← Тафсир

Тафсир · id 23612

روح البيان

إسماعيل حقي

Полный текст (5 110 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

تفسير سورة التكوير تسع او ثمان وعشرون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ارتفاع الشمس على انه فاعل لفعل مضمر يفسره المذكور لا فاعله لان الفاعل لا يتقدم وعند البعض على الابتداء لان التقدير خلاف الأصل والاول اولى لان إذا فيها معنى الشرط والشرط مختص بالفعل وعلى الوجهين الجملة فى محل الجر باضافة إذا إليها ومعنى كورت لفت من كورت العمامة إذا لففتها بضم بعض اجزائها لبعض على جهة الاستدارة على ان المراد بذلك اما رفعها وإزالتها عن مقرها فان الثوب إذا أريد رفعه عن مكانه وستره بجعله فى صندوق او غيره يلف لفا ويطوى نحو قوله تعالى يوم نطوى السماء فكان بين السماء والرفع علاقة اللزوم فتكويرها كناية عن رفعها قال سعدى المفتى ولا منع من ارادة المعنى الحقيقي ايضا وكون الشمس كرة مصمتة على تسليم صحته لا يمنع من تلك الارادة لجواز أن يحدث الله فيها قابلية التكوير بأن يصيرها منبسطة ثم يكورها ان الله على كل شىء قدير انتهى. واما لف ضوئها المنبسط فى الآفاق المنتشر فى الأقطار بأن يكون اسناد كورت الى ضمير الشمس مجازيا او بتقدير المضاف على انه عبارة عن إزالتها والذهاب بها بحكم استلزام زوال اللازم لزوال الملزوم فاللف على هذا مجاز عن الاعدام إذ لا مساغ لارادة المعنى الحقيقي لان الضوء لكونه من الاعراض لا يتصور فيه اللف وقال بعضهم ان الله قادر على أن يطمس نورها مع بقائها فقول الكشاف لانها ما دامت باقية كان ضياؤها منبسطا غير ملفوف فيه نظر انتهى وجوابه ما أشير اليه من حكم الاستلزام وقيل معنى كورت ألقيت من فلكها على وجه الأرض كما وصفت النجوم بالانكدار من طعنه فكوره إذا ألقاه على الأرض وفى الحديث (ان الشمس والقمر نوران مكوران فى النار يوم القيامة) اى مرميان فيها ولما ذكر هذا الحديث عند الحسن البصري ﵀ قال وما ذنبهما وقال الامام سؤال الحسن ساقط لان الشمس والقمر جمادان فالقاؤهما فى النار لا يكون سببا لمضرتهما ولعل ذلك يكون سببا لازدياد الحر فى جهنم وكذا قال الطيبي تكويرهما فيها ليعذب بهما أهل النار لا سيما عباد الأنوار لا ليعذبهما فى النار فانها بمعزل عن التكليف بل سبيلهما فى النار سبيل النار نفسها وسبيل الملائكة الموكلين بها انتهى وكذا قال فى تفسير الفاتحة للفنارى ان السماء إذا طويت واحدة بعد واحدة يرمى بكواكبها فى النار. يقول الفقير قول الحسن أدق فان النور لا يلحق بالنار الا أن يكون فيه مرتبة النارية ايضا فالشمس يلحق نورها بنور العرش ونارها بنار جهنم وقد سبق فى سورة النبأ فارجع فان قيل كيف يمكن تكويرهما فى النار وقد ثبت بالهندسة ان قرص الشمس فى العظم يساوى كرة الأرض مائة وستين مرة وربع الأرض وثمنها أجيب بان الله تعالى قادر على أن يدخلها فى قشرة جوزة على ذلك العظم. يقول الفقير قد ثبت الله ان الله تعالى يمد الأرض يوم القيامة فتكون أضعاف

стр. 4902

ما كانت عليه على ان وسعة الدارين تابعة لكثرة أهلهما ووسعتهم لانه ثبت ان ضرس الكافر مثل جبل أحد وجسمه مسيرة ثلاثة ايام فاذا كان جسد كل كافر على هذا الغلظ والعظم فاعتبر منه وسعة جهنم فقرص الشمس فى النار كجوزة فى وسط بيت واسع ولا يعرف حد الدارين الا الله تعالى وَإِذَا النُّجُومُ جمع نجم وهو الكوكب الطالع وبه شبه طلوع النبات والرأى فبقيل نجم النبت والرأى نجما ونجوما فالنجم اسم مرة ومصدر اخرى انْكَدَرَتْ اى تناثرت وتساقطت بالسرعة كما قال وإذا الكواكب انتثرت والأصل فى الانكدار الانصباب فان السماء تمطر يومئذ نجومها فلا يبقى فى السماء نجم الا وقع على وجه الأرض وذلك ان النجوم على ما روى ابن عباس رضى الله عنهما فى قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور وتلك السلاسل بأيدى ملائكة من نور فاذا مات من فى السموات ومن فى الأرض تساقطت تلك الكواكب من أيديهم لانه مات من يمسكها وفيه اشارة الى طى ضوء شمس الروح الذي هو الحياة وقبضه عن البدن وإزالته وتناثر نجوم الحواس العشر الظاهرة والباطنة وايضا الى تكوير الوجود الإضافي المنعكس من الوجود المطلق الحقيقي عند ظهور الحقيقة والى اضمحلال نجوم الهويات وهياكل الماهيات بحيث لا يبقى لها اثر لانها نسب عدمية واعتبارات محضة وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ رفعت عنه وجه الأرض وأبعدت عن أماكنها بالرجفة الحاصلة لا فى الجو كالسحاب فان ذلك بعد النفخة الثانية والسير المضي فى الأرض والتسبير ضربان باختيار وارادة من السائر نحو هو الذي يسيركم وبقهر وتسخير كتسيير الجبال وفيه اشارة الى جبال الأعضاء والجوارح الراسيات سيرت عن أرض تعيناتها وأيضا الى جبال الأنواع والأجناس الواقعة فى عالم التعينات وَإِذَا الْعِشارُ جمع عشراء كنفاس ونفساء وليس فعلاء يجمع على فعال غير عشراء ونفساء كما فى القاموس والعشراء هى الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر وهو اسمها الى أن تضع لتمام السنة وهى أنفس أموال العرب ومعظم اسباب معاشهم عُطِّلَتْ العطل فقد ان الزينة والشغل ويقال لمن يجعل العالم بزعمه فارغا عن صانع أتقنه وزينه ورتبه معطل وعطل الدار عن ساكنيها والإبل عن راعيها والمعنى وإذا العشار تركت مسيبة مهملة غير منظور إليها مع كونها محبوبة مرغوبة عند أهلها لاشتغال أهلها بأنفسهم وذلك عند مجيئ مقدمات قيام الساعة فان الناس حينئذ يتركون الأموال والاملاك ويشتغلون بأنفسهم كما قال تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون وقال الامام أبو الليث وغيره هذا على وجه المثل لان فى القيامة لا تكون ناقة عشراء يعنى ان هول القيامة بحال لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه لعلهم جعلوا يوم القيامة ما بعد النفخة الثانية أو مبادى الساعة من القيامة لكن يمكن وجود العشراء فى المبادي فلا يكون تمثيلا وفيه اشارة الى النفوس الحاملات أحمال الأعمال والأحوال وأيضا الى تعطيل عشار الأرجل المتنفع بها فى السير عن الاستعمال فى المشي وترك الانتفاع بها وَإِذَا الْوُحُوشُ قال فى القاموس الوحش حيوان البر كالوحيش والجمع وحوش ووحشان والواحد وحشي قال ابن الشيخ

стр. 4903

هو اسم لما لا يستأنس بالإنسان من حيوان البر والمكان الذي لا انس فيه وحش وخلاف الوحشي الأهلى حُشِرَتْ اى جمعت من كل جانب واختلط بعضها ببعض وبالناس مع نفرة بعضها عن البعض وعن الناس ايضا وتفرقها فى الصحارى والقفار وذلك الجمع من هول ذلك اليوم وقيل بعثت للقصاص إظهارا للعدل قال قتادة يحشر كل شىء حتى الذباب للقصاص فاذا قضى بينها ردت ترابا فلا يبقى منها الا ما فيه سرور لبنى آدم وإعجاب بصورته او صورته كالطاووس والبلبل ونحوهما فاذا بعثت الحيوانات للقصاص تحقيقا لمقتضى العدل فكيف يجوز مع هذا ان لا يحشر المكلفون من الانس والجن وفيه اشارة الى القوى البشرية الطبيعية النافرة عن جناب الحق وباب القدس بأن أهلكت وأفنيت وجمعت الى ما منه بدت وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ اى أحميت او ملئت بتفجير بعضها الى بعض حتى تعود بحرا واحدا مختلطا عذبها بملحها وبالعكس فتعم الأرض كلها من سجر التنور إذا ملأه بالخطب ليحميه وجه الاحماء ان جهنم فى قعور البحار الا انها الآن مطبقة لا يصل أثر حرارتها الى ما فوقها من البحار ليتيسر انتفاع أهل الأرض بها فاذا انتهت مدة الدنيا يرفع الحجاب فيصل تأثير تلك النيران الى البحار فتسخن فتصير حميما لأهل النار او تبعت عليها ريح الدبور فتنفخها وتضربها فتصير نارا على ما قاله ابن عباس رضى الله عنهما فى وجه الاحماء. در فتوحات مذكور است كه هرگاه كه عبد الله بن عمر رضى الله عنهما دريا را بديدى كفتى يا بحرمتي تعود نارا ووجه الامتلاء ان الجبال تندك وتفرق اجزاؤها وتصير كالتراب الهائل الغير المتماسك فلا جرم تنصب اجزاؤها فى أسافلها فتمتلئ المواضع الغائرة من الأرض فيصير وجه الأرض مستو يا مع البحار فتصير البحار بحرا واحدا مسجورا اى ممتلئا وقال بعضهم ملئت بإرسال عذبها على مالحها ثم أسيلت حتى بلغت الثور فابتلعها فلما بلغت الى جوفه نفدت وعن الحسن ﵀ يذهب ماؤها حتى لا يبقى فيها قطرة قال الراغب وانما يكون كذلك لتسجير النار فيها اى اضرامها والتشديد فى مثل هذه الافعال قد يكون لتكثير الفعل وتكريره والتخفيف يحتمل القليل والكثير وخصت هذه السورة بسجرت موافقة لقوله سعرت لان معنى سجرت عند اكثر المفسرين أوقدت فصارت نارا فيقع التوعد بتسعير النار وتسجير البحار وخصت سورة الانفطار بفجرت موافقة لقوله وإذا الكواكب انتثرت لان فى كل من تساقط الكواكب وسيلان المياه على وجه الأرض وبعثرة القبور اى قلب ترابها مزايلة الشيء عن مكانه فلا فى كل واحد قرينه وفيه اشارة الى بحار المعرفة الذاتية والحكم الصفاتية والعلوم الاسمائية فانها إذا تحدت بالتجلى الوحدانى تصير بحرا واحدا وهو بجر الذات المشتمل على جميع المراتب والى البحار الحاصلة من اعتبارات الوجود وشؤونه الكلية ظاهرا او باطنا غيبا وشهادة دنيا وآخرة فانها قد جمعت واتحدت فصار بحر الوجود بحرا واحدا زخارا لا ساحل له ولا قعر والى بحار العناصر بأنه فجر بعضها الى بعض واتصل كل جزء بأصله فصارت بحرا واحدا وَإِذَا النُّفُوسُ الظاهر نفوس الإنسان ويحتمل أن تعم الجن ايضا كما فى بعض التفاسير زُوِّجَتْ التزويج جعل أحد زوجا لآخر

стр. 4904

وهو يقتضى المقارنة اى قرنت بأجسادها بأن ردت إليها او قرنت كل نفس بشكلها وبمن كان فى طبقتها فى الخير والشر فيضم الصالح الى الصالح والفاجر الى الفاجر او قرنت بكتابها او بعملها فالنفوس المتمردة زرجت بأعمالها السيئة والمطمئنة بأعمالها الحسنة او نفوس المؤمنين بالحور ونفوس الكفرة بالشياطين وفيه اشارة الى ان الأرواح الفائضة على هياكل الأشباح من عالم الأمر قرنت ببواعثها وموجباتها التي هى الأسماء والصفات الالهية وأسبابها اللاهوتية وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ اى المدفونة حية يقال ووأد بنته يئدها وإذا وهى موءودة إذا دفنها فى القبر وهى حية وكانت العرب تئد البنات مخافة الاملاق او الاسترقاق او لحوق العار بهم من أجلهن وكانوا يقولون ان الملائكة بنات الله فألحقوا البنات به فهو أحق بهن قال فى الكشاف كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف او شعر ترعى له الإبل والغنم فى البادية وان أراد قتلها تركها حتى كانت سداسة اى بلغت ست سنين فيقول لامها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها الى احمائها وقد حفر لها بئرا فى الصحراء فبلغ بها البئر فيقول لها انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهبل عليها التراب حتى يستوى البئر بالأرض وقيل كانت الحامل إذا قربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فاذا ولدت بنتا رمت بها فى الحفرة وان ولدت ابنا حبسته سُئِلَتْ اى سألها الله بنفسه إظهارا للعدالة او بأمره للملك بِأَيِّ ذَنْبٍ من الذنوب الموجبة للقتل عقلا ونقلا قُتِلَتْ قتلها أبوها حية فعلا او رضى وتوحية السؤال إليها لتسليتها واظهار كمال الغيظ والسخط لو آئدها وإسقاطه عن درجة الخطاب والمبالغة فى تبكيته كما فى قوله تعالى ءانت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين ولذا لم يسأل الوائد عن موجب قتله لها وجه التبكيت ان المجنى عليه إذا سئل بمحضر من الجاني ونسب اليه الجناية دون الجاني كان ذلك بعثا للجانى على التفكر فى حال نفسه وحال المجنى عليه فيعثر على براءة ساحة صاحبه وعلى انه هو المستحق لكل نكال فيفحم وهذا نوع من الاستدراج واقع على طريق التعريض وهو أبلغ فلذلك اختير على التصريح وانما قيل قتلت على الغيبة لما ان الكلام اخبار عنها لا حكاية لما خوطبت به حين سئلت ليقال قتلت على الخطاب وعلى قراءة سألت اى الله او قاتلها لا حكاية لكلامها حين سئلت ليقال قتلت على الحكاية عن نفسها وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه سئل عن أطفال المشركين فقال لا يعذبون واحتج بهذه الآية فانه ثبت بها ان التعذيب لا يستحق الا بالذنب وعن ابن مسعود رضى الله عنه ان الوائدة والموءودة فى النار اى إذا كانت الموءودة بالغة وفيه اشارة الى ان الأعمال المشوبة بالرياء المخلوطة بالسمعة والهوى سئلت بأى سبب أبطلت نوريتها وروحانيتها وأيضا سئلت موءودة النفس الناطقة التي أثقلتها وآئدة النفس الحيوانية فى قبر البدن وأهلكتها بأى ذنب قتلت اى طلب اظهار الذنب الذي به استولت النفس الحيوانية على الناطقة من الغضب او الشهوة او غيرهما فمنعتها عن خواصها وافعالها وأهلكتها فأظهر فكنى عن طلب إظهاره بالسؤال ولهذا قال ﵇ الوائدة والموءودة فى النار لان النفس الناطقة فى النار مقارنة للنفس الحيوانية كذا قال القاشاني

стр. 4905

وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ى صحف الأعمال فانها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب اى تفتح فيعطاها الإنسان منشورة بأيمانهم وشمائلهم فيقف على ما فيها وتحصى عليه جميع اعماله فيقول مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها وفى الحديث (يحشر الناس عراة حفاة) فقالت أم سلمة رضى الله عنها فكيف بالنساء فقال (شغل النساء يا أم) سلمة قالت وما شغلهم قال (نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل) وقيل نشرت اى فرقت بين أصحابها وعن مرثد بن وادعة إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش فتقع صحيفة المؤمن فى يده فى جنة عالية وتقع صحيفة الكافر فى يده فى سموم وحميم اى مكتوب فيها ذلك وهى صحف غير صحف الأعمال وفيه اشارة الى صحائف القوى والنفوس التي فيها هيئات الأعمال تطوى عند الموت وتكوير شمس الروح وتنشر عند البعث والعود الى البدن وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ قلعت وأزيلت بحيث ظهر ماوراءها وهو الجنة والعرش كما يكبشط الإهاب عن الذبيحة والغطاء عن الشيء المستور به قال الراغب هو من كشط الناقة اى تنحية الجلد عنها منه استعير انكشط روعه اى زال وفيه اشارة الى كشط سماء الأرواح عن ارض الأشباح والى طى ظهور الأسماء والصفات الى البطون والخفاء وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ اى او قدت للكافرين إيقادا شديدا لتحرقهم احراقا ابديا سعرها غضب الله وخطايا بنى آدم فاسعار النار زيادة التهابها لا حدوثها ابتداء وبه يندفع احتجاج من قال النار غير مخلوقة الآن لانها تدل على ان تسعرها معلق بيوم القيامة وذلك لان فيه الزيادة والاشتداد وفيه اشارة الى جحيم الخسران والخذلان فانها أوقدت بأحطاب الأعمال السيئة وأحجار الأحوال القبيحة خصوصا نار الغضب والشهوة التي كانوا عليها فى هذه النشأة وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ الازلاف التقريب بالفارسية نزديك كردن. اى قربت من المتقين ليدخلوها كقوله تعالى وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد وعن الحسن ﵀ انهم يقربون منها لا انها تزول عن موضعها فالمراد من التقريب التعكيس للمبالغة كما فى قوله تعالى ويوم يعرض الذين كفرو على النار حيث تعرض النار عليهم تحقيرا وتحسيرا فقلب مبالغة ويحتمل ان يكون المراد التقريب المعنوي وهو جعل أهلها مستحقين لدخولها مكرمين فيها وفيه اشارة الى تقريب نعيم آثار الرضى واللطف من المتقين وكذا جنة الوصول والوصال لمحبى الجمال والكمال كما قيل هذه اثنتا عشر خصلة ست منها فى الدنيا اى فيما بين النفختين وهن من أول السورة الى قوله وإذا البحار سجرت على ان المراد بحشر الوحوش جمعها من كل ناحية لا بعثها للقصاص وسعت فى الآخرة اى بعد النفخة الثانية وقال أبى بن كعب رضى الله عنه ست آيات قبل القيامة بينما الناس فى أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت وفزعت الجن الى الانس والانس الى الجن واختلطت الدواب والطير والوحوش وماج بعضهم فى بعض فحينئذ تقول الجن للانس نحن نأتيكم بالخبر فينطلقون الى البحر فاذا هو نار

