Полный текст (5 110 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
فى تكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها اولا وآخرا باعتبارين للدلالة على فضلها وانا؟؟؟ فتها على سائر الطاعات وتكرير الموصولات لتنزيل اختلاف الصفات منزلة اختلاف الذوات إيذانا بأن كل واحدة من تلك الصفات حقيق بأن يفردلها موصوف مستقل لشأنها الخطير ولا يجعل شىء منها تتمة للاخرى قال بعضهم دلت هذه الآية على ان التغاير المفهوم من العطف ليس بذاتى بلى هو اعتباري إذ لا يخفى انه ليس المراد من الدائمين طائفة والمحافظين اخرى فالمقصود مدح المؤمنين بما كانوا عليه فى عهد رسول الله من الأخلاق الحسنة والأعمال المرضية ففيه ترغيب لمن يجيئ منهم الى يوم القيامة وترهيب عن المخالفة قال فى برهان القرآن قوله الا المصلين عد عقيب ذكرهم الخصال المذكورة أول سورة المؤمنين وزاد فى هذه السورة والذين هم بشهاداتهم قائمون لانه وقع عقيب قوله والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون واقامة الشهادة امانة يؤديها إذا احتاج إليها صاحبها لاحياء حق فهى إذا من جملة الامانة فى سورة المؤمنين وخصت هذه السورة بزيادة بيانها كما خصت باعادة ذكر الصلاة حيث يقول والذين هم على صلاتهم يحافظون بعد قوله الا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون انتهى وقال القاشاني والذين هم على صلاة القلب وهى المراقبة يحافظون او صلاة النفس على الظاهر وفى فتح الرحمن واتفق القراء على الافراد فى صلاتهم هنا وفى الانعام بخلاف الحرف المتقدم فى المؤمنين لانه لم يكتنفها فيهما ما كتفها فى المؤمنين قبل وبعد من عظيم الوصف المتقدم وتعظيم الجزاء فى المتأخر فناسب لفظ الجمع ولذلك قرأ به اكثر لقرآء ولم يكون ذلك فى غيرها فناسب الافراد أُولئِكَ المصوفون بما ذكر من الصفات الفاضلة فِي جَنَّاتٍ اى مستقرون فى جنات لا يقادر قدرها ولا يدرك كنهها مُكْرَمُونَ بالثواب الابدى والجزاء السرمدي اى سيكونون كذلك فكأن الإكرام فيها واقع لهم الآن وهو خبر آخر أو هو الخبر وفى جنات متعلق به قدم عليه لمراعاة الفواصل او بمضمر هو حال من الضمير فى الخبر أي مكرمون كأنيين فى جنات فَمالِ الَّذِينَ اى فما بال الذين كَفَرُوا وحرموا من الاتصاف بالصفات الجليلة المذكورة وما استفهامية للانكار فى موضع رفع بالابتداء والذين كفروا خبرها واللام الجارة كتبت مفصولة اتباعا لمصحف عثمان رضى الله عنه قال فى فتح الرحمن وقف ابو عمرو والكسائي بخلاف عنه على الالف دون اللام من قوله فمال هؤلاء فى النساء ومال هذا الكتاب فى الكهف ومال هذا الرسول فى الفرقان وفمال الذين فى سأل ووقف الباقون فى فمال على اللام اتباعا للخط بخلاف عن الكسائي قال ابن عطية ومنعه قوم جملة لانها حرف جر فهى بعض المجرور وهذا كله بحسب ضرورة وانقطاع نفس واما ان اختار أحد الوقف فيما ذكرناه ابتداء فلا انتهى قِبَلَكَ حال من المنوي فى للذين كفروا اى فمالهم ثابتين حولك مُهْطِعِينَ حال من المتمكن فى قبلك من الإهطاع وهو الاسراع اى مسرعين نحوك مادى أعناقهم إليك مقبلين بأبصارهم عليك عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ الجار متعلق بعزين لانه بمعنى مفترقين وعزين حال بعد حال من المنوي فى للذين اى فرقاشتى وبالفارسية كروه كروه
стр. 4727
حلقه زدكان. جمع عزة وهى الفرقة من الناس وأصلها عزوة من العزو بمعنى الانتماء والانتساب كأن كل فرقة تعتزى الى غير من تعتزى اليه الاخرى اما فى الولادة او فى المظاهرة فهم مفترقون كان المشركون يتحلقون حول رسول الله حلقا حلقا وفرقا فرقا ويستهزئون بكلامه ويقولون ان دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم فنزت أَيَطْمَعُ الطمع نزوع النفس الى الشيء شهوة له واكثر الطمع من جهة الهوى كُلُّ امْرِئٍ هر مردى مِنْهُمْ اى من هؤلاء المهطعين أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ بالايمان اى جنة ليس فيها الا التنعم المحض من غير تكدر وتنغص كَلَّا ردع لهم عن ذلك الطمع الفارغ اى اتركوا هذا الطمع واقطعوا مثل هذا الكلام وبالفارسية نه اينچنين است وكافرانرا در بهشت راه نيست آن. قيل كيف يكون الطمع وهم قالوا ذلك استهزاء أجيب بأن الله عليم بأحوالهم فلعل منهم من كان يطمع والا فيكون المراد من الردع قطع وهم الضعفاء عن احتمال صدق قولهم لعل وجه إيراد يدخل مجهولا من الإدخال دون يدخل معلوما من الدخول مع انه الظاهر فى رد قولهم لندخلنها اشعار بأنه لا يدخل من يدخل الا بإدخال الله وامره للملائكة به وبأنهم محرومون من شفاعة تكون سببا للدخول وبأن اسناد الدخول اخبارا وإنشاء انما يكون للمرضى عنهم والمكرمين عند الله بايمانهم وطاعتهم كقوله تعالى أولئك يدخلون الجنة وقوله ادخلوا الجنة وفى تنكير جنة اشعار بأنهم مردودون من كل جنة وان كانت الجنان كثيرة وفى توصيفها بنعيم اشعار بأن كل جنة مملوءة بالنعمة وان من طرد من راحة النعيم وقع فى كدر الجحيم وفى إيراد كل اشعار بأن من آمن منهم بعد قولهم هذا وأطلع الله ورسوله حق له الطمع وتعميم للردع لكل منهم كائنا من كان ممن لم يؤمن إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ كما قال ولقد علمتم النشأة الاولى وهو كلام مستأنف ومن ذلك وضع السجاوندى علامة الطاء على كلالتمام الكلام عنده قد سيق تمهيدا لما بعده من بيان قدرته تعالى على أن يهلكهم لكفرهم بالبعث والجزاء واستهزائهم برسول الله وبما نزل عليه من الوحى وادعائهم دخو الجنة بطريق السخرية وينشئ بدلهم قوما آخرين فان قدرته تعالى على ما يعلمون من النشاة الاول من حال النطفة ثم العلقة ثم المضغة حجة بينة على قدرته تعالى على ذلك كما تفصح عنه الفاء الفصيحة فى قوله تعالى فلا أقسم وفى التأويلات النجمية انا خلقناهم من الشقاوة الازلية للعداوة الأبدية باليد اليسرى الجلالية القهرية كيف ينزلون مكان من خلقهم من السعادة الأزلية للمحبة الأبدية باليد اليمنى الجالية اللطفية هذا مما يخالف الحكمة الالهية والاردة السرمدية ولا عبرة بالنطفة والطين لاشتراك الكل فيهما وانما العبرة بالاصطفائية والخاصية فى المعرفة فمن عرف الله كان فى جوار الله لان ترابه من ترات الجنة فى الحقيقة وروحه من نور الملكوت ومن جهله كان فى بعد عنه لانه من عالم النار فى الحقيقة وكل يرجع الى أصله فَلا أُقْسِمُ اى أقسم كما سبق نظائره (وقال الكاشفى) فلا پس نه چنانست كه كفار ميكويند اقسم سوكند ميخورم بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ جمع
стр. 4728
المشارق والمغارب اما لان المراد بهما مشرق كل يوم من السنة ومغربه فيكون لكل من الصيف والشتاء مائة وثمانون مشرقا ومغربا وبالفارسية بآفريدگار مشرقها كه آفتاب دارد وهر روز از نقطه ديكر طلوع مينمايد وبخداوند مغربها كه آفتاب راهست وهر روز بنقطه ديكر غروب ميكند او مشرق كل كوكب ومغربه يعنى مراد مشارق ومغارب نجومست چهـ هر يك از ايشان را محل شروق وغروب از دائرة أفق نقطه ديكرست. او المراد بالمشرق ظهور دعوة كل نبى وبالمغرب موته أو المراد انواع الهدايات والخذلانات إِنَّا لَقادِرُونَ جواب القسم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ اى نبدلهم حذف المفعول الاول للعلم به وخيرا مفعوله الثاني بمعنى التفضيل على التسليم إذ لا خير فى المشركين او نهلكهم بالمرة حسبما تقتضيه جناياتهم ونأتى بدلهم بخلق آخرين ليسوا على صفتهم ولم تقع هذا التبديل وانما ذكر الله ذلك تهديدا لهم لكى يؤمنوا وقيل بدل الله بهم الأنصار والمهاجرين وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ بمغلوبين ان أردنا ذلك لكن مشيئتنا المبنية على الحكم البالغة اقتضت تأخير عقوباتهم وبالفارسية يعنى كسى بر ما پيشى نتواند كرفت اگر اراده امرى كنيم ومغلوب نتوان ساخت در اظهار آن.
وقيل عاجزين لان من سبق الى شىء عجز فَذَرْهُمْ فخلهم وشأنهم يَخُوضُوا ويشرعوا فى باطلهم الذي من جملته ما حكى عنهم وهو جواب الأمر وهو تهديد لهم وتوبيخ كقوله اعملوا ما شئتم وَيَلْعَبُوا فى الدنيا بالاشتغال بما لا ينفعهم وأنت مشتغل بمأمرت به وهذه الآية منسوخة بالسيف حَتَّى يُلاقُوا من الملاقاة بمعنى المعاينة يَوْمَهُمُ هو يوم البعث عند النفخة الثانية والاضافة لانه يوم كل الخلق وهم منهم أو لأن يوم القيامة يوم الكفار من حيث العذاب ويوم المؤمنين من جهة الثواب فكأنه يومان يوم للكافرين ويوم للمؤمنين الَّذِي يُوعَدُونَ الآن او على الاستمرار وهو من الوعد كقولهم متى هذا الوعد ويجوز أن يكون من الإيعاد وهو بالفارسية بيم كردن يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ بدل من يومهم ولذا حمل على يوم البعث جمع جدث وهو القبر سِراعاً حال من مرفوع يخرجون جمع سريع كظراف جمع ظريف اى مسرعين الى جانب الداعي وصوته وهو اسرافيل ينادى على الصخرة كما سبق كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ حال ثانية من المرفوع وهو كل ما نصب فعبد من دون الله وعن ابن عمر رضى الله عنهما هو شبكة يقع فيها الصيد فيسارع إليها صاحبها وأحد الأنصاب كما قال تعالى وما ذبح على النصب وكان للعرب حجارة تعبدها وتذبح عليها وقال الأخفش جمع نصب كرهن ورهن والأنصاب جمع الجمع يُوفِضُونَ من الايفاض وهو بالفارسية شتافتن. وأصله متعد أي يسرعون أيهم يستمله اولا وفيه تهجين لحالهم الجاهلية وتهكم بهم بذكر جهالتهم التي اعتادوها من الاسراع الى ما لا يملك نفعا ولا ضرا خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ حال من فاعل يوفضون وأبصارهم فاعلها على الاسناد المجازى يعنى وصفت أبصارهم بالخشوع مع انه وصف الكل لغاية ظهور آثاره فيها والمعنى ذليلة خاضعة لا يرفعون ما يتوقعون من العذاب تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ هو ايضا حال من فاعل يوفضون اى تغشاهم ذلة شديدة وحقارة عظيمة وهو بالفارسية خوارى ونكونسارى ذلِكَ
стр. 4729
اليوم المذكور الذي سيقع فيه الأحوال الهائلة وهو مبتدأ خبره قوله الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ اى يوعدونه فى الدنيا على ألسنة الرسل وهم يكذبون به فاندفع توهم التكرار لان الوعد الاول محمول على الآنى والاستمراري كما مر وهذا الوعد محمول على الماضي بدلالة لفظ كان وفى الذلة اشارة الى ذلة الأنانية فانهم يوم يخرجون من الأجداث يسارعون الى صور تناسب هيئاتهم الباطنة فيكون أهل الأنانية فى أنكر الصور بحيث يقع المسخ على ظاهرهم وباطنهم كما وقع لا بليس بقوله أنا خير منه فكما ان إبليس طرد من مقام القرب ورهقته ذلة البعد فكذا من فى حكمه من الانس ولذا كان السلف يبكون دما من الأخلاق السيئة لا سيما ما يشعر بالانانية من آثار التعيين فان التوحيد الحقيقي هو أن يصير العبد فانيا عن نفسه باقيا بربه فاذا لم يحصل هذا فقد بقي فيه بقية من الناسوتية وكل اناء يرشح بما فيه فطوبى لمن ترشح منه الحق لا النفس والله أسأل أن يكرمنى به وإياكم تمت سورة المعارج بعون خالق الداخل والخارج فى العاشر من شوال سنة ست عشرة ومائة الف
سورة نوح
مكية وآيها سبع او ثمان وعشرون بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ مر سر نون العظمة مرارا والإرسال يقابل بالإمساك يكون للتسخير كارسال الريح والمطر ببعث من له اختيار نحو إرسال الرسل وبالتخلية وترك المنع نحو انا أرسلنا الشياطين على الكافرين قال قتادة أرسل نوح من جزيرة فذهب إليهم ونوح اسمه عبد الغفار ﵇ سمى نوحا لكثرة نوحه على نفسه او هو سريانى معناه الساكن لان الأرض طهرت من خبث الكفار وسكنت اليه وهو أول من اوتى الشريعة فى قول وأول اولى العزم من الرسل على قول الأكثرين وأول نذير على الشرك وكان قومه يعبدون الأصنام وأول من عذبت أمته وهو شيخ المرسلين بعث ابن أربعين سنة او ثلاثمائة وخمسين او اربعمائة وثمانين ولبث فيهم ألف سنة الا خمسين عاما وعاش بعد الطوفان تسعين سنة قال بعض من تصدى للتفسير فيه دلالة على انه لم يرسل الى اهل الأرض كلهم لانه تعالى قال الى قومه فلو أرسل الى الكل لقيل الى الخلق او ما يشابهه كما قيل لرسول الله وما أرسلناك الا كافة للناس ولقول رسول الله كان النبي يبعث الى قومه خاصة وبعثت الى الناس عامة ثم قال ان قيل فيما جريمة غير قومه حتى عممهم فى الدعاء عليهم كما قال لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا فانه إذا لم يرسل إليهم لم يكن كلهم مخالفا لامره وعاصيا له حتى يستحقوا الدعاء بالإهلاك أجيب بأنه يحتمل انه تحقق ان نفوس كفرة زمانه على سجية واحدة يستحقون بذلك أن يدعى عليهم بالإهلاك ايضا انتهى وفنه نظر لانه قال فى انسان العيون فى قوله ﵇ وكان كل نبى انما يرسل الى قومه اى جميع اهل زمنه او جماعة منهم خاصة ومن الاول نوح ﵇ فانه كان مرسلا لجميع من كان فى زمنه من أهل الأرض ولما أخبر بأنه لا يؤمن منهم الا من آمن معه وهم اهل السفينة وكانوا ثمانين أربعين رجلا وأربعين امرأة او كانوا
стр. 4730
أربعمائة كما فى العوارف وقد يقال من الآدميين وغيرهم فلا مخالفة دعا على من عدا من ذكر باستئصال العذاب لهم فكان الطوفان الذي كان به هلاك جميع أهل الأرض الا من آمن ولو لم يكن مرسلا إليهم ما دعا عليهم بسبب مخالفتهم له فى عبادة الأصنام لقوله تعالى وما كنا معذبين اى فى الدنيا حتى نبعث رسولا وقول بعض المفسرين أرسل الى آل قابيل لا ينافى ما ذكر لانه يجوز أن يكون آل قابيل اكثر أهل الأرض وقتئذ وقد ثبت ان نوحا ﵇ أول الرسل اى لمن يعبد الأصنام لان عبادة الأصنام أول ما حدثت فى قومه وأرسله الله إليهم ينهاهم عن ذلك وحينئذ لا يخالف كون أول الرسل آدم أرسله الله الى أولاده بالايمان به تعالى وتعليم شرائعه فان قلت إذا كانت رسالة نوح عامة لجميع اهل الأرض كانت مساوية لرسالة نبينا ﵇ قلت رسالة نوح ﵇ عامة لجميع أهل الأرض فى زمنه ورسالة نبينا محمد ﵇ عامة لجميع من فى زمنه ومن يوجد بعد زمنه الى يوم القيامة فلا مساواة وحينئذ يسقط السؤال وهو أنه لم يبق بعد الطوفان الا مؤمن فصارت رسالة نوح عامة ويسقط جواب الحافظ ابن حجر عنه بأن هذا العموم الذي حصل بعد الطوفان لم يكن من أصل بعثته بل طرأ بعد الطوفان بخلاف رسالة نبينا ﵇ أَنْ اى أَنْذِرْ قَوْمَكَ خوفهم بالنار على عبادة الأصنام كى ينتهوا عن الشرك ويؤمنوا بالله وحده فان مفسرة لما فى الإرسال من معنى القول ويجوز أن تكون مصدرية حذف منها الجار وأوصل إليها الفعل اى بأن أنذرهم وجعلت صلتها امرا كما فى قوله تعالى وأن أقم وجهك لان مدار وصلها بصيغ الافعال دلالتها على المصدر وذلك لا يختلف بالخبرية والانشائية ووجوب كون الصلة خبرية فى الموصول الاسمى انما هو للتوصل الى وصف المعارف بالجمل وهى لا توصف الا بالجمل الخبرية وليس الموصول الحرفى كذلك وحيث استوى الخبر والإنشاء فى الدلالة على المصدر استويا فى صحة الوصل بها فيتجرد عند ذلك كل منهما عن المعنى الخاص بصيغته فيبقى الحدث المجرد عن معنى الأمر والنهى والمضي والاستقبال كأنه قيل أرسلناه بالإنذار كذا فى الإرشاد وقال بعض العارفين الأنبياء والأولياء فى درجات القرب على تفاوت فبعضهم يخرج من نور الجلال وبعضهم من نور الجمال وبعضهم من نور العظمة وبعضهم من نور الكبرياء فمن خرج من نور الجمال أورث قومه البسط والانس ومن خرج من نور العظمة أورث قومه الهيبة والجلال وكان نوح مشكاة نور عظمة الله ولذلك أرسله الى قومه بالإنذار فلما عصوه أخذهم بالقهر مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ من الله تعالى عَذابٌ أَلِيمٌ عاجل كالطوفان والغرق او آجل كعذاب لآخرة لئلا يبقى لهم عذرما أصلا كما قال تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل والأليم بمعنى المؤلم او المتألم مبالغة والألم جسمانى وروحانى والثاني أشد كأنه قيل فما فعل نوح ﵇ فقيل قالَ لهم يا قَوْمِ اى كروه من وأصله يا قومى خاطبهم بإظهار الشفقة عليهم وارادة الخير لهم وتطبيبا لهم إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ منذر من عاقبة الكفر والمعاصي وأفرد الانذار مع كونه بشيرا ايضا لان الانذار أقوى فى تأثير الدعوة لما ان اكثر الناس يطيعون اولا بالخوف من القهر وثانيا بالطمع فى العطاء وأقلهم يطيعون
