية وقوله وَلا فُسُوقَ اشارة الى قهر القوة الغضبية التي توجب المعصية والتمدد وقوله وَلا جِدالَ اشارة الى قهر القوة الوهمية التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه وهى الباعثة للانسان على منازعة الناس ومماراتهم والمخاصمة معهم في كل شىء فلما كان الشر محصورا في هذه الأمور الثلاثة لا جرم قال فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ اى فيمن قصد معرفة الله ومحبته والاطلاع على نور جلاله والانخراط في سلك الخواص من عباده انتهى ما قال الامام قالوا من سهل عليه المشي في طريق الحج فهو الأفضل فان كان يضعف ويؤدى ذلك الى سوء الخلق وقصور عن عمل فالركوب أفضل كما ان الصوم أفضل للمسافر والمريض ما لم يفض الى ضعف وسوء خلق قال ابو جعفر محمد الباقر ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت إذا لم يأت بثلاث. ورع يحجزه عن محارم الله. وحلم يكف به غضبه. وحسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين فهذه الثلاث يحتاج إليها المسافر خصوصا الى الحج فمن كملها فقد كمل حجه والا فلا: ونعم ما قال السعدي قدس سره از من بگوى حاجئ مردم كزايرا ... كو پوستين خلق بآزار ميدرد حاجى تو نيستى شترست از براى آنك ... بيچار خار ميخورد وبار ميبرد

стр. 315

فينبغى ان يجتهد الحاج قبل مفارقة رفيقه والجمال في ان يتحالوا من الظالم ان كانت جرت بينهم مثل غيبة ونميمة او أخذ عرض او تعرض لمال فما سلم من ذلك الا القيل وإذا ذكر رفيقه فليثن عليه خيرا وليغض عما سوى ذلك فقد كان السلف بعد قفولهم اى رجوعهم من السفر لا يذكر أحدهم صاحبه الا بخير وليحذر من نظفت صحيفة علمه من الذنوب بالغفران ان يرجع الى وسخ المعاصي ثم الاشارة ان قصد القاصدين الى الله تعالى انما يكون في أشهر معلومات من حياتهم الفانية في الدنيا فاما بعد انقضاء الآجال فلا يفيد لاحد السعى كما لا ينفع للحاج القصد بعد مضى أشهر الحج قال تعالى يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها الآية وكما ان للحاج مواقيت معينة يحرمون منها فكذلك للقاصدين الى الله ميقات وهي ايام الشباب من بلاغية الصورة الى بلوغ الأربعين وهو حد بلاغية المعنى قال تعالى حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ولهذا قال المشايخ الصوفي بعد الأربعين نادر يعنى ان كان ظهور إرادته وطلبه يكون بعد الأربعين فوصوله الى المقصد الحقيقي يكون نادرا مع أركانه ولكن من يكون طلبه وصدقه في الارادة قبل الأربعين وما أمكنته الوصلة يقرب في الاحتمال ان يكون بعد الأربعين حصول مقصوده بان يبذل غاية مجهوده بشرائطه وحقوقه وحدوده ومن فاته أوان الطلب في عنفوان شبابه مستبعدة له الوصلة في حال مشيبه فجرى منه عليه الحيف بان ضيع اللبن في الصيف ولكن يصلح للعبادة التي آخرها الجنة ووقف بعض المشايخ على باب الجامع والخلق يخرجون منه في ازدحام وغلبة وكان ينظر إليهم ويقول هؤلاء حشو الجنة وللمجالسة أقوام آخرون كذا في التأويلات النجمية وقال القاشاني وقت الحج ازمنة وهو من وقت بلوغ الحلم الى الأربعين ثلاثة اعصر كل عصر بمثابة شهر. عصر من سن النمو. وعصر من سن الوقوف. وبعض من سن الكهولة كما قال تعالى في وصف البقرة لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بين ذلك انتهى: قال الحافظ عشق وشباب ورندى مجموعه مرادست ... چون جمع شد معانى گوى بيان توان زد لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ اى اثم من الجنوح وهو الميل عن القصد أَنْ تَبْتَغُوا اى في ان تقصدوا وتطلبوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ اى عطاء ورزقا منه يريد الربح بالتجارة في ايام الحج فان الآية نزلت ردا على من يقول لا حج للتاجر والجمال لكن الحق ان التجارة وان كانت مباحة في الحج الا ان الاولى تركها فيه لقوله تعالى وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ والإخلاص ان لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه طاعة وعبادة فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ الهمزة في أفضتم للتعدية والمفعول محذوف اى دفعتم أنفسكم منها بكثرة بعد غروب الشمس ورجعتم بعد الوقوف بها وفي التيسير وحقيقة الافاضة هنا هو اجتماع الكثير في الذهاب والمسير. وعرفات علم للموقف وليس بجمع حقيقة بل هو من قبيل ما زيدت حروفه لزيادة معناه فانه للمبالغة في الانباء عن المعرفة روى انه نعته جبريل لابراهيم ﵉ فلما أبصره عرفه فسمى ذلك الموضع عرفات او لان جبريل ﵊ كان يدور به في المشاعر اى مواضع المناسك ويقول عرفت فيقول عرفت فلما رآه قال عرفت او لان آدم ﵊ لما اهبط الى الأرض وقع بالهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه

стр. 316

فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعارفا او لغير ذلك كما ذكر في التفاسير وفيه دليل على وجوب الوقوف بعرفات لان الاضافة مأمور بها وهي موقوفة على الحضور فيها والوقوف بها وما لم يتم الواجب الا به فهو واجب فيكون الوقوف واجبا فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتلبية والتهليل والتسبيح والتحميد والثناء والدعوات عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الامام وعلى الميقدة وفي المغرب الميقدة هو موضع بالمشعر الحرام على قزح كان اهل الجاهلية يوقدون عليها النار وتقييد محل الذكر والوقوف بقوله عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ للتنبيه على ان الوقوف فيما يقرب من جبل قزح أفضل من الوقوف في سائر مواضع ارض مزدلفة وذلك لا ينافى صحة الوقوف فى جميع مواضعها كما ان عرفات كلها موضع الوقوف لكن الوقوف بقرب جبل الرحمة أفضل واولى والمشعر العلم اى للعبادة. والشعائر العلامات من الشعار وهو العلامة ووصفه بالحرام لحرمته فلا يفعل فيه ما نهى عنه وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ اى كما علمكم كيف تذكرونه مثل كون الذكر ذكرا كثيرا وعلى وجه التضرع والخيفة والطمع ناشئا عن الرغبة والرهبة ومشاهدة جلال المذكور وجماله كما قال ﵇ (الإحسان ان تعبد الله كأنك تراه) فالمقصود من الكاف مجرد التقييد لا التشبيه اى اذكروه على الوجه الذي هداكم اليه لا تعدلوا عما هديتم اليه كما تقول افعل كما علمتك وليس هذا تكرارا لقوله فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ لان الاول لبيان محل الذكر والوقوف وتعليم النسك المناسب لذلك المحل وأوجب بالثاني ان يكون ذكرنا إياه كهدايته إيانا اى موازيا لها في الكم والكيف وَإِنْ هى المخففة واللام هي الفارقة كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ اى من قبل ما ذكر من هدايته إياكم لَمِنَ الضَّالِّينَ غير العالمين بالايمان والطاعة قال القاشاني ان الله تعالى هدى اولا الى الذكر باللسان في مقام النفس. ثم الى الذكر بالقلب وهو ذكر الافعال اى تصور آلاء الله ونعمائه ثم الى ذكر السر وهو معاينة الافعال ومكاشفة علوم تجليات الصفات. ثم الى ذكر الروح وهو مشاهدة أنوار تجليات الصفات مع ملاحظة نور الذات. ثم الى ذكر الخفي وهو مشاهدة جمال الذات مع بقاء الاثنينية. ثم الى ذكر الذات وهو الشهود الذاتي بارتفاع البعد وان كنتم من قبل الهدى الى هذه المقامات لمن الضالين عن طريق هذه الاذكار انتهى ولما امر بذكر الله تعالى إذا فعلت الافاضة امر بان تكون الافاضة من حيث أفاض الناس مرتبا الأمر الثاني على الاول بكلمة ثم فقال ثُمَّ أَفِيضُوا اى ارجعوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ اى من عرفة لا من المزدلفة كانت قريش وحلفاؤها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن اهل الله وسكان حرمه فلا نخرج من الحرم ويستعظمون ان يقفوا مع الناس بعرفات لكونها من الحل وسائر العرب كانوا يقفون بعرفات اتباعا لملة ابراهيم ﵇ فاذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزدلفة فانزل الله هذه الآية فأمرهم ان يقفوا بعرفات وان يفيضوا منها كما يفعله سائر الناس والمراد بالناس العرب كلهم غير الحمس. والحمس في الأصل جمع احمس وهو الرجل الشجاع والأحمس ايضا الشديد الصلب في الدين والقتال وسميت قريش وكنانة وجديلة وقيس حمسا لتشددهم في دينهم وكانوا لا يستظلون ايام منى ولا يدخلون البيوت من ابوابها وكذلك كان من حالفهم او تزوج منهم وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من جاهليتكم في تغيير المناسك ومخالفتكم

