← Тафсир

Тафсир · id 23612

روح البيان

إسماعيل حقي

Полный текст (5 110 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الحائك التي بها يسوى السد او اللحمة وَجِئْتُكُمْ ملتبسا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ببرهان بين شاهد على صحة رسالتى فَاتَّقُوا اللَّهَ فى عدم قبولها ومخالفة مدلولها وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به وانها كم عنه بامر الله تعالى وتلك الآية هى قوله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ولا تعصوه بالشرك هذا اى الايمان بالله ورسوله والطاعة صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ طريق سوى يؤدى صاحبه الى الجنة وهو الحق الصريح الذي اجمع عليه الرسل قاطبة فتكون آية بينة على انه ﵇ من جملتهم فقوله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ اشارة الى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد وقال فَاعْبُدُوهُ اشارة الى استكمال القوة العلمية فانه يلازم الطاعة التي هى الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي ثم قرر ذلك بان بين ان الجمع بين الامرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة ونظيره قوله ﷺ (قل آمنت ثم استقم) فالعلم والعمل من مبادى الاستقامة فعليك بالتمسك بالحجة القوية. وسئل الجنيد كيف السبيل الى الانقطاع الى الله فقال بتوبة تزيل الإصرار وخوف يزيل التسويف ورجاء يبعث على مسالك العمل وذكر الله تعالى على اختلاف الأوقات واهانة النفس بقربها من الاجل وبعدها من الأمل قيل له فبماذا يصل العبد الى هذا فقال بقلب مفرد فيه توحيد مجرد. وقال الحسن البصري رضى الله عنه ما طلب رجل هذا الخير يعنى الجنة الا اجتهد ونحل وذبل واستمر واستقام حتى يلقى الله تعالى اما ترى الى قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا. واعلم ان الاستقامة لا يطيقها الا الأكابر لانها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدى الله تعالى على حقيقة الصدق قال رسول الله ﷺ (لا يكونن أحدكم كالعبد السوء ان خاف عمل ولا كالاجير السوء ان لم يعط لم يعمل) قيل ولا يصح رفع الهمة عن الحظوظ جملة لان ذلك مكابرة مع الربوبية وانما المراد ان لا يطلب بالعمل فعلامة العبد الأديب ان يستمر على الطاعة فى باب مولاه ولا ينظر الى شىء سواه لا الى الجنة ولا الى النار فاذا جرد عمله وتوحيده عن الأغراض فقد استقام واتخذ الصراط المستقيم مذهبا والإرشاد الى هذا الطريق انما يفيد لمن كان له استعداد ازلى وقابلية اصلية فبالتربية يصير العبد قابل أنوار الصفات الالهية ويخرج من الظلمات البشرية فعليك بخدمة الكاملين والاستقامة فى طريق اليقين ز خود بهترى جوى وفرصت شمار ... كه با چون خودى كم كنى روزكار وفى الاتباع شرف عظيم قال تعالى مخاطبا لحبيبه ﵇ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وطاعة الرسول واتباعه من لوازم تقوى الله تعالى ألا ترى الى قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فاذا داوم العبد الاتباع يصل الى الاستقامة فانها ليست مما يحصل فى أول الأمر: قال مولانا جلال الدين الرومي قدس سره العزيز سالها بايد كه اندر آفتاب ... لعل يابد رنك ورخشانى وتاب فَلَمَّا الفاء فصيحة تفصح عن تحقق جميع ما قالته الملائكة وخروجه من القوة الى الفعل كأنه قيل فحملته فولدته فكان كيت وكيت وقال ذيت وذيت أَحَسَّ عِيسى أحس استعارة للعلم اليقيني الذي لا شبهة فيه كالاحساس وهو وجدان الشيء بالحاسة كأنه قبل

стр. 492

فلما علم مِنْهُمُ الْكُفْرَ علما لا شبهة فيه كما يدرك بالحواس من الضروريات منهم الكفر اى من بنى إسرائيل وأرادوا قتله وانهم لا يزدادون على رؤية الآيات الا الإصرار على الجحود قالَ لخلص أصحابه مستنصرا على الكفار مَنْ أَنْصارِي الأنصار جمع نصير إِلَى اللَّهِ متعلق بمحذوف وقع حالا من الياء اى من انصارى متوجها الى الله ملتجئا اليه ومن أعواني على اقامة الدين قالَ الْحَوارِيُّونَ جمع حوارى يقال فلان حوارى فلان اى صفوته وخاصته وهم اثنا عشر بعضهم من الملوك وبعضهم من صيادى السمك وبعضهم من القصارين وبعضهم من الصباغين والكل سموا بالحواريين لانهم كانوا أنصار عيسى ﵇ وأعوانه والمخلصين فى محبته وطاعته نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ اى أنصار دينه ورسوله قال تعالى إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ والله ينصر من ينصر دينه ورسله آمَنَّا بِاللَّهِ استئناف جار مجرى العلة لما قبله فان الايمان به تعالى موجب لنصرة دينه والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ مخلصون فى الايمان منقادون لما تريد من امر نصرتك طلبوا منه ﵇ الشهادة بذلك يوم القيامة يوم تشهد الرسل ﵈ لأممهم إيذانا بان مرمى غرضهم السعادة الاخروية رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ من الإنجيل على عيسى وهو تضرع الى الله تعالى وعرض لهم عليه تعالى بعد عرضها على الرسول مبالغة فى اظهار أمرهم وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ اى عيسى على دينه فى كل ما يأتى ويذر من امور الدين فيدخل فيه الاتباع فى النصرة دخولا أوليا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ اى مع الذين يشهدون بوحدانيتك او مع الأنبياء الذين يشهدون لاتباعهم او مع امة محمد ﷺ فانهم شهداء على الناس قاطبة وهو حال من مفعول اكتبنا. وفيه اشارة الى ان كتاب الأبرار انما يكون فى السموات مع الملائكة قال تعالى كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ فاذا كتب الله ذكرهم مع الشهداء المؤمنين كان ذكرهم مشهورا فى الملأ الأعلى وعند الملائكة المقربين وَمَكَرُوا اى الذين علم عيسى كفرهم من اليهود بان وكلوا به من يقتله غيلة وهو ان يخدعه فيذهب به الى موضع فاذا صار اليه قتله وَمَكَرَ اللَّهُ بان رفع عيسى ﵇ والقى شبهه على من قصد اغتياله حتى قتل وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أقواهم مكرا وانفذهم كيدا وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب- روى- ان ملك بنى إسرائيل لما قصد قتله ﵇ امره ان يدخل بيتا فيه روزنة فرفعه جبريل ﵇ من تلك الروزنة الى السماء وكساه الله الريش والبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطارمع الملائكة حول العرش وكان إنسيا ملكيا سماويا ارضيا ثم قال الملك لرجل خبيث منهم ادخل عليه فاقتله فدخل البيت فالقى الله شبهه ﵇ عليه فخرج يخبرهم انه ليس فى البيت فقتلوه وصلبوه ثم قالوا وجهه يشبه وجه عيسى وبدنه يشبه بدن صاحبنا فان كان هذا عيسى فاين صاحبنا وان كان صاحبنا فاين عيسى فوقع بينهم مقال عظيم ولما صلب المصلوب جات مريم ومعها امرأة ابرأها الله من الجنون بدعاء عيسى وجعلتا تبكيان على المصلوب فأنزل الله عيسى ﵇ فجاءهما فقال على من تبكيان قالتا عليك فقال ان الله رفعنى ولم يصبنى الا خيروان هذا شىء شبه لهم فلما كان بعد سبعة ايام قال الله لعيسى اهبط الى

стр. 493

المجدلانية على موضع فى جبلها فانه لم يبك عليك أحد بكاءها ولم يحزن أحد حزنها ثم استجمع الحواريين فبثهم اى فاجعلهم متفرقين فى الأرض دعاة الى الله فاهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا فجمعت له الحواريون فبثهم فى الأرض دعاة ثم رفعه الله اليه وتلك الليلة هى الليلة التي تدخن فيها النصارى فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ والمكر من المخلوقين الخبث والخديعة والحيلة والمكر من الله استدراج العبد واخذه بغتة من حيث لا يعلم فيها ايها العبد خف من وجود احسان مولاك إليك ودوام اساءتك معه فى دوام الطفه بك وعطفه عليك ان يكون ذلك استدراجا لك حتى تقف معها وتغتر بها وتفرح بما أوتيت فتؤخذ بغتة قال الله تعالى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. قال سهل رضى الله عنه فى معنى هذه الآية نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها فاذا ركنوا الى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا. وقال ابو العباس ابن عطاء يعنى كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وانسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة ومن جهل المريد بنفسه وبحق ربه ان يسيئ الأدب بإظهار دعوى او تورط فى بلوا فتؤخر العقوبة عنه امهالا له فيظنه إهمالا فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الامداد وأوجب الابعاد اعتبارا بالظاهر من الأمر من غير تعريج على ماوراء ذلك وما ذاك الا لفقد نور بصيرته او ضعف نورها وإلا فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر حتى ربما ظن انه متوفر فى عين تقصير ولو لم يكن من قطع المدد الا منع المزيد لكان قطعا لان من لم يكن فى زيادة فهو فى نقصان قال ﵇ (من استوى يوماه فهو مغبون) ولو لم يكن من الابعاد الا ان يخليك وما تريد فيصرفك عنه بمرادك هذا والعياذ بالله مكر وخسران. وعن ابن حنبل انه كان يوصى بعض أصحابه فقال خف سطوة العدل وارج رقة الفضل ولا تأمن من مكره تعالى ولو أدخلك الجنة ففى الجنة وقع لا بيك آدم ما وقع وقد يقطع بأقوام فيها فيقال لهم كلوا واشربوا هنيأ بما أسلفتم فى الأيام الحالية فقطعهم بالأكل والشرب عنه وأي مكر فوق هذا وأي خسران أعظم منه إِذْ قالَ اللَّهُ اى اذكر وقت قول الله يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ اى مستوفى أجلك ومعناه انى عاصمك من ان يقتلك الكفار ومؤخرك الى أجل كتبته لك ومميتك ختف انفك لاقتلا بايديهم وَرافِعُكَ الآن إِلَيَّ اى الى محل كرامتى ومقر ملائكتى وجعل ذلك رفعا اليه للتعظيم ومثله قوله إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي وانما ذهب ابراهيم ﵇ من العراق الى الشام وقد يسمى الحاج زوار الله والمجاورون جيران الله وكل ذلك للتفخيم فانه تعالى يمتنع كونه فى المكان وَمُطَهِّرُكَ اى مبعدك ومنحيك مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا اى من سوء جوارهم وخبث صحبتهم ودنس معاشرتهم. قيل سينزل عيسى ﵇ من السماء على عهد الدجال حكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية فيفيض المال حتى لا يقبله أحد ويهلك فى زمانه الملل كلها الا الإسلام ويقتل الدجال ويتزوج بعد قتله امرأة من العرب وتلد منه ثم بموت هو بعد ما يعيش أربعين سنة من نزوله فيصلى عليه المسلمون لانه سأل ربه ان يجعله من هذه الامة فاستجاب الله دعاءه وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ وهم

стр. 494

المسلمون لانهم متبعوه فى اصل الإسلام وان اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم الذين مكروا به ﵇ ومن يسير بسيرتهم من اليهود فان اهل السلام فوقهم ظاهرين بالعزة والمنعة والحجة إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ غاية للجعل لا على معنى ان الجعل ينتهى حينئذ ويتخلص الكفرة من الذلة بل على معنى ان المسلمين بعلونهم الى تلك الغاية فاما بعدها فيفعل الله تعالى بهم ما يريد ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ اى رجوعكم بالبعث والضمير لعيسى ﵇ وغيره من المتبعين له والكافرين به على تغليب المخاطب على الغائب فى ضمن الالتفات فانه ابلغ فى التبشير والانذار فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يومئذ اثر رجوعكم الى فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من امور الدين فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا بالسيف والسبي وأخذ الجزية وإيصال الأمراض والمصائب فانها من العقوبات فى حق الكافر ومن المثوبات فى حق المؤمن لانها ابتلاء محض له وَالْآخِرَةِ بعذاب النار وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يخلصونهم من عذاب الله فى الدارين وصيغة الجمع لمقابلة ضمير الجمع اى ليس لواحد منهم ناصر واحد وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بما أرسلت به وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كما هو ديدن المؤمنين فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ اى يعطيهم أجور أعمالهم كاملة ولعل الالتفات الى الغيبة للايذان بما بين مصدرى التعذيب والاثابة من الاختلاف من حيث الجلال والجمال وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ اى يبغضهم ولا يرضى عنهم ذلِكَ اشارة الى ما سلف من نبأ عيسى ﵇ وغيره نَتْلُوهُ عَلَيْكَ اى نقرأه عليك يا محمد وأسند تلاوته الى نفسه مع ان التالي هو الملك المأمور بها على طريق اسناد الفعل الى السبب الآمر وفيه تعظيم بليغ وتشريف عظيم للملك وانما حسن ذلك لان تلاوة جبريل لما كانت بامره تعالى من غير تفاوت أصلا أضيف ذلك اليه تعالى مِنَ الْآياتِ حال من الضمير المنصوب اى من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لانها اخبار لا يعلمها إلا قارئ الكتاب او من يوحى اليه فظاهر انك لا تكتب ولا تقرأ فبقى ان ذلك من الوحى وَالذِّكْرِ اى القرآن الْحَكِيمِ اى المشتمل على الحكم او المحكم الممنوع من تطرق الخلل اليه والاشارة ان الله تعالى قال لعيسى ﵇ يا عيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ عن الصفات النفسانية والأوصاف الحيوانية وَرافِعُكَ إِلَيَّ بجذبات العناية فمن لم يصر فانيا عما سوى الله لا يكون له وصول الى مقام معرفة الله فعيسى لما رفع الى السماء صارت له حالة كحال الملائكة فى زوال الشهوات والغضب والأخلاق الذميمة. فعلى السالك ان ينهى نفسه عن الهوى ويتبع طريق الهدى ويعتبر بالآيات والذكر الحكيم كى يصل الى النعيم المقيم ويجتنب الظلم فان الله تعالى قال وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ اى الذين يظلمون على أنفسهم بانقضاء العمر فى طلب غير الله خلاف طريقت بود كاوليا ... تمنا كنند از خدا جز خدا فاهل الطريقة هم الذين يمحون نقش الغير عن صفحات القلب ويزكون نفوسهم عن الأوصاف المذمومة فانها مانعة من العروج الى سماء المعرفة وعلو الوصال: قال مولانا جلال الدين رومى قدس سره

стр. 495

آن يكى نحوى بكشتى درنشست ... رو بكشتيبان نهاد آن خود پرست كفت هيچ از نحو حواندى كفت لا ... كفت نيم عمر تو شد در فنا دل شكسته كشت كشتيبان ز تاب ... ليك آن دم كشت خواموش از جواب باد كشتى را بگردابى فكند ... كفت كشتيبان بدان نحوى بلند هيچ دانى آشنا كردن بگو ... كفت نى اى خوش جواب خوب رو «١» كفت كل عمرت اى نحوى فناست ... زانك كشتى غرق اين كردا بهاست محو مى بايد نه نحو اينجا بدان ... كر تو محوى بيخطر در آب ران آب دريا مرده را بر سر نهد ... ور بود زنده ز دريا كى رهد چون بمردى تو ز أوصاف بشر ... بحر اسرارت نهد بر فرق سر فقد ظهر ان الذين يطلبون غير الله هم غرقى فى بحر الهوى والشهوات لا يقدرون على التصعد الى الأعلى واما الذين تخلصوا من قشر الوجود ووصلوا بالفناء عن ذواتهم الى عالم الشهود فهم يطيرون باجنحة أنوار حالهم مع الملائكة المقربين لتخلصهم من الأثقال الدنيوية والاشغال القالبية والبدنية قال تعالى إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى بالتجرد عن الهيآت الجسمانية والتعلقات البدنية فَانْفُذُوا لتنخرطوا فى سلك الارادة الملكوتية والنفوس الجبروتية وتصلوا الى الحضرة العلية لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ اى بحجة بينة هى التوحيد والتجريد والتفريد بالعلم والعمل والفناء فى الله تعالى قال عيسى ﵇ [لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين] والولادة نوعان. اضطراري يخلق الله تعالى ولا دخل فيه للكسب والاختيار وذلك ظاهر. واختياري يحصل بالكسب وهو الذي أشار اليه عيسى ﵇ وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى ويداوى بدواء افضاله هذه النفوس المرضى انه بكل شىء قدر وبتيسيره يسهل كل امر عسير إِنَّ مَثَلَ عِيسى اى شانه البديع المنتظم لغرابته فى سلك الأمثال عِنْدَ اللَّهِ اى فى تقديره وحكمه كَمَثَلِ آدَمَ اى كحاله العجيبة التي لا يرتاب فيها مرتاب ولا ينازع فيها منازع خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ تفسير للمثل لا محل له من الاعراب اى خلق قالب آدم من تراب. فان قيل الضمير فى خلقه راجع الى آدم وحين كان ترابا لم يكن آدم موجودا. قلنا لما كان ذلك الهيكل بحيث سيصير آدم عن قريب سماه آدم قبل ذلك تسمية لما سيقع بالواقع ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ اى انشأ بشرا فَيَكُونُ والمقتضى ان يقال فكان اى كان كما امره الله الا انه عدل الى المضارع حكاية للحال التي كان آدم عليها اى تصويرا لذلك الإيجاد الكامل بصورة المشاهد الذي يقع الآن- روى- ان وفد نجران قدموا المدينة وهم اربعة عشر رجلا من اشرافهم. منهم السيد وهو كبيرهم واسمه اهيب. والعاقب الذي بعده وهو صاحب رأيهم واسمه عبد المسيح. والثالث ابو حارثة ابن علقمة الأسقف وكان فى شرف وخطر عظيم وكان ملك الروم بنى له الكنائس وكان يبعث له بالكرامات فاقبلوا حتى قدموا على النبي ﵇ فى مسجد المدينة بعد العصر عليهم ثياب حسان ولهم وجوه جسام فقاموا وصلوا واستقبلوا قبلتهم وأراد اصحاب النبي صلى الله عليه