стр. 4906

تتأجج اى نتهلب قال فبينما هم كذلك إذ صدعت الأرض صدعة واحدة الى الأرض السابعة السفلى والى السماء السابعة العليا فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم كذا فى المعالم عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ اى علمت كل نفس من النفوس ما أحضرته على حذف الراجع الى الموصول فنفس فى معنى العموم كما صرح به فى قوله تعالى يوم تجد كل نفس ما علمت من خير محضرا وقوله هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وقولهم ان النكرة فى سياق الإثبات لا تعم بل هى للافراد النوعية غير مطرد ويجوز أن يكون التنوين للافراد الشخصية اشعارا بانه إذا علمت حينئذ نفس من النفوس ما أحضرت وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة ان تكون هى التي علمت ما أحضرت فكيف وكل نفس تعلمه على طريقة قولك لمن تنصحه لعلك ستندم على ما فعلت وربما ندم الإنسان على ما فعل فانك لا تقصد بذلك ان ندمه مرجو الوجود لا متيقن به او نادر الوقوع بل تريد ان العاقل يجب عليه ان يجتنب امرا يرجى فيه الندم او قلما يقع فيه فكيف به إذا كان قطعى الوجود كثير الوقوع والمراد بما أحضرت أعمالها من الخير والشر وبحضورها اما حضور صحائفها كما يعرب عنه نشرها واما حضور أنفسها لان الأعمال الظاهرة فى هذه النشأة بصور عرضية تبرز فى النشأة الآخرة بصور جوهرية مناسبة لها فى الحسن والقبح على كيفيات مخصوصة وهيئات معينة واسناد حضورها الى النفس مع انها تحضر بأمر الله لما انها عملتها فى الدنيا كأنها احضرتها فى الموقف ومعنى علمها بها حينئذ انها تشاهدها على ما هى عليه فى الحقيقة فان كانت صالحة تشاهدها على صور أحسن مما كانت تشاهدها علميه فى الدنيا لان الطاعات لا تخلو فيها عن نوع مشقة وقدورد حفت الجنة بالمكاره وان كانت سيئة تشاهدها على ما هى عليه هاهنا لانها كانت مزينة لها موافقة لهواها كما ورد وحفت النار بالشهوات وقال بعضهم العلم بالأعمال كناية عن المجاراة عليها من حيث ان العلم لازم للمجازاة وقوله علمت إلخ جواب إذا على ان المراد بها زمان واحد متسع محيط بما ذكر من أول السورة الا هنا من الاثني عشر شيأ مبدأ النفخة الاولى ومنتهاء فصل القضاء بين الخلائق لكن لا بمعنى انها تعلم ما تعمل فى كل جزء من اجزاء ذلك الوقت المديد أو عند وقوع داهية من تلك الدواهي بل عند نشر الصحف الا انه لما كان بعض تلك الدواهي من مباديه وبعضها من روادفه نسب علمها بذلك الى زمان وقوع كلها تهويلا للخطب وتفظيعا للحال وعن عمر وابن عباس رضى الله عنهم انهما قرأ السورة فلما بلغا الى قوله علمت نفس ما أحضرت قالا لهذه أجريت القصة وعن ابن مسعود رضى الله عنه ان قارئا قرآها عنده فلما بلغ علمت نفس ما أحضرت قال وانقطاع ظهراه اى قاله خوفا من القيامة ومجازاة الأعمال. در آن روز هر نفسى بيند كه با هر خيرى كرامتى وعطاييست وبا هر شرى ملامتى وجزايى بر نيكى حسرت خورد كه چرا زياده نكردم وبريدى اندوه كشد كه چرا مباشر شدم وآن حسرت واندوه هيچ فائده ندارد تو امروز فرصت غنيمت شمار ... كه فردا ندامت نيايد بكار بكوش اى توانا كه فرمان برى ... كه در ناتوانى بسى غم خورى

стр. 4907

وفى الحديث العبد المؤمن بين مخافتين عمر قد مضى لا تدرى ما الله صانع فيه وأجل قد بقي لا يدرى ما الله قاض فيه فليتزود العبد لنفسه من نفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل الممات فو الله ما بعد الموت من مستعتب وما بعد الدنيا الا الجنة والنار وقال الواسطي قدس سره فى الآية علمت كل نفس وأيقنت ان ما علمت واجتهدت لا يصلح لذلك المشهد وان من أكرم بخلع الفضل نجا ومن قرن بجزاء اعماله هلك وخاب وفى برهان القرآن هنا علمت نفس ما أحضرت وفى الانفطار وما قدمت وأخرت لان ما فى هذه السورة متصل بقوله وإذا القبور بعثرت والقبور كانت فى الدنيا فتتذكر ما قدمت فى الدنيا وما أخرت للعقبى فكل خاتمة لائقة بمكانها وهذه السورة من أولها الى آخرها شرط وجزاء وقسم وجواب فَلا أُقْسِمُ لا صلة أورد لكلام سابق اى ليس الأمر كما تزعمون ايها الكفرة من ان القرآن سحر او شعر او أساطير ثم ابتدأ فقال اقسم بِالْخُنَّسِ جمع خانس وهو المتأخر من خنس الرجل عن القوم خنوسا من باب دخل إذا تأخر واصل الخنوس الرجوع الى خلف والخناس الشيطان لانه يضع خرطومه على قلب العبد فاذا ذكر الله خنس وإذا غفل عاد الى الوسوسة والمعنى اقسم بالكواكب الرواجع وهى ما عدا النيرين من الدراري الخمسة وهى المريخ بالكسر ويسمى بهرام ايضا وزخل ويسمى كيوان ايضا وعطارد ويسمى الكاتب ايضا والزهرة وتسمى اناهيذ ايضا والمشترى ويسمى راويس وبرجيس ايضا وما من نجم يقطع المجرة غير الخمسة فلذا خصها ونظمها بعضهم والنيرين فقال هفت كوكب كه هست كبتى را ... كاه از ايشان مدار وكاه خلل قمرست وعطارد وزهره ... شمس ومريخ ومشترى وزحل وهى الكواكب السبعة السيارة كل منها يجرى فى فلك فالقمر فى الاول وما يليه فى الثاني وهكذا على الترتيب الْجَوارِ الْكُنَّسِ الجواري جمع جارية بمعنى سائرة والكنس جمع كانس وهو الداخل فى الكناس المستتر به وصفت الخنس بهما لانها تجرى فى أفلاكها او بأنفسها على ما عليه اهل الظواهر مع الشمس والقمر وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس فخنوسها رجوعها بينا ترى النجم فى آخر البرج اذكر راجعا الى اوله فرجوعه من آخر البرج الى اوله هو الخنوس وكنوسها اختفاؤها تحت ضوئها واما القمر ان فلا يكنسان بهذا المعنى قال فى عين المعاني لخنوسها فى مجراها واستتارها فى كناسها اى موضع استتارها فيه كما تكنس الظباء انتهى من كنس الوحش من باب جلس إذا دخل كناسه وهو بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر وقبل جميع الكواكب تخنس بالنهار فتغيب عن العيون وتكنس بالليل اى تطلع فى أماكنها كالوحش فى كنسها وفى التأويلات التجمية يشير الى الحواس الخمس الباطنة السيارة مع شمس الروح وقمر القلب لرواجع الى بروجها بالاختفاء بحسب شعاع شمس الروح وقمر القلب لغلبة اشعتهما عليهن والدراري الخمسة الزهرة وعطارد والمشترى

стр. 4908

وبهرام وزحل مظاهر الحواس الخمس والشمس مظهر الروح والقمر مظهر القلب وَاللَّيْلِ عطف على الخنس إِذا عَسْعَسَ اى أدبر ظلامه لان اقبال الصبح يكون بإدبار الليل كما قال فى الوسيط لما كان طلوع الصبح متصلا بإدبار الليل كان المناسب ان يفسر عسعس بادبر ليكون التعاقب فى الذكر على حسب التعاقب فى الوجود انتهى او أقبل فانه من الاضداد كذلك سعسع وذلك فى مبدأ الليل وهذا المعنى انسب لمراعاة المقابلة مع قرينه وَالصُّبْحِ عطف عليه ايضا إِذا تَنَفَّسَ آنگاه دم زند يعنى طلوع كند وتنفس او مبدأ طلوعست. والعامل فى إذا معنى القسم وإذا وما بعدها فى موضع الحال اقسم الله بالليل مدبرا وبالصبح مضيئا يقال تنفس الصبح إذا تبلج اى أضاء وأشرق جعل تنفس الصبح عبارة عن طلوعه وانبساطه تحت ضوئه بحيث زال معه عسعسة الليل وهى الغبرة الحاصلة فى آخره والنفس فى الأصل ريح مخصوص يروح القلب ويفرج عنه بهبوبه عليه وفى الحديث (لا تسبوا الريح فانها من نفس الرحمن) اى مما يفرج الكرب شبه ما يقبل بإقبال الصبح من الروح والنسيم بذلك الربح المخصوص المسمى بالنفس فاطلق اسم النفس عليه استعارة فجعل الصبح متفسا بذلك ثم كنى بتنفسه بذلك عن اقبال المصبح وطلوعه واضاءة غبرته لان المتنفس بالمعنى المذكور لازم له فهو كتابة متفرعة على الاستعارة قال القاشاني والليل اى ليل ظلمة الجسد الميت إذا أدبر بابتداء ذهاب ظلمته بنور الحياة عند تعلق الروح به وطلوع نور شمسه عليه والصبح اى اثر نور طلوع تلك الشمس إذا انتشر فى البدن بافادة الحياة وفى التأويلات النجمية يشير الى ليل الطبيعة المتشعشعة عن ظلام غيب البشرية باتباع احكام الشريعة ومخالفات آثار الطبيعة والى صبح نهار الروحانية إذا كشف واظهر آداب الطريقة ورسوم الحقيقة وهو أعظم الاقسام وأفضل الايمان إِنَّهُ الضمير للقرءآن وان لم يجر له ذكر للعلم به اى القرآن الكريم الناطق بما ذكر من الدواهي الهائلة وهو جواب القسم وجه القسم بهذه الأشياء ان فيها ظهور كمال الحكمة وجلال القدرة. يقول الفقير سر الاقسام بها ان القرآن نور من الله فلا يرد الا على القلب النورانى الذي هو بمنزلة القمر وعلى الروح الذي هو بمنزلة القمر وعلى الروح الذي هو بمنزلة الشمس وعلى القوى الروحانية التي هى بمنزلة سائر السيارات المضيئة وهذه الأنوار لا تظهر فى الوجود الإنساني الا بزوال آثار الطبيعة والنفس وظهور آثار القلب والروح فاذا أشرقت أنوار الروح وقواه فى ليل الوجود أضاء جميع ما فى الوجود وزال الظلام لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ هو جبريل ﵇ قاله من جهة الله قال السهيلي ولا يجوز انه أراد به انه قول النبي ﵇ وان كان النبي ﵇ رسولا كريما لان الآية نزلت فى معرض الرد والتكذيب لمقالة الكفار الذين قالوا ان محمدا ﵇ بقوله وهو قوله فقال الله تعالى انه لقول رسول كريم فأضافه الى جبريل الذي هو أمين وحيه وهو فى الحقيقة قول الله لكنه أضيف الى جبريل لانه جاء به من عند الله فاسناده اليه باعتبار السببية الظاهرة فى الانزال والإيصال ويدل

стр. 4909

على ان المراد بالرسول هو جبريل ما بعده من ذكر قوته ونحوها وصفه برسول لانه رسول عن الله الى الأنبياء وبكريم اى على ربه عزيز عظيم عنده وكذا عند الناس لانه يجيئ بأفضل العطايا وهو المعرفة والهداية ويتعطف على المؤمنين ويقهر الأعداء ذِي قُوَّةٍ شديدة كقوله تعالى شديد القوى اى ذى قدرة على ما يكلف به لا عجز له ولا ضعف روى انه ﵇ قال لجبريل ذكر الله قوتك فأخبرنى بشئ من آثارها قال رفعت قريات قوم لوط الأربع من الماء الأسود بقوادم جناحى حتى سمع اهل السماء نباح الكلب وأصوات الديكة ثم قلبتها ومن قوته انه صباح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين وانه يهبط من السماء الى الأرض ويصعد فى اسرع من الطرف وانه رأى ان شيطانا يقال له الأبيض صاحب الأنبياء قصد ان يتعرض للنبى فدفعه دفعة رفيقة وقع بها من مكة الى أقصى الهند وكذا راه يكلم عيسى ﵇ على بعض الأرض المقدسة فنفخه نفخة واحدة ألقاه الى أقصى جبل الهند وقيل المراد القوة فى أداء طاعة الله وترك الإخلال بها من أول الخلق الى آخر زمان التكليف وفيه اشارة الى صفة الروح فانه ذو سلطنة على جميع الحقائق الكائنة فى المملكة الانسانية عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ اى الله تعالى وفى إيراد ذى العرش اخبار بغاية كبريائه فى القلوب وعند ظرف لما بعده فى قوله مَكِينٍ ذى مكانة رفيعة عند عندية إكرام وتشريف لا عندية مكان فانه تعالى متعال عن أمثالها ونحوه انا عند المنكسرة قلوبهم فان المراد به القرب والإكرام ومن مكانته عند الله ومرتبته انه تعالى جعله تالى نفسه فى قوله فان الله هو مولاه وجبريل فله عظم منزلة عندية فأين منزلة من يلازم السلطان عند سرير الملك من مرتبة من يلازمه عند الوضوء ونحوه مُطاعٍ فيما بين الملائكة المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون الى رأيه لعلمهم بمنزلته عند الله قال فى فتح الرحمن ومن طاعتهم انهم فتحوا أبواب السماء ليلة المعراج بقوله لرسول الله ﷺ وطاعة جبريل فريضة على اهل السموات كما ان طاعة محمد ﵇ فريضة على اهل الأرض وفيه اشارة الى ان الروح مطاع فيما بين القوى بالنسبة الى السر والقلب ثَمَّ أَمِينٍ على الوحى قد عصمه الله من الخيانة والزلل وثم بفتح الثاء ظرف مكان لما قبله اى مطاع هناك اى فى السموات وقيل لما بعده اى مؤتمن عند الله على وحيه ورسالاته الى الأنبياء فيكون اشارة الى عند الله وقرئ ثم بضم الثاء تعظيما لوصف الامانة وتفصيلا لها على سائر الأوصاف فيكون للتراخى الرتبى على طريق الترقي من صفاته الفاضلة الى ما هو أفضل وأعظم وهو الامانة (قال الكاشفى) واگر رسول كريم محمد باشد ﵇ پس او صاحب قوت طاعت ونزديك خداى خداوند قدر ومكانتست ومطاع. يعنى مستجاب الدعوة ولذا قال له عمه أبو طالب ما أطوعك ربك يا محمد فقال له وأنت يا عم لو أطعته أطاعك وأمين يعنى بر اسرار غيب. وفيه اشارة الى ان الروح أمين فى افاضة الفيض اثر وحي على كل أحد بحسب استعداده الفطري وَما صاحِبُكُمْ يا اهل مكة وهو رسول الله ﷺ عطف على جواب القسم ولذا قال فى فتح الرحمن وهذا ايضا جواب القسم بِمَجْنُونٍ

стр. 4910

كما تقولون والتعرض لعنوان المصاحبة للتلويح بإحاطتهم بتفاصيل أحواله ﵇ خبرا وعلمهم بنزاهته عما نسبوه اليه بالكلية فانه كان بين أظهرهم فى مدد متطاولة وقد جربوا عقله فوجدوه أكمل الخلائق فيه ولقبوه بالأمين الصادق وقد استدل به على فضل جبرائيل على رسول الله حيث وصف جبريل بست خصال كل واحدة منها تدل على كمال الشرف ونباهة الشأن واقتصر فى ذكر رسول الله على نفى الجنون عنه وبين الذكرين تفاوت عظيم وهذا الاستدلال ضعيف إذا لمقصود رد قول الكفرة فى حقه ﵇ يا أيها الذي نزل عليه الذكر انك لمجنون لا تعداد فضائلهما والموازنة بينهما على ان فى توصيف جبريل بهذه الصفات بيانا لشرف سيد المرسلين بالنسبة اليه من حيث ان جبريل مع هذه الصفات هو الذي يؤيده ويبلغ الرسالة اليه فأى رتبة أعلى من مرتبته بعد ما ثبت ان السفير بينه وبين ذى العرش مثل هذا الملك المقرب وقال سعدى المفتى الكلام مسوق لحقية المنزل دلالة على صدق ما ذكر فيه من اهوال القيامة على ما يدل عليه الفاء السببية فى قوله فلا اقسم ولا شك ان ذلك يقتضى وصف الآتي به فلذلك بولغ فيه دون وصف من انزل عليه فلذلك اقتصر فيه على نفى ما بهتوه وفيه اشارة لى ان الروح ليس بمجنون اى بمستور عن حقائق القرآن ودقائقه وأحكامه وشرائعه ووعده ووعيده بل هو مكشوف له بجميع أسراره وَلَقَدْ رَآهُ وبالله لقد رأى رسول الله جبريل وفى عين المعاني أبصره لاجنيا بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ أفق السماء ناحيتها والمبين من أبان اللازم بمعنى الظاهر بالفارسية روشن. اى بمطلع الشمس الا على من ناحية المشرق فالمراد بالأفق هنا حيث تطلع الشمس استدلالا بوصفه بالمبين فان نفس الأفق لا مدخل له فى تبين الأشياء وظهورها وانما يكون له مدخل فى ذلك من حيث كونه مطلعا لكوكب نير يبين الأشياء والكوكب المبين هو الشمس واسناد الإبانة الى مطلعها مجاز باعتبار سببيته لها فى الجملة فان البيان فى الحقيقة لضياء الطالع منه ثم خص من بين المطالع ما هو أعلى المطالع وأرفعها وهو المطلع الذي إذا طلعت الشمس منه تكون فى غاية الارتفاع والنهار فى غاية الطول والامتداد وذلك عتد ما تكون الشمس عند رأس السرطان قبيل تحولها الى برج الأسد وتوجه النهار الى الانتقاص وانما فعل ذلك حملا للمبين على الكمال فانه كلما كان الكوكب ارفع وأعلى وكلما كان النهار أطول كان البيان والإظهار أتم وأكمل روى ان رسول الله ﷺ سأل جبريل ان يترا اى له فى صورته التي خلقه الله عليها فقال ما اقدر على ذلك وما ذاك الى فاذن له فأتاه عليها وذلك فى جبل حرآء فى أوائل البعثة فرآه رسول الله قد ملأ الآفاق بكلكله رجلاه فى الأرض ورأسه فى السماء جناح له بالمشرق وجناح له بالمغرب وله ستمائة جناح من الزبرجد الأخضر فغشى عليه فتحول جبريل فى صورة بنى آدم وضمه الى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه فقيل لرسول الله ما رأيناك منذ بعثت أحسن منك اليوم فقال ﵇ جاءنى جبريل فى صورته فعلق بي هذا من حسنه قالوا ما رآه أحد من الأنبياء غيره ﵇ فى صورته التي جبل عليها فهو من خصائصه ﵇. واعلم ان وقوع الغشيان انما هو من