стр. 317

فى الموقف إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر ذنب المستغفر وينعم عليه فامر النبي ﵇ أبا بكر رضي الله تعالى عنه ان يخرج بالناس جميعا الى عرفات فيقف بها- روى- ان الله تعالى يباهى ملائكته باهل عرفات ويقول (انظروا الى عبادى جاؤا من كل فج عميق شعثا غبرا اشهدوا انى غفرت لهم) ويروى ان الشيطان ما رؤى في يوم هو أصغر واحقر وأذل منه يوم عرفة وما ذلك الا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إذ يقال ان من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الا الوقوف بعرفة وفي الحديث (أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن ان الله تعالى لا يغفر له) والحجة الواحدة أفضل من عشرين غزوة في سبيل الله وقيل ان البعير إذا حج عليه مرة بورك في أربعين من أمهاته وإذا حج عليه سبع مرات كان حقا على الله ان يرعاه في رياض الجنة ومصداق ذلك ما قال النهرانى ﵀ بلغني ان وقاد تنور حمام اتى بسلسلة عظام حمل ليوقدها قال فألقيتها في المستوقد فخرجت منه فألقيتها فعادت فخرجت فعدت فألقيتها الثالثة فعادت فخرجت بشدة حتى وقعت في صدرى وإذا بصوت هاتف يقول ويحك هذه عظام جمل قد سعى الى مكة عشر مرات كيف تحرقها بالنار وإذا كانت هذه الرأفة والرحمة بمطية الحاج فكيف به ثم ان الفضل على ثلاثة اقسام بالنسبة الى احوال العبد فان التنوع راجع الى تغيير احوال العباد لا الى تغيير صفة من صفات الحق تعالى. فالاول منها ما يتعلق بالمعاش الإنساني من المال والجاه ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضروري وهذا الفضل مفسر بالرزق قال الله تعالى وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ. والثاني منها ما يتعلق بالمصالح الاخروية للعبد وهو نوعان ما يتعلق باعمال البدن على وفق الشرع ومتابعة الشارع ومجانبة طريق الشيطان المنازع قال تعالى يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وما يتعلق باعمال القلب وتزكية النفس قال تعالى وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً. والقسم الثالث منها ما يتعلق بالله تعالى وهو نوعان ما يتعلق بمواهب القربة قال تعالى وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً اى قربا كبيرا فانه اكبر من الدنيا والآخرة وما يتعلق بمواهب الوصلة قال تعالى ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعنى فضل مواهب الوصلة أعظم من الكل ولكل قسم من هذه الاقسام الثلاثة مقام في الابتغاء. اما الذي يتعلق بالمصالح الاخروية وهو فضل الرحمة فمقام ابتغائه بترك الموجود وبذل المجهود وهو فى السير الى عرفات. واما الذي يتعلق بالله وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه عند الوقوف بعرفات وعرفات اشارة الى المعرفة وهي معظم اركان الوصلة. واما الذي يتعلق بالمصالح الدنيوية وهو فضل الرزق فمقام ابتغائه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الافاضة. ففى الآية تقديم وتأخير اى إذا أفضتم من عرفات فليس عليكم إلخ وذلك لان حال اهل السلوك في البداية ترك الدنيا والتجريد عنها. وفي الوسط التوكل والتفريد. وفي النهاية المعرفة والتوحيد فلا يسلم الشروع في المصالح الدنيوية الا لاهل النهاية لقوتهم في المعرفة وعلو همتهم بان يطهر الله قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنية ويملأها نورا بالالطاف الخفية فلا اعتبار للدنيا وشهواتها ونعيم الآخرة ودرجاتها عند الهمم العالية فلا يتصرفون في شىء منها وتصرفهم بالله وفي الله ولله لا لحظوظ النفس بل لمصالح الدين وإصابة الخير الى الغير كذا في التأويلات النجمية: قال في المثنوى

