عظيم لا يقدر على مثله منتقم إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ اى مدرك الأشياء كلها يعنى هو مطلع على كفر من كفر به وايمان من آمن به وعلى جميع أعمالهم فيجازيهم يوم القيامة هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ اى يجعلكم على هيئة مخصوصة فى أرحام أمهاتكم من ذكر وأنثى واسود وأبيض وتام وناقص وطويل وقصير وحسن وقبيح وهو رد على الذين قالوا عيسى الله او ابن الله لان من صور فى الرحم يمتنع ان يكون الها او ولد الله لكونه مركبا وحالا فى المركب وفى عرض الفناء والزوال لا إِلهَ إِلَّا هُوَ نزه نفسه ان يكون عيسى ابنا له الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ المتناهي فى القدرة والحكمة قربكم يخلقكم على النمط البديع قال رسول الله ﷺ (ان خلق أحدكم يجمع فى بطن امه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله اليه الملك بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله واجله وشقى او سعيد) قال (وان أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها وان أحدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها) وقال ﵇ (يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأربعين او بخمس وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقى أم سعيد فيكتبان فيقول اى رب أذكر أم أنثى فيكتبان ويكتب عمله واثره واجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص ثم يقول الملك يا رب ما اصنع بهذا الكتاب فيقول علقه فى عنقه الى قضائى عليه فذلك قوله تعالى وكل انسان ألزمناه طائره فى عنقه) اى عمله من خير وشر الصادر عنه باختياره حسبما قدر له كأنه طار اليه من وكر الغيب والقدر. قال القاضي المراد بكتبه هذه الأشياء إظهارها للملك وإلا فقضاؤه تعالى سابق على ذلك وكل ميسر لما خلق له فعلى العاقل ان لا يتكاسل عن الأعمال فى جميع الأحوال ولا يفوت ايام الفرصة والليال
خبر دارى اى استخوانى قفس ... كه جان تو مرغيست نامش نفس
چومرغ از قفس رفت وبگسست قيد ... دكر ره نكردد بسعى تو صيد
نگه دار فرصت كه عالم دميست ... دمى پيش دانا به از عالميست
والاشارة ان الله تعالى كما يصور الجنين بصورة الانسانية على نطفة سقطت فى الرحم بتدبير الأربعينات فكذلك إذا سقطت من صلب ولاية رجل من رجاله نطفة ارادة فى رحم قلب مريد صادق والمريد يستسلم لتصرفات ولاية الشيخ وهى بمثابة ملك الأرحام ويضبط احوال ظاهره وباطنه على وفق امر الشيخ ويختار الخلوة والعزلة كيلا يصدر منه حركة عنيفة او يجد رايحة غريبة يلزم منها سقوط النطفة وفسادها ويقعد بامر الشيخ وتدبيره فالله تعالى يصرف ولاية الشيخ المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها يحولها من حال الى حال وينقلها من مقام الى مقام الى ان يرجع الى حظائر القدس ورياض الانس التي منها صدر الى عالم الانس بقدم الأربعينات الاولى فلما وصل الى مقامه الاول ايضا بقدم الأربعينات كما جاءتم خلق الجنين فى رحم القلب وهو يجعل خليفة الله فى ارضه فيستحق الآن ان ينفخ فيه الروح المخصوص بأبناء أوليائه وهو روح القدس الذي هو متولى القائه كقوله تعالى يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وقال
стр. 457
كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ولهذه الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة اهبط الأرواح من أعلى عليين القرب الى أسفل سافلين البعد كما قال اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فاذا نفخ فيه الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون فاحفظه تفهم ان شاء الله تعالى كذا فى تأويلات الشيخ الكامل نجم الدين الكبرى أفاض الله علينا من سجال معارفه وحقائقه ولطائفه آمين هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ اى القرآن مِنْهُ اى من الكتاب آياتٌ مُحْكَماتٌ اى قطعية الدلالة على المعنى المراد محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال والاشتباه هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ اى اصل فيه وعمدة يرد إليها غيرها بالتأويل فالمراد بالكتاب كله والاضافة بمعنى فى وَأُخَرُ اى ومنه آيات اخر مُتَشابِهاتٌ اى محتملات لمعان متشابهة لا يمتاز بعضها من بعض فى استحقاق الارادة بها ولا يتضح الأمر الا بالنظر الدقيق والتأمل الأنيق فالتشابه فى الحقيقة وصف للمعانى وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بوصف المدلول. واعلم ان اللفظ اما ان لا يحتمل غير معنى واحد او يحتمل. والاول هو النص كقوله تعالى وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.
والثاني اما ان تكون دلالته على مدلوليه او مدلولاته متساوية اولا والاول هو المجمل كقوله تعالى ثَلاثَةَ قُرُوءٍ. واما الثاني فهو بالنسبة الى الراجح ظاهر كقوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ وبالنسبة الى المرجوح مؤول كقوله تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ والنص والظاهر كلاهما محكم والمجمل والمؤول متشابه وهو كقوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قد رد الى قوله تعالى وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ثم ان الله تعالى جعل القرآن كله محكما فى قوله الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ومعناه ان كله حق لا ريب فيه ومتقن لا تناقض فيه ومحفوظ من اعتراء الخلل او من النسخ. وجعله كله متشابها فى قوله كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ ومعناه يشبه بعضه بعضا فى صحة المعنى وجزالة النظم وحقيقة المدلول وجعل بعضه محكما وبعضه متشابها فى هذه الآية وقد سبق وانما لم يجعل الله القرآن كله محكما لما فى المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه كابتلاء بنى إسرائيل بالنهر فى اتباع نبيهم ولان النظر فى المتشابه والاستدلال لكشف الحق يوجب عظم الاجر ونيل الدرجات عند الله فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ اى ميل عن الحق الى الأهواء الباطلة فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ معرضين عن المحكمات اى يتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب او بتأويل باطل لا تحريا للحق بعد الايمان بكونه من عند الله تعالى بل ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ اى طلب ان يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ اى طلب ان يؤولوه حسبما يشتهونه من التأويلات الزائغة والحال انهم بمعزل من تلك الرتبة وذلك قوله وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ اى تأويل المتشابه إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ اى لا يهتدى الى تأويله الحق الذي يجب ان يحمل عليه الا الله وعباده الذين رسخوا فى العلم اى ثبتوا فيه وتمكنوا او فوضوا فيه لنص قاطع ومنهم من يقف على قوله إِلَّا اللَّهُ ويبتدئ بقوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ويفسرون المتشابه بما أستأثر الله
стр. 458
بعلمه وبمعرفة الحكمة فيه من آياته كعدد الزبانية فى قوله عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ومدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة والصوم وعدد الركعات فى الصلوات الخمس والاول هو الوجه فان الله تعالى لم ينزل شيأ من القرآن الا لينتفع به عباده ويدل به على معنى اراده فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال وهل يجوز ان يقال ان رسول الله صلى عليه وسلم لم يكن يعرف المتشابه وإذا جاز ان يعرفه مع قوله تعالى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ جاز ان يعرفه الربانيون من صحابته وان لم يعرفه النبي ﷺ وصحابته والعلماء الراسخون وقالوا علمه عند ربنا لم يكن لهم فضل على الجهال لانهم جميعا يقولون ذلك قالوا ولم يزل المفسرون الى يومنا هذا يفسرون ويؤولون كل آية ولم نرهم وقفوا عن شىء من القرآن فقالوا هذا متشابه لا يعلمه الا الله بل فسروا نحو حروف التهجي وغيرها يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ اى بالمتشابه والجملة على الاول استئناف موضح لحال الراسخين وعلى الثاني خبر لقوله والراسخون كُلٌّ اى كل واحد من المحكم والمتشابه مِنْ عِنْدِ رَبِّنا منزل من عنده تعالى لا مخالفة بينهما وَما يَذَّكَّرُ حق التذكر إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ اى العقول الخالصة عن الركون الى الأهواء الزائغة وهو مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر واشارة الى ما به استعدوا للاهتداء الى تأويله من تجرد العقل عن غواشى الحس رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا اى يقولون لا تمل قلوبنا عن نهج الحق الى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا الى الحق والتأويل الصحيح او الى الايمان وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ اى من عندك رَحْمَةً واسعة تزلفنا إليك ونفوز بها عندك إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ واطلاق الوهاب ليتناول كل موهوب. وفيه دلالة على ان الهدى والضلال من قبله وانه متفضل بما ينعم به على عباده من غير ان يجب عليه شىء رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ بعد الموت لِيَوْمٍ اى لجزاء يوم وحسابه وهو يوم القيامة لا رَيْبَ فِيهِ اى فى وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والحساب والجزاء ومقصودهم بهذا عرض كمال افتقارهم الى الرحمة وانها المقصد الأسنى عندهم إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ الوعد يعنى الالوهية تنافى خلف الوعد فى البعث واستجابة الدعاء وهذا حال الراسخين فى الدعاء فانظر كيف لا يأمنون سوء الخاتمة وأداهم الخوف والخشية الى الرجاء فاياك والزيغ عن الصراط المستقيم باتباع الهوى والشهوات قال رسول الله ﷺ ما من قلب الا وهو بين اصبعين من اصابع الرحمن اذا شاء ان يقيمه اقامه واذا شاء ازاغه يعنى قلب المؤمن بين توفيقه وخذلانه وانما قال من أصابع الرحمن ولم يقل من أصابع الله اشعارا بانه هو المتمكن من قلوب العباد والمتصرف فيها كيف يشاء ولم يكلها الى أحد من ملائكته رحمة منه وفضلا لئلا يطلع على سرائرهم غيره وكان رسول الله ﷺ يقول (اللهم يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلوبنا على دينك) والميزان بيد الرحمن يرفع قوما ويضع آخرين الى يوم القيامة وقال ﷺ (مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهر البطن) قال الجنيد ﵀ من أراد ان يسلم له دينه ويستريح فى بدنه وقلبه فليعتزل الناس فان هذا
стр. 459
زمان وحشة والعاقل من اختار الوحدة قال ﵇ لا صحابه (اين تنبت الحبة) قالوا فى الأرض قال (فكذلك الحكمة انما تنبت فى قلب مثل الأرض) فدفن حبة الفؤاد والوجود فى ارض الخمول مما ينتج ويتم نتاجه جدا فما نبت مما لم يدفن لم يتم نتاجه وان ظهر نوره وانتاجه كالذى نبت فى حميل السيل. فعليك بتزكية النفس وإصلاح الوجود كى تدرك نور الشهود وتقبل الى الاستقامة وتخلص من الزيغ والضلال فى جميع الأحوال وكم من زائع قلبه وهو صورة مستقيم وكم من مستقيم فؤاده وهو فى الظاهر غير مستقيم: كما قيل
بس قامت خاشاك كه بر جا باشد ... چون باد بر آنها بوزد نا باشد
والقلب هو محل النظر لا الصورة كما قال ﵇ (ان الله لا ينظر الى صوركم بل الى قلوبكم وأعمالكم) فأى فائدة فى القلب الزائغ عن الحق فنعوذ بالله منه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ اى لن تنفعهم أَمْوالُهُمْ التي يبذلونها فى جلب المنافع ودفع المضار قدم الأموال على الأولاد لانها أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب وَلا أَوْلادُهُمْ الذين بهم يتناصرون فى الأمور المهمة وعليهم يعولون فى الخطوب الملمه وتوسيط حروف النفي لعراقة الأولاد فى كشف الكروب مِنَ اللَّهِ اى عذابه تعالى شَيْئاً اى شيأ من الإغناء ومعناه لا يصرف عنهم كثرة الأموال والأولاد والتناصر بهما عذابه وكانوا يقولون نحن اكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين قال تعالى فى ردهم وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً أُولئِكَ اى أولئك المتصفون بالكفر هُمْ وَقُودُ النَّارِ حطب النار وحصبها الذي تسعربه كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ الدأب مصدر دأب فى العمل إذا كدح فيه وتعب غلب استعماله فى معنى الشان والحال والعادة ومحل الكاف الرفع على انه خبر لمبتدأ محذوف اى دأب هؤلاء فى الكفر وعدم النجاة من أخذ الله تعالى وعذابه كدأب آل فرعون وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ اى آل فرعون من الأمم الكافرة كقوم نوح وثمود وقوم لوط وهو عطف على ما قبله كَذَّبُوا بِآياتِنا بيان وتفسير لدأبهم الذي فعلوا على الاستئناف المبنى على السؤال كأنه قيل كيف كان دأبهم فقيل كذبوا بآياتنا اى بكتبنا ورسلنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ تفسير لدأبهم الذي فعل بهم اى فأخذهم الله تعالى وعاقبهم ولم يجدوا من بأس الله تعالى محيصا فدأب هؤلاء الكفرة ايضا كدأبهم والذنب فى الأصل التلو والتابع وسميت الجريمة ذنبا لانها تتلو اى يتبع عقابها فاعلها وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن كفر بالآيات والرسل قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا المراد بهم اليهود لما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان يهود المدينة لما شاهدوا غلبة رسول الله ﷺ على المشركين يوم بدر قالوا والله انه النبي الأمي الذي بشرنا به موسى وفى التوراة نعته وهموا باتباعه فقال بعضهم لا تعجلوا حتى ننظر الى وقعة له اخرى فلما كان يوم أحد شكوا وقد كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد الى مدة فنقضوه وانطلق كعب بن الأشرف فى ستين راكبا الى اهل مكة فاجمعوا أمرهم على قتال رسول الله ﷺ فنزلت سَتُغْلَبُونَ البتة عن قريب فى الدنيا وقد صدق الله وعده بقتل بنى قريظة واجلاء بنى النضير وفتح خيبر وضرب الجزية على من
стр. 460
عداهم وهو من أوضح شواهده النبوة وَتُحْشَرُونَ اى فى الآخرة إِلى جَهَنَّمَ والحشر السوق والجمع اى يغلبون فى الدنيا ويساقون فى الآخرة مجموعين الى جهنم وَبِئْسَ الْمِهادُ اى بئس الفراش والمقر جهنم قَدْ كانَ لَكُمْ جواب قسم محذوف وهو من تمام القول المأمور به اى والله قد كان لكم ايها اليهود المغترون بعددهم وعددهم آيَةٌ عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم انكم ستغلبون فِي فِئَتَيْنِ اى جماعتين فان المغلوبة منهما كانت مدلة بكثرتها معجبة بعزتها وقد لقيها ما لقيها فيصيبكم ما يصيبكم الْتَقَتا اى تلاقيا بالقتال يوم بدر فِئَةٌ خبر مبتدأ محذوف اى إحداهما فئة تُقاتِلُ تجاهد فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهم لاكثرة فيهم ولا شوكة وهم اصحاب محمد ﷺ وَأُخْرى اى وفئة اخرى كافِرَةٌ بالله ورسوله يَرَوْنَهُمْ اى ترى الفئة الاخيرة الكافرة الفئة الاولى المؤمنة والجملة صفة للفئة الاخيرة مِثْلَيْهِمْ اى مثلى عدد الرائين قريبا من الف كانوا تسعمائة وخمسين مقاتلا رأسهم عتبة من ربيعة بن عبد شمس وفيهم ابو سفيان وابو جهل وكان فيهم من الخيل والإبل مائة فرس وسبعمائة بعير ومن اصناف الاسلحة عدد لا يحصى. وعن سعد بن أوس انه قال اسر المشركون رجلا من المسلمين فسألوه كم كنتم قال ثلاثمائة وبضعة عشر قالوا ما كنا نراكم الا تضعفون علينا او مثلى عدد المرئيين اى ستمائة ونيفا وعشرين حيث كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار رضى الله عنهم وكان صاحب راية النبي ﷺ والمهاجرين على بن ابى طالب رضى الله تعالى عنه وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة الخزرجي رضى الله عنه وكان فى العسكر تسعون بعيرا وفرسان أحدهما للمقداد بن عمرو والآخر لمرثد بن بي مرثد وست ادرع وثمانية سيوف وجميع من استشهد يومئذ من المسلمين اربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار أراهم الله كذلك مع قلتهم ليهابوهم ويتجنبوا عن قتالهم مددا لهم منه سبحانه كما أمدهم بالملائكة ﵈. فان قلت فهذا مناقض لقوله فى سورة الأنفال وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ. قلت قللهم اولا فى أعينهم حتى اجترءوا عليهم فلما لا قوهم كثروا فى أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير فى حالين مختلفين وتقليلهم تارة وتكثيرهم اخرى ابلغ فى القدرة واظهار الآية رَأْيَ الْعَيْنِ نصب على المصدر يعنى رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ اى يقوى بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ اى يريد من غير توسيط الأسباب العادية كما أيد الفئة المقاتلة فى سبيله بما ذكر من النصر وهو من تمام القول المأمور به إِنَّ فِي ذلِكَ اشارة الى ما ذكر من رؤية القليل كثيرا المستتبعة لغلبة القليل العديم العدة على الكثير الشاكي السلاح لَعِبْرَةً من العبور كالجلسة من الجلوس والمراد بها الاتعاظ فانه نوع من العبور اى لعبرة عظيمة كائنة لِأُولِي الْأَبْصارِ لذوى العقول والبصائر. فعلى العاقل ان يعتبر بالآيات ولا يغتر بكثرة الاعداد من الأموال والأولاد وعدم اجتهاده لمعاده فان الله يمتعه قليلا ثم يضطره الى عذاب
стр. 461
غليظ. واعلم ان المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا فغلبات الهوى والنفس ترد الى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على مامات عليه فى قعر جهنم وبئس المهاد فانه مهده فى معاشه والنار ناران نار الله ونار الجحيم فاما نار الله فهى نار حسرة القطيعة عن الله فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله كقوله تعالى نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ واما نار الجحيم فهى نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات فهى تحرق قشور الجلود كما قال تعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ولا يتخلص من هذه النار إلا لب القلوب وان عذاب حرقة الجلد بالنسبة الى عذاب حرقة القلوب كنسيم الحياة وسموم الممات فلا بد من تزكية النفس فانها سبب للخلاص من عذاب الفرقة. قيل لبعضهم بم يتخلص العبد من نفسه قال بربه انتهى فاذا أراد الله ان ينصر عبده على ما طلب منه امده بجنود الأنوار فكلما اعترته ظلمة قام لها نور فاذهبها وقطع عنه مواد الظلم والأغيار فلم يبق للهوى مجال ولا للشهوة والأخلاق الذميمة مقال ولا قال فالنور جند القلب كما ان الظلمة جند النفس والمراد بالنور حقائق ما يستفاد من معانى الأسماء والصفات وبالظلمة معانى ما يستفاد من الهوى والعوائد الرديئة قال تعالى إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها اى غيروا حالها عما هى عليه وكذلك إذا وردت الواردات الربانية على القلوب الممتلئة أخرجت منها كل صفة رديئة وكستها كل خلق زكية فهذه الدولة انما تنال بترك الدنيا والعقبى فكيف يمتلئ بالأنوار قلب من خالط الأغيار وأحب المال والأولاد ولم يخف من رب العباد. وقدم على الأستاذ ابى على الدقاق ﵀ فقير وعليه مسح وقلنسوة فقال له بعض أصحابه بكم اشتريت هذا المسح على وجه المطايبة فقال اشتريته بالدنيا فطلب منى بالآخرة فلم أبعه. قال ابو بكر الوراق ﵀ طوبى للفقراء فى الدنيا والآخرة فسألوه عنه فقال لا يطلب السلطان منه فى الدنيا الخراج ولا الجبار فى الآخرة الحساب
قناعت سر فرازد اى مرد هوش ... سر پر طمع بر نيايد ز دوش
كر آزاده بر زمين خسب وبس ... مكن بهر مالى زمين بوس كس
حققنا الله وإياكم بحقائق التوحيد زُيِّنَ لِلنَّاسِ اى حسن لهم والمزين هو الله لقوله تعالى زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ وذلك على جهة الامتحان او هو الشيطان لقوله تعالى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وذلك على جهة الوسوسة حُبُّ الشَّهَواتِ اى محبة مرادات النفوس والشهوة نزوع النفس الى ما تريده وهى مصدر أريد به المفعول اى المشتهيات لان الأعيان التي ذكرها كلها مشتهيات وانما عبر عنها بالمصدر مبالغة فى كونها مشتهاة مرغوبا فيها كأنها نفس الشهوات والوجه ان يقصد تخسيسها فيسميها شهوات لان الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية. قالوا خلق الله الملائكة عقولا بلا شهوة والبهائم ذات شهوات بلا عقل وجعلهما فى الإنسان فمن غلب عقله شهوته فهو أفضل من الملائكة ومن غلب عليه شهوته فهو أرذل من البهائم مِنَ النِّساءِ حال من الشهوات
стр. 462
اى حال كونها من طائفة النساء وانما بدأ بهن لعرافتهن فى معنى الشهوات فانهن حبائل الشيطان وَالْبَنِينَ والفتنة بهم ان الرجل يحرص بسببهم على جمع المال من الحلال والحرام ولانهم يمنعونه عن محافظة حدود الله. قيل أولادنا فتنة ان عاشوا فتنونا وان ماتوا احزنونا وعدم التعرض للبنات لعدم الاطراد فى حبهن وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ جمع قنطار وهو المال الكثير اى الأموال الكثيرة المجتمعة او هو مائة الف دينار او ملئ مسك ثور او سبعون الفا او أربعون الف مثقال او ثمانون الفا او مائة رطل او الف ومائتا مثقال او الف دينار او مائة منّ ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم اودية النفس. وفى الكشاف المقنطرة مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم ألوف مؤلفة وبدر مبدرة مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بيان للقناطير اى من هذين الجنسين وانما سمى الذهب ذهبا لانه يذهب ولا يبقى والفضة لانها تنقض اى تتفرق وَالْخَيْلِ عطف على القناطير. والخيل جمع لا واحد له من لفظه واحده فرس وهو مشتق من الخيلاء لاختيالها فى مشيها او من التخيل فانها لم يتخيل فى عين صاحبها أعظم منها لتمكنها من قلبه الْمُسَوَّمَةِ اى المعلمة وهى التي جعلت فيها العلامة بالسيمة واللون او بالكي او المرعية من سامت السائمة اى رعت وَالْأَنْعامِ اى الإبل والبقر والغنم جمع نعم وَالْحَرْثِ اى الزرع. قيل كل منها فتنه للناس. اما النساء والبنون ففتنة للجميع. والذهب والفضة فتنة للتجار. والخيل فتنة للملوك.