стр. 4731
بالمحبة للكمال والجمال. يقول الفقير الظاهر ان الانذار أول الأمر كما قال تعالى لنبينا ﵇ قم فأنذر والتبشير ثانى الأمر كما قال تعالى وبشر المؤمنين فالانذار يتعلق بالكافرين والتبشير بالمؤمنين وان أمكن تبشير الكفار بشرط الايمان لا فى حال الكفر فانهم فى حال الكفر انما يستحقون التبشير التهكمى كما قال تعالى فبشرهم بعذاب أليم مُبِينٌ موضح لحقيقة الأمر بلغة تعرفونها او بين الانذار أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ متعلق بنذير اى بأن اعبدوا الله والأمر بالعبادة يتناول جميع الواجبات والمندوبات من افعال القلوب والجوارح وَاتَّقُوهُ يتناول الزجر عن جميع المحظورات والمكروهات وَأَطِيعُونِ يتناول أمرهم بطاعته فى جميع المأمورات والمنهيات والاعتقاديات والعمليات وفى التأويلات النجمية اى فى اخلاقى وصفاتى وأفعالي وأعمالي وأقوالي وأحوالي انتهى وهذا وان كان داخلا فى الأمر بعبادة الله وتقواه الا انه خصه بالذكر تأكيدا فى ذلك التكليف ومبالغة فى تقريره قال بعضهم أصله وأطيعوني بالياء ولم يقل وأطيعوه بالهاء مع مناسبته لما قبله يعنى أسند الا طاعة الى نفسه لما ان إطاعة الرسول إطاعة الله كما قال تعالى من بطع الرسول فقد أطاع الله وقال تعالى وأطيعوا الرسول فاذا كانوا مأمورين باطاعة الرسول فكان للرسول ان يقول وأطيعون وايضا ان الاجابة كانت تقع له فى الظاهر يَغْفِرْ لَكُمْ جواب الأمر مِنْ ذُنُوبِكُمْ اى بعض ذنوبكم وهو ما سلف فى الجاهلية فان الإسلام يجب ما قبله لا ما تأخر عن الإسلام فانه يؤاخذ به ولا يكون مغفورا بسبب الايمان ولذلك لم يقل يغفر لكم ذنوبكم بطى من التبعيضية فانه يعم مغفرة جميع الذنوب ما تقدم منها وما تأخر وقيل المراد ببعض الذنوب بعض ما سبق على الايمان وهو ما لا يتعلق بحقوق العباد وَيُؤَخِّرْكُمْ بالحفظ من العقوبات المهلكة كالقتل والإغراق والإحراق ونحوها من اسباب الهلاك والاستئصال وكان اعتقادهم ان من أهلك بسبب من هذه الأسباب لم يمت بأجله فخاطبهم على المعقول عندهم فليس يريد أن الايمان يزيد فى آجالهم كذا فى بعض التفاسير إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى معين مقدر عند الله والاجل المدة المضروبة للشئ قال فى الإرشاد وهو الأمد الأقصى الذي قدره الله لهم بشرط الايمان والطاعة صريح فى ان لهم أجلا آخر لا يجاوزونه ان لم يؤمنوا به وهو المراد بقوله تعالى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ وهو ما قدر لكم على تقدير بقائكم على الكفر وهو الاجل القريب المطلق الغير المبرم بخلاف الاجل المسمى فانه البعيد المبرم وأضيف الاجل هنا الى الله لانه المقدر والخالق أسبابه وأسند الى العباد فى قوله إذا جاء أجلهم لانهم المبتلون المصابون إِذا جاءَ وأنتم على ما أنتم عليه من الكفر لا يُؤَخَّرُ فبادروا الى الايمان والطاعة قبل مجيئه حتى لا يتحققى شرطه الذي هو بقاؤكم على الكفر فلا يجيئ ويتحقق شرط التأخير الى الاجل المسمى فتؤخروا اليه فالمحكوم عليه بالتأخير هو الاجل المشروط بشرط الايمان والمحكوم عليه بامتناعه هو الاجل المشروط بشرط البقاء على الكفر فلا تناقض لانعدام وحدة الشرط ويجوز أن يراد به وقت إتيان العذاب المذكور فى قوله تعالى من قبل ان يأتيهم عذاب أليم فانه أجل موقت له حتما لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شيأ
стр. 4732
لسارعتم الى ما أمرتكم به او لعلمتم ان الاجل لا تأخير فيه ولا إهمال وفيه اشارة الى انهم ضيعوا اسباب العلم وآلات تحصيله بتوغلهم فى حب الدنيا وطلب لذاتهم حتى بلغوا بذلك الى حيث صاروا كأنهم شاكون فى الموت
روزى كه أجل در آيد از پيش و پست ... شك نيست كه مهلت ندهد يك نفست
يارى نرسد در ان دم از هيچ كست ... بر باد شود جمله هوا وهوست
قالَ اى نوح مناجيا لربه وحاكيا له وهو أعلم بحال ما جرى بينه وبين قومه من القيل والقال فى تلك المدد الطوال بعد ما بذل فى الدعوة غاية المجهود وجاوز فى الانذار كل حد معهود وضاقت عليه الحيل وعيت به العلل رَبِّ اى پروردگار من إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي الى الايمان والطاعة لَيْلًا وَنَهاراً فى الليل والنهار أي دائما من غير فتور ولا توان فهما ظرفان لدعوت أراد بهما الدوام على الدعوة لان الزمان منحصر فيهما وفى كشف الاسرار بشبها در خانهاى ايشان وبروزها در انجمنهاى ايشان. وكان يأتى باب أحدهم ليلا فيقرع الباب فيقول صاحب البيت من على الباب فيقول أنا نوح قل لا اله الا الله فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً مما دعوتهم اليه وفى التأويلات النجمية من متابعتى ودينى وما أنا عليه من آثار وحيك والفرار وبالفارسية كريختن. وهو مفعول ثان لقوله لم يزدهم لانه يتعدى الى مفعولين يقال زاده الله خيرا وزيده فزاد وازداد كما فى القاموس واسناد الزيادة الى الدعاء مع انها فعل الله تعالى لسببيته لها والمعنى ان الله يزيد الفرار عند الدعوة الصرف المدعو اختياره اليه وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ اى الى الايمان وفى التأويلات النجمية كلما دعوتهم بلسان الأمر مجردا عن انضمام الارادة الموجبة لوقوع المأمور فان الأمر إذا كان مجردا عن الارادة لا يجب ان يقع المأمور به بخلاف ما إذا كان مقرونا بالارادة فانه لا بد حينئذ من وقوع المأمور به لِتَغْفِرَ لَهُمْ بسببه جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ اى سدوا مسامعهم من استماع الدعوة فالجعل المذكور كناية عن هذا السد ولا مانع من الحمل على حقيقته بأن يدخلوا أصابعهم فى ثقب آذانهم قصدا الى عدم الاستماع وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ الاستغشاء جامه بسر در كشيدن. كما فى تاج المصادر مأخوذ من الغشاء وهو الغطاء وفى الأصل اشتمال من فوق ولما كان فيه معنى الستر استعمل بمعناه واصل الاستغشاء طلب الغشي اى الستر لكن معنى الطلب هنا ليس بمقصود بل هو بمعنى التغطى والستر وانما جيئ يصيغته التي هى السين للمبالغة والثياب جمع ثوب سمى به لثوب الغزل اى رجوعه الى الحالة التي قدرلها والمعنى وبالغوا فى التغطى بثيابهم كأنهم طلبوا منها ان تغشاهم اى جميع اجزاء بدنهم آلة الابصار وغيرها لئلا يبصروه كراهة النظر اليه فان المبطل يكره رؤية المحق للتضاد الواقع بينهما وقس عليهما المتكبر والكافر والمبتدع بالنسبة الى المتواضع والمؤمن والسنى او لئلا يعرفهم فيدعوهم. يقول الفقير هذا الثاني ليس بشئ لان دعوته على ما سبق كانت عامة لجميع من فى الأرض ذكورهم وإناثهم والمعرفة ليست من شرط الدعوة واشتباه الكافر بالمؤمن مدفوع بأن المؤمن كان اقل القليل
стр. 4733
معلوما على كل حال على ان التغطى من موجبات الدعوة لان بذلك يعلم كونه من اهل الفرار إذ لم يكن فى ذلك الزمان حجاب وقال بعضهم ويجوز ان يكون التغطى مجازا عن عدم ميلهم الى الاستماع والقبول بالكلية لان من هذا شأنه لا يسمع كلامه غيره وَأَصَرُّوا اى أكبوا وأقاموا على الكفر والمعاصي وفى قوله القلوب الإصرار يكون بمعنى ان يعقد بقلبه انه متى قدر على الذنب فعله او لا يعقد الندامة ولا التوبة منه واكبر الإصرار السعى فى طلب الأوزار (وفى تاج المصادر) الإصرار بر چيزى باستادن وكوش راست كردن است. يقال أصر الحمار على العانة وهى القطيع من حمر الوحش إذا ضم اذنيه الى رأسه واقبل عليها يكدمها ويطردها استعير للاقبال على الكفر والمعاصي والإكباب عليهما بتشبيه الإقبال المذكور بإصرار الحمار على العانة يكدمها ويطردها ولو لم يكن فى ارتكاب المعاصي الا التشبيه بالحمار لكفى به مزجرة فكيف والتشبيه فى أسوأ حاله وهو حال الكدم والطرد للسفاد وَاسْتَكْبَرُوا تعظموا عن اتباعى وطاعتى واخذتهم العزة فى ذلك اسْتِكْباراً شديدا لانهم قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال بعض العارفين من أصر على المعصية أورثته التمادي فى الضلالة حتى يرى قبيح اعماله حسنا فاذا رآه حسنا يتكبر ويعلو بذلك على اولياء الله ولا يقبل بعد ذلك نصيحتهم قال سهل قدس سره الإصرار على الذنب يورث النفاق والنفاق يورث الكفر ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ دعوة جِهاراً اى أظهرت لهم الدعوة يعنى آشكارا در محافل ايشان. والجهر ظهور الشيء بافراط لحاسة البصر أو حاسة السمع ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً اشارة الى ذكر عموم الحالات بعد ذكر عموم الأوقات اى دعوتهم تارة بعد تارة ومرة غب مرة على وجوه متخالفة وأساليب متقاوتة وثم لتفاوت الوجوه فان الجار أشد من الاسرار والجمع بينهما اغلظ من الافراد والإعلان ضد الاسرار يقال أسررت الى فلان حديثا أفضيت به اليه فى خفية اى من غير اطلاع أحد عليه وجهرت به اظهرته بحيث اطلع عليه الغير ويجوز ان يكون ثم لتراخى بعض الوجوه عن بعض بحسب الزمان بأن ابتدأ بمناصحتهم ودعوتهم فى السر فعاملوه بالأمور الاربعة وهى الجعل والتغطى والإصرار والاستكبار ثم؟؟؟ ثتى بالمجاهرة بعد ذلك فلما لم يؤثر جمع بين الإعلان والاسرار أي خلط دعاءه بالعلانية بدعاء السر فكما كلمهم جميعا كلمهم واحدا واحدا سرا وقال بعضهم آشكارا كردم مر بعضى ايشانرا يعنى باشكارا آواز برداشتم وباعلاى صوت دعوت كردم وبراز كفتم مر بعضى ديكر از ايشانرا. وفى بعض التفاسير ان نوحا ﵇ لما آذوه بحيث لا يوصف حتى كانوا يضربونه فى اليوم مرات عيل صبره فسأل الله ان يواريه عن أبصارهم بحيث يسمعون كلامه ولا يرونه فينالونه بمكروه ففعل الله ذلك به فدعاهم كذلك زمانا فلم يؤمنوا فسأل ان يعيده الى ما كان وهو قوله اعلنت لهم وأسررت لهم اسرارا وقال القاشاني ثم انى دعوتهم جهارا اى نزلت عن مقام التوحيد ودعوتهم الى مقام العقل وعالم النور ثم انى اعلنت لهم بالمعقولات الظاهرة وأسررت لهم فى مقام القلب بالاسرار الباطنة ليتو
стр. 4734
صلوا إليها بالمعقول فَقُلْتُ لهم عقيب الدعوة عطف على قوله دعوت اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ اطلبوا المغفرة منه لأنفسكم بالتوبة عن الكفر والمعاصي قبل الفوت بالموت إِنَّهُ تعالى كانَ غَفَّاراً للتائبين بجعل ذنوبهم كأن لم تكن والمراد من كونه غفارا فى الأزل كونه مريدا للمغفرة فى وقتها المقدر وهو وقت وجود المغفور له وفى كشف الاسرار كان صلة اليه ورؤية التقصير فى العبودية الندم على ما ضاع من ايامهم بالغفلة عن الله وفى الحديث (من اعطى الاستغفار لا يمنع المغفرة لانه تعالى قال استغفروا ربكم انه كان غفارا ولذا كان على رضى الله عنه يقول ما ألهم الله عبدا الاستغفار وهو يريد ان يعذبه وعن بعض العلماء قال الله تعالى ان أحب عبادى الى المتحابون بحبي والمعلقة قلوبهم بالمساجد والمستغفرون بالأسحار أولئك الذين إذا أردت اهل الأرض بعقوبة ذكرتهم فتركتهم وصرفت العقوبة عنهم والغفار ابلغ من الغفور وهو من الغافر واصل الغفر الستر والتغطية ومنه قيل لجنة الرأس مغفر لانه يستر الرأس والمغفرة من الله ستره للذنوب وعفوه عنها بفضله ورحمته لا بتوبة العباد وطاعتهم وانما التوبة والطاعة للعبودية وعرض الافتقار وفى بعض الاخبار عبدى لو أتيتنى بقراب اصرض ذنوبا لغفرتها لك ما لم تشرك بي (حكى) ان شيخا حج مع شاب فلما احرم قال لبيك اللهم لبيك فقيل له لا لبيك فقال الشاب للشيخ ألا تسمع هذا الجواب فقال كنت اسمع هذا الجواب منذ سبعين سنة قال فلاى شىء تتعب نفسك فبكى الشيخ فقال فالى اى باب التجئ فقيل له قد قبلناك
همه طاعت آرند ومسكين نياز ... بيا تا بدرگاه مسكين نواز
چوشاخ برهنه برآريم دست ... كه بي برك ازين بيش نتوان نشست
يُرْسِلِ السَّماءَ اى المطر كما قال الشاعر إذا نزل السماء بأرض قوم وقال بعضهم اى ماء السماء فحذف المضاف عَلَيْكُمْ حال كونه مِدْراراً اى كثير الدرور اى السيلان والانصباب وبالفارسية فرو كشايد بر شما باران پى در پى وبيهنكام. وفى الإرسال مبالغة بالنسبة الى الانزال وكذا المدرار صيغة مبالغة ومفعال مما يستوى فيه المذكر والمؤنث كقولهم رجل او امرأة معطار ويرسل جواب شرط محذوف اى ان تستغفروا يرسل السماء وفى قول النجاة فى مثلة انه جواب الأمر وهو هاهنا استغفر واتسامح فى العبارة اعتمادا على وضوح المراد وكسر اللام بالوصل لتحرك الساكن به كأن قوم نوح تعللوا وقالوا ان كنا على الحق فكيف نتركه وان كنا على الباطل فكيف يقبلنا بعد ما عكفنا عليه دهرا طويلا نأمرهم الله بما يمحق ما سلف منهم من المعاصي ويجلب عليهم المنافع وهو الاستغفار ولذلك وعدهم بالعوائد العاجلة التي هى أوقع فى قلوبهم من المغفرة وأحب إليهم إذا النفس حريصة بحب العاجل ولذلك جعلها جواب الأمر بأن قال يوسل السماء إلخ دون المغفرة بأن قال يغفر لكم ليرغبوا فيها ويشاهدوا ان اثرها وبركتها ما يقاس عليه حال المغفرة فالاشتغال بالطاعة سبب لانفتاح أبواب الخيرات كما ان المعصية سبب لخراب العالم بظهور اسباب القهر الإلهي وقيل لما كذبوه بعد تكرير الدعوة حبس الله عنهم القطر واعقم أرحام نسائهم أربعين سنة وقيل
стр. 4735
سبعين سنة فوعدهم ان آمنوا ان يرزقهم الله الخصب ويدفع عنهم ما كانوا فيه. يقول الفقير هذا القول هو الموافق للحكمة لان الله تعالى يبتلى عباده بالخير والشر ليرجعوا اليه ألا ترى الى قريش حيث ان الله جعل لهم سبع سنين كسنى يوسف بدعاء النبي ﵇ ليرجعو اعما كانوا عليه من الشرك فلم يرفعوا له رأسا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ اى يوصل إليكم ويعط لكم المدد والقوة بهما كما قال الله تعالى ويزدكم قوة الى قوتكم وَيَجْعَلْ لَكُمْ اى وينشئ لكم جَنَّاتٍ بساتين ذوات أشجار واثمار وَيَجْعَلْ لَكُمْ فيها أَنْهاراً جارية تزينها بالنبات وتحفظها عن اليبس وتفرح القلوب وتسقى النفوس كان الظاهر تقديم الجنات والأنهار على الامداد لكونهما من توابع الإرسال وانما أخرهما لرعاية رأس الآية وللاشعار بأن كلا منهما نعمة الهية على حدة وعن الحسن البصري قدس سره ان رجلا شكا اليه الجدب فقال استغفر الله وشكا اليه آخر الفقر وآخر قلة النسل وآخر قلة ربع ارضه فأمرهم كلهم بالاستغفار فقال له الربيع بن صبيح أتاك رجال يشكون أبوابا ويسألون أنواعا فأمرتهم كلهم بالاستغفار فتلاله الآية قال فى فتح الرحمن ولذلك شرع الاستغفار فى الاستسقاء وهو الدعاء بطلب السقيا على وجه مخصوص فاذا أجدبت الأرض وقحط المطر سن الاستسقاء بالاتفاق ومنع أبو حنيفة وأصحابه من خروج اهل الذمة ولم يمنعوا عند الثلاثة ولم يختلطوا بالمسلمين ولم يفردوا بيوم وقد سبق بعض تفصيله فى سورة البقرة ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً انكار لان يكون لهم سبب ما فى عدم رجائهم لله تعالى وقارا على ان الرجاء بمعنى الاعتقاد اى الظن بناء على انه اى الرجاء انما يكون بالاعتقاد وأدنى درجته الظن والوقار فى الأصل السكون والحلم وهو هاهنا بمعنى العظمة لانه يتسبب عنها فى الأغلب ولا ترجون حال من ضمير المخاطبين والعامل فيها معنى الاستقرار فى لكم ولله متعلق بمضمر وقع حالا من وقارا ولو تأخر لكان صفة له والمعنى اى سبب حصل لكم واستقر حال كونكم غير معتقدين لله عظمة موجية لتعظيمه بالايمان والطاعة له اى لا سبب لكم فى هذا مع تحقق مضمون الجملة الحالية وبالفارسية چيست شما را كه اميد نداريد يعنى نمى شناسيد مر خدايرا عظمت وبزركوارى واعتقاد نمى كنيد تا بترسيد از نافرمانئ او. وفى كشف الاسرار هذا الرجاء بمعنى الخوف والوقار العظمة اى لا تخافون لله عظمة وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما لكم لا تخشون منه عقابا ولا ترجون منه ثوابا بتوقيركم إياه وفى التأويلات النجمية ما لكم لا تطلبون ولا تكسبون من اسم الله الأعظم ما يوقركم عنده بالتخلق بكل اسم تحته حتى تصيروا بسبب تحققكم بجميع أسمائه الداخلة فيه مظهره ومجلاه وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً يقال فعل كذا طورا بعد طور أي تارة بعد تارة وعدا طوره اى تجاوز حده وقدره والمعنى والحال انكم على حالة منافية لما أنتم عليه بالكلية وهى انكم تعلمون انه تعالى خلقكم وقدركم تارات اى مرات حالا بعد حال عناصر ثم اغذية ثم اخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما ثم انشأكم خلقا آخر فان التقصير فى توقير من هذه شؤونه فى القرة القاهرة والإحسان التام مع العلم بها مما لا يكاد يصدر عن العاقل وقال بعضهم هى اشارة الى الأطوار السبعة المذكورة فى قوله ولقد خلقنا الإنسان من سلالة
