Полный текст (5 110 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
وما سيكون عَدَداً اى فردا فردا فكيف لا يحيط بما لديهم قال القاسم هو أوجدها فأحصاها عددا وقال ابن عباس رضى الله عنهما احصى ما خلق وعرف عدد ما خلق لم يفته علم شىء حتى مثاقيل الذر والخردل (قال الكاشفى) مراد كمال علم است وتعلق آن بجميع معلومات يعنى معلومى مطلقا از دائره علم او خارج نيست
هر چهـ دانستنى است در دو جهان ... نيست از علم شاملش پنهان
قوله عددا تمييز منقول من المفعول به كقوله وفجرنا الأرض عيونا والأصل احصى عدد كل شىء وفائدته بيان ان علمه تعالى بالأشياء ليس على وجه كلى اجمالى بل على وجه جزئى تفصيلى فان الإحصاء قد يراد به الإحاطة الاجمالية كما فى قوله تعالى وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها اى لا نقدروا على حصرها اجمالا فضلا عن التفصيل وذلك لان اصل الإحصاء ان الحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الاعداد كالعشرة والمائة والالف وضع حصاة ليحفظ بها كمية ذلك العقد فيبنى على ذلك حسابه وهذه الآية مما يستدل به على ان المعدوم ليس بشئ لانه
لو كان شيأ لكانت الأشياء غير متناهية وكونه احصى عددها يقتضى كونها متناهية لان إحصاء العدد انما يكون فى المتناهي فيلزم الجمع بين كونها متناهية وغير متناهية وذلك محال فوجب القطع بأن المعدوم ليس بشئ حتى يندفع هذا التناقض والتنافي كذا فى حواشى ابن الشيخ ﵀ تمت سورة الجن بعون ذى الطول والمن فى عصر الثلاثاء السابع من ذى القعدة من شهور سنة ست عشرة ومائة وألف
تفسير سورة المزمل
وآيها تسع عشرة او عشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ اى المزمل من تزمل بثيابه إذا تلفف بها وتغطى فأدغم التاء فى الزاى فقيل المزمل بتشديدين كان ﵇ نائما بالليل متزملا فى قطيفة اى دثار مخمل فأمر أن يترك التزمل الى التشمر للعبادة ويختار التهجد على الهجود وقال ابن عباس رضى الله عنهما أول ما جاءه جبريل خافه فظن ان به مسا من الجن فرجع من جبل حرآء الى بيت خديجة مرتعدا وقال زملونى فبينما هو كذلك إذ جاء جبريل وناداه وقال يايها المزمل وعن عكرمة ان المعنى يا أيها الذي زمل امرا عظيما اى حمله والزمل الحمل وازدمله احتمله قال السهيلي ﵀ ليس المزمل من أسمائه ﵇ التي يعرف بها كما ذهب اليه بعض الناس وعده فى أسمائه وانما المزمل مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب وكذا المدثر وفى خطابه بهذا الاسم فائدتان إحداهما الملاطفة فان العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك الماتبة سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبي ﵇ لعلى رضى الله عنه حين غاضب فاطمة رضى الله عنها اى أغضبها وأغضبته فأتاه وهو نائم قد لصق بجنبه التراب فقال له قم يا أبا تراب اشعارا بأنه غير عاتب عليه وملاطفة له وكذلك قوله ﵇ لحذيفة رضى
стр. 4762
الله عنه قم يا نومان وكان نائما ملاطفة واشعارا بترك العتب والتأديب فقول الله تعالى لمحمد ﵇ يا ايها المزمل تأنيس وملاطفة ليستشعر انه غير عاتب عليه والفائدة الثانية التنبيه لكل متزمل راقد ليله لينتبه الى قيام الليل وذكر الله فيه لان الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل بذلك العمل واتصف بتلك الصفة انتهى وفى فتح الرحمن الخطاب الخاص بالنبي ﵇ كأيها المزمل ونحوه عام للامة الا بدليل يخصه وهذا قول احمد والحنفية والمالكية وقال اكثر الشافعية لا يعمهم الا بدليل وخطابه ﵇ لواحد من الامة هل يعم غيره قال الشافعي والحنفية والأكثر لا يعم وقال أبو الخطاب من ائمة الحنابلة ان وقع جوابا عم والا فلا قُمِ اللَّيْلَ بكسر الميم لالتقاء الساكنين اى لا تتزمل وترقد ودع هذه الحال لما هو أفضل منها وقم الى الصلاة فى الليل فانتصاب الليل على الظرفية وان استغرق الحدث الواقع فيه فحذف فى وأوصل الفعل اليه فنصب لان عمل الجر لا يكون فى الفعل والنصب اقرب اليه من الرفع ومن ذلك قال بعضهم هو مفعول نظرا الى الظاهر فى الاستعمال ومن ذلك فمن شهد منكم الشهر فليصمه وقوله لينذر يوم التلاق فى أحد الوجهين كما سبق ومثله الاحياء فى قوله من احيى ليلة القدر ونحوه فان الاحياء وان كان واقعا على الليل فى الظاهر لكن المراد به احياء الصلاة والذكر فى الليل واستعمالهما وحد الليل من غروب الشمس الى طلوع الفجر قال بعض العارفين ان الله اشتقاق الى مناجاة حبيبه فناداه أن يقوم فى جوف الليل وقد قالوا ان القيام والمناجاة ليسا من الدنيا بل من الجنة لما يجده اهل الذوق من الحلاوة إِلَّا قَلِيلًا استثناء من الليل نِصْفَهُ بدل من الليل الباقي بعد الثنيا بدل الكل والنصف أحد شقى الشيء اى قم نصفه والتعبير عن النصف المخرج بالقليل لاظهار كمال الاعتداد بشأن الجزء المقارن للقيام والإيذان بفضله وكون القيام فيه بمنزلة القيام فى أكثره فى كثرة الثواب يعنى انه يجوز أن يوصف النصف المستثنى بكونه قليلا بالنسبة الى النصف المشغول بالعبادة مع انهما متساويان فى المقدار من حيث ان النصف الفارغ لا يساويه بحسب الفضيلة والشرف فالاعتبار بالكيفية لا بالكمية وقال بعضهم ان القلة فى النصف بالنسبة الى الكل لا الى العديل الآخر والا لزم أن يكون أحد النصفين المساويين اقل من الآخر وفيه انه من عرائه عن الفائدة خلاف الظاهر كما فى الإرشاد أَوِ انْقُصْ مِنْهُ اى انقص القيام من النصف المقارن له الى الثلث قَلِيلًا اى نقصان قليلا او مقدارا قليلا بحيث لا ينحط الى نصف الليل أَوْ زِدْ عَلَيْهِ اى زد القيام على النصف المقارن له الى الثلثين فالمعنى تخييره ﵇ بين أن يقوم نصفه او اقل منه او اكثر اى قم الى الصلاة فى الزمان المحدود المسمى بالليل الا فى الجزء القليل منه وهو نصفه او انقص القيام من نصفه او زد عليه قيل هذا التخيير على حسب طول الليالى وقصرها فالنصف إذا استوى لليل والنهار والنقص منه إذا اقصر الليل والزيادة عليه إذا طال الليل وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ فى أثناء مذكر من القيام اى اقرأه على تؤدة وتبيين حروف وبالفارسية وقرآنرا كشاده حروف خوان بحديكه بعضى آن بر پى بعضى باشد تَرْتِيلًا بليغا بحيث يتمكن السامع
стр. 4763
من عدها ولذا نهى ابن مسعود رضى الله عنه عن التعجل وقال ولا يكن هم أحدكم آخر السورة يعنى لا بد للقارئ من الترتيل ليتمكن هو ومن حضره من التأمل فى حقائق الآيات فعند الوصول الى ذكر الله يستشعر عظمته وجلاله وعند الوصول الى الوعد والوعيد يقع فى الرجاء والخوف وليسلم نظم القرآن من الخلل والرتل انساق الشيء وانتظامه على استقامة والترتيل هويدا كردن سخن بي تكلف. قال فى الكشاف ترتيل القرآن قراءته على ترسل وتؤدة بتبيين الحروف وإشباع الحركات حتى يجيئ المتلو منه شبيها بالثغر المرتل وهو المفلج المشبه بنور الا قحوان وأن لا يهزه هزا ولا يسرده سردا كما قال عمر رضى الله عنه شر السير الحقيقة وشر القراءة الهذرمة حتى يجيئ المتلو فى تتابعه كالثغر الالص والأمر بترتيل القرآن يشعر بأن الأمر بقيام الليل نزل بعد ما تعلم ﵇
مقدارا منه وان قل وقوله انا سنلقى على الاستقبال بالنسبة الى بقية القرآن ثم الظاهر ان الأمر به يعم الامة لانه امر مهم للكل والأمر للوجوب كما دل عليه التأكيد او للندب وكانت قراءته ﵇ مدايمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم اما الأولان فمدهما طبيعى قدر الالف واما الأخير فمده عارضى بالسكون فيجوز فيه ثلاثة أوجه الطول وهو مقدار الفات ثلاث والتوسط قدر الفين والقصر قدر الف وكان ﵇ مجودا للقرءآن كما انزل وتجويده تحسين ألفاظه بإخراج الحروف من مخارجها وإعطاء حقوقها من صفاتها كالجهر والهمس واللين ونحوها وذلك بغير تكلف وهو ارتكاب المشقة فى قراءته بالزيادة على أداء مخرجه والمبالغة فى بيان صفته فينبغى أن يتحفظ فى الترتيل عن التمطيط وهو التجاوز عن الحد وفى الحدر عن الادماع والتخليط بان تكون قراءته بحال كأنه يلف بعض الحروف والكلمات فى بعض آخر لزيادة الشرعة وذلك ان القراءة بمنزلة البياض ان قل صار سمرة وان كثر صار برصا وما فوق الجعودة فهو القطط فما كان فوق القراءة فليس بقراءة فعلم من هذا ان التجويد على ثلاث مراتب ترتيل وحدر وتدوير اما الترتيل فهو تؤدة وتأن وتمهل قال فى القاموس ورتل الكلام ترتيلا احسن تأليفه وترتل فيه ترسل انتهى وهو مختار ورش وعاصم وحمزة ويؤيده قوله ﵇ من قرأ القرآن اقل من ثلاث لم يفهمه وفى قوت القلوب أفضل القراءة الترتيل لان فيه التدبر والتفكر وأفضل الترتيل والتدبر للقرءآن ما كان فى صلاة وعن ابن عباس رضى الله عنهما لأن اقرأ البقرة ارتلها وأتدبرها أجب الى من أن اقرأ القرآن كله هذرمة اى سرعة وعن النبي ﵇ انه قرأ بسم الله الرحمن الرحيم قرأها عشرين مرة وكان له كل مرة فهم وفى كل كلمة علم وقد كان بعضهم يقول كل آية لا أفهم ولا يكون قلبى فيها لم أعدلها ثوابا وكان بعض السلف إذا قرأ سورة لم يكن قلبه أعادها ثانية قال بعض العلماء لكل آية ستون الف فهم وما بقي من فهمها اكثر قال مالك بن دينار ﵀ إذا قام العبد يتهجد من الليل ويرتل القرآن كما أمر قرب الجبار منه قال وكانوا يرون ان ما يجدونه فى قلوبهم من الرقة والحلاوة وتلك الفتوح والأنوار من قرب الرب من القلب وفى الحديث
стр. 4764
(يؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة فيوقف فى أول درج الجنة ويقل اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا فان منزلتك عند آخر آية تقرأها) ولكون المقصود من انزل القرآن فهم الحقائق والعمل بالفحاوى شرع الإنصات لقرآءة القرآن وجوبا فى الصلاة وندبا فى غيرها وللقارئ اجر وللمستمع أجران لانه يسمع وينصت او يسمع بأذنيه يقرأ بلسان واحد والمستمع يؤدى القرض ولذا قالوا استماعه اثوب من تلاوته (وفى سلسلة الذهب للمولى الجامى)
صرف او كن حواس جسمانى ... وقف او كن قواى روحانى
دل بمعنى زبان بلفظ سپار ... چشم بر خط ونقط وعجم كذار
كوش ازو معدن جواهر كن ... هوش ازو مخزن سرآئر كن
در ادايش مكن زبان كج مج ... حرفهايش إذا كن از مخرج
دور باش از تهتك وتعجيل ... كام كير از تأمل وترتيل
واما الحدر فهو الاسراع فى القراءة كما روى انه ختم القرآن فى ركعة واحدة اربعة من الامة عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد ابن جبير وابو حنيفة رضى الله عنهم وكان همسر بن المنهال يختم فى الشهر تسعين ختمة وما لم يفهم رجع فقرأ مرة اخرى وفى القاموس وأبو الحسن على بن عبد الله بن سادان بن البتنى كعربى مقرئ ختم فى النهار اربع ختمات إلا ثمنا مع فهام التلاوة انتهى. واما ما روى فى مناقب الشيخ موسى السدرانى من أكابر اصحاب الشيخ ابى مدين رضى الله عنه من ان له وردا فى اليوم والليلة سبعين ألف ختمة فمعناه ان اليوم والليلة اربع وعشرون ساعة فيكون فى كل اثنتي عشرة ساعة خمصة وثلاثون ألف ختمة لانها اما أن تنبسط الى ثلاث وأربعين سنة وتسعة أشهر واما الى اكثر وعلى التقدير الاول يكون اليوم والليلة منبسطا الى سبع وثمانين سنة وستة أشهر فيكون فى كل يوم وليلة من ايام السنين المنبسطة أيامها وليالها ختمتان ختمة فى اليوم وختمة فى الليلة كما هو العادة ويحتمل التوجيه بأقل من ذلك باعتبار سرعة القارئ وهذا
اى الحدر مختار ابن كثير وأبى عمرو وقالون ... واما التدوير فهو التوسط بين الترتيل
والحدر وهو مختار ابن عامر والكسائي وهذا كله انما يتصور فى مراتب الممدود وفى الحديث (رب قارئ للقرءآن والقرآن يلعنه) وهو متناول لمن يخل بمبانيه او معانيه او بالعمل بما فيه وذلك موقوف على بيان اللحن وهو انه جلى وخفى فالجلى خطأ يعرض للفظ ويخل بالمعنى بأن يدل حرفا مكان حرف بأن يقول مثلا الطالحات بدل الصالحات وبالاعراب كرفع المجرور ونصبه سوآء تغير المعنى به أم لا كما إذا قرأ ان الله بريئ من المشركين ورسوله بجر رسوله والخفي خط يخل بالعرف والضابطة كترك الإخفاء والإدغام والإظهار والقلب وكترقيق المفخم وعكسه ومد المقصور وقصر الممدود وأمثال ذلك ولا شك ان هذا النوع مما ليس بفرض عين يترتب عليه العقاب الشديد وانما فيه التهديد وخوف العقاب قال بعضهم اللحن الخفي الذي لا يعرفه الا مهرة القراء من تكرير الراءات وتطنين النونات وتغليظ اللامات وترقيق الراءات فى غير
стр. 4765
محلها لا يتصور أن يكون من فرض العين يترتب عليه العقاب على فاعلها لما فيه من حرج ولا يكلف الله نفسا الا وسعها وفى بعض شروح الطريقة ومن الفتنة ان يقول لأهل القرى والبوادي والعجائز والعبيد والإماء لا تجوز الصلاة بدون التجويد وهم لا يقدرون على التجويد فيتركون الصلاة رأسا فالواجب أن يعلم مقدار ما يصح به النظم والمعنى ويتوغل فى الإخلاص وحضور القلب
لعنت است اين كه بهر لهجه وصوت ... شود از تو حضور خاطر فوت
فكر حسن غنا برد هوشت ... متكلم شود فراموشت
لعنت است اين كه سازدت بي سيم ... روز وشب با امير وخواجه نديم
لعنت است اين كه همت تو تمام ... كنت مصروف لفظ وحرف وكلام
نقد عمرت ز فكرت معوج ... خرج شد در رعايت مخرج
صرف كردى همه حيات سره ... در قراءات سبعه وعشره
همچنين هر چهـ از كلام خدا ... جز خدا قبله دلست ترا
موجب لعن ومايه طردست ... حبذا مقبلى كه زان فردست
معنئ لعن چيست مردودى ... بمقامات بعد خشنودى
هر كه ماند از خدا بيك سر مو ... آمد اندر مقام بعد حرو
كر چهـ ملعون نشد ز حق مطلق ... هست ملعون بقدر بعد از حق
روى ان عمر ان بن حصين رضى الله عنه مر على وقاص يقرأ ثم يسأل فاسترجع ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من قرأ القرآن فليسأل الله به فانه سيجيئ أقوام يقرأون القرآن يسألون به الناس انتهى فيكون إعطاء شىء إياه من قبيل الاعانة على المعصية كالاعطاء لسائل المسجد وهو يتخطى رقاب الناس ولا يدع السواك فى كل ما استيقظ من نوم الليل والنهار وفى الخبر طيبوا طرق القرآن من أفواهكم باستعمال السواك والصلاة بعد السواك تفضل على بغير سواك سبعين ضعفا وفى قوت القلوب وفى الجهر بالقرءان سبع نيات منها الترتيل الذي امر به ومنها تحسين الصوت بالقرءان الذي ندب اليه فى قوله ﵇ زينوا القرآن بأصواتكم وفى قوله ليس منا من لم يتغن بالقرءان اى يحسن صوته وهو أحب من اخذه بمعنى الغنية والاكتفاء ومنها أن يسمع اذنيه ويوقظ قلبه ليتدبر الكلام ويتفهم المعاني ولا يكون ذلك كله الا فى الجهر ومنها أن يطرد النوم عنه برفع صوته ومنها أن يرجو يجهره يقظة نائم فيذكر الله فيكون هو سبب احيائه ومنها أن يره بطال غافل فينشط للقيام ويشتاق الى الخدمة فيكون هو معاونا له على البر والتقوى ومنها ان يكثر يجهره تلاوته ويدوم قيامه على حسب عادته للجهر ففى ذلك كثرة عمله فاذا كان القارئ على هذه النيات فجهره أفضل لان فيه أعمالا وانما يفضل العمل بكثرة النيات وكان اصحاب رسول الله ﵇ إذا اجتمعوا أمروا أحدهم أن يقرأ سورة من القرآن وفى شرح الترغيب اختلف فى القراءة بالالحان فكرهها مالك والجمهور لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع
стр. 4766
والتفهم وأباحها ابو حنيفة وجماعة من السلف للاحاديث لان ذلك سبب للرقة واثارة الخشيه وفى أبكار الافكار انما استحب تحسين الصوت بالقراءة وتزيينه ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط فان أفرط حتى زاد حرفا او أخفاه فهو حرام وقال بعض اهل المعرفة قوله رتل اى اتل وجاءت التلاوة بمعنى الإبلاغ فى مواضع من القرآن فالمعنى بلغ احكام القرآن لاهل النفوس المتمردة المنحرفة عن الإقبال على الآخرة وهم العوام وهذا من قبيل الظهر كما قال ﵇ ما من آية إلا ولها ظهر وبطن وحد ومطلع وفصل معانية لاصحاب القلوب المقبلة على المولى كما قال تعالى كتاب فصلت آياته وهم الخواص وهذا من قبيل البطن وفهم حقائقه لسدنة الاسرار المستهلكين فى عين المشاهدة المستغرقين فى بحر المعاينة وهم أخص الخواص وهذا من قبيل الحد وأوجد أسراره لارباب الأرواح الطاهرة الفانين عن ناسوتيتهم الباقين بلاهوتيته إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ اى سنوحى إليك وإيثار الإلقاء عليه لقوله تعالى قَوْلًا ثَقِيلًا وهو القرآن العظيم المنطوى على تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين وايضا ان القرآن قديم غير مخلوق والحادث يذوب تحت سطوة القديم الا من كان مؤيدا كالنبى ﵇ والثقل حقيقة فى الأجسام ثم يقال فى المعاني وقال بعضهم ثقيلا تلقية كما سئل رسول الله ﵇ كيف يأتيك الوحى قال أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو أشد على فيفصم عنى اى يقلع وينجى وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل الى الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول قالت عائشة رضى الله عنها ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليرفض عرقا اى يترشح (قال الكاشفى) در حين نزول وحي بر آن حضرت برين وجه كه مذكور شد اگر بر شتر سوارى بودى دست و پاى شتر خم كشتى واگر تكيه بر ران يكى از ياران داشتى خوف شكستن آن بودى ودرين محل روى گلبرگش بر افروخته (مصراع) بسان گل كه بصحن چمن برافروزد. وفى التأويلات النجمية ثقل المحمول بحسب لطف الحامل ولا شك ان نبينا ﵇ كان ألطف الأنبياء خلقا واعدلهم مزاجا وطبعا وأكملهم روحانية ورحمانية وأفضلهم نشأة وفطرة وأشملهم استعدادا وقابلية فلذلك خص القرآن بالثقل من بين سائر الكتب السماوية المشتملة على الأوامر والنواهي والاحكام والشرائع للطف فطرته وشمول رحمته والجملة اعتراض بين الأمر وهو قم الليل وبين تعليله وسر؟؟؟ ان ناشئة الليل إلخ لتسهيل ما كلفه ﵇ من القيام يعنى ان فى توصيف ما سياقى عليه بالثقل ايماء الى ان ثقل هذا التكليف بالنسبة اليه كالعدم فاذا كان ما سيكلف أصعب وأشق فقد سهل هذا التكليف وفى الكشاف أراده بهذا الاعتراض ان ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الصعبة التي وردبها القرآن لان الليل وقت السبات والراحة والهدوء فلابد لمن أحياه من مضادة لطبعه ومجاهدة لنفسه فمن استأنس بهذا التكليف لا يثقل عليه أمثاله. يقول الفقير سورة المزمل مما نزل فى أوائل النبوة فكان قوله انا سنلقى عليك قولا ثقيلا يشير الى مدة الوحى الباقية لان حروفه مع اعتبار النون لتدغم فيها ونونى التنوين اثنان وعشرون فالسين دل على الاستقبال ومجموع الحروف
стр. 4767
على المدة الباقية وجعل القرآن حملا ثقيلا لانه ﵇ بعث لتتميم مكارم الأخلاق ولا شك ان ما كان اجمع كان أثقل والله تعالى اعلم بمراده وايضا ان كون القول ثقيلا انما هو بالنسبة الى النفس الثقيلة الكثيفة لتراكم حجبها وبعدها عن درك الحق واما بالنسبة الى النفس الخفيفة اللطيفة فخفيف ولطيف ولذا كان تعب التكاليف مرفوعا عن الكمل فهم يجدون العبادات كالعادات فى ارتفاع الكلفة وفى الذوق والحلاوة إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ اى النفس التي تنشأ فى الليل من مضجعها الى العبادة اى تنهض من نشأ من مكانه إذا نهض فالموصوف محذوف والاضافة للملابسة بمعنى النفس الناشئة فى الليل هِيَ خاصة أَشَدُّ وَطْئاً اى كلفة وثقلا مصدر قولك وطئ الشيء اى داسه برجله او جعل عليه ثقله فان النفس القائمة بالليل الى العبادة أشد وطئا من التي تقوم بالنهار فلا بد من قيام الليل فان أفضل العبادات أشقها فالوطئ مصدر من المبنى للمفعول لان الواطئ الذي يلقى ثقله على العابد هو العبادة فى الليل فيكون العابد بالليل أشد موطوأ له من العابد بالنهار ووطئا نصب على التمييز ويجوز ان يكون معنى أشد ووطئا أشد ثبات قدم واستقرارها فيكون المقصود بيان وجه اختيار الليل وتخصيصه بالأمر بالقيام فيه من حيث انه تعالى جعل الليل لباسا يستر الناس ويمنعهم عن الاضطراب والانقلاب فى اكتساب المعاش وجعل النهار معاشا يباشرون فيه امور معاشهم فلا تثبب فيه أقدامهم للعبادة وَأَقْوَمُ قِيلًا اسم من القول بمعناه بقلب الواو ياء اى أزيد من جهة السداد والاستقامة فى المقال ومن جهة الثبات والاستقرار على الصواب يعنى خواندن قرآن درو بصوابتر است كه دل فارغ باشد وأصوات ساكن وزبان با دل موافقت نمايد بزبان مى خواند وبدل تفكر ميكند خاموش شد عالم بشب تا جست باشى در طلب زيرا كه بانك عربده تشويش خلوتخانه بود ويحتمل ان تكون ناشئة الليل بمعنى قيام الليل على ان الناشئة مصدر من نشأ كالعافية بمعنى العفو وهذا وأفق لسان الحبشة حيث يقولون نشأ إذا قام او يكون بمعنى العبادة التي تنشأ بالليل اى تحدث فيكون الوطئ مصدرا من المبنى للفاعل فان كل واحد من قيام الليل ومن العبادة التي تحدث فيه ثقيلان على العابد من قيام النهار والعبادة فيه فمعنى أشد وطئا أثقل واغلظ على المصلى من صلاة النهار فيكون أفضل يعنى آن سخت تر است از جهت رنج وكلفت چهـ ترك خواب وراحت بر نفس بغايت شاق است. ويحتمل ان يكون المراد بناشئة الليل ساعاته فانها تحدث واحدة بعد واحدة اى ساعات الليل الناشئة اى الحادثة شيأ بعد شىء فتكون الناشئة صفة ساعات الليل فتكون أشد وطئا اى بملاحظة القيام فيها من ساعات النهار لكن ابن عباس رضى الله عنهما قيد الناشئة بما كان بعد العشاء فما كان قبلها فليس بناشئة وخصصتها عائشة رضى الله عنها بما كان بعد النوم فلو لم يتقدمها نوم لم تكن ناشئة وفى قوت القلوب ان يصلى بين العشاءين ما تيسر الى ان يغيب الشفق الثاني وهو البياض الذي يكون بعد ذهاب الحمرة وقيل غسق الليل وظلمته لانه
стр. 4768
آخر ما يبقى من شعاع الشمس فى القطر الغربي إذا قطعت الأرض العليا ودارت من ورلء جبل قاف مصعدة تطلب المشرق فهذا الوقت هو المستحب لصلاة العشاء الآخرة وهو آخر الورد الاول من أوراد الليل والصلاة فيه ناشئة الليل اى ساعته لانها أول نشوء ساعاته وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وطاء بالكسر والمدمن المواطأة بمعنى الموافقة فان فسرت الناشئة بالنفس الناشئة كان المعنى انها أشد من جهة موافقة القلب الكائن لها لسانها وان فسرت بالقيام او العبادة او الساعات كان المعنى انها أشد من جهة موافقة قلب القائم لسانه فيها او من جهة كونها موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص وعن الحسن ﵀ أشد موافقة بين السر والعلانية لانقطاع رؤية الخلائق إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا اى تقلبا وتصرفا فى مهما تك كتردد السابح فى الماء واشتغالا بشواغلك فلا تستطيع ان تتفرغ للعبادة فعليك بها فى الليل وهذا بيان للداعى الخارجي الى قيام الليل بعد بيان ما فى نفسه من الداعي قال الراغب السبح المر السريع فى الماء او فى الهولء استعير لمر النجوم فى الفلك كقوله تعالى وكل فى فلك يسبحون ولجرى الفرس كقوله تعالى فالسابحات سبحا ولسرعة الذهاب فى العمل كقوله تعالى ان لك فى النهار سبحا طويلا وفى تاج المصادر السبح تصرف كردن در معيشت. وفى بعض التفاسير قيل السباحة لما فيها من التقلب باليد والرجل فى الماء وقيل معنى الآية ان فانك من الليل شىء فلك فى النهار فراغ تقدر على تداركه فيه حتى لا ينقص شىء من حظك من المناجاة لربك ويناسبه قوله ﵇ من نام عن حزبه او عن شىء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل ومن اقوال المشايخ ان المريد الصادق إذا فانه ورد من أوراده يليق به ان يقضيه ولو بعد شهر حتى لا تتعود النفس بالكسل فالورد من الشؤون الواردة عن الرسول ﵇ وأخيار أمته ومن لا ورد له اى وارد خاص بالخواص وفى قوت القلوب من فاته ورد من الأوراد استحب له فعل مثله متى ذكره لا على وجه القضاء لانه لا تقضى الا الفرائض ولكن على سبيل التدارك ورياضة النفس بذلك ليأخذ بالعزائم كيلا يعتاد الرخص وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ودم على ذكره تعالى ليلا ونهارا على اى وجه كان من تسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وقراءة قرآن ودراسة علم خصوصا بعد صلاة الغداة وقبل غروب الشمس فانهما من ساعات الفتح والفيض وذكر الله على الدوام من وظائف المقربين سوآء كان قلبا او لسانا او أركانا وسوآء كان قياما او قعودا او على الجنوب وبالفارسية وياد كن پروردگار خود را وبأسماء حسنى او را بخوان. قال ﵇ من أحصاها اى حصلها دخل الجنة فالمراد من ذكر اسمه فذكره تعالى بواسطة ذكر اسمه ولذا قال تعالى واذكر ربك إذ نسيت فالذكر والنسيان فى الحقيقة كلاهما من صفات القلب وعند تجلى المذكور يفنى الذكر والذاكر كما قال شيخى وسندى روح الله روحه فى شرح تفسير الفاتحة للقنوى قدس سره من اشتغل من الأسماء المجازية بما يسر الله الاشتغال به وداوم عليه فلا ريب انه يحصل بينه وبين سر هذا الاسم المشتغل به وروحه بعناية الله وفضله مناسبة ما بقدر الاشتغال ومتى قويت تلك المناسبة
стр. 4769
بينهما وكملت بحسب قوة الاشتغال وكماله يحصل بينه وبين مدلوله من الأسماء الحقيقية بواسطة هذه المناسبة الحاصلة مناسبة بقدرها قوة وكمالا ومتى بلغت الى حد الكمال ايضا هذه المناسبة الثانية الحاصلة بينه وبين هذا الاسم الحقيقي بجود الحق سبحانه وعطائه يحصل بينه وبين مسماه الحق تعالى مناسبة بمقدار المناسبة الثانية من جهة القوة والكمال لان العبد بسبب هذه المناسبة يغلب قدسه على دنسه ويصير مناسبا لعالم القدس بقدر ارتفاع حكم الدنس فحينئذ يتجلى الحق سبحانه له من مرتبة ذلك الاسم بحسبها وبقدر استعداده ويفيض عليه ما شاء من العلوم والمعارف والاسرار الالهية والكونية اما من الوجد العام وطريق سلسلة ترتيب المراتب والحضرات وغيرها من الوسائط والأسباب والأدوات والمواد المعنوية والصورية واما من الوجه الخاص بدون الوسائل والأغيار او منهما معا جميعا إذ وجه اما هذا او
ذاك لا غيرهما غير نسبة الجمع بينهما وقال بعضهم فى الآية إذا أردت قراءة القرآن او الصلاة فقل بسم الله الرحمن الرحيم وقال القاشاني واذكر اسم ربك الذي هو أنت اى اعرف نفسك واذكرها ولا تنسها فينساك الله واجتهد لتحصيل كمالها بعد معرفة حقيقتها (وتبتل اليه تبتيلا) التبتل الانقطاع وتبتيل دل از دنيا بريدن. والمعنى وانقطع الى ربك انقطاعا تاما بالعبادة واخلاص والية والتوجه الكلى كما قال تعالى قل الله ثم ذرهم وبالفارسية يعنى نفس خود را از انديشه ما سوى الله مجرد ساز واز همكى روى بردار
دل در وبند واز غيرش بگسل ... هر چهـ جز اوست برون كن از دل
وليس هذا منافيا لقوله ﵇ لا رهبانية ولا تبتل فى الإسلام فان التبتل هنا هو الانقطاع عن النكاح ومنه قيل لمريم العذراء رضى الله عنها البتول اى المنقطعة عن الرجال والانقطاع عن النكاح والرغبة عنه لقوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم وقوله ﵇ (تناكحوا تكثروا فانى أباهي بكم الأمم يوم القيامة) واما اطلاق البتول على فاطمة الزهراء رضى الله عنها فلكونها شبيهة بسيدة نساء بنى إسرائيل فى الانقطاع عما سوى الله لاعن النكاح وقيل تبتلا مكان تنتلا لان معنى تبتل بتل نفسه فجيئ به على معناه مراعاة الحق الفواصل لان حظ القرآن من حسن النظم والرصف فوق كل حظ وقال بعضهم لما لم يكن الانقطاع الكلى الى بتجريد النبي ﵇ نفسه عن العوائق الصادة عن مراقبة الله وقطع العلائق عما سواه قيل تبتلا مكان تبتلا فيكون النظم من قبيل الاحتياك كما فى قوله تعالى والله أنبتكم من الأرض نباتا على وجه وهو ان التقدير أنبتكم منها إنباتا فنبتم نباتا وكذا التقدير هاهنا اى تبتل اليه تبتلا يبتلك عما سواه تبتيلا والأنسب يبتلك ربك تبتيلا فان التبتيل فعل الله فلا يحصل للعبد الا بمعاونته وفى التأويلات النجمية واذكر اسم ربك بفناء صفاتك وافعالك وتبتل اليه تبتيلا بفناء ذاتك وبقاء ذاته ثم ان التبتل يكون من الدنيا ان ظاهرا فقط فهو مذموم كبعض الحفاة العراة الذين أظهروا الفقر فى ظواهرهم وابطنوا الحرص فى ضمائرهم واما باطنا فقط وهو ممدوح كالاغنياء من الأنبياء والأولياء ﵈ فانهم انقطعوا عن الدنيا باطنا إذ ليس فيهم حب الدنيا أصلا وانما لم ينقطوا ظاهرا لان
стр. 4770
إرادتهم تابعة لارادة الله والله تعالى أراد ملكهم ودولتهم كسليمان ويوسف وداود وأيوب والإسكندر وغيرهم عليهم السلا واما ظاهرا وباطنا كاكثر الأنبياء والأولياء وقد يكون التبتل من الخلق اما ظاهرا فقط كتبتل بعض المتعبدة فى قلل الجبال وأجواف المغارات لجذب القلوب وجلب الهدايا واما باطنا لا ظاهرا كأهل الإرشاد وهم عامة الأنبياء وبعض الأولياء إذ لا بد فى ارشاد الخلق من مخالطتهم واما ظاهرا وباطنا كبعض الأولياء الذين اختار والعزلة وسكنوا فى المواضع الخالية عن الناس قال بعضهم السلوك الى الله تعالى يكون بالتبتل ومعناه الإقبال على الله بملازمة الذكر والاعراض عن غيره بمخالفة الهوى وهذا هو السفر بالحركة المعنوية من جانب المسافر الى جانب المسافر اليه وان كان الله أقرب الى العبد من حبل الوريد فان مثال الطالب والمطلوب مثال صورة حاضرة مع مراءة لكن لا تجلى فيها لصدأ فى وجهها فمتى صقلتها تجلت فيها الصورة لا بارتحال الصورة إليها ولا بحركتها الى جانب الصورة ولكن بزوال الحجاب فالحجاب فى عين العبد والا فالله متجل بنوره غير خفى على اهل البصيرة وان كان فرق بين تجل وتجل بحسب المحل ولذا قال ﵇ ان الله يتجلى للناس عامة ولأبى بكر خاصة فتجلى العامة كتجلى صورة واحدة فى مرآئى كثيرة فى حالة واحدة وتجلى الخاصة كتجلى صورة واحدة فى مرءاة واحدة واليه الاشارة بقوله ﵇ لى مع الله وقت إذ لا يخفى ان التجلي فى ذلك الوقت مخصوص به ﵇ لا يزاحمه غيره فيه. يقول الفقير ان فى هذا المقام أشكالا وهو انه ﵇ إذا كان مستغرق الأوقات فى الذكر دائم الانقطاع الى الله على ما أفاده الآيتان فكيف يتأتى له السبح فى النهار على ما افصح عنه قوله تعالى ان لك فى النهار سبحا طويلا ولعل جوابه من وجوه الاول ان الأمر بالذكر الدائم والانقطاع الكلى من باب الترقي من الرخصة الى العزيمة كما يقتضيه شأن الا كامل والثاني ان السبح فى النهار ليس من قبيل الواجب فله ان يختار التوكل على التقلب ويكون مستوعب الأوقات بالذكر والثالث ان الشغل الظاهر لا يقطع الكمل عن مراقبته تعالى كما قال تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وقال تعالى الذين هم على صلاتهم دائمون والرابع ان ذلك بحسب اختلاف الأحوال والا شخاص فمن مشتغل ومن ذاكر والله اعلم بالمرام رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مرفوع على المدح اى هور بهما وخالقهما ومالكهما وما بينهما من كل شىء قال فى كشف الاسرار يريد به جنس المشارق والمغارب فى الشتاء والصيف لا إِلهَ إِلَّا هُوَ استئناف لبيان ربو بيته بنفي الالوهية عما سواه يعنى هيچ معبودى نيست سزاوار عبادت مكر او فَاتَّخِذْهُ لمصالح دينك ودنياك والفاء لترتيب الأمر وموجبه على اختصاص الا لوهية والربوبية به تعالى وَكِيلًا موكولا ومفوضا اليه لاصلاحها وإتمامها واسترح أنت وفى التأويلات النجمية رب مشرق الذات المطلقة عن حجب تعينات الأسماء والصفات ورب مغرب الصفات والأسماء لاستتاره باستتار حجب الصفات وهى حجب الذات وهو المتعين فى جميع الموجودات فلا اله الا هو فاتخذه وكيلا اى جرد نفسك عنك وعن