والانعام فتنة لاهل البوادي. والحرث فتنة لاهل الرساتيق ذلِكَ اى ما ذكر من الأشياء المعهودة مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا اى ما يمتنع به فى الحياة الدنيا أياما قلائل فيفنى سريعا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ اى حسن المرجع وهو الجنة. وفيه دلالة على ان ليس فيما عدد عاقبة حميدة وهذا تزهيد فى طيبات الدنيا الفانية وترغيب فيما عند الله من النعيم المقيم فعلى العاقل ان يأخذ من الدنيا قدر البلغة ولا يستكثر بالاستكثار الذي يورط صاحبه فى المحظور ويورثه المحذور قُلْ يا محمد أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ الهمزة للتقرير اى أخبركم بما هو خير مما فصل من تلك المستلذات المزينة لكم لِلَّذِينَ خبر مبتدأه قوله جنات اتَّقَوْا والمراد بالتقوى هو التبتل الى الله تعالى والاعراض عما سواه كما ينبئ عنه النعوت الآتية عِنْدَ رَبِّهِمْ نصب على الحالية من قوله جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها حال مقدرة وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ اى زوجات مبرأة من العيوب الظاهرة كالحيض والامتخاط وإتيان الخلاء ومن الباطنة كالحسد والغضب والنظر الى غير أزواجهن- روى- عن النبي ﵇ (شبر من الجنة خير من الدنيا وما فيها) وَرِضْوانٌ اى رضوان وأي رضوان لا يقادر قدره كائن مِنَ اللَّهِ قال الحكماء الجنات بما فيها اشارة الى الجنة الجسمانية والرضوان اشارة الى الجنة الروحانية وأعلى المقامات الجنة الروحانية وهى عبارة عن تجلى نور جلال الله تعالى فى روح العبد واستغراق العبد فى معرفة الله ثم يصير فى أول هذه المقامات راضيا عن الله وفى آخرها مرضيا عنده تعالى واليه الاشارة بقوله راضِيَةً مَرْضِيَّةً وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ وبأعمالهم فيثيب ويعاقب حسبما يليق بها
стр. 463
الَّذِينَ كأنه قيل من أولئك المتقون الفائزون الكرامات السنية فقيل هم الذين يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا اى صدقنا بك وبنبيك وفى ترتيب الدعاء بقولهم فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ
على مجرد الايمان دلالة على كفايته فى استحقاق المغفرة والوقاية من النار الصَّابِرِينَ نصب على المدح بإضمار اعنى والمراد بالصبر هو الصبر على مشاق الطاعات وعلى البأساء والضراء وحين البأس وَالصَّادِقِينَ فى أقوالهم ونياتهم وعزائمهم وَالْقانِتِينَ اى المداومين على الطاعات المواظبين على العبادات وَالْمُنْفِقِينَ أموالهم فى سبيل الله وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ وتوسط الواو بين الصفات المذكورة مؤذن بان كل صفة مستقلة بالمدح ومؤذن بان منهم صابر ومنهم صادق. ثم الصبر حبس النفس عن شهواتها المحظورة فى الشرع. وجميع أجناس الصبر ثلاثة. الصبر على الطاعة. والصبر على المعصية. والصبر على المكروه قال النبي ﷺ (من صبر على مصيبة فله ثلاثمائة درجة وبين الدرجتين كما بين السماء والأرض ومن صبر على الطاعة فله ستمائة درجة ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ومن صبر على المعصية فله تسعمائة درجة بين الدرجتين كما بين العرش والكرسي) . والصدق يجرى فى القول وهو مجانبة الكذب وفى الفعل وهو إتيانه وترك الانصراف عنه قبل تمامه وفى النية وهو العزم عليه حتى يفعل. والانفاق يتناول الانفاق على نفسه واهله وأقاربه وصلة رحمه وفى الجهاد وسائر وجوه البر. والاستغفار سؤال المغفرة من الله وتخصيص الاسحار بالاستغفار لان الدعاء فيها اقرب الى الاجابة إذ العبادة حينئذ أشق والنفس أصفى والروح اجمع لا سيما للمجتهدين. قال مجاهد فى قول يعقوب ﵇ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي أخره الى وقت السحر فان الدعاء فيه مستجاب وقال ان الله تعالى لا يشغله صوت عن صوت لكن الدعاء فى السحر دعوتى فى الخلوة وهى ابعد من الرياء والسمعة فكانت اقرب الى الاجابة قال رسول الله ﷺ (ينزل الله تعالى الى السماء الدنيا كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل فيقول انا الملك من ذا الذي يدعونى فاستجيب له من ذا الذي يسألنى فاعطيه من ذا الذي يستغفرنى فاغفر له) ومعنى ينزل محمول على نزول ملكه او على الاستعارة فمعناه الإقبال على الداعين باللطف والاجابة ولهذا قال الى السماء الدنيا اى القربى. وفى هذا الكلام توبيخ لهم على غفلتهم فى الدعاء والسؤال منه والاستغفار. قال لقمان لابنه يا بنى لا تكونن أعجز من هذا الديك يصوت بالأسحار وأنت نائم على فراشك
دلا برخيز وطاعت كن كه طاعت به ز هر كارست ... سعادت آن كسى دارد كه وقت صبح بيدارست
خروسان در سحر كويند كه قم يا ايها الغافل ... تو از مستى نمى دانى كسى داند كه هشيار است
قال رسول الله ﷺ (لما اسرى بي الى السموات رأيت عجائب من عجائب الله تعالى فمن ذلك ان فى السماء الدنيا ديكا له زغب اخضر وريش ابيض وبياض ريشه كاشد بياض رأيته وزغبة تحت ريشه كاشد خضرة رأيتها فاذا رجلاه فى تخوم الأرض السابعة السفلى وإذا رأسه عند عرش الرحمن ثانى عنقه تحت العرش له جناحان فى منكبيه إذا نشرهما جاوز المشرق والمغرب فاذا كان بعض الليل نشر جناحيه وخفق بهما وصرخ بالتسبيح لله يقول
стр. 464
سبحان الملك القدوس سبحان الكريم) او قال (الكبير المتعال لا اله الا الله الحي القيوم فاذا فعل ذلك سبحت ديكة الأرض كلها وخفقت بأجنحتها فاذا سكن ذلك الديك سكنت ديكة الأرض كلها ثم إذا كان بعض الليل نشر جناحيه فجاوز بهما المشرق والمغرب وخفق بهما ثم صرخ بالتسبيح لله يقول سبحان الله العلى العظيم سبحان العزيز القهار سبحان الله رب العرش الرفيع فاذا فعل ذلك سبحت ديكة الأرض بمثل قوله وخفقت بأجنحتها وأخذت فى الصراخ وإذا سكن ذلك الديك سكنت ديكة الأرض ثم إذا هاج بنحو فعله فى السماء هاجت الديكة فى الأرض يجاوبونه تسبيحا لله تعالى بنحو قوله) والمقصود من هذا ان التسبيح إذا كان من فعل اهل السماء والأرض خصوصا الحيوانات العجم بل النباتات كما قال تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فان الإنسان اولى بان يشتغل بالدعاء والتسبيح خصوصا فى الخلوات واوقات الاسحار قال الامام القشيري ﵀ الصابرين على ما امر الله والصادقين فيما عاهدوا الله والقانتين بالاستقامة فى محبة الله والمنفقين فى سبيل الله والمستغفرين من جميع ما فعلوا لرؤية تقصيرهم شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ بانه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ نزلت حين جاء رجلان من أحبار الشام فقالا للنبى ﵇ أنت محمد قال (نعم) فقالا أنت احمد قال (انا محمد واحمد) قالا أخبرنا عن أعظم الشهادة فى كتاب الله فاخبرهما اى اثبت الله بالحجة القطعية واعلم بمصنوعاته الدالة على توحيده انه واحد لا شريك له فى خلقه الأشياء إذ لا يقدر أحد ان ينشئ شيأ منها. قال ابن عباس خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد باربعة آلاف سنة وخلق الأرزاق قبل الأرواح باربعة آلاف سنة فشهد لنفسه قبل خلق الخلق حين كان ولم يكن سماء ولا ارض ولا بر ولا بحر فقال شَهِدَ اللَّهُ الآية وَالْمَلائِكَةُ عطف على الاسم الجليل بحمل الشهادة على معنى مجازى شامل للاقرار والايمان بطريق عموم المجاز اى أقرت الملائكة بذلك لما عاينت من عظم قدرته وَأُولُوا الْعِلْمِ اى أمنوا به واحتجوا عليه بالادلة التكوينية والتشريعية وهم الأنبياء والمؤمنون الذين علموا توحيده وأقروا به اعتقادا صحيحا فشبه دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره تعالى واقرار الملائكة واولى العلم بذلك بشهادة الشاهد فى البيان والكشف قائِماً بِالْقِسْطِ نصب على الحال المؤكدة من هو دون من ذكر معه لأمن اللبس إذ القيام بالقسط من الصفات الخاصة به تعالى ومثله جاء زيد وهند راكبا جاز لاجل التذكير ولو قلت جاء زيد وعمرو راكبا لم يجز للبس اى مقيما بالعدل فى قسمة الأرزاق والآجال والاثابة والمعاقبة وما يأمر به عباده وينهاهم عنه من العدل والتسوية فيما بينهم ودفع الظلم عنهم لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كرر المشهود به لتأكيد التوحيد ليوحدوه ولا يشركوا به شيأ لانه ينتقم ممن لا يوحده بما لا يقدر على مثله منتقم ويحكم ما يريد على جميع خلقه لا معقب لحكمه لغلبته عليهم إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ جملة مستأنفة مؤكدة للاولى اى لا دين مرضيا لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيد والتشرع بالشريعة الشريفة وهو الدين الحق منذ بعث الله آدم ﵇ وما سواه من الأديان فكلها باطلة. قال شيخنا العلامة فى بعض تحريراته المقصود من إنزال الكلام مطلق الدعوة الى الدين الحق
стр. 465
والدين الحق من زمن آدم الى نبينا عليهما الصلاة والسلام الإسلام كما قال تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وحقيقة دين الإسلام التوحيد وصورته الشرائع التي هى الشروط وهذا الدين من ذلك الزمان الى يوم القيامة واحد بحسب الحقيقة وسواء بين الكل ومختلف بحسب الصورة والشروط وهذا الاختلاف الصوري لا ينافى الاتحاد الأصلي والوحدة الحقيقة انتهى. وعن قتادة ان الإسلام شهادة ان لا اله الا الله والإقرار بما جاء من عند الله. وعن غالب القطان قال أتيت الكوفة فى تجارة فنزلت قريبا من الأعمش فكنت اختلف اليه فلما كنت ذات ليلة أردت ان احدر الى البصرة قام من الليل متهجدا فمر بهذه الآية شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال الأعمش وانا اشهد بما شهد الله به واستودع الله هذه الشهادة وهى لى عند الله وديعة ان الدين عند الله
الإسلام قالها مرارا قلت لقد سمع فيها شيأ فصليت معه وودعته ثم قلت آية سمعتك ترددها فما بلغك فيها قال والله لا أحدثك بها الى سنة فلبثت على بابه من ذلك اليوم فاقمت سنة فلما مضت السنة قلت يا أبا محمد قد مضت السنة قال حدثنى ابو وائل عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ (يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله ان لعبدى هذا عندى عهدا وانا أحق من وفى بالعهد ادخلوا عبدى الجنة) ويناسب هذا ما يقال عهدنا لله. عن ابى مسعود رضى الله عنه ان النبي ﷺ قال لاصحابه ذات يوم (أيعجز أحدكم ان يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا) قالوا وكيف ذلك قال (يقول كل صباح ومساء اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة انى اعهد إليك بانى اشهد ان لا اله الا أنت وحدك لا شريك لك وان محمدا عبدك ورسولك وانك ان تكلنى الى نفسى تقربنى من الشر وتباعدني من الخير وانى لا أثق الا برحمتك فاجعل لى عهدا توفينيه يوم القيامة انك لا تخلف الميعاد فاذا قال ذلك طبع عليه بطابع) اى ختم عليه بخاتم (ووضع تحت العرش فاذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الذي لهم عند الله عهد فيدخلون الجنة) فلا بد من الدعاء فى الصبح والمساء لله الذي هو خالق الأرض والسماء ومن الإخلاص الذي هو ملاك الأمر كله فى طاعة المرء وعمله
عبادت بإخلاص نيت نكوست ... وگر نه چهـ آيد ز بي مغز پوست
وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ نزلت فى اليهود والنصارى حين تركوا الإسلام الذي جاء به النبي ﵇ وأنكروا نبوته إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ استثناء مفرغ من أعم الأحوال او أعم الأوقات اى وما اختلفوا فى دين الله الإسلام ونبوة محمد ﵇ فى حال من الأحوال او فى وقت من الأوقات الا بعد ان علموا بانه الحق الذي لا محيد عنه او بعد ان علموا حقيقة الأمر وتمكنوا من العلم بها بالحجج والآيات الباهرة. وفيه من الدلالة على ترامى حالهم فى الضلالة ما لا مزيد عليه فان الاختلاف بعد حصول تلك المرتبة مما لا يصدر عن العاقل بَغْياً بَيْنَهُمْ مفعول له لقوله اختلف اى حسدا كائنا بينهم وطلبا للرياسة لا شبهة وخفاء فى الأمر وهو تشنيع اثر تشنيع وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ الناطقة
стр. 466
بما ذكر من ان الدين عند الله الإسلام ولم يعمل بمقتضاها فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ قائم مقام جواب الشرط علة له اى ومن يكفر بآياته تعالى فانه يجازيه ويعاقبه عن قريب فانه سريع الحساب اى يأتى حسابه عن قريب او سريع فى محاسبة جميع الخلائق لانه يحاسبهم فى اقل من لمحة بحيث يظن كل أحد منهم انه اى الله يحاسب نفسه فقط فَإِنْ حَاجُّوكَ اى فى كون الدين عند الله الإسلام فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ اى أخلصت نفسى وقلبى وجملتى لِلَّهِ وحده لم اجعل فيها لغيره شركا بان اعبده وادعوه الها معه يعنى دين التوحيد وهو القديم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندى وما جئت بشئ بديع حتى تجادلونى فيه وَمَنِ اتَّبَعَنِ عطف على المتصل فى أسلمت وحسن ذلك لمكان الفصل الجاري مجرى التأكيد بالمنفصل اى واسلم من اتبعنى وجوههم ايضا وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى من اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم من مشركى العرب أَأَسْلَمْتُمْ متبعين لى كما فعل المؤمنون فانه قد آتاكم من البينات ما يوجبه ويقتضيه لا محالة فهل أسلمتم وعملتم بقضيتها أم أنتم بعد على كفركم وهو استفهام بمعنى الأمر اى اسلموا وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته فهل فهمتها فَإِنْ أَسْلَمُوا اى كما أسلمتم واخلصتم فَقَدِ اهْتَدَوْا اى فازوا بالحظ الأوفر ونجوا من مهاوى الضلال وَإِنْ تَوَلَّوْا اى اعرضوا عن الاتباع وقبول الإسلام فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ قائم مقام الجواب اى لم يضروك شيأ إذ ما عليك الا البلاغ اى التبليغ بالرسالة دون الهداية وقد فعلت على ابلغ وجه- روى- ان رسول الله ﷺ لما قرأ هذه الآية على اهل الكتاب قالوا اسلمنا فقال ﷺ لليهود (أتشهدون ان عيسى كلمة الله وعبده ورسوله) فقالوا معاذ الله وقال ﷺ للنصارى (أتشهدن ان عيسى عبد الله ورسوله) فقالوا معاذ الله ان يكون عيسى عبدا وذلك قوله وان تولوا وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ عالم بجميع أحوالهم وهو وعد ووعيد إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي آية كانت فيدخل فيهم الكافرون بالآيات الناطقة بحقية الإسلام وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ هم اهل الكتاب قتل اولوهم الأنبياء ﵈ وقتلوا اتباعهم وهم راضون بما فعلوا وكانوا حاولوا قتل النبي ﷺ والمؤمنين لولا عصمهم الله وقد أشير اليه بصيغة الاستقبال قال فى سورة البقرة بِغَيْرِ الْحَقِّ اى بغير الحد الذي حده الله واذن فيه والنكرة هاهنا على معنى ان القتل يكون بوجوه من الحق فمعناه يقتلون بغير حق من تلك الحقوق وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ اى بالعدل مِنَ النَّاسِ عن ابى عبيدة بن الجراح رضى الله عنه قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة قال (رجل قتل نبيا او رجلا امر بمعروف او نهى عن منكر) ثم قرأها ثم قال (يا أبا عبيدة قتلت بنوا إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول نهار فى ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بنى إسرائيل فامروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ اى وجيع دائم جعل لهم بدل البشارة وهو الاخبار السار الاخبار بالنار وهو كقول القائل تحية بينهم ضرب وجيع أُولئِكَ المتصفون بتلك الصفات