стр. 496

وسلم ان يمنعوهم فقال ﷺ (دعوهم) وقد كان نزل على النبي ﵇ قبل قدومهم صدر آل عمران لمحاجتهم ثم انتهى ابو حارثة هذا وآخر معه الى النبي ﵇ فقال لهما ﷺ (أسلما) فقالا اسلمنا قبلك فقال ﷺ (كذبتما يمنعكما عن الإسلام ثلاث عبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير وزعمكما ان لله ولدا) قالوا يا محمد فلم تشتم صاحبنا عيسى قال (وما أقول) قالوا تقول انه عبد قال (أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته القاها الى العذراء البتول) فغضبوا وقالوا هل رأيت إنسانا من غير اب فحيث سلمت انه لا اب له من البشر وجب ان يكون هو الله فقال ﷺ (ان آدم ﵇ ما كان له اب ولا أم) ولم يلزم من ذلك كونه ابنا لله تعالى فكذا حال عيسى ﵇ فالوجود من غير اب وأم أخرق للعادة من الوجود من غير اب فشبه الغريب بالاغرب ليكون اقطع لشبهة الخصم إذا نظر فيما هو اغرب مما استغربه الْحَقُّ اى ما قصصنا عليك من نبأ عيسى وامه هو الحق كائنا مِنْ رَبِّكَ لا قول النصارى انه ابن الله وقولهم ولدت مريم الها ونحو ذلك فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ اى من الشاكين فى ذلك الخطاب للنبى ﵇ على طريقة الالهاب والتهييج لزيادة التثبيت لان النهى عن الشيء حقيقة يقتضى ان يتصور صدور المنهي عنه من المنهي ولا يتصور كونه ﵇ شاكا فى صحة ما انزل عليه والمعنى دم على يقينك وعلى ما أنت عليه من الاطمئنان على الحق والتنزه عن الشك فيه. قال الامام ابو منصور ﵀ العصمة لا تزيل المحنة ولا ترفع النهى فَمَنْ حَاجَّكَ اى من النصارى إذ هم المتصدون للمحاجة فِيهِ اى فى شأن عيسى ﵇ وامه زعما منهم انه ليس على الشأن المحكي مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ اى ما يوجبه إيجابا قطعيا من الآيات البينات وسمعوا ذلك منك فلم يرعووا عما هم عليه من الضلال والغى فَقُلْ اى فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاند وهو ان تدعوهم الى الملاعنة فقل لهم تَعالَوْا التعالي فى الأصل التصاعد كأن الداعي فى علو والمدعو فى سفل فامره ان يتعالى اليه ثم صار ذلك لكل مدعو اين كان اى هلموا بالرأى والعزيمة لا بالأبدان لانهم مقبلون وحاضرون عنده بأجسادهم نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ اكتفى بهم عن ذكر البنات لظهور كونهم أعز منهن. واما النساء فتلقهن من جهة اخرى وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ اى ليدع كل منا ومنكم نفسه واعزة اهله وألصقهم بقلبه الى المباهلة ويحملهم عليها ثُمَّ نَبْتَهِلْ اى نتباهل بان نلعن الكاذب ونقول لعنة الله على الكاذب منا ومنكم فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ عطف على نبتهل مبين لمعناه- روى- انهم لما دعوا الى المباهلة قالوا حتى نرجع وننظر فلما خلا بعضهم ببعض قالوا لعبد المسيح ما ترى فقال والله لقد عرفتم يا معشر النصارى ان محمدا نبى مرسل ولقد جاءكم بالفصل من امر صاحبكم والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكن فان أبيتم الا الف دينكم والاقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا الى بلادكم فأتوا رسول الله ﷺ وقد خرج محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشى خلفه وعلى خلفها رضى الله عنه وهو يقول (إذا انا دعوت فأمنوا) فقال اسقف نجران

стр. 497

اى أعلمهم بامور دينهم وهو ابو حارثة يا معشر النصارى انى لأرى وجوها لو شاء الله تعالى ان يزيل جبلا من مكانه لا زاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصرانى الى يوم القيامة فقالوا يا أبا القاسم رأينا ان لا نباهلك وان تترك على دينك ونثبت على ديننا قال ﷺ (فاذا أبيتم المباهلة فاسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين) فأبوا فقال (فانى احاربكم) فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على ان لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على ان نؤدى إليك كل عام الفى حلة الف فى صفر والف فى رجب وثلاثين درعا عادية من حديد فصالحهم على ذلك وكتب لهم كتابا بذلك وقال (والذي نفسى بيده ان الهلاك قد تدلى على اهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل الله نجران واهله حتى الطير على رؤس الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا) إِنَّ هذا اى ما قص من نبأ عيسى ﵇ وامه لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ دون ما عداه من أكاذيب النصارى وَما مِنْ إِلهٍ ما اله إِلَّا اللَّهُ صرح فيه بمن الاستغراقية تأكيدا للرد على النصارى فى تثليثهم وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ القادر على جميع المقدورات. الحكيم المحيط بالمعلومات لا أحد يشاركه فى القدرة والحكمة ليشاركه فى الالوهية فَإِنْ تَوَلَّوْا اى اعرضوا عن قبول التوحيد والحق الذي قص عليك بعد ما عاينوا تلك الحجج النيرة والبراهين الساطعة فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ اى فاقطع كلامك عنهم وفوض أمرهم الى الله فان الله عليم بفساد المفسدين مطلع على ما فى قلوبهم من الأغراض الفاسدة قادر على مجازاتهم. واعلم ان لمباهلة الأنبياء تأثيرا عظيما سببه اتصال نفوسهم بروح القدس وتأييد الله إياهم به وهو المؤثر بإذن الله فى العالم العنصري فيكون انفعال العالم العنصري منه كانفعال بدننا من روحنا بالهيئات الواردة عليها كالغضب والخوف والسرور والفكر فى احوال المعشوق وغير ذلك من تحريك الأعضاء عند حدوث الإرادات والعزائم وانفعال النفوس الملكية تأثيرها فى العالم عند التوجه الاتصالى تأثير ما يتصل به فينفعل اجرام العناصر والنفوس الناقصة الانسانية فيه بما أراد ألم تر كيف انفعلت نفوس النصارى من نفسه ﵇ قبل المباهلة بالخوف واحجمت عن المباهلة فطلبت الموادعة بالجزية كذا فى التأويلات القاشانية. وكذا حال الولي إذا دعا على انسان يكون له تأثير بالمرض او الموت او غير ذلك من البلايا- روى- ان الشاعر البساطى رأى يوما الشيخ كمال الدين الخجندي فى مجلس الشعراء فقال از كجايى از كجايى اى لوند ... فقال الشيخ فى جوابه على الفور از خجندم از خجندم از خجند ... ولكنه تأذى من سوء أدبه ومعاملته معه هكذا وحمله على سكره فقال الغالب ان هذا الشاب سكران فسمعه البساطى وقال بالبداهة سيه چشميست مردم كش خراب غمزه اويم ... از آن در عين هشيارى سخن مستانه ميكويم ثم قال بطريق الهجو له اى ملحد خجندى ريش بزرك دارى ... كز غايت بزركى ده ريش ميتوان كفت فلما سمعه الشيخ تألم منه تألما شديدا فدعا عليه فى ذلك المجلس فمات من ساعته من تأثير نفسه

стр. 498

الشريف فى حقه فليجانب العاقل اذية الصلحاء فان مكره يعود اليه دونهم قال تعالى وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ: قيل ونعم ما قيل ناى كند ناله بدين قول راست ... از نفس پير بترس اى جوان فحفظ قلوب المشايخ وترك الخلاف عليهم سبب للترقى الى المطالب العالية وباعث للاحترام والإكرام قال رسول الله ﷺ (ما أكرم شاب شيخا لسنه الا قيض الله له من يكرمه عند سنه) قال المشايخ عقوق الاستاذين لا توبة منه- ويحكى- عن ابى الحسن الهمداني قال كنت ليلة عند جعفر الخالدي وكنت أمرت فى بيتي ان يعلق لى طير فى التنور وكان قلبى معه فقال لى جعفر أقم عندنا الليلة فتعللت بشىء ورجعت الى منزلى فاخرج الطير من التنور ووضع بين يدى فدخل كلب من الباب وحمل الطير عند تغافل الحاضرين واتى بالجوذاب الذي تحته فتعلق به ذيل الخادمة فانصب فلما أصبحت دخلت على جعفر فحين وقع بصره على قال من لم يحفظ قلوب المشايخ يسلط عليه كلب يؤذيه. قال الشيخ ابو على الدقاق قدس سره لما نفى اهل بلخ محمد بن الفضل من البلد دعا عليهم وقال اللهم امنعهم الصدق فلم يخرج من بلخ بعده صديق عصمنا الله وإياكم من المخالفة آمين قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ اى اليهود والنصارى تَعالَوْا كان ﵇ حريصا على ايمانهم فامره الله تعالى بان يعدل عن طريق المجادلة والاحتجاج الى نهج يشهد كل عقل سليم انه كلام مبنى على الانصاف وترك الجدال لا ميل فيه الى جانب حتى يكون فيه شائبة التعصب فهو كلام ثابت فى المركز نسبته إلينا وإليكم على سواء واعتدال فقال قل يا اهل الكتاب تعالوا اى هلموا والمراد تعيين ما دعوا اليه والتوجه الى النظر فيه وان لم يكن انتقالا من مكان الى مكان لان اصل اللفظ مأخوذ من التعالي وهو الارتفاع من موضع هابط الى مكان عال ثم كثر استعماله حتى صار دالا على طلب التوالي حيث يدعى اليه إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ لا يختلف فيها الرسل والكتب فيها انصاف من بعضنا لبعض ولا ميل فيها لا حد على صاحبه وهى أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ اى نوحده بالعبادة ونخلص فيها وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ولا نجعل غيره شريكا فى استحقاق العبادة ولا نراه أهلا لان نعبده وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ بان نقول عزير ابن الله والمسيح ابن الله ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحليل والتحريم لان كلا منهم بعضنا وبشر مثلنا وعن الفضيل لا أبالي أطعت مخلوقا فى معصية الخالق أم صليت لغير القبلة فَإِنْ تَوَلَّوْا عما دعوتم اليه من التوحيد وترك الإشراك فَقُولُوا اى قل لهم أنت والمؤمنون اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ اى لزمتكم الحجة فاعترفوا بانا مسلمون دونكم- روى- ان رسول الله ﷺ كتب الى قيصر (من محمد رسول الله الى هر قل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى اما بعد فانى أدعوك برعاية الإسلام اسلم تسلم) اى من السبي فى الدنيا ومن العذاب فى الآخرة (واسلم يؤتك الله أجرك مرتين وان توليت فان عليك اثم الأريسيين ويا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ان لا نعبد الا الله ولا نشرك به شيأ) الى قوله (فقولوا اشهدوا بانا مسلمون) . وجاء فى الخبر الصحيح ان هر قل سأل عن حال النبي

стр. 499

عليه السلام وعرفها ممن جاء بكتابه فقال لو كنت عنده لقبلت قدميه لمعرفته صدق النبي ﵇ بعلاماته المعلومة له من الكتب القديمة لكن خاف من ذهاب الرياسة. ثم انه كتب جواب كتابه ﵇ انا نشهد انك نبى ولكنا لا نستطيع ان نترك الدين القديم الذي اصطفاه الله لعيسى ﵇ فعجب النبي ﵇ فقال (لقد ثبت ملكهم الى يوم القيامة ابدا) . وكتب الى كسرى ملك فارس فمزق كتابه ورجع الرسول بعد ما أراد قتله فدعا عليه رسول الله ﷺ فقال خرق الله ملكهم فلا ملك لهم ابدا فكان كذلك. والاشارة فى الآية ان اصول الأديان كلها اخلاص العبودية كما قال تعالى أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً يعنى كما لا نعبد الا الله لا نطلب منه غيره وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فى طلب الرزق ورؤية الأمور من الوسائط فَإِنْ تَوَلَّوْا يعنى من اعرض عن هذا الأصل فَقُولُوا أنتم لهم اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ مستسلمون لما دعانا الله اليه من التوحيد والإخلاص فى العبودية ونفى الشرك والسر فى الاشهاد على الإسلام ليشهد الكفار لهم يوم القيامة على الإسلام والتوحيد كما يشهد لهم المؤمنون كما قال النبي ﵇ لابى سعيد الخدري رضى الله عنه (انى أراك تحب الغنم والبادية فاذا كنت فى غنمك وباديتك فاذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فانه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا انس ولا شىء الا شهد له يوم القيامة) فيكون شهادة الكفار لهم بالتوحيد يوم القيامة حجة على أنفسهم. فالتوحيد هى العروة الوثقى واصل الأصول يهب من جانب الغيب لمن أخلصه قبول القبول. فعلى العاقل ان لا يخالف كتاب الله بالاعراض عن فحاويه وعدم التدبر فى معانيه بل يسلك سبيل العلم والأعمال ويجتنب الجهل والغى والضلال قبل ان يهال عليه التراب ويلف فى الأكفان من الأثواب: قال الفاضل عبد الرحمن الجامى قدس سره پيش كسرى ز خردمند حكيمان ميرفت ... سخن از سخت ترين موج درين لجه غم آن يكى كفت كه بيمارى واندوه دراز ... وان دگر كفت كه نادارى و پيريست بهم سيومين كفت كه قرب أجل وسوء عمل ... عاقبت رفت بترجيح سوم حكم حكم يعنى اجتمع يوما فى مجلس انو شروان ثلاثة من الحكماء فانجر الكلام الى ان أشد الشدائد ما هو. فقال الحكيم الرومي هو الشيخوخة مع الفقر. وقال الحكيم الهندي المرض وعلة البدن مع كثرة الغموم والهموم. وقال الحكيم بزرجمهر هو قرب الاجل وسوء العمل فاتفقوا على قوله رزقنا الله وإياكم حلاوة الطاعات وأيدنا بتوفيقه قبل قدوم هاذم اللذات آمين يا أَهْلَ الْكِتابِ من اليهود والنصارى لِمَ تُحَاجُّونَ تجادلون فِي ملة إِبْراهِيمَ وشريعته تنازعت اليهود والنصارى فى ابراهيم ﵇ وزعم كل واحد منهما انه ﵇ منهم وترافعا الى رسول الله ﷺ فنزلت والمعنى لم تدعون انه ﵇ كان منكم وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ على موسى ﵇ وَالْإِنْجِيلُ على عيسى ﵇ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد موته وأنتم سميتم باليهودية والنصرانية بعد نزول الكتاب أَفَلا تَعْقِلُونَ اى ألا تتفكرون فلا تعقلون بطلان مذهبكم فتجادلون بالجدال المحال لان

стр. 500

بين ابراهيم وموسى الف سنة وبين موسى وعيسى الفى سنة فكيف يكون ابراهيم على دين لم يحدث الا بعد عهده بأزمنة متطاولة ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جملة من مبتدأ وخبر صدرت بحرف التنبيه ثم بينت بجملة مستأنفة اشعارا بكمال غفلتهم اى أنتم هؤلاء الحمقى حيث حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ من التوراة والإنجيل من نبوة محمد ﵇ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فيما لا ذكر له فى كتابكم ولا علم لكم به من دين ابراهيم إذ لا ذكر لدينه ﵇ فى أحد الكتابين قطعا وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما حاججتم فيه فيعلمنا وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ اى محل النزاع ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا تصريح بما نطق به البرهان المقرر وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً اى مائلا عن العقائد الزائغة كلها مُسْلِماً اى منقادا لله تعالى وليس المراد انه كان على ملة الإسلام والا لاشترك الإلزام وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تعرض بانهم مشركون بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله ورد لادعاء المشركين انهم على ملته ﵇ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ اى ان أحق الناس بدعواه انه على دين ابراهيم لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فى زمانه وَهذَا النَّبِيُّ اى محمد المصطفى ﷺ لانه اتبعه وَالَّذِينَ آمَنُوا بالله وبمحمد ﷺ من هذه الامة لموافقتهم فى اكثر ما شرعه لهم على الاصالة وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ينصرهم ويجازيهم الحسنى بايمانهم وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ اى أحبت لَوْ اى ان يُضِلُّونَكُمْ يصرفونكم عن دين الإسلام الى دين الكفر وانما قال طائفة لان من اهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ جملة حالية جيئ بها للدلالة على كمال رسوخ المخاطبين وثباتهم على ما هم عليه من الدين القويم اى وما يتخطاهم الإضلال ولا يعود وباله الا إليهم لما انه يضاعف به عذابهم وَما يَشْعُرُونَ اى باختصاص وباله وضرره بهم. اعلم انه تعالى لما بين ان من طريقة اهل الكتاب العدول عن الحق والاعراض عن قبول الحجة بين انهم لا يقتصرون على هذا القدر بل يجتهدون فى إضلال من آمن بالرسول ﵇ بإلقاء الشبهات. فعلى العاقل ان لا يضل عن الطريق القويم بإلقاءات كل شيطان رجيم من ضلال الانس والجان أصلحهم الله الملك المنان وماذا بعد الحق الا الضلال. قال ابن مسعود رضى الله عنه لما دنا فراق رسول الله ﷺ جمعنا فى بيت أمنا عائشة رضى الله عنها ثم نظر إلينا فدمعت عيناه وقال (مرحبا بكم حياكم الله رحمكم الله أوصيكم بتقوى الله وطاعته قددنا الفراق وحان المنقلب الى الله والى سدرة المنتهى والى جنة المأوى يغسلنى رجال اهل بيتي ويكفوننى فى ثيابى هذه ان شاؤا فى حلة يمانية فاذا غسلتمونى وكفنتمونى ضعونى على سريرى فى بيتي هذا على شفير لحدى ثم اخرجوا عنى ساعة فاول من يصلى على حبيبى جبريل ﵇ ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم ملك الموت مع جنودهم ثم ادخلوا على فوجا فوجا صلوا على) فلما سمعوا فراقه صاحوا وبكوا وقالوا يا رسول الله أنت رسول ربنا وشمع جمعنا وسلطان أمرنا إذا ذهبت عنا فالى من تراجع فى أمورنا قال (تركتكم على المحجة البيضاء) اى على الطريق الواسع الواضح ليلها كنهارها فى الوضوح ولا يزيغ بعدها الى غيرها الا هالك (وتركت لكم واعظين ناطقا وصامتا