стр. 4911

كمال العلم والاطلاع ألا ترى الى قوله تعالى لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا فان توليه وامتلاءه من الرعب ليس عن رؤية أجسامهم فقط لانهم أناس مثله وانما هو لما اطلعه الله عليه حين رويتهم من العلم كما غشى على جبريل ليلة الإسراء حين رأى الرفرف ولم يغش على رسول الله وقال ﵇ فعلمت فضل جبريل فى العلم فكأنه ﵇ أشار الى فضل نفسه ايضا لما غشى عليه برؤية جبريل على صورته الاصلية وانما لم يغش عليه حين رأى الرفرف كما غشى على جبريل لانه إذ ذاك فى نهاية التمكين وفرق بين البداية والنهاية والله اعلم قال القاشاني ولقدرآء بالأفق المبين اى نهاية طور القلب الذي يلى الروح وهو مكان إلقاء النافث القدسي على ان المراد بالرسول روح القدس النافث فى روع الإنسان وقال فى التأويلات النجمية اى رأى جبريل الروح حضرة ربه عند أفق البقاء بعد الفناء وَما هُوَ اى رسول الله عَلَى الْغَيْبِ اى على ما يخبره من الوحى اليه وغيره من الغيوب بِضَنِينٍ اى ببخيل اى لا يبخل بالوحى فيزوى بعضه غير مبلغه ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلوانا اى اجرة أو يسأل تعليمه فلا يعلمه وفيه اشارة الى ان إمساك العلم عن أهله بخل من ضن بالشيء يضن بالفتح ضنا بالكسر وضنانة بالفتح اى بخل فهو ضنين به ى بخيل ويضن بالكسر لغة والفتح افصح ذكره البيهقي فى تهذيب المصادر فى باب ضرب حيث قال الضن والضنانة بخيلي كردن. والغابر يضن والفتح أفصح فيكون من باب علم كما صرح به بعضهم بقوله هو من ضننت بالشيء بكسر النون وهو قراءة نافع وعاصم وحمزة وابن عامر قال فى النشر كذلك هو فى جميع المصاحف اى المصاحف التي يتداولها الناس والا فهو فى مصحف عبد الله بن مسعود رضى الله عنه بالظاء وقرئ بظنين على انه فعيل بمعنى المفعول اى بمتهم اى هو ثقة فى جميع ما يخبره لا يتوهم فيه انه ينطق عن الهوى من الظنة وهى التهمة واتهمت فلانا بكذا توهمت فيه ذلك اختار أبو عبيدة هذه القراءة لان الكفار لم يبخلوه وانما اتهموه فنفى التهمة أولى من نفى البخل ولان البخل يتعدى بالباء لا بعلى وفى الكشاف هو فى مصحف عبد الله بالظاء وفى مصحف أبى بالضاد وكان رسول الله ﵇ يقرأ بهما ولا بد للقارئ من معرفة مخرجى الضاد والظاء فان مخرج الضاد من اصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان او يساره ومخرج الظاء من طرف اللسان واصول الثنايا العليا فان قيل فان وضع المصلى أحد الحرفين مكان الآخر قلنا قال فى المحيط البرهاني إذا أتى بالظاء مكان الضاد او على العكس فالقياس أن تفسد صلاته وهو قول عامة المشايخ وقال مشايخنا بعدم الفساد للضرورة فى حق العامة خصوصا العجم فان أكثرهم لا يفرقون بين الحرفين وان فرقوا ففرقا غير صواب وفى الخلاصة لو قرأ بالظاء مكان الضاد او بالضاد مكان الظاء تفسد صلاته عند أبى حنيفة ومحمد واما عند عامة المشايخ كأبى مطيع البلخي ومحمد بن سلمة لا تفسد صلاته وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ اى قول بعض المسترقة للسمع دل عليه توصيفه بالرجيم لانه بمعنى المرمى بالشهب وهو نفى لقولهم

стр. 4912

انه كهانة وسحر كما قال وما تنزلت به الشياطين وفيه اشارة الى انه ليس محمد القلب عند الاخبار عن المواهب الغيبية والإلهامات السرية بمتهم بالكذب والافتراء وما هو بقول بعض القوى البشرية فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ استضلال لهم فيما يسلكونه فى امر القرآن والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ظهور انه وحي مبين وليس مما يقولون فى شىء كما تقول لمن ترك الجادة بعد ظهورها هذا الطريق الواضح فأين تذهب شبهت حالهم بحال من يترك الجادة وهو معظم الطريق ويتعسف الى غير المسلك فانه يقال له أين تذهب استضلالا له وإنكارا على تعسفه فقيل لمن يقول فى حق القرآن ما لا ينبغى من وضوح كونه وحيا حقا اى طريق تسلكون آمن من هذه الطريقة التي ظهرت حقيتها ووضحت استقامتها وأين ظرف مكان مبهم منصوب بتذهبون قال أبو البقاء التقدير الى أين فحذف حرف الجر ويجوز أن لا يصار الى الحذف بل الى طريق التضمين فكأنه قيل أين تؤمون وقال الجنيد قدس سره أين تذهبون عنا وان من شىء الا عندنا وفى التأويلات النجمية فأين تذهبون من طريق الحق الى طريق الباطل وتتركون الاقتداء بالروح وتختارون اتباع النفوس إِنْ هُوَ ان نافية والضمير الى القرآن اى ما هو إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ موعظة وتذكير لهم والمراد الانس والجن بدلالة العقل فانهم المحتاجون الى الوعظ والتذكير لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أيها المكلفون بالايمان والطاعة وهو بدل من العالمين بالعادة الجار بدل البعض من الكل ولا تخالف بين الأصل المتبوع والفرع التابع لان الاول باعتبار الذات والثاني باعتبار التبع أَنْ يَسْتَقِيمَ مفعول شاء اى لمن شاء منكم الاستقامة بتحرى الحق وملازمة الصواب وإبداله من العالمين مع انه ذكر شامل لجميع المكلفين لانهم هم المنتفعون بالتذكير دون غيرهم فكأنه مختص بهم ولم يوغظ به غيرهم وَما تَشاؤُنَ اى الاستقامة مشيئة مستتبعة لها فى وقت من الأوقات يا من يشاؤها وذلك ان الخطاب فى قوله لمن شاء منكم يدل على ان منهم من يشاء الاستقامة ومن لا يشاؤها فالخطاب هنا لمن يشاؤها منهم يروى ان أبا جهل لما سمع قوله تعالى لمن شاء منكم أن يستقيم قال الأمر إلينا ان شئنا استقمنا وان شئنا لم نستقم وهو رأس القدرية فنزل قوله تعالى وما تشاؤن إلخ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ من اقامة المصدر موقع الزمان اى الا وقت أن يشاء الله تلك المشيئة المستتبعة للاستقامة فان مشيئتكم لا تستتبعها بدون مشيئة الله لها لان المشيئة الاختيارية مشيئة حادثة فلا بدلها من محدث فيتوقف حدوثها على أن يشاء محدثها إيجادها فظهر ان فعل الاستقامة موقوف على ارادة الاستقامة وهذه الارادة موقوفة الحصول على أن يريد الله أن يعطيه تلك الارادة والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء فأفعال العباد ثبوتا ونفيا موقوفة الحصول على مشيئة الله كما عليه اهل السنة رَبُّ الْعالَمِينَ مالك الخلق ومربيهم أجمعين بالارزاق الجسمانية والروحانية وفى الحديث القدسي يا ابن آدم تريد وأريد فتتعب فيما تريد ولا يكون الا ما أريد قال وهب بن منبه قرأت فى كتب كثيرة مما أنزل الله على الأنبياء انه من جعل الى نفسه شيأ من المشيئة فقد كفر قال أبو بكر الواسطي قدس سره أعجزك فى جميع

стр. 4913

صفاتك فلا تشاء الا فى مشيئتة ولا تعمل الا بقوته ولا تطيع الا بفضله ولا تعصى الا بخذلانه فماذا يبقى لك وبماذا تفتخر من أعمالك وليس منها شىء إليك الا بتوفيقه وبالفارسية حق تعالى ترا در همه وصفها عاجز ساخته است نخواهى مكر بمشيت او ونكنى مكر بقوت او وفرمانبرى مكر بفضل او وعاصى نشوى مكر بخذلان او پس تو چهـ دارى وبكدام فعل مى نازى وحال آنكه ترا هيچ نيست ز سر تا پاهمه در پيچيم پيچ ... چهـ پا چهـ سر همه هيچيم در هيچ وفى الحديث من سره ان ينظر الى يوم القيامة كأنه رأى عين فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت فان فيها بيان أهواله الهائلة على التفصيل تمست سورة التكوير بعون الملك القدير فى وسط صفر الخير من شهور سنة سبع عشرة ومائة وألف تفسير سورة الانفطار تسع عشرة آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ اى انشقت لنزول الملائكة كقوله تعالى ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا او لهيبة الرب وفى فتح الرحمن تشققها على غير نظام مقصود انما هو انشقاق لنزول بنيتها وإعرابه كاعراب إذا الشمس كورت وفى التأويلات النجمية يعنى سماء الأرواح والقلوب والاسرار ارتفعت تعيناتها وزالت تشخصاتها وقال القاشاني اى إذا انفطرت سماء الروح الحيواني بانفراجها عن الروح الإنساني وزوالها بالموت وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ اى تساقطت من مواضعها سوداء متفرقة كما تتساقط اللآلئ إذا انقطع السلك وهذان من اشراط الساعة متعلقان بالعلويات فان السماء فى هذا العالم كالسقف والأرض كالبناء ومن أراد تخريب دار فانه يبدأ اولا بتخريب السقف وذلك هو قوله إذا السماء انفطرت ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب وفيه اشارة الى انتثار كواكب الحواس العشر الظاهرة والباطنة وذهابها بالموت الطبيعي فانه إذا انقطع ضوء الروح عن ظاهر البدن وباطنه تعطل الحواس مطلقا وكذا بالموت الإرادي وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ فتح بعضها الى بعض بزوال المانع وحصلول تزلزل الأرض وتصدعها واستوائها وصارت البحار وهى سبعة بحر الروم وبحر الصقالبة وبحر جرجان وبحر القلزم وبحر فارس وبحر الصين وبحر الهند بحرا واحدا فيصب ذلك البحر فى جوف الحوت الذي عليه الأرضون السبع كما فى كشف الاسرار وروى ان الأرض تنشف من الماء بعد امتلاء البحار فتصير مستوية وهو معنى التسجير عند الحسن البصري ودخل فى البحار البحر المحيط لانه اصل الكل إذ منه يتفرع الباقي وكذا الأنهار العذبة فانها بحار ايضا لتوسعها وفيه اشارة الى بحار الأرواح والاسرار والقلوب حيث فجرت بعضها فى بعض بالتجلى الاحدى وصارت بحرا واحدا والى بحار الأجسام العنصرية حيث فجرت بعضها فى بعض بزوال البرازخ الحاجزة عن ذهاب كل الى أصله وهى الأرواح الحيوانية المانعة عن خراب البدن ورجوع

стр. 4914

اجزائه الى أصلها وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ قلب ترابها وأخرج موتا ولا يخالف ما سيجيئ فى العاديات فان البعثرة تجيئ بمعنى الاستخراج ايضا اى كالقلب وفى تاج المصادر البعثرة شورانيدن وآشكارا كردن. ولذا قال بعضهم بالفارسية وآنگاه كه كورها زير وزبر كرده شود يعنى خاكها را بشورانند تا مدفونات وى از أموات وكنجها ظاهر كردد ومردكان زنده شوند. ونظيره بحثر لفظا ومعنى يقال بعثرت المتاع وبحثرته اى جعلت أسفله أعلاه وجعل أسفل القبور أعلاها انما هو بإخراج موتاها وقيل لسورة براءة المبعثرة لانها بعثرت اسرار المنافقين وهما اى بعثر وبحثر مركبان من البعث والبحث مع راء ضمت إليهما وقال الراغب من رأى تركيب الرباعي والخماسي نحو هلل وبسمل إذا قال لا اله الا الله وبسم الله يقول ان بعثر مركب من بعث واثير أي قلب ترابها وأثير ما فيها وهذا لا يبعد فى هذا الحرف فان البعثرة تتضمن معنى بعث وأثير وهذان من اشراط الساعة متعلقان بالسفليات فانه تعالى بعد تخريب السماء والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض بنفوذ بعض البحار فى بعض ثم يخرب نفس الأرض التي هى كالبناء بأن يقلبها ظهر البطن وبطنا لظهر وفيه اشارة الى خراب قبور التعينات وصيرورة المتعين مطلقا عن التعينات لان التعينات قبور الحقائق المطلقة والى قبور الأبدان فانها تخرج ما فيها من الأرواح والقوى بالموت عَلِمَتْ نَفْسٌ اى كل نفس برة كانت او فاجرة كما سبق فى السورة السابقة وفى فتح الرحمن نفس هنا اسم الجنس وافرادها ليبين لذهن السامع حقارتها وقلتها وضعفها عن منفعة ذاتها الا من رحم الله تعالى ما قَدَّمَتْ فى حياتها من عمل خير أو شر فان ما من ألفاظ العموم وَأَخَّرَتْ من سنة حسنة او سيئة يعمل بها بعده قال ﵇ أيما داع دعا الى الهدى فاتبع فله مثل اجر من اتبعه الا انه لا ينقص من أجورهم شىء وأيما داع دعا الى الضلالة فاتبع فله مثل أوزار من اتبعه الا انه لا ينقص من أوزارهم شىء او ما قدم من معصية وما أخر من طاعة وفى التأويلات النجمية علمت نفس ما قدمت أخرجت من القوة الى الفعل بطريق الأعمال الحسنة او السيئة وما أخرت أبقت فى القوة بحسب النية قوله علمت إلخ جواب إذا اى إذا وقعت هذه الأشياء وخربت الدنيا علمت كل نفس إلخ لكن لا على انها تعلمه عند البعث بل عند نشر الصحف لما عرفت فى السورة السابقة من أن المراد بها زمان واحد مبدأه النفخة الاولى ومنتهاه الفصل بين الخلائق لا ازمنه متعددة حسب تعدد كلمة إذا وانما كررت لتهويل ما فى حيزها من الدواهي فالمراد العلم التفصيلي الذي يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة واما العلم الإجمالي فيحصل فى أول زمان البعث والحشر لان المطيع يرى آثار السعادة العاصي يرى آثار الشقاوة فى أول الأمر قال ابن الشيخ فى حواشيه العلم بجميع ذلك كناية عن المجازاة عليه والمقصود من الكلام الزجر عن المعصية والترغيب فى الطاعة يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ يعم جميع العصاة ولا خصوص له بالكفار لوقوعه بين المجمل ومفصله اى بين علمت نفس إلخ وبين ان الأبرار إلخ واما قوله بل تكذبون بالدين فمن قبيل بنوا فلان قتلوا

стр. 4915

زيدا إذا كان القاتل واحدا منهم قال الامام السهيلي ﵀ قوله يا أيها الإنسان يريد امية بن خلف ولكن اللفظ عام يصلح له ولغيره وقيل نزلت فى الوليد بن المغيرة او الأسود بن كلدة الجمحي قصد النبي ﵇ فى بطحاء مكة فلم يتمكن منه فلم يعاقبه الله على ذلك وفى زهرة الرياض ضرب على يافوخ رسول الله ﵇ فأخذه رسول الله وضربه على الأرض فقال له يا محمد الامان الامان منى الجفاء ومنك الكرم فانى لا أوذيك ابدا فتركه رسول الله ﵇ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ما استفهامية فى موضع الابتداء وغرك خبره والاستفهام بمعنى الاستهجان والتوبيخ والمعنى اى شىء خدعك وجرأك على عصيانه وأمنك من عقابه وقد علمت ما بين يديك من الدواهي وما سيكون حينئذ من مشاهدة أعمالك كلها يقال غره بفلان إذا جرأه عليه وأمنه المحذور من جهته مع انه غير مأمون والتعرض لعنوان كرمه تعالى للايذان بأنه ليس مما يصلح أن يكون مدار الاغترار حسبما يغويه الشيطان ويقول له افعل ما شئت فان ربك كريم قد تفضل عليك فى الدنيا وسيفعل مثله فى الآخرة فان قياس عقيم وتمنية باطلة بل هو مما يوجب المبالغة فى الإقبال على الايمان والطاعة والاجتناب عن الكفر والعصيان كأنه قيل ما حملك على عصيان ربك الموصوف بالصفات الزاجرة عن الداعية ولهذا قال رسول الله ﷺ لما قرأها غره جهله وقال الحسن البصري ﵀ غره والله شيطانه فظهر أن كرم الكريم لا يقتضى الاغترار به بل هو يقتضى الخوف والحذر من مخالفته وعصيانه من حيث ان إهمال الظالم ينافى كونه كريما بالنسبة الى المظلوم وكذا التسوية بين الموالي والمعادى فاذا كان محض الكرم لا يقتضى الاغترار به فكيف إذا انضم اليه صفة القهر ولله الأسماء المتقابلة ولذا قال نبئ عبادى انى أنا الغفور الرحيم وان عذابى هو العذاب الأليم قال القاشاني كان كونه كريما يسوغ الغرور ويسهله لكن له من النعم الكثيرة والمنن العظيمة والقدرة الكاملة ما يمنع من ذلك اكثر من تجويز الكرم إياه وقيل للفضيل بن عياض ﵀ ان أقامك الله يوم القيامة وقال لك ما غرك بربك الكريم ماذا تقول قال أقول غرتنى ستورك المرخاة ونظمه ابن السماك فقال يا كاسب الذنب أما تستحى ... والله فى الخلوة ثانيكا غرك من ربك امهاله ... وستره طول مساويكا قال صاحب الكشاف قول الفضيل على سبيل الاعتراف بالخطا فى الاغترار بالستر وليس باعتذار كما يظنه الطماع ويظن به قصاص الحشوية ويرونه من أئمتهم انما قال بربك الكريم دون صفاته من الجبار والقهار والمنتقم وغير ذلك ليلقن عبده الجواب حتى يقول غرنى كرم الكريم. يقول الفقير الحق ان هذا الباب مما يقبل الاختلاف بالنسبة الى أحوال الناس فليس من يفهم الاشارة كمن لا يفهما وكم من فرق بين ذنب وذنب وظن وظن ولذا قال أهل الاشارة إيراد الاسم الكريم من بين الأسماء كأنه من جهة التلقين