стр. 467
القبيحة الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ الذين بطلت أعمالهم التي ما عملوهن البر والحسنات ولم يبق لها اثر فى الدارين بل بقي لهم اللعنة والخزي فى الدنيا والعذاب الأليم فى الآخرة وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ينصرونهم من بأس الله وعذابه فى احدى الدارين وصبغة الجمع لرعاية ما وقع فى مقابلته لا لنفى تعدد الأنصار من كل واحد منهم كما فى قوله تعالى وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ففى الآية ذم لمن قتل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر فبئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالمعروف والناهين عن المنكر وبئس القوم قوم لا يقومون بالقسط بين الناس وبئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فعليك بالعدل والانصاف وإياك الجور والظلم والاعتساف فاصدع باوامر الحق ونواهيه ولا تخف غير الله فيما أنب فيه وانما عليك البلاغ
گرچهـ دانى كه نشنوند بكوى ... هر چهـ مى دانى از نصيحت و پند
زود باشد كه خيره سر بينى ... بدو پاى اوفتاده اندر بند
دست بر دست مى زند كه دريغ ... نشنيدم حديث دانشمند
ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ابدا ولكنه لا ينفع الوعظ والزجر فى آخر الزمان حين تشتد القلوب قساوة وتكون الأنفس مولعة بلذات الدنيا- روى- ان يهوديا قال لهارون الرشيد فى سيره مع عكسره اتق الله فلما سمع هارون قول اليهودي نزل عن فرسه وكذا العسكر نزلوا تعظيما لاسم الله العظيم. ومن اكبر الذنوب ان يقول الرجل لاخيه اتق الله فيقول فى جوابه عليك نفسك أأنت تأمرنى بهذا ومن الله العظة والتوفيق الى سواء الطريق أَلَمْ تَرَ تعجيب لرسول الله ﷺ او لكل من تتأتى منه الرؤية من حال اهل الكتاب وسوء صنيعهم اى ألم تنظر إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً حظا وافرا مِنَ الْكِتابِ اى التوراة والمراد بما أوتوه منها ما بين لهم فيها من العلوم والاحكام التي من جملتها ما علموه من نعوت النبي ﵇ وحقية الإسلام يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ الذي أوتوا نصيبا منه وهو التوراة كأنه قيل ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم فقيل يدعون الى كتاب الله فالجملة استئناف لِيَحْكُمَ ذلك الكتاب بَيْنَهُمْ وفى الكتاب بيان الحكم فاضيف اليه الحكم كما فى صفة القرآن بشيرا ونذيرا لان فيه بيان التبشير والانذار وذلك ان رسول الله ﷺ دخل مدارس اليهود فدعاهم الى الايمان فقال له رئيسهم نعيم بن عمرو على أي دين أنت قال ﷺ (على ملة ابراهيم) قال ان ابراهيم كان يهوديا قال ﷺ (ان بيننا وبينكم التوراة فهاتوها فابوا) وقال الكلبي نزلت الآية فى الرجم فجر رجل وامرأة من اهل خيبر وكانا فى شرف منهم وكان فى كتابهم الرجم فأتوا رسول الله ﷺ رجاء رخصة عنده فحكم عليهم بالرجم فقالوا جرت علينا ليس عليهما الرجم فقال ﷺ (بينى وبينكم التوراة) قالوا قد أنصفتنا قال (فمن أعلمكم بالتوراة) قالوا ابن صوريا فأرسلوا اليه فدعا النبي ﵊ بشئ من التوراة فيه الرجم دله على ذلك ابن سلام فقال له (اقرأ فلما اتى على آية الرجم وضع كفه عليها) وقام ابن
стр. 468
سلام فرفع إصبعه عنها ثم قرأ على رسول الله ﷺ وعلى اليهود بان المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما وان كانت المرأة حبلى تربص حتى تصنع ما فى بطنها وامر رسول الله ﷺ باليهوديين فرجما فغضب اليهود لذلك ورجعوا كفارا فانزل الله هذه الآية ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ استبعاد لتوليهم بعد علمهم بوجوب الرجوع اليه ولم يصب به الكل لانه قال فى هذه السورة مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ وقال تعالى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَهُمْ مُعْرِضُونَ اما حال من فريق لتخصصه بالصفة اى يتولون من المجلس وهم معرضون بقلوبهم او اعتراض اى وهم قوم ديدنهم الاعراض عن الحق والإصرار على الباطل ذلِكَ اى التولي والاعراض بِأَنَّهُمْ اى حاصل بسبب انهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ باقتراف الذنوب وركوب المعاصي إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أربعين يوما وهى مدة الأيام التي عبدوا فيها العجل ورسخ اعتقادهم على ذلك وهونوا عليهم الخطوب وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من قولهم ذلك وما أشبهه من قولهم ان آبائنا الأنبياء يشفعون لنا او ان الله تعالى وعد يعقوب ﵇ ان لا يعذب أولاده الا تحلة القسم ولذلك ارتكبوا ما ارتكبوا من القبائح. قال ابن عباس رضى الله عنهما زعمت اليهود انهم وجدوا فى التوراة ان ما بين طرفى جهنم أربعون سنة الى ان ينتهوا الى شجرة الزقوم وانما نعذب حتى نأتى الى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك واصل الجحيم سقر وفيها شجرة الزقوم فاذا اقتحموا من باب جهنم وتبادروا فى العذاب حتى انتهوا الى شجرة الزقوم وملأوا البطون قال لهم خازن سقر زعمتم ان النار لن تمسكم الا أياما معدودات قد خلت أربعون سنة وأنتم فى الابد فَكَيْفَ اى فكيف يصنعون وكيف يكون حالهم وهو استعظام لما أعد لهم وتهويل لهم وانهم يقعون فيما لا حيلة فى دفعه والمخلص منه وان ما حد ثوابه أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ اى لجزاء يوم لا رَيْبَ فِيهِ اى فى وقوعه ووقوع ما فيه- روى- ان أول راية ترفع يوم القيامة من رايات الكفرة راية اليهود فيفضحهم الله على رؤس الاشهاد ثم يأمر بهم الى النار وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ اى جزاء ما كسبت من غير نقص أصلا كما يزعمون. وفيه دلالة على ان العبادة لا تحبط وان المؤمن لا يخلد فى النار لان توفية جزاء إيمانه وعمله لا يكون فى النار ولا قبل دخولها فاذا هى بعد الخلاص منها وَهُمْ اى كل الناس المدلول عليهم بكل نفس لا يُظْلَمُونَ بزيادة عذاب او بنقص ثواب بل يصيب كلا منهم مقدار ما كسبه فالله تعالى ليس من شأنه العظيم ان يظلم عباده ولو مثقال ذرة فيجازى المؤمنين بايمانهم والكافرين بكفرهم. فعلى العاقل ان لا يقطع رجاءه من الله تعالى وان كانت ذنوبه مثل زبد البحر فالله تعالى عند حسن ظن العبد به- روى- انه إذا كان يوم القيامة وسكن اهل الجنة الجنة واهل النار النار إذا بصوت حزين ينادى من داخل النار يا حنان يا منان يا ذا الجلال والإكرام فيقول الله تعالى يا جبريل اخرج هذا العبد الذي فى النار قال فيخرجه اسود كفرخ الحمام قد تناثر لحمه وذاب جسمه فينادى يا جبريل لا توقفنى بين يدى الله فافزع فيؤتى به الى الله فيقول له عبدى أتذكر ذنب
стр. 469
كذا وكذا فى سنة كذا وكذا فيقول نعم يا رب فيقول الله اذهبوا بعبدي الى النار فيكون من العبد التفات فيقول الله ردوا عبدى الىّ فيرد اليه فيقول له عبدى ما كان التفاتك وهو اعلم فيقول يا رب أذنبت ولم اقطع رجائى منك وحاسبتنى ولم اقطع رجائى منك وأدخلتني النار ولم اقطع رجائى منك وأخرجتني منها إليك ولم اقطع رجائى منك ثم رددتنى إليها ولم اقطع رجائى منك فيقول الله ﵎ وعزتى وجلالى وارتفاعي فى علو مكانى لأكونن عند ظن عبدى بي ولأحققن رجاءه فى اذهبوا بعبدي الى الجنة
خدايا بعزت كه خوارم مكن ... بذل بزه شرمسارم مكن
قال رسول الله ﷺ (ليس على اهل لا اله الا الله وحشة عند الموت ولا فى قبورهم ولا فى منشرهم كأنى باهل لا اله الا الله ينفضون التراب عن رؤسهم وهم يقولون الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن) فالواجب على من كان مؤمنا وليس من اهل البدع ان يحمد الله على ما هداه وجعله مسلما من الامة الشريفة. ولذا قيل من علامات سوء العاقبة ان لا يشكر العبد على ما هدى به من الايمان والتوحيد. واهل الغرور فى الدنيا مخدوع بهم فى الآخرة فليس لهم عناية رحمانية وانما يقبل رجاء العبد إذا قارنه العمل والكاملون بعد ان بالغوا فى تزكية النفس ما زالوا يخافون من سوء العاقبة ويرجون رحمة الله فكيف بنا ونحن متورطون فى آبار الأوزار لا توبة لنا ولا استغفار غير العناد والإصرار. قال الامام الهمام محمد الغزالي ﵀ فى منهاج العابدين مقدمات التوبة ثلاث. احداها ذكر غاية قبح الذنوب. والثانية ذكر غاية عقوبة الله تعالى واليم سخطه وغضبه الذي لا طاقة لك به. والثالثة ذكر ضعفك وقلة حيلتك فان من لا يحتمل حر الشمس ولطمة شرطى وقرص نملة كيف يحتمل حر نار جهنم وضرب مقامع الزبانية ولسع حيات كأعناق البخت وعقارب كالبغال خلقت من النار فى دار الغضب والبوار نعوذ بالله من سخطه وعذابه
مرامى ببايد چوطفلان كريست ... ز شرم كناهان ز طفلانه زيست
نكو كفت لقمان كه نازيستن ... به از سالها بر خطا زيستن
هم از بامداد آن در كلبه بست ... به از سود وسرمايه دادن ز دست
قُلِ اللَّهُمَّ أصله يا الله فالميم عوض عن حرف النداء ولذلك لا يجتمعان وهذا من خصائص الاسم الجليل وشددت لقيامها مقام حرفين. وقيل أصله يا الله أمنا بخير اى اقصدنا به فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته مالِكَ الْمُلْكِ اى مالك جنس الملك على الإطلاق ملكا حقيقيا بحيث يتصرف فيه كيف ما يشاء له إيجادا واعداما واحياء واماتة وتعذيبا واثابة من غير مشارك ولا ممانع وهو نداء ثان عند سيبويه فان الميم عنده تمنع الوصفية لانه ليس فى الأسماء الموصوفة شىء على حد اللهم تُؤْتِي الْمُلْكَ بيان لبعض وجوه التصرف الذي يستدعيه مالكية الملك وتحقيق لاختصاصها به تعالى وكون مالكية الغير بطريق المجاز كما ينبئ عنه إيثار الإيتاء الذي هو مجرد الإعطاء على التمليك المؤذن بثبوت المالكية حقيقة مَنْ تَشاءُ ايتاءه إياه وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ نزعه منه فالملك الاول حقيقى عام ومملوكيته حقيقية والآخران مجازيان خاصان ونسبتهما الى صاحبهما مجازية وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ
стр. 470
ان تعزه فى الدنيا او فى الآخرة او فى فيهما بالنصر والتوفيق وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ان تذله فى إحداهما او فيهما من غير ممانعة من الغير ولا مدافعة بِيَدِكَ الْخَيْرُ وتعريف الخير للتعميم وتقديم الخبر للتخصيص اى بقدرتك الخير كله لا بقدرة أحد من غيرك تتصرف فيه قبضا وبسطا حسبما تقتضيه مشيئتك وتخصيص الخير بالذكر لان الكلام انما وقع فى الخير الذي يسوفه الى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة فقال بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك ولان كل افعال الله تعالى من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله كأيتاء الملك ونزعه او لمراعاة الأدب فان فى الخطاب بان الشر منك وبيدك ترك ادب وان كان الكل من الله تعالى- روى- ان رسول الله ﷺ لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة من اهل المدينة أربعين ذراعا وجميع من وافى الخندق من القبائل عشرة آلاف وأخذوا يحفرونه خرج من بطن الخندق صخرة كالفيل العظيم لم تعمل فيها المعاول فوجهوا سلمان الى رسول الله ﷺ يخبره فجاء ﵇ وأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدعتها مقدار ثلثها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كانه مصباح فى جوف بيت مظلم فكبر وكبر معه المسلمون وقال (أضاءت لى منها قصور الحيرة كانها أنياب الكلاب) ثم ضرب الثانية فقال (أضاءت لى منها القصور الحمر فى ارض الروم) ثم ضرب الثالثة فقال (أضاءت لى قصور صنعاء وأخبرني جبريل ﵇ ان أمتي ظاهرة على الأمم كلها فابشروا) فقال المنافقون ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم انه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وانها تفتح لكم وأنتم انما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون ان تبرزوا فنزلت إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الإعزاز والاذلال تُولِجُ اى تدخل اللَّيْلَ فِي النَّهارِ بنقص الاول وزيادة الثاني حتى يصير النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ اى تظهر الحيوان من النطفة او الطير من البيضة او العالم من الجاهل او المؤمن من الكافر او النبات من الأرض اليابسة وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وهذا عكس الاول وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ قال ابو العباس المقري ورد لفظ الحساب فى القرآن على ثلاثة أوجه بمعنى التعب قال تعالى وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وبمعنى العدد قال تعالى إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ وبمعنى المطالبة قال تعالى فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل ترزق او من مفعوله وفيه دلالة على ان من قدر على أمثال هاتيك الأفاعيل العظام المحيرة للعقول فقدرته على ان ينزع الملك من العجم ويذل ويؤتيه العرب ويعزهم أهون من كل هين. عن على رضى الله عنه انه قال قال رسول الله ﷺ (ان فاتحة الكتاب وآية الكرسي وآيتين من آل عمران شهد الله انه لا اله الا هو الى قوله تعالى ان الدين عند الله الإسلام وقل اللهم الى قوله تعالى بغير حساب معلقات ما بينهن وبين الله حجاب قلن يا رب أتهبطنا الى أرضك والى من يعصيك قال الله انى حلفت انه لا يقرأ كن أحد دبر كل صلاة الا جعلت الجنة مثواه على ما كان منه وأسكنته فى حظيرة
стр. 471