стр. 501

فالناطق القرآن والصامت الموت فاذا أشكل عليكم امر فارجعوا الى القرآن والسنة وإذا قسا قلبكم فلينوه بالاعتبار فى احوال الأموات) جهان اى پسر ملك جاويد نيست ... ز دنيا وفادارى اميد نيست والناس فى الاعتقاد والعمل متفاوتون. فمنهم من هو متين كالحصن الحصين لا يزول عما هو عليه وان اتفق الناس فى إضلاله وهو المرتبة القصوى فى باب الدين التي نالها الأنبياء والأولياء والافراد من المؤمنين قال على كرم الله وجهه [لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا] ولا يطرأ الشك فى المحسوس فكذا ما هو فى حكمه. ومنهم من هو ضعيف لا متانة فيه تذروه رياح الهوى حيث شاءت بعد ان لم تساعد له العناية الازلية قال رسول الله ﷺ (الناس كمعادن الذهب والفضة) يعنى ان الناس معادن الأعمال والأخلاق والأقوال ولكن يتفاوتون فيها كما تتفاوت معادن الذهب والفضة الى ان تنتهى الى الأدنى فالادنى. قال فى شرح المصباح وفيه اشارة الى ان ما فى معادن الطباع من جواهر مكارم الأخلاق ينبغى ان تستخرج برياضة النفوس كما يستخرج الجواهر من المعادن بالمقاساة والتعب ولقد أجاد من قال بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلى سهر الليالى تروم العز ثم تنام ليلا ... يغوص البحر من طلب اللآلى فلا بد من الاجتهاد والاستمداد من الابدال والأوتاد لعل الله يسهل سلوك هذا الطريق ويخلص من خطر هذا البحر العميق بارى كه آسمان وزمين سر كشيد از آن ... مشكل بود بياورئ جسم وجان كشيد همت قوى كن از مدد رهروان عشق ... كان بار را بقوت همت توان كشيد يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ اى بما نطقت به التوراة والإنجيل ودلت على نبوة محمد ﷺ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ اى والحال انكم تشهدون انها آيات الله يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ اى تخلطون الْحَقَّ بِالْباطِلِ المراد بالحق كتاب الله الذي أنزله على موسى وعيسى ﵉. وبالباطل ما حرفوه وكتبوه بايديهم وبخلط أحدهما بالآخر إبراز باطلهم فى صورة الحق بان يقولوا الكل من عند الله تعالى وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ اى نبوة محمد ﷺ ونعته وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ انه حق ثابت فى كتابكم وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم رؤساؤهم ومقتدوهم لا عقابهم آمِنُوا بِالَّذِي اى أظهروا الايمان بالقرآن الذي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا اى على المسلمين وَجْهَ النَّهارِ اى فى اوله لان أول النهار هو أول ما ظهر منه كما ان الوجه أول ما يظهر من أعضاء الإنسان عند الملاقاة وَاكْفُرُوا آخِرَهُ اى أظهروا ما أنتم عليه من الكفر به فى آخر النهار مرائين لهم انكم آمنتم به بادى الرأى من غير تأمل ثم تأملتم فيه فوقفتم على خلل رأيكم الاول فرجعتم عنه لَعَلَّهُمْ اى المؤمنين يَرْجِعُونَ عماهم عليه من الايمان به كما رجعتم. والمراد بالطائفة كعب بن الأشرف ومالك ابن الصيف قالا لا صحابهما لما حولت القبلة آمنوا بما انزل عليهم من الصلاة الى الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم صلوا الى الصخرة آخره لعلهم يقولون هم اعلم منا وقد رجعوا فيرجعون

стр. 502

وَلا تُؤْمِنُوا اى لا تقروا بتصديق قلبى إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ اى لاهل دينكم لا لمن تبع محمدا واسلم لما قالت الطائفة المتقدمة لاتباعهم أظهروا الايمان بالقرآن أول النهار كان من بقية كلامها لهم انكم لا تصدقوا بحقية الإسلام والقرآن بقلوبكم لكن لا تظهروه للمسلمين ولا تقروا بذلك الا لاهل دينكم قُلْ يا محمد للرؤساء إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ يهدى به من يشاء الى الايمان ويثبته عليه فاذا كانت الهداية والتوفيق من الله فلا يضر كيدكم وحيلكم وهو اعتراض مقيد لكون كيدهم غير مجد لطائل أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ علة بتقدير اللام لفعل محذوف اى قلتم ذلك القول ودبرتم الكيد لان يعطى أحد مثل ما أعطيتم من فضل الكتاب والعلم لا لشىء آخر يعنى ما بكم من الحسد صار داعيا لكم الى ان قلتم ما قلتم أَوْ يُحاجُّوكُمْ عطف على ان يؤتى وضمير الجمع عائد الى أحد لانه فى معنى الجمع اى دبرتم ما دبرتم لذلك ولان يحاجوكم عند كفركم بما يؤتى أحد من الكتاب مثل كتابكم عِنْدَ رَبِّكُمْ يوم القيامة فيغلبوكم بالحجة فان من آتاه الله الوحى لا بد ان يحاج مخالفيه عند ربه قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ اى الهدى والتوفيق وإيتاء العلم والكتاب بِيَدِ اللَّهِ اى بقدرته ومشيئته يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ من عباده وَاللَّهُ واسِعٌ اى كامل القدرة عَلِيمٌ اى كامل العلم فلكمال القدرة يصح ان يتفضل على أي عبد يشاء بأى تفضل شاء ولكمال علمه لا يكون شىء من أفعاله الا على وجه الحكمة والصواب يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ اى يجعل رحمته مقصورة على مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ كلاهما تذييل لما قبله مقرر لمضمونه. والاشارة فى تحقيق الآيات ان الحسد وان كان مركوزا فى جبلة الإنسان ولكن له اختصاص بعالم يتعلم العلم ليمارى به السفهاء ويباهى به العلماء ويجعله وسيلة لجمع المال وحصول الجاه والقبول عند ارباب الدنيا فيحسد على كل عالم آتاه الله كلمة فهو ينشرها ويفيد الخلق كما قال ﵇ (لا حسد الا فى اثنين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكه فى حق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضى بها ويعلمها) اى لا حسد كحسد الحاسد على هذين الرجلين وكان حسد أحبار اليهود على النبي ﵇ من هذا القبيل. قال رسول الله ﷺ (ستة يدخلون النار قبل الحساب قيل يا رسول الله من هم قال (الأمراء من بعدي بالجور والعرب بالعصبية والدهاقين بالكبر والتجار بالخيانة واهل الرستاق بالجهل واهل العلم بالحسد) قال رسول الله ﷺ (ثلاث هن اصل كل خطيئة فاتقوهن واحذروهن إياكم والكبر فان إبليس حمله الكبر على أن لا يسجد لآدم) : قال المولى الجامى لاف بي كبرى مزن كان از نشان پاى مور ... در شب تاريك بر سنك سيه پنهان ترست وز درون كردن برون انرا مكير آسان كزان ... كوه را كندن بسوزن از زمين آسان ترست (وإياكم والحرص فان آدم حمله الحرص على ان أكل من الشجرة) : وقال ايضا در هر دلى كه عز قناعت نهاد پاى ... از هر چهـ بود حرص وطمع را ببست دست هر جا كه عرضه كرد قناعت متاع خويش ... بازار حرص ومعركه آز را شكست (وإياكم والحسد فان ابني آدم انما قتل أحدهما صاحبه حسدا) : قال الشيخ السعدي توانم انكه نيازارم اندرون كسى ... حسود را چهـ كنم كوز خود برنج درست

стр. 503

بمير تا برهى اى حسود كين رنجيست ... كه از مشقت آن جز بمرك نتوان رست وقال الأصمعي رأيت أعرابيا اتى عليه مائة وعشرون سنة فقلت ما طول عمرك فقال تركت الحسد فبقيت. وفى بعض الآثار أن فى السماء الخامسة ملكا يمربه عمل عبد له ضوء كضوء الشمس فيقول قف فانا ملك الحسد اضربوا به وجه صاحبه فانه حاسد. وقيل من علامات الحاسد ان يتملق إذا شهد ويغتاب إذا غاب ويشمت بالمصيبة إذا نزلت وانشدوا وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت ... اتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود فالحسد من الأخلاق المذمومة للنفس فلا بد من إزالته عنها بكثرة التوحيد والاذكار ورؤية الآثار من الله الجبار فان تباين مقامات افراد الإنسان فى العلم والعمل والخلق وسائر الصفات الفاضلة رحمة لهم ولم يكن ذلك الا بتقدير العزيز العليم فى الأزل فالحاسد يسفه الحق سبحانه وانه أنعم على من لا يستحق تعالى الله عما يقول الظالمون وقد ذم الله الحاسدين فى كتابه قال تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ واما الغبطة فهى محمودة نسأل الله ان يحلينا بالصفات الشريفة والأخلاق اللطيفة ويخلينا من الرذائل النفسية آمين يا رب العالمين وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يقال أمنته بكذا فالباء للالصاق بالامانة فان من ائتمن على شىء صار ذلك الشيء فى معنى الملصق به لقربه منه واتصاله بحفظه والمراد بالقنطار هاهنا العدد الكثير يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ من غير جحد ونقص كعبد الله بن سلام استودعه قرشى الفا ومائتى اوقية ذهبا فادها اليه فاهل الامانة من اهل الكتاب هم الذين اسلموا وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ والمراد بالدينار هاهنا العدد القليل لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وهو كعب بن الأشرف استودعه رجل من قريش دينارا فلم يؤده وجحده فذمه تعالى فاهل الخيانة منهم هم الذين بقوا على اليهودية والنصرانية والمعنى ان فيهم من هو فى غاية الامانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة ادى الامانة فيها ومنهم من هو فى غاية الخيانة حتى لو اؤتمن فى الشيء القليل فانه يخون إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً استثناء مفرغ من أعم الأحوال والأوقات اى لا يؤده إليك فى حال من الأحوال او فى وقت من الأوقات الا فى حال دوام قيامك او فى وقت قيامك على رأسه مبالغا فى مطالبته بالتقاضي واقامة البينة ذلِكَ اى تركهم أداء الحقوق بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ اى فى شأن من ليس من اهل الكتاب سَبِيلٌ اى عتاب ومؤاخذة ونفى السبيل نفى المطالبة فان المطالب لا يتمكن من المطالبة الا إذا وجد السبيل الى المطلوب. والأمي منسوب الى الام وسمى النبي ﵇ أميا لأنه كان لا يكتب وذلك لان الام اصل الشيء فمن لا يكتب فقد بقي على اصل حاله فى ان لا يكتب. وقيل لانه ﵇ نسب الى مكة وهى أم القرى وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بادعائهم ان ذلك فى كتابهم وَهُمْ يَعْلَمُونَ انهم كاذبون مفترون على الله وذلك لانهم استحلوا ظلم من خالفهم وقالوا لم يجعل فى التوراة فى حقهم حرمة فقد كذبوا فى ذلك على الله فان أداء الامانة واجب فى الأديان كلها وحبس مال الغير والإضرار به والخيانة اليه حرام بَلى اثبات لما نفوه اى بلى عليهم فى الأميين سبيل مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ الضمير راجع الى من اى من أتم

стр. 504

بعهد الوافي أو بعهد الله الذي عهده إليهم فى التوراة وأخذ ميثاقهم عليه من الايمان بمحمد وأداء الامانة وَاتَّقى اى الشرك والخيانة وجواب الشرط وهو من قوله فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ عن الغدر والخيانة ونقض العهد اى فان الله يحبه فقام عموم المتقين مقام الضمير الراجع من الجزاء الى من يعنى التقوى تعم وفاء ما عاهدوا الله عليه من الايمان بمحمد ﵇ وبما جاء به مما يتعلق بتكميل القوة النظرية والعملية. ودلت الاية على تعظيم امر الوفاء بالعهد وذلك لان الطاعات مقصورة على أمرين التعظيم لامر الله تعالى والشفقة على خلق الله فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معا إذ ذلك سبب لمنفعة الخلق فهو شفقة على خلق الله ولما امر الله به كان الوفاء به تعظيما لامر الله قال رسول الله ﷺ (اربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن) اى جعل أمينا ووضع عنده امانة (خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد عدر) اى ترك الوفاء (وإذا خاصم فجر) اى مال عن الحق. قال صاحب التحفة وليس الغرض ان آية المنافق محصورة فيها بل كل من ابطن خلاف ما اظهر فهو من المنافقين فصدور العدد من حير الأنام يكون باعتبار اقتضاء المقام والوفاء بالعهد كما يمكن ان يكون فى حق الغير يمكن ايضا فى حق النفس لان الوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات والتارك للمحرمات لانه عند ذلك تفوز النفس بالثواب وتبعد عن العقاب. فعلى العاقل ان يوفى بعهده فى السراء والضراء ويجتهد فى محافظته- حكى- ان شابا عقد مع الله عقدا ان لا ينظر الى شىء من مستحسنات الدنيا فمر يوما بسوق فرأى منطقة مرصعة بالدر والجوهر فنظر إليها فاعجبته ثم مضى عنها وقد نظر اليه صاحبها فلما ذهب عنه افتقدها فلم يجدها فوثب مسرعا حتى تعلق بالشاب وقال يا عيار أنت سارق منطقتى فحمله الى السلطان فلما نظر اليه قال ليس هذا من اهل السرقات فقال بل هو سارق منطقتى وصفتها كيت كيت فامر بتفتيشه فوجدوها على وسطه فقال له السلطان يا فتى أما تستحيى تلبس لباس الأخيار وتعمل عمل الفجار فنظر الفتى الى المنطقة فقال مولاى الاقالة الاقالة الهى لا أعود الى مثلها فأمر السلطان ان يضرب فجرد ليضربوه فاذا هم بصوت يسمع ولا يرى يقول دعوه ولا تضربوه انما أردنا تأديبه فوثب السلطان الى الفتى وقبله بين عينيه ثم قال أخبرني عن قصتك فاخبره فتعجب من ذلك ثم قرأ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فقال صاحب المنطقة سألتك بالله ألا ما قبلتها منى واجعلنى فى حل فقال إليك عنى ليس هذا من صنعتك انما الصنع لصاحب الصنع ولا مؤثر فى الوجود غير الحق وليس فى الدار غيره ديار چهـ خوش كفت بهلول فرخنده خوى ... چوبگذشت بر عارفى جنك جوى كر اين مدعى دوست بشناختى ... به پيكار دشمن نپرداختى كر از هستئ حق خبر داشتى ... همه خلق را نيست پنداشتى فاذا وقفت على هذا الخبر فقم فى تربية نفسك الى ان تصل الى الهوية المطلقة مميطا لثام الاثنينية مشاهدا وجود الحق فى كل شىء رزقنا الله وإياكم مشاهدته إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ اى يستبدلون ويأخذون بِعَهْدِ اللَّهِ اى بدل ما عاهدوا عليه من الايمان بالرسول ﷺ والوفاء بالأمانات وَأَيْمانِهِمْ وبما حلفوا به من قولهم لنؤمنن به ولننصرنه

стр. 505

ثَمَناً قَلِيلًا هو حطام الدنيا أُولئِكَ الموصوفون بتلك الصفات القبيحة لا خَلاقَ لا نصيب لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ولا فى نعيمها وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وهو كناية عن شدة غضبه وسخطه نعوذ بالله من ذلك وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وهو مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم وَلا يُزَكِّيهِمْ اى لا يثنى عليهم كما يثنى على أوليائه مثل ثناء المزكى للشاهد. والتزكية من الله تعالى قد تكون على ألسنة الملائكة كقوله تعالى وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ وقد تكون بغير واسطة اما فى الدنيا فكقوله تعالى التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ واما فى الآخرة فكقوله تعالى سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ على ما فعلوه من المعاصي. والآية نزلت فى اليهود الذين حرفوا التوراة وبدلوا نعت رسول الله ﷺ وأخذوا الرشوة على ذلك وَإِنَّ مِنْهُمْ اى من اليهود المحرفين لَفَرِيقاً ككعب ابن الأشرف ومالك بن الصيف واضرابهما يَلْوُونَ من اللى وهو الفتل أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ اى يفتلونها بقراءته فيميلونها من المنزل الى المحرف لِتَحْسَبُوهُ اى المحرف المدلول عليه بقوله يلوون مِنَ الْكِتابِ اى من جملته وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ حال من الضمير المنصوب اى والحال انه ليس منه فى نفس الأمر وفى اعتقادهم ايضا وَيَقُولُونَ مع ما ذكر من اللى والتحريف على طريقة التصريح لا بالتوراة والتعريض هُوَ اى المحرف مِنْ عِنْدِ اللَّهِ اى منزل من عند الله وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ اى والحال انه ليس من عنده تعالى فى اعتقادهم ايضا وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ انهم كاذبون ومفترون على الله وهو تأكيد وتسجيل عليهم بالكذب على الله تعالى والتعمد فيه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف وغيروا التوراة وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله ﷺ ثم أخذت قريظة ما كتبوا فخلطوه بالكتاب والاشارة فى الآيتين إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ الذي عاهدهم الله به يوم الميثاق فى التوحيد وطلب الوحدة وَأَيْمانِهِمْ التي يحلفون بها هاهنا ثَمَناً قَلِيلًا من متاع الدنيا وزخارفها مما يلائم الحواس الخمس والصفات النفسانية أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ الروحانية من نسيم روائح الأخلاق الربانية وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ تقريبا وتكريما وتفهيما وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بنظر العناية والرحمة فيرحمهم ويزكيهم عن الصفات التي بها يستحقون دركات جهنم وَلا يُزَكِّيهِمْ عن الصفات الذميمة التي هى وقود النار بالنار الى الابد ولا يتخلصون منها ابدا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فيما لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم وَإِنَّ مِنْهُمْ اى من مدعى اهل المعرفة لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ اى بكلمات اهل المعرفة لِتَحْسَبُوهُ من المعرفة وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ الذي كتب الله فى قلوب العارفين وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعنى من العلم اللدني وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بإظهار الدعاوى عند فقدان المعاني وَهُمْ يَعْلَمُونَ ولا يعلمون انهم يقولون ما لا يفعلون: قال السعدي قدس سره كرا جامه پاكست وسيرت پليد ... درد ورخش را نبايد كليد يعنى يدخل جهنم من قبل ان يحاسب على ما فعله لان مآله الى النار والمحاسبة وان كانت نوعا من التعذيب الا ان عذاب جهنم أشد منها