стр. 4916

خود تو دادى مژده لا تقنطوا ... من چرا ترسم ز عصيان وعتو چون تو هر شكسته را سازى درست ... پس خطاها بر اميد عفو تست وقال يحيى بن معاذ ﵀ غرنى برك سالفا وآنفا يقول مولاى اما تستحى ... مما أرى من سوء أفعالك فقلت يا مولاى رفقا فقد ... أفسدنى كثرة إفضالك وعن على رضى الله عنه انه صوت بغلام له مرارا فلم يجبه وهو بالباب فقال لم لم تجبنى فقال لثفتى بحلمك وأمنى من عقوبتك فأعتقه إحسانا لقوله وقال بعض أهل الاشارة عجبت من هذا الخطاب الذي فيه تهديد المخالف ومواساة الموافق كيف يخاطب المخالف بخطاب فيه مواساة الموافق ففيه من الرموز ما لا يعرفه الا اهل الاشارة قال بعضهم رأيت فى سوق البصرة جنازة يحملها اربعة وليس معهم مشيع فقلت لا اله الا الله سوق البصرة وجنازة رجل مسلم لا يشيعها أحد انى لأشيعها فتبعتها وصليت عليها ولما دفنوه سألتهم عنه قالوا ما نعرفه وإنما اكترتنا تلك المرأة وأشاروا الى امرأة واقفة قريبا من القبر ثم انصرفوا فرفعت المرأة يدها الى السماء تدعو ثم ضحكت وانصرفت فتعلقت بها وقلت لا بد أن تخبريني بقضيتك فقالت ان هذا الميت ابني ولم يترك شيئا من المعاصي الا فعله فمرض ثلاثة ايام فقال لى يا أمي إذا مت لم تخبري الجيران بموتى فانهم يفرحون بموتى ولا يحضرون جنازتى ولكن اكتبى على خاتمى لا اله الا الله محمد رسول الله وضعيه فى أصبعى وضعي رجلك على خدى إذا مت وقولى هذا جزاء من عصى الله فاذا دفنتنى فارفعى يديك الى الله وقولى اللهم انى رضيت عنه فارض عنه فلما مات فعلت جميع ما أوصانى به فلما رفعت يدى الى السماء ودعوت سمعت صوته بلسان فصيح انصرفي يا أمي فقد قدمت على رب كريم رحيم فرضى عنى فلذلك ضحكت سرورا بحاله أورده الامام القشيري فى شرح الأسماء (وفى الحديث الصحيح) ان الله يدنى المؤمن فيضع عليه كنفه وستره فيقول أتعرف ذنب كذا فيقول نعم اى رب حتى قرره بذنوبه ورأى فى نفسه انه هلك قال سترتها عليك فى الدنيا وأنا أغفر لك اليوم الَّذِي خَلَقَكَ صفة ثانية مقررة للربوبية مبينة للكرم لان الخلق إعطاء الوجود وهو خير من العدم منبهة على ان من قدر على الخلق وما يليه بدأ قدر عليه إعادة اى خلقك بعد أن لم تكن شيا فَسَوَّاكَ اى جعل اعضاءك سوية سليمة معدة لمنافعها اى بحيث يترتب على كل عضو منها منفعته التي خلق ذلك العضو لاجلها كالبطش لليد والمشي للرجل والتكلم للسان والابصار للبصر والسمع للاذن الى غير ذلك فَعَدَلَكَ عدل بعض تلك الأعضاء ببعض بحيث اعتدلت ولم تتفاوت مثل أن تكون احدى اليدين او الرجلين او الأذنين أطول من الأخرى أو تكون احدى العينين أوسع من الاخرى او بعض الأعضاء ابيض وبعضها اسود أو بعض الشعر فاحما وبعضه أشقر قال علماء التشريح انه تعالى ركب جانبى هذه الجثة على التساوي

стр. 4917

حتى انه لا تفاوت بين نصفيه لا فى العظام ولا فى أشكالها ولا فى الاوردة والشرايين والاعصاب النافذة فيها والخارجة منها فكل ما فى أحد الجانبين مساو لما فى الجانب الآخر ويقال عدله عن الطريق اى صرفه فيكون المعنى فصرفك عن الخلقة المكروهة التي هى لسائر الحيوانات وخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق كما قال تعالى فى احسن تقويم وقرئ فعلك بالتشديد اى صيرك معتدلا متناسب الخلق من غير تفاوت فيه فهو بالمعنى الاول من المخفف وقال الجنيد قدس سره تسوية الخلقة بالمعرفة وتعديلها بالايمان وقال ذو النون قدس سره او جدك فسخر لك المكونات اجمع ولم يسخرك لشئ منها وفى التأويلات النجمية يا أيها الإنسان المخلوق على صورته كأنك غرك كمال المظهرية وتمام المضاهاة خلقك فى احسن صورة فسواك فى احسن تقويم فجعل بنيتك الصورية وبنيتك المعنوية سليمة مسواة ومعتدلة ومستعدة لقبول جميع الكمالات الالهية والكيانية كما قال ﵇ أوتيت جوامع الكلم اى الكلم الالهة والكلم الكيانية فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ الجار متعلق بركبك وما مزيدة لتعميم النكرة وشاء صفة لصورة والعائد محذوف وانما لم يعطف الجملة على ما قبلها لانها بيان لعدلك والمعنى ركبك فى اى صورة شاءها واقتضتها مشيئتة وحكمته من الصور العجيبة الحسنة او من الصور المختلفة فى الحسن والقبح والطول والقصر والذكورة والأنوثة والشبه ببعض الأوقات وخلاف الشبه كما فى الحديث ان النطفة إذا استقرت فى الرحم أحضرها الله كل نسب بينهما وبين آدم وصورها فى اى شبيه شاء وقال الواسطي ﵀ صور المطيعين والعاصين فمن صوره على صورة الولاية ليس كمن صوره على صورة العداوة اى صور بعضهم على الصورة الجمالية اللطفية وبعضهم على الصورة الجلالية الفهرية قال حضرة شيخى وسندى قدس سره فى كتاب اللائحات البرقيات له لاح ببالي ان تلك الصورة التركيبية تتناول الصورة العلمية والصورة الروحية والصورة المثالية والصورة الجسمية وغير ذلك من الصور المركبة فى الأطوار لكن المقصود بالذات انما هو هذه الأربع والتركيب فى الصورة العلمية والروحية عقلى ومعنوى وفى الصورة المثالية والجسمية حسى وروحى والمراد من التركيب فى الصورة العلمية ظهور الذات وفى الصورة الروحية ظهور الصفات وفى الصورة المثالية ظهور الافعال وفى الصورة الجسمية ظهور الآثار وهذه الظهورات من تلك التركيبات بمنزلة النتائج من القياسات وبمنزلة المجموع من الاجتماعات وإجراؤها انما هى احكام الوجوب واحكام الإمكان والمراد من احكام الوجوب هو الأسماء الالهية الفاعلة المؤثرة والمراد من احكام الإمكان هو الحقائق الكونية القابلة المتأثرة والتركيب من هذه اجزاء فى اى صورة كان انما هو لظهور محل يكون مظهر الظهور آثارها وخواصها مجتمعة وعند هذا الظهور الاجتماعى فى ذلك المحل الجامع كالنشأة الانسانية المخاطبة هاهنا ان كانت الغلبة لاجزاء احكام الوجوب تكون تلك النشأة علوية مائلة الى جانب العلو والحق هى تكون باقية على فطرة الاصلية الالهية قابلة مستعدة للفيض والتجلي والوصول الى عالم القدس وان كانت لاجزاء احكام الإمكان تكون تلك النشأة سفلية مائلة الى جانب السفل والخلق

стр. 4918

وخارجة عن الفطرة الاصلية الازلية غير قابلة ومستعدة للفيض والتجلي والوصول الى عام القدس بل تبقى فى عالم الدنس مدنسة بدنس الجهالة والغفلة والنسيان لا خبر لها عن نفسها وربها وتكون أعمى وأصم وابكم لا تعرف يمينها من شمالها ولا ترى شمالها من يمينها أولئك كالانعام بل هم أضل انتهى كلامه روح الله روحه كَلَّا كلمة ردع فالوقف عنها اى ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله وجعله ذريعة الى الكفر والمعاصي مع كونه موجبا للشكر والطاعة وقيل توكيد لتحقيق ما بعده بمعنى حقا فالوقف على ركبك كما رجحه السجاوندى حيث وضع علامة الوقف المطلق على ركبك بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ قال فى الإرشاد عطف على جملة ينساق إليها الكلام كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل تجترئون على أعظم من ذلك حيث تكذبون بالجزاء والبعث رأسا فانه يراد بالدين الجزاء والمكافأة ومنه الديان فى صفة الله او تكذبون بدين الإسلام اللذين هما من جملة أحكامه فلا تصدقون سؤالا ولا جوابا ولا ثوابا ولا عقابا وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ حال من فاعل تكذبون وجمع الحافظين باعتبار كثرة المخاطبين او باعتبار ان لكل واحد منهم جمعا من الملائكة كما قال اثنان بالليل واثنان بالنهار اى تكذبون بالجزاء والحال ان عليكم أيها المكلفون من قبلنا الملائكة حافظين لأعمالهم وبالفارسية نكهبانان كِراماً جمع كريم اى لدينا بجبرهم فى طاعتنا او بأداء الامانة إذ الكريم لا يكون حوانا وفى فتح الرحمن وصفهم بالكرم الذي هو نفى المذام وقيل كرام يسارعون الى كتب الحسنات ويتوقفون فى كتب السيئات رجاء ان يستغفر ويتوب فيكتبون الذنب والتوبة منه معا وفى زهرة الرياض سماهم كراما لانهم إذا كتبوا حسنة يصعدون الى السماء ويعرضونها على الله ويشهدون ويقولون ان عبدك فلانا عمل حسنة واما فى السيئة فيسكتون ويقولون الهى أنت ستار العيوب وهم يقرأون كل يوم كتابك ويمدحوننا فانا لا نهتك استارهم واما معنى التعطف كما فى سورة عبس فلا يلائم هذا المقام كما فى بعض التفاسير كاتِبِينَ للاعمال يَعْلَمُونَ لحضورهم وعدم افتراقهم عنكم ما تَفْعَلُونَ من الافعال قليلا وكثيرا ويضبطون نفيرا وقطميرا لتجاوزا بذلك (وفى الحديث) أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم الا عند احدى الحالتين الجنابة والغائط قال فى عين المعاني قوله يعلمون يدل على ان السهو والخطأ وما لا تبعة فيه لا يكتب وكذا ما استغفر منه حيث لم يقل يكتبون انتهى وقوله ما تفعلون وان كان عاما لا فعال القلوب والجوارح لكنه عام مخصوص بافعال الجوارح لان ما كان من المغيبات لا يعلمه الا الله وفى كشف الاسرار علمهم على وجهين فما كان من ظاهر قول او حركة جوارح علموه بطاهره وكتبوه على جهته وما كان من باطن ضمير يقال انهم يجدون لصالحه رائحة طيبة ولطالحه رائحة خبيثة فيكتبونه مجملا عملا صالحا وآخر سيئا انتهى وقد مر بيان هذا المقام فى سورتى الزخرف وق فارجع وخص الفعل بالذكر لانه اكثر من القول ولان القول قد يراد به الفعل فاندرج فيه وعن الفضيل انه كان إذا قرأ هذه الآية قال ما أشدها من آية على الغافلين ففيها إنذار وتهويل وتشديد للعصاة وتبشير

стр. 4919

ولطف للمطيعين وفى تعظيم الكاتبين بالشاء عليهم تفخيم لامر الجزاء وانه عند الله من جلائل الأمور حيث يستعمل فيه هؤلاء الكرام فالتعظيم انما هو فى وصفهم بالكرم لا بالكتب والحفظ وطعن بعض المنكرين فى حضور الكاتبين اما اولا فبأنه لو كانت الحفظة وصحفهم وأقلامهم معنا ونحن لا نراهم لجاز أن يكون بحضرتنا جبال واشخاص لا نرا وذلك دخول فى الجهالات وجوابه ان الملائكة من قبيل الأجسام اللطيفة فحضورهم لا يستلزم الرؤية ألا ترى ان الله أمد المؤمنين فى در بالملائكة وكانوا لا يرونهم الا من شاء الله رؤيته وكذا الجن من هذا القبيل ولذا قال تعالى انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم فكما ان الهولء لا يرى للطافته فكذا غيره من اهل اللطافة واما ثانيا فبأن هذه الكتابة والضبط ان كان لا لفائدة فهو عبث والله تعالى متعال عن ذلك وان كان لفائدة فلا بد أن تكون للعبد لان الله متعال عن النفع والضرر وعن تطرق النسيان وغاية ذلك ان يكون حجة على الناس وتشديدا عليهم بإقامتها لكن هذه ضعيف لان من علم ان الله لا يجوز ولا يظلم لا يحتاج فى حقه الى اثبات هذه الحجة ومن لم يعلم ذلك لا ننفعه لاحتمال ان يحمل على الظلم وجوابه ان الله يجرى أموره على عباده على ما يتعارفونه فى الدنيا ينهم ليكون ابلغ فى تقرير المعنى عندهم من إخراج كتاب وإحضار شهود عدل فى الزام الحجة عند الحاكم ولعبد إذا علم ان الله رقيب عليه والملائكة يحفظون اعماله ويكتبونها فى الصحيفة وتعرض على رؤوس الاشهاد يوم القيامة كان ذلك ازجر له عن المعاصي وامنع من السوء واما ثالثا فبأن افعال القلوب عير مرئية فلا يكتبونها مع انها محاسب بها لقوله تعالى وان تبدوا ما فى أنفسكم او تخفوه يحاسبكم به الله الآية وجوابه ما مر من ان الآية من العام المخصوص وقد قال الامام الغزالي ﵀ كل ذكر يشعر به قلبك تسمعه الملائكة الحفظة فان شعورهم يقارن شعورك حتى إذا غاب ذكرك عن شعورك بذهابك فى المذكور بالكلية غاب عن شعور الحفظة ايضا ومادام القلب يلتفت الى الذكر فهو معرض عن الله وفهم من هذا المقال ان قياس اطلاع الملائكة على الوقائع على اطلاع الناس غير مستقيم فان شؤونهم علما وعملا غير شؤون الناس على ان من أصلح من الناس سريرته قد يكشف الضمائر ويطلع على الغيوب باطلاع الله تعالى فما ظنك بالملائكة الذين هم ألطف جسما وأخف روحا إِنَّ الْأَبْرارَ الذين بروا وصدقوا فى ايمانهم بأداء الفرائض واجتناب المعاصي وبالفارسية وبدرستى كه نيكو كاران وفرمان برداران. جمع بر بالفتح وهو بمعنى الصادق والمطيع والمحسن وأحسن الحسنات لا اله الا الله ثم بر الوالدين وبر التلامذة للاساتذة وبر أهل الارادة للشيوخ كما قال فى فتح الرحمن هو الذي قد اطرد بره عموما فبر ربه فى طاعته إياه وبر الناس فى جلب ما استطاع من الخير لهم وغير ذلك (وفى الحديث) بروا آباءهم كما بروا أبناءهم لَفِي نَعِيمٍ وهو نعيم الجنة وثوابها والتنوين للتفخيم وَإِنَّ الْفُجَّارَ وبدرستى كه دروغ كويان ومنكران حشر. جمع فاجر والفجور شق ستر الديانة لَفِي جَحِيمٍ اى النار وعذابها والتنوين للتهويل والجملتان بيان لما يكتبون لاجله وهو أن الغاية اما النعيم واما الجحيم وفيه اشارة الى نعيم

стр. 4920

الذكر والطاعة والمعرفة والشهود والحضور والوصال والى جحيم الغفلة والمعصية والجهل والاحتجاب والغيبوبة والفراق قال الخواص ﵀ طاب النعيم إذا كان منه وطاب الجحيم إذا كان به وفى المثنوى هر كجا باشد شه ما را بساط ... هست صحرا كر بود سم الخياط هر كجا كه يوسفى باشد چوماه ... جنت است او را چهـ باشد قعر چاه يَصْلَوْنَها اما صفة لجحيم او استئناف مبنى على سؤال نشآ عن تهويلها كأنه قيل ما حالهم فيها فقيل يقاسون حرها كما قال الخليل صلى الكافر النار قاسى حرها وباشره ببدنه ولم يصف النعيم بما يلائمه لان ما سبق من الكلام كان فى المكذبين الفجرة لان المقام مقام التخويف وذكر تبشير الأبرار لانه ينكشف به حال الفجار الأشرار لان الأشياء تعرف بأضدادها يَوْمَ الدِّينِ يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به وَما هُمْ ونيست فجار عَنْها اى عن الجحيم بِغائِبِينَ طرفة عين يعنى درو جاويد باشند وبيرون نيايند كقوله تعالى وما هم بخارجين منها فالمراد دوام نفى الغيبة لا نفى دوام الغيبة وقيل وما كانوا غائبين عنها قبل ذلك بالكلية بل كانوا يجدون سمومها فى قبورهم حسبما قال النبي ﵇ القبر روضة من رياض الجنة او حفرة من حفر النيران وَما أَدْراكَ الخطاب لكل من يتأتى منه الدراية وما مبتدأ وادراك خبره ما خبر قوله يَوْمُ الدِّينِ وما لطلب الوصف وان كان وضعه لطلب الحقيقة وشرح الاسم والمعنى اى شىء جعلك داريا وعالما ما يوم الدين اى اى شىء عجيب هو فى الهول والفظاعة اى ما ادراك الى هذا الآن أحد كنه امره فانه خارج عن دائرة دراية الخلق على اى صورة يصورونه فهو فوقها واضعافها ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ تكرير بثم المفيدة للترقى فى الرتبة للتأكيد وزيادة التخويف والمجموع تعجيب للمخاطبين وتفخيم لشأن اليوم واظهار يوم الدين فى موقع الإضمار تأكيد لهوله وفخامته يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً بيان إجمال لشأن يوم الدين اثرا بهامه وبيان خروجه عن دائرة علوم الخلق بطريق انجاز الوعد فان نفى ادرائهم مشعر بالوعد الكريم بالادراء قال ابن عباس رضى الله عنهما كل ما فى القرآن من قوله تعالى وما ادراك فقد ادراه وكل ما فيه من قوله وما يدريك فقد طوى عنه ويوم مرفوع على انه خبر مبتدأ محذوف وحركته الفتح لاضافته الى غير متمكن كأنه قيل هو يوم لا تملك فيه نفس من النفوس لنفس من النفوس شيأ من الأشياء او منصوب بإضمار اذكر كأنه قيل بعد تفخيم امر يوم الدين وتشويقه ﵇ الى معرفته اذكر يوم لا تملك إلخ فانه يدريك ما هو ودخل فى نفس كل نفس ملكية وبشرية وجنية وفى شىء كل ما كان من قبيل جلب المنفعة او دفع المضرة وَالْأَمْرُ كله يَوْمَئِذٍ اى يوم إذ لا تملك نفس لنفس شيأ لِلَّهِ وحده والأمر واحد الأوامر فان الأمر والحكم والقضاء من شأن الملك المطاع والخلق كلهم مقهورون تحت سطوات الربوبية وحكمها ويجوز أن يكون واحد الأمور فان امور اهل المحشر كلها بيده تعالى