стр. 4771
وجودك المجازى واتخذ وجوده الحقيقي مقام وجودك المجازى وامش جانبك هذا مثل ما قال المريد لشيخه أريد ان أحج على التجريد فقال له شيخه جرد نفسك ثم سر حيث شئت قال الامام القشيري ﵀ ان الله هو المتولى لاحوال عباده يصرفهم على ما يشاء ويختار وإذا تولى امر عبد بجميل العناية كفاه كل شغل وأغناه عن كل غير فلا يستكثر العبد حوائجه لعلمه ان مولاه كافيه ولهذا قيل من علامات التوحيد كثرة العيال على بساط التوكل (حكى) عن ممشاد الدينوري ﵀ انه قال كان على دين فاهتممت به فى بعض الليالى وضاق صدرى فرأيت كأن قائلا يقول لى أخذت هذا المقدار عليك الاخذ وعلينا العطاء ثم انتبهت ففتح لى ما قضيت به الدين ثم لم أحاسب بعد ذلك قصابا ولا بقالا ثم قال القشيري اعلم ان من جعل المخلوق وكيلا له فانه يسأله الاجر وقد يخونه فى ماله وقد يخطئ فى تصرفه او يخفى عنه الأصوب والأرشد لصاحبه ومن رضى بالله وكيلا أعطاه الاجر وحقق آماله واثنى عليه ولطف به فى دقائق أحواله بما لا يهتدى اليه آماله بتفاصيل سؤاله ومن جعل الله وكيلا لزمه ايضا ان يكون وكيلا لله على نفسه فى استحقاق حقوقه وفرآئضه وكل ما يلزمه فيخاصم نفسه فى ذلك ليلا ونهارا لا يفتر لحظة ولا يقصر طرفة قال الزروقى ﵀ خاصية الاسم الوكيل نفى الحوائج والمصائب فمن خاف ريحا او صاعقة او نحوهما فليكثر منه فانه يصرف عنه السوء ويفتح له أبواب الخير والرزق وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ يعنى قريشا مما لا خير فيه من الخرافات والهذيانات فى حق الله من الشريك والصاحبة والولد وفى حقك من الساحر والشاعر والكاهن والمجنون وفى حق القرآن من انه أساطير الأولين ونحو ذلك وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا تأكيد للامر بالصبر اى واتركهم تركا حسنا بأن تجانهم بقلبك وهواك وتداريهم ولا تكافئهم وتكل أمورهم الى ربهم كما أعرب عنه ما بعد الآية قال الراغب الهجر والهجران مفارفة الإنسان غيره اما بالبدن او باللسان او بالقلب وفوله تعالى واهجرهم هجرا جميلا يحتمل للثلاثة ويدعو الى تحريها ما أمكن مع تحرى المجاملة قال الحكماء تسلح على الأعداء بحسن المداراة حتى تبصر فرصة
آسايش دو كيتى تفسير اين دو حرفست ... با دوستان تلطف با دشمنان مدارا
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ اى دعنى وإياهم وكل أمرهم الى فانى أكفيكهم وقد سبق فى ن والقلم وقال بعضهم يجوز نصب المكذبين على المعية اى دعنى معهم وهو الظاهر ويجوز على العطف اى دعنى على امرى مما تقتضيه الحكمة ودع المكذبين بك وبالقرءان وهو أوفق للصناعة لان النصب انما يكون نصا فى الدلالة على المصاحبة إذا كان الفعل لازما وهنا الفعل متعد أُولِي النَّعْمَةِ ارباب التنعم وبالفارسية خداوندان نازوتن آسانى. صفة للمكذبين وهم صناديد قريش وكانوا اهل ترفه وتنعم لا سيما بنى المغيرة والنعمة بفتح النون التنعم وبكسرها الانعام وما أنعم به عليك وبالضم السرور والتنعم استعمال ما فيه النعومة واللين من المأكولات والملبوسات وفى تاج المصادر التنعم
стр. 4772
بناز زيستن. وفيه اشارة الى ان متعلق الذم ليس نفس النعمة والرزق بل التنعم بهما كان قال ﵇ لمعاذ رضى الله عنه حين بعثه الى اليمن واليا إياك والتنعم فان عباد الله ليسوا بالمتنعمين وفيه تسلية للفقرآء فانهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام وَمَهِّلْهُمْ التمهيل زمان دادن. والمهل التؤدة والسكون يقال مهل فى فعله وعمل فى مهلة قَلِيلًا اى زمانا قليلا وأجلهم أجلا يسيرا ولا تعجل فان الله سيعذبهم فى الآخرة إذ عمر الدنيا قليل وكل آت قريب ويدل على هذا المعنى ما بعد الآية من بيان عذاب الآخرة وقال الطبري كان بين نزول هذه الآية ووقعة بدر زمان يسير ولذا قيل انها مدنية إِنَّ لَدَيْنا فى الآخرة وفيما هيأناه للعصاة من آلات العذاب وأسبابه وهو اولى من قول بعضهم فى علمنا وتقديرنا لان المقام مقام تهديد العصاة فوجود آلات العذاب بالفعل أشد تأثيرا على ان تلك الآلات صور الأعمال القبيحة ولا شك ان معاصرى النبي ﵇ من الكفار قد قدموا تلك الآلات بما فعلوا من السيئات أَنْكالًا قيودا ثقالا يقيد بها ارجل المجرمين اهانة لهم وتعذيبا لا خوفا من فرارهم جمع نكل بالكسر وهو القيد الثقيل والجملة تعليل للامر من حيث ان تعداد ما عنده من اسباب التعذيب الشديد فى حكم بيان اقتداره على الانتقام منهم فهم يتنعمون فى الدنيا ولا يبالون وعند الله العزيز المنتقم فى الآخرة امور مضادة لتنعمهم وَجَحِيماً وبالفارسية وآتشى عظيم. وهى كل نار عظيمة فى مهواة وفى الكشاف هى النار الشديدة الحر والاتقاد وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ هو ما ينشب فى الحلق ويعلق من عظم وغيره فلا ينساغ اى طعاما غير سائغ يأخذ بالحلق لا هو نازل ولا هو خارج كالضريع والزقوم وهما فى الدنيا من النباتات والأشجار سمان قاتلان للحيوان الذي يأكلهما مستكرهان عند الناس فما ظنك بضريع جهنم وزقومها وهو فى مقابلة الهنيء والمريء لاهل الجنة وانما ابتلوا بهما لانهم أكلوا نعمة الله وكفروا بها وَعَذاباً أَلِيماً ونوعا آخر من العذاب مؤلما لا يقادر قدره ولا يدرك كنهه كما يدل عليه التنكير كل ذلك معدلهم ومرصد فالمراد بالعذاب سائر انواع العذاب جاء فى التفسير انه لما نزلت هذه الاية خر النبي ﵇ مغشيا عليه وعن الحسن البصري قدس سره انه امسى صائما فاتى بطعام فعرضت له هذه، الآية فقال ارفعه ووضع عنده الليلة الثانية فعرضت له فقال ارفعه وكذلك الثالثة فأخبر ثابت البناني ويزيد الضبي ويحيى البكاء فجاؤا فلم يزالوا حتى شرب شربة من سويق. اعلم ان اصناف العذاب الروحاني فى الآخرة ثلاثة حرقة فرقة المشتهيات وخزى خجلة الفاضحات وحسرة فوت المحبوبات ثم ينتهى الأمر الى مقاساة النار الجسمانية الحسية والخزي الذل والحقارة والخجلة التحير من الحياء والفاضح الكاشف عيب المجرم يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ ظرف للاستقرار الذي تعلق به لدينا والرجفة الزلزلة والزعزعة الشديدة اى تضطرب وتتزلزل بهيبة الله وجلاله ليكون علامة لمجيئ القيامة وامارة لجريان حكم الله فى مؤاخذة العاصين أفرد الجبال بالذكر مع كونها من الأرض
стр. 4773
لكونها أجساما عظاما أوتادا لها فاذا تزلزلت الأوتاد لم يبق للارض قرار وايضا ان زلزلة العلويات اظهر من زلزلة السفليات ومن زلزلتها تبلغ القلوب الحناجر خوفا من الوقوع وَكانَتِ الْجِبالُ من شدة الرجفة مع صلاتبها وارتفاعها كَثِيباً فى القاموس الكثيب التل من الرمل انتهى من كثب الثنيء إذا جمعه كأنه فعيل بمعنى مفعول فى أصله ثم صار اسما بالغلبة للرمل المجتمع مَهِيلًا اى كانت مثل رمل مجتمع هيل هيلا اى نثر واسيل بحيث لو حرك من أسفله انهال من أعلاه وسال لتفرق اجزائه كالعهن المنفوش ومثل وهذا الرمل يمر تحت الرجل ولا يتماسك فكونه متفرق الاجزاء منثورا سائلا لا ينافى كونه رملا مجتمعا وبالفارسية كوههاى سخت چون ريك روان شد از هيبت آن روز. فقوله مهيلا اسم مفعول من هال يهيل وأصله مهيول كمبيع من باع لا فعيل من مهل يمهل وخص الجبال بالتشبيه بالكثيب المهيل لان ذلك خاصة لها فان الأرض تكون مقررة فى مكانها بعد الرجفة دل عليه قوله تعالى ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا امتا والحاصل ان الأرض والجبال يدق بعضها ببعض كما قال تعالى وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فنرجع الجبال كثيبا مهبلا ثم ينسفها الريح فتصير هباء منبثا وتبقى الأرض مكانها ثم تبدل كما مر وفى التأويلات النجمية يوم ترجف ارض البشرية وجبال الانانية وكانت جبال انانية كل واحد رملا منثورا متفتتا شبه التعينات الاعتبارية الموهومة بالرمل لسرعة زوالها وانتثارها إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ يا اهل مكة شروع فى التخويف بأهوال الدنيا بعد تخويفهم بأهوال الآخرة رَسُولًا هو محمد ﵇ وكونه مرسلا إليهم لا ينافى إرساله الى من عداهم فان مكة أم القرى فمن أرسل الى اهل مكة فقد أرسل الى اهل الدنيا جميعا ولذا نص الله تعالى عليه بقوله وما أرسلناك الا كافة للناس ليندفع أوهام اهل الوهم شاهِداً عَلَيْكُمْ يشهد يوم القيامة بما صدر عنكم من الكفر والعصيان وكذا يشهد على غيركم كما قال تعالى وجئنا بك على هؤلاء شهيدا كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا هو موسى ﵇ لان هرون ﵇ ردء له وتابع وعدم تعيينه لعدم دخله فى التشبيه وتخصيص فرعون لانه من رؤساء اولى النعمة المترفهين المتكبرين فبينه وبين قريش جهة جامعة ومشابهة حال ومناسبة سريرة فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ اى فعصى فرعون المعلوم حاله كبرا وتنعما الرسول الذي أرسلناه اليه ومحل الكاف النصب على انها صفة لمصدر محذوف اى انا أرسلنا إليكم رسولا فعصيتموه كما يعرب عنه قوله تعالى شاهدا عليكم إرسالا كائنا كما أرسلنا الى فرعون رسولا فعصاه بأن جحد رسالته ولم يؤمن به وفى إعادة فرعون والرسول مظهدين تفظيع لشأن عصيانه وان ذلك لكونه عصيان الرسول لا لكونه عصيان موسى وفى ترك ذكر ملأ فرعون اشارة الى ان كل واحد منهم كأنه فرعون فى نفسه لتمرده فَأَخَذْناهُ بسبب عصيانه أَخْذاً وَبِيلًا ثقيلا لا يطاق يعنى بآتش غرق كرديم واز راه آب بآتش برديم. والوبيل الثقيل الغليظ ومنه الوابل للمطر العظيم والكلام خارج عن التشبيه
стр. 4774
جيئ به للتنبيه على انه سيحيق بهؤلاء ما حاق بأولئك لا محالة فَكَيْفَ تَتَّقُونَ قال ابن الشيخ مرتب على الإرسال فالعصيان وكان الظاهر أن يقدم على قوله كما أرسلنا الا انه أخر زيادة فى التهويل إذ علم من قوله فأخذناه انهم مأخوذون مثله وأشد فاذا قيل بعده فكيف تتقون كان ذلك زيادة كأنه قيل هبوا انكم لا تؤخذون فى الدنيا اخذة فرعون وأمثاله فكيف تتقون اى تقون أنفسكم فاتقى هاهنا مأخوذ بمعنى وقى المتعدى الى مفعولين دل عليه قول الامام البيهقي ﵀ فى تاج المصادر الاتقاء حذر كردن وخود را نكاه داشتن انتهى. وافتعل يجيئ بمعنى فعل نص عليه الزمخشري فى المفصل وان كانت الامثلة لا تساعده فانه ليس وقى واتقى مثل جذب واجتذب وخطف واختطف فتأمل إِنْ كَفَرْتُمْ اى بقيتم على الكفر يَوْماً اى عذاب يوم فهو مفعول به لتتقون ويجوز أن يكون ظرفا اى فكيف لكم بالتقوى والتوحيد فى يوم القيامة ان كفرتم فى الدنيا اى لا سبيل اليه لفوات وقته فاتقى على حاله وكذا إذا انتصب بكفرتم على تأويل جحدتم اى فكيف تتقون الله وتخشون عقابه ان جحدتم يوم القيامة والجزاء يَجْعَلُ الْوِلْدانَ من شدة هوله وفظاعة ما فيه من الدواهي وهو صفة ليوما نسب الجعل الى اليوم للمبالغة فى شدته والا فنفس اليوم لا تأثير له البتة والولدان بالفارسية نوزادكان از مادر. جمع وليد يقال لمن قرب عهده بالولادة وان كان فى الأصل يصح إطلاقه على من قرب عهده بها ومن بعد شِيباً شيوخا يعنى پير كنند وموى سر ايشان سفيد سازد. جمع أشيب والشيب بياض الشعر وأصله ان يكون بضم الشين كحمر فى جمع احمر لان الضم يقتضى الواو فكسرت لاجل صيانة الياء فرقا بين مثل سود وبين مثل بيض وجعلهم شيوخا فيه وجوه. الاول انه محمول على الحقيقة كما ذهب اليه بعض اهل التفسير ويؤيده ما قال فى الكشاف وقد مربى فى بعض الكتب ان رجلا امسى فاحم الشعر كحلك الغراب اى سواده وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة بياضا وهو بفتح الثاء المثلثة وبالغين المعجمة نبت ابيض قال أريت القيامة والجنة والنار ورأيت الناس يقادون فى السلاسل الى النار فمن هول ذلك أصبحت كما ترون وقال احمد الدورقي مات رجل من جيراننا شابا فرأيته فى الليل وقد شاب فقلت وما قصتك قال دفن بشر فى مقبرتنا فزفرت جهنم زفرة شاب منها كل من فى المقبرة كما فى فصل الخطاب وبشر المريسي ومريس قرية بمصر أخذ الفقه عن أبى يوسف القاضي الا انه اشتغل بالكلام وقال بخلق القرآن وأضل خلقا كثيرا ببغداد فان قلت إيصال الألم والضرر الى الصبيان يوم القيامة غير جائز بل هم لكونهم غير مكلفين معصومون محفوظون عن كل خطر قلت قد يكون فى القيامة من هيبة المقام ما يجثوبه الأنبياء ﵈ على الركب فما ظنك بغيرهم من الأولياء والشيوخ والشبان والصبيان وفى الآية مبالغة وهى انه إذا كان ذلك اليوم يجعل الولدان شيبا وهم ابعد الناس من الشيخوخة لقرب عهد ولادتهم فغيرهم اولى بذلك وكذا فى القصة السابقة فان من شاب بمجرد الرؤيا فكيف حاله فى اليقظة وهو معاين من الأهوال ما يذوب تحته الجبال الرواسي. والثاني انه محمول
стр. 4775
على التمثيل بأن شبه اليوم فى شدة هوله بالزمان الذي يشيب الشبان لكثرة همومه وأهواله وأصله ان الهموم والأحزان إذا تفاقمت على المرء ضعفت قواه واسرع فيه الشيب لان كثرة الهموم توجب انعصار الروح الى داخل القلب وذلك الانعصار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية وضعفها وانطفاؤها يوجب بقاء الاجزاء الغدائية غير تامة النضج وذلك يوجب بياض الشعر ومسارعة الشيب بتقدير العزيز الحكيم كما يوجب تغير القلب تغير البشرة فتحصل الصفرة من الوجل والحمرة من الخجل والسواد من بعض الآلام وما على البدن من الشعر تابع للبدن فتغيره يوجب تغيره فثبت ان كثرة الهموم توجب مسارعة الشيب كما قيل
دهتنا امور تشيب الوليد ... ويخذل فيها الصديق الصديق