стр. 506

اگر مردى از مردئ خود مكوى ... نه هر شهسوارى بدر برد كوى يعنى كل عابد لا يخلص إيمانه فى عاقبته بل من المتعيشين بالصلاح من يموت على الطلاح والعياذ بالله كسى سر بزركى نباشد بچيز ... كدو سر بزركست وبي مغز نيز ميفراز كردن بدستار وريش ... كه دستار پنبه است وسبلت حشيش اى النبات اليابس. فبا ارباب الدعاوى اين المعاني. ويا ارباب المعرفة اين المحبة. ويا ارباب المحبة اين الطاعة- روى- ان رسول الله ﷺ رأى ليلة المعراج نساء بيد كل واحدة منهن مقراض تقرض صدرها وبقطعه قطعة قطعة فسأل جبريل ﵇ عنهن فقال هن اللاتي ولدن أولادا من الزنى مع وجود أزواجهن وأولادهن. قال الشيخ الصفي قدس سره ان الذين يدعون المعرفة وتمكنهم فى مقام الإرشاد ويراؤن جلبا لحطام الدنيا عذابهم أشد من عذاب هؤلاء النساء سبعين مرة فمن جعل القرآن وسيلة لجلب زخارف الدنيا اولى منه من يجلبها بالمعازف وآلات اللهو مثلا إذا كان فى محل رفيع خبز لا تصل اليه اليد وليس هناك غير مصحف وطنبور فالاولى ان يجعل الطنبور تحت القدم للوصول دون المصحف وهكذا فيما نحن فيه: قيل دين فروشى مايه كردن هست خسران مبين ... سودمند آنكس كه دنيا صرف كرد ودين خريد فلو نظرت الى شيوخ الزمان وجدت أكثرهم مدعين ما لم يتحققوا به يضلون الناس با كاذيب ويروون أساليب ليس فيها اثر من المعاني والحقيقة. فعلى العاقل ان لا يغتر بظاهرهم ولا يخرج عن المنهاج مقتفيا بآثارهم بل يجتهد الى ان يميز بين الحق والباطل والعارف والجاهل وماذا بعد الحق الا الضلال عصمنا الله وإياكم من الزيغ وسيآت الأعمال آمين يا متعال ما كانَ لِبَشَرٍ بيان لا فترائهم على الأنبياء ﵈ حيث قال نصارى نجران ان عيسى ﵇ أمرنا ان نتخذه ربا حاشاه ﵇. وجاء رجل من المسلمين فقال يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك فقال (معاذ الله ان نعبد غير الله او ان نأمر بعبادة غير الله) اى ما صح وما استقام لاحد سواء كان بشرا او لا وانما قيل لبشر اشعارا بعلة الحكم فان البشرية منافية للامر الذي أسنده الكفرة إليهم أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ الناطق بالحق الآمر بالتوحيد الناهي عن الإشراك كالتوراة والإنجيل والقرآن وَالْحُكْمَ اى الفهم والعلم وَالنُّبُوَّةَ وإيتاء الكتاب يستلزم إيتاء الحكم وهو الحكمة المعبر عنها بإتقان العلم والعمل فلذلك قدم الكتاب على الحكم لان المراد بالحكم هو العلم بالشريعة وفهم مقاصد الكتاب وأحكامه فان اهل اللغة والتفسير اتفقوا على ان هذا الحكم هو العلم قال تعالى وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا يعنى العلم والفهم. فالكتاب السماوي ينزل اولا ثم انه يحصل فى عقل النبي فهم ذلك الكتاب وأسراره وبعد ما حصل فهم الكتاب يبلغ النبي ذلك المفهوم الى الخلق وهو النبوة والاخبار فما احسن هذا الترتيب ثُمَّ يَقُولَ ذلك البشر بعد ما شرفه تعالى بما ذكر من التشريفات وعرفه الحق واطلعه على شؤونه العالية لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً كائنين لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ من متعلق بلفظ عبادا لما فيه من معنى الفعل وَلكِنْ يقول لهم كُونُوا رَبَّانِيِّينَ الرباني منسوب الى الرب بزيادة الالف والنون كاللحيانى إذا وصف بطول اللحية ففيه الدلالة على الكمال فى هذه الصفة

стр. 507

وإذا نسب الى اللحية من غير قصد المبالغة يقال لحوى فالربانى هو الكامل فى العلم والعمل الشديد التمسك بطاعة الله تعالى ودينه كما يقال رجل الهى إذا كان مقبلا على معرفة الإله وطاعته بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ اى بسبب مثابرتكم على تعليم الكتاب ودراسته اى قراءته وتقديم التعليم على الدراسة لزيادة شرفه عليها وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً بالنصب عطف على ثم يقول ولا مزيدة لتأكيد معنى النفي فى قوله تعالى ما كانَ لِبَشَرٍ ان يستنبئه الله تعالى ثم يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمر باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كما قال قريش والصابئون الملائكة بنات الله واليهود والنصارى عزير ابن الله والمسيح ابن الله أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ انكار لما نفى عن البشر والضمير له يعنى أيأمركم بعبادة الملائكة والسجدة للانبياء بعد كونكم مخلصين بالتوحيد لله فانه لوامركم بذلك لكفر ونزع منه النبوة والايمان ومن أتاه الله الكتاب والحكم والنبوة يكون اعلم الناس وأفضلهم فيمنعه ذلك من ادعاء الالوهية فانه تعالى لا يؤتى الوحى والكتاب الا نفوسا طاهرة وأرواحا طيبة فلا يجمع بشر بين النبوة وبين دعاء الخلق الى عبادة غير الله. واعلم ان العلم والدراسة جعلا سببا للربانية التي هى قوة التمسك بطاعة الله وكفى هو دليلا على خيبة سعى من جهد نفسه وكدّ روحه فى جمع العلم ثم لم يجعله ذريعة الى العمل فكان مثل من غرس شجرة حسناء تؤنقه اى تعجبه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها فالعمل بغير العلم والعلم بغير العمل لا يثبت كل منهما بانفراده النسبة الى الرب فعلم ان العالم الذي لا يعمل بعلمه منقطع النسبة بينه وبين ربه كالعامل الجاهل فكل منهما ليس من الله فى شىء حيث لم تثبت النسبة الا للتمسك بالعمل المبنى على العلم. قال على رضى الله عنه قصم ظهرى رجلان عالم مهتك وجاهل متنسك لان العالم ينفر الناس عن العلم بتهتكه والجاهل يرغب الناس فى الجهل بتنسكه قال رسول الله ﷺ (نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع) فعلى المعلم والمتعلم ان يطلب بعلمه مرضاة الله وبعمله الربانية فمن اشتغل بالتعليم والتعلم لا لهذا المقصد ضاع سعيه وخاب عمله والاشارة ان من دأب اهل الحقيقة تربية الاتباع والمريدين ليكونوا ربانيين متخلقين بأخلاق الربانية العاملين بما يعلمون من الكتاب وبما كانوا يدرسون من العلوم ولا يقنعون على دراستها ولا يفترون بمقالات أخذوها من أفواه القوم وبعض مدعى هذا الشان الذين غلبت عليهم اهواؤهم وصفات بشريتهم يدعون الشيخوخة من رعونة النفس قبل أوانها ويخدعون الخلق بانواع الحيل ويستتبعون بعض الجهلة ويصيدونهم بكلمات أخذوها من الأفواه ويمكرون ببعض اهل الصدق من الطلبة ويقطعون عليهم طريق الحق بان يمنعوهم من صحبة اهل الحق ومشايخ الطريقة ويأمروهم بالتسليم والرضى فيما يعاملونهم ولا يعرفون غيرهم فيعبدونهم من دون الله كما هو دأب اكثر مشايخ زماننا هذا فانه ليس من دأب من يؤتى الكتاب والحكم والنبوة: قال السعدي فى ذم أمثال هؤلاء المشايخ دمادم بشويند چون كربه روى ... طمع كرده در صيد موشان كوى رياضت كش از بهر نام وغرور ... كه طبل تهى را رود بانك دور

стр. 508

يعنى يصل صوت الطبل الى البعيد وبسمع من البعيد لكونه خاليا فكذلك أمثالهم يشتهر ذكرهم بين الناس وليس ذلك الا لكونهم خالين عن الحقيقة إذ المرء الصادق فى طلبه والواصل الى ربه يحب الخمول والنفرة عن الخلق فشأنه التجنب من كل شىء سوى الله دون تشهير نفسه وجلب المال من أيدي الناس بل من الناس من يرغب عنه وهو مرغوب كسى را كه نزديك ظنت بد اوست ... چهـ دانى كه صاحب ولايت خود اوست در معرفت بر كسانيست باز ... كه درهاست بر روى ايشان فرار وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ قال قوم ان الله تعالى أخذ الميثاق من النبيين خاصة آن يصدق بعضهم بعضا وأخذ العهد على كل نبى ان يؤمن بمن يأتى بعده من الأنبياء وينصره ان أدركه وان لم يدركه ان يأمر قومه بالايمان به وبنصرته ان أدركوه فأخذ الميثاق من موسى ان يؤمن بعيسى ومن عيسى ان يؤمن بمحمد ﵇ وإذا كان هذا حكم الأنبياء كان الأمم بذلك اولى وأحرى اى اذكر يا محمد وقت أخذ الله ميثاق الأنبياء وأممهم لَما آتَيْتُكُمْ اللام موطئة لان أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف وما مبتدأ موصولة وآتيتكم صلتها والعائد محذوف تقديره للذى آتيناكموه مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ وهى بيان احكام الحلال والحرام والحدود حال من الموصول ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ عطف على الصلة والمعطوف على الصلة صلة فلا بد من الرابط فالتقدير رسول به مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ من الكتاب لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ جواب قسم مقدر وهذا القسم المقدر وجوابه خبر للمبتدأ اى والله لتصدقنه برسالته وتنصرنه على أعدائه لاظهار دين الحق. فان قيل ما وجه قوله تعالى ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ والرسول لا يجيئ الى النبيين وانما يجيئ الى الأمم. والجواب ان حملنا قوله وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ على أخذ ميثاق أممهم فقد اندفع الاشكال وان حملناه على أخذ ميثاق النبيين أنفسهم كان معنى قوله ثُمَّ جاءَكُمْ اى جاء فى زمانكم قالَ اى الله تعالى بعد ما أخذ الميثاق أَأَقْرَرْتُمْ اى بالايمان والنصر له والاستفهام للتقرير والتأكيد عليهم لاستحالة حقيقة الاستفهام فى حقه تعالى وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ الميثاق إِصْرِي اى عقدى الذي عقدته عليكم. والإصر الثقل الذي يلحق الإنسان لاجل ما يلازمه من العمل والإصر هاهنا العهد الثقيل لانه ثقل على صاحبه من حيث انه يمنع عن مخالفته إياه قالُوا أَقْرَرْنا بذلك واكتفى به عن ذكر أخذهم الإصر قالَ فَاشْهَدُوا ايها الأنبياء والأمم بإقرار بعضكم على بعض وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ اى وانا ايضا شاهد على إقراركم ذلك مصاحب لكم وإدخال مع على المخاطبين لما انهم المباشرون للشهادة حقيقة والمقصود منه التأكيد والتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض فَمَنْ تَوَلَّى اى اعرض عما ذكر بَعْدَ ذلِكَ الميثاق والتوكيد بالإقرار والشهادة فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ المتمردون الخارجون عن الطاعة من الكفرة فان الفاسق من كل طائفة من كان متجاوزا عن الحد. قال فى التيسير والتولي لا يقع من الأنبياء ولا يوصفون بالفسق لكن له وجهان. أحدهما ان الميثاق كان على الأنبياء وأممهم على التبعية والتولي من الأمم خاصة. والثاني ان العصمة

стр. 509

لا تزيل المحنة انتهى وهذا الميثاق لما كان مذكورا فى كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد ﵇ فى النبوة فلم يبق لكفرهم سبب الا مجرد العداوة والحسد فصاروا كابليس الذي دعاه الحسد الى الكفر فاعلمهم الله تعالى انهم متى كانوا كذلك كانوا طالبين دينا غير دين الله ومعبودا سوى الله بقوله تعالى أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ عطف على مقدر أي أيتولون فيبغون غير دين الله ويطلبونه وَلَهُ أَسْلَمَ اى لله أخلص وانقاد مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى أهلهما طَوْعاً وهم الموحدون وَكَرْهاً اى بإباء وهم الجاهدون بما فيهم من آثار الصنع ودلائل الحدوث وتصريفهم كيف يشاء الى صحة ومرض وغنى وفقر وسرور وحزن وسائر الأحوال فلا يمكنهم دفع قضائه وقدره وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ اى من فيهما والمراد ان من خالفه فى العاجل فسيكون مرجعه اليه الى حيث لا يملك الضر والنفع سواه وهذا وعيد عظيم لمن خالف الدين الحق. فعلى العاقل ان يطيع ربه ولا يعصيه بنقض ما عهد اليه يوم الميثاق. فعهد الله مع الأنبياء والأولياء والمؤمنين التوحيد واقامة الدين وعدم التفرق فيه وتصديق بعضهم بعضا ودعوة الخلق الى الطاعة وتخصيص العبادة بالله فالله تعالى لا يطلب من العبد الا الصدق فى العبودية والقيام بحقوق الربوبية. قال الشيخ الشاذلى قدس سره متى رزقك الله الطاعة والفناء به عنها فقد أسبغ عليك نعمه ظاهرة إذ أراح ظاهرك من مخالفة امره. وباطنة إذ رزقك الاستسلام لقهره وهذا هو مطلب الحق منك. قيل لابراهيم ابن أدهم قدس سره لو جسلت لنا فى المسجد حتى نسمع منك شيأ فقال انى مشغول عنكم باربعة أشياء فلو تفرغت منها لجلست معكم قيل وما هى يا أبا اسحق قال. أولها انى تذكرت حين أخذ الله الميثاق على آدم فقال هؤلاء الى الجنة ولا أبالي وهؤلاء الى النار ولا أبالي فلم أدر من أي الفريقين كنت. الثاني انى تفكرت ان الولد إذا قضى الله سبحانه بخلقه فى بطن امه ونفخ فيه الروح فيقول الملك الموكل به يا رب أشقى أم سعيد فلم أدر كيف خرج جوابى فى ذلك الوقت. الثالث حين ينزل ملك الموت فاذا أراد ان يقبض الروح فيقول يا رب أقبضها مع الإسلام او مع الكفر فلا أدرى كيف يخرج جوابى فى ذلك الوقت. الرابع تفكرت فى قوله وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ فلا أدرى من أي الفريقين أكون ففى هذا شغل شغلنى عن الجلوس لكم والحديث معكم. ففى هذا الاشارة الى ان العبد مع كونه مستسلما لقضاء الله لا بد وان يراعى وظيفة التكليف إذ الخير او الشر مقضى فى حقه ولكن الرسول ﷺ قال (اعملوا فكل ميسر لما خلق له. فليجاهد العاقل فى تزكية نفسه اولا ثم الوصية الى عباد الله ولا يكلف المرء الا بقدر وسعه والناس فى المراتب مختلفون فطوبى لمن وصل الى أعلى المطالب بقدر حوصله خويش دانه چيند مرغ ... بصعوه نتوان داد طعمه شبهاز وقيل للشيخ الصفي قدس سره إذا قطع الطالب المنازل فهل يبقى بعد ذلك مرتبة لم يصل إليها بعد قال بلى يبقى علم انه هل كان مقبر لا للرب تعالى اولا) وفى القشيري ما حاصله ان الولي فى الحال يجوز ان يتغير حاله فى المآل ويجوز ان يكون من جملة كرامات الولي ان يعلم انه مأمون العاقبة عصمنا الله وإياكم بحسن الخاتمة

стр. 510

همه عالم همى گويند هر آن ... كه يا رب عاقبت محمود گردان قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ امر للرسول ﷺ بان يخبر عن نفسه بالايمان بما ذكر وجمع الضمير فى آمنا لاظهار حلالة قدره ﷺ ورفعة محله بامره بان يتكلم عن نفسه على ديدن الملوك وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وهو القرآن والنزول كما يعدى بالى لانتهائه الى الرسل يعدى بعلى لانه من فوق وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ من الصحف. والأسباط جمع سبط وهو الحافد والمراد بهم حفدة يعقوب ﵇ وابناؤه الاثنا عشر وذراريهم فانهم حفدة ابراهيم ﵇ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الظاهرة بايديهما وتخصيصهما بالذكر لما ان الكلام مع اليهود والنصارى وَالنَّبِيُّونَ اى وما اوتى النبيون من المذكورين وغيرهم مِنْ رَبِّهِمْ من الكتب والمعجزات لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ كدأب اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض بل نؤمن بصحة كل منهم وبحقية ما انزل إليهم فى زمانهم. قال الامام فى تفسيره اختلف العلماء فى كيفية الايمان بالأنبياء المتقدمين الذين نسخت شرائعهم وحقيقة الخلاف ان شرعه لما صار منسوخا فهل تصير نبوته منسوخة فمن قال ان نبوته منسوخة قال نؤمن بانهم كانوا أنبياء ورسلا ولا نؤمن بانهم أنبياء ورسل فى الحال ومن قال ان نسخ الشريعة لا يقتضى نسخ النبوة قال نؤمن بانهم أنبياء ورسل فى الحال فتنبه لهذا الموضع وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ اى منقادون على ان يكون الإسلام بمعنى الاستسلام وهو الانقياد او مخلصون له تعالى أنفسنا لا نجعل له شريكا فيها على ان يكون من السلامة. وفيه تعريض بايمان اهل الكتاب فانه بمعزل عن ذلك وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ اى غير التوحيد والانقياد لحكم الله تعالى كدأب المشركين صريحا والمدعين للتوحيد مع اشراكهم كاهل الكتابين دِيناً ينتحل اليه وهو نصب على انه مفعول ليبتغ وغير الإسلام حال منه لانه فى الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالا فَلَنْ يُقْبَلَ ذلك مِنْهُ ابدا بل يرد اشدرد واقبحه وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ اى الواقعين فى الخسران بحرمان الثواب وحصول العقاب ويدخل فيه ما يلحقه من التأسف والتحسر على مافاته فى الدنيا من العمل الصالح وعلى ما تحمله من التعب والمشقة فى الدنيا فى تقرير ذلك الدين الباطل. والمعنى ان المعرض عن الإسلام والطالب لغيره فاقد للنفع واقع فى الخسران بابطال الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها. واعلم ان ظاهر الآية يدل على ان الايمان هو الإسلام إذ لو كان غير الإسلام لوجب ان لا يكون الايمان مقبولا لقوله تعالى وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ والجواب انه ينفى قبول كل دين يغايره لا قبول كل ما يغايره كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ الى الحق قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ قيل هم عشرة رهط ارتدوا بعد ما آمنوا ولحقوا بمكة وهو استبعاد لان يهدى قوما هم معاندون للحق مكابرون فيه غير خاضعين له بان يخلق فيهم الاهتداء ويوفقهم لاكتساب الاهتداء وانما يخلق الاهتداء ويوفق على كسب ذلك ويقدر هم عليه إذا كانوا خاضعين متواضعين للحق راغبين فيه فالمراد من الهداية خلق الاهتداء