стр. 4736
من طين ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين فهذه هى التارات والأحوال السبع المترتب بعضها على بعض كل تارة أشرف مما قبلها وحال الإنسان فيها احسن مما تقدمها
چون صورت تو بت نگارند بكشمير ... چون قامت تو سرو نه كارند بكشور
گر نقش تو پيش بت آزر بنگارند ... از شرم فرو ريزد نقش بت آزر
وقيل خلقكم صبيانا وشبانا وشيوخا وقيل طوالا وقصارا وأقوياء وضعفاء مختلفين فى الخلق والخلق كما قال تعالى واختلاف ألسنتكم وألوانكم وقيل خلقهم أطوارا حين أخرجهم من ظهر آدم للعهد ثم خلقهم حين اذن بهم ابراهيم ﵇ للحج ثم خلقهم ليلة اسرى برسول الله ﷺ فأراه إياهم وقال بعض اهل المعرفة خلقكم أطوارا من اهل المعرفة ومن اهل المحبة ومن اهل الحكمة ومن اهل التوحيد ومن اهل الشوق ومن اهل العشق ومن اهل الغناء ومن اهل البقاء ومن اهل الخدمة ومن اهل المشاهدة خلق طورا لارواح القدسية من نور الجبروت وطور العقول الهادية العارفة من نور الملكوت وطور القلوب الشائقة من معادن القربة وطور أجسام الصديقين من تراب الجنة فكل طور يرجع الى معدنه من الغيب أَلَمْ تَرَوْا يا قومى والاستفهام للتقرير والرؤية بمعنى العلم لعلهم علموا ذلك بالسماع من اهله او بمعنى الابصار والمراد مشاهدة عجائب الصنع الدال على كمال العلم والقدرة كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ حال كونها طِباقاً اى متطابقا بعضها فوق بعض كما سبق فى سورة الملك اتبع الدليل الدال على انه يمكن ان يعيدهم وعلى انه عظيم القدرة بدلائل الأنفس لان نفس الإنسان أقرب الأشياء اليه ثم اتبع ذلك بدلائل آفاق فقال وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً اى منور الوجه الأرض فى ظلمة الليل ونسبته الى الكل مع انه فى السماء الدنيا لان كل واحدة من السموات شفافة لا يحجب ما وراءها فيرى الكل كأنها سماه واحدة ومن ضرورة ذلك أن يكون ما فى واحدة منها كأنه فى الكل على انه ذهب ابن عباس وابن عمر ووهب بن منبه رضى الله عنهم الى ان الشمس والقمر والنجوم وجوهها مما يلى السماء وظهورها مما يلى الأرض وهو الذي يقتضيه لفظ السراج لان ارتفاع نوره فى طرف العلو ولولا ذلك لأحرقت جميع ما فى الأرض بشدة حرارتها فجعلها الله نورا وسراجا لأهل الأرض والسموات فعلى هذا ينبغى أن يكون تقدير ما بعده وجعل الشمس فيهن سراجا حذف لدلالة الاول عليه وَجَعَلَ الشَّمْسَ هى فى السماء الرابعة وقيل فى الخامسة وقال عبد الله بن عمر وبن العاص رضى الله عنهما فى الشتاء فى الرابعة وفى الصيف فى السابع ولو أضاءت من الرابعة او من السماء الدنيا لم يطق لها شىء (كما قال فى المثنوى)
آفتابى كز وى اين عالم فروخت ... اندكى كر پيش آيد جمله سوخت
سِراجاً من باب التشبيه البليع اى كالسراج يزيل ظلمة الليل عند الفجر ويبصر أهل الدنيا فى ضوئها الأرض ويشاهدون الآفاق كما يبصر أهل البيت فى ضوء السراج ما يحتاجون
стр. 4737
الى ابصاره وليس القمر بهذه المثابة انما هو نور فى الجملة. وحضرت رسول ﷺ بجهت آن چراغ كفته كه كما قال تعالى وسراجا منيرا نور وى تاريكى كفر ونفاق را از عرصه روى زمين زائل كردانيد
چراغ دل چشم چشم و چراغ جان رسول الله ... كه شمع ملت است از پرتو احكام او رخشان
درين ظلمت سرا كرنه چراغ افروختى شرعش ... كجا كس را خلاصى بودى از تاريكى طغيان
والسراج أعراق عند الناس من الشمس بوجه الشبه الذي هو ازالة ظلمة الليلى لانهم يستعملونه فى الليالى فلا يرد أن يقال ان نور القمر عرضى مستفاد من الشمس كضوء السراج فتشبه القمر بالسراج اولى من يشبيه الشمس به وايضا انه من تشبيه الأعلى بالأدنى وقال حضرة الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره فى شرح الأربعين حديثا الضياء هو امتزاج النور بالظلمة وليس فى ذات القمر ما يمتزج بالشمس حتى يسمى الناتج بينهما ضياء ولهذا سمى الحق القمر نورا دون الشمس المشبهة بالسراج لكونه ممدودا من الشجرة المباركة المنفي عنها الجهات وانها الحضرة الجامعة للاسماء والصفات وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً اى إنباتا عجيبا وانشأكم منها إنشاء غريبا بواسطة إنشاء أبيكم آدم منها او انشأ الكل منها من حيث انه خلقهم من النطف المتولدة من النبات المتولد من الأرض استعير الإنبات للانشاء لكونه أدل على الحدوث والتكون من الأرض لانهم إذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محاله حدوث النبات ووضع نباتا موضع إنباتا على انه مصدر مؤكد لأنبتكم بحذف الزوائد ويسمى اسم مصدر دل عليه القرية الآتية وهى قوله ويخرجكم إخراجا وقال بعضهم نباتا حال لا مصدر ونبه بذلك ان الإنسان من وجه نبات من حيث ان بدأه ونشأته من التراب وانه ينمونموه وان كان له وصف زائد على النبات والنبات ما يخرج من الأرض سوآء كان له ساق كالشجر أو لم يكن كالنجم لكن اختص فى التعارف بما لا ساق له بل اختص عند العامة بما يأكله الحيوان وقال بعض اهل المعرفة والله أنبتكم من الأرض نباتا اى جعل غذآءكم الذي تنمو به أجسادكم من الأرض كما جعل النبات ينمو بالماء بواسطة التراب فغذآء هذه النشأة ونموها بما خلقت منه ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها اى فى الأرض بالدفن عند موتكم وَيُخْرِجُكُمْ منها عند البعث والحشر إِخْراجاً محققا لا ريب فيه وذلك لمجازاة الأولياء ومحاسبة الأعداء ولم يقل ثم يخرجكم بل ذكر بالواو الجامعة إياها مع يعيدكم رمزا الى ان الإخراج مع الاعادة فى القبر كشئ واحد لا يجوز أن يكون بعضها محقق الوقوع دون بعض وفى التأويلات النجمة والله أنبت من ارض بشريتكم نبات الأخلاق والصفات ثم يعيدكم فى تلك الأرض بالبقاء بعد الفناء بطريق الرجوع الى احكام البشرية بالله لا بالطبع والميل الطبيعي ويخرجكم اى ويظهركم ويغلبكم على التصرف فى العالم بالله لا بكم ولا بقدرتكم واستطاعتكم وَاللَّهُ كرر الاسم الجليل للتعظيم والتيمن والتبرك جَعَلَ لَكُمُ اى لمنافعكم الْأَرْضَ سبق بياتها فى سورة الملك وغيرها بِساطاً مبسوطة متسعة كالبساط والفراش تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم فى بيوتكم قال أبو حيان ظاهره ان
стр. 4738
الأرض ليست كرية بل هى مبسوطة قال سعدى المفتى وانما هو فى التقلب عليها على ما فسروه انتهى وقد مر مرارا ان كرية الأرض لانتا فى الحرث والغرس ونحوهما لعظم دائرتها كما يظهر الفرق بين بيضة الحمامة وبيضة النعامة لِتَسْلُكُوا من السلوك وهو الدخول لا من السلك وهو الإدخال مِنْها سُبُلًا فِجاجاً اى طرقا واسعة جمع سبيل وفج وهو الطريق الواسع فجر دهنا لمعنى الواسع فجعل صفة لسبلا وقيل هو المسلك بين الجبلين قال فى المفردات الفج طريق يكتنفها جبلان ويستعمل فى الطريق ال واسع ومن متعلقة بما قبلها لما فيه من معنى الاتخاذ اى لتسلكوا متخذين من الأرض سبلا فتصرفوا فيها مجيئا وذهابا او بمضمر هو حال من سبلا اى كائنة من الأرض ولو تأخر لكان صفة لها ثم جعلها بساطا للسلوك المذكور لا ينافى غيره من الوجوه كالنوم والاستراحة والحرث والغرس ونحوها ثم السلوك اما جسمانى بالحركة الاينية الموصلة الى المقصد واما روحانى بالحركة الكيفية الموصلة الى المقصود ولكل منهما فوائد جليلة كطلب العلم والحج والتجارة وغيرها وكتحصيل المحبة والمعرفة والانس ونحوها وقال القاشاني والله جعل لكم ارض البدن بساطا لتسلكوا منها سبل الحواس فجاجا اى خروقا واسعة او من جهتها سبل سماء الروح الى التوحيد كما قال امير المؤمنين رضى الله عنه سلونى عن طرق السماء فانى أعلم بها من طرق الأرض أراد الطرق الموصلة الى الكمال من المقامات والأحوال كالزهد والعبادة والتوكل والرضى وأمثال ذلك ولهذا كان معراج النبي ﵇ بالبدن قالَ نُوحٌ أعبد لفظ الحكاية لطول العهد بحكاية مناجاته لربه فهو بذل من قال الاول ولذا ترك العطف اى قال مناجيا له تعالى رَبِّ اى پروردگار من إِنَّهُمْ عَصَوْنِي داموا على عصيانى ومخالفتى فيما امرتهم به مع ما بالغت فى إرشادهم بالعظة والتذكير وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً اى استمروا على اتباع رؤسائهم الذين ابطرتهم أموالهم وغرتهم أولادهم وصارت تلك الأموال والأولاد سببا لزيادة خسارهم فى الآخرة فصاروا سوة لهم الخسار وفى وصفهم بذلك اشعار بأنهم انما اتبعوهم لو جاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع كما قالت قريش لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فجعلوا الغنى سببا مصححا للاتباع ودل الكلام على ان ازدياد المال والولد كثيرا ما يكون سببا للهلاك الروحاني ويورث الضلال فى الدين اولا والإضلال عن اليقين ثانيا قال ابن الشيخ المفهوم من نظم الآية ان أموالهم وأولادهم عين الخسار وان ازديادهما انما هو ازدياد خسارهم والأمر فى الحقيقة كذلك فانهما وان كانا من جملة المنافع المؤدية الى السعادة الأبدية بالشكر عليهما وصرفهما الى وجوه الخير الا انهما إذا أديا الى البطر والاغترار وكفران حق المنعم بهما وصارا وسيلتين الى العذاب المؤبد فى الآخرة صارا كأنهما مخض الحسار لان الدنيا فى جنب الآخرة كالعدم فمن انتفع بهما فى الدنيا خسر سعادة الآخرة وصار كمن أكل لقمة مسمومة من الحلوى فهلك فان تلك اللقمة فى حقه هلاك محض
стр. 4739
إذ لا عبرة لانتفاعه بها فى جنب ما أدت اليه
تو غافل در انديشه سود ومال ... كه سرمايه عمر شد پايمال
وَمَكَرُوا عطف على صلة من لان المكر الكبار يليق بكبرائهم والجمع باعتبار معناها والمكر الحيلة الخفية وفى كشف الاسرار المكر فى اللغة غاية الحيلة وهو من فعل الله تعالى إخفاء التدبير مَكْراً كُبَّاراً اى كبيرا فى الغاية وقرئ بالتخفيف والاول ابلغ منه وهو أبلغ من الكبير نحو طوال وطوال وطويل ومعنى مكرهم الكبار احتيالهم فى منع الناس عن الدين ونحريشهم لهم علا اذية نوح قال الشيخ لما كان التوحيد أعظم المراتب كان المنع منه والأمر بالشرك أعظم الكبائر فلذا وصفه الله بكونه مكرا كبارا وَقالُوا اى الرؤساء للاتباع والسفلة لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ اى لا تتركوا عبادتها على الإطلاق الى عبادة رب نوح ومن عطف مكروا على اتبعوا يقول معنى وقالوا وقال بعضهم لبعض فالقائل ليس هو الجمع وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً جرد الأخيرين عن حرف النفي إذ بلغ التأكيد نهايته وعلم ان القصد الى كل فرد فرد لا الى المجموع من حيث هو مجموع والمعنى ولا تذرن عبادة هؤلاء خصوصا فهو من عطف الخاص على العام خصوصا بالذكر مع اندراجها فيما سبق لانها كانت اكبر أصنامهم وأعظم ما عندهم وقد انتقلت هذه الأصنام بأعيانها عنهم الى العرب فكان ودلكلب بدومة الجندل بضم دال دومة ولذلك سمت العرب بعبدود قال الراغب الود صنم سمى بذلك اما لمودتهم له او لاعتقادهم ان بينه وبين الباري تعالى مودة تعالى عن ذلك وكان سواع لهمدان بسكون الميم قبيلة باليمن ويغوث لمذحج كمجلس بالذال المعجمة وآخره جيم ومنه كانت العرب تسمى عبد يغوث ويعول لمراد وهو كغراب ابو قبيلة سمى به لانه تمرد ونسر لحمير بكسر الحاء وسكون الميم بوزن درهم موضع عربى صنعاء اليمن وقيل انتقلت اسماؤها إليهم فاتخذوا أمثالها فعبدوها إذ يبعد بقاء اعيان تلك الأصنام كيف وقد خربت الدنيا فى زمان الطوفان ولم يضعها نوح فى السفينة لانه بعث لنفيها وجوابه ان الطوفان دفنها فى ساحل جدة فلم تزل مدفونة حتى أخرجها اللعين لمشركى العرب نظيره ما روى ان آدم ﵇ كتب اللغات المختلفة فى طين وطبخه فلما أصاب الأرض الغرق بقي مدفونا ثم وجد كل قوم كتابا فكتبوه فأصاب اسمعيل ﵇ الكتاب العربي وقيل هى اسماء رجال صالحين كانوا بين آدم ونوح وقيل من أولاد آدم ما توا فحزن الناس عليهم حزنا شديدا واجتمعوا حول قبورهم لا يكادون يفارقونها وذلك بأرض بابل فلما رأى إبليس فعلهم ذلك جاء إليهم فى صورة انسان وقال لهم هل لكم أن أصور لكم صورهم إذا نظرتم إليها ذكرتموهم واستأنستم وتبركتم بهم قالوا نعم فصور لهم صورهم من صفر ورصاص ونحاس وخشب وحجر وسمى تلك الصور بأسمائهم ثم لما تقادم الزمن وانقرضت الآباء والأبناء وأبناء الأبناء قال لمن حدث بعدهم ان من قبلكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوها فى زمان مهلاييل بن
стр. 4740
قينان ثم صارت سنة فى العرب فى الجاهلية وذلك اما بإخراج الشيطان اللعين تلك الصور كما سبق او بانه كان لعمرو بن لحى وهو أول من نصب الأوثان فى الكعبة تابع من الجن فقال له اذهب الى جدة وائت منها بالآلهة التي كانت تعبد فى زمن نوح وإدريس وهى ود إلخ فذهب وأتى بها الى مكة ودعا الى عبادتها فانتشرت عبادة الأصنام فى العرب وعاش عمرو بن لحى ثلاثمائة وأربعين سنة ورأى من ولده وولد ولد ولده الف مقاتل ومكث هو وولده فى ولاية البيت خمسمائة سنة ثم انتقلت الولاية الى قريش فمكثوا فيها خمسمائة اخرى فكان البيت بيت الأصنام ألف سنة وذكر الامام الشعراني ان اصل وضع الأصنام انما هو من قوة التنزيه من العلماء الأقدمين فانهم نزهوا الله عن كل شىء وأمروا بذلك عامتهم فلما رأوا ان بعض عامتهم صرح بالتعطيل وضعوا لهم الأصنام وكسوها الديباج والحلي والجواهر وعظموها بالسجود وغيره ليتذكروا بها الحق الذي غاب عن عقولهم وغاب عن أولئك العلماء ان ذلك لا يجوز الا باذل من الله تعالى هذا كلامه قال السهيلي ولا أدرى من اين سرت لهم تلك الأسماء القديمة أمن قبل الهند فقد ذكر عنهم انهم كانوا المبدأ فى عبادتهم الأصنام بعد نوح أم الشيطان ألهمهم ما كانت عليه الجاهلية الاولى قبل نوح وفى التكملة روى تقى بن مخلد أن هذه الأسماء المذكورة فى لسورة كانوا أبناء آدم ﵇ من صلبه وأن يغوث كان أكبرهم وهى اسماء سبيانية ثم وقعت تلك الأسماء الى أهل الهند فسموا بها أصنامهم التي زعموا انها على صور الدراري السبعة وكانت الجن تكلمهم من جوفها فافتنوا بها ثم أدخلها الى ارض العرب عمرو بن لحى بن قمعة بن الياس بن مضر فمن قبله سرت الى ارض العرب وقيل كان ود على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث على صورة أسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة نسر وهو طائر عظيم لانه ينسر الشيء ويقتلعه وفى التأويلات النجمية لا تتركن عبودية آلهتكم التي هى ود النفس المصورة بصورة المرأة وسواع الهوى المصور بصورة الرجل ويغوث الطبيعة المشكلة بشكل الأسد ويعوق الشهوة المشكلة بصورة الفرس ونسر الشره المصور بصورة النسر وقال القاشاني اى معبوداتكم التي عكفتم بهواكم عليها من ود البدن الذي عبدتموه بشهواتكم وأحببتموه وسواع النفس ويغوث الأهل ويعوق المال ونسر الحرص وَقَدْ أَضَلُّوا اى الرؤساء والجملة حالية كَثِيراً اى خلقا كثيرا او أضل الأصنام كقوله تعالى رب انهن اضللن كثيرا من الناس جمعهم جمع العقلاء لعدهم آلهة ووصفهم بأوصاف العقلاء وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ بالاشتراك فان الشرك ظلم عظيم إذ أصل الظلم وضع الشيء فى غير موضعه فهل شىء أسوأ فى هذا من وضع اخس المخلوق وعبادته موضع الخالق الفرد الصمد وعبادته إِلَّا ضَلالًا الجملة عطف على قوله تعالى رب انهم عصونى اى قال رب انهم عصونى وقال ولا تزد الظالمين الا ضلالا قالوا ومن الحكاية لا من المحكي او من كلام الله لا من كلام نوح فنوح قال كل واحد من هذين القولين من غير ان يعطف أحدهما على الآخر فحكى الله أحد قوليه بتصديره بلفظ قال وحكى قوله صاخر بعطفه على قوله الاول بالواو المنائبة عن لفظ قال فلا يلزم عطف الإنشاء على الاخبار ويجوز
стр. 4741