فلما كان حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم جعلوه كناية عن الشدة فجعل اليوم المذكور الولدان شيبا عبارة عن كونه يوما شديدا غاية الشدة وفى الحديث (يقول الله) اى فى يوم القيامة (يا آدم) خص آدم ﵇ بهذا الخطاب لانه اصل الجمع (فيقول لبيك وسعديك والخير فى يديك فيقول اخرج ببعث النار) اى ميزاهلها المبعوث إليها (قال وما بعث النار) اى عدده (قال الله تعالى من كل ألف تسعمائة تسعة وتسعون قال) اى النبي ﵇ (فذلك) التقاول (حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها) قال ابن الملك اعلم ان الشيب والوضع ليسا على ظاهر هما إذ ليس فى ذلك اليوم حبل ولا صغير بل هما كنايتان عن شدة اهوال يوم القيامة معناه لو تصورت الحوامل والصغار هنالك لوضعن احمالهن ولشاب الصغار انتهى. وفى بيانه نظر ستأتى الاشارة اليه فى الوجه الثالث (وترى الناس سكارى) اى من الخوف (وما هم بسكارى) اى من الخمر (ولكن عذاب الله شديد) . والثالث انه محمول على الفرض والتقدير بأن يكون معناه ان ذلك اليوم بحال لو كان هناك صبى لشاب رأسه من الهيبة والدهشة وهذا الوجه غير موجه وان ذهب اليه بعض من يعد من اجلة اهل التفسير إذ هو يشعر بأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان حقيقة وقد ثبت انه يبعث يومئذ ولدان كثيرة ماتوا فى الصغر وكذا من المقرر أن الحبلى تبعث حبلى ففى ذلك اليوم حبل وضغير نعم إذا دخلوا الجنة صارو بناء ثلاث وثلاثين. والرابع انه يجوز ذلك وصفا لليوم بالطول يعنى على الكناية بانه فى طوله بحيث يبلغ الأطفال فيه أوان الشيخوخة والشيب وهو لا ينقضى بعد بل يمتد الى حيث يكون مقداره خمسين ألف سنة فهو كناية عن غاية الطول لا انه تقدير حقيقى يعنى أن هذا على عادة العرب فى التعبير عن الطول على سبيل التمثيل كما يعبرون عن التأييد وعدم الانقطاع بقولهم ما ناحت حمامة وما لاح كوكب وما تعاقبت الأيام والشهور وفى الآية اشارة الى النفس والهوى وبعد نفوسهم من الله فى يوم قيامة الفناء الذي يجعل ولدان أعمالهم السيئة القبيحة الخبيثة الخسيسة شيبا منهدمة متفانية السَّماءُ مبتدأ خبره قوله مُنْفَطِرٌ بِهِ اى منشق بسبب ذلك اليوم لان الله تعالى مسبب الأسباب فيجوز أن يجعل شدة ذلك اليوم سببا للانفطار. ذكر الله من هول ذلك اليوم أمرين الاول قوله تعالى يجعل الولدان شيبا
стр. 4776
والثاني قوله السماء منفطر به لان السماء على عظمتها وقوتها إذا انشقت بسبب ذلك اليوم فما ظنك بغيرها من الخلائق فالباء للسببية وهو الظاهر وتذكير الخبر لاجرائه على موصوف مذكر اى شىء منفطر عبر عنها بذلك للتنبيه على انه تبدلت حقيقتها وزال عنها اسمها ورسمها ولم يبق منها الا ما يعبر عنه بالشيء وفى القاموس السماء معروف ويذكر ويجوز أن يكون الباء بمعنى فى واليه ذهب المكي فى قوت القلوب حيث قال حروف العوامل يقوم بعضها مقام بعض وهذا مثال قوله تعالى السماء منفطر به اى فيه يعنى فى ذلك اليوم وقيل الباء للآلة والاستعانة مثلها فى فطرت العود بالقدوم فانفطر به يعنى ان السماء ينفطر بشدة ذلك اليوم وهو له كما ينفطر الشيء بما ينفطر به قال بعضهم اتخاذ الآلة والاستعانة لا يليق بجناب الله تعالى ولا يناسب ذات السماء ايضا كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا الضمير لله وان لم يجر له ذكر للعلم به والمصدر مضاف الى فاعله اى كان وعده تعالى اى يكون يوم القيامة على ما وصف من الشدائد كائنا متحققا لانه لا يخلف الميعاد فلا يجوز لعاقل أن يرتاب فيه او الضمير لليوم والمصدر مضاف الى مفعوله والفاعل وهو الله مقدر قال فى الصحاح الوعد يستعمل فى الخير والشر فاذا اسقطوا الخير والشر قالوا فى الخير الوعد والعدة وفى الشر الإيعاد والوعيد إِنَّ هذِهِ اشارة الى الآيات المنطوية على القوارع المذكورة وهى من قوله ان لدينا أنكالا الى هنا تَذْكِرَةٌ موعظة لمن يريد الخير لنفسه والاستعداد لربه وبالفارسية پندى وعبرتيست. قيل القرآن موعظة للمتقين وطريق للسالكين ونجاة للهالكين وبيان للمستبصرين وشفاء للمتحيرين وأمان للخائفين وانس للمريدين ونور لقلوب العارفين وهدى لمن أراد الطريق الى رب العالمين فَمَنْ شاءَ من المكلفين. يعنى پس هر كه خواهد از مكلفان اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا بالتقرب اليه بالايمان والطاعة فانه المنهاج الموصل الى مرضاته ومقام قربه إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ اى اقل منهما فاطلاق الأدنى على الأقل مجاز مرسل من قبيل اطلاق الملزوم على اللازم لما ان المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الاحياز والحدود وإذا بعدت كثر ذلك روى انه تعالى افترض قيام الليل فى أول هذه السورة فقام النبي ﵇ وأصحابه حولا مع مشقة عظيمة من حيث انه يعسر عليهم تمييز القدر الواجب حتى قام اكثر الصحابة الليل كله خوفا من الخطأ فى إصابة المقدار المفروض وصاروا بحيث انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم وامسك الله خاتمة السورة من قوله ان ربك إلخ اثنى عشر شهرا فى السماء حتى انزل الله فى آخر السورة التخفيف فنسخ تقدير القيام بالمقادير المذكورة مع بقاء فرضية اصل التهجد حسبما تيسر ثم نسخ نفس الوجوب ايضا بالصلوات الخمس لما روى ان الزيادة على الصلوات الخمس زيادة وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ بالنصب عطفا على ادنى والثلث أحد اجزاء الثلاثة والجمع أثلاث اى انك تقوم اقل من ثلثى الليل وتقوم من نصفه وثلثه وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ مرفوع معطوف على الضمير فى تقوم وجاز ذلك للفصل بينهما اى ويقوم معك طائفة من أصحابك ومن تبينية فلا دلالة فيه على ان قيام الليل لم يكن فرضا على الجميع وحاصل المعنى يتابعك طائفة فى قيام الليل وهم أصحابك وفيه وعد لهم بالإحسان
стр. 4777
إليهم كما تقول لاحد إذا أردت الوعد له انا اعلم ما فعلت لى وفى قوت القلوب قد قرن الله تعالى قوام الليل برسوله المصطفى ﵇ وجمعهم معه فى شكر المعاملة وحسن الجزاء وفى التأويلات النجمية يشير الى انسلاخ رسول القلب عن ليل طبيعته فى اكثر الأوقات بالتوجه الى الله والاعراض عن النفس الا فى اوقات قلائل وذلك لحكمة مقتضية للحجاب فان الحجاب رحمة كما قيل لولا الحجاب ما عرف الآله وطائفة من الذين مع رسول القلب من القوى الروحانية والأعضاء والجوارح وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وحده لا يقدر على تقديرهما ومعرفة مقادير ساعاتهما وأوقاتهما أحد أصلا فان تقديم الاسم الجليل مبتدأ وبناء يقدر عليه موجب للاختصاص قطعا والتقدير بالفارسية اندازه كردن يعنى وخداى تعالى اندازه ميكند شب وروز را وميداند مقادير ساعات آن. قال الراغب التقدير تبيين كمية الشيء وقوله
تعالى والله إلخ اشارة الى ما اجرى من تكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل اى إدخال هذا فى هذا أو أن ليس أحد يمكنه معرفة ساعاتهما وتوفية حق العبادة منهما فى وقت معلوم والحاصل ان العالم بمقادير ساعات الليل والنهار على حقائقها هو الله وأنتم تعلمون ذلك بالتحرى والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ فربما يقع منكم الخطأ فى أصابتها فتقومون اقل من المقادير المذكورة ولذا قال عَلِمَ الله إِنَّ اى ان الشأن لَنْ تُحْصُوهُ لن تقدروا على تقدير الأوقات على حقائقها ولن تستطيعوا ضبط الساعات ابدا فالضمير عائد الى المصدر المفهوم من يقدر قال فى تاج المصادر الإحصاء دانستن وشمردن بر سبيل استقصا وتوانستن. قال الراغب الإحصاء التحصيل بالعدد وروى استقيموا ولن تحصوا اى لن تحصلوا ذلك لان الحق وأحد والباطل كثير بل الحق بالاضافة الى الباطل كالنقطة بالاضافة الى سائر اجزاء الدائرة وكالمرمى من الهدف وإصابة ذلك شديدة واحتج بعضهم بهذه الآية على وقوع تكليف ما لا يطاق فانه تعالى قال لن تحصوه اى لن تطيقوه ثم انه كلفهم بتقدير الساعات والقيام فيها حيث قال قم الليل إلخ ويمكن أن يجاب عنه بان المراد صعوبته لا انهم لا يقدرون عليه أصلا كما يقال لا أطيق ان أنظر الى فلان إذا استثقل النظر اليه وفى التأويلات النجمية يعنى السلوك من ليل الطبيعة الى نهار الحقيقة بتقدير الله لا بتقدير السالك علم أن لن تقدروا على مدة ذلك السلوك بالوصول الى الله إذ الوصول مترتب على فضل الله ورحمته لا على سلوككم وسيركم فكم من سالك انقطع فى الطريق ورجع القهقرى ولم يصل كما قيل ليس كل من سلك وصل ولا كل من وصل اتصل ولا كل من اتصل انفصل فَتابَ عَلَيْكُمْ بالترخيص على ترك القيام المقدر ورفع التبعة عن التائب ثم استعمل لفظ المشبه به فى المشبه ثم اشتق منه فتاب اى فرخص والتبعة ما يترتب على الشيء من المضرة فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ اى فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل غير مقدرة بكونها فى ثلث الليل او نحوه ولو قدر حلب شاة فهذا يكون اربع ركعات وقد يكون ركعتين عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها على طريق اطلاق اسم الجزء على الكل مجازا مرسلا فتبين ان التهجد كان واجبا على التخيير المذكور فعسر عليهم القيام به فنسخ بهذه
стр. 4778
الآية ثم نسخ نفس الوجوب المفهوم منها بالصلوات الخمس على ما سبق وفيه تفضيل صلاة الليل على سائر التطوعات فان التطوع بما كان فرضا فى وقت ثم نسخ أفضل من التطوع بما لم يكن فرضا أصلا كما قالوا صوم يوم عاشوراء أفضل لكونه فرض قبل فرضية رمضان وفى الحديث ليصل أحدكم من الليل ما تيسر فاذا غلب عليه النوم فلير قد وقد كان ابن عباس رضى الله عنهما يكره النوم قاعدا وعنه ﵇ عليكم بقيام الليل فانه دأب الصالحين قبلكم وهو قربة لكم الى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم وهذا الحديث يدل على ان قيام الليل لم يكن فرضا على المتقدمين من الأنبياء وأممهم بل كان من شعار صلاحهم وعنه ﵇ ان الله ليبغض كل جعظرى جواظ سخاب بالأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة والجعظري الفظ الغليظ والجواظ كشداد الضخم المختار والكثير الكلام والمجموع المنوع والمتكبر الجافي والسخاب من السخب وهو محركة شدة الصوت سخب كفرح فهو سخاب واقل الاستحباب من قيام الليل سدسه سوآء كان متواليا او قام جزأ ثم نام نومة اخرى ثم قام قياما ثانيا لانه ﵇ لم يقم ليلة قط حتى أصبح بل كان ينام فيها ولم ينم ليلة قط بل كان يقوم فيها وبأى ورد احيى الليل فقد دخل فى اهل الليل وله معهم نصيب ومن احيى اكثر ليلة او نصفها كتب له احياء ليلة جميعها ويتصدق عليه بما بقي منها كذا فى قوت القلوب وقيل المراد بالآية قراءة القرآن بعينها قنكون على حقيقتها فالمعنى ان شق عليكم القيام فقد رخص فى تركه فاقرأوا ما تيسر من القرآن من غير توقيت لصلاة فانه لا يشق وتنالون بقراءته خارج الصلاة ثواب القيام فالامر للندب وفى الحديث من قرأ فى ليلة مائة آية لم يحاجه القرآن قال الطيبي فى قوله لم يحاجه القرآن ان قراءته
لازمة لكل انسان واجبة عليه فاذا لم يقرأ يخاصمه الله ويغلبه بالحجة فاسناد المحاجة الى القرآن مجاز ويفهم من كلامه ان قراءته مقدار مائة آية فى كل ليلة واجبة بها يخلص من المحاجة وعنه ﵇ من قرأ بالآيتين من سورة البقرة فى ليلة كفتاه والمراد آمن الرسول إلخ يعنى اغنتاه عن قيام الليل او حفظتاه من كل شر وسوء وعنه ﵇ أيعجز أحدكم أن يقرأ فى ليلة ثلث القرآن قالوا وكيف يقرأ ثلث القرآن قال قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ومن ذلك قالوا ان قراءة الإخلاص ثلاث مرات تقوم مقام ختمة وأطول الآي أفضلها لكثرة الحروف وان اقتصر على قصار الآي عند فتوره أدرك الفضل ان حصل العدد كذا فى قوت القلوب وفى التأويلات الجمية فى اشارة الآية يعنى اجمعوا واحفظوا فى قلوبكم الصافية عن كدورات النفس والهوى ما يظهر عليها لاستعداداتكم من الحقائق والدقائق والعوارف والمعارف ولا تفشوها الى غير أهلها فينكروا عليكم فيرموكم بالكفر والزندقة والإلحاد والاتحاد فان حقائقه ودقائقه من المكنونات الالهية عَلِمَ أَنْ اى ان شأن سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى استئناف مبين لحكمة اخرى داعية الى الترخيص والتخفيف مرضا جمع مريض والمرض الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان وفيه اشارة الى مرضى القلوب بحجب الانانية والاشتغال
стр. 4779
بحب الدنيا وشهواتها فانه لا يظهر عليها من اسرار القرآن وحقائقه شىء. چنانچهـ شيخ سنائى كويد عجب نبود كر از قرآن نصيبت نيست جز حرفى كه از خورشيد جز كرمى نيابد چشم نابينا
عروس حضرت قرآن نقاب آنكه بر اندازد ... كه دار الملك ايمانرا مجرد يابد از غوغا
وَآخَرُونَ عطف على مرضى يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ صفة آخرون اى يسافرون فيها للتجارة من ضرب فى الأرض سافر فيها ابتغاء الرزق قال الراغب الضرب فى الأرض الذهاب فيها وهو بالأرجل يَبْتَغُونَ الابتغاء جستن مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وهو الربح وفيه تصريح بما علم التزاما وبيان ان ما حصلوه من الرزق من فضل الله ومحل يبتغون حال من ضمير يضربون وقد عم ابتغاء الفضل تحصيل العلم فانه من أفضل المكاسب وفيه ان معلم الخير وهو رسول الله ﵇ كان حاضرا عندهم وقت نزول الآية فاين يذهبون الا ان يجعل آخر السورة مدنيا فقد كانوا يهاجرون من مكة الى المدينة لطلب العلم وايضا ان هذا بالنسبة الى خصوص الخطاب واما بالنسبة الى اهل القرن الثاني فبقاء الحكم يوقعهم فى الحرج وفى حديث ابى ذر رضى الله عنه انه قال حضور مجلس علم أفضل من صلاة الف ركعة وأفضل من شهود الف جنازة ومن عيادة الف مريض قيل ومن قراءة القرآن قال وهل تنفع قراءة القرآن بلا علم وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ الأعداء فِي سَبِيلِ اللَّهِ عطف على مرضى ايضا ويقاتلون صفته وسبيل الله ما يوصل الى الاجر عند الله كالجهاد وفيه تنبيه على انه سيؤذن لهم فى القتال مع الأعداء سوى الله فى هذه الآية بين درجة المجاهدين فى سبيل الله ومكتسبين للمال الحلال للنفقة على نفسه وعياله والإحسان الى ذوى الحاجات حيث جمع نبيهما فول على ان التجارة بمنزلة الجهاد وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أيما رجل جلب شيأ من مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ اى وإذا كان الأمر كما ذكر وتعاضدت الدواعي الى الترخيص فاقرأوا ما تيسر من القرآن من غير تحمل المشاق فان قيل كيف ثقل قيام الليل على الاصحاب رضى الله عنهم وقد خف على كثير من التابعين حتى كانوا يقومون الى طلوع الفجر منهم الامام ابو خنيفة وسعيد بن المسيب وفضيل بن عياض وابو سليمان الداراني ومالك بن دينار وعلى بن بكار وغيرهم حتى قال على بن بكار الشامي منذ أربعين سنة لم يحزنى شىء الا طلوع الفجر قلت الثقلة لم تكن فى قيامه بل فى محافظة القدر الفروض كما سبق على انه لا بعد فى ان يثقل عليهم قبل التعذر بذلك ثم كان من امر بعضهم انه ختم القرآن فى ركعة واحدة كعثمان وتميم الداري رضى الله عنهما وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ المفروضة وَآتُوا الزَّكاةَ الواجبة وقيل هى زكاة الفطر إذ لم يكن بمكة زكاة غيرها وانما وجبت بعدها ومن فسرها بالزكاة المفروضة جعل آخر السورة مدنيا
وذلك ان تجعلها من باب ما تأخر حكمه
стр. 4780
عن نزوله ففيه دلالة على انه سينجز وعده لرسوله ويقيم دينه ويظهره حتى تفرض الزكاة وتؤدى وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وقرض دهيد خدايرا قرض نيكو.