стр. 511

وقد جرت سنة الله فى دار التكليف على ان كل فعل يقصد العبد الى تحصيله فان الله تعالى يحلقه عقب قصد العبد فكأنه تعالى قال كيف يخلق فيهم المعرفة والاهتداء وهم فصدوا تحصيل الكفر وأرادوه وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ اى صادق فيما يقول وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ اى الشاهد من القرآن على صدقه. قوله وشهدوا عطف على ايمانهم باعتبار انحلاله الى جملة فعلية فانه فى قوة ان يقال بعد ان آمنوا وبعد ان شهدوا وهو دليل على ان الإقرار باللسان خارج عن حقيقة الايمان ضرورة ان المعطوف مغاير للمعطوف عليه وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ اى الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر ووضع الكفر موضع الايمان فكيف من جاء الحق وعرفه ثم اعرض عنه. فان قيل ظاهر الآية يقتضى ان من كفر بعد إسلامه لا يهديه الله ومن كان ظالما لا يهديه الله وقد رأينا كثيرا من المرتدين اسلموا وهداهم وكثيرا من الظالمين تابوا عن الظلم. فالجواب ان معناه لا يهديهم ماداموا مقيمين على الرغبة فى الكفر وفى الثبات عليه ولا يقبلون على الإسلام واما إذا تحروا إصابة الحق والاهتداء بالادلة المنصوبة فحينئذ يهديهم الله بخلق الاهتداء فيهم أُولئِكَ المذكورون باعتبار اتصافهم بمامر من الصفات الشنيعة جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وهو ابعاده من الجنة وإنزال العقوبة والعذاب وَالْمَلائِكَةِ ولعنهم بالقول كالناس وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ والمراد بالناس المؤمنون لانه لواريد به جميع الناس لزم ان يلعن كل واحد منهم جميع من يوافقهم ويخالفهم ولا وجه لان يلعن الإنسان من يوافقه ويحتمل ان يراد به الجميع بناء على ان جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ولكنه يعتقد فى نفسه انه ليس بمبطل ولا كافر فاذا لعن الكافر وكان هو فى علم الله كافرا فقد لعن نفسه وان كان لا يعلم ذلك خالِدِينَ فِيها حال من الضمير فى عليهم اى فى اللعنة والعقوبة ومعنى الخلود فى اللعن انهم يوم القيامة لا تزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم فى النار ولا يخلو شىء من أحوالهم من اللعنة لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ الانظار التأخير اى لا يجعل عذابهم أخف ولا يؤخر العقاب من وقت الى وقت فان العذاب الملحق بالكفار مضرة خالصة من شوائب المنافع دائمة غير منقطعة نعوذ بالله من ذلك وما يؤدى اليه إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى من بعد الارتداد وَأَصْلَحُوا اى ما أفسدوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيقبل توبتهم ويتفضل عليهم وعطف قوله وَأَصْلَحُوا على قوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا يدل على ان التوبة وحدها وهى الندم على ما مضى من الارتداد والعزم على تركه فى المستقبل لا تكفى حتى ينضاف إليها العمل الصالح اى وأصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات ومع الخلق بالمعاملات وهذا الندم والتوبة انما يحصل لمن لم ترسخ فيه بعد هيئة استيلاء النفس الامارة على قلبه ولم تصر رينا وبقي فيه من وراء حجاب صفات النفس مسكة من نور استعداده فيتداركه الله برحمته وتوفيقه فيندم ويواظب على الرياضات من باب التزكية والتصفية- يحكى- عن السرى السقطي قدس سره انه قال قلت يوما عجبت من ضعيف عصى قويا فلما كان الغداة وصليت الغداة إذا انا بشاب قد وافى وخلفه ركبان على دواب بين يديه غلمان وهو راكب على دابة فنزل وقال أيكم السرى السقطي فاومأ

стр. 512

جلسائى الى فسلم على وجلس وقال سمعتك تقول عجبت من ضعيف عصى قويا فما أردت به فقلت ما ضعيف أضعف من ابن آدم ولا قوى أقوى من الله تعالى وقد تعرض ابن آدم مع ضعفه الى معصية الله قال فبكى ثم قال يا سرى هل يقبل ربك غريقا مثلى قلت ومن ينقذ الغرقى الا الله تعالى قال يا سري ان على مظالم كثيرة كيف اصنع قال إذا صححت الانقطاع الى الله ارضى عنك الخصوم بلغنا عن النبي ﷺ (إذا كان يوم القيامة واجتمع الخصوم على ولى الله تقول الملائكة لهم لا تروّعوا ولى الله فان الحق اليوم على الله فيهب الله لهم مقامات عالية بدل حقوقهم فيتجاوزون عن الولي) قال فبكى ثم قال صف لى الطريق الى الله فقلت ان كنت تريد طريق المقتصدين فعليك بالصيام والقيام وترك الآثام وان كنت تريد طريق الأولياء فاقطع العلائق واتصل بخدمة الخالق. فعلى السالك ان يتوب من جميع الآثام ولا يشغل سره سوى مشاهدة الله العلام بهشت تن آسانى آنكه خورى ... كه بر دوزخ نيستى بگذرى يعنى لاتصل الى الحضور الباقي والحياة الابدية الا بافناء وجودك فى وجود الحق وتبديل الأخلاق الذميمة بالأخلاق الحميدة فاذا جاوزت هذا الصراط الادق وصلت الى الجناب المطلق وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما انه قال قال لى رسول الله ﷺ (يا عبد الله كن فى الدنيا كأنك غريب او عابر سبيل) اى لا تركن إليها ولا تتخذها وطنا ولا نحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب فى غير وطنه ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب الى اهله (وعد نفسك من اصحاب القبور) وفيه اشارة الى الفناء عن اضافة الوجود الى نفسه بل الوجود كله لله تعالى فالبدن للروح بمنزلة القبر للميت فكما ان الميت فى قبره يسلم لامر مولاه ولا يعترض الى شىء أصلا كذلك ينبغى ان لا يتعرض العبد لشىء من الآفات البدنية والقلبية بل يدور حيث أوقفه الله من الفطرة الاصلية والشهود التام وقل من سلم من هذه الآفات الا ان العبد بالتوبة يتدارك ما فات فاياك ان ترخص لنفسك فى فعل شر فاذا قد فتحت بابه فاول الشر الخطرة كما ان أول السيل القطرة قال رسول الله ﷺ (ما بال أقوام يشرفون المسرفين ويستخفون بالعابدين يعملون بالقرآن ما وافق أهواءهم وما خالف أهواءهم تركوه فند ذلك يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض يسعون فيما يدرك من القدر المحتوم والرزق المقسوم والاجل المكتوب ولا يسعون فيما لا يدرك الا بالسعي من الاجر الموفور والسعى المشكور والتجارة التي لا تبور) فاذا وقفت على هذا جعلت سعيك للآخرة لا للدنيا بل لم تطلب من الله الا الله رزقنا الله وإياكم ذلك آمين إِنَّ الَّذِينَ كاليهود كَفَرُوا بعيسى والإنجيل بَعْدَ إِيمانِهِمْ بموسى والتوراة ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً حيث كفروا بمحمد ﵇ والقرآن او كفروا به ﵇ بعد ما آمنوا به قبل مبعثه ثم ازدادوا كفرا بالإصرار عليه والطعن فيه والصد عن الايمان ونقض الميثاق لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ لانهم لا يتوبون الا عند اشرافهم على الهلاك فكنى عن عدم توبتهم بعدم قبولها تغليظا فى شأنهم وابرازا لحالهم فى صورة حال الآيسين من

стр. 513

الرحمة او لان توبتهم لا تكون إلا نفاقا لارتدادهم وازديادهم كفرا وذلك لم تدخل فيه الفاء وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ على سبيل الكمال فهو من قبيل حصر الكمال والأفكل كافر ضال سوآء كفر بعد الايمان او كان كافرا فى الأصل ومن جملة كمالهم فى الضلال ثباتهم عليه وعدم كون الاهتداء متوقعا منهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ لما كان الموت على الكفر سببا لامتناع قبول الفدية دخلت الفاء هاهنا إيذانا بسببية المبتدأ لخبره مِنْ أَحَدِهِمْ فدية مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً تمييز اى ما يملؤها من شرقها الى غربها وَلَوِ افْتَدى بِهِ اى بملئ الأرض ذهبا. فان فيل نفى قبول الافتداء يوهم ان الكافر يملك يوم القيامة من الذهب ما يفتدى به وهو لا يملك فيه نقيرا ولا قطميرا فضلا عن ان يملك ملئ الأرض ذهبا. قلنا الكلام وارد على سبيل الفرض والتقدير فالذهب كناية من أعز الأشياء وكونه ملئ الأرض كناية عن كونه فى غاية الكثرة والتقدير لو ان الكافر يوم القيامة قدر على أعز الأشياء بالغا الى غاية الكثرة وقدر على بذله ليل أعز المطالب لا يقدر على ان يتوسل بذلك الى تخليص نفسه من عذاب الله تعالى والمقصود بيان انهم آيسون من تخليص أنفسهم من العقاب أُولئِكَ اشارة الى المذكورين باعتبار اتصافهم بالصفات الشنيعة المذكورة لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ اى مؤلم وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ فى دفع العذاب عنهم او فى تخفيفه ومن مزيدة للاستغراق وصيغة الجمع لمراعاة الضمير اى ليس لواحد منهم ناصر واحد. قال رسول الله ﷺ (يقول الله لاهون اهل النار عذابا يوم القيامة لو ان لك ما فى الأرض من شىء أكنت تفدى به فيقول نعم فيقول أردت منك أهون من هذا وأنت فى صلب آدم ان لا تشرك بي شيأ فابيت الا ان تشرك بي) . قال الامام اعلم ان الكافر على ثلاثة اقسام أحدها الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي ذكره الله فى قوله الا الذين تابوا واصلحوا فان الله غفور رحيم. وثانيها الذي يتوب عن ذلك الكفر توبة فاسدة وهو الذي ذكره الله تعالى فى الآية المتقدمة وقال لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ. وثالثها الذي يموت على الكفر من غير توبة البتة وهو المذكور فى هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ الآية انتهى وهم الذين رسخت هيئة استيلاء النفوس الامارة على قلوبهم وتمكنت وصارت رينا وتناهوا فى الشر والغى وتمادوا فى العناد والبغي فلن يقبل من أحدهم ملئ الأرض إذ لا يقبل هناك الا الأمور النورانية الباقية لان الآخرة هى عالم النور والبقاء فلا وقع ولا خطر للامور الظلمانية الفانية فيها وهل كان سبب كفرهم واحتجابهم الا محبة هذه العوائق الفانية فكيف تكون فداءهم وسبب نجاتهم وقربهم وقبولهم وهى بعينها سبب هلاكهم وبعدهم وخسرانهم وحرمانهم فاياك من أوصاف الكفر وهى حب الدنيا واتباع الهوى والإقبال على شهوات النفس والاعراض عن الحق ترا شهوت وكبر وحرص وحسد ... چوخون درر كند و چوجان در جسد يعنى كما ان الدم سارى فى العروق وجارى فيها وكذا الروح فى الجسد فكذلك هذه الصفات الذميمة محيطة بك

стр. 514

گر اين دشمنان تقويت يافتند ... سر از حكم ورأى تو بر تافتند هوا وهوس را نماند ستيز ... چوبينند سر پنجه عقل تيز يعنى إذا كان المرء تابعا للشرع وقضية العقل يكون غالبا على هواه فلا تجادله الصفات السبعية الشيطانية قال رسول الله ﷺ (أخوف ما أخاف على أمتي اتباع الهوى وطول الأمل فاما اتباع الهوى فيصد عن الحق واما طول الأمل فينسى الآخرة) . قال ذو النون المصري مفتاح العبادة الفكرة وعلامة الاصابة مخالفة النفس والهوى ومخالفتها ترك شهواتها قال جعفر بن نصير دفع الى الجنيد درهما فقال اشتر به التين الوزيري فاشتريته فلما أفطر أخذ واحدة ووضعها فى فيه ثم القاها وبكى وقال احمله فقلت له فى ذلك فقال هتف فى قلبى أما تستحيى شهوة تركتها من اجله تعالى ثم تعود إليها. قال ابو سليمان الداراني ﵀ من احسن فى ليله كوفى فى نهاره ومن احسن فى نهاره كوفى فى ليله ومن صدق فى ترك شهوة كفى مؤونتها والله أكرم من ان يعذب قلبا ترك شهوة لاجله. واعلم ان النفس عين لطيفة هى معدن الأخلاق الذميمة مودعة بين جنبى الإنسان اى جميع جسده وهى أمارة بالسوء وهى مجبولة على صد الروحانية المخلوقة من الملكوت الأعلى فانهم يأمرون بالخير وينهون عن الشر وهى مخلوقة من الملكوت السفلى كالشياطين وهم لا يأمرون الا بالشر ومن طبعهم التمرد والإباء والاستكبار ولهذا تأبى النفس من قبول الموعظة وتظهر التمرد كما قال الشيخ فى قصيدة البردة فان امارتى بالسوء ما اتعظت ... من جهلها بنذير الشيب والهرم يعنى ان النفس الامارة بالسوء والعيب ما قبلت الوعظ من نذير الشيب فتمادت فى غواية الجهل بعد الهرم وما كبحت عنان جماح الشهوة بايدى الندم وقد خلق الله النفس على صورة جهنم وخلق بحسب كل دركة فيها صفة لها وهى باب من جهنم يدخل فيها من هذا الباب الى دركة من دركاتها السبع وهى سبع صفات الكبر والحرص والشهوة والحسد والغضب والبخل والحقد فمن زكى نفسه عن هذه الصفات فقد عبر عن هذه الدركات السفلية ووصل الى درجات الجنان العلوية كما قال الله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ومن لم يزك نفسه عن هذه الصفات بقي فى دركات جهنم خائبا خاسرا كما قال تعالى وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها عصمنا الله وإياكم من كيد النفس الامارة وشر الشيطان وأصلح حالنا ما دامت الأرواح فى الأبدان آمين يا مستعان- تمت الجزء الثالث- الجزء الرابع من الاجزاء الثلاثين لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ من ناله نيلا إذا أصابه اى لن تبلغوا ايها المؤمنون حقيقة البر الذي يتنافس فيه المتنافسون ولن تدركوا شأوه ولن تلحقوا بزمرة الأبرار او لن تناولوا بر الله تعالى وهو ثوابه ورحمته ورضاه وجنته حَتَّى تُنْفِقُوا اى فى سبيل الله رغبة فيما عنده مِمَّا تُحِبُّونَ

стр. 515

اى بعض ما تهوونه ويعجبكم من كرائم أموالكم وأحبها إليكم او ما يعمها وغيرها من الأعمال والمهجة على ان المراد بالإنفاق مطلق البذل. وفيه من الإيذان بعزة منال البر ما لا يخفى وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ اى اى شىء تنفقوا طيب تحبونه او خبيث تكرهونه فمحل الجار والمجرور النصب على التمييز فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ تعليل لجواب الشرط واقع موقعه اى فمجازيكم بحسبه جيدا كان او رديئا فانه تعالى عليم بكل شىء تنفقونه علما كاملا بحيث لا يخفى عليه شىء من ذاته وصفاته. وفيه من الترغيب فى انفاق الجيد والتحذير من انفاق الرديء ما لا يخفى فالوصول الى المطلوب لا يحصل الا بالإنفاق المحبوب ولذلك كان السلف إذا أحبوا شيأ جعلوه لله ذخيرة ليوم يحتاجون اليه والإنسان لا ينفق محبوبه الا إذا أيقن انه يتوصل بذلك الى وجدان محبوب اشرف من الاول فالانسان لا ينفق محبوبه فى الدنيا الا إذا تيقن بوجود الصانع العالم القادر وتيقن بالبعث والحساب والجزاء وان من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ولزم منه ان الإنسان لا يمكنه انفاق محبوبه فى الدنيا الا إذا كان مستجمعا لجميع الخصال المحمودة فى الدين فلا تقتضى الآية ان من أنفق ما أحب وصل الى الثواب العظيم وان لم يأت بسائر الطاعات- روى- انها لما نزلت جاء ابو طلحة فقال يا رسول الله ان أحب أموالي الىّ بئر حاء وهو ضيعة له فى المدينة مستقبل مسجد النبي ﷺ فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال ﷺ (بخ بخ ذاك مال رابح او رائج فانى ارى ان تجعلها فى الأقربين فقسمها فى أقاربه) وفيه دلالة على ان انفاق أحب الأموال على اقرب الأقارب أفضل- وروى- عن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه انه كانت لزوجته جارية بارعة فى الجمال وكان عمر راغبا فيها وكان قد طلبها منها مرارا فلم تعطه إياها. ثم لما ولى الخلافة زينتها وأرسلتها اليه فقالت وهبتكها يا امير المؤمنين فلتخدمك قال من اين ملكتها قالت جئت بها من بيت ابى عبد الملك ففتش عن تملكه إياها فقيل انه كان على فلان العامل ديون فلما توفى أخذت من تركته ففتش عن حال العامل واحضر ورثته وأرضاهم جميعا بإعطاء المال ثم بوجه الى الجارية وكان يهواها هوى شديدا فقال أنت حرة لوجه الله فقيل لم يا امير المؤمنين وقد ازحت عن أمرها كل شبهة قال لست إذا ممن نهى النفس عن الهوى- يحكى- ان الربيع ضربه الفالج فكان السائل يقوم على بابه فيسأل فيقول الربيع أطعميه السكر فان الربيع يحب السكر يتأول قوله لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وطال به وجعه فاشتهى لحم دجاج فكف نفسه أربعين يوما فابت فقال لزوجته قد اشتهيت لحم دجاج منذ أربعين يوما فكففت نفسى رجاء ان تكف فابت فقالت امرأته سبحان الله وأي شىء هذا تكف نفسك عنه وقد أحله الله تعالى لك فارسلت امرأته الى السوق فاشترت له دجاجة بدرهم ودانقين فذبحتها وشوتها وخبزت له خبزا وجعلت له اصباغا ثم جاءت بالخوان فوضعته بين يديه فقام سائل على الباب فقال تصدقوا على بارك الله فيكم فكف عن الاكل وقال لامرأته خذى هذا وادفعيه اليه فقالت له امرأته سبحان الله قال افعلي ما آمرك به قالت فاصنع ما هو خير له قال وما هو قالت نعطيه ثمن هذا وتأكل أنت شهوتك قال قد.