عطفه على مقدر اى فاخذلهم قالوا وحينئذ من المحكي والمراد بالضلال هو الضيام والهلاك والضلال فى تمشية مكرهم وترويجه مصالح دنياهم لا فى امر دينهم حتى لا يتوجه انه انما بعث ليصرفهم عن الضلال فكيف يليق به أن يدعو الله فى أن يزيد ضلالهم وان هذا الدعاء يتضمن الرضى بكفرهم وذلك لا يجوز فى حق الأنبياء وان كان يمكن أن يجاب بأنه بعد ما اوحى اليه انه لا يؤمن من قومك الا من قد آمن وان المحذور هو الرضى المقرون باستحسان الكفر ونظيره دعاء موسى ﵇ بقوله واشدد على قلوبهم فمن أحب موت الشرير بالطبع على الكفر حتى ينتقم الله منه فهذا ليس بكفر فيؤول المعنى الى أن يقال ولا يزد الظالمين الا ضلال وغيا ليزدادوا عقابا كقوله تعالى انما نملى لهم ليزدادوا اثما وقوله انى أريد أن تبوء بإثمي واثمك فتكون من اصحاب النار قالوا دعا نوح الأبناء بعد الآباء حتى بلغوا سبعة قرون فلما ايس من ايمانهم دعا عليهم مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ اى من أجل خطيئات قوم نوح وأعمالهم المخالفة للصواب وهى الكفر والمعاصي وما مزيدة بين الجار والمجرور لتأكيد الحصر المستفاد من تقديم قوله مما خطيئاتهم فانه يدل على ان إغراقهم بالطوفان لم يكن الامن أجل خطيئاتهم تكذيبا لقول المنجمين من ان ذلك كان لاقتضاء الأوضاع الفلكية إياه ونحو ذلك فانه كفر لكونه مخالفا لصريح هذه الآية ولزيادة ما الا بهامية فائدة غير التوكيد وهى تفخيم خطيئاتهم اى من أجل خطيئاتهم العظيمة ومن لم ير زيادتها جعلها نكرة وجعل خطيئاتهم بدلا منها والخطيئات جمع خطيئة وقرأ ابو عمرو خطاياهم بلفظ الكثرة لان المقام مقام تكثير خطيئاتهم لانهم كفروا ألف سنة والخطيئات لكونه جمع السلامة لا يطلق على ما فوق العشرة الا بالقرينة والظاهر من كلام الرضى ان كل واحد من جمع السلامة والتكثير لمطلق الجمع من غير نظر الى القلة والكثرة فيصلحان لهما ولذا قيل انهما مشتركان بينهما واستدلوا عليه بقوله تعالى ما نفدت كلمات الله أُغْرِقُوا فى الدنيا بالطوفان لا بسبب آخر وفيه زجر لمرتكب الخطايا مطلقا فَأُدْخِلُوا ناراً تنكير النار اما لتعظيمها وتهويلها او لانه تعالى أعد لهم على حسب خطيئاتهم نوعا من النار والمراد اما عذاب القبر فهو عقيب الإغراق وان كانوا فى الماء فان من مات فى ماء او نار او أكلته السباع او الطير أصابه ما يصيب المقبور من العذاب عن الضحاك انهم كانوا يغرقون من جانب اى بالأبدان ويحرقون من جانب اى بالأرواح فجمعوا بين الماء والنار كما قال الشاعر
الخلق مجتمع طورا ومفترق ... والحادثات فنون ذات أطوار
لا تعجبن لأضداد إذا اجتمعت ... فالله يجمع بين الماء والنار
او عذاب جهنم والتعقيب لتنزيله منزلة المتعقب لاغراقهم لاقترابه وتحققه لا محالة واتصال زمانه بزمانه كما دل عليه قوله من مات فقد قامت قيامته على ان النار اما نصف نار وهى للارواح فى البرزخ واما تمام نار وهى للارواح والأجسام جميعا بعد الحشر وقس على الجحيم النعيم فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً اى لم يجد أحد منهم لنفسه واحدا من الأنصار ينصرهم على من أخذهم بالقهر والانتقام وفيه تعريض باتخاذهم آلهة من دون الله وبأنها
стр. 4742
غير قادرة على نصرهم وتهكم بهم ومن دون الله حال متقدمة من قوله أنصارا والجملة الاستئنافية الى هنا من كلام الله اشعارا بدعوة اجابة نوح وتسلية للرسول ﵇ وأصحابه وتخويفا للعاصى من العذاب وأسبابه وَقالَ نُوحٌ بعد ما قنط من اهتدائهم قنوطاتا ما بالأمارات الغالبة وبأخبار الله تعالى رَبِّ اى پروردگار من لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ لا تترك على الأرض مِنَ الْكافِرِينَ بك وبما جاء من عندك حال متقدمة من قوله دَيَّاراً أحدا يدور فى الأرض فيذهب ويجيئ اى فأهلكهم بالاستئصال والجملة عطف على نظيرها السابق وقوله تعالى مما خطيئاتهم إلخ اعتراض وسط بين دعائه ﵇ للايذان من أول الأمر بان ما أصابهم من الإغراق والإحراق لم يصبهم الا لاجل خطيئاتهم التي عددها نوح وأشار الى استحقاقهم للاهلاك لاجلها لما انها حكاية لنفس الإغراق والإحراق على طريقة حكاية ما جرى بينه ﵇ وبينهم من الأحوال والأقوال والا لأخر عن حكاية دعائه هذا وديار من الأسماء المستعملة فى النفي العام يقال ما بالدار ديار أو ديور كقيام وقيوم اى أحد وساكن وهو فيعال من الدور او من الدار أصله ديوار وقد فعل به ما فعل بأصل سيد فمعنى ديار على الاول أحد يدور فى الأرض فيذهب ويجيئ وعلى الثاني أحد ممن ينزل الدار ويسكنها وأنكر بعضهم كونه من الدوران وقال لو كان من الدور ان لم يبق على وجه الأرض جنى ولا شيطان وليس المعنى على ذلك وانما المعنى أهلك كل ساكن دار من الكفار أي كل انسى منهم. يقول الفقير جوابه سهل فان المراد كل من يدور على الأرض من امة الدعوة وليس الجن والشيطان منها إذ لم يكن نوح مبعوثا الى الثقلين وليس ديار فعالا من الدار والا لقيل دوار لان اصل دار دور فقلبت واوه ألفا فلما ضعفت عينه كان دوارا بالواو الصحيحة المشددة إذ لا وجه لقلبها ياء إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ عليها كلا او بعضا ولا تهلكهم بيان لوجه دعائه عليهم واظهار بأنه كان من الغيرة فى الدين لا لغلبة غضب النفس لهواها يُضِلُّوا عِبادَكَ عن طريق الحق قال بعضهم عبادك المؤمنين وفيه اشعار بأن الأهل لان يقال لهم عباد اهل الايمان انتهى وفيه نظر بل المراد يصدوا عبادك عن سبيلك كقوله تعالى وصدوا عن سبيل الله دل عليه انه كان الرجل منهم ينطلق بابنه الى نوح فيقول له احذر هذا فانه كذاب وان ابى حذرنيه وأوصاني بمثل هذه الوصية فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك وَلا يَلِدُوا ونزايند إِلَّا فاجِراً لفجر شق الشيء شقا واسعا كفجر الإنسان السكر وهو بالكسر اسم لسد النهر وما سد به النهر والفجور شق ستر الديانة كَفَّاراً مبالغا فى الكفر والكفران قال الراغب الكفارا بلغ من الكفور وهو المبالغ فى كفران النعمة والمعنى الا من سيفجر ويكفر فالوجه ارتفاعهم عن وجه الأرض والعلم لك فوصفهم بما يصيرون اليه بعد البلوغ فهو من مجاز الاول وكأنه اعتذار مما عيسى يرد عليه من ان الدعاء بالاستئصال مع احتمال ان يكون من اخلافهم من يؤمن منكر وانما قاله بالوحى لقوله تعالى فى سورة هود واوحى الى نوح انه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن فان قلت هذا إذا كان دعاء نوح متأخرا عن وحي تلك الآية وذلك
стр. 4743
غير معلوم قلت الظاهر ان مثل هذا الدعاء انما يكون فى الأواخر بعد ظهور امارات النكال قال بعضهم لا يلد الحية الا الحية وذلك فى الأغلب ومن هناك قيل (إذا طاب اصل المرء طابت فروعه) ونحوه الولد سر أبيه قال بعضهم فى توجيهه ان الولد إذا كبر انما يتعلم من أوصاف أبيه او يسرق من طباغه بل قد يصحب المرء رجلا فيسرق من طباعه فى الخير والشر. يقول الفقير معناه فيه ما فيه اى من الجمال والجلال فقد يكون الجمال الظاهر فى الأب باطنا فى الابن كما كان فى قابيل بن آدم حيث ظهر فيه ما بطن فى أبيه من الجلال وكان الأمر بالعكس فى هابيل بن آدم وهكذا الأمر الى يوم القيامة فى الموافقة والمخالفة وقال بعض الكبار اعتذار نوح يوم القيامة عند طلب الخلق الشفاعة منه بدعوته على قومو انما هو لما فيها من قوله ولا يلدوا الا فاجرا كفارا لا نفس
دعائه عليهم من حيث كونه دعاء انتهى أشار الى ان دعاء نوح كان بالأمارات حيث جربهم قريبا من ألف سنة فلم يظهر منهم الا الكفر والفجور ولو كان بالوحى لما اعتذار كما قال القاشاني مل من دعوة قومه وضجر واستولى عليه الغضب ودعا ربه لتدمير قومه وقهرهم وحكم بظاهر الحال ان المحجوب الذي غلب عليه الكفر لا يلد الا مثله فان النطفة التي تنشأ منها النفس الخبيثة المحجوبة وتتربى بهيئتها المظلمة لا تقبل الا مثلها كالبذر الذي لا ينبت الا من صنفه وسبخه وغفل عن ان الولد سر أبيه اى خاله الغالبة على الباطن فربما كان الكافر باقى الاستعداد صافى الفطرة نقى الأصل بحسب الاستعداد الفطري وقد استولى على ظاهره العادة ودين آبائه وقومه الذين نشأ بينهم فدان بدينهم ظاهرا وقد سلم باطنه فيلد المؤمن على حال النورية كولادة أبى ابراهيم ﵇ فلا جرم تولد من تلك الهيئة الغضبية الظلمانية التي غلبت على باطنه وحجبته فى تلك الحالة عما قال مادة ابنه كنعان وكان عقوبة لذنب حاله انتهى ويدل على ما ذكر من ان دعاءه أليس مبنيا على الوحى ما ثبت ان النبي ﵇ شبه رضى الله عنه فى الشدة بنوح وأبا بكر رضى الله عنه فى اللبن بإبراهيم قال بعض العارفين فى قوله تعالى وما أرسلناك الا رحمة للعالمين فى هذه الآية عتاب لطيف فانها نزلت حين مكث يدعو على قوم شهرا مع ان سبب ذلك الدعاء انما هو الغيرة على جناب الله تعالى وما يستحقه من الطاعة ومعنى العتاب انى ما أرسلتك سبايا ولا لعانا وانما بعثتك رحمة اى لترحم مثل هؤلاء الذين دعوت عليهم كأنه يقول لو كان بدل دعائك عليهم الدعاء لهم لكان خيرا فانك إذا دعوتنى لهم ربما أجبت دعاءك فوفقتهم لطاعتى فترى سرور عينك وقرتها فى طاعتهم لى وإذا لعنتهم ودعوت عليهم وأجبت دعاءك فيهم لم يكن من كرمى ان آخذهم الا بزيادة طغيانهم وكثرة فسادهم فى الأرض وكل ذلك انما كان بدعائك عليهم فكأنك امرتهم بالزيادة فى الطغيان الذي أخذناهم به فتنبه رسول الله ﵇ لما أدبه به ربه فقال ان الله أدبني فأحسن تأديبى ثم صار يقول بعد ذلك اللهم اغفر لقومى فانهم لا يعلمون وقام ليلة كاملة الى الصباح بقوله تعالى ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم لا يزيد عليها فأين هذا من دعائه قبل ذلك على رعل وذكوان وعصية وعلى صناديد قريش اللهم عليك بفلان
стр. 4744
اللهم عليك بفلان فاعلم ذلك فاقتد بنبيك فى ذلك والله يتولى هداك (وقال بعض اهل المعرفة) نوح چون از قوم خود برنجيد بهلاك ايشان دعا كرد ومصطفى ﵇ چون از قوم خود برنجيد بشفقت كفت اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون. واعلم انه لا يجوز ان يدعى على كافر معين لانا لا نعلم خاتمته ويجوز على الكفار والفجار مطلقا وقد دعا ﵇ على من تحزب على المؤمنين وهذا هو الأصل فى الدعاء على الكافرين رَبِّ اغْفِرْ لِي ذنوبى وهى ما صدر منه من ترك الاولى وَلِوالِدَيَّ ذنوبهما ابو ملك بن متوشلخ على وزن الفاعل كمتد حرج او هو بضم الميم والتاء المشددة المضمومة وفتح الشين المعجمة وسكون اللام وروى بعضهم الفتح فى الميم وامه سمخا بنت انوش كانا مؤمنين قال ابن عباس رضى الله عنهما لم يكفر لنوح أب ما بينه وبين آدم وفى اشراق التواريخ امه قسوس بنت كابيل وفى كشف الاسرار هيجل بنت لاموس ابن متوشلخ بنت عمه وكانا مسلمين على ملة إدريس ﵇ وقيل المراد بوالديه آدم وحواء ﵉ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ اى منزلى وقيل مسجدى فانه بيت اهل الله وان كان بيت الله من وجه وقيل سفينتى فانها كالبيت فى حرز الحوائج وحفظ النفوس عن الحر والبرد وغيرهما مُؤْمِناً حال كون الداخل مؤمنا وبهذا القيد خرجت امرأته واعلة وابنه كنعان ولكن لم يجزم ﵇ بخروجه الا بعد ما قيل له انه ليس من أهلك وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بي او من لدن آدم الى يوم القيامة. وكفته اند مراد ابن امت مرحومه اند. خص اولا من يتصل به نسبا ودينا لانهم اولى وأحق بدعائه ثم عم المؤمنين والمؤمنات وفى الحديث (ما الميت فى القبر الا كالغريق المتغوث ينتظر دعوة تلحقه من أب او أخ او صديق فاذا لحقته كانت أحب اليه من الدنيا وما فيها وان الله ليدخل على اهل القبور من دعاء اهل الأرض أمثل الجبال وان هدية الاحياء الى الأموات الاستغفار لهم وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً اى هلاكا وكسرا وبالفارسية مكر هلاكى بسختى. والتبر دقاق الذهب قال فى الاول ولا تزد الظالمين الا ضلالا لانه وقع بعد قوله وقد أضلوا كثيرا وفى الثاني الا تبارا لانه وقع بعد قوله لا تذر على الأرض إلخ فذكر فى كل مكان ما اقتضاه وما شاكل معناه ولظاهر انه ﵇ أراد بالكافرين والظالمين الذين كانوا موجودين فى زمانه متمكنين فى الأرض ما بين المشرق والمغرب فمسئوله ان يهلكهم الله فاستجيب دعاؤه فعمهم الطوفان بالغرق وما نقل عن بعض المنجمين من انه أراد جزيرة العرب فوقع الطوفان عليهم دون غيرهم من الآفاق مخالف لظاهر الكلام وتفسير العلماء وقول اصحاب التواريخ بأن الناس بعد الطوفان توالدوا وتناسلوا وانتشروا فى الأطراف مغاربها ومشارقها من اهل السفينة دل الكلام على ان الظالم إذا ظهر ظلمه وأصر عليه ولم ينفعه النصح استحق ان يدعى عليه وعلى أعوانه وأنصاره قيل غرق معهم صبيانهم ايضا لكن لا على وجه العقاب لهم بل لتشديد عذاب آبائهم وأمهاتهم بإراءة إهلاك أطفالهم الذين كانوا أعز عليهم من أنفسهم قال ﵇ يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى وعن الحسن انه
стр. 4745
سئل عن ذلك فقال علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب وكم من الصبيان من يموت بالغرق والحرق وسائر اسباب الهلاك وقيل اعقم الله أرحام نسائهم وايبس أصلاب آبائهم قبل الطوفان بأربعين او سبعين سنة فلم يكن معهم صبى ولا مجنون حين غرقوا لان الله تعالى قال وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ولم يوجد التكذيب من الأطفال والمجانين وفى الاسئلة المقحمة ولو أهلك الأطفال بغير ذنب منهم ماذا يضر فى الربوبية أليس الله يقول قل فمن يملك من الله شيأ ان أراد أن يهلك المسيح بن مريم وامه ومن فى الأرض جميعا. يقول الفقير الظاهر هلاك الصبيان مع الآباء والأمهات لان نوحا ﵇ ألحقهم بهم حيث قال ولا يلدوا الا فاجرا كفارا إذ من سيفجر ويكفر فى حكم الفاجر والكافر فلذلك دعا على الكفار مطلقا عموما بالهلاك لاستحقاق بعضهم له بالاصالة وبعضهم بالتبعية ودعا للمؤمنين والمؤمنات عموما وخصوصا
بالنجاة لان المغفور ناج لا محالة وروى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما انه كان إذا قرأ القرآن بالليل فمر بآية يقول لى يا عكرمة ذكرنى هذه الآية غدا فقرأ ذات ليلة هذه الآية اى رب اغفر لى إلخ فقال يا عكرمة ذكرنى هذه غدا فذكر تهاله فقال ان نوحا دعا بهلاك الكافرين ودعا للمؤمنين بالمغفرة وقد استجيب دعاؤه على الكافرين فاهلكوا وكذلك استجيب دعاؤه فى المؤمنين فيغفر الله للمؤمنين والمؤمنات بدعائه. ورد عن بعض الصحابة رضى الله عنهم انه قال نجاة المؤمنين بثلاثة أشياء بدعاء نوح وبدعاء اسحق وبشفاعة محمد ﵇ يعنى المذنبين وفى التأيلات النجمية رب اغفر لى ولوالدى من العقل الكلى والنفس الكلى ولمن دخل بيتي مؤمنا من الروح والقلب وللمؤمنين من القوى الروحانية والمؤمنات من النفوس الداخلة تحت نور الروح والقلب بسبب نور الايمان ولا تزد الظالمين النفس الكافرة والهوى الظالم الا تبارا هلاكا بالكلية بالفناء فى الروح والقلب وعلى هذا التأويل يكون دعاء لهم لا دعاء عليهم انتهى وقال القاشاني رب اغفر لى اى استرني بنورك بالفناء فى التوحيد ولروحى ونفسى اللذين هما أبوا لقلقب ولمن دخل بيتي اى مقامى فى حضرة القدس مؤمنا بالتوحيد لعلمى اولا رواح الذين آمنوا ونفوسهم فبلغهم الى مقام الفناء فى التوحيد ولا تزد الظالمين الذين نقصوا حظهم بالاحتجاب بظلمة نفوسهم عن عالم النور الا تبارا هلاكا بالغرق فى بحر الهيولى وشدة الاحتجاب انتهى فيكون دعاء عليهم كما لا يخفى تمت سورة نوح بعون من بيده الفتوح يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شوال من سنة ست عشرة ومائة وألف
стр. 4746
تفسير سورة الجن
ثمان وعشرون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ يا محمد لقومك أُوحِيَ إِلَيَّ اى ألقى على بطريق الوحى وأخبرت باعلام من الله تعالى والإيحاء اعلام فى خفاء وفائدة اخباره بهذه الاخبار بيان انه رسول الثقلين والنهى عن الشرك والحث على التوحيد فان الجن مع تمردهم وعدم مجانستهم إذا آمنوا فكيف لا يؤمن البشر مع سهولة طبعهم ومجانستهم أَنَّهُ بالفتح لانه فاعل اوحى والضمير الشأن اى ان الشأن والحديث اسْتَمَعَ اى القرآن او طه او اقرأ وقد حذف لدلالة ما بعده عليه والاستماع بالفارسية نيوشيدن. والمستمع من كان قاصدا للسماع مصغيا اليه والسامع من اتفق سماعه من غير قصد اليه فكل مستمع سامع من غير عكس نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ جماعة منهم ما بين الثلاثة والعشرة وبالفارسية كروهى كه از ده كمتر واز سه بيشتر بودند.