والقرض ضرب من القطع وسمى ما يدفع الى الإنسان من المال بشرط رد بدله قرضا لانه مقروض مقطوع من ماله أريد به الانفاقات فى سبيل الخيرات غير المفروض فانها كالفرض الذي لا خلف فى أدائه وفيه حث على التطوع كما قال ﵇ ان فى المال حقا سوى الزكاة على احسن وجه وهو إخراجها من أطيب الأموال وأكثرها نفعا للفقرآء بحسن النية وصفاء الباء الى أحوج الصلحاء وجه هذا التفسير هو أن قوله وآتوا الزكاة امر بمجرد اعطائها على اى وجه كان وقوله واقرضوا الله قرضا حسنا ليس كذلك بل هو امر بالإعطاء المقيد بكونه حسنا وتسمية الانفاق لوجه الله اقراضا استعارة تشبيها له بالاقراض من حيث انما أنفقه يعود عليه مع زيادة وقال بعضهم هو قول سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر والنفقة فى سبيل الله كما قال عمر رضى الله عنه او النفقة على الأهل وفى الحديث ما اطعم المسلم نفسه واهل بيته فهو له صدقة اى يؤجر عليه بحسن نيته ثم هاهنا امر غامض وهو انه روى الامام الغزالي ﵀ عن القاضي الباقلاني ان ادعاء البراءة من الغرض بالكلية كفر لان التنزه خاصة الهية لا يتصور الإشراك فيها فلعل ما يقال ان العبد ليبلغ الى درجة بعمل ما يعمل لا لغرض بل لرضى الله او لامتثال امره فقط انما هو من الغفلة عن غرض خفى هل هو غرض جلى لكنه مراد على. يقول الفقير هذا وارد على اهل الارادة واما اهل الفناء عن الارادة وهم اهل النهاية الاكملون فلا غرض لهم أصلا وأمرهم عجيب لا يعرفه الا أمثالهم او من عرفه الله بشأنهم وَما شرطية تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ اى خير كان مما ذكر وما لم يذكر تَجِدُوهُ جواب الشرط ولذا جزم عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً من الذي تؤخرونه الى الوصية عند الموت وفى كشف الاسرار تجدوا ثوابه خيرا لكم من متاع الدنيا وأعظم اجرا لان الله يعطى المؤمن اجره بغير حساب قوله خيرا ثانى مفعولى تجدوا وهو تأكيد للمفعول الاول لتجدوه وفصل بينه وبين المفعول الثاني وان لم يقع بين معرفتين فان افعل فى حكم المعرفة ولذلك يمتنع من حرف التعريف وقوله وأعظم عطف على خيرا واجرا تمييز عن نسبة الفاعل والاجر ما يعود من ثواب العمل دنيويا كان او أخرويا وقال بعضهم المشهور ان وجد إذا كان بمعنى صادف يتعدى الى مفعول واحد وهو هاهنا بمعناه لا بمعنى علم فلا بعد ان يكون خيرا حالا من الضمير وفى الحديث اعلموا ان كل امرئ على ما قدم قادم وعلى ما خلف نادم وعنه ﵇ ان العبد إذا مات قال الإنسان ما خلف وقالت الملائكة ما قدم ومر عمر رضى الله عنه ببقيع الغرقد اى مقبرة المدينة لانها كانت منبت الغرقد وهو بالغين المعجمة شجر فقال السلام عليكم أهل القبور اخبار ما عندنا ان نساءكم قد تزوجن ودوركم قد سكنت وأموالكم قد قسمت فأجابه هاتف يا ابن الخطاب اخبار ما عندنا ان ما قدمناه وجدناه وما انفقناه فقد ربحناه وما خلفنا فقد خسرنا
стр. 4781
قدم لنفسك قبل موتك صالحا ... واعمل فليس الى الخلود سبيل
(وروى) عن عمر رضى الله عنه انه اتخذ حيسا يعنى تمرا بلبن فجاءه مسكين فأخذه ودفعه اليه فقال بعضهم ما يدرى هذا المسكين ما هذا فقال عمر لكن رب المسكين يدرى ما هو فكأنه قال وما تقدموا إلخ
تو نيكى كن بآب انداز اى شاه ... اگر ماهى نداند داند الله
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ اى سلوا الله المغفرة لذنوبكم فى جميع أوقاتكم وكافة أحوالكم فان الإنسان قلما يخلوه عن تفريط وكان السلف الصالح يصلون الى طلوع الفجر ثم يجلسون للاستغفار الى صلاة الصبح واستحب الاستغفار على الأسماء من القرآن مثل أن يقول استغفر الله انه كان توابا استغفر الله ان الله غفور رحيم استغفر الله انه كان غفارا رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يغفر ما دون أن يشرك به رَحِيمٌ يبدل السيئات حسنات وفى عين المعاني غفور يستر على اهل الجهل والتقصير رحيم يخفف عن اهل الجهل والتوفير ومن عرف انه الغفور الذي لا يتعاظمه ذنب يعفره اكثر من الاستغفار وهو طلب
المغفرة ثم ان كان مع الانكسار فهو صحيح وان كان مع التوبة فهو كامل وان كان عريا عنهما فهو باطل ومن كتب سيد الاستغفار وجرعه لمن صعب عليه الموت انطلق لسانه وسهل عليه الموت وقد جرب مرارا وسيد الاستغفار قوله اللهم أنت ربى لا اله الا أنت خلقتنى وانا عبدك وانا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفرلى انه لا يغفر الذنوب الا أنت تمت سورة المزمل بعونه تعالى يوم الأربعاء الثاني والعشرين من ذى القعدة من سنة ست عشرة ومائة وألف
تفسير سورة المدثر
مكية وآيها ست وثلاثون بسم الله الرحمن الرحيم
(يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) بتشديدين أصله المتدثر وهو لابس الدثار وهو ما يلبس فوق الشعار الذي بلى الجسد ومنه قوله ﵇ الأنصار شعار والناس دثار وفيه اشارة الى ان الولاية كالشعار من حيث تعلقها بالباطن والنبوة كالدثار من حيث تعلقها بالظاهر ولذلك خوطب ﵇ فى مقام الانذار بالمدثر (روى) عن جابر رضى الله عنه عن النبي ﵇ انه قال كنت على جبل حرآء فنوديت يا محمد انك رسول الله فنظرت عن يمينى وعن يسارى ولم أر شيأ فنظرت فوقى فاذا به قاعد على عرش بين السماء والأرض يعنى الملك الذي ناداه فرعبت ورجعت الى خديجة رضى الله عنها فقلت دثرونى دثرونى وصبوا على ماء باردا فنزل جبريل وقال يا أيها المدثر يعنى انه انما تدثر بناء على اقشعرار جلده وارتعاد فرآئصه رعبا من الملك النازل من حيث انه رأى ما لم يره قبل
стр. 4782
ولم يستأنس به بعد فظن ان به مسامن الجن فخاف على نفسه لذلك وذكر حضرة الشيخ الأكبر قدس سرة الأطهر ان التدثر انما يكون من البرودة التي تحصل عقيب الوحى وذلك ان المك إذا ورد على النبي ﵇ بعلم او حكم يلقى ذلك الروح الإنسان وعند ذلك تشتعل الحرارة الغريزية فيتغير الوجه وتنقل الرطوبات الى سطح البدن لاستيلاء الحرارة فيكون من ذلك العرق فاذا سرى عنه ذلك سكن المزاج وانقشعت تلك الحرارة وانفتحت تلك المسام وقبل الجسم الهولء من خارج فيتخلل الجسم فيبرد المزاج فتأخذه القشعريرة فتزاد عليه الثياب ليسخن انتهى وقرر بعضهم هذا المقام على غير ما ذكر كما قال فى كشف الاسرار وتفسير الكاشفى جابر بن عبد الله رضى الله عنه نقل ميكند از رسول ﷺ در زمان فترت وحي براهى ميرفتم ناكاه از آسمان آوازى شنيدم چشم بالا كردم ديدم همان ملك كه در غار حرا بمن آمده بود بر كرسى نشسته ميان زمين وآسمان از سطوت وهيأت وعظمت وهيكل او خوفى بر من طارى شد بخانه بازگشتم وكفتم مرا بپوشانيد جامها بر من پوشيدند ومن در انديشه آن حال بودم كه حضرت عزت جل شأنه وحي فرستاد كه يا ايها المدثر. وقال السهيل ﵀ كان ﵇ متدثرا بثيابه حين فزع من هول الوحى أول نزوله قال دثرونى دثرونى فقال له ربه يا ايها المدثر ولم يقل يا محمد ولا يا فلان ليستشعر اللين والملاطفة من ربه كما تقدم فى المزمل وفائدة اخرى مشاكلة الآية بما بعدها ووجه المشاكلة بين أول الكلام وبين قوله قم فأنذر خفى الا بعد التأمل والمعرفة بقوله ﵇ انى انا النذير العريان ومعنى النذير العريان الجاد المشمر وكان النذير من العرب إذا جتهد جرد ثوبه وأشار به مع الصياح تأكيدا فى الانذار والتحذير وقد قيل ايضا ان اصل قولهم النذير العريان ان رجلا من خثعم وهو كجعفر جبل واهل خثعميون وابن انما رابو قبيلة من معد كما فى القاموس اخذه العدو فقطعوا يده وجردوا ثيابه فأفلت الى قومه نذيرا لهم وهو عريان فقيل لكل مجتهد فى الانذار والتخويف النذير العريان فاذا ثبت هذا فقد تشاكل الكلام بعضه ببعض فأمر المتدثر بالثياب مضاف الى معنى النذير العريان ومقابل ومرتبط به لفظا ومعنى قُمْ اى من مضجعك يعنى خوابكاه فَأَنْذِرْ الناس جميعا من عذاب الله ان لم يؤمنوا لانه ﵇ مرسل الى الناس كافة فلم تكن ملة من الملل الا وقد بلغتها دعوته وقرعها إنذاره وأفرد الانذار بالذكر مع انه أرسل بشيرا ايضا لان التخلية بالمعجمة قبل التحلية بالمهملة وكان الناس عاصين مستحقين للتخويف فكان أول الأمر هو الانذار.
يقول الفقير امده الله القدير بالفيض الكثير خوطبت بقوله قم فانذر وانا متوجه مراقب عند الرأس الشريف فى الحرم النبوي فحصل لى اضطراب عظيم وحيرة كبرى من سطوة الخطاب الإلهي وغلبنى الارتعاد وظننت انى مأمور بالإنذار الظاهري فى ذلك المقام لما ان اكثر الناس كانوا يسيئون الأدب فى ذلك الحرم حتى انى بكيت مرة بكاء شديدا من غلبة الغيرة فقيل لى أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ثم انى عرفت بالهام من الله تعالى انى رسول نفسى لا غير مأمور بتزكيتها وإصلاح قواها ومن الله الاعانة على ذلك
стр. 4783
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وخصص ربك بالتكبير وهو وصفه تعالى بالكبرياء اعتقادا وقولا وعظمة عما يقول فيه عبدة الأوثان وسائر الظالمين ويروى انه لما نزل قال رسول الله ﵇ الله اكبر فكبرت خديجة ايضا وفرحت وأيقنت انه الوحى لان الشيطان لا يأمر بالتكبير ونحوه ودخل فيه تكبير الصلاة وان لم يكن فى أوائل النبوة صلاة وذلك لان الصلاة عبارة عن أوضاع وهيئات كلها تعطى التقييد والله منزه عن جميع التعينات فلزم التكبير فيها لان وجه الله يحاذى وجه العبد حينئذ على ما ورد فى الخبر الصحيح والفاء لمعنى الشرط كأنه قيل ما كان اى اى شىء حدث فلا تدع تكبيره ووصفه بالكبرياء او للدلالة على ان المقصود الاول من الأمر بالقيام ان يكبر ربه وينزهه عن الشرك فان أول ما يجب معرفة الصانع ثم تنزيهه عما لا يليق بجنابه فالفاء على هذا تعقيبية لا جزائية. واعلم ان كبرياءه تعالى ذاتى له قائم بنفسه لا بغيره من المكبرين فهو اكبر من أن يكبره غيره بالتكبير الحادث ولذا قال ﵇ ليلة المعراج لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك فهو المكبر والمثنى لذاته بذاته بتكبير وثناء قديم من الأزل الى الأبد وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ جمع ثوب من اللباس اى فطهرها مما ليس بطاهر بحفظها وصيانتها عن النجاسات وغسلها بالماء الطاهر بعد تلطخها فانه قبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبيثا سوآء كان فى حال الصلاة او فى غيرها وبتقصيرها ايضا فان طولها يؤدى الى جر الذبول على القاذورات فيكون التطهير كناية عن التقصير لانه من لوازمه ومعنى التقصير أن تكون الى انصاف الساقين اولى الكعب فانه ﵇ جعل غاية طول الإزار الى الى الكعب وتوعد على ما تحته بالنار. وحضرت مرتضى رضى الله عنه كفت كوتاه كن جامه را. فانه أتقى وأنقى وأبقى وهو أول ما أمر به ﵇ من رفض العادات المذمومة فان المشركين ما كانوا يصونون ثيابهم عن النجاسات وفيه انتقال من تطهير الباطن الى تطهير الظاهر لان الغالب ان من نقى باطنه أبى الا اجتناب الخبث وإيثار الطهارة فى كل شىء فان الدين بنى على النظافة ولا يدخل الجنة الا نظيف والله يحب الناسك النظيف وفى الحديث غسل الإناء وطهارة الفناء يورثان الغنى وفى المرفوع نظفوا أفواهكم فانها طرق القرآن قال الراغب الطهارة ضربان طهارة جسم وطهارة نفس وقد حمل عليهما عامة الآيات وقوله وثيابك فطهر قيل معناه نفسك نزهما عن المعايب انتهى او طهر قلبك كما فى القاموس او اخلاقك فحسن قاله الحسن وفى الخبر حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار او عملك فأصلح كما فى الكواشي ومنه الحديث يحشر المرء فى ثوبيه اللذين مات فيهما اى عمليه الخبيث والطيب كما فى عين المعاني وانه ليبعث فى ثيابه اى اعماله كما فى القاموس او أهلك فطهرهم من الخطايا بالوعظ والتأديب والعرب تسمى الأهل ثوبا ولباسا قال تعالى هن لباس لكم وأنتم لباس لهن (كما فى كشف الاسرار) وقال ابن عباس لا تلبسها على معصية ولا على غدار البسها وأنت بر طاهر كما فى فتح الرحمن قال الشاعر
وانى بحمد الله لا ثوب فاحر ... لبست ولا من غدرة أتقنع
стр. 4784
وذلك ان الغادر والفاجر يسمى دنس الثياب كما ان اهل الصدق والوفاء يسمى طاهر الثياب. ودر نفحات از شيخ ابو الحسن شاذلى قدس سره نقل ميكند كه حضرت رسالت را ﷺ در خواب ديدم ومرا كفت اى على طهر ثيابك من الدنس تحفظ بمدد الله فى كل نفس يعنى پاكيزه كردان جامهاى خود را از چرك تا بهره مند كردى بمدد وتأييد خداى تعالى در هر نفسى كفتم يا رسول الله ثياب من كدامست فرمود كه بر تو حق تعالى پنج خلعت پوشانيد خلعت محبت وخلعت معرفت وخلعت توحيد وخلعت ايمان وخلعت اسلام هر كه خدايرا دوست دارد بر وى آسان شود هر چيز وهر كه خدايرا بشناسد در نظر وى خرد نمايد هر چيز وهر كه خدايرا به يكانكى بداند بوى شريك نيارد هيچ چيز را وهر كه خداى تعالى را ايمان آرد ايمن كردد از هر چيز وهر كه بإسلام متصف بود خدايرا عاصى نشود واگر عاصى شود اعتذار كند و چون اعتذار كند قبول افتد بفضل الله تعالى پس شيخ فرمود از اينجا دانستم قول خدايرا وثيابك فطهر
در تو پوشيد لطف يزدانى ... خلعتى از صفات روحانى
دارش از لوث خشم وشهوت دور ... تا بپاكيزكى شوى مشهور
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ قرأ عاصم فى رواية حفص الرجز بالضم والباقون بكسر الراء ومعناهم واحد وهو الأوثان وقد سبق معنى الهجر فى المزمل اى ارفض عبادة الأوثان ولا تقربها كما قال ابراهيم ﵇ واجنبنى وبنى ان نعبد الأصنام ويقال الرجز العذاب اى واهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدى اليه من الما آثم سمى ما يؤدى الى العذاب رجزا على تسمية المسبب باسم سببه والمراد الدوام على الهجر لانه كان بريئا من عبادة الأوثان ونحوها وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ برفع تستكثر لانه مستقبل فى معنى الحال اى ولا تعط مستكثرا اى رائيا لما تعطيه كثيرا او طالبا للكثير على انه نهى عن الاستغزار وهو أن يهب شيأ وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب له اكثر مما أعطاه وهو جائز ومنه الحديث المستغزر يثاب من هبته اى يعوض منها والغزارة بالغين المعجمة وتقديم الزاى الكثرة فهو اما للتحريم وهو خاص برسول الله ﵇ لعلو منصبه فى الأخلاق الحسنة ومن ذلك حلت الزكاة لفقراء أمته ولم تحل له ولأهله لشرفه او للتنزيه للكل اى له ولامته وقال بعضهم هو من المنة لان من يمن بما يعطى يستكثره ويعتد به والمنة تهدم الصنيعة خصوصا إذا من بعمله على الله بأن يعده كثيرا فان العمل من الله منة عليه كما قال تعالى بل الله يمن عليكم ومن شكر طول عمره بالعبادة لم يقض شكر نعمة الإيجاد فضلا عما لا يحصى من انواع الجود وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ اى فاصبر لحكم ربك ولا تتألم من اذية المشركين فان المأمور بالتبليغ لا يخلو عن أذى الناس ولكن بالصبر يستحيل المر حلوا وبالتمرن يحصل الذوق
تحمل چوزهرت نمايد نخست ... ولى شهد كردد چودر طبع رست
وقال بعض اهل المعرفة اى جرد صبرك عن ملاحظة الغير فى جميع المراتب اى فى الصبر عن المعصية والصبر على الله والصبر فى البلاء كما قال تعالى واصبر وما صبرك الا بالله وقال القاشاني يا أيها المدثر
стр. 4785
اى المتلبس بدثار البدن المحنجب بصورته قم عمار كنت اليه وتلبست به من أشغال الطبيعة وانتبه من رقدة الغفلة فأنذر نفسك وقواك وجميع من عداك عذاب يوم عظيم وان كنت تكبر شيأ وتعظم قدره فخصص ربك بالتعظيم والتكبير لا يعظم فى عينك غيره وليصغر فى قلبك كل ما سواه بمشاهدة كبريائه وظاهرك فطهره اولا قبل تطهير باطنك عن مدانس الأخلاق وقبائح الافعال ومذام العادات ورجز الهيولى المؤدى الى العذاب.