القدس ونظرت اليه بعيني كل يوم سبعين مرة وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة وأعذته من كل عدو وحاسد ونصرته عليهم) وفى بعض الكتب [انا الله ملك الملوك قلوب الملوك ونواصيهم بيدي فان العباد أطاعوني جعلتهم لهم رحمة وان العباد عصونى جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسبب الملوك ولكن توبوا الى أعطفهم عليكم] وهو معنى قوله ﵇ (كما تكونون يولى عليكم) معناه ان كنتم من اهل الطاعة يول عليكم اهل الرحمة وان كنتم من اهل المعصية يول عليكم اهل العقوبة. وجاء فى الخبر ان موسى ﵇ قال فى مناجاته [يا رب أنت فى السماء ونحن فى الأرض فما علامة سخطك من رضاك فاوحى الله اليه إذا استعملت على الناس خيارهم فهو علامة رضاى وإذا استعملت شرارهم فهو علامة سخطى عليهم] . قال الحجاج بن يوسف حين قيل له لم لا تعدل مثل عمر رضى الله عنه وأنت قد أدركت خلافته أفلم ترعد له وصلاحه فقال فى جوابهم تبذوروا أتعمر لكم اى كونوا كأبى ذر فى الزهد والتقوى أعاملكم معاملة عمر فى العدل والانصاف. وفيه اشارة الى ان الولاة انما يكونون على حسب اعمال الرعايا وأحوالهم صلاحا وفسادا فعلى كل واحد من المسلمين التضرع لله تعالى والانابة اليه بالتوبة والاستغفار عند فشّو الظلم وشمول الجور ويظهر جور الوالي وعدله فى الضرع والزرع والأشجار والأثمار والمكاسب والحرف يعنى يقل لبن الضرع وتنزع بركة الزرع وتنقص ثمار الأشجار وتكسد معاملة التجار واهل الحرف فى الأمصار التي ملك فيها ذلك الملك الجائر بشؤم ظلمه وسوء فعله ويكون الأمر على العكس إذا عدل ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب اليه طاووس ان أردت ان يكون عملك خيرا كله فاستعمل اهل الخير فقال كفى بها موعظة
پندم اگر بشنوى اى پادشاه ... در همه دفتر به ازين پند نيست
جز بخردمند مفرما عمل ... گر چهـ عمل كار خردمند نيست
قال النبي ﷺ (سيأتى زمان لامتى يكون امراؤهم على الجور وعلماؤهم على الطمع وعبادهم على الرياء وتجارهم على أكل الربا ونساؤهم على زينة الدنيا) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ نهوا عن موالاتهم لقرابة او صداقة جاهلية او جوار ونحوها من اسباب المصادقة والمعاشرة حتى لا يكون حبهم ولا بغضهم الا لله تعالى او عن الاستعانة بهم فى الغزو وسائر الأمور الدينية مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فى موضع الحال اى متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالا او اشتراكا. وفيه اشارة الى انهم الاحقاء بالموالاة وان فى موالاتهم مندوحة عن موالاة الكافرين اى استغناء فلا تؤثروهم عليهم فى الولاية وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى اتخاذهم اولياء فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ اى من ولايته تعالى فِي شَيْءٍ يصح ان يطلق عليه اسم الولاية يعنى انه منسلخ من ولاية الله رأسا وهذا امر معقول فان موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان: قال
تود عدوى ثم تزعم اننى ... صديقك ليس النوك عنك بعازب
النوك الحمق. والعازب البعيد والمعنى الصديق هو من يودك ويبغض عدوك. والأعداء ايضا ثلاثة عدوك وعدو صديقك وصديق عدوك
стр. 472
بشوى اى خرمند از آن دوست دست ... كه با دشمنانت بود هم نشست
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا استثناء من أعم الأحوال كأنه قيل لا تتخذوهم اولياء ظاهرا وباطنا فى حال من الأحوال إلا حال اتقائكم مِنْهُمْ اى من جهتهم تُقاةً اى اتقاء بان تغلب الكفار او يكون المؤمن بينهم فان اظهار الموالاة حينئذ مع اطمئنان النفس بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع من شق العصا واظهار ما فى الضمير كما قال عيسى ﵇ [كن وسطا وامش جانبا] اى كن فيما بينهم صورة وتجنب عنهم سيرة [ولا تخالطهم مخالطة الأوداء ولا تتيسر بسيرتهم] وهذا رخصة فلو صبر حتى قتل كان اجره عظيما وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ اى يخوفكم الله ذاته المقدسة كقوله تعالى فَاتَّقُونِ. وَاخْشَوْنِ اى من سخطى وعقوبتى فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه وهذا وعيد شديد وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ اى الى جزاء الله مرجع الخلق فيجزى كلا بعمله قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ من الضمائر التي من جملتها ولاية الكفرة أَوْ تُبْدُوهُ فيما بينكم يَعْلَمْهُ اللَّهُ فيؤاخذكم بذلك عند مصيركم اليه وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لا يخفى عليه منه شىء قط فلا يخفى عليه سركم وعلنكم وهو من باب إيراد العام بعد الخاص تأكيدا له وتقريرا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على عقوبتكم بما لا مزيد عليه ان لم تنتهوا عما نهيتم عنه وهذا بيان لقوله تعالى وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ لان نفسه وهى ذاته المتميزة من سائر الذوات متصفة بعلم ذاتى لا يختص بمعلوم دون المعلوم فهى متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور فهى قادرة على المقدورات كلها فكان حقها ان تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على قبيح ولا يقصر عن واجب فان ذلك مطلع عليه لا محالة ولا حق به العذاب ولو علم بعض عبيد السلطان انه أراد الاطلاع على أحواله مما يورد ويصدر ونصب عليه عيونا وبث من يتجسس عن بواطن أموره لاخذ حذره وتيقظ فى امره واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به فما بال من علم ان الله الذي يعلم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن اللهم انا نعوذبك من اغترارنا بسترك كذا فى الكشاف. فالعاقل يخاف من الله ويكون حبه وبغضه لله يوالى المؤمنين ويعادى الكافرين قال رسول الله ﷺ (اربعة من الكبائر لبس الصوف لطلب الدنيا وادعاء محبة الصالحين وترك فعلهم وذم الأغنياء والاخذ منهم ورجل لا يرى الكسب ويأكل من كسب الناس)
كر آنها كه ميكفتمى كردمى ... نكو سيرت پارسا بودمى
والحب فى الله والبغض فى الله باب عظيم واصل من اصول الايمان وخلق سنى والمحبة الصادقة لا تكون إلا عند المصافاة فى الباطن وهى مبنية على اتفاق العقيدة والوجهة لان القلوب تتناسب فتتصافى فان لم يكن بينها التوافق المعنوي واتفق بين أربابها المصالحة والمؤانسة بحسب المماثلة النوعية والالفة النفسية والجنسية الصورية أعدت الرذائل صاحب الفضائل باستغراق النفس فتشابه وتخالق كما قيل عن المرء لا تسأل وابصر قرينه. فكل قرين بالمقارن يقتدى وقال على رضى الله عنه
стр. 473
فلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليما حين أخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ما شاه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وإذا كان الرجل مبتلى بصحبة الفجار فى سفره للحج او للغزاء لا يترك الطاعة بصحبتهم ولكن يكره بقلبه ولا يرضى به فلعل الفاسق يتوب ببركة كراهة قلبه- حكى- ان حاتما وشقيقا خرجا فى سفر فصحبهما شيخ فاسق وكان يضرب بالمعزف فى الطريق ويطرب ويغنى وكان حاتم ينتظر ان ينهاه شقيق فلم يفعل ذلك فلما كان فى آخر الطريق وأرادوا ان يتفرقوا قال لهما ذلك الشيخ الفاسق لم ار أثقل منكما قد طربت بين أيديكما كل الطرب فلم تنظرا الى طربى فقال له حاتم يا شيخ اعذرنا فان هذا شقيق وانا حاتم فتاب الرجل وكسر ذلك المعزف وجعل يتلمذ عندهما ويخدمهما فقال شقيق لحاتم كيف رأيت صبر الرجال
نه آنكه بر در دعوى نشيند از خلقى ... كه كر خلاف كنندش بجنگ برخيزد
وكر ز كوه فرو غلطد آسيا سنكى ... نه عارفست كه از راه سنك برخيزد
وينبغى ان يعلم ان المؤمن كما يلزم له ان يقطع الموالاة عن الكفار كذلك يقطع ذلك عن الأقرباء الفجار كما قيل
چون نبود خويش را ديانت وتقوى ... قطع رحم بهتر از مودت قربى
فان قلت هذا مخالف للقرآن فانه ناطق بصلة الأرحام مطلقا. قلت هو موافق كما قال تعالى وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما فمن تسبب لشقاوتك يجب تقاطعك عنه وان كان ذا قرابتك
هزار خويش كه بيكانه از خدا باشد ... فداى يك تن بيكانه كاشنا باشد
فعليك بقطع التعلق من الأغيار وبالاقتداء بهدى الأنبياء الأخيار قال خليل الله ﵇ فانهم عدو لى الا رب العالمين. ومن موالاة الكفار المؤاكلة معهم بغير عذر اقتضاها. ومن القول الشنيع ان يقال لهم جلبى كما يقول لهم سفهاء زماننا فان معنى جلبى منسوب الى جلب وجلب اسم الله تعالى وهم نارى دون نورى فكيف يصح نسبتهم الى الله والعياذ بالله يَوْمَ منصوب بتود تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ اى من النفوس المكلفة ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً عندها بامر الله تعالى وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ عطف على ما عملت والإحضار معتبر فيه ايضا الا انه خص بالذكر فى الخير للاشعار بكون الخير مرادا بالذات وكون إحضار الشر من مقتضيات الحكمة التشريعية تَوَدُّ اى تحب وتتمنى يوم تجد صحائف أعمالها من الخير والشر او اجزيتها محضرة لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ اى بين النفس وبين ذلك اليوم وهوله او بين العمل السوء أَمَداً بَعِيداً اى مسافة واسعة كما بين المشرق والمغرب ولم تحضر ذلك اليوم او لم تعمل ذلك السوء قط وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ اى يقول الله إياكم ونفسى يعنى احذروا من سخطى وهو تكرير لما سبق ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ يعنى ان تحذيره نفسه وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد لانهم إذا عرفوه حق المعرفة وحذروه دعاهم ذلك الى طلب رضاه واجتناب سخطه فيحذرهم تحذير الوالد المشفق ولده عما يوبقه
стр. 474
قال القشيري ﵀ هذا للمستأنفين وقوله وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ للعارفين أولئك اصحاب التخفيف والتسهيل وهؤلاء اصحاب التخويف والتهويل ونظيره بشر المذنبين وانذر الصديقين فالله تعالى يمهل ولا يهمل فيجب ان لا يغتر العبد بامهاله بل يتأهب ليوم حسابه وجزائه
در خير باز است وطاعت وليك ... نه هر كس تواناست بر فعل نيك
واعلم ان ما يعمله الإنسان او يقوله ينتقش فى صحائف النفوس السماوية وإذا تكرر صار ملكة راسخة لكنه مشغول عن تلك الهيآت الثابتة فى نفسه ونقوشها بالشواغل الحسية والوهمية والفكرية فاذا فارقت النفس الجسد وقامت قيامتها وجدت ما عملت من خير وشر محضرا لارتفاع الشواغل المانعة كقوله تعالى أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ فان كان شرا تتمنى البعد فيما بينها وما بين ذلك اليوم او ذلك العمل لتعذبها به فتصير تلك الهيآت صورتها ان كانت راسخة وإلا صورة تعذبها وتعذبت بحسبها ومن الله العصمة: قال مولانا جلال الدين الرومي قدس سره
هر خيالى كو كند در دل وطن ... روز محشر صورتى خواهد شدن «١»
سيرتى كان در وجودت غالب است ... هم بر آن تصوير حشرت واجب است «٢»
فعلى العاقل ان يزكى نفسه عن الأخلاق الذميمة ويطهر قلبه عن لوث العلائق الدنيوية ويجتهد فى تحصيل مرضاة الله بالأعمال الصالحة والأقوال الحقة كى يجدها عند ربه يوم احتياجه ويفوز بالسعادة قال رسول الله ﷺ (يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط وأظمأ ما كانوا قط واعرى ما كانوا قط وانصب ما كانوا قط فمن اطعم الله أطعمه ومن سقى الله سقاه ومن كسا الله كساه ومن عمل لله كفاه) وكان رسول الله ﷺ (يقول يا حنان يا منان يا ذا الجلال والإكرام باعد بينى وبين خطيئتى كما باعدت بين المشرق والمغرب ونقنى من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس واغسلني بماء الثلج والبرد سبحان الله وبحمده استغفر الله العظيم وأتوب اليه) ونظر رسول الله ﷺ يوما الى أصحابه حوله فقال (ايها الناس لا تعجبوا بانفسكم وبكثرة أعمالكم وبقلة ذنوبكم ولا تعجبوا بامرئ حتى تعلموا بم يختم له) قال ﵇ (فانما الأعمال بخواتيمها ولو ان أحدكم جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيا لتمنى الزيادة لهول ما يقدم عليه يوم القيامة) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي اثبت فيه الياء لانه اصل ولم يثبت فى فاتقون وأطيعون لانه ختم آية ينوى بها الوقف يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ نزلت حين دعا رسول الله ﷺ كعب بن الأشرف ومن تابعه الى الايمان فقالوا نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ فقال تعالى لنبيه ﵇ قل لهم انى رسول الله أدعوكم اليه فان كنتم تحبونه فاتبعونى على دينه وامتثلوا امرى يحببكم الله ويرض عنكم. والمحبة ميل النفس الى الشيء لكمال أدركته فيه بحيث يحملها على ما يقربها اليه والعبد إذا علم ان الكمال الحقيقي ليس الا لله وان كل ما يراه كمالا من نفسه او غيره فهو من الله وبالله والى الله لم يكن حبه الا لله وفى الله وذلك يقتضى ارادة طاعته والرغبة فيما يقربه اليه فلذلك فسرت المحبة بارادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول ﷺ فى طاعته والحرص على مطاوعته
стр. 475
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ اى يكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جنات عزه ويبوئكم فى جوار قدسه. عبر عنه بالمحبة بطريق الاستعارة او المشاكلة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ اى لمن كان يتحبب للنصارى ويتبع عيسى ابن مريم فنزل قوله تعالى قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ اى فى جميع الأوامر والنواهي فيدخل فى ذلك الطاعة فى اتباعه ﷺ دخولا أوليا فَإِنْ تَوَلَّوْا اما من تمام مقول القول فهى صيغة المضارع المخاطب بحذف احدى التاءين اى تتولوا وتعرضوا واما كلام متفرع مسوق من جهته تعالى فهى صيغة الماضي الغائب وفى ترك ذكر احتمال الاطاعة كما فى قوله تعالى فَإِنْ أَسْلَمُوا تلويح الى انه غير محتمل عنهم فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ نفى المحبة كناية عن بغضه تعالى لهم وسخطه عليهم اى لا يرضى عنهم ولا يثنى عليهم. ودلت الآية على شرف النبي ﵇ فانه جعل متابعته متابعة حبيبه وقارن طاعته بطاعته فمن ادعى محبة الله وخالف سنة نبيه فهو كذاب بنص كتاب الله تعالى كما قيل
تعصى الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال فى الفعال بديع
لو كان حبك صادقا لا طعته ... ان المحب لمن يحب مطيع
وانما كان من ادعى محبة الله وخالف سنة رسوله كاذبا فى دعواه لان من أحب آخر يحب خواصه والمتصلين به من عبيده وغلمانه وبيته وبنيانه ومحله ومكانه وجداره وكلبه وحماره وغير ذلك فهذا هو قانون العشق وقاعدة المحبة والى هذا المعنى أشار المجنون العامري حيث قال
امر على الديار ديار ليلى ... اقبل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبى ... ولكن حب من سكن الديارا