قال فى القاموس النفر ما دون العشرة من الرجال كالنفير والجمع انفار وفى المفردات النفر عدة رجال يمكنهم النفر الى الحرب بالفارسية بيرون شدن. والجن واحده جنى كروم ورومى ونحوه قال ابن عباس رضى الله عنهما انطلق رسول الله ﵇ فى طائفة من أصحابه الى سوق عكاظ فأدركهم وقت صلاة الفجر وهم ننحلة فأخذ هو ﵇ يصلى بأصحابه صلاة الفجر فمر عليهم نفر من الجن وهم فى الصلاة فلما سمعوا القرآن استمعوا له وفيه دليل على انه ﵇ لم ير الجن حينئذ إذ لو رأهم لما أسند معرفة هذه الواقعة الى الوحى فان ما عرف بالمشاهدة لا يستند إثباته الى الوحى وكذا لم يشعر بحضورهم وباستماعهم ولم يقرأ عليهم وانما اتفق حضورهم فى بعض اوقات قراءته فسمعوها فأخبره الله بذلك وقد مضى ما فيه من التفصيل فى سورة الأحقاف فلا نعيده والجن أجسام رقاق فى صورة تخالف صورة الملك والانس عاقلة كالانس خفية عن أبصارهم لا يظهرون لهم ولا يكلمونهم الا صاحب معجزة بل يوسوسون سائر الناس يغلب عليهم النارية او الهوائية ويدل على الاول مثل قوله تعالى وخلق الجان من مارج نار فان المشهور ان المركبات كلها من العناصر فما يغلب فيه النار فنارى كالجن وما يغلب فيه الهولء فهوائى كالطير وما يغلب فيه الماء فمائى كالسمك وما يغلب فيه التراب فترابى كالانسان وسائر الحيوانات الارضية واكثر الفلاسفة ينكرون وجود الجن فى الخارج واعترف به جمع عظيم من قدمائهم وكذا جمهور أرباب الملل المصدقين بالأنبياء قال القاشاني ان فى الوجود نفوسا ارضية قوية لا فى غلظ النفوس السبعية والبهيمية وكثافتها وقلة إدراكها ولا على هيئات النفوس الانسانية واستعداداتها ليلزم تعلقها بالاجرام الكثيفة الغالب عليها الارضية ولا فى صفاء النفوس المجردة ولطافتها لنتصل بالعالم الطوى وتتجرد او تتعلق ببعض الاجرام السماوية متعلقة بأجرام عنصرية لطيفة غلبت عليها الهوائية او النارية او الدخانية على اختلاف أحوالها سماها بعض الحكماء الصور المعلقة ولها علوم وإدراكات من جنس علومنا وادراكاتنا ولما كانت قريبة الطبع الى الملكوت السماوي
стр. 4747
أمكنها ان تتلقى من عالمها بعض الغيب فلا يستبعد أن ترتقى أفق السماء فتسترق السمع من كلام الملائكة اى النفوس المجردة ولما كانت ارضية ضعيفة بالنسبة الى القوى السماوية تأثرت تلك القوى فرجمت بتأثيرها عن بلوغ شأوها وادراك مداها من العلوم ولا ينكر أن تشتعل أجرامها الدخانية بأشعة الكواكب فتحترق وتهلك او تنزجر عن الارتقاء الى الأفق السماوي فتتسفل فانها امور ليست بخرجة عن الإمكان وقد اخبر عنها اهل الكشف والعيان الصادقون من الأنبياء والأولياء خصوصا أكملهم نبينا محمد ﷺ وهى فى الوجود الإنساني لاستتارها فى غيب الباطن فَقالُوا لقومهم عند رجوعهم إليهم إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً اى كتابا مقروأ على لسان الرسول عَجَباً مصدر بمعنى العجيب وضع موضعه للمبالغة والعجيب ما خرج عن حد اشكاله ونظائره والمعنى بديعا مباينا لكلام الناس فى حسن النظم ودقة المعنى وقال البقلى كتابا عجيبا تركبه وفيه اشارة الى انهم كانوا من اهل اللسان قال عيزار بن حريث كنت عند عبد الله بن مسعود رضى الله عنه فأتاه رجل فقال له كنا فى سفر فاذا نحن بحية جريحة تتشحط فى دمها اى تضطرب فان الشحط بالحاء المهملة الاضطراب فى الدم فقطع رجل منا قطعة من عمامته فلفها فيها فدفنها فلما أمسينا ونزلنا أتانا امرأتان من احسن نساء الجن فقالتا أيكم صاحب عمرو اى الحية التي دفنتموها فأشرنا لهما الى صاحبها فقالتا انه كان آخر من بقي ممن استمع القرآن من رسول الله ﷺ كان بين كافرى الجن ومسلميهم قتال فقتل فيهم فان كنتم أردتم به الدنيا ثوبناكم اى عوضناكم فقلنا لا انما فعلنا ذلك لله فقالتا أحسنتم وذهبتا يقال اسم الذي لف الحية صفوان بن معطل المرادي صاحب قصة الافك والجنى عمرو بن خابر ﵀ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ الى الحق والصواب وصلاح الدين والدنيا كما قال ﵇ اللهم ألهمنى رشدى اى الاهتداء الى مصالح الدين والدنيا فيدخل فيه التوحيد والتنزيه وحقيقة الرشد هو الوصول الى الله تعالى قال بعضهم الرشد كالقفل خلاف الغى يقال فى الأمور الدنيوية والاخروية والرشد كالذهب يقال فى الأمور الاخروية فقط فَآمَنَّا بِهِ اى بذلك القرآن ومن ضرورة الايمان به الايمان بمن جاء به ولذا قال بعضهم
داخل اندر دعوت او جن وانس ... تا قيامت امتش هر نوع وجنس
اوست سلطان وطفيل او همه ... اوست شاهنشاه وخيل او همه
وَلَنْ نُشْرِكَ بعد اليوم البتة اى بعد علمنا الحق بِرَبِّنا أَحَداً حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد اى لا نجعل أحدا من الموجودات شريكا له اعتقادنا ولا نعبد غيره فان تمام الايمان انما يكون بالبراءة من الشرك والكفر كما قال ابراهيم ﵇ انى بريئ مما تشركون فلكونه قرءانا معجزا بديعا موجب الايمان به ولكونه يهدى الى الرشد موجب قطع الشرك من أصله والدخول فى دين الله كله فمجموع قوله فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا مسبب عن مجموع قوله انا سمعنا قرءانا عجبا يهدى الى الرشد ولذا عطف ولن
стр. 4748
نشرك بالواو مع ان الظاهر الفاء وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا بالفتح وكذا ما بعده من الجمل المصدرة بأن فى أحد عشر موضعا عطف على انه استمع فيكون من جملة الكلام الموحى به على ان الموحى عين عبارة الجن بطريق الحكاية كأنه قيل قل اوحى الى كيت وكيت وهذه العبارات فاندفع ما قيل من انك لو عطفت وانا ظننا وانا سمعنا وانه كان رجال وانا لمسنا وشبه ذلك على أنه استمع لم يجز لانه ليس مما اوحى اليه وانما هو امر أخبروا به عن أنفسهم انتهى ومن قرأ بالكسر عطف على المحكي بعد القول وهو الأظهر لوضوح اندراج الكل تحت القول وقيل فى الفتح والكسر غير ذلك والأقرب ما قلناه والمعنى وان الشأن ارتفع عظمة ربنا كما تقول فى الثناء وتعالى جدك اى ارتفع عظمتك وفى اسناد التعالي الى العظمة مبالغة لا تخفى من قولهم جد فلان فى؟؟؟ غنى اى عظم تمكنه او سلطانه لان الملك والسلطنة غاية العظمة او غناه على انه مستعار من الجد الذي هو البخت والدولة والحظوظ الدنيوية سوآء استعمل بمعنى الملك والسلطان او بمعنى الغنى فان الجد فى اللغة كما يكون بمعنى العظمة وبمعنى أب الأب وأب الام يكون بمعنى الحظ والبخت يقال رجل مجدود اى محظوظ شبه سلطان الله وغناء الذاتيان الازليان ببخت الملوك والأغنياء فأطلق اسم الجد عليه استعارة مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً بيان لحكم تعالى جده كأنه قيل ما الذي تعالى عنه فقيل ما اتخذ أي لم يختر لنفسه لكمال تعاليه زوجة ولا بنتا كما يقول الظالمون وذلك انهم لما سمعوا القرآن ووفقوا للتوحيد والايمان تنبهوا للخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيه الله بحلقه فى اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى عنه لعظمتة ولسلطانه او لغناه فان الصاحبة تتخذ للحاجة إليها والولد للتكثير وابقاء النسل بعد فوته وهذه من لوازم الإمكان والحدوث وايضا هو خارج عن دائرة التصور ولادراك فكيف يكيفه أحد فيدخله تحت جنس حتى يتخذ صاحبة من صنف تحته او ولدا من نوع يماثله وقد قالت النصارى ايضا المسيح ابن الله واليهود عزيز ابن الله وبعض مشركى العرب الملائكة بنات الله ويلزم من كون المسيح ابن الله على ما زعموا ان تكون مريم صاحبة له ولذا ذكر الصاحبة يعنى ان الولد يقتضى الام التي هى صاحبة الأب الوالد وأشار بالصاحبة الى النفس وبالولد الى القلب فيكون الروح كالزوج والأب لهما وهو فى الحقيقة مجرد عن كل علاقة وانما تعلق بالبدن لتظهر قدرة الله وايضا ليستكمل ذاته من جهة الصفات وَأَنَّهُ اى الشان كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا اى جاهلنا وهو إبليس او مردة الحن فقوله سفيهنا للجنس والظاهر ان يكون إبليس من الجن كما قال تعالى كان من الجن ففسق عن امر ربه والسفه خفة الحلم او نقيضه او الجهال كما فى القاموس وقال الراغب السفه خفة فى البدن واستعمل فى خفة النفس لنقصان العقل وفى الأمور الدنيوية والاخروية والمراد به فى الآية هو السفه فى الدين الذي هو السفه الأخروي كذا فى المفردات عَلَى اللَّهِ متعلق بيقول أورد على لان ما قالوه عليه تعالى لاله شَطَطاً هو مجاوزة الحد فى الظلم وغيره وفى المفردات الافراط فى البعد اى قولا ذا شطط اى بعد عن القصد ومجاوزة الحد أو هو شطط فى نفسه لفرط بعده عن الحق فوصف بالمصدر للمبالغة والمراد به نسبة الصاحبة والولد اليه تعالى وفى الآية اشارة الى
стр. 4749
ان العالم الغير العامل فى حكم الجاهل فان إبليس كان من اهل العلم فلما لم يعمل بمقتضى علمه جعل سفيها جاهلا لا يجوز التقليد له فالاتباع للجاهل ومن فى حكمه اتباع للشيطان والشيطان يدعو الى النار لانه خلق منها وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ مخففة من الثقيلة اى ان الشان لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً اعتذار منهم عن تقليدهم لسفيهم اى كنا نظن ان الشان والحديث لن يكذب على الله أحد ابدا ولذلك اتبعنا قوله وصدقناه فى ان لله صاحبة وولدا فلما سمعنا القرآن وتبين لنا الحق بسببه علمنا انهم قد يكذبون عليه تعالى وكذبا مصدر مؤكد لتقول لانه نوع من القول وأشار بالانس الى القوى الروحانية وبالجن الى القوى الطبيعية وقال القاشاني انس الحواس الظاهرة وجن القوى الباطنة فتوهمنا ان البصر يدرك شكله ولونه والاذن تسمع صوته والوهم والخيال يتوهمه ويتخيله حقا مطابقا لما هو عليه قبل الاهتداء والتنور بنور الروح فعلمنا من طريق الوحى الوارد على القلب بواسطة روح القدس ان لسنا فى شىء من إدراكه فليس له شكل ولالون ولا صوت ولا هو داخل فى الوهم والخيال وليس كلام الله من جنس الكلام المصنوع المتلقف بالفكر والتخيل والمستنتج من القياسات العقلية او المقدمات الوهمية والتخييلية فليس الله من قبيل المخلوق جنسا او نوعا او صنفا او شخصا فكيف يكون له صاحبة وولد وَأَنَّهُ اى وان الشان كانَ فى الجاهلية رِجالٌ كائنون مِنَ الْإِنْسِ خبر كان قوله يَعُوذُونَ العوذ الالتجاء الى الغير والتعلق به بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فيه دلالة ان للجن نساء كالانس لان لهم رجالا ولذا قيل فى حقهم انهم يتوالدون لكنهم ليسوا بمنظرين كابليس وذريته قال اهل التفسير كان الرجل من العرب إذا امسى فى واد قفر فى بعض مسايره وخاف على نفسه يقول أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فيبيت فى أمن وجوار حتى يصبح فاذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا سدنا الانس والجن وذلك قوله تعالى فَزادُوهُمْ عطف على يعوذون والماضي للتحقق اى فزاد الرجال العائذون الإنسيون الجن رَهَقاً مفعول ثان لزاد اى تكبرا وعتوا وسفها فان الرهق محركة يجيئ على معان منها السفه وركوب الشر والظلم قال فى آكام المرجان وبهذا يجيبون المعزم والراقي بأسمائهم واسماء ملوكهم فانه يقسم عليهم بأسماء من يعظمونه فيحصل لهم بذلك من الرياسة والشرف على الانس ما يحملهم على ان يعطوهم بعض سؤلهم وهم يعلمون ان الانس أشرف منهم وأعظم قدرا فاذا خضعت الانس لهم واستعاذت بهم كان بمنزلة أكابر الناس إذا خضع لهم أصاغرهم يقضون لهم حاجاتهم او المعنى فزاد الجن العائذين غيا بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم وإذا استعاذوا بهم فأمنوا ظنوا ان ذلك من الجن فازدادوا رغبة فى طاعة الشياطين وقبول وساوسهم والفاء حينئذ لترتيب الاخبار واسناد الزيادة الى الانس والجن باعتبار السببية (وروى) عن كردم بن ابى السائب الأنصاري رضى الله عنه انه قال خرجت مع أبى الى المدينة فى حاجة وذلك أول ما ذكر النبي ﵇ بمكة فأدانى المبيت الى راعى غنم فلما انتصف الليل جاء الذئب فحمل حملا من الغنم فقال الراعي يا عامر الوادي جارك فنادى مناد لا نراه يقول يا سرحان أرسله فأتى
стр. 4750
الحمل يشتد حتى دخل فى الغنم ولم تصبه كدمة فأنزل الله على رسوله بمكة وانه كان رجال إلخ قال مقاتل كان أول من نعوذ بالجن قوم من اهل اليمن ثم من حنيفة ثم فشا ذلك فى العرب فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم وعن على بن أبى طالب رضى الله عنه انه قال إذا كنت بواد تخاف فيه السبع فقل أعوذ بدانيال وبالحب من شر الأسد انتهى أشار بذلك الى مارواه البيهقي فى الشعب ان دانيال طرح فى الجب وألقيت عليه السباع فجعلت السباع تلحسه وتبصبص اليه فأتاه رسول فقال يا دانيال فقال من أنت قال أنا رسول ربك إليك أرسلنى إليك بطعام فقال الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره (وروى) ابن ابى الدنيا ان بخت نصر ضرى أسدين وألقاهما فى جب وجاء بدانيال فألقاه عليهما فلم يضراه وذكر قصته فلما ابتلى دانيال بالسباع جعل الله الاستعاذة به فى ذلك تمنع الشر الذي لا يستطاع كما فى حياة الحيوان فعلم من ذلك ان الاستعاذة بغير الله مشروعة فى الجملة لكن بشرط التوحيد واعتقاد التأثير من الله تعالى قال القاشاني فى الآية اى تستند القوى الظاهرة الى القوى الباطنة وتتقوى بها فزاوهم غشيان المحارم وإتيان المناهي بالدواعي الوهمية والنوازع الشهوية والغضبية والخواطر النفسانية وَأَنَّهُمْ اى الانس ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ ايها الجن على انه كلام مؤمنى الجن للكفار حين رجعوا الى قومهم منذرين فكذبوهم او الجن ظنوا كما ظننتم أيها الكفرة على انه كلام الله تعالى أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً ان هى المخففة والجملة سادة مسد مفعولى ظنوا واعمل الاول على ما هو مذهب الكوفيين لان ما فى كما ظننتم مصدرية فكان الفعل بعدها فى تأويل المصدر والفعل أقوى من المصدر فى العمل والظاهر ان المراد بعثة الرسالة اى لن يبعث الله أحدا بالرسالة بعد عيسى او بعد موسى يقيم به الحجة على الخلق ثم انه بعث إليهم محمدا ﵇ خاتم النبيين فآمنوا به فافعلوا أنتم يا معشر الجن مثل ما فعل الانس وقيل بعد القيامة اى لن يبعث الله أحدا بعد الموت للحساب والجزاء.