стр. 516

أحسنت ائتنى بثمنه فجاءت بثمنه فقال ضعيه على هذا وخذيه وادفعيه جميعا ففعلت بإحساني آسوده كردن دلى ... به از الف ركعت بهر منزلى وقيل فى هذا المعنى دل بدست آور كه حج اكبرست ... از هزاران كعبه يك دل بهترست كعبه بنياد خليل آزرست ... دل نظرگاه جليل اكبرست ويقال إذا كنت لا تصل الى البر الا بانفاق محبوبك فمتى تصل الى البار وأنت تؤثر عليه حظوظك. قال القشيري من أراد البر فلينفق بعض ما يحبه ومن أراد البار تعالى فلينفق جميع ما يحبه. قال نجم الدين الكبرى فى قوله تعالى فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ فبقدر ما تكونون له يكون لكم كما قال (من كان الله كان الله له فان الفراش ما نال من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه. قال القاشاني كل فعل يقرب صاحبه من الله فهو بر ولا يمكن التقرب اليه الا بالتبري مما سواه فمن أحب من دون الله شيأ فقد حجب به عن الله وأشرك شركا خفيا لتعلق محبته بغير الله ترا هر چهـ مشغول دارد ز دوست ... اگر راست خواهى دلارامت اوست فلا يزول البعد ولا يحصل القرب الا ببذل المال والمهجة وقطع مجبة غير الله وإفناء النفس بالكلية عن صفاتها الرذيلة اگر يارى از خويشتن دم مزن ... كه شركست با يار وبا خويشتن كُلُّ الطَّعامِ لما نزل قوله تعالى فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ الآية وقوله وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ الى قوله ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ أنكر اليهود وغاظهم ذلك وبرأوا ساحتهم من الظلم وجحدوا ما نطق به القرآن وقالوا لسنا باول من حرمت عليه تلك المطعومات وما هو الا تحريم قديم كانت محرمة على نوح وابراهيم ومن بعده وهلم جرا حتى انتهى التحريم إلينا وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصد عن سبيل الله وأكل الربا وما عدد من مساويهم التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حرم عليهم نوع من الطيبات عقوبة لهم فقيل كل المطعومات او كل انواع الطعام والطعام المطلق البر والعرف يشهد لكل ما يطعم حتى الماء كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ اى حلالا لهم والمراد أكله إذ لا يوصف بنحو الحل والحرمة الا افعال المكلف لا الأعيان فشرب الخمر حرام بالذات ونفسها حرام بالعرض إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ استثناء متصل من اسم كان اى كان كل المطعومات حلالا لبنى إسرائيل الا ما حرم إسرائيل اى يعقوب ﵇ على نفسه وهو الإبل وألبانها- روى- ان يعقوب ﵇ كان نذر ان وهب الله له اثنى عشر ولدا واتى بيت المقدس صحيحا ان يذبح آخرهم فتلقاه ملك من الملائكة فقال له يا يعقوب انك رجل قوى فهل لك فى الصراع فعالجه فلم يصرع واحد منهما صاحبه فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النسا من ذلك ثم قال أما انى لو شئت ان اصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة لانك كنت نذرت ان أتيت بيت المقدس صحيحا ذبحت آخر ولد لك وجعل الله لك بهذه الغمزة مخرجا من ذلك الذبح ثم ان يعقوب عليه السلام

стр. 517

لما قدم بيت المقدس أراد ذبح ولده ونسى قول الملك فاتاه الملك فقال انما غمزتك للمخرج وقد وفى نذرك فلا سبيل لك الى ولدك ثم انه حين ابتلى بذلك المرض لقى من ذلك بلاء وشدة وكان لا ينام الليل من الوجع فحلف لئن شفاه الله لا يأكل أحب الطعام اليه فحرم لحوم الإبل وألبانها اما حمية الدين او حمية النفس وتحريم الحلال على نفسه جائز للكل وفيه كفارة اليمين مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ متعلق بقوله كان حلا ولا ضير فى توسيط الاستثناء بينهما المعنى ان المطعومات كانت حلالهم قبل نزول التوراة ثم حرمت بسبب بغيهم وظلمهم فكيف يكون ذلك حراما على نوح وابراهيم وغيرهما. وظاهر الآية يدل على ان الذي حرمه إسرائيل على نفسه قد حرمه الله على بنى إسرائيل وهو رد على اليهود فى دعواهم البراءة من الظلم وتبكيت لهم فى منع النسخ والطعن فى دعوى الرسول ﷺ موافقته لابراهيم ﵇ بتحليله لحوم الإبل وألبانها قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها امره ﵇ بان يحاجهم بكتابهم الناطق بان تحريم ما حرم تحريم حادث مرتب على ظلمهم وبغيهم ويكلفهم إخراجه وتلاوته ليبكتهم ويلقمهم الحجر ويظهر كذبهم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فائتوا بالتوراة فاتلوها فان صدقكم مما يدعوكم الى ذلك البتة- روى- انهم لم يجترئوا على إخراج التوراة فبهتوا وانقلبوا صاغرين وفى ذلك من الحجة النيرة على صدق النبي ﷺ وجواز النسخ الذي يجحدونه ما لا يخفى فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ اى اختلق عليه سبحانه بزعمه انه حرم ما ذكر قبل نزول التوراة على بنى إسرائيل ومن تقدمهم من الأمم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى من بعد ما ذكر من أمرهم بإحضار التوراة وتلاوتها وما ترتب عليه من التبكيت والإلزام فَأُولئِكَ المصرون على الافتراء بعد ان ظهرت حقيقة الحال وضاقت عليهم حيلة المحاجة والجدال هُمُ الظَّالِمُونَ المفرطون فى الظلم والعدوان المبعدون فيهما قُلْ صَدَقَ اللَّهُ اى ظهر وثبت صدقه تعالى فيما انزل فى شان التحريم فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ اى ملة الإسلام التي هى فى الأصل ملة ابراهيم ﵇ فانكم ما كنتم متبعين لملته كما تزعمون حَنِيفاً حال من ابراهيم اى مائلا عن الأديان الزائغة كلها وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اى فى امر من امور دينهم أصلا وفرعا وفيه تعريض باشراك اليهود وتصريح بانه ﵇ ليس بينه وبينهم علاقة دينية قطعا والغرض بيان ان النبي ﵇ على دين ابراهيم فى الأصول لانه لا يدعو الا الى التوحيد والبراءة من كل معبود سواه . قال نجم الدين فى التأويلات الاشارة فى تحقيق الآيات ان الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة اصناف. صنف منها الملك الروحاني العلوي اللطيف النورانى وجعل غذاءهم من جنسهم الذكر وخلقهم للعبادة. وصنف منها الحيوان الجسماني السفلى الكثيف الظلماني وجعل غداءهم من جنسهم الطعام وخلقهم للعبرة والخدمة. وصنف منها الإنسان المركب من الملكي الروحاني والحيواني الجسماني وجعل غذاءهم من جنسهم لروحانيهم الذكر ولجسمانيهم الطعام وخلقهم للعبادة والمعرفة. فمنهم ظالم لنفسه وهو الذي غلبت حيوانيته على روحانيته فبالغ فى غذاء جسمانية وقصر فى غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت حيوانيته أولئك كالانعام بل هم أضل

стр. 518

مرو در پى هر چهـ دل خواهدت ... كه تمكين تن نور جان كاهدت ز دوران بسى نامرادى برى ... اگر هر چهـ باشد مرادت خورى كند مرد را نفس اماره خوار ... اگر هوشمندى عزيزش مدار دريغ آدمي زاده پر محل ... كه باشد چوانعام بل هم أضل ومنهم مقتصد وهو الذي تساوت روحانيته وحيوانيته فغذى كل واحدة منهما غذاءها خلطوا عملا صالحا وآخر سيأ عسى الله ان يتوب عليهم. ومنهم سابق بالخيرات وهو الذي غلبت روحانيته على حيوانيته فبالغ فى غذاء روحانيته وهو الذكر وقصر فى غذاء حيوانيته وهو الطعام حتى ماتت نفسه واستوت قوى روحه أولئك هم خير البرية فكان كل الطعام حلالا لهم كما كان حلالا للحيوان الا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح مِنْ قَبْلِ ان ينزل عليه الوحى والإلهام كما قيل المجاهدات تورث المشاهدات فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ بان يهتدى الى الحق من غير جهاد النفس فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الذين يضعون الشيء فى غير موضعه وقد قال تعالى وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فيما قال لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وكان ملته انفاق المال على الضيفان وبذل الروح عند الامتحان وتسليم القربان وهذه ملة الخلة وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الذين يتخذون مع الله خليلا آخر ويجعلون الشركة فى الخلة. اگر جز بحق ميرود جاده ات ... در آتش فشانند سجاده ات فالاولياء هم الذين يحبون الله ومن يحبه الله فان محبة اهل الحق محبة الله وليس فيها شرك. قال الفضيل ابن عياض قدس سره يقول الله تعالى يوم القيامة يا ابن آدم اما زهدك فى الدنيا فانما طلبت الراحة لنفسك فى الآخرة واما انقطاعك الىّ فانما طلبت العز لنفسك ولكن هل عاديت لى عدوا او واليت لى وليا فى الله فعلامة اتباع ملة ابراهيم هو الاطاعة للحق والتبري من كل دين سوى الإسلام ومحبة الأولياء وعداوة الأعداء ولو كان المرء آتيا بجميع الطاعات وليس فى قلبه خلوص المحبة فانما يضرب حديدا باردا والله تعالى لا يحب القلب المشترك بمحبة غيره من شهوة او غيرها. قال محمد ابن حسان ﵀ بينما انا أدور فى جبل لبنان إذ خرج على شاب قد أحرقته السموم والرياح فلما رآنى ولى هاربا فتبعته وقلت عظنى بكلمة انتفع بها قال احذره تعالى فانه غيور لا يحب ان يرى فى قلب عبد سواه. فعلى العاقل ان يجتهد فى سلوك هذا الطريق الى ان يصل الى منزل التحقيق ومن الله التوفيق فى كل امر خفى وجلى ودقيق إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ البيت ما يبيت فيه أحد ثم استعمل فى المكان مطلقا وُضِعَ لِلنَّاسِ- روى- انه لما حولت القبلة الى الكعبة طعن اليهود فى نبوته ﵇ وقالوا ان بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال لانه وضع قبل الكعبة وهو ارض المحشر ومهاجر الأنبياء وقبلتهم والأرض المقدسة التي بارك الله فيها للعالمين وفيها الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇ فتحويل القبلة منه الى الكعبة باطل فنزلت اى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ للعباد وجعل متعبد الهم والواضع هو الله تعالى لَلَّذِي بِبَكَّةَ خبر لان اى للبيت الذي فى بكة وهو علم للبلد الحرام من بكه إذا زحمه لازدحام الناس فيه ولانها تبك أعناق الجبابرة

стр. 519

اى تدقها لم يقصدها جبار الا قصمه الله . وما روى ان الحجاج حبس عبد الله بن الزبير رضى الله عنه فى المسجد الحرام وضرب المنجنيق على ابى قبيس ورمى به داخل المسجد وقتل عبد الله فليس ذلك إضرارا بالبيت وقصدا بالسوء لان مقصود الحجاج كان أخذ عبد الله- روى- انه ﷺ سئل عن أول بيت وضع للناس فقال (المسجد الحرام ثم بيت المقدس) وسئل كم بينهما فقال (أربعون سنة) - روى- ان الله وضع تحت العرش بيتا وهو البيت المعمور وامر الملائكة ان يطوفوا به ثم امر الملائكة الذين هم سكان الأرض ان يبنوا فى الأرض بيتا على مثاله فبنوا وامر من فى الأرض ان يطوفوا به كما يطوف اهل السماء بالبيت المعمور- وروى- ان الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام فلما اهبط آدم الى الأرض قالت له الملائكة طف حول هذا البيت فلقد طفنا حوله قبلك بألفي عام فطاف به آدم ومن بعده الى زمن نوح ﵇ فلما أراد الله الطوفان حمل الى السماء الرابعة وهو البيت المعمور بحيال الكعبة يطوف به ملائكة السموات. وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه أول بيت بناه آدم فى الأرض فنسبة بناء الكعبة الى ابراهيم على هذه الروايات ليس لانه ﵇ بناها ابتداء بل لرفعه قواعدها وإظهاره ما درس منها فان موضع الكعبة اندرس بعد الطوفان وبقي مختفيا الى ان بعث الله جبريل الى ابراهيم ﵇ ودله على مكان البيت وامره بعمارته ولما كان الآمر بالبناء هو الله والمبلغ والمهندس هو جبريل ﵇ والباني هو الخليل والتلميذ المعين له إسماعيل ﵉. قيل ليس فى العالم بناء اشرف من الكعبة مُبارَكاً حال من المستكن فى الظرف لان التقدير للذى ببكة هو اى كثير الخير والنفع لما يحصل لمن حجه واعتمره واعتكف به وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب وَهُدىً لِلْعالَمِينَ لانه قبلتهم ومتعبدهم ولان فيه آيات عجيبة دالة على عظيم قدرته وبالغ حكمته كما قال فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ واضحات كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الاعصار ومخالطة ضوارى السباع الطيور فى الحرم من غير تعرض لها وقهر الله تعالى لكل جبار قصده بسوء كاصحاب الفيل مَقامُ إِبْراهِيمَ اثر قدميه ﵇ فى الصخرة التي كان ﵇ يقوم عليها وقت رفع الحجارة لبناء الكعبة عند ارتفاعه او عند غسل رأسه على ما روى انه ﵇ جاء زائرا من الشام الى مكة فقالت له امرأة إسماعيل ﵇ انزل حتى اغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الايمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شقى رأسه ثم حولته الى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقى اثر قدميه عليه وهو بدل من آيات بدل البعض من الكل وَمَنْ دَخَلَهُ اى حرم البيت كانَ آمِناً من التعرض له وذلك بدعوة ابراهيم ﵇ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وكان الرجل لوجر كل جريرة ثم لجأ الى الحرم لم يطلب ولذلك قال ابو حنيفة ﵀ من لزمه القتل فى الحل بقصاص أو ردة او زنى فالتجأ الى الحرم لم يتعرض له الا انه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر الى الخروج وهذا فى حق من جنى فى الحل ثم التجأ الى الحرم واما إذا أصاب الحد فى الحرم فيقام عليه فيه فمن سرق فيه قطع ومن قتل فيه قتل قال تعالى وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ أباح لهم القتل عند المسجد الحرام إذا قاتلونا فعلى ذلك يقام

стр. 520

الحد إذا أصاب وهو فيه وإذا أصاب فى غيره ثم لجأ اليه لم يقم كما لا نقاتل إذا لم يقاتلونا او المعنى ومن دخله كان آمنا من النار. وفى الحديث (من مات فى أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا) وعنه ﷺ (الحجون والبقيع يؤخذ باطرافهما وينشران فى الجنة) وهما مقبرتا مكة والمدينة وعن ابن مسعود رضى الله عنه وقف رسول الله ﷺ على ثنية الحجون وليس بها يؤمئذ مقبرة فقال (يبعث الله تعالى من هذه البقعة ومن هذا الحرم سبعين الفا وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم فى سبعين الفا وجوههم كالقمر ليلة البدر) وعنه ﷺ (من صبر على حرمكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتى عام) وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ وهم المؤمنون دون الكفار فانهم غير مخاطبين بأداء الشرائع عندنا خلافا للشافعى اى استقر لله عليهم حِجُّ الْبَيْتِ اللام للعهد والحج بالفتح لغة اهل الحجاز والكسر لغة نجد وأياما كان فهو القصد للزيارة على الوجه المخصوص المعهود يعنى انه حق واجب لله فى ذمم الناس ولا انفكاك لهم عن ادائه والخروج من عهدته مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فى محل الجر على انه بدل من الناس بدل البعض مخصص لعمومه فالضمير العائد الى المبدل منه محذوف اى من استطاع منهم وقدر وأطاق الى البيت سبيلا اى قدر على الذهاب اليه وأراد به قدرة سلامة الآلات والأسباب فالزاد والراحلة من اسباب الوصول وهذه القدرة تتقدم على الفعل والاستطاعة التي هى شرط لوجوب الفعل هى الاستطاعة بهذا المعنى لا الاستطاعة التي هى شرط حصول الفعل وهى لا تكون إلا مع الفعل لانها علة وجود الفعل وسببه فلا تكون الا معه فالاستطاعة الاولى شرط الوجوب والثانية شرط حصول الفعل وَمَنْ كَفَرَ وضع من كفر موضع من لم يحج تأكيدا لوجوبه وتشديدا لتاركه اى من لم يحج مع القدرة عليه فقد قارب الكفر وعمل ما يعمله من كفر بالحج فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ وعن عبادتهم وحيث كان من كفر من جملتهم داخلا فيها دخولا أوليا اكتفى بذلك عن الضمير الرابط بين الشرط والجزاء قال رسول الله ﷺ (من لم يحبسه حاجة ظاهرة او مرض حابس او سلطان جائر ولم يحج فليمت ان شاء يهوديا او نصرانيا) وانما خص هذين لان اليهود والنصارى هم الذين لا يرون الحج ولا فضل الكعبة. واعلم انه لا يؤثر الإكثار من التردد الى تلك الآثار إلا حبيب مختار- روى- عن على بن الموفق ﵀ انه حج ستين حجة قال فلما كنت بعد ذلك فى الحجر أفكر فى حالى وكثرة تردادى الى ذلك المكان ولا أدرى هل قبل حجى او لا نمت فرأيت قائلا يقول يا ابن الموفق هل تدعو الى بيتك الا من تحب فاستيقظت وقد سرى عنى. ففيه اشارة الى ان من لم يحج مع القدرة عليه فقد ترك عن الدعوة الى ضيافة الله تعالى ولا يترك عنها الا من لا استحقاق له بها. وفيه تقبيح لحاله حيث لم يجتهد فى تحصيل الاستعداد بل اقام على البغي والفساد واقتضت حكمة الله تعالى توقان النفس كل عام الى تلك الأماكن النفيسة والمعاهد المقدسة المحروسة لاجابة دعوة ابراهيم ﵇ حيث قال فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ اى تحن قال رسول الله ﷺ (أفضل الأعمال ايمان بالله ورسوله ثم جهاد فى سبيله ثم حج مبرور) قيل مغفرة الذنوب بالحج ودخول الجنة به مترتب على كون