قال الامام القشيري ﵀ قطع الله اطماع الكل ان يسلم لاحدهم نفسه الا ومقتداهم سيد الأولين والآخرين. وقال القاشاني محبة النبي ﵇ انما تكون بمتابعته وسلوك سبيله قولا وعملا وخلقا وحالا وسيرة وعقيدة ولا تتمشى دعوى المحبة الا بهذا فانه قطب المحبة ومظهرها وطريقته ﷺ المحبة فمن لم يكن له من طريقته نصيب لم يكن له من المحبة نصيب وإذا تابعه حق المتابعة ناسب باطنه وسره وقلبه ونفسه باطن النبي وسره وقلبه ونفسه وهو مظهر المحبة فلزم بهذه المناسبة ان يكون لهذا التابع قسط من محبة الله بقدر نصيبه من المتابعة فيلقى الله محبته عليه ويسرى من روح النبي نور تلك المحبة ايضا الى قلبه اسرع ما يكون إذ لولا محبة الله لم يكن محبا له ثم نزل عن هذا المقام لانه أعز من الكبريت الأحمر ودعاهم الى ما هو أعم من مقام المحبة وهو مقام الارادة فقال قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ اى ان لم تكونوا محبين ولم تستطيعوا متابعة حبيبى فلا اقل من ان تكونوا مريدين مطيعين لما أمرتم به فان المريد يلزمه طاعة المراد وامتثال امره فَإِنْ تَوَلَّوْا اى ان اعرضوا عن ذلك ايضا فهم كفار محجوبون انتهى. وروى البخاري عن عبد الله بن هشام انه كانه مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر رضى عنه فقال عمر يا رسول الله أنت أحب الى من كل شىء الا نفسى
стр. 476
فقال ﵇ (والذي نفس محمد بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من نفسه) فقال عمر فانه الآن والله أنت أحب الى من نفسى فقال ﵇ (الآن يا عمر صار إيمانك كاملا) وقال ﷺ (كل أمتي يدخلون الجنة الا من ابى) قالوا ومن يأبى قال (من أطاعني دخل الجنة ومن عصانى فقد ابى) وعن جابر بن عبد الله انه قال جاءت ملائكة الى النبي ﷺ وهو نائم فقال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان فقالوا ان لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا اولوها له يفقهها فقالوا الدار الجنة والداعي محمد فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله ومحمد فرق بين الناس فبمتابعة النبي ﷺ تحصل الجنة والقربة والوصلة- روى- ان محمودا الغازي دخل على الشيخ الرباني ابى الحسن الخرقاني قدس سره لزيارته وجلس ساعة ثم قال يا شيخ ما تقول فى حق ابى يزيد البسطامي قدس سره فقال الشيخ هو رجل من اتبعه اهتدى واتصل بسعادة لا تخفى فقال محمود وكيف ذلك وابو جهل رأى رسول الله ﵇ ولم يخلص من الشقاوة فقال الشيخ فى جوابه ان أبا جهل ما رأى رسول الله انما رأى محمد بن عبد الله حتى لو كان رأى رسول الله ﵇ لخرج من الشقاوة ودخل فى السعادة ثم قال ومصداق ذلك قول الله تعالى وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ فالنظر بعين الرأس لا يوجب هذه السعادة بل النظر بعين السر والقلب والمتابعة التامة تورث ذلك. وأمته ﷺ من اتبعه ولا يتبعه الا من اعرض عن الدنيا فانه ﵇ ما دعا الا الى الله واليوم الآخر وما صرف الا عن الدنيا والحظوظ العاجلة فبقدر ما أعرضت عنها وأقبلت على الله وصرفت الأوقات لاعمال الآخرة فقد سلكت سبيله الذي يسلكه وبقدر ما اتبعته صرت من أمته وبقدر ما أقبلت على الدنيا عدلت عن سبيله وأعرضت عن متابعته ولحقت بالذين قال الله تعالى فيهم فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ولو خرجت عن مكمن الغرور وأنصفت من نفسك يا رجل وكلنا ذلك الرجل لعلمت انك من حين تمسى الى حين تصبح لا تسعى الا فى الحظوظ العاجلة ولا تتحرك الا برجل الدنيا الفانية ثم تطمع فى ان تكون غدا من أمته واتباعه ويحك ما ابعد ظننا وما افحش طمعنا قال الله تعالى أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ الاصطفاء أخذ ما صفا من الشيء كالاستصفا اى اختار آدم بالنفس القدسية وما يليق بها من الملكات الروحانية والكمالات الجسمانية المستتبعة للرسالة فى نفس المصطفى كما فى كافة الرسل ﵈ او فيمن يلابسه وينشأ منه كما فى مريم او اصطفاه بان خلقه بيده فى احسن تقويم وبتعليم الأسماء واسجاد الملائكة إياه وإسكانه الجنة وَاصطفى نُوحاً بما ذكر من الوجه الاول او اصطفاه بكونه أول من نسخ الشرائع إذ لم يكن قبل ذلك تزويج المحارم حراما وباطالة عمره وجعل ذريته هم الباقين واستجابة دعوته فى حق الكفرة والمؤمنين وحمله على متن الماء وَاصطفى آلَ إِبْراهِيمَ وهو إسماعيل
стр. 477
واسحق والأنبياء من أولادهما الذين من جملتهم النبي ﷺ ويفهم من اصطفائهم اصطفاء ابراهيم بطريق الاولوية وَاصطفى آلَ عِمْرانَ وهو عيسى وامه مريم ابنة عمران بن ماتان بن العادر بن ابى هود بن رب بابل بن ساليان بن يوحنا بن اوشا بن او موذر ابن ميشك بن خارقا بن يونام بن غرزيا بن يوزان بن ساقط بن ايشا بن راجقيم بن سليمان بن داود ﵉ بن ايشا بن عويل بن سلمون بن ياعر بن ممشون بن عمياد بن دام بن حضروم بن فارض بن يهودا بن يعقوب ﵇. وقيل آل عمران هو موسى وهارون ﵉ ابنا عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب ﵇ وبين العمرانين الف وثمانمائة سنة فيكون اصطفاء عيسى ﵇ بالاندراج فى آل ابراهيم والاول هو الأظهر بدليل تعقيبه بقصة مريم واصطفاء موسى وهارون ﵉ بالانتظام فى سلك آل ابراهيم انتظاما ظاهرا عَلَى الْعالَمِينَ جمع عالم وهو اسم لنوع من المخلوقين فيه علامة يمتاز بها عن خلافه من الأنواع كالملك والجن والانس يقال عالم البر وعالم البحر وعالم الأرض وعالم السماء والمراد بالعالمين اهل زمان كل واحد منهم اى اصطفى كل واحد منهم على عالمى زمانه ذُرِّيَّةً نصب على البدلية من الآلين. والذر بفتح الذال البث والتفريق وسمى نسل الثقلين ذرية لان الله تعالى قد بثهم فى الأرض أو لأن الله اخرج نسل آدم ﵇ من صلبه كهيئة الذر وهو جمع ذرة وهى أصغر النمل والذرء ايضا الخلق والله تعالى خلقهم وأظهرهم من العدم الى الوجود بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ فى محل النصب على انه صفته لذرية يعنى ان الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض فان آل ابراهيم اعنى إسماعيل واسحق متشعبان من ابراهيم المتشعب من نوح المتشعب من آدم وأولادهما الى آخر أنبياء بنى إسرائيل والى خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين متشعبون منهما وآل عمران وهو موسى وهارون من ذرية ابراهيم ونوح وآدم وكذا عيسى وامه مريم ﵉ وَاللَّهُ سَمِيعٌ لا قوال العباد عَلِيمٌ بأعمالهم البادية والخافية فيصطفى من بينهم لخدمته من يظهر استقامته قولا وفعلا على نهج قوله تعالى اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ودلت الآية على صحة انكحة الكفار حيث ثبت نسب بعضهم من بعض بها قال ﷺ ولدت من نكاح لا من سفاح) واعلم ان الاصطفاء أعم من المحبة والخلة فيشمل الأنبياء كلهم لانهم خيرة الله وصفونه وتتفاضل فيه مراتبهم كما قال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ فاخص المراتب هو المحبة المشار إليها بقوله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ فلذلك كان أفضلهم حبيب الله محمدا ﵇ ثم الخلة التي هى صفة ابراهيم ﵇ وأعمها الصفاء الذي هو صفة آدم صفى الله ﵇ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ فى الدين والحقيقة إذ الولادة قسمان صورية ومعنوية فكل نبى يتبع نبيا آخر فى التوحيد والمعرفة وما يتعلق بالباطن من اصول الدين فهو ولده كأولاد المشايخ فى زماننا هذا وكما قيل الآباء ثلاثة اب ولدك واب رباك واب علمك وكما ان وجود البدن فى الولادة الصورية يتولد فى رحم امه من نطفة أبيه فكذلك وجود القلب فى الولادة الحقيقة يظهر فى رحم استعداد النفس من نفخة الشيخ والمعلم والى هذه الولادة
стр. 478
أشار عيسى ﵇ بقوله [لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين] ثم اعلم ان الولادة المعنوية أكثرها تتبع الصورية فى التناسل ولذلك كان الأنبياء فى الظاهر ايضا نسلا واحدا ثمرة شجرة واحدة وسببه ان الروح فى الصفاء والكدورة يناسب المزاج فى القرب من الاعتدال الحقيقي وعدمه وقت التكون فلكل روح مزاج يناسبه ويخصه إذ الفيض يصل بحسب المناسبة وتتفاوت الأرواح فى الأزل بحسب صفوتها ومراتبها فى القرب والبعد عن الحضرة الاحدية فتتفاوت الامزجة بحسبها فى الابد لتتصل بها والأبدان المتناسلة بعضها من بعض متشابهة فى الامزجة على الأكثر اللهم الا لامور عارضة اتفاقية فكذلك الأرواح المتصلة بها متقاربة فى الرتبة متناسبة فى الصفة وهذا مما يقوى ان المهدى يكون من نسل محمد ﵇. والاغذية مؤثرة فى البدن. فمن كان غذائه حلالا طيبا وهيآت نفسه فاضلة نورانية ونياته صادقة حقانية جاء ولده مؤمنا صديقا او وليا او نبيا. ومن كان غذائه حراما وهيآت نفسه خبيثة ظلمانية ونياته فاسدة رديئة جاء ولده فاسقا او كافرا او زنديقا إذا لنطفة التي يكون الولد منها متولدة من ذلك الغذاء مرباة فى تلك النفس فيناسبها ولهذا قال رسول الله ﷺ (الولد سرابيه) وكان صدق مريم ونبوة عيسى ببركة صدق نيتها إِذْ منصوب باذكر قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ وهى امرأة عمران بن ماثان أم مريم البتول جدة عيسى ﵇ وهى حنة بنت فاقوذا فان قلت كان لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم اكبر من موسى وهارون ولعمران بن ماثان مريم البتول فما ادراك ان عمران هذا هو ابو مريم البتول دون عمران ابى مريم التي هى اخت موسى وهارون قلت كفى بكفالة زكريا دليلا على انه عمران ابو البتول لان زكريا بن اذن وعمران بن ماثان كانا فى عصر واحد وقد تزوج زكريا بنته ايشاع اخت مريم فكان يحيى وعيسى ﵉ ابني خالة- روى- انها كانت عاقرا لم تلد الى ان عجزت فبيناهى فى ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاله فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت اللهم ان لك علىّ نذرا شكرا ان رزقتنى ولدا ان أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه فحملت بمريم وهلك عمران وهى حامل وذلك قوله تعالى رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ والنذر ما يوجبه الإنسان على نفسه ما فِي بَطْنِي عبر عن الولد بما لابهام امره وقصوره عن درجة العقلاء مُحَرَّراً اى معتقا لخدمة بيت المقدس لا يدى عليه ولا استخدمه ولا اشغله بشئ او خالصا لله ولعبادته لا يعمل عمل الدنيا ولا يتزوج فيتفرغ لعمل الآخرة وكان هذا النذر مشروعا عندهم لان الأمر فى دينهم ان الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد ولم يكن أحد من الأنبياء الا ومن نسله محرر لبيت المقدس ولم يكن يحرر الا الغلمان ولا تصح له الجارية لما يصيبها من الحيض والأذى فتحتاج الى الخروج ولكن حررت حنة ما فى بطنها مطلقا إما لأنها بنت الأمر على تقدير الذكورة أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة الى طلب الولد الذكر فَتَقَبَّلْ مِنِّي اى ما نذرته والتقبل. أخذ الشيء على وجه الرضى وهذا فى الحقيقة استدعاء للولد إذ لا يتصور القبول بدون تحقق المقبول بل للولد الذكر لعدم قبول
стр. 479
الأنثى إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لجميع المسموعات التي من جملتها تضرعى ودعائى الْعَلِيمُ لكل المعلومات التي من زمرتها ما فى ضميرى لا غير فَلَمَّا وَضَعَتْها اى ولدت النسمة وهى أنثى قالَتْ حنة وكانت ترجو ان تكون غلاما رَبِّ إِنِّي التأكيد للرد على اعتقادها الباطل وَضَعْتُها أُنْثى تحسرا على ما رأته من خيبة رجائها وعكس تقديرها والضمير المتصل عائد الى النسمة وأنثى حال منه وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ تعظيم من جهته تعالى لموضوعها فانها لما تحسرت وتحزنت على ان ولدت أنثى قال الله تعالى انها لا تعلم قدر هذا الموهوب والله هو العالم بالشيء الذي وضعته وما علق به من العجائب وعظائم الأمور فانه تعالى سيجعله وولده آية للعالمين وهى جاهلة بذلك لا تعلم به فلذلك تحسرت وتحزنت وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى مقول لله ايضا مبين لتعظيم موضوعها ورفع منزلته. واللام فيهما للعهد اى ليس الذكر الذي كانت تطلبه وتتخيل فيه كمالا قصاراه ان يكون كواحد من السدنة كالانثى التي وهبت لها فان دائرة علمها وامنيتها لا تكاد تحيط بما فيها من جلائل الأمور فهى أفضل من مطلوبها وهى لا تعلم وهاتان الجملتان من مقول الله تعالى اعتراضان بين قول أم مريم إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وقولها وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وفائدتهما التسلية لنفس حنة والتعظيم لوضعها وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ من مقول حنة عطف على قولها إِنِّي وَضَعْتُها اى انى جعلت اسمها مريم وغرضها من عرضها على علام الغيوب التقرب اليه تعالى واستدعاء العصمة لها فان مريم فى لغتهم بمعنى العابدة وخادم الرب واظهار انها غير راجعة فى نيتها وان كان ما وضعته أنثى وانها ان لم تكن خليقة بسدانة بيت المقدس فلتكن من العابدات فيه وظاهر هذا الكلام يدل على ان عمران كان قدمات قبل وضع حنة مريم والا لما تولت الام تسمية المولود لان العادة ان التسمية يتولاها الآباء وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ اى أجيرها بحفظك وَذُرِّيَّتَها عطف على الضمير المنصوب اى أولادها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ اى المطرود. واصل الرجم الرمي بالحجارة وعن النبي ﷺ (ما من مولود يولد الا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مسه الا مريم وابنها) ومعناه ان الشيطان يطمع فى إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه الا مريم وابنها فان الله تعالى عصمهما ببركة هذه الاستعاذة فَتَقَبَّلَها اى أخذ مريم ورضى بها فى النذر مكان الذكر رَبُّها مالكها ومبلغها الى كمالها اللائق بِقَبُولٍ حَسَنٍ بوجه حسن يقبل به النذائر وهو قبول تلك الأنثى مع أنوثتها وصغرها فان المعتاد فى تلك الشريعة ان لا يجوز التحرير الا فى حق غلام عاقل قادر على خدمة المسجد وهنا لما علم الله تعالى تضرع حنة قبل بنتها حال صغرها وعدم قدرتها على خدمة المسجد وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها مما يصلح فى جميع أحوالها ثم ان الله تعالى ذكر قبولها منها وذلك لضفها وصدق نيتها فى الابتداء وحيلئها فى الانتهاء وكان فى ذلك الزمان اربعة آلاف محرر لم يشتهر خبر أحد منهم اشتهار خبرها. وفيه تنبيه للعبد على ان يرى من نفسه التقصير بعد جهدها ليقبل الله عملها لاظهار إفلاسها وإضمار إخلاصها رزقنا الله وإياكم
طريقت همينست كاهل يقين ... نكو كار بودند وتقصير بين
стр. 480
واعلم انه سبحانه قطع السائرين له وهم المريدون والواصلين اليه وهم المرادون عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم. اما السائرون فلأنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها فانقطعوا اليه برؤية تقصيرهم. واما الواصلون فلأنه غيبهم شهوده عنها لانه الفعال وهم آلة مسخرة.