يقول الفقير فيه اشارة الى أهل الغفلة من الانس والجن فانهم يظنون بالله ظن السوء ويقولون ان الله لا يبعث أحدا من نوم الغفلة بل يبقيه على حاله من الاستغراق فى اللذات والانهماك فى الشهوات ولا يدرون ان الله تعالى يبعث من فى القبور مطلقا ويحيى أجسادهم وقلوبهم وأرواحهم بالحياة الباقية لان اهل النوم لانقطاع شعورهم لا يعرفون حال اهل اليقظة وفيه اثبات العجز لله تعالى والله على كل شىء قدير وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ اى طلبنا بلوغ السماء لاستماع ما يقول الملائكة من الحوادث او خبرها للافشاء بين الكهنة واللمس مستعار من المس للطلب شبه الطلب بالمس واللمس باليد فى كون كل واحد منهما وسيلة الى تعرف حال الشيء فعبر عنه بالمس واللمس قال الراغب اللمس ادراك بظاهر البشرة كالمس ويعبر به عن الطلب قال فى كشف الاسرار ومنه الحديث الذي ورد ان رجلا قال لرسول الله ﵇ ان امرأتى لا تدع عنها يد لامس اى لا ترديد طالب حاجة صفرا يشكوا تضييعها ماله فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً اى حراسا وحفظه وهم الملائكة يمنعونهم عنها اسم جمع لحارس بمعنى حافظ كخدم لخادم مفرد اللفظ ولذلك قيل شَدِيداً اى قويا ولو كان جمعا
стр. 4751
لقيل شدادا وقوله ملئت حرسا حال من مفعول وجدناها ان كان وجدنا بمعنى أصبنا وصادفنا ومفعول ثان ان كان من افعال القلوب اى فعلمناها مملوءة وحرسا تمييز وَشُهُباً عطف على حرسا وحكمه فى الاعراب حكمه جمع شهاب وهى الشعلة المقتبسة من نار الكواكب هكذا قالوا وقد مر تحقيقه وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ قبل هذا مِنْها اى من السماء مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ خالية عن الحرس والشهب يحصل منها مقاصدنا من استماع الاخبار للالقاء الى الكهنة او صالحة للترصد والاستماع وللسمع متعلق بنقعد اى على الوجه الاول اى لاجل السمع او بمضمر هو صفة لمقاعد اى على الثاني اى مقاعد كائنة للسمع وفى كشف الاسرار اى مواضع لاستماع الاخبار من السماء وكان لكل حى من الجن باب فى السماء يستمعون فيه ومن أحاديث البخاري عن عائشة رضى الله عنها عن رسول الله ﷺ ان الملائكة تنزل فى العنان وهو بالفتح السحاب فتذكر الأمر الذي قضى فى السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه الى الكهان فيكذبون معه مائة كذبة من عند أنفسهم. يقول الفقير وجه التوفيق بين الاستراق من السماء ومن السحاب ان الملائكة مرة ينزلون فى العنان فيتحدثون هناك واخرى يتذاكرون فى السماء ولا منع من عروج الشياطين الى السماء فى مدة قليلة للطافة أجسامهم وحيث كانت نارية او هوائية او دخانية لا يتأثرون من النار أو الهواء حين المرور بكرتهما ولو سلم فعروجهم من قبيل الاستدراج ولله فى كل شىء حكمة واسرار فَمَنْ شرطية يَسْتَمِعِ الْآنَ فى مقعد من المقاعد ويطلب الاستماع والآن اى فى هذا الزمان وبعد المبعث وفى اللباب ظرف حالى استعير للاستقبال يَجِدْ لَهُ جواب الشرط والضمير لمن اى يجد لنفسه شِهاباً رَصَداً الرصد الاستعداد للترقب اى شهابا راصدا له ولاجله يصده عن الاستماع بالرجم او ذوى شهاب راصدين له ليرجموه بما معهم من الشهب على انه اسم مفرد فى معنى الجمع كالحرس فيكون المراد بالشهاب الملائكة يتقدير المضاف ويجوز نصب رصدا على المفعول له وفى الآية اشارة الى طلب القوى الطبيعية أن تدخل سماء القلب فوجدتها محفوفة بحراس الخواطر الملكية والرحمانية يحرسونها عن طرق الخواطر النفسانية والشيطانية بشهاب نار نور القلب المنور بنور الرب وكان الشهاب والرجم قبل البعثة النبوية لكن كثر بعدها وزاد زيادة بينة حتى تنبه لها الانس والجن ومنع الاستراق أصلا لئلا يلتبس على الناس اقوال الرسول المستندة الى الوحى الإلهي بأقوال الكهنة المأخوذة من الشياطين مما استرقوا من اقوال اهل السماء ويدل على ما ذكر قوله تعالى فوجدناها ملئت حرسا شديدا فانه يدل على ان الحادث هو الكمال والكثرة اى زيدت حرسا وشهبا حتى امتلأت بهما وقوله تعالى وانا كنا نقعد منها مقاعد اى كنا نجد فيهما بعض المقاعد حالية عن الحرس والشهب والآن قد ملئت المقاعد كلها فلما رأى الجن ذلك قالوا ما هذا الا لامر أراده الله بأهل الأرض وذلك قولهم وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ بحراسة السماء منا أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً اى خيرا وإصلاحا أوفق لمصالحهم والاستفهام لاظهار العجز عن الاطلاع على الحكمة قال بعضهم لعل التردد بينهما مخصص
стр. 4752
بالاستفهام وأن يكون فاعل فعل مضمر مفسر بما بعده بمعنى لا ندرى. أريد شرام خير ورجحوه للموافقة بين المعطوفين فى كونهما جملة فعلية والباء فى الموضعين متعلقة بما قبلها والجملة الاستفهامية قائمة مقام المفعول ونسبة الخير الى الله تعالى دون الشر من الآداب الشريفة القرآنية كما فى قوله تعالى وإذا أمرضت فهو يشفين ونظائره قال صاحب الانتصاب ومن عقائد الجن ان الهدى والضلال جميعا من خلق الله تعالى فتأدبوا من نسبة الرشاد اليه وجعلوا الشر مضمر الفاعل فجمعوا بين حسن الاعتقاد والأدب وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ اى الموصوفون بصلاح الحال فى شأن أنفسهم وفى معاملتهم مع غيرهم او ما يكون الى الخير والصلاح حسبما تقتضية الفطرة السليمة لا الى الشر والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة والقصر ادعائى كأنهم لم يعتدوا بصلاح غير ذلك البعض فالصالحون مبتدأ ومنا خبره المقدم والجملة خبر ان ويجوز أن يكون الصالحون فاعل الجار والمجرور الجاري مجرى الظرف لاعتماده على المبتدأ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ اى قوم دون ذلك فى الصلاح فحذف الموصوف لانه يجوز حذف هذا الموصوف فى التفصيل بمن حتى قالوا مناظعن ومنا اقام يريدون منا فريق ظعن ومنا فريق أقام ودون ظرف وهم المقتصدون فى صلاح الحال على الوجه المذكور غير الكاملين فيه لا فى الايمان والتقوى كما توهم فان هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن كما يعرب به عنه قوله تعالى كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً واما حالهم بعد استماعه فسيحكى بقوله وانا لما سمعنا الهدى الى قوله وانا منا المسلمون اى كنا قبل هذا طرائق فى اختلاف الأحوال فهو بيان للقسمة المذكورة وقدر المضاف لامتناع كون الذوات طرائق قالوا فى الجن قدرية ومرجئة وخوارج وروافض وشيعية وسنية قال فى المفردات جمع الطريق طرق وجمع الطرق طرائق والظاهر أن الطرائق جمع طريقة كقصائد جمع قصيدة ثم قال وقوله تعالى كنا طرائق قددا اشارة الى اختلافهم فى درجاته كقوله هم درجات والطريق الذي يطرق بالأرجل اى يضرب ومنه استعير كل مسلك يسلكه الإنسان فى فعل محمودا كان او مذموما وقيل طريقة من النخل تشبيها بالطريق فى الامتداد والقد قطع الشيء طولا والقد المقدود ومنه قيل لقامة الإنسان قد كقولك تقطيعة والقدة كالقطعة يعنى انها من القد كالقطعة من القطع وصفت الرائق بالقدد لدلالتها على معنى التقطع والتفرق وفى القاموس القدة الفرقة من الناس هوى كل واحد على حدة ومنه كنا طرائق قددا اى فرقا مختلفة أهواؤها وقد تعددوا قال القاشاني وانا منا الصالحون كالقوى المدبرة لنظام المعاش وصلاح البدن ومنادون ذلك من المفسدات كالوهم والغضب والشهوة والمعاملة بمقتضى هوى النفس والمتوسطات كالقوى النباتية الطبيعية كنا ذوى مذاهب مختلفة لكل طريقة ووجهة مما عينه الله ووكله به قال بعض المفسرين المراد بالصالحين السابقون بالخيرات وبما دون ذلك اى أدنى مكان منهم المقتصدون الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا واما الظالمون لانفسهم فمندرج فى قوله تعالى كنا طرائق قددا فيكون تعميما بعد تخصيص على الاستئناف ويحتمل أن يكون
стр. 4753
دون بمعنى غير فيندرج القسمان الأخيران فيه وَأَنَّا ظَنَنَّا اى علمنا الآن بالاستدلال والتفكر فى آيات الله فالظن هنا بمعنى اليقين لان الايمان لا يحصل بالظن ولان مقصودهم ترغيب أصحابهم وترهيبهم وذا بالعلم لا بالظن كما قال ﵇ انا النذير العريان أَنْ اى ان الشان لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ عن إمضاء ما أراد بنا كائنين فِي الْأَرْضِ أينما كنا من أقطارها فقوله فى الأرض حال من فاعل نعجز والاعجاز عاجز كردن وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً قوله هربا حال من فاعل لن نعجز اى هاربين من الأرض الى السماء والى الجار والى جبل قاف أو لن نعجزه فى الأرض ان أراد بنا أمرا ولن نعجزه هرن ان طلبنا فالفرار من موضع الى موضع وعدمه سيان فى أن شيأ منهما لا يفيد فواتنا منه ولعل الفائدة فى ذكر الأرض حينئذ الاشارة الى انها مع سعتها وانبساطها ليست منجى منه تعالى ولا مهربا وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى اى القرآن الذي يهدى للتى هى أقوم آمَنَّا بِهِ من غير تأخير وتردد فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ وبما أنزله من الهدى فَلا يَخافُ اى فهو لا يخاف فالكلام فى تقدير مبتدأ وخبر ولذلك دخلت الفاء ولولا ذلك القيل لا يخف وفائدة رفع الفعل ووجوب إدخال الفاء انه دال على تحقيق ان المؤمن ناج لا محالة وانه المختص بذلك دون غيره بَخْساً اى نقصا فى الجزاء وَلا رَهَقاً ولا أن ترهقه ذلة وتغشاه او جزاء بخس ولا رهق اى ظلم إذ لم يبخس أحدا حقا ولا رهق اى ظلم أحدا فلا يخاف جزاءهما وفيه دلالة على ان من حق من آمن بالله أن يجتنب المظالم ومنه قوله ﵇ المؤمن من امنه الناس على أنفسهم وأموالهم قال الواسطي ﵀ حقيقة الايمان ما أوجب الامان فمن بقي فى مخاوف المرتابين لم يبلغ الى حقيقة الايمان وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ اى بعد استماع القرآن وَمِنَّا الْقاسِطُونَ الجائرون عن طريق الحق الذي هو الايمان والطاعة فالقاسط الجائر لانه عادل عن الحق والمقسط العادل لانه عادل الى الحق يقال قسط إذا جار وأقسط إذا عدل وقد غلب هذا الاسم اى القاسط على فرقة معاوية ومنه الحديث خطابا لعلى رضى الله عنه (تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين) فالناكثون اصحاب عائشة رضى الله عنها فانهم الذين نكثوا البيعة اى نقضوها واستنزلوا عائشة وساروا بها الى البصرة على جمل اسمه عسكر ولذا سميت الوقعة يوم الجمل والقاسطون اصحاب معاوية لانهم قسطوا اى جاروا حين حاربوا لامام الحق والوقعة تعرف بيوم صفين والمارقون الخوارج فانهم الذين مرقوا اى خرجوا من دين الله واستحلوا القتال مع خليفة رسول الله ﵇ وهم عبد الله ابن وهب الراسى وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية وتعرف تلك الواقعة بيوم النهروان هى من ارض العراق على اربعة فراسخ من بغداد فَمَنْ أَسْلَمَ پس هر كه كردن نهاد. امر خدايرا همچنانچهـ ما كرده ايم قال سعدى المفتى يجوز أن يكون من كلام الجن ويجوز أن يكون مخاطبة من الله لرسوله ما فيما بعده من الآيات فَأُولئِكَ اشارة الى من اسلم والجمع باعتبار المعنى تَحَرَّوْا التحري فى الأصل طلب الأحرى والأليق قولا او فعلا اى طلبوا وقصدوا رَشَداً يقال رشد كنصر وفرح رشد او رشد إرشادا اهتدى كما فى القاموس
стр. 4754
اى اهتداء عظيما الى طريق الحق والصواب يبلغهم الى دار الثواب فتحرى الرشد مجاز عن ذلك بعلاقة السببية وبالفارسية قصد كرده اند راه راست واز ان بمقصد خواهند رسيد.
ودل على ان للجن ثوابا على أعمالهم لانه ذكر سبب الثواب وموجبه وقد سبق تحقيقه أَمَّا الْقاسِطُونَ
الجائرون عن سنن الهدى كانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
الحطب ما بعد للايقاد اى حطبا توقد بهم كما توقد بكفرة الانس (روى) ان الحجاج قال لسعيد بن جبير حين أراد قتله ما تقول فى قال انك قاسط عادل فقال الحاضرون ما احسن ما قال حسبوا انه يصفه بالقسط والعدل فقال الحجاج يا جهلة جعلنى جاهلا كافرا وتلا قوله تعالى واما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا وقوله تعالى ثم الذين كفروا بربهم يعدلون وأسند بعضهم قول سعيد الى امرأة كما قال فى الصحاح ومنه قول تلك المرأة للحجاج انك قاسط عادل فيحتمل التوارد وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا ان مخففة من الثقيلة والجملة معطوفة قطعا على انه استمع والمعنى واوحى الى ان الشان لو استقام الجن او الانس او كلاهما عَلَى الطَّرِيقَةِ التي هى ملة الإسلام لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً الاسقاء والسقي بمعنى وقال الراغب السقي والسقيا هو أن تعطيه ماء ليشرب والاسقاء أن تجعل له ذلك له حتى يتناوله كيف شاء كما يقال أسقيته نهرا فالاسقاء ابلغ وغدق من باب علم إذا غزر وصف الماء به للمبالغة فى غزارته كرجل عدل وتخصيص الماء الكثير بالذكر لانه اصل السعة وان كان اصل المعاش هو اصل الماء لاكثرته ولعزة وجوده بين العرب قال عمر رضى الله عنه أينما كان الماء كان العشب وأينما كان العشب كان المال وأينما كان المال كانت الفتنة والمعنى لا عطيناهم مالا كثيرا وعيشا رغدا ووسعنا عليهم الرزق فى الدنيا وبالفارسية هر آيينه بدهيم ايشان را آب بسيار بعد از تنك سالى يعنى روزى بر ايشان فراخ كردانيم.