стр. 521

الحج مبرورا. وانما يكون مبرورا باجتماع أمرين. فيه الاول الإتيان فيه باعمال البر والبر هو الإحسان للناس واطعام الطعام وافشاء السلام. والثاني ما يكمل به الحج وهو اجتناب افعال الإثم فيه من الرفث والفسوق والمعاصي. قال ابو جعفر الباقر ما يعبأ من يؤم هذا البيت إذا لم يأت بثلاث ورع يحجره اى يمنعه عن محارم الله وحلم يكف به غضبه وحسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين فهذه الثلاث يحتاج إليها من يسافر خصوصا الى الحج فمن كملها فقد كمل حجه فعلى السالك ان يخالق الناس بخلق حسن از من بكوى حاجئ مردم كزايرا ... كاو پوستين خلق بازار مى درد حاجى تو نيستى شترست از براى آنك ... بيچاره خار ميخورد وبار ميبرد قال بعض المشايخ علامة الحج المبرور ان يرجع زاهدا فى الدنيا راغبا فى الآخرة. قال نجم الدين الكبرى فى تأويلاته والاشارة ان الله تعالى جعل البيت والحج اليه واركان الحج والمناسك كلها إشارات الى اركان السلوك وشرائط السير الى الله وآدابه. فمن أركانه الإحرام وهو اشارة الى الخروج عن الرسوم وترك المألوف والتجرد عن الدنيا وما فيها والتطهر من الأخلاق وعقد إحرام العبودية بصحة التوجه. ومنها الوقوف بعرفة وهو اشارة الى الوقوف بعرفات المعرفة والعكوف على عقبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء وحسن العهد والوفا. ومنها الطواف وهو اشارة الى الخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالاطواف السبعة حول كعبة الربوبية. ومنها السعى وهو اشارة الى السير بين صفا الصفات ومروة الذات. ومنها الحلق وهو اشارة الى محو آثار العبودية بموسى أنوار الالهية وعلى هذا فقس المناسك كلها. والحج يشير الى عين الطلب والقصد الى الله بخلاف سائر اركان الإسلام فان كل ركن منه يشير الى طرف من استعداد الطلب فالله تعالى خاطب العباد بقوله وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ وما قال فى شىء آخر من الأركان والواجبات ولله على الناس وفائدته ان المقصود المشار اليه من الحج هو الله وفى سائر العبادات المقصود هو النجاة والدرجات والقربات والمقامات والكرامات. والاستطاعة فى قوله مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا هى جذبة الحق التي توازى عمل الثقلين ولا يمكن السير الى الله والوصول اليه الا بها وَمَنْ كَفَرَ اى لا يؤمن بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الطاف الرب ولا يتقرب بجذبات الالوهية كما يشير إليها اركان الحج فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ بان يستكمل بهم وانما الاستكمال للعالمين به ولا غنى بهم عنه تعالى جعلنا الله وإياكم من الكاملين والواصلين الى كعبة اليقين والتمكين قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هم اليهود والنصارى سموا بذلك فان الكتاب لا يختص بالمنزل فنسبوا الى ما كتبوا سواء كان من إلقاء الروح الامين او تلقاء النفس لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ توبيخ وانكار لان يكون لكفرهم بها سبب من الأسباب وتحقيق لما يوجب الاجتناب عنه بالكلية والمراد بآياته تعالى ما يعم الآيات القرآنية التي من جملتها ما تلى فى شأن الحج وغيره وما فى التوراة والإنجيل من شواهد نبوته ﷺ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ حال من فاعل تكفرون والمعنى لاىّ سبب تكفرون بآياته والحال انه تعالى مبالغ فى الاطلاع على جميع أعمالكم وفى مجازاتكم عليها ولا ريب فى ان ذلك يسد

стр. 522

جميع أنحاء ما تأتونه ويقطع أسبابه بالكلية قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ اى تصرفون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى دينه الحق الموصل الى السعادة الابدية وهو التوحيد وملة الإسلام مَنْ آمَنَ مفعول تصدون كانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون لصدهم عنه ويمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم ويقولون ان صفته ﷺ ليست فى كتابهم ولا تقدمت البشارة به عندهم تَبْغُونَها بحذف الجار وإيصال الفعل الى الضمير اى تبغون لها لان البغي لا يتعدى الا الى مفعول يقال بغيت المال والضمير للسبيل وهو يذكر ويؤنث اى تطلبون سبيل الله التي هى أقوم السبل عِوَجاً اعوجاجا وميلا عن القصد والاستقامة بان تلبسوا على الناس حتى توهموهم ان فيها عوجا بقولكم ان شريعة موسى لا تنسخ وبتغييركم صفة رسول الله ﷺ عن وجهها ونحو ذلك والجملة حال من فاعل تصدون. والعوج بكسر العين وفتحها الميل والانحراف لكن المكسور يختص بالمعاني والمفتوح بالأعيان تقول فى دينه وكلامه عوج بالكسر وفى الجدار والقناة والشجر عوج بالفتح وَأَنْتُمْ شُهَداءُ حال من فاعل تصدون باعتبار تقيده بالحال الاولى اى والحال انكم شهداء تشهدون بانها سبيل الله لا يحوم حولها شائبة اعوجاج وان الصد عنها إخلال وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ اى من الصد عن سبيله وكتمان الشهادة لنبيه. ولما وبخ اهل الكتاب بصد المؤمنين نهى المؤمنين عن اتباع هؤلاء الصادين فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً طائفة وانما خص فريقا لان منهم من آمن مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ قوله كافرين مفعول ثان ليردوكم على تضمين الرد معنى التصيير. قال عكرمة نزلت فى شاس ابن قيس اليهودي رأى منتدى محتويا على زخام من أوس وخزرج فغاظه ألفتهم فارسل شابا ينشدهم اشعار يوم بغاث وكان ذلك يوما عظيما اقتتل فيه الحيان المذكوران وكان الظفر فيه للاوس فنعر عرق الداء الدفين فتشاجروا فاخبر النبي ﵇ فخرج يصلح ذات بينهم وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ انكار وتعجب وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ اى القرآن وَفِيكُمْ رَسُولُهُ والمعنى من اين يتطرق إليكم الكفر والحال ان القرآن المعجز يتلى عليكم على لسان الرسول غضا طريا وبين أظهركم رسول الله ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم فالعدول عن الايمان والدخول فى الكفر مع تحقق هذه الأمور ابعد واعجب وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ اى ومن يتمسك بدينه الحق الذي بينه بآياته على لسان رسوله ﵇ وهو الإسلام والتوحيد المعبر عنه فيما سبق بسبيل الله فَقَدْ هُدِيَ جواب الشرط. وقد لافادة معنى التحقق كأن الهدى حصل فهو يخبر عنه حاصلا ومعنى التوقع فيه ظاهر فان المعتصم به تعالى متوقع للهدى كما ان قاصد الكريم متوقع للندا اى وفق وارشد إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى المطلوب. واعلم ان ظاهر الخطاب مع اهل الكتاب وباطنه مع العلماء السوء الذين يبيعون الدين بالدنيا ولا يعملون بما يعلمون فهم الذين يكفرون بما جاء به القرآن من الزهد فى الدنيا والورع والتقوى ونهى النفس عن الهوى وإيثار ما يفنى على ما يبقى والاعراض عن الخلق والتوجه الى الحق وبذل الوجود لنيل المقصود والله شهيد على ما تعملون حاضر معهم ناظر

стр. 523

الى نياتهم فى اعمال الخير والشر فيجازيهم بها وهم يصرفون بحرصهم على الدنيا واتباعهم الهوى المؤمنين الذين يتبعونهم بحسن الظن ويحسبون ان أعمالهم وأحوالهم على قاعدة الشريعة ومنهاج الطريقة عن سبيل الله وطريق الحق الذي امر الأنبياء بدعوة الخلق اليه وهم يطلبون اعوجاج طريق الحق بالسير فى طريق الباطل وقد وصى الله المؤمنين بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية حتى لا يرتدوا عن طريق الهداية بعد الايمان بالاتباع بسيرتهم وهو أهم قال تعالى وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ قال بعض المشايخ خير العلم ما كانت الخشية معه وذلك لان الخشية انما تنشأ عن العلم بصفات الحق فشاهد العلم الذي هو مطلوب الله الخشية وشاهد الخشية موافقة الأمر. واما العلم الذي تكون معه الرغبة فى الدنيا والتملق لا ربابها وصرف الهمة لاكتسابها والجمع والادخار والمباهاة والاستكثار وطول الأمل ونسيان الآخرة فما ابعد من هذا العلم علمه من ان يكون من ورثة الأنبياء وهل ينتقل الشيء الموروث الى الوارث الا بالصفة التي كان بها عند الموروث وما مثل من هذه الأوصاف أوصافه من العلماء الا كمثل الشمعة تضيء على غيرها وهى تحرق نفسها ترك دنيا بمردم آموزند ... خويشتن سيم وغله اندوزند عالمى را كه گفت باشد وبس ... چون بگويد نگيرد اندر كس عالم آنكس بود كه بد نكند ... نه بگويد بخلق وخود نكند قال رسول الله ﷺ (يأتى على الناس زمان لا يبقى من الإسلام الا اسمه ولا من القرآن الا رسمه قلوبهم خربة من الهدى ومساجدهم عامرة بأبدانهم شر من تظل السماء يومئذ علماؤهم منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود) . وعن فضيل بن عياض بلغنا ان الفسقة من العلماء ومن حملة القرآن يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان. فعلى العاقل ان لا يغتر بظاهر حالهم بل ينظر الى وهن اعتقادهم وفساد بالهم فيعتبر كل الاعتبار ويتجنب من هذه سيرتهم ويسلك طريق الأخيار ويعتصم بالله بالانقطاع عما سواه ويتمسك بالتوحيد الحقيقي حتى يهتدى الى الصراط المستقيم فمن انقطع اليه بالفناء فى الوحدة كان صراطه صراط الله فلا يصده عنه أحد ولا يضره شىء ولا يضله كيد عدوه وشره فان من كان مع الله كان الله معه فهو حافظه وناصره وهذا الاستمساك ليس من شأن كل السلاك لكن الله تعالى قادر على ان يأخذ بيد عبده ويوصله الى مراده وإذا صح الطلب من العبد فلا يحرم الاجابة البتة فان من طلب وجدّ وجد ومن قرع بابا ولجّ ولج عصمنا الله وإياكم من كيد الشيطان ومكر النفس الامارة بالسوء كل آن آمين يا مستعان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ الاتقاء افتعال من الوقاية وهى فرط الصيانة حَقَّ تُقاتِهِ اى حق تقواه وما يجب منها وهو استفراغ الوسع فى القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم ونحوها فاتقوا الله ما استطعتم يريد بالغوا فى التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيأ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ اى مخلصون نفوسكم لله لا تجعلون فيها شركة لما سواه أصلا وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال اى

стр. 524

لا تموتن على حال من الأحوال الا حال تحقق إسلامكم وثباتكم عليه فهو فى الصورة نهى عن موتهم على غير هذه الحالة والمراد دوامهم على الإسلام وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ اى بدين الإسلام او بكتابه فلفظ الحبل مستعار لاحد هذين المعنيين فان كل واحد منهما يشبه الحبل فى كونه سببا للنجاة من الردى والوصول الى المطلوب فان من سلك طريقا صعبا يخاف ان تزلق رجله فيه فاذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف كذلك طريق السعادة الابدية ومرضاة الرب طريق زلق ودواعى الضلال عنها متكثرة زلق رجل اكثر الخلق فيها. فمن اعتصم بالقرآن العظيم وبقوانين الشرع القويم وبينات الرب الكريم فقد هدى الى صراط مستقيم وأمن من الغواية المؤدية الى نار الجحيم كما يأمن المتمسك بالحبل من العذاب الأليم جَمِيعاً حال من فاعل اعتصموا اى مجتمعين فى الاعتصام وَلا تَفَرَّقُوا اى لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل الكتاب وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ متعلق بنعمة إِذْ كُنْتُمْ ظرف له اى اذكروا انعامه عليكم وقت كونكم أَعْداءً فى الجاهلية بينكم الاحن والعداوة والحروب المتواصلة. وقيل هم الأوس والخزرج كانوا أخوين لاب وأم فوقعت بين أولادهما العداوة والبغضاء وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بتوفيقكم للاسلام فَأَصْبَحْتُمْ اى فصرتم بِنِعْمَتِهِ التي هى ذلك التألف إِخْواناً خبرا صبحتم اى إخوانا متحابين مجتمعين على الاخوة فى الله متراحمين متناصحين متفقين على كلمة الحق وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ شفا الحفرة وشفتها حرفها وجانبها اى كنتم مشرفين على الوقوع فى نار جهنم لكفركم إذ لو أدرككم الموت على تلك الحالة لوقعتم فيها تمثيل لحياتهم التي تتوقع بعد الوقوع فى النار بالقعود على حرفها مشرفين على الوقوع فيها فَأَنْقَذَكُمْ اى خلصكم ونجاكم بان هداكم للاسلام مِنْها اى الحفرة كَذلِكَ اشارة الى مصدر الفعل الذي بعده اى مثل ذلك التبيين الواضح يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ اى دلائله لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ طلبا لثباتكم على الهدى وازديادكم فيه. والاشارة ان اهل الاعتصام طائفتان. إحداهما اهل الصورة وهم المتعلقون بالأسباب لان مشربهم الأعمال. والثانية اهل المعنى وهم المنقطعون عن الأسباب لان مشربهم الأحوال فقال تعالى لهم وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ اى مقصودكم. وقال للمتعلقين بالأسباب وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وهو كل سبب يتوسل به الى الله فالمعتصم بحبل الله هو المتقرب الى الله باعمال البر ووسائط القربة وإذا وجد الاعتصام وجد عدم التفرق بخلاف عدم الاعتصام فانه سبب للتفرق فى الظاهر والباطن. فاما فى الظاهر فيلزم منه مفارقة الجماعة فاقتلوه كائنا من كان. واما فى الباطن فيظهر منه الأهواء المختلفة التي توجب تفرق الامة كما قال ﵇ (ستفترق أمتي اثنتين وسبعين فرقة الناجية منهم واحدة) قالوا يا رسول الله ومن الفرقة الناجية قال (من كانوا على ما انا عليه وأصحابي) . واعلم انه تعالى امر المؤمنين اولا بالتقوى وثانيا بالاعتصام وثالثا بتذكر النعمة لان فعل الإنسان لا بد وان يكون معللا اما بالرهبة واما بالرغبة والرهبة متقدمة على الرغبة لان دفع الضرر مقدم على جلب النفع كما ان التخلية قبل التحلية فقوله اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ

стр. 525

اشارة الى التخفيف من عقاب الله ثم جعله سببا للامر بالتمسك بدين الله ثم اردفه بالرغبة وهى قوله تعالى وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فعلى العاقل الانقياد لامر الله والطاعة لحكمه والاعتصام بحبله وعدم التفرق فى الدين والتقوى حق التقى من الله سبحانه قيل ونعم ما قيل متقى را بود چهار نشان ... حفظ احكام شرع أول دان ثانيا آنچهـ دست رس باشد ... بر فقيران وبيكسان بخشد عهد را با وفا كند پيوند ... هر چهـ باشد از ان شود خرسند وهذا معنى قول الشيخ النصرآباديّ علامة المتقى اربعة. حفظ الحدود. وبذل المجهود. والوفاء بالعهود. والقناعة بالموجود قال القشيري ﵀ حق التقوى ان يكون على وفق الأمر لا يزيد من قبل نفسه ولا ينقص. وحق التقوى اولا اجتناب الزلة. ثم اجتناب الفضلة. ثم التوقي عن كل خلة. ثم التنقى عن كل علة فاذا اتقيت عن شهود تقواك بعد اتصافك بتقواك فقد اتقيت حق تقواك انتهى. فمن بقي فيه شىء من اثر الوجود فقد أشرك شركا خفيا ولم يصل الى حقيقة الشهود حضورى گر همى خواهى ازو غائب مشو حافظ ... متى ما تلق من تهوى دع الدنيا وأهملها قال ابو مدين ﵀ شتان بين من همته الحور والقصور ومن همته رفع الستور ودوام الحضور فطوبى لمن سار اليه بالجذبات الالهية على قدم التحقيق وطار بتجلى الصفات الربانية وجناح التوفيق. قال سهل رضى الله عنه ليس للعبد الا مولاه واحسن أحواله ان يرجع الى مولاه إذا عصى قال يا رب استر على فاذا ستر عليه قال يا رب تب على فاذا تاب عليه قال يا رب وفقني حتى اعمل فاذا عمل قال يا رب وفقني حتى أخلص فاذا أخلص قال يا رب تقبل منى. فعلى العاقل ان يتمسك بهذا الحبل المتين وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ اى لتوجد منكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ جماعة داعية الى الخير اى الى ما فيه صلاح دينى ودنيوى فالدعاء الى الخير عام فى التكليف من الافعال والتروك ثم عطف عليه الخاص إيذانا بفضله فقال وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وهو ما استحسنه الشرع والعقل وهو الموافقة وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو ما استقبحه الشرع والعقل وهو المخالفة وَأُولئِكَ الموصوفون بتلك الصفات الكاملة والافراد فى كاف الخطاب لان المخاطب كل من يصلح للخطاب هُمُ الْمُفْلِحُونَ اى هم الاخصاء بكمال الفلاح. وهم ضمير فصل يفيد اختصاص المسند بالمسند اليه ثم ان من فى قوله منكم للتبعيض وتوجيه الخطاب الى الكل مع اسناد الدعوة الى البعض لتحقيق معنى فرضيتها على الكفاية وانها واجبة على الكل لكن بحيث ان أقامها البعض سقطت عن الباقين ولو اخل بها الكل أثموا جميعا لا بحيث يتحتم على الكل إقامتها ولانها من عظائم الأمور وعزائمها التي لا يتولاها الا العلماء باحكامه تعالى ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها فان الجاهل ربما نهى عن معروف وامر بمنكر وربما عرف الحكم فى مذهبه وجهله فى مذهب صاحبه فنهاه عن منكر وقد يغلظ فى موضع اللين ويلين فى موضع الغلظة وينكر على من لا يزيده إنكاره الا تماديا او على من الإنكار عليه عبث كالانكار على اصحاب المآصر والجلادين واضرابهم. وقيل من للتبيين وكان ناقصة اى كونوا امة يدعون الآية ولا يقتضى ذلك كون الدعوة