ولما دخل الواسطي نيسابور سأل اصحاب الشيخ ابى عثمان المغربي بم يأمركم شيخكم قالوا كان يأمرنا بالتزام الطاعة ورؤية التقصير فيها فقال أمركم بالمجوسية المحضة هلا آمركم بالغيبة عنها بشهود منشئها ومجريها. قال القشيري وانما أراد الواسطي صيانتهم عن محل الاعجاب لا تعريجا فى أوطان التقصير او تجويزا للاخلال بأدب من الآداب. قال النهر جورى من علامة من تولاه الله فى اعماله ان يشهد التقصير فى إخلاصه والغفلة فى أذكاره والنقصان فى صدته والفتور فى مجاهدته وقلة المراعاة فى فقره فتكون جميع أحواله عنده غير مرضية ويزداد فقرا الى الله فى فقره وسيره حتى يفنى عن كل ما دونه. قال الشيخ ابو العباس رضى الله عنه فى اشارة قوله تعالى يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يولج المعصية فى الطاعة ويولج الطاعة فى المعصية يطيع العبد الطاعة فيعجب بها ويعتمد عليها ويستصغر من لم يفعلها ويطلب من الله العوض عليها فهذه حسنة أحاطت بها سيئات ويذنب الذنب فيلجأ الى الله فيه ويستصغر نفسه ويستعظم من لم يفعله فهذه سيئة أحاطت بها حسنات فايتهما الطاعة وأيتهما المعصية فعلى السالك ان يجتهد فى الطاعات ولا يغتر بالعبادات لعله يصل الى غاية الغايات فى روضات الجنات
چهـ زرها بخاك سيه در كنند ... كه باشد كه روزى مسى زر كنند
يعنى ان المشتغلين بتحصيل صنعة الكيمياء يجعلون دنانير كثيرة تحت التراب اى يبذلونها لتحصيلها ويفرقونها فى أسبابها كى يصير النحاس فى أيديهم ذهبا بحتا ويتشرفوا بوصولها
زر از بهر چيزى خريدن نكوست ... چهـ خواهى خريدن به از وصل دوست
فالسعى فى الأعمال انما هو لطلب رضى الله ووصول جنابه وهو الذي يبذل فى طريقه المال والروح لينفتح باب الفتوح. قال الشيخ الشاذلى قدس سره فى لطائف المنن واعلموا ان الله أودع أنوار الملكوت فى اصناف الطاعات فأى من فاته من الطاعات صنف او اغوزه من الموافقات جنس فقد فقد من النور بمقدار ذلك ولا تهملوا شيأ عن الطاعات ولا تستغنوا عن الأوراد بالواردات ولا ترضوا لا نفسكم بمارضى به المدعون بحر الحقائق على ألسنتهم وخلوا أنوارها من قلوبهم انتهى. فينبغى للعبد ان يواظب على اصناف الطاعات وينساها بعد ما عملها كيلا يبطلها العجب لانه يقال حفظ الطاعة أشد من فعلها لان مثلها كمثل الزجاج يسرع اليه الكسر ولا يقبل الجبر وكذا الخيرات إذا أزيلت بالمخالفات وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا الفعل لله تعالى بمعنى وضمنها الله الى زكريا وجعله كافلالها وضامنا لمصالحها قائما بتدابير أمورها والكافل هو الذي ينفق على انسان ويهتم بإصلاح مصالحه وفى الحديث (انا وكافل اليتيم كهاتين) وهو زكريا بن اذن بن مسلم بن صدون من أولاد سليمان ﵇ ابن داود ﵇ روى- ان حنة حين ولدت مريم لفتها فى خرقة وحملتها الى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم فى بيت المقدس كالحجبة فى الكعبة فقالت لهم دونكم هذه النذيرة اى خذوها
стр. 481
فتنافسوا فيها لانها كانت بنت امامهم وصاحب قربانهم فان بنى ماثان كانت رؤس بنى إسرائيل وملوكهم فقال لهم زكريا انا أحق بها عندى خالتها فقالوا لا حتى نقرع عليها فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين الى نهر قيل هو نهر الأردن فالقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحى على ان كل من ارتفع قلمه فهو الراجح فالقوا ثلاث مرات ففى كل مرة يرتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتكفلها. قال الشيخ فى تفسيره وهو معنى قوله فَتَقَبَّلَها رَبُّها الآية كُلَّما اى كل وقت دَخَلَ عَلَيْها اى على مريم زَكَرِيَّا فاعل دخل الْمِحْرابَ اى فى المحراب قيل بنى لها محرابا فى المسجد اى غرفة تصعد إليها بسلم او المحراب اشرف المجالس ومقدمها كانها وضعت فى اشرف موضع من بيت المقدس او كانت مساجدهم تسمى المحاريب- روى- انها لا يدخل عليها الا هو وحده فاذا خرج غلق عليها سبعة أبواب فكلما دخل وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً اى نوعا منه غير معتاد إذ كان ينزل ذلك من الجنة وكان يجد عندها فى الصيف فاكهة الشتاء وفى الشتاء فاكهة الصيف ولم ترضع ثديا قط قالَ كأنه قيل فماذا قال زكريا ﵇ عند مشاهدة هذه الآية فقيل قال يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا اى من اين يجيئ لك هذا الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت فى غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل
به إليك قالَتْ مريم وهى صغيرة لا قدرة لها على فهم السؤال ورد الجواب قيل تكلمت وهى صغيرة كما تكلم عيسى وهو فى المهد هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فلا تعجب ولا تستبعد إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ ان يرزقه بِغَيْرِ حِسابٍ اى بغير تقدير لكثرته او بلا محاسبة او من حيث لا يحتسب وهو تعليل لكونه من عند الله اما من تمام كلامها فيكون فى محل النصب واما من كلامه فهو مستأنف. وفى الآية دليل على جواز الكرامة للاولياء ومن أنكرها جعل هذا إرهاصا وتأسيسا لرسالته ﵇. عن النبي ﷺ انه جاع فى زمن قحط فاهدت له فاطمة رضى الله عنها رغيفين وبضعة لحم اثرته بها فرجع بها إليها وقال (هلمى يا بنية) فكشفت عن الطبق فاذا هو مملوء خبزا ولحما فبهتت وعلمت انها نزلت من عند الله فقال لها ﷺ (أنى لك هذا) فقالت هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب فقال ﷺ (الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة بنى إسرائيل) ثم جمع رسول الله ﷺ عليا والحسنين رضى الله عنهم وجمع اهل بيته عليه فاكلوا وشبعوا وبقي الطعام كما هو فاوسعت فاطمة رضى الله عنها على جيرانها. وقد ظهر على السلف رضى الله عنهم من الصحابة والتابعين ثم على من بعدهم من الكرامات. قال سهل بن عبد الله رضى الله عنه اكبر الكرامات ان تبدل خلقا مذموما من اخلاقك. قال الشيخ ابو العباس ﵀ ليس الشأن من تطوى له الأرض فاذا هو بمكة وغيرها من البلدان انما الشأن من تطوى عنه أوصاف نفسه. وقيل لابى يزيد ان فلانا يمشى على الماء قال الحوت اعجب منه إذ هو شأنه. فقيل له ان فلانا يمشى فى الهواء قال الطير اعجب من ذلك إذ هو حاله. قيل له كان فلان يمشى الى مكة ويرجع من يومه قال إبليس اعجب من ذلك إذ هو حاله تطوى له الأرض كلها فى لحظة وهو فى لعنة الله فالطى الحقيقي ان تطوى مسافة الدنيا عنك حتى ترى الآخرة اقرب إليك منك لان الأرض تطوى لك فاذا
стр. 482
أنت حيث شئت من البلاد لان هذا ربما جر الى الاغترار وذلك يؤدى للتعلق بالواحد القهار- وحكى- عن ابى عنوان الواسطي قال انكسرت السفينة وبقيت انا وامرأتى أياما على لوح وقد ولدت فى تلك الحالة صبية فصاحت بي فقالت يقتلنى العطش فرفعت رأسى فاذا رجل فى الهواء جالس وفى يده سلسلة من ذهب وفيها كوز من ياقوت احمر وقال هاك اشربا قال فاخذت الكوز وشربنا منه فاذا هو أطيب من المسك واحلى من العسل فقلت من أنت يرحمك الله قال انا عبد لمولاك فقلت بم وصلت الى هذا فقال تركت هواى لمرضاته فاجلسنى فى الهواء ثم غاب عنى فلم أره. وحج سفيان الثوري مع شيبان الراعي رضى الله عنهما فعرض لهما سبع فقال سفيان لشيبان أما ترى هذا السبع فقال لا تخف وأخذ شيبان اذنيه فعركهما فتبصبص وحرك ذنبه فقال سفيان ما هذه الشهرة فقال لولا مخافة الشهرة لما وضعت زادى الأعلى ظهره حتى آتى مكة
تو هم كردن از حكم داور مپيچ ... كه كردن نه پيچد ز حكم تو هيچ
محالست چون دوست دارد ترا ... كه در دست دشمن كذارد ترا
هُنالِكَ اى حيث كان قاعدا عند مريم فى المحراب ولما رأى زكريا ﵇ حال مريم فى كرامتها على الله ومنزلتها رغب فى ان يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة فى النجابة والكرامة على الله وان كانت عاقرا عجوزا فقد كانت أختها كذلك دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ اى أعطني من محض قدرتك من غير وسط معتاد ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً اى ولدا صالحا مباركا تقيا رضيا مرضيا. والذرية النسل تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد هاهنا ولد واحد. والطيب هو الذي تستطاب أفعاله وأخلاقه فلا يكون فيه امر يستخبث ويعاب إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ اى مجيبه كما فى قولهم سمع الله لمن حمده وهذا لان من لم يجب فكأنه لم يسمع. فان قيل ان زكريا كان عالما ان فى قدرة الله ذلك قبل رؤية حال مريم فهلا سأل قبل ذلك. قلنا قد يزداد الإنسان رغبة فى الشيء إذا عاينه وان كان عالما به قبله فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ اى جبرائيل وحكم الواحد من الجنس قد ينسب الى الجنس نفسه نحو فلان يركب الخيل وانما يركب واحدا من افرادها ولما كان جبرائيل رئيسهم عبر عنه باسم الجماعة تعظيما له وَهُوَ حال من مفعول النداء اى والحال ان زكريا ﵇ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ اى فى المسجد او فى غرفة مريم أَنَّ اللَّهَ مفعول ثان لنادته اى بان الله تعالى يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى اى بولد اسمه يحيى لانه حيى به رحم امه ولانه تحيى به المجالس من وعظه والتقدير بولادة ولد اسمه يحيى فان التبشير لا يتعلق بالأعيان مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ اى بعيسى ﵇. وانما سمى كلمة لانه وجد بكلمة كن من غير اب فشابه البديعيات التي هى عالم الأمر وهو أول من آمن بعيسى وصدق بانه كلمة الله وروح منه ويسمى روحا ايضا لانه تعالى احيى به من الضلالة كما يحيى الإنسان بالروح. قال السدى لقيت أم يحيى أم عيسى فقالت يا مريم أشعرت بحبلى فقالت مريم وانا ايضا حبلى قالت فانى وجدت ما فى بطني يسجد لما فى بطنك فذلك قوله تعالى مُصَدِّقاً إلخ وكان يحيى اكبر من عيسى بستة أشهر
стр. 483
ثم قتل يحيى قبل ان رفع عيسى الى السماء وَسَيِّداً عطف على مصدقا اى رئيسا يسود قومه ويفوقهم فى الشرف وكان فائقا للناس قاطبة فانه لم يهم بمعصية فيالها ما أسناها وَحَصُوراً اى مبالغا فى حصر النفس وحبسها عن الشهوات مع القدرة- روى- انه مر فى صباه بصبيان فدعوه الى اللعب فقال ما للعب خلقت. والحصور الممتنع من النساء مع القدرة عليهن وقد تزوج مع ذلك ليكون اغض لبصره وَنَبِيًّا اى يوحى اليه إذا بلغ هو مبلغه مِنَ الصَّالِحِينَ اى ناشئا منهم لانه كان من أصلاب الأنبياء ﵈. والصلاح صفة تنتظم الخير كله والمراد به هنا ما فوق الصلاح الذي لا بد منه فى منصب النبوة البتة من أقاصي مراتبه قالَ عند نداء الملائكة إياه وبشارتهم له بالولد بالاستفهام متعجبا من حيث العادة ومسرورا بالولد رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي اى كيف يحصل لى غُلامٌ وفيه دلالة على انه خبر بكونه غلاما عند التبشير وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ اى أدركني كبر السن واثر فىّ وفيه دلالة على ان كبر السن من حيث كونه من طلائع الموت طالب للانسان لا يكاد يتركه قيل كان له تسع وتسعون سنة ولامرأته ثمان وتسعون وَامْرَأَتِي عاقِرٌ اى ذات عقر وعقيم لا تلد قالَ اى الله كَذلِكَ اشارة الى مصدر يفعل فى قوله تعالى اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ اى ما يشاء ان يفعله من تعاجيب الأفاعيل الخارقة للعادات. فالله مبتدأ ويفعل خبره والكاف فى محل النصب على انها فى الأصل نعت لمصدر محذوف اى الله يفعل ما يشاء ان يفعله فعلا مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذي هو خلق الولد من شيخ فان وعجوز عاقر قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً اى علامة تدل اى تحقق المسئول او وقوع الحبل وانما سألها لان العلوق امر خفى لا يوقف عليه فاراد ان يطلعه الله عليه ليتلقى تلك النعمة الجليلة منه حين حصولها بالشكر ولا يؤخره الى ان يظهره ظهورا معتادا قالَ آيَتُكَ اى علامة حدوث الولد أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ اى ان لا تقدر على تكليمهم ثَلاثَةَ أَيَّامٍ اى متوالية مع لياليها فان ذكر الليالى او الأيام يقتضى دخول الاخرى فيها لغة وعرفا وانما جعلت آيته ذلك لتخليص المدة لذكر الله وشكره قضاء لحق النعمة إِلَّا رَمْزاً اى اشارة بيد او رأس او نحوهما وسمى الرمز كلاما لانه يؤدى ما يؤدى الكلام ويفهم منه ما يفهم من الكلام فلهذا جاز الاستثناء المتصل منه ثم امره تعالى بذكره لعدم منعه عن ذكر الله فقال وَاذْكُرْ رَبَّكَ اى فى ايام الحبسة شكرا لحصول التفضل والانعام كَثِيراً اى ذكرا كثيرا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ اى سبحه تعالى اى من الزوال الى الغروب وَالْإِبْكارِ من طلوع الفجر الى الضحى قال الامام فى قوله تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً فيه قولان. أحدهما انه تعالى امر بحبس لسانه عن امور الدنيا إلا رمزا فاما فى الذكر والتسبيح فقد كان لسانه جيدا وكان ذلك من المعجزات الباهرة. والقول الثاني ان المراد منه الذكر بالقلب وذلك لان المستغرقين فى بحار معرفة الله تعالى عادتهم فى أول الأمر ان يواظبوا على الذكر اللساني مدة فاذا امتلأ القلب من نور ذكر الله سكتوا باللسان وبقي الذكر بالقلب ولذلك قالوا من عرف الله كل لسانه فكان زكريا ﵇ امر بالسكوت باللسان والاستحضار معا فى الذكر والمعرفة
стр. 484
واستدامتهما انتهى. واعلم ان الذكر على مراتب والذكر اللساني بالنسبة الى الذكر القلبي تنزل- روى- ان عيسى ﵇ حين ترقى الى أعلى مراتب الذكر جاءه إبليس فقال يا عيسى اذكر الله فتعجب عيسى من امره بالذكر مع ان جبلته على المنع منه ثم ظهر انه أراد ان يغويه وينزله من مرتبة الذكر القلبي الى مرتبة الذكر اللساني وذلك كان تنزلا بالنسبة الى مقامه ﵇. فعلى العاقل ان يداوم على الاذكار آناء الليل وأطراف النهار فان الذكر يدفع هوى النفس فاذا طرد ذلك من الباطن فلا سبيل للشيطان ايضا فى الظاهر فتعلق أبواب المنهيات بالكليات ويتصفى القلب ويتكدر
پياپى بيفشان از آيينه كرد ... كه صيقل نكيرد چو ژنكار خورد
قال القشيري فذكر اللسان به يصل العبد الى استدامة ذكر القلب والتأثير للذكر فاذا كان العبد ذاكرا بلسانه وقلبه فهو الكامل فى وصفه فى حال سلوكه. قال سهل بن عبد الله رضى الله عنه ما من يوم الا والجليل سبحانه ينادى عبدى ما أنصفتني أذكرك وتنسانى وأدعوك الىّ وتذهب الى غيرى واذهب عنك البلايا وأنت معتكف على الخطايا يا ابن آدم ما تقول غدا إذا جئتنى. وقال الحسين افتقدوا الحلاوة فى ثلاثة أشياء فى الصلاة والذكر والقراءة فان وجدتم والا فاعلموا ان الباب مغلق. قيل إذا تمكن الذكر من القلب فان دنامنه الشيطان صرخ كما يصرخ الإنسان إذا دنا منه الشيطان فيجتمع عليه الشياطين فيقولون ما لهذا فيقول قدمسه الانس. قال بعضهم وصف لى ذاكر فى اجمة فأتيته فبينما هو جالس إذا سبع عظيم ضربه ضربة واستلب منه قطعة فغشى عليه وعلىّ فلما أفقت قلت ما هذا فقال قيض الله هذا السبع لى فكلما داخلتنى فترة غضنى كما رأيت أوصلنا الله وإياكم الى مرتبة اليقين وشرفنا بمقام التمكين واذاقنا حلاوة الذكر فى كل حين وأدخلنا الجنة المعنوية مع عباده الصالحين أجمعين وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ اى اذكر وقت قول الملائكة وهو جبريل بدلالة قوله تعالى فى سورة مريم فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
اى سوى الخلق لتستأنس به وانما جمع تعظيما له لانه كان رئيس الملائكة يا مَرْيَمُ وكلام جبريل معها لم يكن وحيا إليها فان الله يقول وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ولا نبوة فى النساء بالإجماع. فكلمها شفاها كرامة لها وكرامات الأولياء حق او إرهاصا لنبوة عيسى ﵇ وهو من الرهص بالكسر وهو الصف الأسفل من الجدار وفى الاصطلاح ان يتقدم على دعوى النبوة ما يشبه المعجزة كاظلال الغمام لرسول الله ﷺ وتكلم الحجر والمدر والرمي بالشهب وقصة الفيل وغير ذلك إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ اولا حيث تقبلك من أمك بقبول حسن ولم يتقبل غيرك أنثى ورباك فى حجر زكريا ﵇ ورزقك من رزق الجنة وخصك بالكرامات السنية وَطَهَّرَكِ من الكفر والمعصية ومن الافعال الذميمة والعادات القبيحة ومن مسيس الرجال ومن الحيض والنفاس قالوا كانت مريم لا تحيض ومن تهمة اليهود وكذبهم بانطاق الطفل وَاصْطَفاكِ آخرا عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ بان وهب لك عيسى ﵇ من غير اب ولم يكن ذلك لاحد من النساء وجعلكما آية للعالمين يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ اى قومى فى الصلاة وأطيلي القيام
стр. 485