فاهجر اى جرد باطنك عن اللواحق المادية والهيئات الجسمانية الفاسقة والغواشي الظلمانية والهيولانية ولا تعط المال عند تجردك عنه مستغزرا طالبا للاعواض والثواب الكثير به فان ذلك احتجاب بالنعمة عن المنعم وقصور همة بل خالصا لوجه الله افعل ما تفعل صابرا على الفضيلة له لا لشئ آخر غيره فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ الناقور بمعنى ما ينقر فيه والمراد الصور وهو القرن الذي ينفخ فيه اسرافيل مرة للاصعاق واخرى للاحياء فاعول من النقر بمعنى التصويت وأصله القرغ الذي هو سبب الصوت يعنى جعل الشيء بحيث يظهر منه الصوت بنوع قرع والمراد هنا النفخ إذ هو نوع ضرب للهوآء الخارج من الحلقوم اى فاذا نفخ فى الصور والفاء للسببية اى سببية ما بعدها لما قبلها دون العكس فهى بمعنى اللام السببية كأنه قيل اصبر على اذاهم فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة اذاهم وتلقى عاقبة صبرك عليه والعامل فى إذا ما دل عليه قوله تعالى فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ فان معناه عسر الأمر على الكافرين من جهة العذاب وسوء الحساب وذلك اشارة الى وقت النقر وهو مبتدأ ويومئذ بدل منه مبنى على الفتح لاضافة الى غير متمكن وهو إذ والتقدير إذ نقر فيه والخبر يوم عسير وعلى متعلقة بعسير دل عليه قوله تعالى وكان يوما على الكافرين عسيرا كأنه قيل فيوم النقر يوم عسير عليهم غَيْرُ يَسِيرٍ خبر بعد خبر وتأكيد لعسره عليهم لقطع احتمال يسره بوجه دون وجه مشعر تيسره على المؤمنين ثم المراد به يوم النفخة الثانية التي يحيى الناس عندها إذ هى التي يخص عسرها بالكافرين جميعا واما النفخة الاولى فهى مختصة بمن كان حيا عند وقوعها وقد جاء فى الاخبار ان فى الصور ثقبا بعدد الأرواح كلها وانها تجمع فى تلك الثقب فى النفخة الثانية فيخرج عند النفخ من كل ثقبة روح الى الجسد الذي نزع منه فيعود الجسد حيا بإذن الله تعالى وفى الحديث كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم قرنه ينظر متى يؤمر أن ينفخ فيه فقيل له كيف نصنع قال قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل وقال القاشاني ينقر فى البدن المبعوث فينقش فيه الهيئات السيئة المردية الموجبة للعذاب او الحسنة المنجية الموجبة للثواب ولا يخفى عسر ذلك اليوم على المحجوبين على أحد وان خفى يسرة على غيرهم الأعلى المحققين من اهل الكشف والعيان ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً حال اما من الياء اى ذرنى وحدي معه فانى أكفيكه فى الانتقام منه او من التاء اى خلقته وحدي لم يشركنى فى خلقه أحدا أو من العائد المحذوف اى ومن خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد نزلت فى الوليد بن المغيرة المخزومي وكان يلقب فى قومه يا لوحيد زعما منهم انه لا نظير
стр. 4786
له فى وجاهته ولا فى ماله وكان يفتخر بنفسه ويقول أنا الوحيد ابن الوحيد ليس لى فى العرب نظير لا لأبى المغيرة نظير أيضا فسماه الله بالوحيد تهكما به واستهزاء بلقبه كقوله تعالى ذق انك أنت العزيز الكريم وصرفا له عن الغرض الذي يؤمونه من مدحه الى جهة ذمه بكونه وحيدا من المال والولد أو وحيدا من أبيه ونسبه لانه كان زنيما وهو من ألحق بالقوم وليس منهم كما مر أو وحيدا فى الشرارة والخباثة والدناءة وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً اى مبسوطا كثيرا وهو ما كان له بين مكة ولطائف من صنوف الأموال وقال النوري كان له ألف ألف دينار وَبَنِينَ ودادم او را پسران شُهُوداً جمع شاهد مثل قاعد وقعود وشهده كسمعه حضره اى حضورا معه بمكة يتمتع بمشاهدتهم لا يفارقونه للتصرف فى عمل او تجارة لكونهم مكفيين لوفور نعمهم وكثرة خدمهم او حضورا معه فى الاندية والمحافل لوجاهتهم واعتبارهم وكان له عشرة بنين اسلم منهم ثلاثة خالد وهشام وعمارة قاله المفسرون وأطبق المحدثون على ان الوليد بن الوليد اسلم وعمارة قتل كافرا اما يوم بدر أو فى الحبشة على يد النجاشي قال السهيلي ﵀ هم هشام بن الوليد والوليد بن الوليد وخالد بن الوليد الذي يقال له سيف الله واما غير هؤلاء ممن مات منهم على دين الجاهلية فلم نسمه وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً وبسطت له الرياسة والجاه العريض فأتممت عليه النعمة فان اجتماع المال والجاه هو الكمال عند اهل الدنيا ولذا كان يلقب ريحانة قريش والريحان نبت طيب الرائحة والولد والرزق وفى التأويلات النجمية يشير الى الوليد بن مغيرة النفس الوحيدة فى الشر والظلم والجور والجهل وكثرة اموال اعماله السيئة الذميمة وثروة أجناس أخلاقه الذميمة والى بنى اتباعه الخبيثة الخسيسة وبسطة وسلطنته ورياسته ووجاهته عند ارباب النفوس المتمردة عن أوامر الحق ونواهيه المعربدة مع الحق وأهاليه وهم القوى الطبيعية الظلمانية يعنى دعنى وإياه فانى أسلط عليه أبا بكر الخفي وعمر الروح وعثمان السر وعلى القلب حتى انهم بأنوار روحانيتهم يطمسون ظلمات نفسانيته ويغيرون على اعماله ويقتلون بنى اتباعه وشيعته ويطوون بساط سلطنته ويسدون باب بسطته ثُمَّ يَطْمَعُ يرجو أَنْ أَزِيدَ على ما أوتيه من المال والولد وثم استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه اما لانه لا مزيد على ما أوتيه سعة وكثرة يعنى انه اوتى غاية ما اوتى عادة لامثاله او لانه مناف لما هو عليه من كفران النعم ومعاندة المنعم اى لا يجمع له بعد اليوم بين الكفر والمزيد من النعم كَلَّا ردع وزجر له عن طمعه الفارغ وقطع لرجائه الخائب فيكون متصلا بما قبله إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً يقال عند خالف الحق ورده عارفا به فهو عنيد وعاند يعنى منكر وستيزه كننده. والمعاندة المفارقة والمجانبة والمعارضة بالخلاف كالعناد والعنيد هنا بمعنى المعاند كالجليس والاكيل والعشير بمعنى المجالس والمؤاكل والمعاشر وهو تعليل لما قبله على وجه الاستئناف التحقيقى فان معاندة آيات المنعم وهى الآيات القرآنية مع وضوحها وكفران له مع سبوغها مما يوجب حرمانه بالكلية وانما اوتى ما اوتى استدراجا وتقديم لآياتنا على متعلقه وهو عنيدا يدل على التخصيص فتخصيص العناد بها مع كونه
стр. 4787
تاركا للعناد فى سائر الأشياء يدل على غاية الخسران قيل ما زال بعد نزول هذه الآية فى نقصان من ماله حتى هلك وهو فقير
آنكس كه نصيحت ز عزيزان نكند كوش ... بسيار بخايد سر انگشت ندامت
سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً قال الراغب رهقه الأمر غشيه بقهر يقال رهقته وأرهقته مثل ردفته وأردفته وتبعته واتبعته ومنه ارهقت الصلاة اى أخرتها حتى غشى وقت الاخرى والصعود العقبة الشاقة ويستعار لكل مشاق وهو مفعول ثان لأرحق وفى بعض التفاسير صعودا اما فعول بمعنى فاعل يستوى فيه المذكر والمؤنث مثل عقبة كؤود فيكون من قبيل تسمية المحل باسم الحال أو بمعنى مفعول من صعده وهو الظاهر فيكون تذكيره اما باعتبار كون موصوفه طريقا او باتباع مثل كؤود والمعنى سأكلفه كرها بدل ما يطمعه من الزيادة ارتقاء عقبة شاقة المصعد على حذف المضاف بحيث تغشاه شدة ومشقة من جميع الجوانب على ان يكون الارهاق تكليف الشيء العظيم المشقة بحيث تغشى المكلف شدته ومشقته من جميع الجوانب وقال الغزالي ﵀ حالة تصعد فيها نفسه للنزع وان لم يتعقبه موت انتهى وهو مثال لما يلقى من العذاب الصعب الذي لا يطاق ويجوز أن يحمل على حقيقته كما قال ﵇ الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوى كذا ابدا. يعنى بر بالاى آن نتوان رفت او را در زنجيرهاى آتشين كشيده از پيش مى كشند واز عقب كرزهاى آتشين كشيده از پس مى كشند واز عقب كرزهاى آتشين ميزنند تا بر آنجا ميرود در هفتاد سال وباز كشتن وزير افتادن او همچنين است. قوله سبعين خريفا اى سبعين عاما لان الخريف آخر السنة فيه تتم الثمار وتدرك فصار بذلك كأنه العام كله وهذا كما تسمى العلة الصورية علة تامة لذلك قال فى القاموس الخريف كأمير ثلاثة أشهر بين القيظ والشتاء تخترف فيها الثمار اى تجتنى وعنه ﵇ يكلف ان يصعد عقبه فى النار كلما وضع يده عليها ذابت فاذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت فاذا رفعها عادت إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ تعليل للوعيد واستحقاقه له من التفكير بمعنى التفكر والتأمل كما قال فى تاج المصادر التفكير انديشه كردن. والتقدير اندازه وتهيئه كردن. اى فكر ماذا يقول فى حق القرآن وشأنه من جهة الطعن وقدر فى نفسه ما يقوله وهيآه فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ تعجيب من تقديره وأصابته فيه الغرض الذي كان ينتحيه قريش قاتلهم الله او ثناء عليه بطريق الاستهزاء به على معنى ان هذا لذى ذكره وهو كون القرآن سحرا فى غاية الركاكة والسقوط او حكاية لما ذكروه من قولهم قتل كيف قدر تهكما بهم وباعجابهم بتقديره واستعظامهم لقوله ومعنى قولهم قتله الله ما اشجعه وأخزاه الله ما أشعره الاشعار بانه قد بلغ من الشجاعة والشعر مبلغا حقيقا بأن يدعو عليه حاسده بذلك وقد سبق فى قاتلهم الله فى المنافقين مزيد البيان (روى) ان الوليد مر بالنبي ﵇ وهو يقر أحم السجدة وفى بعض التفاسير فواتح سورة حم المؤمن فقال لبنى مخزوم والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن ان له لحلاوة وان عليه لطلاوة اى حسنا وبهجة وقبولا وان أعلاه لمثمر وان
стр. 4788
أسفله لمغدق اى كثير الماء شبه القرآن بالشجرة الغضة الطرية التي استحكم أصلها بكثرة الماء وأثمرت فروعها فى السماء واثبت له أعلى وأسفل ولأعلاه الأثمار ولأسفله الاغداق على طريق التخييل (قال الكاشفى) مر او را حلاوتى وعذوبتى هست كه هيچ سخن را نباشد وبروى طراوتى وتازكى هست كه هيچ حديثى را نبود اعلاى آن نهال مثمر سعادات كليه وأسفل اين شجره طيبه عروق فضائل وحكم عليه است. ثم قال الوليد وانه يعلو ولا يعلى فقالت قريش صبأ والله الوليد اى مال عن دينه وخرج الى دين غيره والله لتصبأن قريش كلهم اى بمتابعته لكونه رئيس القوم فقال ابن أخيه أبو جهل أنا أكفيكموه فقعد عنده حزينا وكلمه ما أحماه اى أغضبه. يعنى كفت كه قريش ميكويند تو سخنان محمد را ﵇ پسند ميدهى وآنرا بزرك ميدارى وثنا ميكويى تا از فضله طعام ايشان بهره بردارى اگر چنين است تا همه قريش فراهم شوند وترا كفايتى حاصل كنند تا از طعام ايشان بى نياز شوى وليد اين سخن از ابو جهل بشنيد در خشم شد كفت الم تعلم قريش انى من أكثرهم مالا وولدا واين اصحاب محمد خود هركز از طعام سير نشوند واز فقر وفاقه نياسايند چهـ صورت بندد كه ايشانرا فضله طعام بود تا بديگرى دهند پس هر دو برخاستند وبر انجمن قريش شادند وليد كفت شما كه قريش ايد بدانيد كه حال وكار اين محمد در عرب منتشر كشت وموسم حج نزديكست كه عرب مى آيند واز حال وى پرسند جواب ايشان چهـ خواهيد داد. تزعمون انه مجنون فهل رأيتموه يخنق لان العرب كانت تعتقد ان الشيطان ويخنق المجنون ويتخبطه وتقولون انه كاهن فهل رأيتموه يتكهن وتزعمون انه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط وتزعمون انه كذاب فهل جربتم عليه شيأ من الكذاب فقالوا فى كل ذلك اللهم لاثم قالوا فما هو وما تقول فى حقه ففكر فقال ما هو الا ساحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل واهله وولده ومواليه وما الذي يقوله الا سحر يأثره عن اهل بابل فارتج النادي فرحا وتفرقوا معجبين بقوله متعجبين منه راضين به ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ تكرير للتعجب للمبالغة فى التشتيع وثم للدلالة على ان النكرة الثانية فى التعجيب ابلغ من الاولى اى للتراخى بحسب الرتبة وان اللائق فى شأنه ليس الا هذا القول دعاء عليه وفيما بعد على أصلها من الترخى الزمانى ثُمَّ نَظَرَ اى فى القرآن مرة بعد مرة وتأمل فيه ثُمَّ عَبَسَ فقلت وجه يعنى روى فاهم در كشيد وترش كرفت.
لانه لم يجد فيه مطعنا ولم يدر ماذا يقول وَبَسَرَ اتباع لعبس قال سعدى المفتى لكن عطف الاتباع على المتبوع غير معروف والظاهر ان كلا منهما له معنى مغاير لمعنى الآخر فعبس بمعنى قطب وجهه وبسر بمعنى قبض ما بين عينيه من السوء واسود وجهه منه ذكره الحلبي والعدة عليه وقال الراغب البسر الاستعجال بالشيء قبل أوانه نحو ابسر الرجل حاجته طلبها فى غير أوانها وقوله ثم عبس وبسر اى اظهر العبوس قبل أوانه وفى غير وقته انتهى ثُمَّ أَدْبَرَ عن الحق وَاسْتَكْبَرَ عن اتباعه فَقالَ عقيب توليه عن الحق إِنْ نافية بمعنى ما لذا أورد الا بعدها هذا الذي يقوله محمد ﵇ اى القرآن
стр. 4789
إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ اى يروى ويتعلم من الغير وليس هو من سحره بنفسه يقال اثرت الحديث آثره اثرا إذا حدثت به عن قوم فى آثارهم اى بعد ما ماتوا هذا هو الأصل ثم كان بمعنى الرواية عمن كان وحديث مأثور اى منقول ينقله خلف عن سلف وادعية مأثورة اى مروية عن الأكابر وفى تعلم السحر لحكمة رخصة واعتقاد حقيته والعمل به كفر كما قيل (عرفت الشر لا للشر لكنى لتوقيه. ومن لم يعرف الشر من الناس يقع فيه) وقد سبق معناه وما يتعلق به فى مواضعه إِنْ هذا ما هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ تأكيد لما قبله ولذا اخلى عن العاطف قاله تمردا وعنادا لا على سبيل الاعتقاد لما روى قبل انه أقر بأن القرآن ليس من كلام الانس والجن وأراد بالبشر يسارا وجبرا وأبا فكيهة اما الأولان فكانا عبدين من بلاد فارس وكانا بمكة وكان النبي ﵇ يجلس عندهما واما أبو فكيهة فكان غلاما روميا يتردد الى مكة من طرف مسيلمة الكذاب فى اليمامة سَأُصْلِيهِ سَقَرَ اى ادخله جهنم لما قال فى الصحاح سقر اسم من اسماء النار وقال ابن عباس رضى الله عنهما اسم للطبقة السادسة من جهنم يقال سقرته الشمس إذا آذته وآلمته وسميت سقر لايلامها قوله سأصليه سقر بدل من سارهقه صعود أبدل الاشتمال سوآء جعل مثلا لما يلقى من الشدائد أو اسم جبل من نار لان سقر تشتمل على كل منهما وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ما الاولى مبتدأ وادراك خبره وما الثانية خبر لقوله سقر لانها المفيدة لما قصد افادته من التهويل والتفظيع دون العكس كما سبق فى الحاقة والمعنى اى شىء أعلمك ما سقر فى وصفها يعنى انه خارج عن دائرة ادراك العقول ففيه تعظيم لشأنه لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ بيان لوصفها وحالها وانجاز للوعد الضمنى الذي يلوح به وما ادراك ما سقر أي لا تبقى شيأ يلقى فيها الا أهلكته بالإحراق وإذا هلك لم تذره هالكا حتى يعاد خلقا جديدا وتهلكه إهلاكا ثانيا وهكذا كما قال تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها اولا تبقى على شىء اى لا تترحم عليه ولا تدعه من الهلاك بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة لانها خلقت من غضب الجبار قال فى تهذيب المصادر الإبقاء باقى كردن ونيز شفقت بردن. وقيل لا تبقى حيا ولا نذر ميتا كقوله تعالى ثم لا يموت فيها ولا يحيى لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ يقال لاحت النار الشيء إذا أحرقته وسودته ولاحه السفر او العطش اى غيره وذلك ان الشيء إذا كان فيه دسومة فاذا احرق اسود والبشر جمع بشرة وهى ظاهر جلد الإنسان اى مغيرة لأعلى الجلد وظواهره مسودة لها قيل تلفح الجلد لفسحة فتدعه أشد سوادا من الليل فان قلت لا يمكن وصفها بتسويد البشرة مع قوله لا تبقى ولا تذر قلت ليس فى الآية دلالة على انها تفنى بالكلية مع انه يجوز ان يكون الافناء بعد التسويد وقيل لامحة للناس على ان لواحة اسم فاعل من لاح يلوح اى ظهر وأن البشر بمعنى الناس قيل انها تلوح للبشر من مسيرة خمسمائة عام فهو كقوله تعالى ويرزت الجحيم لمن يرى فيصل الى الكافر سمومها وحرورها كما يصل الى المؤمن ريح الجنة ونسيمها من مسيرة خمسمائة عام عَلَيْها اى على سقر تِسْعَةَ عَشَرَ اى ملكا يتولون أمرها ويتسلطون على أهلها وهم مالك وثمانية عشر معه أعينهم كالبرق
стр. 4790
الخاطف وأنيابهم كالصياصى وأشعارهم تمس أقدامهم بخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبى أحدهم مسيرة سنة نزعت منهم الرأفة والرحمة يأخذ أحدهم سبعين ألفا فى كفه ويرميهم حيث أراد من جهنم قيل هذه التسعه عشر عد الرؤساء والنقباء واما جملة أشخاصهم فكما قال تعالى وما يعلم جنود ربك الا هو فيجوز أن يكون لكل واحد منهم أعوان لا تعد ولا تحصى ذكر ارباب المعاني والمعرفة فى تقدير هذا العدد وتخصيصه وجوها (منها ان سبب فساد النفس الانسانية فى قوتها النظرية والعملية هو القوى الحيوانية والطبيعية فالقوى الحيوانية هى الخمس الظاهرة والخمس الباطنة والشهوة والغضب ومجموعها اثنتا عشرة واما القوى الطبيعية فهى الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة فالمجموع تسع عشرة قال ابن الشيخ والمراد