стр. 318

كار پاكانرا قياس از خود مگير ... گر چهـ ماند در نوشتن شير شير اللهم اجعل هممنا مقصورة على جنابك آمين فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ اى اتممتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج وفرغتم منها فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ يعنى فاتركوا عادة الجاهلية واتبعوا سنن الإسلام واشتغلوا بذكر رب الأنام وكانت العرب إذا قضوا مناسكهم وقفوا بمنى بين المسجد والجبل ويذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن ايامهم يريد كل واحد منهم بذلك حصول الشهرة والترفع له بمآثر سلفه فناهم الله عن ذلك وأمرهم بان يجعلوا بدل ذكرهم آباءهم ذكر الله تعالى وتمجيده والثناء عليه إذ الخير كله من عنده وآباؤهم عبيده ونالوا ما نالوا بافضاله: قال السعدي قدس سره گر از حق نه توفيق خيرى رسد ... كى از بنده خيرى بغيري رسد أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً مجرور معطوف على الذكر بجعله ذاكرا على المجاز اى اذكروه ذكرا كان مثل ذكركم المتعلق بآبائكم او كذكر هو أشد منه وابلغ ذكرا او تحقيقه ان افعل انما يضاف الى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك وجهك احسن وجه اى احسن الوجوه فاذا نصب ما بعده كان غير الذي فبله كقولك زيد امره عبدا فالفراهة للعبد لا لزيد والمذكور قبل أشد هنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال أشد ذكرا انما قياسه ان يقال للذكر أشد ذكر جرا اضافة فوجه النصب انه يجعل الذكر ذاكرا مجازا ويجوز نسبة الذكر الى الذكر بان يسمع انسان الذكر فيذكر فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه فَمِنَ النَّاسِ اى من الذين يشهدون الحج مَنْ يَقُولُ فى ذكره مقتصرا على طلب الدنيا رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا اى ايتاءنا ومنحتنا في الدنيا خاصة من الجاه والغنى والنصرة على الأعداء وما هو من الحظوظ العاجلة وهم المشركون لانهم لا يسألون في حجهم الا الدنيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ اى نصيب وحظ لان همه مقصور على الدنيا حيث سأل في أعز المواقف احقر المطالب واعرض عن سؤال النعيم الدائم والملك العظيم وَمِنْهُمْ اى من الذين يشهدون الحج مَنْ يَقُولُ فى ذكره طالبا خير الدارين رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً هى الصحة والكفاف والتوفيق للخير وفي التيسير الحسنة جامعة لكل الخيرات في الدارين وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً هى الثواب والرحمة قال الشيخ ابو القاسم الحكيم حسنة الدنيا عيش على سعادة وموت على شهادة وحسنة الآخرة بعث من القبر على بشارة وجواز على الصراط على سلامة وَقِنا اى احفظنا عَذابَ النَّارِ بالعفو والمغفرة وعن على كرم الله وجهه ان الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحوراء وعذاب النار المرأة السوء: قال السعدي چومستور باشد زن خوب روى ... بديدار او در بهشتست شوى وتلخيصه أكثروا ذكر الله وسلو. سعادتكم في داريه وترك ذكر من قصر دعاءه على طلب الآخرة فقط لان طالب الآخرة فقط بحيث لا يحتاج الى طلب حسنة من الدنيا لا يوجد فى الدنيا أُولئِكَ اشارة الى الفريق الثاني وهم الداعون بالحسنتين لانه تعالى ذكر حكم الفريق الاول بقوله وما له فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا من للتبعيض اى لهم