стр. 4921

لا يتصرف فيها غيره اخبر تعالى بضعف الناس يومئذ وانه لا ينفعهم الأموال والأولاد والأعوان والشفعاء كما فى الدنيا بل ينفعهم الايمان والبر والطاعة وانه لا يقدر أحد أن يتكلم الا بإذن الله وامره إذ الأمر له فى الدنيا والآخرة فى الحقيقة وان كان يظهر سلطانه فى الآخرة بالنسبة الى المحجوب لان المحجوب يرى ان الله ملكه فى الدنيا وجعل له شيأ من الأمور والأوامر فاذا كان يوم القيامة يظهر له ان الأمر والملك لله تعالى لا يزاحمه فيه أحد ولا يشاركه ولو صورة وفيه تهديد لارباب الدعاوى واصحاب المخالفة وتنبيه على عظيم بطشه تعالى وسطوته. وفى الحديث من قرأ إذا السماء انفطرت أعطاه الله من الاجر بعدد كل قبر حسنة وبعدد كل قطرة ماء حسنة وأصلح الله شأنه يوم القيامة تمت سورة الانفطار بعون مالك الأقطار فى الثاني والعشرين من صفر الخير من سنة سبع عشرة ومائة وألف تفسير سورة المطففين ست وثلاثون آية مختلف فى كونها مكية او مدينة بسم الله الرحمن الرحيم وَيْلٌ شدة الشر او الهلاك او العذاب الأليم وقال ابن كيسان هو كلمة كل مكروب واقع فى البلية فقولك ويل لك عبارة عن استحقاق المخاطب لنزول البلاء والمحنة عليه الموجب له ان يقول وا ويلاه ونحوه وقيل أصله وى لفلان اى الحزن فقرن بلام الاضافة تخفيفا وبالفارسية واى. وهو مبتدأ وان كان نكرة لوقوعه فى موقع الدعاء على ما سبق بيانه فى المرسلات لِلْمُطَفِّفِينَ الباخسين حقوق الناس فى المكيال والميزان وبالفارسية مر كاهندگانرا در كيل ووزن. فان التطفيف البخس فى الكيل والوزن والنقص والخيانة فيهما بأن لا يعطى المشترى حقه تاما كاملا وذلك لان ما يبخس شىء طفيف حقير على وجه الخفية منى جهة دناءة الكيال والوزان وخساستهما إذ الكثير يظهر فيمنع منه ولذا سمى مطففا قال الراغب يقال طفف الكيل قلل نصيب المكيل له فى ايفائه واستيفائه وقال سعدى المفتى والظاهر ان بناء التفعيل للتكثير لان البخس لما كان من عادتهم كانوا يكثرون التطفيف ويجوز ان يكون للتعدية انتهى روى ان رسول الله ﷺ قدم المدينة وكان أهلها من أبخس الناس كيلا فنزلت فخرج فقرأها عليهم وقال خمس بخمس ما نقض قوم العهد الا سلط الله عليهم عدوهم وما حكموا بغير ما انزل الله إلا فشا فيهم الفقر وما ظهرت فيهم الفاحشة الا فشا فيهم الموت ولا طففوا الكيل الا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ولا منعوا الزكاة الا حبس عنهم القطر فعملوا بموجها وأحسنوا الكيل فهم او فى الناس كيلا الى اليوم وعن على رضى الله عنه انه مر برجل يزن الزغفران وقد أرجح فقال أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت كأنه امره اولا بالتسوية ليعتادها ويفصل الواجب من النفل وعن ابن عباس رضى الله عنهما انكم معشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم المكيال والميزان وخص الأعاجم لانهم كانوا يجمعون الكيل والوزن جميعا وكانا مفرقين

стр. 4922

فى الحرمين كان اهل مكة يزنون واهل المدينة يكيلون وعن عكرمة أشهد أن كل كيال ووزان فى النار فقيل لو أن ابنك كيال او وزان فقال أشهد انه فى النار وعن الفضيل بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة وعن مالك بن دينار انه دخل على جار له احتضر فقال يا مالك جبلان من نار بين يدى أكلف الصعود عليهما فسألت اهله فقالوا كان له مكيالان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فدعوت بهما فضربت أحدهما بالآخر حتى كسرتهما ثم سألت الرجل فقال ما يزداد الأمر على إلا عظما ودر فصول سبعين آورده كه هر كه در كيل ووزن خيانت كند فردا او را بقعر دوزخ در آورده ميان دو كوه از آتش بنشانند وكوبند كلهما وزنهما آنرا ميسنجد وميسوزد تو كم دهى وبيش ستانى بكيل ووزن ... روزى بود كه از كم وبيشت خبر كنند الَّذِينَ إلخ صفة كاشفة للمطففين شارحة لكيفية تطفيفهم الذي استحقوا به الذم والدعاء بالويل إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ اى من الناس مكيلهم بحكم الشراء ونحوه والاكتيال الاخذ بالكيل كالاتزان الاخذ بالميزان يَسْتَوْفُونَ الاستيفاء عبارة عن الاخذ الوافي اى يأخذونه وافيا وافرا وتبديل كلمة من بعلى لتضمين الاكتيال معنى الاستيلاء او للاشارة الى انه اكتيال مضربهم لكن لا على اعتبار الضرر فى حيز الشرط الذي تتضمنه كلمة إذا لاخلاله بالمعنى بل فى نفس الأمر بموجب الجواب فان المراد بالاستيفاء ليس أخذ الحق وافيا من غير نقص بل مجرد الاخذ الوافي الوافر حسبما أرادوا بأى وجه يتيسر من وجوه الحيل وكانوا يفعلونه بكبس الكيل وتحريك المكيال والاحتيال فى ملئه فيسرقون من أفواه المكاييل وألسنة الموازين وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ الكيل پيمودن به پيمانه تا مقدار مكيل معلوم كردد. والوزن والزنة سنجيدن تا مقدار موزون معلوم شود. اى وإذا كالوا للناس او وزنوا لهم المبيع ونحوه بالفارسية و چون مى پيمايند براى ناس ويا مى سنجند حقوق ايشانرا. فحذف الجار وأوصل الفعل كما قال فى تاج المصادر وزنت فلانا درهما ووزنت لفلان بمعنى والأصل اللام ثم حذفت فوصل الفعل ومنه الآية انتهى فلفظ هم منصوب المحل على المفعولية لا مرفوعه على التأكيد للواو لان واو الجمع إذا اتصل به ضمير المفعول لا يكتب بعده الالف كما فى نصروك ومنه الآية إذ لم يكتب الالف فى المصحف وإذا وقع فى الطرف بأن يكون الضمير مرفوعا واقعا للتأكيد فحينئذ يكتب بعده الالف لان المؤكد ليس كالجزء مما قبله بخلاف المفعول واما نحو شاربو الماء فالاكثر على حذف الالف لقلة الاتصال واو الجمع بالاسم هذا فان قلت خط المصحف خارج عن القياس قلت الأصل فى أمثاله إثباته فى المصحف فلا يعدل عنه يُخْسِرُونَ اى ينقصون حقوقهم مع ان وضع الكيل والوزن انما هو للتسوية والتعديل يقال خسر الميزان واخسره يعنى كم كرد ومى كاست. ولعل ذكر الكيل والوزن فى صورة الاخسار والاقتصار على الاكتيال فى صورة الاستيفاء بأن لم يقل إذا كتالوا على الناس او اتزنوا لما أنهم لم يكونوا متمكنين

стр. 4923

من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل والوزن كما قال فى الكشاف كأن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن الا بالمكاييل دون الوازين لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة لانهم يزعزعون ويحتالون فى الملئ وإذا اعطوا كالوا او وزنوا لتمكنهم من البخس فى النوعين جميعا انتهى ويؤيده الاقتصار على التطفيف فى الكيل فى الحديث المذكور سابقا وعدم التعرض للمكيل والموزون فى الصورتين لان مساق الكلام لبيان سوء معاملتهم فى الاخذ والإعطاء لا فى خصوصية المأخوذ والمعطى قال أبو عثمان ﵀ حقيقة هذه الآية عندى هو من يحسن العبادة على رؤية الناس ويسيئ إذا خلا وفى التأويلات النجمية يشير الى المقصرين فى الطاعة والعبادة الطالبين كمال الرأفة والرحمة الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام ويكيلونه مكيال الطاعة والعبادة بالنقص والخسران ذلك هو الخسران المبين وقال القاشاني يشير الى التطفيف فى الميزان الحقيقي الذي هو العدل والموزونات به هى الأخلاق والأعمال والمطففون هم الذين إذا اعتبروا كمالات أنفسهم متفضلين على الناس يستوفون اى يكثرونها ويزيدون على حقوقهم فى اظهار الفضائل العلمية والعملية اكثر مما لهم عجبا وتكبرا وإذا اعتبروا كما لاس الناس بالنسبة الى كمالاتهم اخسروا واستحقروها ولم يراعوا العدالة فى الحالين لرعونة أنفسهم ومحبة التفضل على الناس كقوله يحبون ان يحمدوا مما لم يفعلوا. يقول الفقير فيه اشارة الى حال النفس القاصرة فى التوحيد الحقيقي فانها إذا أعطته الروح تخسره لنقصانها وقصورها فيه على انه لا يدخل فى الميزان إذ لا مقابل له فمن ادخله فى الميزان فقد نقص شأنه وشأن نفسه ايضا واما التوحيد الرسمى فهى تستوفيه من الروح لانه حقها ولا نصيب سواه أَلا يَظُنُّ آيا نمى پندارند أُولئِكَ المطففون الموصوفون بذلك الوصف الشنيع الهائل فقوله ألا ليست هى التي للتنبيه لان ما بعد حرف النبيه مثبت وهنا منفى لان ألا التنبيهية إذا حذفت لا يختل المعنى نحو ألا انهم لفى سكرتهم يعمهون وإذا حذفت ألا هذه اختل المعنى بل الهمزة الاستفهامية الانكارية داخلة على لا النافية وجوز أن تكون للعرض والتحضيض على الظن أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ لا يقادر قدر عظمه وعظم ما فيه من الأهوال ومحاسبون فيه على مقدار الذرة والخردلة فان من يظن ذلك وان كان ظنا ضعيفا فى حد الشك والوهم لا يتجاسر على أمثال هاتيك القبائح فكيف بمن يتيقنه فذكر الظن للمبالغة فى المنع عن التطفيف والا فالمؤمن لا يكفى له الظن فى امر البعث والمحاسبة بل لا بد من الاعتقاد الجازم يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ منصوب بإضمار أعنى لِرَبِّ الْعالَمِينَ بتقدير المضاف اى لمجرد امره وحكمه بذلك لا لشئ آخر او لمحاسبة رب العالمين فيظهر هناك تطفيفهم ومجازاتهم او يقومون من قبورهم لرد رب العالمين أرواحهم الى أجسادهم روى انهم يقومون بين يدى الله تعالى أربعين عاما وفى رواية ثلاثمائة سنة من سنى الدنيا وعرق أحدهم الى انصاف اذنيه لا يأتيهم خبر ولا يؤمر فيهم بأمر وآن مقام هيبت باشد كه كس را زهره سخن نباشد. ثم يخاطبون يفنى از مقام هيبت بمقام محاسبه آرند واما فى حق المؤمن فيكون المكت كقدر انصرافهم من صلاة مكتوبة وفى تخصيص رب العالمين

стр. 4924

من بين سائر الصفات اشعار بالمالكية والتربية فلا يمتنع عليه الظالم القوى لكونه مملوكا مسخرا فى قبضة قدرته ولا يترك حتى المظلوم الضعيف لان مقتضى التربية ان لا يضيع لاحد شيأ من الحقوق وفى هذه التشديدات اشارة الى ان التطفيف وان كان يتعلق بشئ حقير لكنه ذنب كبير قيل كل من نقص حق الله من زكاة وصلاة وصوم فهو داخل تحت هذا الوعيد وعن ابن عمر رضى الله عنهما انه قرأ هذه السورة فلما بلغ الى قوله يوم يقوم الناس لرب العالمين بكى نحيبا اى يرفع الصوت وامتنع من قراءة ما بعد من غلبة البكاء وملاحظة الحساب والجزاء وقال أعرابى لعبد الملك بن مروان انك قد سمعت ما قال تعالى فى المطففين وأراد بذلك ان المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم فى أخذ القليل فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ اموال المسلمين بلا كيل ووزن كَلَّا ردع عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب فيحسن الوقف عليه وان كان بمعنى حقا فلا لكونه حينئذ متصلا بما بعده إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ تعليل للردع والكتاب مصدر بمعنى المكتوب كاللباس بمعنى الملبوس او على حاله بمعنى الكتابة واللام للتأكيد وسجين علم لكتاب جامع هو ديوان الشر دون اعمال الشياطين واعمال الكفرة والفسقة من الثقلين منقول من وصف كحاتم وهو منصرف لانه ليس فيه الا سبب واحد وهو التعريف وأصله فعيل من السجن مبالغة الساجن او لانه مطروح كما قيل تحت الأرض السابعة فى مكان مظلم وحش وهو مسكن إبليس وذريته إذلالا لهم وتحقيرا لشأنهم وتشهده الشياطين المدحورون كما ان كتاب الأبرار يشهده المقربون فالسجين مبالغة المسجون والمعنى ان كتاب الفجار الذين من جملتهم المطففون اى ما يكتب من أعمالهم او كتابة أعمالهم لفى ذلك الكتاب المدون فيه قبائح اعمال المذكورين وفى التأويلات النجمية اى كتاب استعدادهم الفطري مكتوب فى ديوان سجين طبيعتهم المجبولة على الفسق والفجور بقلم اليد اليسرى على ورق صفحة جبينهم كما قال ﵇ السعيد من سعد فى بطن امه والشقي من شقى فى بطن امه وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ تهويل لامره اى هو بحيث لا يبلغه دراية أحد كِتابٌ مَرْقُومٌ قال الراغب الرقم الخط الغليظ وقيل هو تعجم الكتاب وقوله كتاب مرقوم حمل على الوجهين انتهى اى هو مسطور بين الكتابة بحيث كل من نظر اليه يطلع على ما فيه بلا دقة نظر وإمعان توجه او معلم يعلم من رآه انه لا خير فيه لاهاليه اى ذلك الكتاب مشتمل على علامة دالة على شقاوة صاحبه وكونه من اصحاب النار وكونه علامة الشر يستفاد من المقام لانه مقام التهويل وقال القفال قوله كتاب مرقوم ليس تفسيرا لسجين بل هو خبر لان والمعنى ان كتاب الفجار لفى سجين وانه كتاب مرقوم وقوله وما ادراك ما سجين وقع معترضا بين الخبرين وقال القاشاني ان كتاب الفجار اى ما كتب من اعمال المرتكبين للرذائل الذين فجروا بخروجهم عن حد العدالة المتفق عليها الشرع والعقل لفى سجين فى مرتبة من الوجود مسجون أهلها فى حبوس ضيقة مظلمة يزحفون على بطونهم كالسلاحف والحيات والعقارب آلاء أخساء فى أسفل مراتب الطبيعة ودركاتها وهو ديوان اعمال اهل

стр. 4925

الشر ولذلك فسر بقوله كتاب مرقوم اى ذلك المحل المكتوب فيه أعمالهم كتاب مرقوم برقوم هيئات رذائلهم وشرورهم وَيْلٌ عظيم يَوْمَئِذٍ اى يوم يقوم الناس لرب المين فهو متصئل به وما بينهما اعتراض وقال بعضهم اى يوم إذ أعطى ذلك الكتاب لِلْمُكَذِّبِينَ وقال الكاشفى ويل كلمه ايست جامع همه بديها يعنى عذاب وعقاب وشدت ومحنت در ان روز مر مكذبان راست الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ صفة ذامة للمكذبين كقولك فعل ذلك فلان الفاسق الخبيث لان تكذيبهم بيوم الدين علم من قوله ألا يظن أولئك إلخ قال بعض اهل الاشارة المكذبون بالحق وآياته هم ارباب النفوس الذين اقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن الحق ودينه الذي هو دين الإسلام وكل يجازى بحسب دينه فمن لا دين له فجزآؤه سوء الجزاء والويل العظيم ومن له دين فجزآؤه حسن الجزاء ورؤية الوجه الكريم فعليك بالتصديق وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ متجاوز عن حدود النظر والاعتبار غال فى التقليد حتى استقصر قدرة الله على الاعادة مع مشاهدته للبدء كالوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث ونحوهما أَثِيمٍ كثير الإثم اى منهمك فى الشهوات الناقصة الفانية بحيث شغلته عما وراءها من اللذات التامة الباقية وحملته على إنكارها فالاعتداء دل على إهمال القوة النظرية التي كما لها ان يعرف الإنسان وحدة الصانع واتصافه بصفات الكمال مثل العلم والارادة والقدرة ونحوها والإثم دل على إهمال القوة العملية التي كمالها ان يعرف الإنسان الخير لاجل العمل به إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا الناطقة بذلك قالَ من فرط جهله واعراضه عن الحق الذي لا محيد عنه أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اى هى حكايات الأولين واخبارهم الباطلة قال فى فتح الرحمن هى الحكايات التي سطرت قديما وهى جمع اسطورة بالضم واسطارة بالكسر وهى الحديث الذي لا نظام له كَلَّا ردع للمعتدى عن ذلك القول الباطل وتكذيب له فيه ويجوز أن يكون ردعا عن مجموع التكذيب والقول بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ قرأ حفص عن عاصم بل بإظهار اللام مع سكتة عليها خفيفة بدون القطع ويبتدئ ران وقرأ الباقون بإدغام اللام فى الراء ومنهم حمزة والكسائي وخلف وأبو بكر عن عاصم يميلون فتحة الراء قال بعض المفسرين هرب حفص من اجتماع ثقلتى الراء المفخمة والإدغام انتهى ويرد عليه قل رب فانه لا سكتة فيه بل هو بإدغام أحد المتقاربين فى الآخر فالوجه انه انما سكت حفص على لام بل ران وكذا على نون من راق خوف اشتباهه بتثنية البر ومبالغة ما رق حيث يصير بران ومراق وما موصوله والعائد محذوف ومحلها الرفع على الفاعلية والمعنى ليس فى آياتنا ما يصح ان يقال فى شأنها مثل هذه المقالات الباطلة بل ركب قلوبهم وغلب عليها ما كانوا يكسبونه من الكفر والمعاصي حتى صارت كالصدأ فى المرآة فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق كما قال ﵇ ان العبد كلما أذنب ذنبا حصل فى قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه ولذلك قالوا ما قالوا والرين صدأ يعلو الشيء الجلى والطبع والدنس وران ذنبه على قلبه رينا وريونا غلب وكل ما غلبك رانك وبك وعليك كما فى القاموس وران فيه النوم رسخ فيه وفى التعريفات الران هو الحجاب الحائل بين