وفيه دلالة على ان الجن يأكلون ويشربون ولكن فيه تفصيل وقد سبق وقال بعض اهل المعرفة المراد بالاستقامة على الطريقة هو القيام على سبيل السنة والميل الى اهل الصلاح وبالاسقاء الافاضة على قلوبهم ماء الوداد لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ لنختبرهم فى ذلك الاسقاء والتوسيع كيف يشكرونه كما قال تعالى وبلوناهم بالحسنات او فى ذلك الماء والمآل واحد (وقال الكاشفى) تا بيازماييم ايشانرا در آن زندكانى كه بوظائف شكر چكونه قيام نمايند. وفيه اشارة الى ان المرزوق بالرزق الروحاني والغذاء المعنوي يجب عليه القيام بشكره ايضا وذلك بوظائف الطاعات وصنوف العبادات وضروب الخدمات وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ عن عبادته او عن موعظته او وحيه يَسْلُكْهُ يدخله عَذاباً صَعَداً اى شاقا صعبا يتصعد اى يعلوا لمعذب ويغلبه فلا يطيقه على انه مصدر وصف به للمبالغة يقال سلكت الخيط فى الابرة إذا أدخلته فيها اى يسلكه فى عذاب صعد كما قال ما سلككم فى سقر أي أدخلهم فيها فحذف الجار وأوصل الفعل ثم ان كان اعراضه بعدم التصديق عذابه بالتأبيد والا فبقدر جريمته ان لم يغفر له وروى ان صعدا جبل فى النار إذا وضع عليه يديه او رجليه ذابتا وإذا رفعهما عادتا وقال بعضهم صعدا جبل أملس فى جهنم ويكلف الوليد ابن المغيرة صعوده أربعين
стр. 4755
عاما فيجذب من أعلاه بالسلاسل فاذا انتهى الى أعلاه انحدر الى أسفله ثم يكلف ثانيا وهكذا يعذب ابدا وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ عطف على قوله انه استمع اى واوحى الى ان المساجد مختصة بالله تعالى وبعبادته خصوصا المسجد الحرام ولذلك قيل بيت الله فالمراد بالمساجد المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله ويدخل فيها البيوت التي يبنيها اهل الملل للعبادة نحو الكنائس والبيع ومساجد المسلمين ثم هذا لا ينافى ان تضاف المساجد وتنسب الى غيره تعالى بوجه آخر اما لبانيها كمسجد رسول الله او لمكانها كمسجد بيت المقدس الى غيره ذلك من ال اعتبارات وأعظم المساجد حرمة المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم مسجد بيت المقدس ثم الجوامع ثم مساجد المحال ثم مساجد الشوارع ثم مساجد البيوت فَلا تَدْعُوا اى لا تعبدوا فيها الفاء للسببية مَعَ اللَّهِ أَحَداً اى لا تجعلوا أحدا غير الله شريكا لله فى العبادة فاذا كان الإشراك مذموما فكيف يكون حال تخصيص العبادة بالغير (قال الكاشفى) پس مخوانيد در ان با خداى تعالى يكى را چنانچهـ يهود ونصارى در كنايس وصوامع خود عزير ومسيح را بالوهيت ياد ميكنند و چنانكه مشركان در حوالئ بيت الحرام ميكويند لبيك لا شريك لك الا شريك هو لك تملكه وما ملك وكفته اند مراد از اين مساجد تمام روى زمينست كه مسجد حضرت سيد المرسلين است لقوله ﵇ جعلت لى الأرض مسجدا وتربتها طهورا پس در هيچ بقعه با ياد خدا ياد ديكرى نيكو نباشد
دلرا بجزا ز ياد خدا شاد مكن ... با ياد وى از كسى ديكر ياد مكن
قال بعض العارفين انما تبرأ تعالى من الشريك لانه عدم والله وجود فتبرأ من العدم الذي لا يلحقه إذ هو واجب الوجود لذاته والله تعالى مع الخلق ما الخلق مع الله لانه تعالى يعلمهم وهم لا يعلمونه فهو تعالى معهم أينما كانوا فى طرفية أمكنتهم وأزمانهم وأحوالهم ما الخلق معه تعالى فانهم لا يعرفونه حتى يكونوا معه ولو عرفوه من طريق الايمان كانوا كالاعمى يعلم انه جليس زيد ولكن لا يراه فهو كأنه يراه بخلاف اهل المشاهدة فانه ذو بصر الهى فمن دعاء الله مع الله ما هو كمن دعاء الخلق مع الله هذا معنى فلا تدعوا مع الله أحدا ثم ان السجود وان كان لله لا يقع فى الحس أبدا الا لغير الله اى لجهة غير الله لان الله ليس بجهة بل هو بكل شىء محيط فما وقع من عبد سجود الا لغير الله لكن منه ما كان لغير الله عن امر الله كالسجود لآدم وهو مقبول ومنه ما كان عن غير امره كالسجود للاصنام وهو مردود وانما وضعت المساجد للتعظيم كما انه عينت القبلة للأدب يروى عن كعب انه قال انى لا جد فى التوراة ان الله تعالى يقول ان بيوتى فى الأرض المساجد وان المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله وحق على المزور ان يكرم زائره ومن هنا قالوا ان من دخل المسجد ينوى زيارة الله تعالى قال بعض اهل المعرفة ان مساجد القلوب لزوار تجلية فلا ينبغى ان يكون فيها ذكر غير الله قال بعضهم ان مساجد القلوب الصافية عن القاذورات مختصة بالله تعالى وبالتجليات الذاتية والصفاتية
стр. 4756
والاسمائية فلا تدعوا مع الله أحدا من الأسماء الجزئية اى طهروا مساجد قلوبكم لتجلى اسم الله الأعظم فيها لا غير وقال ابن عطاء مساجدك أعضاؤك التي أمرت ان تسجد عليها لا تخضعها ولا تذللها لغير خالقها وهى الوجه واليدان والركبتان والرجلان والحكمة فى إيجاب السجود على هذه الأعظم ان هذه الأعضاء التي عليها مدار الحركة هى المفاصل التي تنفتح وتنطبق فى المشي والبطش واكثر السعى ويحصل بها اجتراح السيئات وارتكاب الشهوات فشرع الله بها السجود للتكفير ومحو الذنب والتطهير وَأَنَّهُ من جملة الموحى به اى واوحى الى ان الشأن لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ اى النبي ﵇ ولذا جعلو فى أسمائه لانه هو العبد الحقيقي فى الحقيقة المضاف الى اسم الله الأعظم فرقا وان كان هو المظهر له جمعا. ودر آثار آمده كه آن حضرت را ﵇ هيچ نام ازين خوشتر نيامده چهـ شريطه عبادت وعبوديت بر وجهى كه آن حضرت قيام هيچكس را قدرت بر اقامت بر ان نبوده لاجرم در وقت عروج آن حضرت بر منازل ملكى باين اسم مذكور شد كه سبحان الذي اسرى بعبده وبهنگام نزول قرآن از مدارج فلكى او را يهمين نام ميكند كه تبارك الذي نزل الفرقان على عبده
آن بنده شعار بندگى دوست ... كز جمله بندگان كزين اوست
دادند ببند كيش راهى ... كانرا كه نديده هيچ شاهى
وإيراده ﵇ بلفظ العبد للاشعار بما هو المقتضى لقيامه وعبادته وهو العبودية اى كونه عبدا له وللتواضع لانه واقع موقع كلامه عن نفسه إذا التقدير وأوحى الى انى لما قمت وهذا على قراءة الفتح واما على قراءة نافع وأبى بكر فيتعين كونه للاشعار بالمقتضى وفيه تعريض لقريش بانهم سموا عبد ود وعبد يعوث وعبد مناف وعبد شمس ونحوها لا عبد الله وان من سمى منهم بعبد الله فانما هى من قبيل التسمية المجردة عن معانيها يَدْعُوهُ حال من فاعل قام اى يعبده وذلك قيامه لصلاة الفجر بنخلة كما سبق كادُوا اى قرب الجن يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً جمع لبدة بالكسر نحو قربة وقرب وهى ما تلبد بعضه على بعض اى تراكب وتلاصق ومنها لبدة الأسد وهى الشعر المتراكب بين كتفيه والمنى متراكمين يركب بعضهم بعضا ويقع من ازدحامهم على النبي ﵇ تعجبا مما شاهدوا من عبادته وسمعوا من قراءته واقتداء أصحابه به قياما وقعودا وسجودا لانهم رأوا ما لم يروا مثله قبله وسمعوا مما لم يسمعوا بنظيره وعلى قراءة الكسر إذا جعل مقول الجن فضمير كادوا لاصحابه ﵇ الذين كانوا مقتدين به فى الصلاة. يقول الفقير فى هذا المقام إشكال على القراءتين جميعا لان المراد ان كان ما ذهب اليه ابن عباس رضى الله عنهما على ما ذهب اليه المفسرون فلا معنى للازدحام إذ كان الجن نخلة نفرا سبعة او تسعة ولا معنى لازدحام النفر القبائل مع سعة المكان وقرب القاري وانما وقع الازدحام فى الحجون بعد العود من نخلة على ما رواه ابن مسعود رضى الله عنه ولا مخلص الا بأن يقال لم يزالوا يدنون من جهة واحدة حتى كادوا يكونون عليه لبدا او بأن يتجوز فى النفر وحينئذ يبقى
стр. 4757
تعيين العدد على ما فعله بعضهم بلا معنى وان كان المراد ما ذهب اليه ابن مسعود رضى الله عنه ففيه ان ذلك كان بطريق المشاهدة على ما اسلفناه فى الأحقاف ولا معنى لاخباره بطريق الوحى على ما مضى فى أول السورة وايضا انه لم يكن معه ﵇ إذ ذاك إلا نفر قليل من أصحابه بل لم يكن الا زيد ابن حارثة رضى الله عنه على ما فى انسان العيون فلا معنى للازدحام والله اعلم بمراده قُلْ إِنَّما أَدْعُوا اى اعبد رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ اى بربي فى العبادة أَحَداً فليس ذلك ببدع فلا مستنكر يوجب التعجب او الاطباق على عداوتى وهذا حالى فليكن حالكم ايضا كذلك قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لا أستطيع لَكُمْ ايها المشركون ضَرًّا وَلا رَشَداً كأنه أريد لا املك ضرا ولا نفعا ولا غيا ولا رشدا اى ليس هذا بيدي بل بيد الله تعالى فانه هو الضار النافع الهادي المضل فترك من كلا المتقابلين ما ذكر فى الآخر فالآية من الاحتباك وهو الحذف من كل ما يدل مقابلة؟؟؟ كليه وفى التأويلات النجمية اى من حيث وجوده المضاف اليه كما قال انك لا نهدى من أحببت واما من حيث وجوده الحق المطلق فانه يملك الضر والرشد كقوله وانك لتهدى الى صراط مستقيم قال القاشاني اى غيا وهدى انما الغواية والهداية من الله ان سلطنى عليكم تهتدوا بنوري والا بقيتم فى الضلال ليس فى قوتى ان اقسركم على الهداية قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي ينقذنى ويخلصنى مِنَ اللَّهِ من قهره وعذابه ان خالفت امره وأشركت به أَحَدٌ ان استنقذته او لن ينجينى منه أحد ان أرادنى بسوء قدره على من مرض او موت او غيرهما قال بعضهم هذه لفظة تدل على الإخلاص فى التوحيد إذا التوحيد هو صرف النظر الى الحق لا غير وهذا لا يصح الا بالإقبال على الله والاعراض عما سواه والاعتماد عليه دون ما عداه وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً يقال ألحد فى دين الله والتحد فيه اى مال عنه وعدل ويقال للملجأ الملتحد لان اللاجئ يميل اليه والمعنى ولن أجد عند الشدائد ملتجأ غيره تعالى وموئلا ومعد فلا ملجأ ولا موئل ولا معدل الا هو وهذا بيان لعجزه ﵇ عن شؤون نفسه بعد بيان عجزه عن شؤون غيره اى وإذ لا املك لنفسى شيأ فكيف املك لكم شيأ إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ استثناء متصل من قوله لا املك اى من مفعوله فان التبليغ ارشاد ونفع وما بينهما اعتراض مؤكد لنفى الاستطاعة عن نفسه فلا يضر طول الفصل بينهما وفائدة الاستثناء المبالغة فى توصيف نفسه بالتبليغ لدلالته على انه لا يدع التبليغ الذي يستطيعه لتظاهرهم على عداوته وقوله من الله صفة بلاغا اى بلاغا كائنا منه وليس متعلقا بقوله بلاغا لان صلة التبليغ فى المشهور انما هى كلمة عن دون من وبلاغا واقع موقع التبليغ كما يقع السلام والكلام موقع التسليم والتكليم او استثناء من قوله لمتحدا اى لن أجد من دونه تعالى منجى الا ان ابلغ عنه ما أرسلني به فهو حينئذ منقطع فان البلوغ ليس ملتحدا من دون الله لانه من الله وبإعانته وتوفيقه وَرِسالاتِهِ عطف على بلاغا بإضمار المضاف وهو البلاغ اى لا املك لكم الا تبليغا كائنا منه تعالى وتبليغ رسالاته التي أرسلني بها يعنى الآن ابلغ عن الله وقول قال الله كذا ناسبا للمقالة اليه وان
стр. 4758
ابلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان وقال سعدى المفتى لعل المراد من بلاغا من الله ما هو ما يأخذه منه تعالى بلا واسطة ومن رسالاته ما هو بها انتهى والمراد بالرسالة هو ما أرسل الرسول به من الأمور والاحكام والأحوال لا معنى المصدر والظاهر أن المراد الا التبليغ والرسالة من الله تعالى وجمع الرسالة باعتبار تعدد ما أرسل هو به وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فى الأمر بالتوحيد بأن لا يمتثل أمرهما به ودعوتهما اليه فيشرك به إذ الكلام فيه وهو يصلح ان يكون مخصصا للعموم فلا متمسك للمعتزلة فى الآية على تخليد عصاة المؤمنين فى النار فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها اى فى النار أو فى جهنم والجمع باعتبار المعنى أَبَداً بلا نهاية فهو دفع لان يراد بالخلود المكث الطويل حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ غاية لمحذوف يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لا نصاره ﵇ ولاستقلالهم لعددهم حتى قالوا هم بالاضافة إلينا كالحصاة من جبال كأنه قيل لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا ما يوعدون من فنون العذاب فى الاخرة فَسَيَعْلَمُونَ حينئذ عند حلوله بهم مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً اى فسيعلمون الذي هو أضعف واقل أهم أم المؤمنون فمن موصولة وأضعف خبر مبتدأ محذوف ويجوز ان تكون استفهامية مرفوعة بالابتداء وأضعف خبره والجملة فى موضع نصب سدت مسد مفعولى العلم وناصرا وعددا منصوبان على التمييز وحمل بعضهم ما توعدون على ما رأوه يوم بدر وأيا ما كان ففيه دلالة على ان الكفار مخذولون فى الدنيا والآخرة وان كثروا عددا وقورا جسدا لان الكافرين لا مولى لهم وان المؤمنين منصورون فى الدارين وان قلوا عددا وضعفوا جسدا لان الله مولاهم والواحد على الحق هو السود الأعظم فان نصره ينزل من العرش قال الحافظ
تيغى كه آسمانش از فيض خود دهد آب ... تنها جهان بگيرد بي منت سپاهى
قُلْ إِنْ أَدْرِي اى ما أدرى لان ان نافية أَقَرِيبٌ خبر مقدم لقوله ما تُوعَدُونَ ويجوز ان يكون ما توعدون فاعلا لقريب سادا مسد الخبر لوقوعه بعد الف الاستفهام وما موصولة والعائد محذوف اى أقريب الذي توعدونه نحو أقائم الزيدان أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً اى غاية تطول مدتها والأمد وان كان يطلق على القريب ايضا الا ان المقابلة تخصصه بالبعيد والفرق بين الزمان والأمد أن الأمد يقال باعتبار الغاية ولزمان عام فى المبدأ والغاية والمعنى ان الموعود كائن لا محالة واما وقته فما أدرى متى يكون لان الله لم يبينه لما رأى فى إخفاء وقته من المصلحة وهو رد لما قاله المشركون عند سماعهم ذلك متى يكون الموعود إنكارا له واستهزاء فان قيل أليس قال ﵇ بعثت أنا والساعة كهاتين فكان عالما بقرب وقوع القيامة فكيف قال هاهنا لا أدرى أقريب أم بعيد والجواب ان المراد بقرب وقوعه هو ان ما بقي من الدنيا اقل ممن انقضى فهذا القدر من القرب معلوم واما قربه بمعنى كونه بحيث يتوقع فى كل ساعة فغير معلوم على ان كل آت قريب ولذا قال تعالى أتى امر الله فلا تستعجلوه وقال كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار وذلك بالموت
стр. 4759
للمتقدمين ووقوع عين القيامة للمتأخرين كما أوعد نوح ﵇ بالطوفان فلم يدركه بعضهم بل هلك قبله وغرق فى طوفان الموت وبحر البلاء قال بعض اهل المعرفة قل ان أدرى أقريب ما توعدون فى القيامة الصغرى من الفناء الصوري والموت الطبيعي الاضطراري والدخول فى نار الله الكبرى عند البعث لعدم الوقوف على قدر الله او فى الكبرى من الموت لارادى والفناء الحقيقي لعدم الوقوف على قوة الاستعداد فيقع عاجلا أم ضرب الله غاية وأجلا عالِمُ الْغَيْبِ وحده وهو خبر مبتدأ محذوف اى هو عالم لجميع ما غاب عن الحس على ان اللام للاستغراق والجملة استئناف مقرر لما قبله من عدم الدراية فَلا يُظْهِرُ آگاه نكند عَلى غَيْبِهِ أَحَداً الفاء لترتيب عدم الإظهار على تفرده تعالى بعلم الغيب على الإطلاق اى فلا يطلع على غيبه اطلاعا كاملا ينكشف به جلية الحال انكشافا تاما موجبا لعين اليقين أحد من خلقه إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ الارتضاء پسنديدن وأصله تناول مرضى الشيء اى الا رسولا ارتضاه واختاره لا ظهاره على بعض غيوبه المتعلقة برسالته كما يعرب عنه بيان من ارتضى بالرسول تعلقا ما اما لكونه من مبادى رسالته بان يكون معجزة دالة على صحتها واما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية التي امر بها المكلفون وكيفيات أعمالهم واجزيتها المترتبة عليها فى الآخرة وما تتوقف هى عليه من احوال الآخرة التي من جملتها قيام الساعة والبعث وغير ذلك من الأمور الغيبية التي بيانها من وظائف الرسالة واما ما لا يتعلق بها على أحد الوجهين من الغيوب التي من جملتها وقت قيام الساعة فلا يظهر عليه أحدا أبدا على ان بيان وقته مخل بالحكمة التشريعية التي عليها يدور فلك الرسالة وليس فيه ما يدل على نفى كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف فان اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلا ولا يدعى أحد لاحد من الأولياء ما فى مرتبة الرسل من الكشف الكامل الحاصل بالوحى الصريح بل اطلاعهم بالأخبار الغيبى والتلقف من الحق فيدخل فى الرسول وارثه قال الجنيد قدس سره قعد على غلام نصرانى متنكرا وقال أيها الشيخ ما معنى قوله ﵇ اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله قال فأطرقت رأسى ورفعت فقلت اسلم اسلم فقد حان وقت إسلامك فأسلم الغلام فهذا اما بطريق الفراسة او بغيرها من انواع الكشوف وخرج من البين اهل الكهانة والتنجيم لانهم ليسوا من اهل الارتضاء والاصطفاء كالانبياء والأولياء فليس اخبارهم بطريق الإلهام والكشف بل بالأمارات والظنون ونحوها ولذا لا يقع أكثرها الا كاذبا ومن قال أنا اخبر من اخبار الجن يكفر لان الجن كالانس لا تعلم غيبا وقد سبق ان الكهانة انقطعت اليوم فلا كهانة أبدا لان الشياطين منعوا من السماء قال ابن الشيخ انه تعالى لا يطلع على الغيب الذي يختص به علمه الا المرتضى الذي يكون رسولا وما لا يختص به يطلع عليه غير الرسول اما بتوسط الأنبياء او بنصب الدلائل وترتيب المقدمات او بأن يلهم الله بعض الأولياء وقوع بعض المغيبات فى المستقبل بواسطة الملك فليس مراد الله بهذه الآية ان لا يطلع أحدا على شىء من المغيبات الا الرسل لظهور أنه تعالى قد يطلع على شىء
стр. 4760