стр. 319

نصيب عظيم كائن من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة او من أجل ما كسبوا لانهم استحقوا ذلك الثواب الحسن بسبب أعمالهم الحسنة ومن أجلها فتكون من ابتدائية لان العلة مبدأ الحكم ثم اومأ الى قدرته محذرا من الموت وحاثا على اعمال الخير بقوله وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ والحساب يراد به نفس الجزاء على الأعمال فان الحساب سبب للاخذ والعطاء واطلاق اسم السبب جائز شائع اى يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة لعدم احتياجه الى عقد يد او وعى صدر او نظر وفكر فاحذروا من الإخلال بطاعة من هذا شأن قدرته او يوشك ان يقيم القيامة ويحاسب الناس وفي خطبة بعض المتقدمين ولت الدنيا حذاء ولم يبق الاصابة كصبابة الإناء فليبادر المؤمن الى الطاعات واكتساب الحسنات والذكر في كل الحالات قال الحسن البصري اذكروني بما يذكر الصغير أباه فانه أول ما يتكلم يقول يا اب يا اب فعلى كل مسلم ان يقول يا رب يا رب وعن النبي ﵇ (أغبط أوليائي عندى مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة احسن عبادة ربه وأطاعه في السر وكان غامضا فى الناس لا يشار اليه بالأصابع وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك) ثم نقر بيده فقال (هكذا عجلت منيته قلت بواكيه قل ثراؤه) وكان رسول الله ﷺ يكثر ان يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار والاشارة فاذا قضيتم مناسك وصلتكم وبلغتم مبلغ الرجال البالغين من اهل الكمال فلا تأمنوا مكر الله ولا تهملوا وظائف ذكر الله فاذكروا الله كما تذكرون في حال طفوليتكم آباءكم للحاجة والافتقار بالعجز والانكسار وفي حال رجوليتكم للحجة والافتخار بالمحبة والاستظهار فاذكروا الله افتقارا وافتخارا او أشد ذكرا وأكد في الافتخار لانه يمكن للطفل الاستغناء عن الله بولي وكذلك البالغ يحتمل ان يفتخر بغير الله ولكن العباد ليس لهم من دون الله من ولى ولا واق فمن الناس من اهل الطلب والسلوك من يقول بتسويل النفس وغرورها بحسبان الوصول والكمال عند النسيان وتغير الأحوال ربنا آتنا في الدنيا حسنة يعنى تميل نفسه الى الدنيا وتنسى المقصد الأصلي ويظن الطالب الممكور انه قد استغنى عن الاجتهاد فاهمل وظائف الذكر ورياضة النفس ومخاطرة القلب ومراقبة السر فاستولت عليه النفس وغلب عليه الهوى واستهوته الشياطين في الأرض حيران حتى أوقعته في اودية الهجران والفراق وما له في الآخرة من خلاق ومنهم اى من اهل الوصول وارباب الفتوة من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة نعمة من النعم الظاهرة كالعافية والصحة والسعة والفراغة والطاعة واستطاعة البدن والوجاهة والإرشاد والأخلاق وفي الآخرة حسنة نعمة من النعم الباطنة هي الكشوف والمشاهدات وانواع القربات والمواصلات وقنا عذاب النار اى نار القطيعة وحرقة الفراق أولئك لهم نصيب اى لهؤلاء البالغين الواصلين نصيب وافر مما كسبوا من المقامات والكرامات ومما سألوا من إيتاء الحسنات والله سريع الحساب لكلا الفريقين فيما سألوه اى يعطيهم بحسب نياتهم على قدر هممهم وطوياتهم كذا في التأويلات النجمية وَاذْكُرُوا اللَّهَ اى كبروه أعقاب الصلوات وعند ذبح القرابين ورمى الجمار وغيرها فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فى ايام التشريق هي ثلاثة ايام بعد يوم النحر. أولها يوم القر وهو الحادي عشر