فيها له تعالى وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أمرت بالصلاة بالجماعة بذكر أركانها القنوت وهو طول القيام والسجود والركوع مبالغة فى إيجاب رعايتها وإيذانا بفضيلة كل منها واصالته. وتقديم السجود على الركوع إما لكون الترتيب فى شريعتهم كذلك وإما لكون السجود أفضل اركان الصلاة وأقصى مراتب الخضوع ولا يقتضى ذلك كون الترتيب الخارجي كذلك بل اللائق به الترقي من الأدنى الى الأعلى واما ليقترن اركعى بالراكعين للاشعار بان من لا ركوع فى صلاتهم ليسوا مصلين قيل لما أمرت بذلك قامت فى الصلاة حتى تورمت قدماها وسالت دما وقيحا ذلِكَ اى ما ذكرنا فى القصص من حديث حنة ومريم وعيسى وزكريا ويحيى مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ اى من اخبار الغيب التي لا يوقف عليها الا بمشاهدة او قراءة كتاب او تعلم من عالم او بوحي من عند الله تعالى وانعدمت الثلاثة الاول فتعينت الرابعة وهو الوحى نُوحِيهِ إِلَيْكَ اى ننزله عليك دلالة على صحة نبوتك وإلزاما على من يحاجونك من الكفار. والوحى فى القرآن لمعان للارسال الى الأنبياء قال تعالى نُوحِي إِلَيْهِمْ وللالهام قال تعالى وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى ولا لقاء المعنى المراد قال تعالى بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها وللاشارة قال تعالى فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا واصل ذلك كله الاعلام فى خفاء وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ اى عند الذين اختلفوا وتنازعوا فى تربية مريم وهو تقرير لكونه وحيا على طريقة التهكم بمنكريه اى انهم عالمون لا يشكون انك لم تقرأ كتابا ولم تصحب من علم تلك الانباء حتى تسمع منهم فلم يبق الا المشاهدة وهى منتفية بالضرورة فكأنهم ادعوا هذا المحال لكونه يلزم من انكارهم الوحى اى ان لم يكن بالوحى كما زعموا فلا بد من دعوى المشاهدة ولم تمكن قال ابن الشيخ فى حواشيه كأنه قيل ايها المنكرون لان اوحى اليه والمتهمون فى دعوى نبوته ليس لكم فى سبب الاتهام سوى احتمال المشاهدة والعيان وانه غاية السفاهة ونهاية الخذلان ومن أضل ممن عدل عن الاحتمال الثابت بالمعجزات الساطعة والبراهين القاطعة الى احتمال لا يذهب اليه وهم أحد وأي حالة ادعى الى الضحك والاستهزاء والسخرية من حال هؤلاء انتهى إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ التي كانوا يكتبون بها التوراة اختاروها للقرعة تبركا بها أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ متعلق بمحذوف دل عليه يلقون أقلامهم اى يلقونها ينظرون او ليعلموا أيهم يكفلها وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ اى فى شأنها تنافسا فى كفالتها وقد ذكر فيما سبق. وفى الآية دلالة على فضيلة مريم حيث اصطفاها الله على نساء العالمين فان جميع ما ذكر من التربية الجسمانية اللائقة بحال صغرها والتربية الروحانية المتعلقة بحال كبرها لم يتفق لغيرها من الإناث. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ (سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية) حديث حسن يوافق الآية فى الدلالة على ان مريم أفضل من جميع نساء العالمين. وعن انس قال قال رسول الله ﷺ (حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون) وهو يدل على ان هؤلاء الأربع أفضل من سائر النساء واعلم ان اهل الكمال من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير هذه الأربع ومعنى الكمال
стр. 486
التناهى فى الفضائل والبر والتقوى وحسن الخصائل والكمال فى شىء ما يكون حصوله للكامل اولى من غيره والنبوة ليست اولى للنساء لان مبناها على الظهور والدعوة وحالهن الاستتار ولا تكون النبوة فى حقهن كمالا بل الكمال فى حقهن الصديقية وهى قريب من النبوة والصديق من صدق فى جميع أقواله وأفعاله وأحواله فمن النساء كاملات عارفات واصلات الى مقام الرجال فهن رجال فى المعنى. وسئل بعضهم عن الابدال فقال أربعون نفسا فقيل له لم لا تقول أربعون رجلا فقال لان فيهم النساء: قال بعضهم
ولو كان النساء كمن ذكرنا ... لفضلت النساء على الرجال
فلا التأنيث لاسم الشمس عيب. ولا التذكير فخر للهلال ويناسب هذا ما حكى ان أم محمد والدة الشيخ ابى عبد الله بن الخفيف رحمهما الله تعالى كانت من العابدات القانتات وكان ابنها ابو عبد الله يحيى العشر الاخيرة من رمضان ليدرك ليلة القدر ومن دأبه الملازمة الى الصلاة فوق البيت وكانت والدته متوجهة الى الله فى البيت فليلة ان أخذت تظهر أنوار ليلة القدر نادت ابنها ان يا محمد ان الذي تطلبه هو عندنا فتعال فنزل الشيخ فرأى الأنوار فخر على قدم امه وكان يقول علمت قدر والدتي منذ شاهدت فهذه هى حال والدته فانظر كيف أرشدت ابنها وكيف تفوقت عليه فى الفضل والشرف مع كثرة رياضته واجتهاده ايضا فظهر ان من النساء من هى أفضل من الرجال وذلك بالوصول الى جناب القدس وليس ذلك الا بحسن الاستعداد والهداية الخاصة من الله تعالى اسعدنا الله وإياكم ونعوذ بالله من نساء زماننا حيث لا يرى فيهن من هى من اهل التقوى قال رسول الله ﷺ (صنفان من اهل النار لم أرهما) يعنى فى عصره ﵇ لطهارة ذلك العصر بل حدثا بعده (قوم معهم سياط) يعنى أحدهما قوم فى أيديهم سياط جمع سبوط (كأذناب البقر يضربون بها الناس) وهم الذين يضربون بها السارقين عراة او الطوافون على أبواب الظلمة كالكلاب يطردون الناس عنها بالضروب والسباب (ونساء) يعنى ثانيهما نساء (كاسيات) فى الحقيقة (عاريات) فى المعنى من لباس التقوى (مميلات) اى قلوب الرجال الى الفساد (مائلات) اى الى الرجال (رؤسهن كأسنمة البخت) يعنى يعظمن رؤسهن بالخمر والقلنسوة حتى تشبه اسمة البخت (المائلة) من الميل لان أعلى السنام يميل لكثرة شحمه (لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وان ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) اى يوجد من مسيرة أربعين عاما إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ بدل من وإذ قالت الملائكة منصوب بناصبه والمراد بالملائكة جبريل وجمع تعظيما له وقد مر يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ اى يفرحك بِكَلِمَةٍ كائنة مِنْهُ واطلق على عيسى لفظ الكلمة بطريق اطلاق السبب على المسبب لان سبب ظهوره وحدوثه هو الكلمة الصادرة منه تعالى وهى كن وحدوث كل مخلوق وان كان بسبب هذه الكلمة لكن السبب المتعارف للحدوث لما كان مفقودا فى حق عيسى ﵇ كان اسناد حدوثه الى الكلمة أتم وأكمل فجعل ﵇ بهذا الاعتبار كأنه نفس الكلمة اسْمُهُ اى اسم المسمى بالكلمة عبارة عن مذكر الْمَسِيحُ لقب من الألقاب
стр. 487
المشرفة كالصديق والفاروق وأصله مشيحا بالعبرانية ومعناه المبارك عِيسَى بدل من المسيح معرب من ايشوع ابْنُ مَرْيَمَ صفة لعيسى وتوجه الخطاب الى مريم يقتضى ان يقال عيسى ابنك الا انه قيل عيسى ابن مريم تنبيها على ان الأبناء ينسبون الى الآباء لا الى الأمهات فاعلمت بنسبته إليها انه يولد من غير اب فلا ينسب الا الى امه وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين فان قلت لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم وهذه ثلاثة أشياء الاسم منها عيسى واما المسيح والابن فلقب وصفة. قلت الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره فكانه قيل الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة. وفى التيسر اللقب إذا عرف صار كالاسم وَجِيهاً حال من الكلمة وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة والوجيه ذو الجاه وهو القوة والمنعة والشرف فِي الدُّنْيا بالنبوة والتقدم على الناس وَالْآخِرَةِ بالشفاعة وعلو الدرجة فى الجنة وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ اى عند ربه بارتفاعه الى السماء وصحبة الملائكة فيها وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا اى يكلمهم حال كونه طفلا وكهلا كلام الأنبياء ﵈ من غير تفاوت يعنى ان تكلمه فى حالة الطفولية والكهولة على حد واحد وصفة واحدة من غير تفاوت بان يكون كلامه فى حال الطفولية مثل كلام الأنبياء والحكماء لا شك انه من أعظم المعجزات. قال مجاهد قالت مريم إذا خلوت انا وعيسى حدثنى وحدثته فاذا شغلنى عنه انسان يسبح فى بطني وانا اسمع وتكلمه معهم دليل على حدوثه لحدوث الأصوات والحروف- روى- انه لما بلغ عمره ثلاثين سنة أرسله الله الى بنى إسرائيل فمكث فى رسالته ثلاثين شهرا ثم رفع الى السماء او جاءه الوحى على رأس ثلاثين سنة فمكث فى نبوته ثلاث سنين وأشهرا ثم رفع. والكهل من تجاوز الثلاثين الى الأربعين وقارب الشيب من اكتهل النبت قارب اليبس فعلى هذا صح ان يقال انه بلغ سن الكهولة وكلم الناس فيه ثم رفع واما على قول من يقول ان أول سن الكهولة أربعون سنة فلا بد ان يقال انه رفع شابا ولا يكلم الناس كهلا الا بعد ان ينزل من السماء فى آخر الزمان فانه حينئذ يكلم الناس ويقتل الدجال وَمِنَ الصَّالِحِينَ هذه الاربعة احوال مقدرة من كلمة والمعنى يبشرك به موصوفا بهذه الصفات وذكر قوله ومن الصالحين بعد ذكر الأوصاف المتقدمة دليل على انه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا لانه لا يكون المرء كذلك الا بان يكون فى جميع الافعال والتروك مواظبا على النهج الأصلح والطريق الأكمل ومعلوم ان ذلك يتناول جميع المقامات فى الدين والدنيا فى افعال القلوب وفى افعال الجوارح قالَتْ مريم متضرعة الى ربها رَبِّ أَنَّى يَكُونُ اى كيف يكون او من أين يكون لِي وَلَدٌ على وجه الاستبعاد العادي والتعجب من استعظام قدرة الله فان البشرية تقتضى التعجب مما وقع على خلاف العادة إذ لم تجر عادة بان يولد ولد بلا اب وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ آدمي وسمى بشرا لظهوره وهو كناية عن الجماع اى والحال انى على حالة منافية للولد قالَ اى الله او جبريل ﵇ كَذلِكِ اشارة الى مصدر يخلق فى قوله اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ان يخلقه اى الله يخلق ما يشاء ان يخلقه خلقا مثل ذلك الخلق العجيب والأحداث البديع الذي هو خلق الولد من غير اب فالكاف فى محل النصب على انها فى الأصل
стр. 488
نعت لمصدر محذوف إِذا قَضى أَمْراً اى أراد شيأ واصل القضاء الاحكام اطلق على الارادة الالهية القطعية المتعلقة بوجود الشيء لا يجابه إياه البتة فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ من غير ريث وهو تمثيل لكمال قدرته تعالى وسهولة تأتى المقدورات حسبما تقتضيه مشيئته وتصوير لسرعة حدوثها بما علم فيها من إطاعة المأمور المطيع للآمر القوى المطاع وبيان لانه تعالى كما يقدر على خلق الأشياء مدرجا بأسباب ومواد معتادة يقدر على خلقها دفعة من غير حاجة الى شىء من الأسباب والمواد. قال ابن عباس رضى الله عنهما ان مريم رضى الله عنها كانت فى غرفة قد ضربت دونها سترا إذا هى برجل عليه ثياب بيض وهو جبريل تمثل لها بشرا سويا اى تام الخلق فلما رأته قالت أعوذ بالرحمن منك ان كانت تقيا ثم نفخ فى جيب درعها
حتى وصلت النفخة الى الرحم فاشتملت. قال وهب وكان معها ذو قرابة يقال له يوسف النجار وكان يوسف هذا يستعظم ذلك فاذا أراد ان يتهمها ذكر صلاحها وإذا أراد ان يبرئها رأى ما ظهر عليها فكان أول ما كلمها ان قال لها قد دخل فى صدرى شىء أردت كتمانه فغلبنى ذلك فرأيت الكلام أشقى لصدرى قالت قل قال فحدثينى هل ينبت الزرع من غير بذر قالت نعم قال فهل ينبت شجر من غير اصل قالت نعم قال فهل يكون ولد من غير ذكر قالت نعم ألم تعلم ان الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر والبذر يومئذ انما صار من الزرع الذي أنبت الله من غير بذر ألم تعلم ان الله خلق آدم وحواء من غير أنثى ولا ذكر فلما قالت له ذلك وقع فى نفسه ان الذي بها شىء أكرمها الله به- روى- ان عيسى ﵇ حفظ التوراة وهو فى بطن امه وكانت مريم تسمع عيسى وهو يدرس فى بطنها ثم لما شرف عالم الشهود أعطاه الله الزهادة فى الدنيا فانه كان يلبس الشعر ويتوسد الحجر ويستنير القمر وكان له قدح يشرب فيه الماء ويتوضأ فيه فرأى رجلا يشرب بيده فقال لنفسه يا عيسى هذا ازهد منك فرمى القدح وكسره واستظل يوما فى ظل خيمة عجوز فكان قد لحقه حر شديد فخرجت العجوز فطردته فقام وهو يضحك فقال يا امة الله ما أنت أقمتني وانما أقامني الذي لم يجعل لى نعيما فى الدنيا ولما رفع الى السماء وجد عنده ابرة كان يرقع بها ثوبه فاقتضت الحكمة الإلهية نزوله فى السماء الرابعة وفيه اشارة الى ان السالك لا بد وان ينقطع عن كل ما سوى الله ويتجرد عن العوائق حتى يسير مع الملأ الأعلى ويطير الى مقام قاب قوسين او ادنى- وروى- ان موسى ﵇ ناجى ربه فقال اللهم أرني وليا من أوليائك فاوحى الله تعالى اليه ان اصعد الى جبل كذا وادخل زاوية كذا فى كهف كذا حتى ترى وليي ففعل فرأى فيه رجلا ميتا توسد بلبنه وفوق عورته خرقة وليس فيه شىء غيره فقال اللهم سألتك ان ترينى وليك فأريتنى هذا فقال هذا هو وليي فو عزتى وجلالى لا ادخله الجنة حتى أحاسبه باللبنة والخرقة من اين وجدهما فحال اولياء الله الافتخار بالفقر وترك الدنيا والصبر على ما قدره الله
صبر باشد مشتهاى زيركان ... هست حلوا آرزوى كودكان
هر كه صبر آورد كردون بر رود ... هر كه حلوا خورد او پس تر رود
فالقوة الروحانية التي بها يصير الإنسان كالملائكة انما تحصل بالصبر عن المشتهيات فانظر الى حال
стр. 489
عيسى ﵇ يكفك فى هذا اعتبارا ومن الله التوفيق الى الاعراض عن حطام الدنيا وقطع التعلق من الدارين قطعا وَيُعَلِّمُهُ كلام مستأنف اى ويعلم الله عيسى الْكِتابَ اى الكتابة والخط بالقلم بالإلهام والوحى وكان احسن الناس خطا فى زمانه وَالْحِكْمَةَ اى العلوم العقلية والشرعية وتهذيب الأخلاق لان كمال الإنسان فى ان يعرف الحق لذاته والخير لاجل العمل به ومجموعهما هو المسمى بالحكمة وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ فيحفظهما عن ظهر القلب وهذا الكلام اعنى يعلمه إلخ سيق تطبيبا لقلب مريم وازاحة لما أهمها من خوف اللائمة لما علمت انها تلد من غير زوج وَيجعله رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ اى يكلمهم وقال بعض اليهود انه كان مبعوثا الى قوم مخصوصين وكان أول أنبياء بنى إسرائيل يوسف وآخرهم عيسى ﵉ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ معمول لرسول لما فيه من معنى النطق اى رسولا ناطقا بأنى قد جئتكم ملتبسا بِآيَةٍ عظيمة كائنة مِنْ رَبِّكُمْ وهى ما ذكر بعده من خلق الطير وغيره أَنِّي أَخْلُقُ بدل من انى قد جئتكم اى اقدر وأشكل لانه قد ثبت ان العبد لا يكون خالقا بمعنى التكوين والإبداع فوجب ان يكون بمعنى التقدير والتسوية لَكُمْ اى لا جلكم بمعنى التحصيل لايمانكم ورفع تكذيبكم إياي مِنَ الطِّينِ شيأ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ اى متل صورة الطير فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف اى فى ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فَيَكُونُ طَيْراً حيا طيارا كسائر الطيور بِإِذْنِ اللَّهِ بامره تعالى أشار بذلك الى ان إحياءه من الله تعالى لا منه لان الله هو الذي خلق الموت والحياة فهو يخلق الحياة فى ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى ﵇ فيه على سبيل اظهار المعجزات- روى- ان عيسى ﵇ لما ادعى النبوة واظهر المعجزات طالبوه بخلق خفاش فاخذ طينا وصوره ثم نفخ فيه فاذا هو يطير بين السماء والأرض. قال وهب كان يطير ما دام الناس ينظرون اليه فاذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الله قيل انما طلبوا خلق الخفاش لانه اعجب من سائر الخلق ومن عجائبه انه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الحيوان من الطيور ويكون له الضرع ويخرج منه اللبن ولا يبصر فى ضوء النهار ولا فى ظلمة الليل وانما يرى فى ساعتين ساعة بعد غروب الشمس وساعة بعد طلوع الفجر قبل ان يسفر جدا ويضحك كما يضحك الإنسان وله أسنان ويحيض كما تحيض المرأة ولما دل القرآن على ان عيسى ﵇ انما تولد من نفخ جبريل فى مريم وجبريل روح محض وروحانى محض فلا جرم كانت نفخة عيسى سببا للحياة والروح وَأُبْرِئُ اى أشفي وأصحح الْأَكْمَهَ اى الذي ولداعمى. قال الزمخشري لم يوجد فى هذه الامة اكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير وَالْأَبْرَصَ وهو الذي به برص اى بياض فى الجلد يتطير به وإذا استحكم فلا برء له ولا يزول بالعلاج ولم تكن العرب تنفر من شىء نفر تهامنه. وانما خصهما بالذكر للشفاء لانهما مما أعيى الأطباء فى تداويهما وكانوا فى غاية الحذاقة فى زمن عيسى ﵇ وسألوا الأطباء عنهما. فقال جالينوس وأصحابه إذا ولد أعمى لا يبرأ بالعلاج وكذا الأبرص إذا كان بحال لوغرزت الابرة فيه لا يخرج منه الدم لا يقبل
стр. 490
العلاج فرجعوا الى عيسى وجاؤا بالاكمه والأبرص فمسح يده بعد الدعاء عليهما فابصر الأعمى وبرئ الأبرص فآمن به البعض وجحد البعض وقالوا هذا سحر- روى- انه ابرأ فى يوم واحد خمسين الفا من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتاه عيسى ﵇ وكان يداويهم بالدعاء وحده على شرط الايمان ثم قال عيسى ﵇ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ فسألوا جالينوس عنه فقال الميت لا يحيى بالعلاج فان كان هو يحيى الموتى فهو نبى وليس بطبيب فطلبوا ان يحيي الموتى فاحيى اربعة انفس احيى العازر وكان صديقا له فارسل أخته الى عيسى ان أخاك العازر يموت فائته فكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة ايام فآتاه هو وأصحابه فوجدوه قدمات منذ ثلاثة ايام فقال لاخته انطلقي بنا الى قبره فانطلقت معهم الى قبره وهو فى صخرة مطبقة فقال عيسى ﵇ اللهم رب السموات السبع والأرضين السبع انك أرسلتني الى بنى إسرائيل ادعوهم الى دينك وأخبرهم انى احيى الموتى فاحى العازر فقام العازر وودكه يقطر فخرج من قبره وبقي وولد له واحيى ابن عجوز مر به ميتا على عيسى على سرير يحمل فدعا الله عيسى فجلس على سريره ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع الى اهله فبقى وولد له واحيى ابنة العاشر الذي يأخذ العشور قيل له احيها وقد ماتت أمس فدعا الله تعالى فعاشت وبقيت وولد لها فقالوا يحيى من كان قريب العهد من الموت فلعلهم لم يموتوا بل أصابتهم سكتة فاحى لنا سام بن نوح فقال عيسى دلونى على قبره فخرج والقوم معه حتى انتهى الى قبره فدعا الله تعالى بالاسم الأعظم فخرج من قبره وقد شاب رأسه فقال عيسى كيف شاب رأسك ولم يكن فى زمانك شيب قال يا روح الله لما دعوتنى سمعت صوتا يقول أجب روح الله فظننت ان القيامة قد قامت فمن هول ذلك شاب رأسى فسأله عن النزع فقال يا روح الله ان مرارته لم تذهب عن حنجرتى وقد كان من وقت موته اكثر من اربعة آلاف سنة فقال للقوم صدقوه فانه نبى فآمن به بعضهم وكذبه آخرون ثم قال له مت قال بشرط ان يعيذنى الله من سكرات الموت فدعا الله ففعل ثم طلبوا آية اخرى دالة على صدقه فقال وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ من انواع المآكل وَما تَدَّخِرُونَ اى وما تخبئون للغد فِي بُيُوتِكُمْ فكان يخبر الرجل بما أكل قبل وبما يأكل بعد ويخبر الصبيان وهو فى المكتب بما يصنع أهلهم وبما يأكلون ويخبأون لهم وكان الصبى ينطلق الى اهله ويبكى عليهم حتى يعطوه ما خبأوا له ثم قالوا لصبيانهم لا تلعبوا مع هذا الساحر وجمعوهم فى بيت فجاء عيسى ﵇ يطلبهم فقالوا ليسوا فى هذا البيت فقال فمن فى هذا البيت قالوا خنازير فقال ﵇ كذلك يكونون فاذاهم خنازير إِنَّ فِي ذلِكَ اى ما ذكر من الخوارق والأمور العظام لَآيَةً عظيمة لَكُمْ دالة على صحة رسالتى دلالة واضحة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ انتفعتم بها وَمُصَدِّقاً اى قد جئتكم ملتبسا بآية إلخ ومصدقا لِما بَيْنَ يَدَيَّ اى لما تقدمنى مِنَ التَّوْراةِ اى موافقا على ما كان قبلى وَجئتكم لِأُحِلَّ لَكُمْ لان أرخص لكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ اى فى شريعة موسى ﵇ من لحوم السمك ولحوم الإبل والشحوم والثروب جمع ثرب وهو شحم رقيق يتصل بالأمعاء ولحم كل ذى ظفر فاحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا اصطبة له وهى شوكة