стр. 4926

القلب وعالم القدس باستيلاء الهيئات النفسانية ورسوخ الظلمانية الجسمانية فيه بحيث ينحجب عن أنوار الربوبية بالكلية والغين بالمعجمة دون الرين وهو الصدأ فان الصدأ حجاب رقيق يزول بالتصفية ونور التجلي لبقاء الايمان معه والرين هو الحجاب الكثيف الحائل بين القلب والايمان ولهذا قالوا الغين هو الاحتجاب عن الشهود مع صحة الاعتقاد والطبع ان يطبع على القلب والأقفال ان يقفل عليه قيل الأقفال أشد من الطبع كما ان الطبع أشد من الرين قال القاشاني فى الآية اى صار صدأ عليها بالرسوخ فيها وكدر جوهرها وغيرها عن طباعها والرين حد من تراكم الذنب ورسوخه تحقق عنده الحجاب وانغلق باب المغفرة نعوذ بالله منه قال أبو سليمان الداراني قدس سره الران والقسوة هماز ماما الغفلة فمن تيقظ وتذكرأ من من القسوة والرين ودوآؤهما إدمان الصيام فان وجد بعد ذلك قسوة فليترك الادام وقال بعض الكبار القلب مرءاة مصقولة كلها وجه فلا تصدأ ابدا وان اطلق عليها الصدأ فى نحو حديث ان القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد وان جلاءها ذكر الله وتلاوة القرآن فليس المراد بذلك الصدأ انه طخاء طلع على وجه القلب ولكنه لما تعلق واشتغل بعلم الأسباب عن العلم بالمسبب كان تعلقه بغير الله صدأ على وجه القلب مانعا من تجلى الحق اليه إذا لحضرة الإلهية متجلية على الدوام لا يتصور فى حقها حجاب عنا فلما لم يقبلها هذا القلب من جهة الخطاب الشرعي المحمود وقبل غيرها عبر عن قبول الغير بالصدأ ولكن والقفل وغير ذلك وقد نبه الله على ذلك فى قوله وقالوا قلوبنا فى اكنة مما تدعونا اليه فهى فى اكنة مما يدعوها الرسول اليه خاصة لا انها فى كن مطلقا فلما تعلقت بغير ماتدى اليه عميت عن ادراك ما دعيت اليه فلم تبصر شيأ فالقلوب أبدا لم تزل مفطورة على الجلاء مقصولة صافية (قال المولى الجامى) مسكين فقيه ميكند انكار حسن دوست ... با او بگو كه ديده جانرا جلى كند كَلَّا ردع وزجر عن الكسب الرائن اى الموقع فى الرين إِنَّهُمْ اى المكذبين عَنْ رَبِّهِمْ وهو وقوله يَوْمَئِذٍ اى يوم إذ يقوم الناس لرب العالمين متعلقان بقوله لَمَحْجُوبُونَ فلا يرونه لانهم باكسابهم القبيحة صارت مراءة قلوبهم ذات صدأ وسرت ظلمة الصدأ منها الى قوالبهم فلم يبق محل لنور التجلي بخلاف المؤمنين فانهم يرونه تعالى لانهم باكسابهم الحسنة صارت مرآئى قلوبهم مصقولة صافية وسرى نور الصقالة والصفوة منها الى قوالبهم فصاروا مستعدين لانعكاس نور التجلي فى قلوبهم وقوالبهم وصاروا وجوها من جميع الجهات كوجود الوجه الباقي بل ابصارا بالكلية سئل مالك بن انس ﵀ عن هذه الآية فقال لما حجب أعداؤه فلم يروه لا بد ان يتجلى لاوليائه حتى يروه يعنى احتج الامام مالك بهذه الآية على مسألة الرؤية من جهة دليل الخطاب والا فلو حجب الكل لم يبق للتخصيص فائدة وكذلك. آنگاه در ميان دوست ودشمن فرق نماند گويى بهشت ميهمانيست بي ديدن ميزبان چهـ باشد ... چون دشمن ودوست را چهـ باشد

стр. 4927

پس فرق در ان ميان چهـ باشد. وعن الشافعي ﵀ لما حجب قوما بالسخط دل على ان قوما يرونه بالرضى وقال شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري ﵀ لمحجوبون عن رؤية الرضى فان الشقي يراه غضبان حين يتجلى فى المحشر قبل دخول الناس الجنة وقال حسين بن الفضل ﵀ كما حجبهم فى الدنيا عن توحيده حجبهم فى الآخرة عن رؤيته فالموحد غير محجوب عن ربه وقال سهل ﵀ حجبهم عن ربهم قسوة قلوبهم فى العاجل وما سبق لهم من الشقاوة فى الأزل فلم يصلحوا لبساط القرب والمشاهدة فابعدوا وحجبوا والحجاب هو الغاية فى البعد والطرد وقال ابن عطاء ﵀ الحجاب حجابان حجاب بعد وحجاب ابعاد فحجاب البعد لا تقريب فيه أبدا وحجاب الابعاد يؤدب ثم يقرب كآدم ﵇ وقال القاشاني انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لامتاع قبول قلوبهم للنور وامتناع عودها الى الصفاء الاول الفطري كالماء الكبريتي مثلا إذ لو روق او صعد لما رجع الى الطبيعة المائية المبردة لاستحالة جوهره بخلاف الماء المسخن استحالت كيفيته دون طبيعته ولهذا استحقوا الخلود فى العذاب وفى المفردات الحجب المنع عن الوصول والآية اشارة الى منع السور عنهم بالاشارة الى قوله فضرب بينهم بسور اى بحجاب يمنع من وصول لذة الجنة الى اهل النار وأذية اهل النار الى اهل الجنة وقال لصاحب الكشاف كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم واهانتهم لانه لا يؤذن على الملوك الا للوجهاء المكرمين لديهم ولا يحجب عنهم الا الأدنياء المهانون عندهم قال. إذا اعتروا باب ذى مهابة رجبوا. والناس ما بين مرجوب ومحجوب انتهى اى ما بين معظم ومهان وانما جعله تمثيلا لا كناية إذ لا يمكن ارادة المعنى الحقيقي على زعمه من حيث انه معتزلى قال بعض المفسرين جعل الآية تمثيلا عدول عن الظاهر وهو مكشوف فان ظاهر قولهم هو محجوب عن الأمير يفيد أنه ممنوع غن رؤيته وهو أكبر سبب الاهانة وما نقل عن ابن عباس رضى الله عنه لمحجوبون عن رحمته وعن ابن كيسان عن كرامته فالمراد به بيان حاصل المعنى فان المحجوب عن الرؤية ممنوع عن معظم الرحمة والكرامة فالآية من جملة ادلة الرؤية فالحمد لله تعالى على بذل نواله وعطائه وعلى شهود جماله ولقائه ثُمَّ إِنَّهُمْ مع كونهم محجوبين عن رؤية الله لَصالُوا الْجَحِيمِ اى داخلوا النار ومباشروا حرها من غير حائل أصله صالون حذفت نونه بالاضافة وثم لتراخى الرتبة فان صلى الجحيم أشد من الحجاب والاهانة والحرمان من الرحمة والكرامة فان الحجاب وان كان من قبيل العذاب الروحاني وهو أشد من العذاب الجسماني لكن مجرد النجاة من النار أهون من العذاب لان فى العذاب الحسى حصول العذابين كما لا يخفى ثُمَّ يُقالُ لهم توبيخا وتقريعا من جهة الزبانية وانما طوى ذكرهم لان المقصود ذكر القول لا القائل مع ان فيه تعميما لاحتمال القائل وبه يشتد الخوف هذَا العذاب وهو مبتدأ خبره قوله الَّذِي كُنْتُمْ فى الدنيا بِهِ متعلق بقوله تُكَذِّبُونَ فذوقوه وتقديمه لرعاية الفاصلة لا للحصر فانهم كانوا يكذبون احكاما كثيرة كَلَّا ردع عما كانوا عليه بعد

стр. 4928

ردع وزجر بعد زجر إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ اى الأعمال المكتوبة لهم على ان الكتاب مصدر مضاف الى مقدر لَفِي عِلِّيِّينَ لفى ديوان جامع لجميع اعمال الأبرار فعليون علم لديوان الخير الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع على على فعيل من العلو للمبالغة فيه سمى بذلك اما لانه سبب الارتفاع الى أعالي الدرجات فى الجنة واما لانه مرفوع فى السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريما له وتعظيما وروى ان الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقلونه فاذا انتهوا الى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم انكم الحفظة على عبدى وانا الرقيب على ما فى قلبه وانه أخلص عمله فاجعلوه فى عليين فقد غفرت له وانها تصعد بعمل العبد فيزكونه فاذا انتهوا به الى ما شاء الله اوحى إليهم أنتم الحفظة على عبدى وأنا الرقيب على قلبه وانه لم يخلص فى عمله فاجعلوه فى سجين وفيه اشارة الى ان الحفظة لا يطلعون على الإخلاص والرياء الا باطلاع الله تعالى وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ اى هو خارج عن دائرة دراية الخلق كِتابٌ مَرْقُومٌ اى هو مسطور بين الكتابة يقرأ بلا تكلف او معلم بعلامة تدل على سعادة صاحبه وفوزه بنعيم دائم وملك لا يبلى ولما كان عليون علما منقولا من الجمع حكم عليه بالمفرد وهو كتاب مرقوم وأعرب باعراب الجمع حيث جرأ ولا بفي ورفع بالخبرية لما الاستفهامية لكونه فى صورة الجمع وقيل اسم مفرد على لفظ الجمع كعشرين وأمثاله فليس له واحد يَشْهَدُهُ الملائكة الْمُقَرَّبُونَ عند الله قربة الكرامة اى يحضرونه ويحفظونه من الضياع وفى فتح الرحمن هم سبعة املاك من مقربى السماء من كل سماء ملك مقرب فيحضره ويشيعه حتى يصعد به الى ما يشاء الله ويكون هذا فى كل يوم او يشهدون بما فيه يوم القيامة على رؤوس الاشهاد وبه تبين سر ترك الظاهر بأن يقال طوبى يومئذ للمصدقين بمقابلة ويل يومئذ للمكذبين لان الاخبار بحضور الملائكة تعظيما وإجلالا يفيد ذلك مع زيادة فختم كل واحد بما يصلح سواه مكانه وقال القاشاني ما كتب من صور أعمال السعداء وهيئات نفوسهم النورانية وملكاتهم الفاضلة فى عليين وهو مقابل لسجين فى علوه وارتفاع درجته وكونه ديوان اعمال اهل الخير كما قال كتاب مرقوم اى محل شريف رقم بصور أعمالهم من جرم سماوى او عنصر انسانى يحضر ذلك المحل اهل الله الخاصة من اهل التوحيد الذاتي إِنَّ الْأَبْرارَ اى السعداء الأتقياء عن درن صفات النفوس لَفِي نَعِيمٍ ثم وصف كيفية ذلك النعيم بأمور ثلاثة أولها قوله عَلَى الْأَرائِكِ اى على الاسرة فى الحجال يعنى بر تختهاى آراسته. ولا يكاد تطلق الاريكة على السرير عندهم الا عند كونه فى الحجلة وهو بالتحريك بيت العروس يزين بالثياب والاسرة والستور يَنْظُرُونَ اى ما شاؤا مد أعينهم اليه من رغائب مناظر الجنة والى ما أولاهم الله من النعمة والكرامة يعنى مى نكرند بچيزها كه از ان شادمان وفرحناك ميكردند از صور حسنه ومنتزهات بهية. وكذا الى أعدائهم يعذبون فى النار وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك للطافتها وشفوفها اى رقتها فحذف المفعول للتعميم وقوله

стр. 4929

على الأرائك ويجوز ان يكون خبرا بعد خبر وان يكون حالا من المنوي فى الخبر او فى الفاعل فى ينظرون والتقديم لرعاية فواصل الآي واما ينظرون فيجوز ان يكون مستأنفا وأن يكون حالا اما من المنوي فى الخبر او فى الظرف اى ناظرين قال ابن عطاء ﵀ على أرائك المعرفة ينظرون الى المعروف وعلى أرائك القربة ينظرون الى الرؤوف وفيه اشارة الى ان أرباب المقامات العالية ينظرون الى جميع مراتب الوجود لا يحجبهم شى عن المطالعة بخلاف الأغيار فانهم محجوبون عن مطالعة احوال اهل الملكوت ورمز الى ان لكل من أهل الدرجات روضة مخصوصة من الأسماء والصفات فمنها ينظرون فمنهم عال وأعلى وليس الاشراف على الكل الا لاشرف الاشراف وهو قطب الاقطاف تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ وهو ثانى الأوصاف اى بهجة التنعم وماءه ورونقه اى إذا رأيتهم عرفت انهم اهل النعمة بسبب ما يرى فى وجوههم من القرائن الدالة على ذلك كالضحك والاستبشار كما يرى فى وجوه الأغنياء وأهل الترفه فمن هذا اختير تعرف على ترى مع ان المعرفة تتعلق بالخفيات غالبا والرؤية بالجليات غالبا والخطاب لكل أحد ممن له حظ من الخطاب للايذان بأن ما لهم من آثار النعمة واحكام البهجة بحيث لا يختص برؤية رائ دون رائ قال جعفر رضى الله عنه يعنى لذة النظر تلألأ مثل الشمس فى وجوههم إذا رجعوا ملا زيارة الله الى أوطانهم وقال بعضهم تعرف فى وجوههم رضى محبوبهم عنهم يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ وهو ثالث الأوصاف وسقى يتعدى الى الى مفعولين والاول هتا الواو القائم مقام الفاعل والثاني من رحيق لان من تبعيضية كأنه قيل بعض رحيق او مقدر معلوم اى شرابا كائنا من رحيق مبتدأ منه فمن ابتدائية والرحيق صافى الخمر وخالها والمعنى يسقون فى الجنة من شراب خالص لا غش فيه ولا ما يكرهه الطبع ولا شىء يفسده وايضا صاف عن كدورة الخمار وتغيير النكهة وايراث الصداع مَخْتُومٍ خِتامُهُ اى ما يختم ويطبع به مِسْكٌ وهو طيب معروف اى مختوم اوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين قال فى كشف اسرار ما ختم به مسك رطب ينطبع فيه الخاتم امر الله بالختم عليه إكراما لاصحابه فختم ومنع أن يمسه ماس او تتناوله يد الى أن يفك ختمه الأبرار والأظهر انه تمثيل لكمال نفاسته إذا لشئ النفيس يختم لا سيما إذا كان ما يختم به المسك مكان الطين وقيل ختام الشيء حاتمته وآخره فمعنى ختامه مسك ان الشارب إذا رفع فاه من آخر شربه وجد رائحة كرائحة المسك او وجد رائحة المسك لكونه ممزوجا به كالاشربة الممسكة فى الدنيا فانه يوجد فيها رائحة المسك عند خاتمة الشرب لا فى أول زمان الملابسة بالشرب وعن أبى الدرداء رضى الله عنه ان الرحيق شراب ابيض مثل الفضة يختمون به آخر شربهم ولو أن رجلا من اهل الدنيا ادخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح الا وجد طيب ريحه وَفِي ذلِكَ الرحيق خاصة دون غيره من النعيم المكدر السريع الفناء او فيما ذكر من أحوالهم لا فى احوال غيرهم من اهل الشمال فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ فليرغب الراغبون بالمبادرة الى طاعة الله يعنى عمل بجاى

стр. 4930

آرند كه سبب استحقاق شرب آن كردند. والأمر للتحضيض والترغيب ظاهر او للوجوب باطنا بوجوب الايمان والطاعة واصل التنافس التغالب فى الشيء النفيس اى المرغوب كأن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به وأصله من النفس لعزتها وقال البغوي أصله من الشيء النفيس الذي يحرص عليه نفوس الناس ويريده كل أحد لنفسه وينفس به على غيره اى يبخل وفى المفردات المنافسة مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل واللحوق بهم من غير إدخال ضرر على غيره قال ذو النون المصري ﵀ علامة التنافس تعلق القلب به وطيران الضمير اليه والحركة عند ذكره والتباعد من الناس والانس بالوحدة والبكاء على ما سلف وحلاوة سماع الذكر والتدبر فى كلام الرحمن وتلقى النعم بالفرح والشكر والتعرض للمناجاة وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عطف على ختامه صفة اخرى لرحيق مثله وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته اى ما يمزج به ذلك الرحيق من ماء تسنيم وهو علم العين بعينها تجرى من جنة عدن سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه اما لانها ارفع شراب فى الجنة قدرا فيكون من علو المكانة واما لانها تأتيهم من فوق فيكون من علو المكان روى انها تجرى فى الهولء متسنمة فتنصب فى أوانيهم فاذا امتلأت امسك الماء حتى لا يقع منه قطرة على الأرض فلا يحتاجون الى الاستقاء عَيْناً نصب على المدح والاختصاص اى يتقدير أعنى يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ من جناب الله قربا معنويا روحانيا اى يشربون ماءها صرفا وتمزج لسائر اهل الجنة وهم اصحاب اليمين غالباء مزيدة او بمعنى من وفيه اشارة الى ان التسنيم فى الجنة الروحانية هو معرفة الله ومحبته ولذة النظر الى وجهه الكريم والرحيق هو الابتهاج تارة بالنظر الى الله واخرى بالنظر الى مخلوقاته فالمقربون أفضل من الأبرار بمحبت غير نيا ميخته اند شراب ايشان صرفست وآنها كه محبت ايشان آميخته باشد شراب ايشان ممزوج باشد ما شراب عيش ميخواهيم بي دردئ غم ... صاف نوشان ديكر ودردى فروشان ديكرند وقال بعضهم تسبيح رهى وصف جمال تو بست ... وزهر دو جهان ورا وصال توبست اندر دل هر كسى ذكر مقصوديست ... مقصود دل رهى خيال توبست ودر بحر الحقائق آورده كه رحيق اشارتست بشراب خالص از كدورات خمار كونين وأواني مختومه رى قلوب أوليا واصفيا كه ختام او مسك محبت است لا يشرب من تلك الأواني الا الطالبون الصادقون فى طريق السلوك الى الله (على نفسه فليبك من ضاع عمره. وليس له منها نصيب ولا سهم) وتسنيم اعلاى مراتب محبت ذاتيه كه غير ممزوج باشد بصفات وافعال ومقربان اهل فنا فى الله وبقا بالله انه كما قال العارف فى خمر المحبة الصرفة الخالصة من المزج عليك بها صرفا فان شئت مزجها ... فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم

стр. 4931

العدل بمعنى العدول والظلم بالفتح هو ماء الأسنان وبريقها وبالضم هو الجور أي فان شئت مزجها فامزجها بزلال فم الحبيب وبريقه ان لم تقدر على شربها صرقا ولا تعدل فان العدول عن ظلم الحبيب ورشحة زلاله هو الظلم. وتا كسى بر بساط قرب در مجلس انس ورياض قدس از دست ساقئ رضا جرعه ازين شراب ناب نچشد بويى از سر اين سخنان بمشام جان وى نرسد سرمايه ذوق دو جهان مستى عشقست ... آنها كه ازين مى نچشيدند چهـ دانند إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانوا ذوى جرم وذنب ولا ذنب اكبر من الكفر وأذى المؤمنين لايمانهم فالمراد بهم رؤساء قريش وأكابر المجرمين المشركين كأبى جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأمثالهم كانُوا فى الدنيا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ايمانا صادقا يَضْحَكُونَ اى يستهزئون بفقرائهم كعمار وصهيب وبلال وخباب وغيرهم وتقديم الجار والمجرور لمراعاة الفواصل وَإِذا مَرُّوا اى فقراء المؤمنين بِهِمْ اى بالمشركين وهم فى أنديتهم وهو الأظهر وان جاز العكس ايضا يقال مرمرا ومرورا جاز وذهب كاستمر ومره وبه جاز عليه كما فى القاموس قال فى تاج المصادر المر بگذشتن بكسى. ويعدى بالباء وعلى يَتَغامَزُونَ اى يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم ويعيبونهم ويقولون انظروا الى هؤلاء يتعبون أنفسهم ويتركون اللذات ويتحملون المشقات لما يرجونه فى الآخرة من المثوبات وامر البعث والجزاء لا يقين به وانه بعيد كل البعد والتغامز تفاعل من الغمز وهو الاشارة بالجفن والحاجب ويكون بمعنى العيب ايضا وفى التاج التغامز يكديكر را بچشم اشارت كردن وَإِذَا انْقَلَبُوا من مجالسهم إِلى أَهْلِهِمُ الى اهل بيتهم وأصحابهم الجهلة الضالة النابعة لهم والانقلاب الانصراف والتحول والرجوع انْقَلَبُوا حال كونهم فَكِهِينَ متلذذين بذكرهم بالسوء والسخرية منهم وفيه اشارة الى انهم كانوا لا يفعلون ذلك بمرأى من المارين ويكتفون حينئذ بالتغامز وَإِذا رَأَوْهُمْ اى المجرمون المؤمنين أينما كانوا قالُوا مشيرين الى المؤمنين بالتحقير إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ اى نسبوا المسلمين ممن رأوهم ومن غيرهم الى الضلال بطريق التأكيد وقالوا تركوا دين آبائهم القديم ودخلوا فى الدين الحادث او قالوا تركوا التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب لا يدرى هل له وجود أولا وهذا كما ان بعض غفلة العلماء ينسبون الفقراء السالكين الى الضلال والجنون خصوصا إذا كان اهل السلوك من اهل المدرسة فانهم يضللونه أكثر من تضليل غيره منعم كنى ز عشق وى اى زاهد زمان ... معذور دارمت كه تو او را نديده وَما أُرْسِلُوا اى المجرمون عَلَيْهِمْ اى على المسلمين حافِظِينَ حال من واو قالوا اى قالوا ذلك والحال انهم ما أرسلوا من جهة الله موكلين بهم يحفظون عليهم أمورهم ويهيمنون على أعمالهم ويشهدون برشدهم وضلالهم وانما أمروا بإصلاح أنفسهم واى نفع لهم فى تتبع

стр. 4932

احوال غيرهم وهذا تهكم بهم واشعار بان ما اجترءوا عليه من القول من وظائف من أرسل من جهته تعالى وقد جوز أن يكون ذلك من جملة قول المجرمين كأنهم قالوا ان هؤلاء لضالون وما أرسلوا علينا حافظين إنكارا لصدهم عن الشرك ودعائهم الى الإسلام وانما قيل نقلاله بالمعنى فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا اى المعهودون من الفقراء مِنَ الْكُفَّارِ المعهودين وهو الأظهر وان أمكن التعميم من الجانبين يَضْحَكُونَ حين يرونهم أذلاء مغلولين وغشيهم فنون الهوان والصغار بعد العز والكبر ورهقم ألوان العذاب بعد التنعم والترفه قال فى بعض التفاسير لعل الفاء جواب شرط مقدر كأنه قيل إذا عرفتم ما ذكر فاعلموا ان اليوم اى يوم القيامة فاللام للعهد والذين مبتدأ ومن الكفار متعلق بقوله يضحكون وحرام للوهم ان يتوهم كونه بيانا للموصول نظرا الى ظاهر الاتصال من غير تفكر فى المعنى ويضحكون خبر المبتدأ وهو ناصب اليوم لصحة المعنى عَلَى الْأَرائِكِ بر تختهاى آراسته بادر وياقوت يَنْظُرُونَ اى يضحكون منهم حال كونهم ناظرين إليهم والى ما فيهم من سوء الحال فهو حال من فاعل يضحكون هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ كلام مستأنف من قبل الله او من قبل الملائكة والاستفهام للتقرير وثوب بمعنى يثوب عبر عنه بالماضي لتحققه والتثويب والاثابة المجازاة استعمل فى المكافاة بالشر قال الراغب الانابة تستعمل فى المحبوب نحوفأ ثابهم الله بما قالوا جنات وقد قيل ذلك فى المكروه نحو فأثابكم غما بغم على الاستعارة والتثويب فى القرآن لم يجئ الا فى المكروه نحو هل ثوب إلخ انتهى وفى تاج المصادر التثويب پاداش دادن وفى تهذيب المصادر التثويب ثواب دادن وفى القاموس التثويب التعويض انتهى وهو الموافق لما فى التاج والمراد بما كانوا يفعلون استهزاؤهم بالمؤمنين وضحكهم منهم وهو صريح فى ان ضحك المؤمنين منهم فى الآخرة انما هو جزاء لضحك الكافرين منهم فى الدنيا وفيه تسلية للمؤمنين بانه سينقلب الحال ويكون الكفار مضحوكا منهم وتعظيم لهم فان اهانة الأعداء تعظيم للاولياء والله ينتقم لاوليائه من أعدائهم فانه يغضب لاوليائه كما يغضب الليث الجري لجروه ومن الله العصمة وعلم منه ان الضحك والاستهزاء والسخرية والغمز من الكبائر فالحائض فيها من المجرمين الملحقين بالمشركين نسأل الله السلامة تمت سورة المطففين بعون المعين فى السادس والعشرين من صفر الخير من سنة سبع عشرة ومائة وألف

стр. 4933

تفسير سورة الانشقاق خمس وعشرون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ إعرابه كأعراب إذا السماء انفطرت اى انفتحت بغمام أبيض يخرج منها كقوله تعالى ويوم تشقق السماء بالغمام والباء للآلة كما فى قولك انشقت الأرض بالنبات وفى ذلك الغمام الملائكة ينزلون وفى أيديهم صحائف الأعمال او فيه ملائكة العذاب وكان ذلك أشد وأفظع من حيث انه جاءه العذاب من موضع الخير فيكون انشقاق السماء لنزول الملائكة بالأوامر الالهية وقيل للسقوط والانتقاض وقيل لهول القيامة وكيف لا تنشق وهى فى قبضة قهر. اقل من خردلة ولا منع من جميع هذه الأقوال فانها تنشق لهيبة الله فتنزل الملائكة ثم يؤول أمرها الى الفساد والاختلال وعن على رضى الله عنه تنشق من المجرة وهى بفتح الميم باب السماء اى البياض المستطيل فى وسط السماء سميت بذلك لانها كأثر المجر ويقال لها بالفارسية راه حاجيان وكهكشان. تنشق السماء من ذلك الموضع كأنه مفصل ملتئم فتصدع منه وَأَذِنَتْ لِرَبِّها واستمعت اى انقادت وأذعنت لتأثير قدرته تعالى حين تعلقت قدرته وإرادته بانشقاقها انقياد المأمور المطواع إذا ورد عليه امر الآمر المطاع فهو استعارة تمثيلية متفرعة على المجاز المرسل يعنى إذا اطلق الاذن وهو الاستماع فى حق من له حاسة السمع والاستماع بها يراد بها الاجابة والانقياد مجازا وإذا اطلق فى حق نحو السماء مما ليس فى شأنه الاستماع والقبول يكون استعارة تمثيلية فقوله اتينا طائعين يدل على نفوذ القدرة فى الإيجاد والإبداع من غير ممانعة أصلا وقوله وأذنت لربها يدل على نفوذ القدرة فى التفريق والاعدام من غير ممانعة أصلا والتعرض لعنوان الربوبية مع الاضافة إليها للاشعار بعلة الحكم وهذا الانقياد عند ارباب الحقائق محمول على ان لها حياة وإدراكا كسائر الحيوانات إذ ما من شىء إلا وله نصيب من تجلى الاسم الحي وقد سبق مرارا وَحُقَّتْ من قولهم هو محقوق بكذا وحقيق به اى جعلت حقيقة بالاستماع والانقياد إذ هي مربوبة ومصنوعة له تعالى اى شأنها ذلك بالنسبة الى القدرة القاهرة الربانية التي يتأتى بها كل مقدور ولا يتخلف عنها امر من الأمور وبالفارسية وخود آنرا چنين سزد. فحق الجملة ان تكون اعتراضا مقررة لما قبلها لا معطوفة عليه وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ اى بسطت بازالة جبالها وآكامها عن مقارها وتسويتها بحيث صارت كالصحيفة الملساء او زيدت سعة وبسطة من أحد وعشرين جزأ الى تسعة وتسعين جزأ لوقوف الخلائق عليها للحساب والألم تسعهم من مده بمعنى امده اى زاده وفى الحديث إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس الا موضع قدميه يعنى لكثرة الخلائق فيها قوله مد الأديم لان الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه واستوى وفى بعض الروايات مد الأديم العكاظي قال فى القاموس هو كغراب سوق بصحراء بين نخلة والطائف كانت تقدم هلاك ذى القعدة وتستمر عشرين يوما تجتمع قبائل العرب فيتعا كظون اى يتفاخرون ويتناشدون ومنه الأديم العكاظي

стр. 4934

انتهى وَأَلْقَتْ ما فِيها اى رمت ما فى جوفها من الموتى والكنوز الى ظاهرها كقوله تعالى وأخرجت الأرض اثقالها وهو من الاسناد المجازى والا فالالقاء والإخراج لله تعالى حقيقة فان قلت إخراج الكنوز يكون وقت خروج الدجال لا يوم القيامة قلت يوم القيامة وقت متسع يجوز اعتباره من وقت خروجه ولو مجاز مجازا لانه الانه من أشراطه الكبرى فيكون إخراج الكنوز عند قرب الساعة وإخراج الموتى عند البعث وَتَخَلَّتْ وخلت عما فيها غاية الخلو حتى لم يبق فيها شىء منه كأنها تكلف فى ذلك أقصى جهدها كما يقال تكرم الكريم وترحم الرحيم إذا بلغا جهدهما فى الكرم والرحمة وتكلفا فوق ما فى طبعهما وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وانقادت له فى الإلقاء والتخلي وَحُقَّتْ اى وهى حقيقة بذلك اى شأنها ذلك بالنسبة الى القدرة الربانية ذكره مرتين لان الاول متصل بالسماء والثاني بالأرض وإذا اتصل كل واحد بغير ما اتصل به الآخر لم يكن تكرارا وجواب إذا محذوف اى إذا وقعت هذه الأمور كان من الأهوال ما تقصر عن بيانه العبارة وفى تفسير الكاشفى جواب إذا آنست كه به بيند انسان ثواب وعقاب را. وفيه اشارة الى انشقاق سماء الروح الحيوانية بانفراجها عن الروح الإنساني وزوالها وبسط ارض البدن بنزع الروح عنها وإلقاء ما فيها من الروح والقوى وتخليها عن كل ما فيها من الآثار والاعراض بالحياة والمزاج والتركيب والشكل بتبعية خلوها عن الروح وفى التأويلات النجمية يشير الى انشقاق سماء الروح عن ظلمة غيم النفس الامارة وانقيادها لفيض ربها بتهيئة الاستعداد بما يتصرف فيها من غير أباء وامتناع والى بسط ارض النفوس البشرية لاربابها وتخليها عن احكام البشرية يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ جنس الإنسان الشامل للمؤمن والكافر والعاصي فالخطاب عام لكل مكلف على سبيل البدل يقال هذا ابلغ من العموم لانه يقوم مقام التنصيص فى النداء على مخاطبة كل واحد بعينه كأنه قيل يا فلان ويا فلان الى غير ذلك إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً الكدح جهد النفس فى العمل والكد فيه بحيث يؤثر فيها والجهد بالفتح بمعنى المشقة والتعب والكد السعى الشديد فى العمل وطلب الكسب من كدح جلده إذا خدشه والمعنى انك جاهد ومجد اى ساع باجتهاد ومشقة الى لقاء ربك اى الى وقت لقائه وهو الموت وما بعده من الأحوال الممثلة باللقاء مبالغ فى ذلك وفى الخبر انهم قالوا يا رسول الله فيم نكدح وقد جفت الأقلام ومضت المقادير فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له فَمُلاقِيهِ فملاق له اى لجزآء عملك من خير وشر عقيب ذلك لا محالة من غير صارف يلويك عنه ولا مفر لك منه ويقال انك عامل لربك عملا فملاق عملك يوم القيامة يعنى ان جدك وسعيك الى مباشرة الأعمال فى الدنيا هو فى الحقيقة سعى الى لقاء جزائها فى العقبى فملاق ذلك الجزاء لا محالة فعليك ان تباشر فى الدنيا بما ينجيك فى العقبى واحذر عما يهلكك فيها ويوقعك فى الخجالة والافتضاح من سوء المعاملة وفى الحديث النادم ينتظر الرحمة والمعجب ينتظر المقت وكل عامل سيقدم الى ما أسلف وقال القاشاني انك ساع بالموت اى تسير مع أنفاسك سريعا كما قيل أنفاسك خطاك فملاقيه ضرورة فالضمير للرب وفى التأويلات النجمية يشير الى الإنسان

стр. 4935

المخلوق على صورة ربه وكدحه واجتهاده فى التحقق بالأسماء الإلهية والصفات اللاهوتية فهو ملاقى ما يكدح ويجتهد بحسب استعداده الفطري فَأَمَّا مَنْ وهو المؤمن السعيد ومن موصولة وهو تفصيل لما أجمل فيما قبله أُوتِيَ اى يؤتى والماضي لتحققه كِتابَهُ المكتوب فيه اعماله التي كدح فى كسبها بِيَمِينِهِ لكون كدحه بالسعي فيما يكتبه كاتب اليمين والحكمة فى الكتاب ان المكلف إذ اعلم ان اعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الاشهاد كان ازجر عن المعاصي وان العبد إذا وثق بلطف سيده واعتمد على عفوه وستره لم يحتشم احتشامه من خدمه المطلعين عليه فَسَوْفَ پس زود بود كه يُحاسَبُ يوم القيامة بعد مدة مقدرة على ما تقتضيه الحكمة حِساباً يَسِيراً سهلا لا مناقشة فيه ولا اعتراض بما يسوؤه ويشق عليه كما يناقش اصحاب الشمال والحساب بمعنى المحاسبة وهو بالفارسية با كسى شمار كردن. والمراد عد اعمال العباد وإظهارها للمجازاة وعن الصديقة رضى الله عنها هو أي الحساب اليسير أن يعرف ذنوبه ثم يتجاوز عنه يعنى ان يعرض عليه اعماله ويعرف ان الطاعة منها هذه والمعصية هذه ثم يثاب على الطاعة ويتجاوز عن المعصية فهذا هو الحساب اليسير لانه لا شدة على صاحبه ولا مناقشة ولا يقال له لم فعلت هذا ولا يطالب بالعذر ولا بالحجة عليه فانه متى طولب بذلك لم يجد عذرا ولا حجة فيفتضح. برادر زكار بدان شرم دار ... كه در روى نيكان شوى شرمسار بجاى كه دهشت خورد انبيا ... تو عذر كنه را چهـ دارى بيا ولذا قال ﵇ عرض الجيش أعنى عرض الأعمال لانهازى اهل الموقف والله الملك فيعرفون بسيماهم كما يعرف الأجناد هنا بزيهم قالوا ان عصاة المؤمنين داخلة فى هذا القسم فقوله فسوف يحاسب حسابا يسيرا من وصف الكل بوصف البعض اى فالعصاة وان لم يكن لهم حساب يسير بالنسبة الى المطيعين لكن حسابهم كالعرض بالنسبة الى مناقشة اصحاب الشمال فاصحاب اليمين شاملة لهم وقد يقال كتاب عصاة المؤمنين يعطى عند خروجهم من النار وقيل يجوز أن يعطوا من الشمال لا من ورلء ظهورهم وفيه ان الإعطاء من الشمال ومن ورلء الظهر امر واحد وقيل لم تتعرض الاية للعصاة الذين يدخلهم الله النار وهو الظاهر وقوله ﵇ فى بعض صلاته اللهم حاسبنى حسابا يسيرا وان دل على ان للانبياء كتابا لكن الظاهر ارشاد الامة وتعليمهم والافهم معصومون داخلون الجنة بلا حساب ولا كتاب وَيَنْقَلِبُ اى يرجع وينصرف من مقام الحساب اليسير إِلى أَهْلِهِ اى عشيرة المؤمنين او فريق المؤمنين هم رفقاؤه فى طريق السعادة والكرامة مَسْرُوراً مبتهجا بحاله وكونه من اهل النجاة قائلا هاؤم اقرأوا كتابيه فهذا الانقلاب يكون فى المحشر قبل دخول الجنة لا كما قال فى عين المعاني من انه يدل على ان اهله يدخلون الجنة قبله وفيه اشارة الى كتاب الاستعداد الفطري المكتوب فى ديوان الأزل بقلم كتبة الأسماء الجمالية فان من أوتيه لا تناقشه الأسماء الجلالية وينقلب الى اهله مسرورا بفيض تجلى جماله