بالقوى الحيوانية القوى التي تختص بالحيوان من بين المواليد الثلاثة الحيوان والنبات والمعدن وهى قسمان مدركة وفاعله فالاركة اى ما لها مدخل فى الإدراك بالمشاهدة والحفظ عشر وهى الحواس لخمس الظاهرة والخمس الباطنة والفاعلة اى مالها مدخل فى الفعل اما باعثة او محركة وهما اثنتان الشهوة والغضب والقوى الطبيعية هى القوى التي لا تختص بالحيوان بل توجد فى النبات ايضا وهى سبع ثلاث منها مخدومة وهى الغاذية والنامية والمولدة واربع منها خوادم وهى الجاذبة والهاضمة والماسكة والدافعة فلما كان منشأ الآفات هو هذه القوى التسع عشرة كان عدد الزبانية هكذا قال سعدى المفتى وأنت خبير بأن اثبات هذه القوى بناؤه على الأصول الفلسفية ونقى الفاعل المختار فيصان تفسير كلام الله عن أمثاله اى وان ذكرها الامام فى التفسير الكبير وتبعه من بعده وقال ايضا والحق ان يحال علمه الى الله تعالى فالعقول البشرية قاصرة عن ادراك أمثاله انتهى ويرده ما قال الامام السهيلي فى الأمالي ان النكتة التي من أجلها كانوا تسعة عشر عددا ولم يكونوا اكثرأ وأقل فلعمرى ان فى الكتاب والسنة لدليلا عليها واشارة إليها ولكنها كالسر المكنون والناس اسرع شىء الى انكار ما لم يألفوه وتزييف ما لم يعرفوه ولا يؤمن فى نشرها وذكرها سوء التأويل لقصور اكثر الافهام عن الوعى والتحصيل مع قلة الانصاف فى هذا الجبل انتهى (ومنها ان أبواب جهنم سبعة سنة منها للكفار وواحد للفساق ثم ان الكفار يدخلون النار لأمور ثلاثة ترك الاعتقاد وترك الإقرار وترك العمل فيكون لكل باب من تلك الأبواب السنة ثلاثة فالمجموع ثمانيه عشر واما باب الفساق فليس هناك الا ترك العمل فالمجموع تسعة عشر (ومنها ان الساعات اربع وعشرون خمس منها مشغولة بالصلوات الخمس فيبقى منها تسع عشرة مشغولة بغير العبادة مصروفة الى ما يؤاخذ به بأنواع العذاب يعنى انه لم يخلق فى مقابلة الخمس التي جعلت مواقيت الصلاة زبانية تكريما لها فلا يلزم الاختصاص بالمصلين من عصاة المؤمنين كما فى حواشى سعدى المفتى فلا جرم صار عد الزبانية تسعه عشر ومنها انه تعالى حفظ جهنم بما حفظ به الأرض من الجبال وهى مائة وتسعون أصلها تسعة عشر (ومنها ان المدبرات للعالم النجوم السيارة وهى سبعة والبروج الاثنا عشر الموكلة بتدبير العالم السفلى المؤثرة فيه تقمعهم بسياط التأثير وترديهم فى مهاويها) ومنها ما قال السجاوندى فى عين
стр. 4791
المعاني قد تكلموا فى حكمة العدد على انه لا تطلب للاعداد العلل فان التسعة اكثر الآحاد والعشرة اقل العشرات فقد جمع بين اكثر القليل واقل الكثير يعنى ان التسعة عشر عدد جامع بينهما فلهذا كانت الزبانية على هذا العدد (ومنها ما قال فى كشف الاسرار ان قوله بسم الله الرحمن الرحيم) تسعة عشر حرفا وعدد الزبانية تسعة عشر ملكا فيدفع المؤمن بكل حرف منها واحدا منهم وقد سبقت رحمته غضبه ومنها ما لاح لهذا الفقير قبل الاطلاع على ما فى كشف الاسرار وهو أن عدد حروف البسملة تسعة عشر (كما قال المولى الجامى)
نوزده حرفست كه هـژده هزار ... عالم ازو يافته فيض عميم
ولما كانت البسملة آية الرحمة والكفار والفساق لم يقبلوه هذه الآية حيث سلكوا سبيل الكفر والمعاصي خلق الله فى مقابلة كل حرف منها ملكا من الغضب والجلال وجعله آية الغضب كما جعل خازن الجنة آية الرحمة دل على ما قلنا قوله ﵇ يسلط على الكافر فى قبره تسعة وتسعون تنينا وهو اكبر الحيات بالفارسية اژدر. فى فمه أنياب مثل أسنة الرماح وهو طويل كالنخلة السحوق أحمر العينين مثل الدم واسع الفم والجوف يبتلع الإنسان والحيوان وسره انه كفر بالله وبأسمائه الحسنى التي هى تسعة وتسعون فاستحق ان يسلط عليه تسعة وتسعون تنينا بعد دها فى قبره الذي هو حفرة من حفر النيران فلا يلزم ان يسلط عليه ذلك العدد فى النار فالتسع عدد القهر والحصر والانقراض لانه ينقرض عن اهل النار امداد الرحمة الرحيمية (ومنها ما فى التأويلات النجمية من ان اختلال النفوس البشرية بحسب العمل والعلم والدخول فى جهنم البعد والطرد واللعن والحجاب والاحتجاب مترتب على موجباتها وهى تسعة غير الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة وهى الأعضاء والجوارح السبع التي ورد بها الحديث بقوله ﵇ أمرت ان اسجد على سبعة أعضاء وآراب والطبيعة البشرية المشتملة على الكل المؤثرة فى الكل بحسب الظاهر والباطن ويجوز أن تكون القوة الغضبية والشهوية بدل الطبيعة فصارا الكل تسعة عشر وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ اى المدبرين لامرها القائمين بتعذيب أهلها فأصحاب النار هنا غير اصحاب النار فى قوله تعالى لا يستوى اصحاب النار واصحاب الجنة وفى كشف الاسرار وما جعلنا خزنة اصحاب النار فخذف المضاف انتهى وفيه بعد لانهم خزنة النار لا خزنة أصحابها إِلَّا مَلائِكَةً ليخالفوا جنس المعذبين من الثقلين فلا يرقوا لهم ولا يميلوا إليهم فان المجانسة مظنة الرأفة فلذا بعث الرسول من جنسنا ليرحم بنا ولانهم أقوى الخلق وأقومهم بحق الله وبالغضب له تعالى وأشدهم بأسا وعن النبي ﵇ لقوة أحدهم مثل قوة الثقلين يسوق أحدهم الامة وعلى رقبته جبل فيرمى بهم فى النار ويرمى بالجبل عليهم ويروى انه لما نزل قوله تعالى عليها تسعة عشر قال أبو جهل لقريش أيعجز كل عشرة منكم ان يبطشوا برجل منهم فقال أبو الأسود ابن أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش والقوة حتى كان من قوته انه إذا قام على أديم واجتمع جماعة على ازالة رجلية عنه لم يقدروا عليه فكانوا يشدون الأديم حتى يتقطع قطعا ورجلاه على حالهما أنا أكفيكم سبعة عشر منهم فاكفونى أنتم
стр. 4792
اثنين فنزلت اى وما جعلناهم رجالا من جنسكم يطاقون فمن ذا الذي يغلب الملائكة والواحد منهم يأخذ أرواح جميع الخلق وللواحد منهم من القوة ما يقلب الأرض فيجعل عاليها سافلها. وتمام آدميان طاقت ديدار يك فرشته ندارند تا بمقاومت كجا بسر آيند وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اى وما جعلنا عددهم الا العدد الذي تسبب لافتتانهم ووقوعهم فى الكفر وهو التسعة عشر فعبر بالأثر عن المؤثر أي بالفتنة عن العدد المخصوص تنبيها على التلازم بينهما وحمل الكلام على هذا لان جعل من دواخل المبتدأ والخبر فوجب حمل مفعوله الثاني على الاول ولا يصح حمل افتتان الكفار على عدد الزبانية الا بالتوجيه المذكور فان عدتهم سبب للفتنة لا فتنة نفسها ثم ليس المراد مجرد جعل عددهم ذلك العدد المعين فى نفس الأمر بل جعله فى القرآن ايضا كذلك وهو الحكم بأن عليها تسعة عشر إذ بذلك يتحقق افتتانهم باستقلالهم له واستبعادهم لتولى هذا العدد القليل امر الجم الغفير واستهزائهم به حسبما ذكر وعليه يدور ما سيأتى
من استيقان اهل الكتاب وازدياد المؤمنين ايمانا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ متعلق بالجعل على المعنى المذكور والسين للطلب اى ليكتسبوا اليقين بنبوته ﵇ وصدق القرآن لما شاهدوا ما فيه موافقا لما فى كتابهم وفى عين المعاني سأل اليهود رسول الله ﷺ عن خزنة النار وعددهم فأجاب ﵇ بانهم تسعة عشر. يعنى دو بار بأصابع يدين اشارت فرمود ودر كرت دوم إبهام يمنى را إمساك فرمود وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً اى يزداد ايمانهم كيفية بما رأوا من تسليم اهل الكتاب وتصديقهم انه كذلك او كمية بانضمام ايمانهم بذلك الى ايمانهم بسائر ما انزل وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ تأكيد لما قبله من الاستيقان وازدياد الايمان فان نفى ضد الشيء بعد اثبات وقوعه ابلع فى الإثبات ونفى لما قد يعترى المستيقن والمؤمن من شبهة ما فيحصل له يقين جازم بحيث لا شك بعده وانما لم ينظم المؤمنين فى سلك اهل الكتاب فى نفى الارتياب حيث لم يقل ولا يرتابوا للتنبيه على تباين النفيين حالا فان انتفاء الارتياب من اهل الكتاب مقارن لما ينافيه من الجحود ومن المؤمنين مقارن لما يقتضيه من الايمان وكم بينهما والتعبير عنهم باسم الفاعل بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المنبئة عن الحدوث للايذان بثباتهم على الايمان بعد ازدياده ورسوخهم فى ذلك وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك او نفاق فان كلامنهما من الأمراض الباطنة فيكون أحبارا بما سيكون فى المدينة بعد الهجرة إذ النفاق انما حدث بالمدينة وكان اهل مكة اما مؤمنا حقا واما مكذبا واما شاكا وَالْكافِرُونَ المصرون على التكذيب فان قلت كيف يجوز أن يكون قولهم هذا مقصود الله تعالى قلت اللام ليست على حقيقتها بل للعاقبة فلا إشكال ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا تمييز لهذا او حال منه بمعنى ممثلا به كقوله هذه ناقة الله لكم آية اى اى شىء أراد بهذا العدد المستغرب استعراب المثل فاطلاق المثل على هذا العدد على سبيل الاستعارة حيث شبهوه بالمثل المضروب وهو القول السائر فى الغرابة حيث لم يكن عقدا تاما كعشرين او ثلاثين والاستفهام لانكار أنه من عند
стр. 4793
الله بناء على انه لو كان من عنده لما جاء ناقصا وافراد قولهم هذا بالتعليل مع كونه من باب فتنتهم للاشعار باستقلاله فى الشناعة كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ ذلك اشارة الى ما قبله من معنى الضلال اى يضل الله من يشاء إضلاله كأبى جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم وعددهم اضلالا كائنا مثل ما ذكر من الإضلال لا اضلالا أدنى منه لصرف اختياره الى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات الله الناطقة بالحق وأصله ان الله لا يضل الا بحسب الضلالة الازلية لان الضلال وصرف الاختيار الى جانبه كل منهما من مقتضى عينه الثابثة وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ هدايته كاصحاب محمد ﵇ هدايته كائنة مثل ما ذكر من الهداية لا هداية أدنى منها لصرف اختياره عند مشاهدة تلك الآيات الى جانب الهدى وحقيقته ان الله لا يهدى الا بموجب الهداية الازلية إذ الاهتداء وصرف الاختيار الى جانبه كل منهما من أحواله الازلية فلا يجوز خلافه فى عالم العين فى الابد وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ اى جموع خلقه التي من جملتها الملائكة المذكورون والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر وكل مجتمع وكل صنف من الخلق على حدة وفى الحديث ان الله جنودا منها العسل إِلَّا هُوَ لفرط كثرتها وفى حديث موسى ﵇ انه سأل ربه عن عدد اهل السماء فقال تعالى اثنا عشر سبطا عدد كل سبط عدد التراب وفى الاسرار المحدية ليس فى العالم موضع بيت ولا زاوية الا وهو معمور بما لا يعلمه الا الله والدليل على ذلك أمر النبي ﵇ بالتستر فى الخلوة وان لا يجامع الرجل امرأته عريانين وفيه اشارة الى ان الله فى اختيار عدد الزبانية حكمة والا فجنوده خارجة عن دائرة العد والضبط قال القاشاني وما يعلم عدد الجنود وكميتها وكيفيتها وحقيقتها الا هو لاحاطة علمه بالماهيات وأحوالها وفى التأويلات النجمية الا هويتة الجامعة لجميع جنود التعينات الغير المتناهية بحسب الأسماء الجزئية والجزئيات الأسماء قال بعض العارفين خلقت الملائكة على مراتب فأرواح ليس لهم عقل الا تعظيم جناب الله وليس لهم وجه مصروف الى العالم ولا الى نفوسهم قد هيمهم جلال الله واختطفهم عنهم فهم
فيه حيارى سكارى وأرواح مدبرة أجساما طبيعية ارضية وهى أرواح الأناسي وأرواح الحيوانات من جسم عنصرى طبيعى وهذه الأرواح المدبرة لهذه الأجسام مقصورة عليها مسخر بعضها لبعض كما قال تعالى ليتخذ بعضهم بعضا سخريا وأرواح اخر مسخرات لمصالحنا وهم على طبقات كثيرة فمنهم الموكل بالوحى ومنهم الموكل بالإلقاء ومنهم الموكل بالارزاق ومنهم الموكل بقبض الأرواح ومنهم الموكل بإحياء الموتى ومنهم الموكل بالاستغفار للمؤمنين والدعاء لهم ومنهم الموكل بالغراسات فى الجنة جزاء لاعمال العباد ومنهم غير ذلك واما مراتبهم وتفاوتهم ففيهم الأكبر والكبير فجبريل اكبر من عزرآئيل وميكائيل اكبر من جبريل واسرافيل اكبر من ميكائيل وقال بعضهم هذه الجنود ليست معدة للمحاربة بل هى لترتيب المملكة الظاهرة للعالم الأعلى والأسفل لانه إذا كان ما فى السموات وما فى الأرض جنوده فلمن يقاتلون فما بقي الا ان المراد بهم جنود التسخير إذ العالم كله مسخر بعضه لبعض وجمع الملائكة
стр. 4794
مسخرون لنا بأسرهم تحت أيدي اثنى عشر ملكا الذين ولاهم الله على عالم الخلق ومقرهم فى الفلك الأقصى كل وال فى برج كأبراج سور المدينة جالس على تخت وقد رفع الله الحجاب بين هؤلاء الولاة وبين اللوح المحفوظ فرأوا فيه مسطرا أسماءهم ومراتبهم وما شاء الله ان يجريه على أيديهم فى عالم الخلق الى يوم القيامة فارتقم ذلك كله فى نفوسهم وعلوه علما محفوظا لا يتبدل ولا يتغير كما علمنا نحن أسماءهم وأحوالهم من مقابلة قلوبنا للوح المحفوظ ثم ان الله جعل لكل واحد من هؤلاء الولاة حاجبين ينفذان أوامرهم الى نوابهم وجعل بين كل حاجبين سفيرا يمشى بينهما بما يلقى اليه كل واحد منهما وعين الله لهؤلاء الذين جعلهم حجابا لهؤلاء الولاة فى الفلك الثاني منازل يسكنونها وأنزلهم إليها وهى الثماني والعشرون منزلة التي تسمى المنازل التي ذكرها الله بقوله والقمر قدرناه منازل يعنى فى سيره ينزل كل يوم منزلة منها الى ان ينتهى الى آخرها ثم يدور دورة اخرى ليعلموا بسيرة وسير الشمس والخنس عدد السنين والحساب وكل شىء فصله الحق لنا تفصيلا فأسكن فى هذه المنازل هذه الملائكة وهم حجاب أولئك الولاة الذين فى الفلك ثم ان الله امر هؤلاء ان يجعلوا لهم نوابا ونقباء فى السموات السبع فى كل سماء نقيبا كالحجاب لهم لينظروا فى مصالح العالم العنصري بما يلقيه إليهم هؤلاء الولاة ويأمر ونهم به وهو قوله تعالى وأوحى فى كل سماء أمرها فجعل الله أجسام هذه الكواكب النقباء أجساما نيرة مستديرة ونفخ فيها أرواحها وأنزلها فى السموات السبع فى كل سماء واحد منهم وقال لهم قد جعلتكم تستخرجون ما عند هؤلاء الاثني عشر واليا بواسطة الحجاب الثمانية والعشرين كما يأخذ أولئك الولاة عن اللوح المحفوظ ثم جعل الله لكل نقيب من هؤلاء السبعة النقباء فلكا يسبح فيه هو له كالجواد للراكب وهكذا الحجاب لهم أفلاك يسجون فيها إذ كان لهم التصرف فى حوادث العالم والاستشراف عليه ولهم سدنة وأعوان يزيدون على الالف أعطاهم الله مراكب سماها أفلاكا فهم ايضا يسجون فيها وهى تدور بهم على المملكة فى كل يوم مرة فلا يفوتهم شىء من المملكة أصلا من ملك السموات والأرض فتدور الولاة وهؤلاء الحجاب والنقباء والسدنة كلهم فى خدمة هؤلاء الولاة والكل مسخرون فى حقنا إذ كنا نحن المقصود الأعظم من العالم كله قال تعالى وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه وسبب دوران الافلاك علينا كل يوم دورة انما هو لينظر هولاء الولاة فيما تدعو حاجة الخلق اليه من الأمور فيسدوا خللهم وينفذوا احكام الله فيهم من كونه مريدا فى خلقه لا من كونه آمرا اليه فينفذون الاقدار فيهم فى ازمان مختلفة وكما جعل الله زمام هذه الأمور بأيدى هؤلاء الجماعة من الملائكة واقعد منهم من اقعد فى برجه ومسكنه الذي فيه تخت ملكه وانزل من انزل من الحجاب والنقباء الى منازلهم فى سمواتهم كذلك جعل فى كل سماء ملائكة مسخرة وجعلهم على طبقات فمنهم اهل العروج بالليل والنهار من الحق إلينا ومنا الى الحق فى كل صباح ومساء ولا يقولون الا خيرا فى حقنا ومنهم المستغفرون لمن فى الأرض ومنهم المستغفرون للمؤمنين لغلبة الغيرة الالهية عليهم كما غلبت الرحمة على
стр. 4795
المستغفرين لمن فى الأرض ومنهم الموكلون بايصال الشرائع ومنهم الموكلون بالممات ومنهم الموكلون بالإلهام وهم الموصلون العلوم الى القلوب ومنهم الموكلون بالأرحام بتصوير ما يكون لله فى الأرحام ومنهم الموكلون بنفخ الأرواح ومنهم الملائكة التسعة عشر الموكلون بالفشاعة لمن دخل النار ومنهم الموكلون بالأرزاق ومنهم الموكلون بالامطار ومنهم الصافات والزاجرات والتاليات والمقسمات والمرسلات والناشرات والنازعات والناشطات والسابقات والسابحات والملقيات والمدبرات ولذلك قالوا وما منا الا له مقام معلوم فما من حادث بحدثه الله فى العالم الا وقد وكل الله بإجرائه الملائكة ولكن بأمر هؤلاء الولاة من الملائكة فلا يزالون تحت سلطانهم إذ هم خصائص الله ثم ان العامة ما تشهد من هؤلاء الملائكة الا منازلهم التي هى اجرام الكواكب ولا تشهد اعيان الحجاب ولا النقباء واما اهل الكشف فيشهدونهم فى منازلهم عيانا. ثم اعلم ان الله قد جعل فى هذا العالم العنصري خلقا من جنسهم ولاة عليهم نظير العالم العلوي فمنهم الرسل والخلفاء والسلاطين والملوك وولاة امور جميع العالم من القضاة واضرابهم ثم جعل بين أرواح هؤلاء الولاة الذين هم فى الأرض والولاة الذين هم فى السموات مناسبات ودقائق تمتد إليهم بالعدل مطهرة من الشوائب مقدسة عن العيوب فيقبل هؤلاء الولاة الارضيون منهم بحسب استعدادتهم فمن كان استعداده حسنا قويا قبل ذلك الأمر على صورته طاهرا مطهرا فكان والى عدل وامام فضل ومن كان استعداده رديئا قبل ذلك الأمر الطاهر ورده الى شكله من الرداءة والقبح والجور فكان والى جور ونائب ظلم وبخل فلا يلومن الا نفسه فهذه أمهات مراتب حكام العالم اصحاب المراتب على سبيل الإجمال واما لرعية فلا يحصى عددهم الا الله ولله تعالى فى الأرض ملائكة لا يصعدون الى السماء أبدا وملائكة فى السماء لا ينزلون الى الأرض أبدا كل قد علم صلاته وتسبيحه بالهام من الله تعالى كذا فى كتاب الجواهر للامام الشعراني ﵀ وَما هِيَ اى سقر وذكر صفتها إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ الا تذكرة وعظة وإنذار لهم بسوء عاقبة الكفر والضلال وتخصيص الانس مع انها تذكرة للجن ايضا لانهم هم الأصل فى القصد بالتذكرة او وما عدة الخزنة الا تذكرة لهم ليتذكروا ويعلموا ان الله قادر على ان يعذب الكثير الغير المحصور من كفار الثقلين وعصاتهم بهذا العدد بل هو لا يحتاج فى ذلك الى أعوان وأنصار أصلا فانه لو قلب شعرة واحدة فى عين ابن آدم او سلط الألم على عرق واحد من عروق بدنه لكفاه ذلك بلاء ومحنة وانما عين العدد وخلق الجنود لحكمة لا لاحتياج ويجوز أن يعود الضمير الى الآيات الناطقة بأحوال سقر فانها تذكرة لاشتمالها على الانذار كَلَّا ردع لمن أنكر سقر أي ارتدع عن إنكارها فانها حق او انكار ونفى لان تكون لهم تذكرة فان كونها ذكرى للبشر لا ينافى ان بعضهم لا يتذكرون بل يعرضون عنها بسوء اختيارهم ألا يرى الى قوله تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين وَالْقَمَرِ مقسم به مجرور بواو القسم يعنى وسوكند بماه كه معرفت اوقات وآجال بوى باز بسته است. وفى فتح الرحمن تخصيص تشريف وتنبيه على النظر فى عجائبه وقدرته فى حركاته