стр. 491
الحائك التي بها يسوى السد او اللحمة وَجِئْتُكُمْ ملتبسا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ببرهان بين شاهد على صحة رسالتى فَاتَّقُوا اللَّهَ فى عدم قبولها ومخالفة مدلولها وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به وانها كم عنه بامر الله تعالى وتلك الآية هى قوله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ولا تعصوه بالشرك هذا اى الايمان بالله ورسوله والطاعة صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ طريق سوى يؤدى صاحبه الى الجنة وهو الحق الصريح الذي اجمع عليه الرسل قاطبة فتكون آية بينة على انه ﵇ من جملتهم فقوله إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ اشارة الى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد وقال فَاعْبُدُوهُ اشارة الى استكمال القوة العلمية فانه يلازم الطاعة التي هى الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي ثم قرر ذلك بان بين ان الجمع بين الامرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة ونظيره قوله ﷺ (قل آمنت ثم استقم) فالعلم والعمل من مبادى الاستقامة فعليك بالتمسك بالحجة القوية. وسئل الجنيد كيف السبيل الى الانقطاع الى الله فقال بتوبة تزيل الإصرار وخوف يزيل التسويف ورجاء يبعث على مسالك العمل وذكر الله تعالى على اختلاف الأوقات واهانة النفس بقربها من الاجل وبعدها من الأمل قيل له فبماذا يصل العبد الى هذا فقال بقلب مفرد فيه توحيد مجرد. وقال الحسن البصري رضى الله عنه ما طلب رجل هذا الخير يعنى الجنة الا اجتهد ونحل وذبل واستمر واستقام حتى يلقى الله تعالى اما ترى الى قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا. واعلم ان الاستقامة لا يطيقها الا الأكابر لانها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدى الله تعالى على حقيقة الصدق قال رسول الله ﷺ (لا يكونن أحدكم كالعبد السوء ان خاف عمل ولا كالاجير السوء ان لم يعط لم يعمل) قيل ولا يصح رفع الهمة عن الحظوظ جملة لان ذلك مكابرة مع الربوبية وانما المراد ان لا يطلب بالعمل فعلامة العبد الأديب ان يستمر على الطاعة فى باب مولاه ولا ينظر الى شىء سواه لا الى الجنة ولا الى النار فاذا جرد عمله وتوحيده عن الأغراض فقد استقام واتخذ الصراط المستقيم مذهبا والإرشاد الى هذا الطريق انما يفيد لمن كان له استعداد ازلى وقابلية اصلية فبالتربية يصير العبد قابل أنوار الصفات الالهية ويخرج من الظلمات البشرية فعليك بخدمة الكاملين والاستقامة فى طريق اليقين
ز خود بهترى جوى وفرصت شمار ... كه با چون خودى كم كنى روزكار
وفى الاتباع شرف عظيم قال تعالى مخاطبا لحبيبه ﵇ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وطاعة الرسول واتباعه من لوازم تقوى الله تعالى ألا ترى الى قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فاذا داوم العبد الاتباع يصل الى الاستقامة فانها ليست مما يحصل فى أول الأمر: قال مولانا جلال الدين الرومي قدس سره العزيز
سالها بايد كه اندر آفتاب ... لعل يابد رنك ورخشانى وتاب
فَلَمَّا الفاء فصيحة تفصح عن تحقق جميع ما قالته الملائكة وخروجه من القوة الى الفعل كأنه قيل فحملته فولدته فكان كيت وكيت وقال ذيت وذيت أَحَسَّ عِيسى أحس استعارة للعلم اليقيني الذي لا شبهة فيه كالاحساس وهو وجدان الشيء بالحاسة كأنه قبل
стр. 492
فلما علم مِنْهُمُ الْكُفْرَ علما لا شبهة فيه كما يدرك بالحواس من الضروريات منهم الكفر اى من بنى إسرائيل وأرادوا قتله وانهم لا يزدادون على رؤية الآيات الا الإصرار على الجحود قالَ لخلص أصحابه مستنصرا على الكفار مَنْ أَنْصارِي الأنصار جمع نصير إِلَى اللَّهِ متعلق بمحذوف وقع حالا من الياء اى من انصارى متوجها الى الله ملتجئا اليه ومن أعواني على اقامة الدين قالَ الْحَوارِيُّونَ جمع حوارى يقال فلان حوارى فلان اى صفوته وخاصته وهم اثنا عشر بعضهم من الملوك وبعضهم من صيادى السمك وبعضهم من القصارين وبعضهم من الصباغين والكل سموا بالحواريين لانهم كانوا أنصار عيسى ﵇ وأعوانه والمخلصين فى محبته وطاعته نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ اى أنصار دينه ورسوله قال تعالى إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ والله ينصر من ينصر دينه ورسله آمَنَّا بِاللَّهِ استئناف جار مجرى العلة لما قبله فان الايمان به تعالى موجب لنصرة دينه والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ مخلصون فى الايمان منقادون لما تريد من امر نصرتك طلبوا منه ﵇ الشهادة بذلك يوم القيامة يوم تشهد الرسل ﵈ لأممهم إيذانا بان مرمى غرضهم السعادة الاخروية رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ من الإنجيل على عيسى وهو تضرع الى الله تعالى وعرض لهم عليه تعالى بعد عرضها على الرسول مبالغة فى اظهار أمرهم وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ اى عيسى على دينه فى كل ما يأتى ويذر من امور الدين فيدخل فيه الاتباع فى النصرة دخولا أوليا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ اى مع الذين يشهدون بوحدانيتك او مع الأنبياء الذين يشهدون لاتباعهم او مع امة محمد ﷺ فانهم شهداء على الناس قاطبة وهو حال من مفعول اكتبنا. وفيه اشارة الى ان كتاب الأبرار انما يكون فى السموات مع الملائكة قال تعالى كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ فاذا كتب الله ذكرهم مع الشهداء المؤمنين كان ذكرهم مشهورا فى الملأ الأعلى وعند الملائكة المقربين وَمَكَرُوا اى الذين علم عيسى كفرهم من اليهود بان وكلوا به من يقتله غيلة وهو ان يخدعه فيذهب به الى موضع فاذا صار اليه قتله وَمَكَرَ اللَّهُ بان رفع عيسى ﵇ والقى شبهه على من قصد اغتياله حتى قتل وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أقواهم مكرا وانفذهم كيدا وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب- روى- ان ملك بنى إسرائيل لما قصد قتله ﵇ امره ان يدخل بيتا فيه روزنة فرفعه جبريل ﵇ من تلك الروزنة الى السماء وكساه الله الريش والبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطارمع الملائكة حول العرش وكان إنسيا ملكيا سماويا ارضيا ثم قال الملك لرجل خبيث منهم ادخل عليه فاقتله فدخل البيت فالقى الله شبهه ﵇ عليه فخرج يخبرهم انه ليس فى البيت فقتلوه وصلبوه ثم قالوا وجهه يشبه وجه عيسى وبدنه يشبه بدن صاحبنا فان كان هذا عيسى فاين صاحبنا وان كان صاحبنا فاين عيسى فوقع بينهم مقال عظيم ولما صلب المصلوب جات مريم ومعها امرأة ابرأها الله من الجنون بدعاء عيسى وجعلتا تبكيان على المصلوب فأنزل الله عيسى ﵇ فجاءهما فقال على من تبكيان قالتا عليك فقال ان الله رفعنى ولم يصبنى الا خيروان هذا شىء شبه لهم فلما كان بعد سبعة ايام قال الله لعيسى اهبط الى
стр. 493
المجدلانية على موضع فى جبلها فانه لم يبك عليك أحد بكاءها ولم يحزن أحد حزنها ثم استجمع الحواريين فبثهم اى فاجعلهم متفرقين فى الأرض دعاة الى الله فاهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا فجمعت له الحواريون فبثهم فى الأرض دعاة ثم رفعه الله اليه وتلك الليلة هى الليلة التي تدخن فيها النصارى فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ والمكر من المخلوقين الخبث والخديعة والحيلة والمكر من الله استدراج العبد واخذه بغتة من حيث لا يعلم فيها ايها العبد خف من وجود احسان مولاك إليك ودوام اساءتك معه فى دوام الطفه بك وعطفه عليك ان يكون ذلك استدراجا لك حتى تقف معها وتغتر بها وتفرح بما أوتيت فتؤخذ بغتة قال الله تعالى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. قال سهل رضى الله عنه فى معنى هذه الآية نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها فاذا ركنوا الى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا. وقال ابو العباس ابن عطاء يعنى كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وانسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة ومن جهل المريد بنفسه وبحق ربه ان يسيئ الأدب بإظهار دعوى او تورط فى بلوا فتؤخر العقوبة عنه امهالا له فيظنه إهمالا فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الامداد وأوجب الابعاد اعتبارا بالظاهر من الأمر من غير تعريج على ماوراء ذلك وما ذاك الا لفقد نور بصيرته او ضعف نورها وإلا فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر حتى ربما ظن انه متوفر فى عين تقصير ولو لم يكن من قطع المدد الا منع المزيد لكان قطعا لان من لم يكن فى زيادة فهو فى نقصان قال ﵇ (من استوى يوماه فهو مغبون) ولو لم يكن من الابعاد الا ان يخليك وما تريد فيصرفك عنه بمرادك هذا والعياذ بالله مكر وخسران. وعن ابن حنبل انه كان يوصى بعض أصحابه فقال خف سطوة العدل وارج رقة الفضل ولا تأمن من مكره تعالى ولو أدخلك الجنة ففى الجنة وقع لا بيك آدم ما وقع وقد يقطع بأقوام فيها فيقال لهم كلوا واشربوا هنيأ بما أسلفتم فى الأيام الحالية فقطعهم بالأكل والشرب عنه وأي مكر فوق هذا وأي خسران أعظم منه إِذْ قالَ اللَّهُ اى اذكر وقت قول الله يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ اى مستوفى أجلك ومعناه انى عاصمك من ان يقتلك الكفار ومؤخرك الى أجل كتبته لك ومميتك ختف انفك لاقتلا بايديهم وَرافِعُكَ الآن إِلَيَّ اى الى محل كرامتى ومقر ملائكتى وجعل ذلك رفعا اليه للتعظيم ومثله قوله إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي وانما ذهب ابراهيم ﵇ من العراق الى الشام وقد يسمى الحاج زوار الله والمجاورون جيران الله وكل ذلك للتفخيم فانه تعالى يمتنع كونه فى المكان وَمُطَهِّرُكَ اى مبعدك ومنحيك مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا اى من سوء جوارهم وخبث صحبتهم ودنس معاشرتهم. قيل سينزل عيسى ﵇ من السماء على عهد الدجال حكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية فيفيض المال حتى لا يقبله أحد ويهلك فى زمانه الملل كلها الا الإسلام ويقتل الدجال ويتزوج بعد قتله امرأة من العرب وتلد منه ثم بموت هو بعد ما يعيش أربعين سنة من نزوله فيصلى عليه المسلمون لانه سأل ربه ان يجعله من هذه الامة فاستجاب الله دعاءه وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ وهم
стр. 494
المسلمون لانهم متبعوه فى اصل الإسلام وان اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم الذين مكروا به ﵇ ومن يسير بسيرتهم من اليهود فان اهل السلام فوقهم ظاهرين بالعزة والمنعة والحجة إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ غاية للجعل لا على معنى ان الجعل ينتهى حينئذ ويتخلص الكفرة من الذلة بل على معنى ان المسلمين بعلونهم الى تلك الغاية فاما بعدها فيفعل الله تعالى بهم ما يريد ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ اى رجوعكم بالبعث والضمير لعيسى ﵇ وغيره من المتبعين له والكافرين به على تغليب المخاطب على الغائب فى ضمن الالتفات فانه ابلغ فى التبشير والانذار فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يومئذ اثر رجوعكم الى فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من امور الدين فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا بالسيف والسبي وأخذ الجزية وإيصال الأمراض والمصائب فانها من العقوبات فى حق الكافر ومن المثوبات فى حق المؤمن لانها ابتلاء محض له وَالْآخِرَةِ بعذاب النار وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يخلصونهم من عذاب الله فى الدارين وصيغة الجمع لمقابلة ضمير الجمع اى ليس لواحد منهم ناصر واحد وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بما أرسلت به وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كما هو ديدن المؤمنين فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ اى يعطيهم أجور أعمالهم كاملة ولعل الالتفات الى الغيبة للايذان بما بين مصدرى التعذيب والاثابة من الاختلاف من حيث الجلال والجمال وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ اى يبغضهم ولا يرضى عنهم ذلِكَ اشارة الى ما سلف من نبأ عيسى ﵇ وغيره نَتْلُوهُ عَلَيْكَ اى نقرأه عليك يا محمد وأسند تلاوته الى نفسه مع ان التالي هو الملك المأمور بها على طريق اسناد الفعل الى السبب الآمر وفيه تعظيم بليغ وتشريف عظيم للملك وانما حسن ذلك لان تلاوة جبريل لما كانت بامره تعالى من غير تفاوت أصلا أضيف ذلك اليه تعالى مِنَ الْآياتِ حال من الضمير المنصوب اى من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لانها اخبار لا يعلمها إلا قارئ الكتاب او من يوحى اليه فظاهر انك لا تكتب ولا تقرأ فبقى ان ذلك من الوحى وَالذِّكْرِ اى القرآن الْحَكِيمِ اى المشتمل على الحكم او المحكم الممنوع من تطرق الخلل اليه والاشارة ان الله تعالى قال لعيسى ﵇ يا عيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ عن الصفات النفسانية والأوصاف الحيوانية وَرافِعُكَ إِلَيَّ بجذبات العناية فمن لم يصر فانيا عما سوى الله لا يكون له وصول الى مقام معرفة الله فعيسى لما رفع الى السماء صارت له حالة كحال الملائكة فى زوال الشهوات والغضب والأخلاق الذميمة. فعلى السالك ان ينهى نفسه عن الهوى ويتبع طريق الهدى ويعتبر بالآيات والذكر الحكيم كى يصل الى النعيم المقيم ويجتنب الظلم فان الله تعالى قال وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ اى الذين يظلمون على أنفسهم بانقضاء العمر فى طلب غير الله
خلاف طريقت بود كاوليا ... تمنا كنند از خدا جز خدا
فاهل الطريقة هم الذين يمحون نقش الغير عن صفحات القلب ويزكون نفوسهم عن الأوصاف المذمومة فانها مانعة من العروج الى سماء المعرفة وعلو الوصال: قال مولانا جلال الدين رومى قدس سره
стр. 495
آن يكى نحوى بكشتى درنشست ... رو بكشتيبان نهاد آن خود پرست
كفت هيچ از نحو حواندى كفت لا ... كفت نيم عمر تو شد در فنا
دل شكسته كشت كشتيبان ز تاب ... ليك آن دم كشت خواموش از جواب
باد كشتى را بگردابى فكند ... كفت كشتيبان بدان نحوى بلند
هيچ دانى آشنا كردن بگو ... كفت نى اى خوش جواب خوب رو «١»
كفت كل عمرت اى نحوى فناست ... زانك كشتى غرق اين كردا بهاست
محو مى بايد نه نحو اينجا بدان ... كر تو محوى بيخطر در آب ران
آب دريا مرده را بر سر نهد ... ور بود زنده ز دريا كى رهد
چون بمردى تو ز أوصاف بشر ... بحر اسرارت نهد بر فرق سر
فقد ظهر ان الذين يطلبون غير الله هم غرقى فى بحر الهوى والشهوات لا يقدرون على التصعد الى الأعلى واما الذين تخلصوا من قشر الوجود ووصلوا بالفناء عن ذواتهم الى عالم الشهود فهم يطيرون باجنحة أنوار حالهم مع الملائكة المقربين لتخلصهم من الأثقال الدنيوية والاشغال القالبية والبدنية قال تعالى إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى بالتجرد عن الهيآت الجسمانية والتعلقات البدنية فَانْفُذُوا لتنخرطوا فى سلك الارادة الملكوتية والنفوس الجبروتية وتصلوا الى الحضرة العلية لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ اى بحجة بينة هى التوحيد والتجريد والتفريد بالعلم والعمل والفناء فى الله تعالى قال عيسى ﵇ [لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين] والولادة نوعان. اضطراري يخلق الله تعالى ولا دخل فيه للكسب والاختيار وذلك ظاهر. واختياري يحصل بالكسب وهو الذي أشار اليه عيسى ﵇ وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى ويداوى بدواء افضاله هذه النفوس المرضى انه بكل شىء قدر وبتيسيره يسهل كل امر عسير إِنَّ مَثَلَ عِيسى اى شانه البديع المنتظم لغرابته فى سلك الأمثال عِنْدَ اللَّهِ اى فى تقديره وحكمه كَمَثَلِ آدَمَ اى كحاله العجيبة التي لا يرتاب فيها مرتاب ولا ينازع فيها منازع خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ تفسير للمثل لا محل له من الاعراب اى خلق قالب آدم من تراب. فان قيل الضمير فى خلقه راجع الى آدم وحين كان ترابا لم يكن آدم موجودا. قلنا لما كان ذلك الهيكل بحيث سيصير آدم عن قريب سماه آدم قبل ذلك تسمية لما سيقع بالواقع ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ اى انشأ بشرا فَيَكُونُ والمقتضى ان يقال فكان اى كان كما امره الله الا انه عدل الى المضارع حكاية للحال التي كان آدم عليها اى تصويرا لذلك الإيجاد الكامل بصورة المشاهد الذي يقع الآن- روى- ان وفد نجران قدموا المدينة وهم اربعة عشر رجلا من اشرافهم. منهم السيد وهو كبيرهم واسمه اهيب. والعاقب الذي بعده وهو صاحب رأيهم واسمه عبد المسيح. والثالث ابو حارثة ابن علقمة الأسقف وكان فى شرف وخطر عظيم وكان ملك الروم بنى له الكنائس وكان يبعث له بالكرامات فاقبلوا حتى قدموا على النبي ﵇ فى مسجد المدينة بعد العصر عليهم ثياب حسان ولهم وجوه جسام فقاموا وصلوا واستقبلوا قبلتهم وأراد اصحاب النبي صلى الله عليه