стр. 320

من ذى الحجة يستقر الناس فيه بمنى. والثاني يوم النفر الاول لان بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى. والثالث يوم النفر الثاني وهذه الأيام الثلاثة مع يوم النحر ايام رمى الجمار وايام التكبير ادبار الصلوات وفي الحديث (كبر دبر كل صلاة من يوم عرفة الى آخر ايام التشريق) وسميت معدودات لقلتهن كقوله تعالى دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ اى قليلة. والأيام المعلومات في قوله تعالى وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فى ايام معلومات في سورة الحج عشر ذى الحجة آخرهن يوم النحر وفي الكواشي معدودات جمع معدودة وايام جمع يوم ولا ينعت المذكر بمؤنث فلا يقال يوم معدودة وقياسه فى ايام معدودة لان الجمع قد ينعت بالمؤنث كقوله تعالى لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قالوا ووجهه انه اجرى معدودات على لفظ ايام وقابل الجمع بالجمع مجازا انتهى فَمَنْ تَعَجَّلَ اى استعجل وطلب الخروج من منى فِي يَوْمَيْنِ فى تمام يومين بعد يوم النحر واكتفى برمى الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمى في اليوم الثالث فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بهذا التعجيل وهو مرخص له فعند ابى حنيفة ﵀ ينفر قبل طلوع الفجر من اليوم الثالث ومحصله ان على الحاج ان يبيت بمنى الليلة الاولى والثانية من ايام التشريق ويرمى كل يوم بعد الزوال احدى وعشرين حصاة عند كل جمرة سبع حصيات ورخص في ترك البيتوتة لرعاء الإبل واهل سقاية الحاج ثم كل من رمى اليوم الثاني من ايام التشريق وأراد ان ينفر بعد البيتوتة في الليلة الاولى والثانية من ايام التشريق ورمى يوميهما فذلك له واسع لقوله تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه ان يبيت حتى يرمى اليوم الثالث ثم ينفر وَمَنْ تَأَخَّرَ عن الخروج حتى رمى في اليوم الثالث قبل الزوال او بعده ثم يخرج إذا فرغ من رمى الجمار كما يفعل الناس الآن وهو مذهب الشافعي والإمامين فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بترك الترخص والمعنى انهم مخيرون بين التعجيل والتأخير فان قلت أليس التأخير بأفضل قلت بلى ويجوز ان يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار وان كان الصوم أفضل وانما أورد بنفي الإثم تصريحا بالرد على اهل الجاهلية حيث كانوا فريقين منهم من جعل المتعجل آثما ومنهم من جعل المتأخر آثما فورد القرآن بنفي الإثم عنهما جميعا لِمَنِ اتَّقى خبر مبتدأ محذوف اى الذي ذكر من التخيير ونفى الإثم عن المتعجل والمتأخر لمن اتقى اى مختص بمن اتقى المناهي لانه الحاج على الحقيقة والمنتفع به لانه تعالى قال إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ومن كان ملوثا بالمعاصي قبل حجه وحين اشتغاله به لا ينفعه حجه وان كان قدادى الفرائض ظاهرا وَاتَّقُوا اللَّهَ اى حال الاشتغال باعمال الحج وبعده ليعتد بأعمالكم فان المعاصي تأكل الحسنات عند الموازنة وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ اى تبعثون وتجمعون للجزاء على أعمالكم وهو تأكيد للامر بالتقوى وموجب للامتثال به فان علم بالحشر والمحاسبة والجزاء كان ذلك من أقوى الدواعي الى ملازمة التقوى وكانوا إذا رجعوا من حجهم يجترئون على الله بالمعاصي فشدد في تحذيرهم قال ابو العالية يجيئ الحاج يوم القيامة ولا اثم عليه إذا اتقى فيما بقي من عمره فلم يرتكب ذنبا بعد ما غفر له في الحج والمذنب المصر إذا حج فلا يقبل منه لعوده الى ما كان عليه فعلامة الحج المبرور ان يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة فاذا
следующие страницы →