стр. 526

فرض عين فان الجهاد من فروض الكفاية مع ثبوته بالخطاب للعامة. عن النبي ﵇ انه سئل وهو على المنبر من خير الناس قال (آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر واتقاهم لله وأوصلهم للرحم) وقال ﵇ (من امر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله فى ارضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه) . وعن حذيفة يأتى على الناس زمان يكون فيهم جيفة الحمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وعن سفيان الثوري إذا كان الرجل محبا فى جيرانه محمودا عند إخوانه فاعلم انه مداهن قال رسول الله ﷺ (مثل المداهن فى حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم فى أسفلها وصار بعضهم فى أعلاها فكان الذي فى أسفلها يمر بالماء على الذين فى أعلاها فتأذوا به فأخذ فاسا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا مالك قال تأذيتم بي ولا بدلى من الماء فان أخذوا على يديه انجوه وأنجو أنفسهم وان تركوه اهلكوه واهلكوا أنفسهم) قال ﷺ (ان الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك ان يعمهم الله بعذابه) وقال رسول الله ﷺ (يحشر يوم القيامة ناس من أمتي من قبورهم الى الله على صورة القردة والخنازير بما داهنوا اهل المعاصي وكفوا عن نهيهم وهم يستطيعون) فلا بد من توطين النفس على الصبر وتقليل العلائق وقطع الطمع عن الخلائق حتى تزول عنه المداهنة قال رسول الله ﷺ (عذب اهل قرية فيها ثمانية عشر الفا عملهم عمل الأنبياء ﵈ قالوا يا رسول الله كيف قال (لم يكونوا يغضبون لله ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر) ثم الأمر بالمعروف تابع للمأمور به ان كان واجبا فواجب وان كان ندبا فندب. واما النهى عن المنكر فواجب كله لان جميع المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبح وطريق الوجوب السمع والعقل وعند البعض السمع وحده وشرط النهى بعد معرفة المنهي عنه ان لا يكون ما ينهى عنه واقعا لان الواقع لا يحسن النهى عنه وانما يحسن الذم عليه والنهى عن المعاودة الى مثله وان يغلب على ظنه وقوع المعصية نحوان يرى الشارب قد تهيأ لشرب الخمر باعداد آلاته وان لا يغلب على ظنه ان أنكر لحقته مضرة عظيمة. فان قلت كيف يباشر الإنكار. قلت يبدأ بالسهل فان لم ينفع ترقى الى الصعب لان الغرض كف المنكر قال تعالى فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ثم قال فَقاتِلُوا والمباشر كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه وقد اجمعوا ان من رأى غيره تاركا للصلاة وجب عليه الإنكار لانه معلوم قبحه لكل أحد. واما الإنكار الذي بالقتال فالامام وخلفاؤه اولى لانهم اعلم بالسياسة ومعهم عدتها. فان قلت فمن يؤمر وينهى. قلت كل مكلف وغير المكلف إذا هم بضرر غيره منع كالصبيان والمجانين وينهى الصبيان عن المحرمات حتى لا يتعودوها كما يؤمرون بالصلاة ليمرنوا عليها والعاصي يجب عليه النهى عما ارتكبه إذ يجب عليه تركه والإنكار لا يجب فلا يسقط بترك أحدهما وجوب شىء منهما قال النبي ﵇ (ان الله ليؤيد هذا الدين باهل الفسوق) والتوبيخ فى قوله تعالى أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ انما هو على نسيان أنفسهم لا على أمرهم بالبر. وعن السلف مروا بالخير وان لم تفعلوا. وعن بعض الصحابة ان الرجل إذا لم يستطع الإنكار على منكر رآه فليقل ثلاث مرات اللهم ان هذا منكر وإذا فعل ذلك فقد فعل ما عليه كرت نهى منكر بر آيد ز دست ... نشايد چوبى دست و پايان نشست

стр. 527

چودست وزبانرا نماند مجال ... بهمت نمايند مردى رجال يعنى إذا لم يستطع ان يغير المنكر بلسانه ويده فلينكره بقلبه فان الرجال يرون الرجولية بالهمة ويتضرعون الى الله فى دفع ما لا يقدرون على دفعه. والاشارة فى الآية ان الامة التي يدعون الى الخير بالافعال دون الأقوال هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون من وعيد من يأمر بالمعروف ولا يأتيه والذي يدل عليه ما روى اسامة عن رسول الله ﷺ قال سمعته يقول (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى فى النار فتزلق اقتابه فى النار فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيجتمع اهل النار عليه فيقولون اى فلان ما شأنك ألست تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه) والداعي الى الخير فى الحقيقة شيوخ الطريقة فان من لم يعرف الله لم يعرف الخير إذ الخير المطلق هو الكمال المطلق الذي يكون للانسان بحسب النوع من معرفة الحق والوصول اليه كما كان للنبى ﵇ والإضافي ما يتوصل به الى المطلق فالخير المدعو اليه اما الحق واما طريق الوصول اليه والمعروف كل ما يقرب اليه والمنكر كل ما يبعد عنه فمن لم يكن له التوحيد والاستقامة لم يكن له مقام الدعوة فغير المستقيم وان كان موحدا ربما امر بما هو معروف عنده منكر فى نفس الأمر وربما نهى عما هو منكر عنده معروف فى نفس الأمر كمن بلغ فى مقام الجمع واحتجب بالحق عن الخلق فكثيرا ما يستحل محرما ويحرم حلالا فهم اهل الحجاب واهل الفلاح المطلق هم الذين لم يبق لهم حجاب وهم خلفاء الله فى ارضه أوصلنا الله وإياكم الى معرفة حقيقة الحال وشرفنا بالوصول الى جنابه المتعال وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا هم اهل الكتابين حيث تفرقت اليهود فرقا والنصارى فرقا وَاخْتَلَفُوا باستخراج التأليفات الزائغة وكتم الآيات الناطقة وتحريفها بما اخلدوا اليه من حطام الدنيا الدنية. قال الامام تفرقوا بأبدانهم بان صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيسا فى بلد ثم اختلفوا بان صار كل واحد منهم يدعى انه على الحق وان صاحبه على الباطل. وأقول انك إذا أنصفت علمت ان اكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة فنسأل الله العفو والرحمة انتهى مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ اى الآيات الواضحة المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه واتحاد الكلمة وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فى الآخرة بسبب تفرقهم فانه يدوم ولا ينقطع ولما امر الله هذه الامة بان يكونوا آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر وذلك لا يتم الا إذا كان الآمر بالمعروف قادرا على تنفيذ هذا التكليف على الظلمة والمتغلبين ولا تحصل هذه القدرة الا إذا حصلت الالفة والمحبة بين اهل الحق والدين فلا جرم حذرهم الله عن التفرقة والاختلاف لكيلا يصير ذلك سببا لعجزهم عن القيام بهذا التكليف. فعلى المؤمنين ان لا يكونوا ناشئين بمقتضى طباعهم غير متابعين لامام ولا متفقين على كلمة واحدة باتباع مقدم يجمعهم على طريقة واحدة فان لم يكن لهم مقتدى وامام تتحد عقائدهم وسيرهم وآراؤهم بمتابعته وتتفق كلمتهم فى الآخرة على محسوس أوضح من ظهوره فى الدنيا ممن دعا الى الله على بصيرة كالرسول واتباعه الذين ألحقهم الله بدرجات الدنيا فى الدعاء اليه على بصيرة كلماتهم وعاداتهم واهوائهم لمحبته وطاعته كانوا مهملين مهترقين؟؟؟ فرائس للشيطان كشريدة الغنم تكون للذئب ولهذا قال امير المؤمنين

стр. 528

على رضى الله عنه لا بد للناس من امام بار او فاجر ولم يرسل نبى الله رجلين فصاعدا لشأن الأوامر أحدهما على الآخر وامر الآخر بمتابعته وطاعته ليتحد الأمر وينتظم والا وقع الهرج والمرج واضطرب امر الدين والدنيا واختل نظام المعاش والمعاد قال ﵇ (من فارق الجماعة قيد شبر لم يربحبوحة الجنة) وقال (يد الله مع الجماعة) فان الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين ابعد ألا يرى ان الجمعية الانسانية إذا لم تنضبط برياسة القلب وطاعة العقل كيف اختل نظامها وآلت الى الفساد والتفرق الموجب لخسار الدنيا والآخرة ولما نزل قوله تعالى وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ خط رسول الله ﷺ خطا فقال (هذا سبيل الرشد) ثم خط عن يمينه وشماله خطوطا فقال (هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا اليه) فعلى العاقل ان يسلك الى صراط التوحيد ولوازمه وحقوقه ويجتنب عن سبل الشيطان واسباب الدخول فيها قال رسول الله ﷺ (أمرت ان أقاتل الناس) الى ان قال (وحسابهم على الله) أراد بقوله وحسابهم على الله انه لا يعلم انهم قالوها معتقدين لها فالمشرك لا قدم له على صراط التوحيد وله قدم على صراط الوجود والمعطل لا قدم له على صراط الوجود فالمشرك ما وحد الله هنا فهو من الموقف الى النار مع المعطلة ومن هو من اهل النار الا المنافقين فلا بد لهم ان ينظروا الى الجنة وما فيها من النعيم فيطمعون فذلك نصيبهم من الجنان ثم يصرفون الى النار وهذا من عدل الله فقوبلوا بأعمالهم فالشرع هنا هو الصراط المستقيم ولا تزال فى كل ركعة من الصلاة نقول اهدنا الصراط المستقيم فهو احدّ من السيف وأدق من الشعر وظهوره على علم وكشف. قال على كرم الله وجهه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا فمن تمسك بالشرع المتين والقرآن المبين واهتدى الى هذا الصراط المستقيم وتخلص من التفرق الموجب للعذاب الأليم فليس عليه حساب ولا صراط فى الآخرة بل هو مع الأنبياء والأولياء فى النعيم المقيم ومن زلت قدمه عن الشرع فى الدنيا بارتكاب المحظورات زلت فى الآخرة ايضا إذ من كان فى الدنيا أعمى محجوبا غير واصل كان فى الآخرة ايضا كذلك والعياذ بالله قال رسول الله ﷺ (الزالون على الصراط كثير واكثر من يزل عنه النساء) وقال (رأيت النار واكثر أهلها النساء فانهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير فلو أحسنت الى إحداهن الدهر كله ثم إذا رأت منك شيأ قالت ما رأيت منك خيرا قط) فانظر كيف زلت أقدامهن عن الصراط فى الآخرة وما ذلك الا لكونها زالة عن صراط الشرع فى الدنيا بالاعتقاد والأعمال: ونعم ما قال الجامى عقل زن ناقص است ودينش نيز ... هرگزش كامل اعتقاد مكن گر بدست از وى اعتبار مگير ... ور نكو بروى اعتماد مكن فاذا وقفت على هذا التفصيل فاجتهد ايها العبد الذليل فى طريق المتابعة والموافقة للانبياء والكاملين وتمسك بذيل شيخ واصل الى اليقين لعله يجمع بإذن الله شملك بعد ما نبدد وصلك وتفرق حالك فان الطريق المجهول لا بدله من مرشد والا فالهلاك عصمنا الله وإياكم من الخلاف والاختلاف وأسلكنا طريق الأخيار من الاسلاف وثبتنا فيه الى آخر الآجال وحشرنا باهل

стр. 529

الفضل والكمال يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ اى اذكروا ايها المؤمنون يوم تبيض وجوه كثيرة وتسود وجوه كثيرة. وبياض الوجه وسواده كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكمون الخوف فيه يقال لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه ابيض وجهه اى استبشر ولمن وصل اليه مكروه اغبر لونه وتبدلت صورته. فمعنى الآية ان المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فان كان ذلك من الحسنات استبشر بنعم الله وفضله وإذا رأى الكافر اعماله القبيحة اشتد حزنه وغمه. وقيل بياض الوجه وسواده حقيقتان فيوسم اهل الحق ببياض الوجوه والصحيفة واشراق البشرة وسعى النور بين يديه ويمينه واهل الباطل باضداد ذلك والحكمة فى ظهورهما فى الوجوه حقيقة ان السعيد يفرح بان يعلم قومه انه من اهل السعادة قال تعالى مخبرا عنه يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ والشقي يغتم بعكس ذلك فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فيقال لهم أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ الهمزة للتوبيخ والتعجب من حالهم والظاهر انهم اهل الكتابين وكفرهم بعد ايمانهم كفرهم برسول الله ﷺ بعد ايمانهم به قبل مبعثه ﵇ او جميع الكفرة حيث كفروا بعد ما أقروا بالتوحيد يوم الميثاق فَذُوقُوا الْعَذابَ المعهود الموصوف بالعظم بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بالقرآن ومحمد ﵇ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ اى الجنة والنعيم المقيم المخلد عبر عنها بالرحمة تنبيها على ان المؤمن وان استغرق عمره فى طاعة الله تعالى فانه لا يدخل الجنة الا برحمته تعالى هُمْ فِيها خالِدُونَ كانه قيل كيف يكونون فيها فقيل هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون تِلْكَ اشارة الى الآيات المشتملة على تنعيم الأبرار وتعذيب الكفار وهو مبتدأ آياتُ اللَّهِ خبره نَتْلُوها جملة حالية من الآيات عَلَيْكَ اى نقرأها عليك يا محمد بواسطة جبريل بِالْحَقِّ حال مؤكدة من فاعل نتلوها او من مفعوله اى ملتبسين او ملتبسة بالحق والعدل ليس فى حكمها شائبة جور بنقص ثواب المحسن او بزيادة عقاب المسيئ او بالعقاب من غير جرم بل كل ذلك مو فى لهم حسب استحقاقهم بأعمالهم بموجب الوعد والوعيد وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً اى شيأ من الظلم لِلْعالَمِينَ لاحد من خلقه كيف والظلم تصرف فى ملك الغير وهو تعالى انما يتصرف فى ملك نفسه او انه وضع الشيء فى غير موضعه وذلك قد يكون بمنع حق المستحق منه وقد يكون بفعل ما منع منه ولا ينبغى له ان يفعله وكل ذلك لا يتصور فى حقه تعالى فيستحيل تصور الظلم من الله فانه لا حق لاحد فيظلم بمنعه ولا يمنع عن شىء فيظلم بفعله بل هو المالك على الإطلاق وأفعاله محض حكمة وعدل وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ اى له تعالى وحده من غير شركة أصلا ما فيهما من المخلوقات الفائتة للحصر ملكا وخلقا احياء واماتة اثابة وتعذيبا وإيراد كلمة ما اما لتغليب غير العقلاء على العقلاء واما لتنزيلهم منزلة غيرهم إظهارا لحقارتهم فى مقام بيان عظمته تعالى وَإِلَى اللَّهِ اى الى حكمه وقضائه لا الى غيره شركه واستقلالا تُرْجَعُ الْأُمُورُ اى أمورهم فيجازى كلا منهم بما وعد له وأوعده من غير دخل فى ذلك لاحد قط. فان قيل الرجوع اليه يكون بعد الذهاب عنه ولم يكن فلم قال ذلك. قلنا كانت كالذاهبة بهلاكها ثم إعادتها لان فى الدنيا يملك بعض الخلق بالتدبير

стр. 530

وفى القيامة يكون كل ذلك لله تعالى. والاشارة ان الذين تبيض وجوههم يوم القيامة هم الذين ابيضت قلوبهم اليوم بنور الايمان والجمعية والوفاق مع الله والذين تسود وجوههم يومئذ هم الذين اسودت قلوبهم بالكفر والتفرق والاختلاف من الله وذلك لان الوجوه تحشر بلون القلوب كقوله تعالى يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ اى يجعل ما فى الضمائر على الظواهر زر اندود كانرا بآتش برند ... پديد آيد آنكه كه مس يا زرند فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فيقال لهم أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ وهم ارباب الطلب السائرون الى الله الذين انقطعوا فى بادية النفس واتبعوا غول الهوى وارتدوا على أعقابهم القهقرى فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ تسترون الحق بالباطل وتعرضون عن الحق فى طلب الباطل وكنتم معذبين بنار الهجران والقطيعة فى الدنيا ولكن ما كنتم تذوقون عذابها لان الناس نيام والنائم لا يذوق ألم الجراحات حتى ينتبه فاذا ماتوا انتبهوا فيذوقوا ألم جراحات الانقطاع والاعراض عن الله وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ هم فَفِي رَحْمَتِ الجمعية والوفاق مع اللَّهِ فى الدنيا وهُمْ فِيها خالِدُونَ فى الآخرة لانه يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه قال رسول الله ﷺ (يبعث كل عبد على ما مات عليه) وقال (من مات سكران فانه يعاين ملك الموت سكران ويعاين منكر ونكيرا سكران ويبعث يوم القيامة سكران الى خندق فى وسط جهنم يسمى السكران فيه عين يجرى ماؤها دما لا يكون له طعام ولا شراب الا منه) وقال رسول الله ﷺ (أخبرني جبريل ﵇ ان لا اله الا الله انس للمسلم عند موته وفى قبره وحين يخرج من قبره يا محمد لو تراهم حين يمرقون من قبورهم وينفضون عن رؤسهم التراب هذا يقول لا اله الا الله والحمد لله فيبيض وجهه وهذا ينادى يا حسرتا على ما فرطت فى جنب الله مسودة وجوههم) قال رسول الله ﷺ (النياحة على الميت من امر الجاهلية وان النائحة إذا لم تتب قبل ان تموت فانها تبعث يوم القيامة عليها سرابيل من قطران ثم يعلى عليها بدرع من لهب النار) وفى التنزيل الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ قال اهل التأويل كلهم يبعث كالمجنون عقوبة لهم وتمقيتا عند اهل الحشر فجعل الله هذه العلامة لاكلة الربا وذلك انه ارباه فى بطونهم فاثقلهم فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون لعظم بطونهم وثقلها عليهم نسأل الله الستر فى الدنيا والآخرة وهو الموفق للصالحات من الأعمال والافعال كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ كنتم من كان الناقصة التي تدل على تحقق شىء بصفة فى الزمان الماضي من غير دلالة على عدم سابق او لاحق ويحمل على الدوام او الانقطاع بحسب معونة المقام ودلالة القرائن فقولك كان زيد قائما محمول على الانقطاع وقوله تعالى وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً محمول على الدوام ومنه قوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ صفة لامة أظهرت لاجلهم ومصلحتهم ونفعهم تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ جملة مسأنفة بين بها كونهم خير امة كأنه قيل السبب فى كونهم خير الأمم هذه الخصال الحميدة والمقصود بيان علة تلك الخيرية كقولك زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم لان ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يشعر بالعلية وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ اى ايمانا متعلقا بكل ما يجب ان يؤمن به من رسول
следующие страницы →