стр. 4936

ولطفه وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ تكرير كتابه بدون الاكتفاء بالاضمار لتغاير الكتابين وتخالفهما بالاشتمال والحكم فى المآل اى يؤتى كتاب عمله وَراءَ ظَهْرِهِ اى بشماله من ورلء ظهره وجانبه ظرف لاوتى مستعمل فى المكان وقال الكلبي يغل يمينه ثم تلوى يده اليسرى من ورائه فيعطى كتابه بشماله وهى خلف ظهره فلا مخالفة بين هذا وبين ما فى الحاقة حيث لم يذكر فيها الظهر بل اكتفى بالشمال قال الامام ويحتمل ان يكون بعضهم يعطى كتابه بشماله وبعضهم من ورلء ظهره وفى تفسير الفاتحة للفنارى ﵀ واما من اوتى كتابه بشماله وهو المنافق فان الكافر لا كتاب له اى لان كفره يكفيه فى المؤاخذة فلا حاجة الى الكتاب من حيث انهم ليسوا بمكلفين بالفروع واما من أوتى كتابه ورلء ظهره فهم الذين أوتوا الكتاب فنبذوه ورلء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فاذا كان يوم القيامة قيل له خذه من راء ظهرك اى من الموضع الذي نبذته فيه فى حياتك الدنيا فهو كتابه المنزل عليه لا كتاب الأعمال فانه حين نبذه ورلء ظهره ظن أن لن يحور وقال أبو الليث فى البسنان اختلف الناس فى الكفار هل يكون عليهم حفظة اولا قال بعضهم لا يكون عليهم حفظة لان أمرهم ظاهر وعملهم واحد وقال الله تعالى يعرف المجرمون بسيماهم ولا نأخذ بهذا القول بل يكون للكفار حفظة والآية نزلت بذكر الحفظة فى شأن الكفار ألا ترى الى قوله تعالى بل تكذبون بالدين وان عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون وقال فى آية اخرى واما من أوتى كتابه بشماله واما من أوتى كتابه ورلء ظهره فأخبر أن الكفار يكون لهم كتاب وحفظة فان قيل فالذى يكتب عن يمينه إذا اى شىء يكتب ولم يكن لهم حسنة يقال له الذي عن شماله يكتب بإذن صاحبه ويكون شاهدا على ذلك وان لم يكتب فَسَوْفَ يَدْعُوا پس زود باشد كه بخواند. اى بعد مدة منتهية عذاب شديد لا يطاق عليه ثُبُوراً اى يتمنى لنفسه الثبور وهو الهلاك ويدعوه يا ثبوراه تعالى فهذا أوانك وأنى له ذلك يعنى لما كان إيتاء الكتاب من غير يمينه علامة كونه من أهل النار كان كلامه وا ثبوراه قال الفراء نقول العرب فلان يدعو لهفه إذا قال والهفاء قيل الثبور مشتق من المثابرة على الشيء وهو المواظبة عليه وسمى هلاك الآخرة ثبورا لانه لازم لا يزول كما قال تعالى لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعو ثبورا كثيرا قال فى كشف الاسرار پير بو على سياه وقتى در بازار ميرفت سائلى ميكفت بحق روز بزرك كه مرا چيزى بدهيد پير از هوش برفت چون بهوش باز آمد او را كفتند اى شيخ ترا اين ساعت چهـ روى نمود كفت هيبت وعظمت آن روز بزرگ آنكه گ فت وا حزناه على قلة الحزن وا حسرتاه على قلة التحسر يعنى وا اندوهاى آز بى اندوهى وا حسرتا آز بى حسرتى وَيَصْلى سَعِيراً اى يدخلها ويقاسى حرها وعذابها من غير حائل وهذا يدل على ان دعاءهم بالثبور قبل الصلى وبه صرح الامام واما قوله تعالى فاذا ألقوا منها مكانا ضيقا دعوا هنالك ثبورا فيدل على انه بعده ولا منافاة فى الجمع فانهم يدعونه اولا وآخرا بل دائما على ان الواو لمطلق الجمع لا للترتيب وفيه اشارة الى صاحب كتاب الاستعداد الفطري المكتوب فى ديوان الأزل بقلم كتبة الأسماء الجلالية فانه يتمنى أن يكون فى الدنيا فانيا فى الحق وهالكا عن إنيته ويصلى نار الرياضة

стр. 4937

والمجاهدة ورلء ظهره من الجزاء الوفاق لانه خالف أمر ربه فى قوله وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها اى من غير مدخلها بمحافظة طواهر الأعمال من غير رعاية حقوق بواطنها بتقوى الأحوال فسبب الوصول الى حضرة الربوبية والدخل فيها هو التقوى وهو اسم جامع لكل بر من اعمال الظاهر واحوال الباطن والقيام باتباع الموافقات واجتناب المخالفات وقال القاشاني واما من أوتى كتابه ورلء ظهره اى جهته التي تلى الظلمة من الروح الحيواني والجسد فان وجه الإنسان جهته التي الى الحق وخلفه جهته التي الى البدن الظلماني بأن رد الى الظلمات فى صور الحيوانات فسوف يدعو ثبورا لكونه فى ورطة هلاك الروح وعذاب الابد ويصلى سعير نار الآثار فى مهاوى الطبيعة إِنَّهُ اى لان فالجملة استئناف لبيان علة ما قبلها كانَ فى الدنيا فِي أَهْلِهِ فيما بين اهله وعشيرته او معهم على انهم جميعا كانوا مسرورين كما يقال جاءنى فلان فى جماعة اى معهم مَسْرُوراً مترفا بطرا مستبشرا يعنى شادان ونازان بمال فانى وجاه ناپايدار ومحجوب از منعم بنعم. كديدن الفجار الذين لا يخطر ببالهم امور الآخرة ولا يتفكرون فى العواقب كسنة الصلحاء والمتقين كما قال تعالى حكاية انا كنا فى أهلنا مشفقين والحاصل انه كان الكافر فى الدنيا فارغا عن هم الآخرة وكان له مزمار فى قلبه فجوزى بالغم الباقي بخلاف المؤمن فانه كان له نائحة فى قلبه فجوزى بالسرور الدائم وفيه اشارة ايضا الى الروح العلوي الذي يؤتى كتابه بيمينه والى النفس السفلية التي تؤتى كتابها من ورلء ظهرها وأهلها القوى الروحانية النورانية والقوى الجسمانية الظلمانية إِنَّهُ ظَنَّ تيقن كما فى تفسير الفاتحة للفنارى وقال فى فتح الرحمن الظن هنا على بابه بمعنى الحسبان لا الظن الذي بمعنى اليقين وهو تعليل لسروره فى الدنيا اى ان هذا الكافر ظن فى الدنيا أَنْ اى الأمر والشأن فهى مخففة من الثقيلة سادة مع ما فى حيزها مسد مفعولى الظن او أحدهما على الخلاف المعروف لَنْ يَحُورَ لن يرجع الى الله تكذيبا للمعاد والحور الرجوع والمحار المرجع والمصير وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما كنت أدرى ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها حورى حورى اى ارجعي وحر الى أهلك اى ارجع ومنه الحديث نعوذ بالله من الحور بعد الكور اى الرجوع عن حالة جميلة والحوارى القصار لرجعه الثواب الى البياض بَلى إيجاب لما بعد لن اى بلى ليحورن البتة وليس الأمر كما يظن إِنَّ رَبَّهُ الذي خلقه كانَ بِهِ وبأعماله الموجبة للجزاء والجار متعلق بقوله بَصِيراً بحيث لا تخفى منها خافية فلا بد من رجعه وحسابه وجزائه عليها حتما إذ لا يجوز فى حكمته أن يهمله فلا يعاقبه على سوء اعماله وهذا زجر لجميع المكلفين عن المعاصي كلها وقال الواسطي ﵀ كان بصيرا به إذ خلقه لماذا خلقه ولاى شىء أوجده وما قدر عليه من السعادة او الشقاوة وما كتب له وعليه من أجله ورزقه فَلا كلمة لا صلة للتوكيد كما مر مرارا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ هى الحمرة التي تشاهد فى أفق المغرب بعد الغروب وبغيبوبتها يخرج وقت المغرب ويدخل وفت العشاء عند عامة العلماء او لبياض الذي يليها ولا يدخل وقت العشاء الا بزواله. وجمعى برآنند كه آن بياض أصلا غائب نمى شود بلكه

стр. 4938

متردد است از أفقى بافقى. وقد سبق تحقيق المقام فى المزمل وهى احدى روايتين عن ابى حنيفة رضى الله عنه ويروى انه رجع عن هذا القول ومن ثمة كان يفتى بالأول الذي هو قول الإمامين وغيرهما سمى به يعنى على كل من المعنيين لرقته لكن مناسبته لمعنى البياض اكثر وهو من الشفقة التي هى عبارة عن رقة القلب ولا شك ان الشمس أعنى ضوءها يأخذ فى الرقة والضعف من غيبة الشمس الى ان يستولى سواد الليل على الآفاق كلها وعن عكرمة ومجاهد الشفق هو النهار بناء على ان الشفق هو اثر الشمس وهو كوكب نهارى واثره هو النهار فعلى هذا يقع القسم بالليل والنهار اللذين أحدهما معاش والآخر سكن وبهما قوام امور العالم وفى المفردات الشفق اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس قال القاشاني فلا اقسم بالشفق اى النورية الباقية من الفطرة الانسانية بعد غروبها واحتجابها فى أفق البدن الممزوجة بظلمة النفس عظمها بالاقسام بها لامكان كسب الكمال والترقي فى الدرجات بها وفى التأويلات النجمية يشير الى أن الله تعالى أقسم بالشفق لكونه مظهر الوحدة الحقيقية الذاتية والكثرة النسبية الاسمائية وذلك لان الشفق حقيقة برزخية بين سواد ليل الوحدة وبياض نهار الكثرة والبرزخ بين الشيئين لا بد له من قوة كل واحد منهما فيكون جامعا لحكم الوحدة والكثرة فحق له أن يقسم به وانما جعل الليل مظهر الوجدة لاستهلاك الأشياء المحسوسة فيه استهلاك التعينات فى حقيقة الوحدة ويدل عليه قوله وجعلنا الليل لباسا لاستتار الأشياء بظلمته وجعلنا النهار معاشا مظهر الكثرة لظهور الأشياء فيه ولاشتمال المعاش على الأمور الكثيرة وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ قال الراغب الوسق جمع المتفرق اى وأقسم بالليل وما جمعه وما ضمه وستره بظلمته فما موصولة يقال وسقه فاتسق واستوسق يعنى ان كلا منهما مطاوع لوسق اى جمعه فاجتمع وما عبارة عما يجتمع بالليل ويأوى الى مكانه من الدواب والحشرات والهوام والسباع وذلك انه إذا اقبل الليل اقبل كل شىء الى مأواه مما كان منتشرا بالنهار وقيل يجوز ان يكون المراد بما جمعه الليل العباد المتهجدين بالليل لانه تعالى قد مدح المستغفرين بالأسحار فيجوز أن يقسم بهم قال القاشاني اى ليل ظلمة البدن وما جمعه من القوى والآلات والاستعدادات التي يمكن بها اكتساب العلوم والفضائل والترقي فى المقامات ونيل المواهب والكمالات وفى التأويلات النجمية يشير الى القسم بليل النفس المطمئنة المستترة بغلسية النفس الامارة بعد الوصول الى المقام المأمول وانما صارت مطمئنة من الرجوع الى حكم النفس الامارة وبقي لها التلوين فى التمكين من أوصاف الكمل من الذرية المحمديين ولهذا أمرت بالرجوع الى ربها بقوله يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك وليس المقصود الذاتي من الرجوع نفس الرجوع بل المقصود الكلى هو الاتصال بالمرجوع اليه قوله وما وسق اى وما جمع من القوى الروحانية المستخلصة من يد تصرف النفس الامارة وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ اى اجتمع وتم بدر الليلة اربع عشرة وفى فتح الرحمن امتلأ فى الليالى البيض يقال امور فلان متبسقة اى مجتمعة على الصلاح كما يقال منتظمة قال فى القاموس وسقه يسقه جمعه وحمله ومنه والليل وما وسق واتسق انتظم انتهى أقسم الله بهذه الأشياء لان

стр. 4939

فى كل منها نحو لا من حال فناسبت المقسم عليها يعنى ان الله تعالى أقسم بتغيرات واقعة فى الافلاك والعناصر على تغير احوال الخلق فان الشفق حالة مخالفة لما قبلها وهو ضوء النهار ولما بعدها وهو ظلمة الليل وكذا قوله والليل وما وسق فانه يدل على حدوث ظلمة بعد نور وعلى تغير احوال الحيوانات من اليقظة الى النوم وكذا قوله والقمر إذا اتسق فانه يدل على حصول كمال القمر بعد ان كان ناقصا قال القاشاني اى قمر القلب الصافي عن خسوف النفس إذا اجتمع وتم نوره وصار كاملا وفى التأويلات النجمية يشير الى القسم بقمر قلب العارف المحقق عند استدارته وبدريته لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً مفعول تركبن عَنْ طَبَقٍ اى لتلاقن حالا بعد حال يعنى برسيد ومتلاشى شويد حالى را بعد از حالى كه كل واحدة منها مطايقة لاختها فى الشدة والفظاعة يقال ما هذا بطبق هذا اى لا يطابقه قال الراغب المطابقة من الأسماء المتضايفة وهو أن يجعل الشيء فوق آخر بقدره ومنه طابقت النعل بالنعل ثم يستعمل الطباق فى الشيء الذي يكون فوق الآخر تارة وفيما يوافق غيره اخرى وقيل الطبق جمع طبقة وهى المرتبة وهو الأوفق للركوب المنبئ عن الاعتلاء والمعنى لتركبن أحوالا بعد احوال هى طبقات فى الشدة بعضها أرفع من بعض وهى الموت وما بعده من مواطن القيامة ودواهيها الى حين المستقر فى احدى الدارين وقرئ لتركبن بالإفراد على خطاب الإنسان باعتبار اللفظ لا باعتبار شموله لافراده كالقراءة الاولى ومحل عن طبق النصب على انه صفة لطبقا اى طبقا مجاوز الطبق او حال من الضمير فى لتركبن طبقا اى مجاوزين لطبق او مجاوزا على حسب القراءة فعن على معناه المشهور وهو المجاوزة وتفسيره بكلمة بعد بيان لحاصل المعنى وقال ابن الشيخ عن هنا بمعنى بعد لان الإنسان إذا صار الى شىء مجاوزا عن شىء آخر فقد صار الى الثاني بعد الاول فصح انه يستعمل فيه بعد وعن معا وايضا لفظ عن يفيد البعد والمجاوزة فكان مشابها للفظ بعد فصح استعمال أحدهما بمعنى الآخر وفى التأويلات النجمية يخاطب القلب الإنساني المتوجه الى الله بأنواع الرياضات واصناف المجاهدات والتقلبات فى الأحوال المطابقة كل واحدة منها الاخرى فى الشدة والمشقة من الجوع والسهر والصمت والعزلة وأمثال ذلك فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ اى إذا كان حالهم يوم القيامة كما ذكر فأى شىء لهم حال كونهم غير مؤمنين اى اى شىء يمنعهم من الايمان مع تعاضد موجباته وفيه اشارة الى النفس والهوى والقوى البشرية الطبيعية وعدم ايمانهم بالقلب وامتثالهم أمره باتباع احكام الشريعة وآداب الطريقة وآثار الحقيقة وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ جملة شرطية محلها النصب على الحالية نسقا على ما قبلها اى اى مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم واستكانتهم عند قراءة النبي ﵇ او واحد من أصحابه وأمته القرآن فانهم من اهل اللسان فيجب عليهم أن يجزموا باعجاز القرآن عند سماعه وبكونه كلاما الهيا ويعلموا بذلك صدق محمد فى دعوى النبوة فيطيعوه فى جميع الأوامر والنواهي ويجوز أن يراد به نفس السجود عند تلاوة آية السجدة على أن يكون المراد بالقرءان آية السجدة بخصوصها لا مطلق

стр. 4940

القرآن كما روى انه ﵇ قرأ ذات يوم واسجد واقترب فسجد هو ومن معه المؤمنين وقريش تصفق فوق رؤسهم وتصفر استهزاء وبه احتج أبو حنيفة على وجوب السجدة فان الذم على ترك الشيء يدل على وجوب ذلك وعن أبى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله ﵇ سجد فيها وكذا الخلفاء وهى الثالثة عشرة من اربع عشرة سجدة تجب عندها السجدة عند أئمتنا على التالي والسامع سوآء قصده أم لا وعن ابن عباس رضى الله عنهما ليس فى مفصل سجدة وكذا قال الحسن هى غير واجبة ثم ان الائمة الثلاثة يسجدون عند قوله لا يسجدون والامام مالك عند آخر السورة وفى التأويلات النجمية وإذا قرئ على النفس والهوى والقوى البشرية الطبيعية المواعظ الالهية القرآنية المنزلة على رسول القلب لا يخضعون ولا ينقادون لاستماعها وامتثال اوامرها وائتمار أحكامها بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ بالقرءان الناطق بما ذكر من احوال القيامة وأهوالها مع تحقق موجبات تصديقه ولذلك لا يخضعون عند تلاوته وهذا من وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالكفر والاشعار بما هو العلة فى عدم خضوعهم للقرءآن وفى البروج فى تكذيب لانه راعى فى السورتين فواصل الآي مع صحة اللفظ وجودة المعنى وفى بعض التفاسير الظاهر ان المرأة التكذيب بالقلب بمعنى عدم التصديق وهو إضراب ترق فان عدم الايمان يكون بالشك ايضا والتكذيب من شدة الكفر وقوة الإنكار الحاملة على الاضراب وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ بما يضمرونه فى قلوبهم ويجمعونه فى صدورهم من الفر والحسد والبغي والبغضاء فيجازيهم على ذلك فى الدنيا والآخرة فما موصولة يقال أوعيت الشيء اى جعلته فى وعاء اى ظرف ثم استعير هو والوعى لمعنى الحفظ او بما يجمعونه فى صحفهم من اعمال السوء ويدخرونه لانفسهم من أنواع العذاب علما فعليا تفصيليا قال القاشاني بما يوعونه فى وعاء أنفسهم وبواطنهم من الاعتقادات الفاسدة والهيئات الفاسقة وقال نجم الدين من إغراقهم فى بحر الشهوات الدنيوية وإحراقهم بنيران العذاب الاخروية فَبَشِّرْهُمْ اى الذين كفروا بِعَذابٍ أَلِيمٍ مؤلم غاية الإيلام لان علمه تعالى بذلك على الوجه المذكور موجب لتعذيبهم حتما وهو استهزاء بهم وتهكم كما قال تعالى الله يستهزئ بهم لان البشارة هى الاخبار بالخبر السار وقد استعملت فى الخبر المؤلم (قال الكاشفى) يعنى خبر كن ايشانرا بعذاب دردناك وفيه رمز الى تبشير المؤمنين بالثواب المريح راحة جسمانية وروحانية لان التخصيص ليس بضائع ولذلك قال تعالى إِلَّا الَّذِينَ استثناء منقطع من الضمير المنصوب فى فبشرهم الراجع الى الذين كفروا والمستثنى وهم المؤمنون خارج عنهم اى لكن الذين آمَنُوا ايمانا صادقا وايضا الايمان العلمي بتصفية قلوبهم عن كدر صفات النفس وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الطاعات المأمور بها وايضا باكتساب الفضائل لَهُمْ فى الآخرة أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ اى غير مقطوع بل متصل دائم من منه منا بمعنى قطعه قطعا او ممنون به عليهم فان المنة تكدر النعمة من من عليه منة والاول هو الظاهر ولعل المراد من الثاني تحقيق الأجر وان
следующие страницы →