стр. 4796
المختلفة التي هى مع كثرتها واختلافها على نظام واحد لا يختل وقال أبو الليث وخالق القمر يعنى الهلال بعد ثالثه وَاللَّيْلِ معطوف على القمر وكذا الصبح يعنى وبحرمه شب إِذْ بسكون الذال وهو ظرف لما مضى من الزمان أَدْبَرَ على وزن افعل اى انصرف وذهب فان الأدبار نقيض الإقبال وَالصُّبْحِ قال فى القاموس الصبح الفجر او أول النهار والجمع وا صباح وفى المفردات الصبح والصباح أول النهار وهو وقت ما احمر الأفق بحاجب الشمس إِذا ظرف لما يستقبل من الزمان واتفقوا على إذا هاهنا نظرا الى تأخره عن الليل من وجه أَسْفَرَ اى ضاء وانكشف فان الاسفار بالفارسية روشن شدن. قال الراغب السفر كشف الغطاء ويختص ذلك بالأعيان نحو سفر العمامة عن الرأس والخمار عن الوجه والاسفار يختص باللون نحو والصبح إذا اسفر اى أشرق لونه ووجهه وأسفروا بالفجر تؤجروا من قولهم أسفرت اى دخلت فيه نحو أصبحت وفى قوت القلوب الفجر الثاني هو انشقاق شفق الشمس وهو بريق بياضها الذي تحت الحمرة وهو الشفق الثاني على ضد غروبها لان شفقها الاول من العشاء هو الحمرة بعد الغروب وبعد الحمرة البياض وهو الشفق الثاني من أول الليل وهو آخر سلطان شعاع الشمس وبعد البياض سواد الليل وغسقه ثم ينقلب ذلك على الضد فيكون بعده طلوعها الشفق الاول وهو البياض وبعده الحمرة وهو شفقها الثاني وهو أول سلطانها من آخر الليل وبعده طلوع قرص الشمس فالفجر هو انفجار شعاع الشمس من الفلك الأسفل إذا ظهرت على وجه ارض الدنيا يستر عينها الجبال والبحار والأقاليم المشرفة العالية ويظهر شعاعها منتشرا الى وسط الدنيا عرضا مستطيرا انتهى (قال الكاشفى) اقسم بالقمر اى بالقلب المستعد الصافي القابل للانذار المتعظ به المنتفع بتذكره تعظيما وبليل ظلمه النفس إذ أدبر أي ذهب بانقشاع ظلمتها عن القلب باشراق نور الروح عليه وتلالى طوالعه وبصبح طلوع ذلك إذا اسفر فزالت الظلمة بكليتها وتنور القلب انتهى فظهر من هذا حسن موقع ذكر القمر والليل والصبح فى مقام ذكر سقر ودواهيها لان سقر اشارة الى الطبيعة وجهنم النفس إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ جواب للقسم والكبر جمع الكبرى جعت الف التأنيث كتائه وألحقت بها فكما جمعت فعلة على فعل كركبة وركب جمعت فعلى عليها والا ففعلى لا تجمع على فعل بل على فعالى كحبلى وحبالى والمعنى ان سقر لاحدى البلايا او لاحدى الدواهي الكبر الكثيرة وهى اى سقر واحدة فى العظم لا نظيرة لها كقولك انه أحد الرجال هذا إذا كان منكر السقر وان كان منكرا لعدة الخزنة فالمعنى انها من احدى الحجج اكبر نذيرا من قدرة الله على قهر العصاة من لدن آدم ﵇ الى قيام الساعة من الجن والانس حيث استعمل على تعذيبهم هذا العدد القليل وان كان منكر الآيات فالمعنى انها لاحدى الآيات الكبر نَذِيراً لِلْبَشَرِ تمييز من نسبة احدى الكبر الى اسم ان لان معناه انها من معظمات الدواهي التي خلقها الله للتعذيب فيصح ان ينتصب منه التمييز كما تقول هى احدى النساء عفافا والنذير مصدر كالنكير والمعنى لاحدى الكبر انذارا اى من جهة الانذار أول مما دلت
стр. 4797
عليه الجملة اى معنى قوله انها لاحدى الكبر أي كبرت مندرة وحذف التاء مع ان فعيلا بمعنى فاعل يفرق فيه بين المذكر والمؤنث لكون ضمير انها فى تأويل العذاب او لكون النذير بمعنى ذات إنذار على معنى النسب كقولهم امرأة ظاهر اى ذات طهارة لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ بدل من للبشر باعادة الجار وان يتقدم مفعول شاء ومنكم حال من من اى نذيرا لمن شاء منكم ان يسبق الى الخير والجنة والطاعة فيهديه الله او لم يشأ ذلك ويتأخر بالمعصية فيضله وفيه اشارة الى ان لكسب العبد دخلا فى حصول المرحومية والمحرومية وفى التأويلات النجمية اقسم بنور قمر الشريعة الزهراء وبظلمة ليل الطبيعة الظلماء وبصبح الحقيقة البيضاء حين غلبت على غلس الطبيعة ان الجبود مظاهر احدى هذه المراتب الكلية الكبرى اما اهل الشريعة واما اهل الحقيقة واما اهل الطبيعة وقوله نذيرا للبشر اى جعلنا الحصر فى المراتب الثلاث الكلية ليتنبه الإنسان ويحترز أن يكون من اهل الانذار لمن شاء منكم ان يتقدم الى مقام الشريعة او يتأخر الى مقام الطبيعة ولما كان مقام الحقيقة أعلى المراتب ولم يصل اليه الا النذر من الكمل اعرض عن ذكره انتهى ويجوز أن يكون اهل الحقيقة داخلا فى ان يتقدم لانه واهل الشريعة كل منهما من المتقدمين وان كان بينهما فرق فى التقدم وتفاوت فى السير والمسارعة والحاصل الا اهل ان ستعداد تقدموا باكتساب الفضائل والخيرات والكمالات الى مقام القلب والروح والسر واما غيرهم فتأخروا بالميل الى البدن وشهواته ولذاته فوقعوا فى ورطة الطبيعة كُلُّ نَفْسٍ من نفوس الانس والجن المكلفين بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ مرهونة عند الله بكسبها محبوسة ثابتة وفى بعض التفاسير بسبب ما كسبت من الأعمال السيئة من رهن الشيء اى دام وثبت وارهنته اى تركته مقيما عنده وثابتا والرهن ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك والمرتهن هو الذي يأخذ المرهون ونفس المكلف محبوسة ثابتة عند الله بما أوجبه عليه من التكاليف التي هى حق خالص له تعالى فان أداها المكلف كما وجبت عليه فك رقبته وخلص نفسه والا بقيت نفسه مرهونة محبوسة عنده وقال بعضهم الرهينة اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم على ان تكون التاء للنقل من الوصفية الى الاسمية وفى فتح الرحمن للمبالغة او على تأنيث اللفظ لا على معنى الإنسان ونحوه وليس اى الرهينة صفة والا لقيل رهين لان فعيلا بمعنى مفعول لا تدخله التاء بل يستوى فيه المذكر والمؤنث الا ان يحمل على ما هو بمعنى الفاعل فانه يؤتى فى مؤنثه بالتاء كما فى عكسه فى قوله تعالى ان رحمة الله قريب من المحسنين قال الراغب قيل فى قوله كل نفس بما كسبت رهينة انه فعيل بمعنى فاعل اى ثابتة مقيمة وقيل بمعنى مفعول اى كل نفس مقامة فى جزاء ما قدم من عملها ولما كان الرهن يتصور من حبسه استعير ذلك للمحتبس اى شىء كان إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ استثناء متصل من كل نفس لكثرتها فى المعنى واصحاب اليمين اهل الأعمال الصالحة من المؤمنين اى فانهم فاكون رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم كما يفك الراهن رهنه بأداء الدين قال القاشاني كل نفس بمكسوبها رهن عند الله لا فكاك لها لاستيلاء هيئات أعمالها وآثار افعالها عليها ولزومها إياها وعدم انفكاكها
стр. 4798
عنها الاصحاب اليمين من السعداء الذين تجردوا عن الهيئات الجسدانية وخلصوا الى مقام الفطرة ففكوا رقابهم من الرهن فِي جَنَّاتٍ كأنه قيل ما بال اصحاب اليمين فقيل هم فى جنات لا يكتنه كنهها ولا يوصف وصفها كما دل عليه التنكير والمراد ان كلا منهم ينال جنة منها يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ تفاعل هنا بمعنى فعل اى يسألون المجرمين عن أحوالهم وقد حذف المسئول لكونه عين المسئول عنه ولدلالة ما بعده عليه (يروى) ان الله يطلع اهل الجنة وهم فى الجنة حتى يرون اهل النار وهم فى النار فيسألونهم ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ مقدر بقول هو حال مقدرة من فاعل يتساءلون اى قائلين اى شىء أدخلكم فيها وكان سببا لدخولكم من سلكت الخيط فى الابرة سلكا اى أدخلته فيها فهو من السلك بمعنى الإدخال لا من السلوك بمعنى الذهاب فان قلت لم يسألونهم وهم عالمون بذلك قلت توبيخا لهم وتحسيرا ولتكون حكاية الله ذلك فى كتابه تذكرة للسامعين قرأ ابو عمر وسلكم بإدغام الكاف فى الكاف والباقون بالإظهار قالُوا اى المجرمون مجيبين للسائلين لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ للصلوات الواجبة فعدم إقرارنا بفرضية الصلاة وعدم ادائها سلكنا فيها أصله نكن حذف النون للتخفيف مع كثرة الاستعمال وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ على معنى استمرار نفى الإطعام لا على نفى استمرار الإطعام والمراد ايضا الإطعام الواجب والا فما ليس بواجب من الصلاة والإطعام لا يجوز التعذيب على تركه وكانوا يقولون أنطعم من لو يشاء الله أطعمه فكانوا لا يرحمون المساكين بالاطعام ولا يحضون عليه ايضا كما سبق ففيه ذم للبخل ودلالة على ان الكفار مخاطبون بالفروع فى حق المؤاخذة قال فى التوضيح الكفار مخاطبون بالايمان والعقوبات والمعاملات اجماعا اما العبادات فهم مخاطبون بها فى حق المؤاخذة فى الآخرة اتفاقا ايضا لقوله تعالى ما سلككم فى سقر الآيات اما فى حق وجوب الأداء فمختلف فيه قال العراقيون من مشايخنا نعم وقال مشايخ ديارنا لا وفى بعض التفاسير وللحنفى ان يقول هذا انما هو تأسف منهم على تفريطهم فى كسب الخير وحرمانهم مما ناله المصلون والمزكون من المؤمنين ولا يلزم من ذلك ان يكونوا مأمورين بالعمل قبل الايمان وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ اى نشرع فى الباطل مع الشارعين فيه والمراد بالباطل ذم النبي ﵇ وأصحابه رضى الله عنهم وغببتهم وقولهم بانه شاعر او ساحر او كاهن وغير ذلك والخوض فى الأصل بمعنى الشروع مطلقا فى اى شىء كان ثم غلب فى العرف بمعنى الشروع فى الباطل والقبيح وما لا ينبغى وفى الحديث اكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم خوضا فى معصية الله وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ اى بيوم الجزاء أضافوه الى الجزاء مع ان فيه من الدواهي والأهوال ما لا غاية له لانه ادهاها وانهم ملابسوه وقد مضت بقية الدواهي وتأخير جنايتهم هذه مع كونها أعظم من الكل إذ هو تكذيب القيامة وإنكارها كفر والأمور الثلاثة المتقدمة فسق لتفخيمها والترقي من القبيح الى القبيح كأنهم قالوا وكنا بعد ذلك كله مكذبين بيوم الدين ولبيان كون تكذيبهم به مقارنا لسائر جناياتهم المعدودة مستمرا الى آخر عمرهم حسبما ينطق به قولهم حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ اى الموت ومقدماته فانه امر متيقن لا شك فى إتيانه وبالفارسية
стр. 4799
تفد بما مرك ومقدمات او بر همان حال مرديم. فان قلت أيريدون ان كل واحد منهم بمجموع هذه الأربع دخل النار أم دخلها بعضهم بهذه وبعضهم بهذه قلت يحتمل الامرين جميعا كما فى الكشاف وفيه اشارة الى ان بقاءهم فى سقر الطبيعة انما كان بسبب هذه الرذائل والذمائم فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ من الأنبياء والملائكة وغيرهم اى لو قدر اجتماعهم على شفاعتهم على سبيل فرض المحال لا تنفعهم تلك الشفاعة فليس المراد أنهم يشفعون لهم ولا تنفعهم شفاعتهم إذا الشفاعة يوم القيامة موقوفة على الاذن وقابلية المحل فلو وقعت من المأذون للقابل قبلت والكافر ليس بنا بل لها فلا اذن فى الشفاعة له فلا شفاعة ولا نفع فى الحقيقة وفيه دليل على صحة الشفاعة ونفعها يومئذ لعصاة المؤمنين والا لما كان لتخصيصهم بعدم منفعة الشفاعة وجه قال ابن مسعود رضى الله عنه تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى فى النار الا اربعة ثم تلا قوله قالوا لم نك من المصلين الى قوله بيوم الدين وقال ابن عباس رضى الله عنهما ان محمدا ﵇ يشفع ثلاث مرات ثم تشفع الملائكة ثم الأنبياء ثم الآباء ثم الأبناء ثم يقول الله بقيت رحمتى ولا يدع فى النار الا من حرمت عليه الجنة ويقول الرجل من اهل النار لواحد من اهل الجنة يا فلان اما تعرفنى أنا الذي سقيتك شربة ويقول آخر أنا الذي وهبت لك وضوأ ويقول آخر أطعمتك لقمة وآخر كسونك خرقة وعلى هذا فيشفع له فيدخله الجنة اما قبل دخول النار او بعده فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ الفاء لترتيب أنكال اعراضهم عن القرآن بغير سبب على ما قبلها من موجبات الإقبال عليه والاتعاظ به من سوء حال المكذبين ومعرضين حال من الضمير فى الجار الواقع خبرا لما الاستفهامية وعن متعلقة به اى فاذا كان حال المكذبين به على ما ذكر فأى شىء حصل لهم معرضين عن القرآن مع تعاضد موجبات الإقبال عليه وتأكد الدواعي للايمان به وفى كشف الاسرار پس چهـ رسيدست ايشانرا كه از چنين پندى رو گردانيده اند. يقال لاعراض يكون بالجحود وبترك الاتباع له كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ حال من المستكن فى معرضين بطريق التداخل وحمر جمع حمار وهو معروف ويكون وحشيا وهو المراد هنا ومستنفرة من نفرت الدواب بمعنى هربت لا من نفر الحاج والمعنى مشبهين بحمر نافرة يعنى خران رميد گان. فاستنفر بمعنى نفر كما ان استعجب بمعنى عجب وقال الزمخشري كأنهم حمر تطلب النفار من نفوسها بسبب انهم جمعوا هم نفوسهم للنفار وحملوه عليها فابقى السين على بابها من الطلب قال الراغب مستنفرة قد قرئ بفتح الفاء وكسرها فاذا كسر الفاء فمعناه نافرة وإذا فتح فمعناه منفرة فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ اى من اسد لان الوحشية إذا عاينت لاسد تهرب أشد الهرب ومثل القسورة الحيدرة لفظا ومعنى وهى فعولة من القسر وهو القهر والغلبة لانه يغلب السباع ويقهرها قال ابن عباس رضى الله عنهما القسورة هو الأسد بلسان الحبشة وقيل هى جماعة الرماة الذين يتصيدونها (وقال الكاشفى) كريختند از شير يا از صياد يا ريسمان دام يا مردم تير انداز يا آوازهاى مختلف. شبهوا فى اعرضهم عن القرآن واستماع ما فيه من المواعظ وشرادهم
стр. 4800
عنه بحمر جدت فى نفارها مما أفزعها يعنى چنانچهـ خر بيابانى از اينها مى كريزد ايشان از استماع قرآن مى كريزند زيرا كه كوش سخن شنو ودل پند پذير ندارند كما أشار اليه فى المثنوى
از كجا اين قوم و پيغام از كجا ... از جمادى جان كجا باشد رجا
فهمهاى كج مج كوته نظر ... صد خيال بد در آرد در نكر
راز جز با راز دان انباز نيست ... راز اندر كوش منكر راز نيست
وفيه من ذمهم وتهجين حالهم ما لا يخفى يعنى ان فى تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله ولا ترى مثل نفار حمر الوحش واطرادها فى العدو إذا خافت من شىء ومن أراد اهانة غليظة لاحد والتشنيع عليه باشنع شىء شبهه بالحمار (روى) ان واحدا من العلماء كان يعظ الناس فى مسجد جامع وحوله جماعة كثيرة فرأى ذلك رجل من البله وكان قد فقد حماره فنادى للواعظ وقال انى فقدت حمارا فاسأل هذه الجماعة لعل واحدا منهم رآه فقال له الواعظ اقعد مكانك حتى ادلك عليه فقعد الرجل فاذا واحد من اهل المجلس قام وأخذ فى أن يذهب فقال الواعظ للرجل خذ هذا فانه حمارك والظاهر أنه قال ذلك القول أخذ من هذا الكلام فانه فرمن تذكرة الملك العلام بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً عطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل لا يكفون بتلك التذكرة ولا يرضون بها عنادا ومكابرة بل يريد كل واحد منهم ان يؤتى قراصيس تنشر وتقرأ وذلك انهم اى أبا جهل بن هشام وعبد الله بن امية وأصحابهما قالوا لرسول الله ﷺ لن نتبعك حتى تأتى كل واحد منا بكتب من السماء او يصبح عند رأس كل رجل منا أوراق منشورة يعنى مهر بر كرفته. عنوانها من رب العالمين الى فلان ابن فلان نؤمر فيها باتباعك اى بأن يقال اتبع محمدا فانه رسول من قبلى إليك كما قالوا ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه وامرئ قال فى القاموس المرء مثلثة الميم الإنسان او الرجل ولا يجمع من لفظه ومع الف الوصل ثلاث لغات فتح الراء دائما واعرابها دائما وأن مع صلته مفعول يريد وصحفا مفعول ثان ليؤتى والاول ضمير كل ومنشرة صفة صحف جمع صحيفة بمعنى الكتاب قال فى تاج المصادر وصحف منشرة شدد للكثرة كَلَّا ردع عن اقتراحهم الآيات وإرادتهم ما أرادوه فانهم انما اقترحوها تعنتا وعنادا لاهدى ورشادا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ لاستهلاكهم فى محبة الدنيا فلعدم خوفهم منها اعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف كَلَّا ردع عن اعراضهم عن التذكرة إِنَّهُ الضمير فى انه وفى ذكره للتذكرة لانها بمعنى الذكر أو القرآن كالموعظة بمعنى الوعظ والصيحة بمعنى الصوت تَذْكِرَةٌ اى تذكرة فالتنوين للتعظيم اى تذكرة بليغة كافية وفى برهان القرآن اى تذكير للحق وعدل إليها للفاصلة فَمَنْ پس هر كه شاءَ ان يذكره ويتعظ به نبل الحلول فى القبر ذَكَرَهُ اى جعله نصب عينه وحاز بسببه سعادة الدارين فانه ممكن من ذلك وَما يَذْكُرُونَ بمجرد مشيئتهم للذكر كما هو المفهوم من ظاهر قوله تعالى فمن شاء ذكره إذ لا تأثير لمشيئة العبد وإرادته فى أفعاله وضمير الجمع اما ان يعود الى الكثرة لان
следующие страницы →