من الغيب غير الرسل كما اشتهر ان كهنة فرعون أخبروا بظهور موسى ﵇ وبزوال ملك فرعون على يده وان بعض الكهنة أخبروا بظهور نبينا محمد ﵇ قبل زمان ظهوره ونحو ذلك من المغيبات وكانوا صادقين فيه وارباب الملل والأديان مطبقون على صحة علم التعبير والمعبر قد يخبر عن وقوع الوقائع الآتية فى المستقبل ويكون صادقا فيه ثم الآية نظير قوله تعالى وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء فَإِنَّهُ يَسْلُكُ پس بدرستى كه در مى آرد خداى تعالى يعنى ميسازد. وبالعربية يدخل ويثبت مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ اى قدام الرسول المرتضى وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً قال فى القاموس الرصد محركة الراصدون اى الراقبون بالفارسية نكهبانان. يقال للواحد والجماعة كما فى المفردات وهو تقرير وتحقيق للاظهار المستفاد من الاستثناء وبيان لكيفيته اى فانه تعالى يسلك من جميع جوانب الرسول عند إظهاره على غيبه حرسا من الملائكة يحرسونه من بعض الشياطين لما أظهره عليه من الغيوب المتعلقة برسالته يعنى ان جبريل كان إذا نزل بالرسالة نزل معه ملائكة يحفظونه من ان يسمع الجن الوحى فيلقونه الى كهنتهم فتخبر به الكهنة قبل الرسول فيختلط على الناس امر الرسالة قال القاشاني الا من ارتضى من رسول اى أعده فى الفطرة الاولى وزكاء وصفاء من رسول القوة القدسية فانه يسلك من بين يديه اى من جالبه الإلهي ومن خلفه اى ومن جهته البدنية رصدا حفظة اما من جهة الله التي إليها وجهه فروح القدس والأنوار الملكوتية والربانية واما من جهة البدن فالملكات الفاضلة والهيئات النورية الحاصلة من هياكل الطاعات والعبادات يحفظونه من تخبيط الجن وخلط كلامهم من الوساوس والأوهام والخيالات بمعارفها اليقينية ومعانيها القدسية والواردات المغيبية والكشوف الحقيقية لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ متعلق بيشك غاية له من حيث انه مترتب على الإبلاغ المترتب عليه إذا لمراد به العلم المتعلق بالابلاغ الموجود بالفعل وان مخففة من الثقيلة واسمها الذي هو ضمير الشأن محذوف والجملة خبرها والإبلاغ الإيصال وبالفارسية رسانيدن. ورسالات ربهم عبارة عن الغيب الذي أريد اظهار المرتضى عليه والجمع باعتبار تعدد افراده وضمير أبلغوا اما للرصد فالمعنى انه تعالى يسلكهم من جميع جوانب المرتضى ليعلم ان الشأن قد أبلغوا رسالات ربهم سالمة عن الاختطاف والتخليط علما مستتبعا للجزاء وهو أن يعلمه موجودا حاصلا بالفعل كما فى قوله تعالى حتى نعلم المجاهدين منكم والغاية فى الحقيقة هو الإبلاغ والجهاد وإيراد علمه تعالى لابراز اعتنائه تعالى بأمرهما ولاشعار بترتيب الجزاء عليهما والمبالغة فى الحث عليهما والتحذير من التفريط فيهما واما لمن ارتضى والجمع باعتبار معنى من كما ان الافراد فى الضميرين السابقين باعتبار لفظها فالمعنى ليعلم انه قد ابلغ الرسل الوحى إليهم رسالات ربهم الى أممهم كما هى من غير اختطاف ولا تخليط بعد ما أبلغها الرصد إليهم كذلك وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ اى بما عند الرصد او الرسل حال عن فاعل يسلك بإضمار قد او بدونه على الخلاف المشهور جيئ بها التحقيق استغنائه تعالى اى وقد أحاط بما لديهم من الأحوال جميعا وَأَحْصى علم علما بالعالي حد الإحاطة تفصيلا وبالفارسية وشمرده است كُلَّ شَيْءٍ مما كان
стр. 4761
وما سيكون عَدَداً اى فردا فردا فكيف لا يحيط بما لديهم قال القاسم هو أوجدها فأحصاها عددا وقال ابن عباس رضى الله عنهما احصى ما خلق وعرف عدد ما خلق لم يفته علم شىء حتى مثاقيل الذر والخردل (قال الكاشفى) مراد كمال علم است وتعلق آن بجميع معلومات يعنى معلومى مطلقا از دائره علم او خارج نيست
هر چهـ دانستنى است در دو جهان ... نيست از علم شاملش پنهان
قوله عددا تمييز منقول من المفعول به كقوله وفجرنا الأرض عيونا والأصل احصى عدد كل شىء وفائدته بيان ان علمه تعالى بالأشياء ليس على وجه كلى اجمالى بل على وجه جزئى تفصيلى فان الإحصاء قد يراد به الإحاطة الاجمالية كما فى قوله تعالى وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها اى لا نقدروا على حصرها اجمالا فضلا عن التفصيل وذلك لان اصل الإحصاء ان الحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الاعداد كالعشرة والمائة والالف وضع حصاة ليحفظ بها كمية ذلك العقد فيبنى على ذلك حسابه وهذه الآية مما يستدل به على ان المعدوم ليس بشئ لانه
لو كان شيأ لكانت الأشياء غير متناهية وكونه احصى عددها يقتضى كونها متناهية لان إحصاء العدد انما يكون فى المتناهي فيلزم الجمع بين كونها متناهية وغير متناهية وذلك محال فوجب القطع بأن المعدوم ليس بشئ حتى يندفع هذا التناقض والتنافي كذا فى حواشى ابن الشيخ ﵀ تمت سورة الجن بعون ذى الطول والمن فى عصر الثلاثاء السابع من ذى القعدة من شهور سنة ست عشرة ومائة وألف
تفسير سورة المزمل
وآيها تسع عشرة او عشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ اى المزمل من تزمل بثيابه إذا تلفف بها وتغطى فأدغم التاء فى الزاى فقيل المزمل بتشديدين كان ﵇ نائما بالليل متزملا فى قطيفة اى دثار مخمل فأمر أن يترك التزمل الى التشمر للعبادة ويختار التهجد على الهجود وقال ابن عباس رضى الله عنهما أول ما جاءه جبريل خافه فظن ان به مسا من الجن فرجع من جبل حرآء الى بيت خديجة مرتعدا وقال زملونى فبينما هو كذلك إذ جاء جبريل وناداه وقال يايها المزمل وعن عكرمة ان المعنى يا أيها الذي زمل امرا عظيما اى حمله والزمل الحمل وازدمله احتمله قال السهيلي ﵀ ليس المزمل من أسمائه ﵇ التي يعرف بها كما ذهب اليه بعض الناس وعده فى أسمائه وانما المزمل مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب وكذا المدثر وفى خطابه بهذا الاسم فائدتان إحداهما الملاطفة فان العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك الماتبة سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبي ﵇ لعلى رضى الله عنه حين غاضب فاطمة رضى الله عنها اى أغضبها وأغضبته فأتاه وهو نائم قد لصق بجنبه التراب فقال له قم يا أبا تراب اشعارا بأنه غير عاتب عليه وملاطفة له وكذلك قوله ﵇ لحذيفة رضى
стр. 4762
الله عنه قم يا نومان وكان نائما ملاطفة واشعارا بترك العتب والتأديب فقول الله تعالى لمحمد ﵇ يا ايها المزمل تأنيس وملاطفة ليستشعر انه غير عاتب عليه والفائدة الثانية التنبيه لكل متزمل راقد ليله لينتبه الى قيام الليل وذكر الله فيه لان الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل بذلك العمل واتصف بتلك الصفة انتهى وفى فتح الرحمن الخطاب الخاص بالنبي ﵇ كأيها المزمل ونحوه عام للامة الا بدليل يخصه وهذا قول احمد والحنفية والمالكية وقال اكثر الشافعية لا يعمهم الا بدليل وخطابه ﵇ لواحد من الامة هل يعم غيره قال الشافعي والحنفية والأكثر لا يعم وقال أبو الخطاب من ائمة الحنابلة ان وقع جوابا عم والا فلا قُمِ اللَّيْلَ بكسر الميم لالتقاء الساكنين اى لا تتزمل وترقد ودع هذه الحال لما هو أفضل منها وقم الى الصلاة فى الليل فانتصاب الليل على الظرفية وان استغرق الحدث الواقع فيه فحذف فى وأوصل الفعل اليه فنصب لان عمل الجر لا يكون فى الفعل والنصب اقرب اليه من الرفع ومن ذلك قال بعضهم هو مفعول نظرا الى الظاهر فى الاستعمال ومن ذلك فمن شهد منكم الشهر فليصمه وقوله لينذر يوم التلاق فى أحد الوجهين كما سبق ومثله الاحياء فى قوله من احيى ليلة القدر ونحوه فان الاحياء وان كان واقعا على الليل فى الظاهر لكن المراد به احياء الصلاة والذكر فى الليل واستعمالهما وحد الليل من غروب الشمس الى طلوع الفجر قال بعض العارفين ان الله اشتقاق الى مناجاة حبيبه فناداه أن يقوم فى جوف الليل وقد قالوا ان القيام والمناجاة ليسا من الدنيا بل من الجنة لما يجده اهل الذوق من الحلاوة إِلَّا قَلِيلًا استثناء من الليل نِصْفَهُ بدل من الليل الباقي بعد الثنيا بدل الكل والنصف أحد شقى الشيء اى قم نصفه والتعبير عن النصف المخرج بالقليل لاظهار كمال الاعتداد بشأن الجزء المقارن للقيام والإيذان بفضله وكون القيام فيه بمنزلة القيام فى أكثره فى كثرة الثواب يعنى انه يجوز أن يوصف النصف المستثنى بكونه قليلا بالنسبة الى النصف المشغول بالعبادة مع انهما متساويان فى المقدار من حيث ان النصف الفارغ لا يساويه بحسب الفضيلة والشرف فالاعتبار بالكيفية لا بالكمية وقال بعضهم ان القلة فى النصف بالنسبة الى الكل لا الى العديل الآخر والا لزم أن يكون أحد النصفين المساويين اقل من الآخر وفيه انه من عرائه عن الفائدة خلاف الظاهر كما فى الإرشاد أَوِ انْقُصْ مِنْهُ اى انقص القيام من النصف المقارن له الى الثلث قَلِيلًا اى نقصان قليلا او مقدارا قليلا بحيث لا ينحط الى نصف الليل أَوْ زِدْ عَلَيْهِ اى زد القيام على النصف المقارن له الى الثلثين فالمعنى تخييره ﵇ بين أن يقوم نصفه او اقل منه او اكثر اى قم الى الصلاة فى الزمان المحدود المسمى بالليل الا فى الجزء القليل منه وهو نصفه او انقص القيام من نصفه او زد عليه قيل هذا التخيير على حسب طول الليالى وقصرها فالنصف إذا استوى لليل والنهار والنقص منه إذا اقصر الليل والزيادة عليه إذا طال الليل وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ فى أثناء مذكر من القيام اى اقرأه على تؤدة وتبيين حروف وبالفارسية وقرآنرا كشاده حروف خوان بحديكه بعضى آن بر پى بعضى باشد تَرْتِيلًا بليغا بحيث يتمكن السامع
стр. 4763
من عدها ولذا نهى ابن مسعود رضى الله عنه عن التعجل وقال ولا يكن هم أحدكم آخر السورة يعنى لا بد للقارئ من الترتيل ليتمكن هو ومن حضره من التأمل فى حقائق الآيات فعند الوصول الى ذكر الله يستشعر عظمته وجلاله وعند الوصول الى الوعد والوعيد يقع فى الرجاء والخوف وليسلم نظم القرآن من الخلل والرتل انساق الشيء وانتظامه على استقامة والترتيل هويدا كردن سخن بي تكلف. قال فى الكشاف ترتيل القرآن قراءته على ترسل وتؤدة بتبيين الحروف وإشباع الحركات حتى يجيئ المتلو منه شبيها بالثغر المرتل وهو المفلج المشبه بنور الا قحوان وأن لا يهزه هزا ولا يسرده سردا كما قال عمر رضى الله عنه شر السير الحقيقة وشر القراءة الهذرمة حتى يجيئ المتلو فى تتابعه كالثغر الالص والأمر بترتيل القرآن يشعر بأن الأمر بقيام الليل نزل بعد ما تعلم ﵇
مقدارا منه وان قل وقوله انا سنلقى على الاستقبال بالنسبة الى بقية القرآن ثم الظاهر ان الأمر به يعم الامة لانه امر مهم للكل والأمر للوجوب كما دل عليه التأكيد او للندب وكانت قراءته ﵇ مدايمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم اما الأولان فمدهما طبيعى قدر الالف واما الأخير فمده عارضى بالسكون فيجوز فيه ثلاثة أوجه الطول وهو مقدار الفات ثلاث والتوسط قدر الفين والقصر قدر الف وكان ﵇ مجودا للقرءآن كما انزل وتجويده تحسين ألفاظه بإخراج الحروف من مخارجها وإعطاء حقوقها من صفاتها كالجهر والهمس واللين ونحوها وذلك بغير تكلف وهو ارتكاب المشقة فى قراءته بالزيادة على أداء مخرجه والمبالغة فى بيان صفته فينبغى أن يتحفظ فى الترتيل عن التمطيط وهو التجاوز عن الحد وفى الحدر عن الادماع والتخليط بان تكون قراءته بحال كأنه يلف بعض الحروف والكلمات فى بعض آخر لزيادة الشرعة وذلك ان القراءة بمنزلة البياض ان قل صار سمرة وان كثر صار برصا وما فوق الجعودة فهو القطط فما كان فوق القراءة فليس بقراءة فعلم من هذا ان التجويد على ثلاث مراتب ترتيل وحدر وتدوير اما الترتيل فهو تؤدة وتأن وتمهل قال فى القاموس ورتل الكلام ترتيلا احسن تأليفه وترتل فيه ترسل انتهى وهو مختار ورش وعاصم وحمزة ويؤيده قوله ﵇ من قرأ القرآن اقل من ثلاث لم يفهمه وفى قوت القلوب أفضل القراءة الترتيل لان فيه التدبر والتفكر وأفضل الترتيل والتدبر للقرءآن ما كان فى صلاة وعن ابن عباس رضى الله عنهما لأن اقرأ البقرة ارتلها وأتدبرها أجب الى من أن اقرأ القرآن كله هذرمة اى سرعة وعن النبي ﵇ انه قرأ بسم الله الرحمن الرحيم قرأها عشرين مرة وكان له كل مرة فهم وفى كل كلمة علم وقد كان بعضهم يقول كل آية لا أفهم ولا يكون قلبى فيها لم أعدلها ثوابا وكان بعض السلف إذا قرأ سورة لم يكن قلبه أعادها ثانية قال بعض العلماء لكل آية ستون الف فهم وما بقي من فهمها اكثر قال مالك بن دينار ﵀ إذا قام العبد يتهجد من الليل ويرتل القرآن كما أمر قرب الجبار منه قال وكانوا يرون ان ما يجدونه فى قلوبهم من الرقة والحلاوة وتلك الفتوح والأنوار من قرب الرب من القلب وفى الحديث
стр. 4764
(يؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة فيوقف فى أول درج الجنة ويقل اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا فان منزلتك عند آخر آية تقرأها) ولكون المقصود من انزل القرآن فهم الحقائق والعمل بالفحاوى شرع الإنصات لقرآءة القرآن وجوبا فى الصلاة وندبا فى غيرها وللقارئ اجر وللمستمع أجران لانه يسمع وينصت او يسمع بأذنيه يقرأ بلسان واحد والمستمع يؤدى القرض ولذا قالوا استماعه اثوب من تلاوته (وفى سلسلة الذهب للمولى الجامى)
صرف او كن حواس جسمانى ... وقف او كن قواى روحانى
دل بمعنى زبان بلفظ سپار ... چشم بر خط ونقط وعجم كذار
كوش ازو معدن جواهر كن ... هوش ازو مخزن سرآئر كن
در ادايش مكن زبان كج مج ... حرفهايش إذا كن از مخرج
دور باش از تهتك وتعجيل ... كام كير از تأمل وترتيل
واما الحدر فهو الاسراع فى القراءة كما روى انه ختم القرآن فى ركعة واحدة اربعة من الامة عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد ابن جبير وابو حنيفة رضى الله عنهم وكان همسر بن المنهال يختم فى الشهر تسعين ختمة وما لم يفهم رجع فقرأ مرة اخرى وفى القاموس وأبو الحسن على بن عبد الله بن سادان بن البتنى كعربى مقرئ ختم فى النهار اربع ختمات إلا ثمنا مع فهام التلاوة انتهى. واما ما روى فى مناقب الشيخ موسى السدرانى من أكابر اصحاب الشيخ ابى مدين رضى الله عنه من ان له وردا فى اليوم والليلة سبعين ألف ختمة فمعناه ان اليوم والليلة اربع وعشرون ساعة فيكون فى كل اثنتي عشرة ساعة خمصة وثلاثون ألف ختمة لانها اما أن تنبسط الى ثلاث وأربعين سنة وتسعة أشهر واما الى اكثر وعلى التقدير الاول يكون اليوم والليلة منبسطا الى سبع وثمانين سنة وستة أشهر فيكون فى كل يوم وليلة من ايام السنين المنبسطة أيامها وليالها ختمتان ختمة فى اليوم وختمة فى الليلة كما هو العادة ويحتمل التوجيه بأقل من ذلك باعتبار سرعة القارئ وهذا
اى الحدر مختار ابن كثير وأبى عمرو وقالون ... واما التدوير فهو التوسط بين الترتيل
والحدر وهو مختار ابن عامر والكسائي وهذا كله انما يتصور فى مراتب الممدود وفى الحديث (رب قارئ للقرءآن والقرآن يلعنه) وهو متناول لمن يخل بمبانيه او معانيه او بالعمل بما فيه وذلك موقوف على بيان اللحن وهو انه جلى وخفى فالجلى خطأ يعرض للفظ ويخل بالمعنى بأن يدل حرفا مكان حرف بأن يقول مثلا الطالحات بدل الصالحات وبالاعراب كرفع المجرور ونصبه سوآء تغير المعنى به أم لا كما إذا قرأ ان الله بريئ من المشركين ورسوله بجر رسوله والخفي خط يخل بالعرف والضابطة كترك الإخفاء والإدغام والإظهار والقلب وكترقيق المفخم وعكسه ومد المقصور وقصر الممدود وأمثال ذلك ولا شك ان هذا النوع مما ليس بفرض عين يترتب عليه العقاب الشديد وانما فيه التهديد وخوف العقاب قال بعضهم اللحن الخفي الذي لا يعرفه الا مهرة القراء من تكرير الراءات وتطنين النونات وتغليظ اللامات وترقيق الراءات فى غير
стр. 4765
محلها لا يتصور أن يكون من فرض العين يترتب عليه العقاب على فاعلها لما فيه من حرج ولا يكلف الله نفسا الا وسعها وفى بعض شروح الطريقة ومن الفتنة ان يقول لأهل القرى والبوادي والعجائز والعبيد والإماء لا تجوز الصلاة بدون التجويد وهم لا يقدرون على التجويد فيتركون الصلاة رأسا فالواجب أن يعلم مقدار ما يصح به النظم والمعنى ويتوغل فى الإخلاص وحضور القلب
لعنت است اين كه بهر لهجه وصوت ... شود از تو حضور خاطر فوت
فكر حسن غنا برد هوشت ... متكلم شود فراموشت
لعنت است اين كه سازدت بي سيم ... روز وشب با امير وخواجه نديم
لعنت است اين كه همت تو تمام ... كنت مصروف لفظ وحرف وكلام
نقد عمرت ز فكرت معوج ... خرج شد در رعايت مخرج
صرف كردى همه حيات سره ... در قراءات سبعه وعشره
همچنين هر چهـ از كلام خدا ... جز خدا قبله دلست ترا
موجب لعن ومايه طردست ... حبذا مقبلى كه زان فردست
معنئ لعن چيست مردودى ... بمقامات بعد خشنودى
هر كه ماند از خدا بيك سر مو ... آمد اندر مقام بعد حرو
كر چهـ ملعون نشد ز حق مطلق ... هست ملعون بقدر بعد از حق
روى ان عمر ان بن حصين رضى الله عنه مر على وقاص يقرأ ثم يسأل فاسترجع ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من قرأ القرآن فليسأل الله به فانه سيجيئ أقوام يقرأون القرآن يسألون به الناس انتهى فيكون إعطاء شىء إياه من قبيل الاعانة على المعصية كالاعطاء لسائل المسجد وهو يتخطى رقاب الناس ولا يدع السواك فى كل ما استيقظ من نوم الليل والنهار وفى الخبر طيبوا طرق القرآن من أفواهكم باستعمال السواك والصلاة بعد السواك تفضل على بغير سواك سبعين ضعفا وفى قوت القلوب وفى الجهر بالقرءان سبع نيات منها الترتيل الذي امر به ومنها تحسين الصوت بالقرءان الذي ندب اليه فى قوله ﵇ زينوا القرآن بأصواتكم وفى قوله ليس منا من لم يتغن بالقرءان اى يحسن صوته وهو أحب من اخذه بمعنى الغنية والاكتفاء ومنها أن يسمع اذنيه ويوقظ قلبه ليتدبر الكلام ويتفهم المعاني ولا يكون ذلك كله الا فى الجهر ومنها أن يطرد النوم عنه برفع صوته ومنها أن يرجو يجهره يقظة نائم فيذكر الله فيكون هو سبب احيائه ومنها أن يره بطال غافل فينشط للقيام ويشتاق الى الخدمة فيكون هو معاونا له على البر والتقوى ومنها ان يكثر يجهره تلاوته ويدوم قيامه على حسب عادته للجهر ففى ذلك كثرة عمله فاذا كان القارئ على هذه النيات فجهره أفضل لان فيه أعمالا وانما يفضل العمل بكثرة النيات وكان اصحاب رسول الله ﵇ إذا اجتمعوا أمروا أحدهم أن يقرأ سورة من القرآن وفى شرح الترغيب اختلف فى القراءة بالالحان فكرهها مالك والجمهور لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع
следующие страницы →